← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 4983–5022 · переход к 4988.

стр. 4983

وقال أبو حنيفةَ: أُقسِمُ، وأشهدُ، وأعزِمُ، وأحلِفُ كلُّها أيمانٌ، وإن لم يَقُل: باللّه، وهُو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وقولُ الحسنِ، والنَّخَعيِّ (١). واختلفُوا فيمَنْ حلَفَ: بحقِّ اللّه، أو: بعَهدِ اللّه. أو: ميثاقِهِ، ونحوِ ذلكَ، فقال مالكٌ: من حلفَ: بحقِّ اللّه: فهي يمين. قال: وكذلكَ: عهدُ اللّه، وميثاقُهُ، وكَفالتُهُ، وعِزَّتُهُ، وقُدرتُهُ، وسُلطانُهُ، وجميعُ صِفاتِ اللّه وأسمائهِ، هي أيمان كلُّها فيها الكفّارةُ، وكذلك: لعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه (٢). وقال الشّافِعيُّ (٣) في: وحقِّ اللّه، وجَلالِ اللّه، وعظَمتِهِ (٤)، وقُدْرتِهِ: يمين، إن نَوَى بها اليمينَ، وإن لم يُرِدِ اليمينَ، فلَيْست بيمينٍ، لأنَّهُ يحتمِلُ: وحقُّ اللّه واجِبٌ، وقُدرةُ اللّه ماضيةٌ. وقال في: أمانةُ اللّه: لَيْست بيمينٍ، وفي: لَعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه: إن لم يُرِد بها اليمينَ، فليست بيمينٍ. وقال الأوزاعيُّ: من قال: لعَمْرُ اللّه، وايمُ اللّه (٥)، لأفعلنَّ كذا، ثُمَّ حنِثَ: فعليه كفّارةُ يمينٍ (٦). وقال أبو حنيفةَ: إن قال: وحقِّ اللّه، فهِيَ يمينٌ، فيها كفّارةٌ (٧). وقال محمدُ بن الحَسَنِ: لَيْست بيمينٍ، ولا فيها كفّارةٌ (٨).

стр. 4984

وقال الرّازيُّ (١): قولُ أبي حَنِيفةَ في هذا، مِثلُ قولىِ محمدٍ: لَيْست بيمينٍ، وكذلكَ: عهدُ اللّه، وميثاقُهُ، وأمانتُهُ. ليست بيمينٍ. وقال أبو حنيفةَ: في قولِهِ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢]: هي الأيمانُ والشَّرائعُ. وقال بعضُ أصحابِهِ: هي يمينٌ (٢). وقال الطَّحاويُّ (٣): ليست بيمينٍ. وقال الشّافِعيُّ (٤): من حلَفَ بالقُرآنِ، فحنِثَ فعَلَيهِ الكفّارةُ. وقال أحمدُ بن حَنْبل: من حلَفَ بالقُرًانِ، أو بحقِّ القُرآنِ، فحنِثَ، لزِمتهُ بكلِّ آيةٍ كفّارةٌ (٥). وأجمعُوا أنَّ الاسْتِثناءَ في اليمينِ باللّه جائزٌ (٦)، واختَلفُوا في الاسْتِثناءِ في اليَمينِ بغيرِ اللّه، من: الطَّلاقِ، والعِتقِ، وغيرِ ذلك، وما أجمعُوا عليه فهُو الحقُّ، وإنَّما وردَ التَّوقيفُ في الاسْتِثناءِ في اليَمينِ باللّه، لا في غيرِ ذلك. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيَينةَ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من حلَفَ

стр. 4985

فقال: إن شاءَ اللّه، فقدِ اسْتَثْنَى" (١). وأيُّوبُ هذا هُو: أيُّوبُ بن موسى القُرشي الأُمويُّ. وقد رَوَى هذا الحديثَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: حدَّثنا (٢) عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن عيسى (٤) ومُسدَّدٌ، قالا: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "من حلَفَ فاسْتَثنى، فإن شاءَ رجَعَ، وإن شاءَ تركَ". وذكر عبدُ الرَّزّاق (٥)، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن أبي هُريرةَ قال: قال رسُولُ اللّه ﷺ : "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللّه، لم يَحْنَثْ". وروى مالكٌ (٦)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: من قال: واللّه، ثُمَّ قال: إن شاءَ اللّه، لم يَحْنَثْ.

стр. 4986

أخبرنا سعيدُ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن دُحَيم بن خليلٍ، قال: حدَّثنا أبو عَرُوبةَ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن سيّارٍ، قال: حدَّثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن عُبيدِ اللّه بن عُمرَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "من حلَفَ فقال: إن شاءَ اللّه، فلا حِنْثَ عليه" (١). جَعَلهُ مالكٌ موقُوفًا على ابن عُمرَ (٢). وأجمعُوا أنَّ الاسْتِثناءَ إن كان في نَسَقِ الكلام دُونَ انقِطاع بيِّنٍ في اليَمينِ باللّه، أَنَّهُ جائزٌ، واختَلفُوا فيه إذا كان بعدَ سُكُوتٍ وطُولٍ.

стр. 4987

حديثٌ ثالثُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ اللّه بن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ قطَعَ في مِجَنٍّ، قيمتُهُ (٢) ثلاثة دَراهِمَ. هذا أصحُّ حديثٍ يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ، لا يختلِفُ أهلُ العِلْم بالحديثِ في ذلك (٣). والمِجنُّ: التُّرسُ، والدَّرَقةُ، وذلكَ معرُوفٌ، يَستغني عن التَّفسيرِ. والذي عوَّلَ عليه مالكٌ (٤)، وجَعلهُ أصلًا يَرُدُّ إليه قيمةَ العُرُوضِ المسرُوقةِ كلِّها في هذا البابِ، هُو هذا الحديثُ، فمن سرَقَ شيئًا من الأشياءِ التي يحِلُّ تَمَلّكها (٥) إذا كان لها مالكٌ، وكانت في حَوْز (٦)، فسرَقَ السّارِقُ شيئًا منها، وأخرجهُ عن حِرْزِهِ، وبان به، وبلَغَ في قيمتِهِ عندَ التَّقويم في حينِ السَّرِقةِ ثلاثةَ دَراهِمَ كَيْلًا من وَرِقٍ طيِّبةٍ لا دُلْسةَ فيها، وجَبَ قطعُ يَدِ السّارِقِ لذلكَ، حُرًّا كان أو عبدًا، شريفًا كان أو وَضِيعًا، إذا كان بالِغًا مُكلَّفًا، تجري عليه الفَرائضُ والحُدُودُ، ولم يَكُن عبدًا سرَقَ من مالِ سيِّدِهِ، ولا خائنًا فيما اؤتُمِنَ عليه. وإن نَقَصت قَيمةُ المسرُوقِ عن ثَلاثةِ دراهِمَ، لم يَجِبْ قَطْعُهُ، وكان عليه الغُرمُ، وإن رأى الحاكِمُ باجْتِهابٍ أن يُؤَدِّبهُ بالدِّر، أو بالسَّوطِ، ضَرْبًا غيرَ مُبرِّح، أدَّبهُ كذلك.

стр. 4988

فإن كان المسرُوقُ ذَهَبًا، عينًا أو تِبْرًا، مَصوغًا أو غيرَ مصوغ، لم يُنْظرْ فيه إلى قِيمَةِ الثَّلاثةِ دَراهِمَ، ورُوعي فيه رُبعُ دينارٍ، واعتُبِر ذلك، فإن بلَغَ رُبعَ دينارٍ وزنًا، قُطِعُ يَدُ سارِقِهِ على الشُّرُوطِ التي وصفنا. وإن كان المسرُوقُ فِضَّةً، اعتُبِرَ فيه وَزْنُ الثَّلاثةِ الدّراهم المذكُورةِ، فإن بلَغَ ذلك الوزنَ، ففيه القطعُ. وما عدا الذَّهب والوَرِقَ، فالاعتِبارُ في تقويمِهِ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ: الثَّلاثةُ دراهِم المذكُورةُ، دُونَ مُراعاةِ رُبع دينار. فقِفْ على هذا وافهمهُ. وبهذا كلِّهِ قال أحمدُ بن حَنْبل في الذَّهبِ والفِضَّةِ، وتقويم العُرُوضِ، كقولِ مالكٍ سواءً، لا يُخالِفُ في شيءٍ من ذلك. قال أحمدُ: إن سرَقَ من الذَّهبِ رُبعَ دينارٍ فصاعِدًا، قُطِعت يَدُهُ، وإن سرَقَ من الدَّراهِم ثلاثةَ دراهِم فصاعِدًا، قُطِعت يَدُهُ، وإن سرَقَ عَرْضًا، قُوِّم، فإن بَلَغت قيمتُهُ ثلاثةَ دراهِمَ، قُطِعت يَدُهُ (١). وهذا وقولُ مالكٍ سَواءٌ. والحُجَّةُ لمن ذهَبَ هذا المذهب: حديثُ ابن عُمرَ المذكُورُ في هذا البابِ. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدِ بن نَصْرٍ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغِ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عبدُ اللّه بن رَوْح المَدائنيُّ (٢)، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبرنا محمدُ بن إسحاقَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سرَقَ حَجَفةً، فأُتي به النَّبيَّ لمجيمّ، فأمَرَ بها فقُوِّمت ثلاثةَ دراهِمَ، فقَطَعهُ (٣).

стр. 4989

وقال ابن جُرَيج: أخبرنا إسماعيلُ بن أُميَّةَ، أنَّ نافعًا حدَّثهُ، أنَّ عبدَ اللّه بن عُمرَ حدَّثهُم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قطَعَ يَدَ رجُلٍ سرَقَ تُرسًا من صُفَّةِ (١) النِّساءِ ثمنُهُ ثلاثةُ دراهِم (٢). وقال أَيُّوبُ (٣)، وعُبيدُ اللّه (٤) وعبدُ اللّه (٥) ابنا عُمرَ، وأُسامةُ بن زيد (٦)، وغيرُهُم، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ قطَعَ في مِجَنٍّ قيمتُهُ (٧) ثلاثةُ دراهِمَ، كما قال مالكٌ. والمعنى كلُّهُ واحدٌ لم يُختَلَف فيه؛ لأنَّ التُّرسَ، والحَجَفةَ، والمِجنَّ، شيءُ واحدٌ، وهي أسماءٌ مُختلِفةٌ بمعنًى واحدٍ.

стр. 4990

وأمّا حديثُ الرُّبعُ دينارٍ، فحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ بن عُيَينةَ، قال: حدَّثنا أربعةٌ عن عَمْرةَ، عن عائشَةَ لم يرفعُوهُ: عبدُ اللّه بنُ أبي بكرٍ، ورُزيقُ (٢) بن حَكِيم الأيليُّ، وعبدُ ربِّهِ (٣) بن سَعيدٍ، ويحيى بن سعيدٍ. إلّا أنَّ في حَديثِ يحيى ما دلَّ على الرَّفع، لقولِه (٤): ما نَسِيتُ، ولا طالَ عليَّ القَطْعُ في رُبع دينارٍ فصاعِدًا. قال (٥): وحدَّثنا الزُّهْريُّ، وكان أحفظَهُم، قال: أخْبَرتني عَمْرةُ، عن عائشَةَ، أنَّها سَمِعتها تقولُ: إنَّ رسُولَ اللّه ﷺ كان يَقْطعُ في رُبع دينارٍ فصاعدًا. فرَفَعهُ الزُّهريُّ، وهُو أحفظُهُم. قال أبو عُمر: رَفْعُ هذا الحديثِ صحيحٌ من رِوايةِ ابن شِهابٍ وغيرِهِ، وسَنَذكُرُ طُرُقَه في بابِ يحيى بن سعيدٍ، من هذا الكِتابِ إن شاءَ اللّه. وهُو حديثٌ مَدَنيٌّ ثابِتٌ لا مدفَعَ فيه أيضًا، ولا مَطْعنَ لأحَدٍ، وعليه عوَّل مالكٌ (٦) وأهلُ المدينةِ، والشَّافِعيُّ، وفُقهاءُ الحجازِ، وجماعةُ أصحابِ الحديثِ، فيمَنْ سرَقَ رُبعَ دينارٍ ذَهَبًا، أنَّهُ يُقطَعُ.

стр. 4991

لكِنَّ الشّافِعيَّ جحَلَ هذا الحديثَ أصلًا ردَّ إليه تقويمَ العُرُوضِ، فمن سرَقَ عندَهُ من ذَهَبٍ، تِبرٍ أو عينٍ، رُبعَ دينارٍ فصاعدًا، على ما ذكَرْنا من شُرُوطِ السَّرِقةِ، وجَبَ عليه القَطْعُ، ومن سرَقَ فِضَّةً وَزْنَ (١) ثلاثةِ دراهِمَ كيلًا، فعليه أيضًا القَطْعُ، إذا كانت رُبعَ دينار؛ لأنَّ الثَّلاثةَ دراهِمَ التي قُوِّمَ بها المِجنُّ في حديثِ ابن عُمرَ، وقوَّمَ بها عُثمانُ الأُترُنْجَةَ (٢)، كانت عِندَهُم في ذلكَ الوَقْتِ من صَرْفِ اثْنَي عشرَ دِرهمًا بدينارٍ (٣). ومن سرَقَ عندَ الشّافِعيِّ شيئًا من العُرُوضِ، قُوِّم بالرُّبع دينارٍ، لا بالثَّلاثةِ دراهِمَ، على غلاءِ الذَّهَبِ ورُخْصِهِ، فإن بلَغَ العَرْضُ المسرُوقُ رُبعَ دينارٍ بالتَّقويم، قُطِع سارِقُهُ. وهُو قولُ إسحاقَ بن راهُويَةَ، وأبي ثور، وجماعةٍ من التّابِعين. وقال داودُ بن عليٍّ: لا تُقطعُ اليَدُ في أقَّلًّ من رُبع دينارٍ عينًا من الذَّهَبِ، أو قيمةَ ذلك من كلِّ شيءٍ. قال: وحديثُ ابن عُمر في تقويم المِجنِّ بثلاثَةِ دراهِمَ، إنَّما كان ذلك، لأنَّ الثَّلاثةَ دراهِمَ كانت يومَئذٍ قيمةَ رُبع دينارٍ؛ لأنَّ الدِّيةَ كانت تُقوَّمُ اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرْهم، وكان الصَّرفُ اثْنَيْ عشَرَ درهمًا (٤) بدينارٍ. قال: فليسَ في حديثِ ابن عُمر خِلافٌ لحديثِ عائشةَ في الرُّبع دينارٍ، ولو خالَفهُ، كانتِ الحُجَّةُ فيما رَوَتهُ عائشةُ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "القَطْعُ في رُبع دينارٍ فصاعَدًا" (٥).

стр. 4992

وأمّا حديثُ ابن عُمرَ، فليسَ فيه: أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ قال: اقْطَعُوا اليدَ في ثلاثةِ دراهِم فصاعدًا. وإنَّما ذلك من قولِ ابن عُمرَ: أنَّ قيمَةَ المِجنِّ كانت ثلاثةَ دَراهِم يومَئذٍ، فاحتَمَلَ ما ذكَرْنا على أَنَّهُ قد خالَفهُ غيرُهُ في ذلك. وقال سُفيانُ الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسُفَ، ومحمدٌ: لا تُقطَعُ اليَدُ إلّا في عَشَرةِ دراهِمَ، يعني: كيلًا، أو دينارٍ ذَهَبًا أو عينًا أو وزنًا، ولا يُقطَعُ حتّى يخرُجَ بالمتاع من مِلْكِ الرَّجُل (١). وحجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهَبَ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا يوسُفُ بن عديٍّ، قال: حدَّثنا ابنُ إدريسَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن عَمرِو بن شُعَيب، عن أبيهِ، عن جدِّهِ، قال: قيمَةُ المِجَنِّ الذي قطَعَ فيه رسُولُ اللّه ﷺ عَشَرَةُ دراهِمَ (٢). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا يوسُفُ، قال: حدثنا (٣) ابنُ إدريس، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاق، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: قُوِّمَ المِجَنُّ الذي قطَعَ فيه النَّبيُّ ﷺ عَشَرةَ دراهِمَ (٤).

стр. 4993

وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وأحمدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا وَهْبُ بن مسرَّةَ وقاسمُ بن أصبَغَ، قالا: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (١): حدَّثنا ابنُ نُمَيرٍ وعبدُ الأعلى، قالا: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أيُّوبَ بن (٢) موسى، عن عَطاءٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: كان ثَمَنُ المِجنِّ على عَهدِ رسُولِ الله ﷺ عَشَرةَ دَراهِمَ. قال أبو عُمر: اختَلَفتِ الآثارُ في ثَمَنِ المِجنِّ، فرَوَى ابنُ عُمرَ ما وَصَفْنا، وروى ابنُ عبّاسٍ ما ذكَرْنا. وكذلكَ رَوى عَمرُو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ. وقد رُوِيَ أنَّ ثَمَنَهُ كان دينارًا، أو عَشَرةَ دراهِمَ (٣)، هكذا. ورُوِيَ أنَّ ثَمَنَهُ كان ثلاثةَ دراهِمَ، أو خمسةَ دراهمَ، رواهُ سعيدٌ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ مرفُوعًا (٤). وخالَفَ شُعبةُ سعيدًا، فرَواهُ، عن قتادةَ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: سرَقَ رجُلٌ مِجَنًّا على عَهْدِ أبي بكرٍ، فقُوِّمَ خَمْسةَ دراهِمَ، فقُطِعَ (٥). وهذا عندَ أهلِ الحديثِ أوْلى من حديثِ سعيدٍ.

стр. 4994

وليسَ في شيءٍ من هذه الأسانيدِ التي وَرَدت بذِكرِ المِجنِّ، أصحُّ إسنادًا من حديثِ (١) ابن عُمرَ عندَ أهلِ العِلم بالنَّقلِ. وكان ابنُ شُبرُمةَ، وابنُ أبي ليلى يقولانِ: تُقطَعُ اليدُ في خَمْسةِ دراهِمَ فصاعِدًا. ذهَبا إلى حديثٍ يَرْويهِ الثَّوريُّ، عن عيسى بن أبي عزَّةَ، عن الشَّعبيِّ، عن عبدِ اللّه بن مسعُودٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قطَعَ في قيمَةِ خَمْسةِ دراهِمَ (٢). والشَّعبيُّ لم يسمَعْ منَ ابن مسعُودٍ. وهذا الحديثُ عندَهُم ضعيفٌ. وقدِ اختُلِفَ في حديثِ أنسٍ كما ذكَرْنا. وإنَّما مال الشّافِعيُّ ﵀ في التَّقويم إلى حديثِ الرُّبع دينارٍ؛ لأنَّهُ حَدِيثٌ مَدَنيٌّ صحيحٌ، رواهُ جماعةُ الأئمَّةِ بالمدينةِ، وتَرَك حديثَ ابن عُمرَ، لِما رآهُ، واللّه أعلمُ، من اختِلافِ الصّحابةِ في المِجَنِّ الذي قطعَ فيه رسُول اللّه ﷺ : فابنُ عُمر يقولُ: ثلاثةُ دراهِمَ، وابنُ عبّاسٍ وعبدُ اللّه بن عَمرٍو يقولانِ: عَشَرةُ دراهِمَ (٣). وغيرُهُم يقولُ: ما وصَفْنا. وحديثُ عائشةَ في الرُّبع دينارٍ حديث صحيح ثابِت، لم يُختَلَف فيه عن عائشةَ، إلّا أنَّ بعضَهُم وقفهُ، ورَفَعهُ من يجِبُ العملُ بقولِهِ، لحِفظِهِ وعَدالتِهِ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داود، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن

стр. 4995

سَعدٍ، عن ابن شِهاب، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان يَقْطعُ في رُبع دينارٍ فصاعِدًا (١). وكذلكَ رواهُ مَعْمرٌ (٢)، وابنُ عُيينةَ (٣)، ويونُسُ بن يزيدَ (٤)، وابنُ مُسافِر (٥)، وسائرُ أصحابِ ابن شِهابٍ مُتَّصِلًا مرفُوعًا، وحسبُكَ بابنِ لثِمهاب، وقد ذكَرْنا الآثارَ عنهُ وعن غيرِهِ في ذلكَ عندَ ذِكرِ يحيى بن سعيدٍ، عن عَمْرةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه. والقَطع في السَّرِقةِ، من مَفْصِل الكُوع، تُقطَعُ يدُهُ اليُمنى في أوَّلِ سَرِقَته (٦)، وتُحسمُ بالنّارِ، إن خُشِيَ عليه التَّلفُ.

стр. 4996

ثُمَّ إن عادَ فسرقَ، قُطِعت رِجلُهُ اليُسرَى من المَفْصِل تحت الكَعْبين (١). ثُمَّ إن عادَ فسرَقَ، قُطِعَتْ يدُهُ اليُسرى. ثُمَّ إن عادَ فسَرَقَ قُطِعت رِجلُهُ اليُمنى (٢). ثُمَّ إن عادَ ضُرِبَ عَشَرةَ أسواطٍ أو أقلَّ، على قَدْرِ (٣) ما يَراهُ الحاكِمُ، اجتِهادًا لذنبِهِ، وردعًا للسّارقِ، ثُمَّ حَبَسَهُ. وعلى هذا التَّرتيبِ في قَطْع اليَدِ، ثُمَّ الرِّجلِ، ثُمَّ اليدِ، ثُمَّ الرِّجلِ، على ما وصَفْنا، مذهبُ جماعَةِ فُقهاءِ الأمْصارِ، أهلِ الفِقهِ والأثر، وهُو عَملُ الصَّحابةِ والتّابِعينَ بالمدينةِ، وغيرِها. وشَذَّ قومٌ عن الجُمهُورِ، فلم يَرَوْا قطعَ رِجْلِ السّارِقِ. ولم نَعُدُّهُ (٤) خِلافًا فتَرَكناهُم. رُوي ذلكَ عن رَبِيعةَ، وبه قال أصحابُ داود. وأجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّ السَّرِقةَ إذا وجَدَها صاحِبُها بعَينِها بيَدِ السّارِقِ، قبلَ أن يُقطَعَ، أو بعدَ ذلكَ: فلهُ (٥) أخْذُها، وأنَّها مالُهُ، لا يُزيلُ مِلْكَها عنهُ قَطْعُ يَدِ السّارِقِ. واختَلفُوا في وُجُوبِ الغُرْم على السّارِقِ إذا قُطِعَ، وفاتت السَّرِقةُ عندَهُ.

стр. 4997

فقال: الثَّوريُّ، وسائرُ الكُوفيِّينَ: إذا قُطِع السّارِقُ، فلا غُرمَ عليه (١). وهُو قولُ الطَّبَريِّ. وحجَّةُ من ذهَبَ هذا المذهبَ: حديثُ المِسوَرِ بن إبراهيمَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوف (٢). وبَعضُهُم يَرْويهِ عن المِسْوَرِ، عن أبيهِ، عن جَدِّهِ، أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ قال: "إذا أُقِيمَ على السّارِقِ الحدُّ، فلا غُرْمَ عليه" (٣). قال أبو عُمر: هذا حديثٌ ليسَ بالقويِّ، ولا تقومُ به حُجَّةٌ (٤). وقد قال الطَّبريُّ: القيالسُ أنَّ عليه غُرْمَ ما اسْشَهلكَ، ولكِنْ تَرَكنا ذلكَ، اتِّباعًا للأثَرِ في ذلك، يعني: الحديثَ الذي ذكَرْنا عن عبدِ الرَّحمنِ بن عوفٍ. قال أبو عُمر: تركُ القياسِ لضَعْفٍ الأثرِ غيرُ جائزٍ، لأنَّ الضَّعيفَ (٥) لا يُوجِبُ حُكْمًا.

стр. 4998

وقال مالكٌ وأصحابُهُ: إن كان مُوسِرًا غَرِمَ، وإن كان مُعسِرًا لم يُتْبَعْ به دينًا، ولم يكُن عليه شيءٌ (١). ويُروى مِثلُ ذلك عن الزُّهريِّ. وقال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وداودُ، وهُو قولُ الحَسَنِ، وحمّادِ بن أبي سُليمان: يُغرَمُ السّارِقُ قِيمَةَ السَّرِقةِ، مُوسِرًا كان أو مُعسِرًا، وتكونُ دينًا عليه مَتَى أيسر أدّاهُ (٢). وقال الشّافِعيُّ (٣) ﵀: أُغرِّمُ السّارِقَ ما سرَقَ، قُطِع أو لم يُقطَعْ، وكذلك إذا قطَعَ الطَّريق. قال: والحدُّ (٤) للّه ، فلا يُسقِطُ حدَّ اللّه غُرْمُ ما أتلَفَ للعِبادِ.

стр. 4999

حديثٌ رابعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ (٢) اللّه بن عُمرَ: أنَّ اليهُودَ جاءت (٣) إلى رسُولِ اللّه ﷺ ، فذكرُوا أنَّ رَجُلًا منهُم وامْرَأةً زَنَيا، فقال لهم رسُولُ اللّه ﷺ : "ما تجِدُونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْم؟ "، فقالوا: نَفْضَحُهُم، ويُجلَدُونَ. فقال عبدُ اللّه بن سلَام: كَذَبتُم، إنَّ فيها آيةَ (٤) الرَّجم، فأتَوْا بالتَّوراةِ فنَشرُوها، فوضَعَ أحدُهُم يدَهُ على آيةِ الرَّجم، ثم قرأ (٥) ما قَبْلَها وما بعدَها، فقال له (٦) عبدُ اللّه بن سلَام: ارْفعْ يدَكَ، فرفَعَ يدهُ، فإذا فيها آيةُ الرَّجم، فقالوا: صدَقَ يا محمدُ، فيها آيةُ الرَّجم (٧)، فأمَرَ بهما رسُولُ اللّه ﷺ فرُجِما. قال عبدُ اللّه بن عُمرَ: فرأيتُ الرَّجُلَ يَحْني على المرأةِ يَقِيها الحِجارةَ. قال أبو عُمر: هكذا قال يحيى عندَ أكثرِ شُيُوخِنا: يَحْني على المرأةِ. وكذلك قال القَعْنبيُّ (٨)، وابنُ بُكَيرٍ، بالحاءِ، وقد قيلَ عن كُلِّ واحدٍ منهُما: يَجْني، بالجيم. وقال أيُّوبُ: عن نافع: يُجانئ (٩) عنها بيدِه (١٠).

стр. 5000

وقال مَعْمرٌ، عن الزّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمرَ: يُجافي بيَدِه (١). والصَّوابُ فيه عندَ أهلِ اللّغةِ: يجنأُ عن المرأةِ، بالهمزِ، أي: يميلُ عليها، يُقالُ: منهُ: جنأ يجنأُ جنأ وجُنُوءًا، إذا مال، والإجناءُ: التَّثنّي، ويَحْني ويَجْني، بمعنًى واحد (٢). وفي هذا الحديثِ من الفِقهِ: سُؤالُ أهلِ الكِتابِ عن كِتابِهِم، وفي ذلك دليلٌ على أنَّ التَّوراةَ صَحِيحةٌ بأيديهِم، ولولا ذلكَ، ما سألهم رسُولُ اللّه ﷺ ، ولا دَعا بها. وفيما ذكَرْنا دليلٌ على أنَّ الكُتّابَ الذينَ كانوا يكتُبُونهُ بأيديهِم، ثُمَّ يقولُونَ: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، هي كُتُبُ أحبارِهِم وفُقهائهِم ورُهبانِهِم، كانو يصنعُونَ لهم كُتُبًا من آرائهِم وأهوائهِم، ويُضيفُونها إلى اللّه ، ولهذا وشِبْهِهِ من إشكالِ أمرِهِم، نُهينا عن التَّصديقِ بما حَدَّثوا (٣) به، وعنِ التَّكذيبِ بشيءٍ من ذلكَ؛ لئلّا نُصدِّقَ بباطِل، أو نُكذِّبَ بحقٍّ، وهُم قد خَلَطُوا الحقَّ بالباطل. ومن صَحَّ عندَهُ شيءٌ من التَّوراةِ بنَقلِ مِثلِ ابن سَلام وغيرِهِ من أحبارِ اليهُودِ الذين أسْلَمُوا، جازَ لهُ أن يَقْرأهُ ويعملَ بما فيه إن لم يَكُن مُخالِفًا لِما في شَرِيعتِنا، من كِتابِنا وسُنَّةِ نبيِّنا ﷺ ، ألا تَرَى إلى قولِ عُمرَ بن الخطّابِ، حينَ قال لكَعْب: إن كُنتَ تعلَمُ أنَّها التَّوراةُ التي أنْزَلها اللّهُ على موسى بن عِمْران بطُورِ سَيْناءَ، فاقْرَأها آناءَ اللَّيلِ، وآناءَ النَّهارِ (٤)؟ وقد أفْرَدنا لهذا المعنى بابًا في

стр. 5001

كَراهيةِ مُطالَعةِ كُتُبِ أهْلِ الكِتابِ، في (١) كِتابِ "العِلم" (٢) يَشْفي النّاظِرَ فيه إن شاءَ اللّه. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على أنَّهُم كانوا يَكْذِبُونَ على تَوَراتِهِم، ويُضيفُونَ كذِبهُم ذلكَ إلى ربِّهِم وكِتابِهِم؛ لأنَّهُم قالوا: إنَّهُم يجِدُونَ في التَّوراةِ أنَّ الزُّناةَ يُفضَحُونَ ويُجلَدُونَ، محُصنينَ كانوا بالنِّكاح أو غيرَ محُصَنينَ. وفي التَّوراةِ غيرُ ذلك من رَجْم الزُّناةِ المُحصَنين. وفيه: دليلٌ على أنَّ شَرائعَ من قَبْلَنا شَرائعُ لنا، إلّا ما (٣) ورَدَ في القُرآنِ، أو في سُنَّةِ النَّبيِّ محمدٍ ﷺ نَسْخُهُ وخِلافُهُ، وإنَّما يَمْنعُنا من مُطالَعةِ التَّوراةِ لأنَّ اليهُودَ الذينَ بأيديهِمُ التَّوراةُ غيرُ مُؤتمَنين عليها، بما (٤) غيَّرُوا وبدَّلُوا منها، ومن علِمَ منها ما قال عُمرُ (٥) لكَعبِ الأحبارِ، جازَ لهُ مُطالعَتُها. وفيه: دليلٌ على ما اليهُودُ عليه من الخُبْثِ والمَكْرِ والتَّبديلِ. وفيه: إثباتُ الرَّجم، والحُكم به على الثَّيِّبِ الزّاني. وهُو أمرٌ أجْمَعَ أهلُ الحقِّ، وهُمُ الجماعةُ أهلُ الفِقْهِ والأثَرِ، عليه، ولا يُخالِفُ فيه من يَعُدُّهُ أهلُ العِلم خِلافًا، وقد ذكَرْنا المعنى الذي اختلَفَ فيه أهلُ العِلم منهُ، في بابِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ اللّه (٦)، وذلكَ الجَلْدُ معَ الرَّجم، وجمعُهُما على الثَّيِّبِ، فلا معنَى لإعادةِ شيءٍ من ذلكَ هاهُنا.

стр. 5002

وفيه: أنَّ أهلَ الكِتابِ وسائرَ أهلِ الذِّمَّةِ إذا تحاكمُوا إلَينا، ورَضُوا بحُكم حاكِمِنا، حَكَم بينهُم بما في شَرِيعتِنا، كان ذلك مُوافِقًا لِما عِندهُم، أو مُخالِفًا، وأنْزَلهم في الحُكم مَنْزِلتَنا. وعلى هذا عندَنا كان حُكمُ رسُولِ اللّه ﷺ بالرَّجْم على اليَهُوديَّيْنِ، لأَنَّهُ قد رجَمَ ماعِزًا وغيرَهُ من المُسلِمينَ، ومعلُومٌ أَنَّهُ إنَّما رجَمَ مَن رجَمَ من المُسلِمينَ بأمرِ اللّه وحُكْمِهِ، لأنَّهُ كان لا ينطِقُ عن الهَوَى، ولا يتقدَّمُ بين يَدَيِ اللّه، وإنَّما يحكُمُ بما أراهُ الله، فوافقَ ذلكَ ما في التَّوراةِ، وقد كان عندَهُ بذلكَ عِلم، فلذلكَ سألهم عنهُ، واللّه أعلمُ. واختلَفَ أهلُ العِلْم في أهلِ الذِّمَّةِ، إذا تَرافعُوا إلَينا في خُصوماتِهِم وسائرِ مَظالِمِهِم وأحْكامِهِم: هل علينا أن نحكُمَ بينَهُم فَرْضًا واجِبًا، أم نحنُ في ذلكَ مُخيَّرُونَ؟ فقال جماعةٌ من عُلماءِ الحِجازِ والعِراقِ: إنَّ الإمامَ والحاكِمَ مُخيَّرٌ، إن شاءَ حَكَم بينهُم بحُكم اللّه عَلَينا، إذا تحاكمُوا إلينا، وإن شاءَ رَدَّهُم إلى حاكِمِهِم، لقولِ اللّه : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢]. وممَّن قال ذلك: مالكٌ (١)، والشّافِعيُّ (٢) في أحَدِ قولَيهِ، وهُو قولُ عَطاءٍ، والشَّعبيِّ، والنَّخَعيِّ. ذكرهُ عبدُ الرَّزّاق (٣)، عن ابن جُرَيج، عن عَطاءٍ.

стр. 5003

وذكَرهُ وكيعٌ، عن سُفيانَ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشَّعبيِّ (١). وجُملةُ مَذْهبِ مالكٍ في هذا البابِ: أنَّ تركَ الحُكم بينَ أهلِ الذِّمَّةِ أحبُّ إليه، ويُرَدُّونَ إلى أهلِ دينِهِم، وإن حكَمَ بينَهم إذا تحاكَمُوا إليه، حَكَم بحُكْم الإسلام، وهُو مُخيَّرٌ في ذلكَ، إن شاءَ نظرَ، وإن شاءَ لم يَنْظُر. ولا يعرِضُ (٢) لهم في تعامُلِهِم بالرِّبا (٣)، ولا في فَسادِ بيع، ولكِن منِ امتنَعَ منهُم (٤)، من دَفْع ثمنٍ، أو مَثْمُونٍ في البَيعْ، حكَمَ بينَهم؛ لأنَّ هذا من التَّظالُم. قال: والذين حَكَم بينهُم رسُولُ اللّه ﷺ لم يكونوا أهلَ ذِمَّةٍ. وقال يحيى بن عُمرَ: إذا رَضِي الذِّمِّيّانِ بحُكمِهِ، أخبَرهُم بما يحكُمُ به، فإن رَضِياهُ حكَمَ، وإن أبَى أحدُهُما تركَ، وإن كانا أهلَ مِلَّتَينِ (٥): حكَمَ بينهُما، ولو (٦) كرِهَ ذلك أحدُهُما. وقالهُ سحنُونُ (٧). وذكر العُتْبيُّ في كِتابِ السُّلطانِ من "المُستخرجةِ"، قال عيسى: قال ابنُ القاسم: إن تحاكَمَ أهلُ الذِّمَّةِ إلى حُكْم المُسلِمينَ، ورَضِيا به جميعًا، فلا يُحكَمُ بينهُم إلّا برِضًا من أساقِفتِهِم، فإن كرِهَ ذلك أساقِفتُهُم، فلا يُحكَمُ بينهُم،

стр. 5004

وإن رَضِيَ أساقِفتُهُم بحُكْم الإسلام، وأبَى ذلكَ الخَصمانِ، أو أحدُهُما، لم يَحكُمْ بينَهُمُ المُسلِمُونَ (١). وقال الشّافِعيُّ (٢): ليس للإمام الخيارُ في أحَدٍ من المُعاهَدينَ الذينَ يجري عليهمُ الحُكمُ، إذا جاءُوهُ في حدٍّ للّه، وعليه أن يُقيمَهُ، لقولِ اللّه: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]. قال المُزنيُّ (٣): هذا أشبَهُ من قولِهِ في كِتابِ الحُدُودِ: لا يُحدُّونَ إذا جاؤُوا إلَينا في حدٍّ للّه، وأدفعُهُم إلى أهلِ دينِهِم. وقال الشّافِعيُّ (٤): وما كانوا يَدِينُون به، فلا يجُوزُ حُكمُنا عَلَيهِم بإبطالِهِ، إذا لم يَرْتفِعُوا إلينا، ولا يَكْشِفُوا عمّا استحلُّوا، ما لم يكُن ضَرَرًا على مُسلِم، أو مُعاهَدٍ، أو مُستأمَنٍ من (٥) غيرِهِم، فإن جاءَتِ امرأةٌ منهُم تَسْتعدي بأنَّ زوجَها طلَّقها، أو آلَى منها، حَكَمتُ عليه حُكْمي على المُسلِمينَ. ذكر عبدُ الرَّزّاق (٦)، عن الثَّوريِّ، عن قابُوس بن أبي ظبيانَ، عن أبيهِ، قال: كتَبَ محمدُ بن أبي بكرٍ إلى عليٍّ يَسْألُهُ عن مُسلِم زَنا بنَصْرانيَّةٍ، فكتَبَ إليه: أقِم الحدَّ على المُسلِم، ورُدَّ النَّصرانيَّةَ إلى أهلِ دِينِها. قال عبدُ الرَّزّاق (٧): وأخبرنا مَعْمرٌ، عن ابن شِهابٍ الزُّهْريِّ، وذكَرهُ ابنُ وَهْب، عن يونُس، عن ابن شِهاب، بمعنًى واحدٍ. قال: مَضت السُّنَّةُ (٨) أن

стр. 5005

يُرَدُّوا في حُقُوقِهِم ودَعاويهِم ومُعاملاتِهم (١) ومَواريثهم (٢) إلى أهْلِ دينِهِم، إلّا أن يأتُوا راغِبينَ في حدٍّ، فيُحكَمَ بينَهُم فيه بكِتابِ اللّه تعالى، قال اللّهُ : ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]. قال أبو عُمر: وقال آخرُونَ: واجِبٌ عليه أن يحكُمَ بينهُم بما أنزلَ اللّهُ، إذا تحاكَمُوا إليه. وزَعمُوا أنَّ قولهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، ناسِخ للتَّخييرِ المذكُورِ في الآيةِ قَبل هَذا. رُوي ذلك عن ابن عبّاس (٣)، ومجُاهِدٍ، وعِكْرِمةَ (٤). وهُو قولُ الزُّهْريِّ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، والسُّدِّيِّ (٥)، وأحدُ قولي الشّافِعيِّ، وقولُ أبي حَنِيفةَ، وأصحابِه، إلّا أنَّ أبا حَنِيفةَ قال: إذا جاءَتِ المَرْأةُ والزَّوجُ، فعليه أن يحكُمَ بينَهُما بالعَدْلِ، هان جاءَتِ المرأةُ وَحْدَها، ولم يرضَ الزَّوجُ، لم يحكُمْ. وقال أبو يوسُفَ، ومحمدٌ، وزُفَرُ: بل يَحكُمُ (٦). وكذلكَ اختلَفَ أصحابُ مالكٍ على هَذَينِ القولينِ، إذا شَكا أحدُ الزَّوجينِ الذِّمِّيَّينِ، وأبَى صاحِبُهُ من التَّحاكُم بينهُما، والمشهُورُ من مذهبِ مالكٍ في الذِّمِّيَّيْنِ يَشْكُو أحدُهُما ويأبَى صاحِبُهُ من التَّحاكُم عندَنا: أنَّا لا نحكُمُ بينهُما إلّا بأن يتَّفِقا جميعًا على الرِّضا بحُكمِنا، فإن كان ظُلمًا ظاهِرًا، مُنِعُوا من أن يظلِمَ بعضُهُم بعضًا (٧).

стр. 5006

وقد قال مالكٌ وجُمهُورُ أصحابِهِ في الذِّمِّيِّ والمُعاهِدِ والمُستأمنِ يَسْرِقُ من مالِ ذِمِّيٍّ: أنَّهُ يُقطَعُ، كما يُقطَعُ لو سرَقَ من مالِ مُسلِم؛ لأنَّ ذلكَ من الحِرابة (١) فلا يُقَرُّوا عليها، ولا على التَّلَصُّصِ. قال أبو عُمر: الصَّحيحُ في النَّظرِ عِندي، ألّا يُحكَمَ بنسخ شيءٍ من القُرآنِ، إلّا بما قامَ عليه الدَّليلُ الذي لا مدفَعَ لهُ، ولا يحتمِلُ التَّأويلَ. وليسَ في قولِهِ : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] دليلٌ على أنَّها ناسِخةً للآيةِ قبلَها؛ لأنَّها يَحتمِلُ معناها أن يكونَ: وأنِ احكُم بينهُم بما أنزلَ اللّهُ إن حكَمْتَ، ولا تتَّبِع أهواءَهُم، فتكونُ الآيتانِ مُسْتَعمَلَتينِ، غيرَ مُتدافِعتينِ. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في اليهُوديَّينِ الذِّمِّيَّينِ إذا زَنَيا: هل يحُدّانِ، أم لا؟ فقال مالكٌ: إذا زَنَى أهلُ الذِّمَّةِ، أو شَرِبُوا الخمرَ، فلا يعرِضُ لهمُ الإمامُ، إلّا أن يُظْهِرُوا ذلكَ في ديارِ المُسلِمينَ، ويُدخِلُوا عليهمُ الضَّررَ، فيَمْنعُهُمُ السُّلطانُ من الإضرارِ بالمُسلِمينَ (٢). قال مالك (٣): وإنَّما رجَمَ رسُولُ اللّه ﷺ اليَهُوديَّينِ لأنَّهُ لم يَكُن لليَهودِ (٤) يومئذٍ ذِمَّة، وتحاكمُوا إليه (٥). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: يُحَدّانِ إذا زَنَيا كحدِّ المُسلِم (٦)، وهُو أحَدُ قولي الشّافِعيِّ. وقال في كِتابِ الحُدُودِ: إن تَحاكمُوا إلَينا، فلنا أن نحكُم، أو نَدَعَ، فإن حكمنا حَدَدنا المُحصنَ بالرَّجم، لأنَّ النَّبيَّ ﷺ رجَمَ يهُوديَّينِ زَنَيا،

стр. 5007

وجَلَدنا البِكْرَ مئةً (١) وغرَّبناهُ عامًا (٢). وقال في كِتابِ الجِزيةِ: لا خيارَ للإمام ولا للحاكِم إذا جاؤوهُ في حدٍّ للّه، وعليه أن يُقيمَهُ عليهم، لقولِ اللّه : ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]، والصَّغارُ أن يجري عليهم حُكمُ الإسلام (٣). وهذا القولُ اختيارُ المُزنيُّ، واختار غيرُهُ من أصحابِ الشّافِعيِّ القولَ الأوَّل. وقال الطَّحاويُّ (٤)، حينَ ذكرَ قولَ مالكٍ: إنَّما رجَمَ رسُولُ اللّه ﷺ اليهُوديَّينِ، لأنَّهُم لم تَكُن لهم ذِمَّةٌ، وتحاكمُوا إليه. قال: لو لم يَكُن واجِبًا عليهم، لما أقامَهُ النَّبيُّ ﷺ . قال: وإذا كان من لا ذِمَّةَ لهُ، قد حدَّهُ النَّبيُّ ﷺ في الزِّنا، فمن لهُ ذِمَّةٌ أحْرَى بذلكَ. قال: ولم يختلِفُوا أنَّ الذِّمِّيَّ يُقطَعُ في السَّرِقةِ. قال أبو عُمر: إذا سرقَ الذِّمِّيُّ من ذمِّيٍّ، ولم يَتَرافعُوا إلَينا، فلا يُعرَضُ لهم عندَنا، وإن تَرافعُوا إلينا، حَكَمنا بحُكم اللّه فيهم؛ لأنَّ هذا مِن تَظالُمِهِمُ الذي يجِبُ علينا المنعُ منهُ إذا رُفِعَ إلينا، وإذا سَرقَ ذِمِّيٌّ من مُسلِم، كان الحُكمُ حينئذٍ إلينا، فوجَبَ القطعُ. والحديثُ المشهُورُ يَدُلُّ على أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ إنَّما رجمَ اليهُوديَّينِ لأنَّهُم تحاكَمُوا إليه. وقد ذكَرْنا اختِلافَ الفُقهاءِ في حدِّ الإحْصانِ المُوجِبِ للرَّجم، في كِتابِنا هذا، عندَ ذِكرِ حديثِ ابن شِهاب، عن عُبيدِ اللّه، فلا وجهَ لإعادتِهِ هاهُنا.

стр. 5008

وكلُّهُم يَشْترِطُ في الإحْصانِ المُوجِبِ للرَّجم الإسلامَ، هذا من شُرُوطِهِ عندَ جميعِهِم، ومن رأى رجمَ أهلِ الذِّمَّةِ منهُم إذا أُحصِنُوا، إنَّما رآه من أجلِ أنَّهُم إذا تحاكَمُوا إلَينا، لَزِمَنا أن نحكُمَ بينهُم بحُكم اللّه فينا، وكذلك فعلَ رسُولُ اللّه ﷺ باليهُوديَّينِ المَذْكُورينِ في هذا الحديثِ، حينَ تحاكَمُوا إليه. وقالت طائفةٌ مِمَّن يَرَى أنَّ قولَ اللّه : ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، ناسِخٌ للآيةِ قبلَها، يعني قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ الآيةَ [المائدة: ٤٢]. قالوا: على الإمام إذا علِمَ من أهلِ الذِّمَّةِ حدًّا من حُدُودِ اللّه، أن يُقيمَهُ عليهم، وإن لم يَتَحاكمُوا إليه؛ لأنَّ اللّهَ يقولُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، ولم يقُل: إن تحاكَمُوا إليكَ. قالوا: والسُّنّة تُبيِّنُ ذلك، واحتجُّوا بحديثِ البَراءِ في ذلك. وهُو ما حدَّثناهُ عبدُ اللّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وأخبَرَنا عبدُ اللّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (٢)؛ قالا (٣): حدَّثنا محمدُ بن العلاءِ أبو كُريبِ. وأخبرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الحَسنُ بن محمدٍ بن الصَّبّاح الزَّعفرانيُّ. قالا (٤) جميعًا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال:

стр. 5009

حدَّثنا الأعْمَشُ، عن عبدِ اللّه بن مُرَّةَ، عن البَراءِ، قال: مُرَّ عَلَى رسُولِ اللّه ﷺ بيهُوديٍّ محُمَّم (١) مجلُودٍ، فدَعاهُم فقال: "هكذا تجِدُونَ حدَّ الزّاني في كِتابِكُم؟ " قالوا: نعم، فدَعا رجُلًا من عُلمائهِم، فقال: "أنشُدُكَ باللّه الذي أنزَلَ التَّوراةَ على موسى، أهكذا تجِدُونَ حدَّ الزّاني في كِتابِكُم؟ " فقال: اللَّهُمَّ لا، ولولا أنَّكَ ناشَدْتَني بهذا، لم أُخبِرْكَ، نَجِدُ حدَّ الزّاني في كِتابِنا الرَّجمَ، ولكِنَّهُ كَثُرَ في أشرافِنا، فكُنّا إذا أخَذْنا الرَّجُلَ الشَّريفَ ترَكناهُ، وإذا أخَذْنا الضَّعيفَ، أقَمْنا عليه الحدَّ، فقُلنا: تعالَوْا نَجْتمِعْ على شيءٍ نُقيمُهُ على الشَّريفِ والوَضِيع، فاجتمعنا على التَّحْميم والجَلْدِ، وتَرَكنا الرَّجم. فقال رسُولُ اللّه ﷺ : "اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ من أحيا أمْرَكَ إذ أماتُوهُ (٢) ". فأمرَ به فرُجِمَ، وأنزلَ اللّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قولِهِ: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]. يقولُ: ائتُوا محمدًا، فإن أفْتاكُم بالتَّحمِيم والجَلْدِ، فخُذُوهُ، وإن أفتاكُم بالرَّجم، فاحْذرُوا، إلى قولِهِ: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] في اليهُودِ، إلى قولِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، في اليهُودِ، إلى قولِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قال: هي في الكُفّارِ كلُّها، يعني: الآيةَ. واللَّفظُ لمحمدِ بن العلاءِ، والمعنى واحدٌ مُتقارِبٌ. قالوا: ففي هذا الحديثِ أنَّهُ حَكَم بينهُم، ولم يَتَحاكَمُوا إليه. قال أبو عُمر: لو تدبَّر منِ احتجَّ بهذا الحديثِ، ما احتجَّ به منهُ، لم يحتَجَّ به، لأنَّ في دَرَج الحديثِ تفسيرَ قولِهِ : ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ [المائدة: ٤١]، يقولُ: إن أفتاكُم بالتَّحميم والجَلْدِ فخُذُوهُ،

стр. 5010

وإن أفْتاكُم بالرَّجم، فاحْذَرُوا. وذلك دليلٌ على أنَّهُم حَكَّمُوهُ، لا أنَّهُ قَصَرهُم على ذلكَ الحُكم، وذلك بيِّنٌ أيضًا في حديثِ ابن عُمرَ وغيرِه. فإن قال قائلٌ: إنَّ حديثَ ابن عُمرَ، من حديثِ مالكٍ وغيرِهِ، ليسَ فيه: أنَّ الزّانيَيْنِ حَكَّما رسُولَ اللّه ﷺ ، ولا رَضِيا بحُكمِهِ؟ قيل لهُ: حدُّ الزّاني حَقٌّ من حُقُوقِ اللّه على الحاكِم إقامَتُهُ، ومعلُومٌ أنَّ اليهُودَ كان لهم حاكِمُ يحكُمُ بينهُم ويُقيمُ حُدُودَهُم عليهم، وهُو الذي حكَّمَ رسُولَ اللّه ﷺ ، واللّه أعلمُ. ألا تَرى إلى ما في حديثِ ابن عُمرَ: أنَّ اليهُودَ جاؤُوا رسُولَ اللّه ﷺ فقالوا: إنَّ رجُلًا منهُم وامْرَأةً زَنَيا. ثُمَّ حَكَّمُوا رسُولَ اللّه ﷺ في ذلك؟ فإذا كان من إليه إقامةُ الحدِّ، هُو الذي حكَّمَ رسُولَ اللّه ﷺ ، فلا وجهَ لاعتِبارِ تحكيم الزّانيين (١) فيما ليسَ لهما، ولا لأحَدِهِما. أخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا أحمدُ بن سعيدٍ الهَمْدانيُّ، قال: حدَّثني ابنُ وَهْب، قال: حدَّثني هشامُ بن سَعْدٍ، أنَّ زيدَ بن أسلَمَ حدَّثهُ، عن ابن عُمرَ، قال: أَتَى نَفَر من يهُودَ فدَعَوْا رسُولَ اللّه ﷺ ، فأتاهُم في بَيْتِ المِدْراسِ (٣) فقالوا: يا أبا القاسم، إنَّ رجُلًا مِنّا زَنَى بامْرَأةٍ، فاحْكُم، فوَضَعُوا لرسُولِ اللّه ﷺ وسادَةً، فجلَسَ عليها، ثُمَّ قال: "ائتُوني بالتَّوراةِ" فأتَوهُ بها، فنزَعَ الوِسادةَ من تحتِهِ، ووَضَعَ التَّوراةَ عليها، ثُمَّ قال: "آمنتُ بكِ، وبمَنْ أنزلَكِ". ثُمَّ ذكر قِصَّةَ الرَّجم، نحوًا من حديثِ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ.

стр. 5011

ففي هذا الحديثِ: أنَّ اليَهُود دَعَوا رسُولَ اللّه ﷺ ، وحكَّمُوهُ في الزّانِيَيْنِ منهم (١)، وكذلك حديثُ مالكٍ، عن نافع، عن ابن عُمر، بنحوِ ذلك، وحديثُ ابن شِهابٍ أيضًا في ذلك يدُلُّ على ما وصفنا. قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا مُطَّلِبُ بن شُعَيبٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللّه (٢) بن صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ، عن ابن شِهاب، قال: أخبَرَني رجُلٌ من مُزَينةَ، مِمَّن يتَّبِعُ العِلمَ ويَعِيهِ، عن سَعيدِ بن المُسيِّبِ، أنَّ أبا هُريرةَ، قال: بينا نحنُ عندَ رسُولِ اللّه ﷺ ، جاءَهُ اليَهُودُ، وكانوا قد تشاوَروا (٣) في صاحِبٍ لهم زَنَى بعدَ ما أحصنَ، فقال بعضُهُم لبعض: إنَّ هذا النَّبيَّ قد بُعِثَ، وقد عَلِمتُم أنَّهُ قد فُرِضَ عليكُمُ الرَّجمُ. فذكَرَ حديثًا فيه: فقال لهم، يعني: رسُولَ اللّه ﷺ : "يا مَعْشرَ اليهُودِ، أنشُدُكُم باللّه الذي أنزلَ التَّوراةَ على موسى بن عِمرانَ، ما تجِدُونَ في التَّوراةِ من العُقوبةِ على من زَنَى وقد أحصَنَ؟ " قالوا: نَجِدُ: يُحمَّمُ ويُجلدُ. وسكتَ حَبْرُهُم، وهُو في جانِبِ البَيْتِ، فلمّا رأى رسُولُ اللّه ﷺ صمْتَهُ (٤) ألظَّ به (٥) ينشُدُهُ، فقال حبرُهُم: أما إذْ نَشَدْتَنا، فإنّا نَجِدُ عليه الرَّجمَ، فذكَرَ حديثًا فيه: "فإنِّي أقْضِي بما في التَّوراةِ". فأنزل اللّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَمَنْ لَمْ

стр. 5012

يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤١ - ٤٤] فكان رسُولُ اللّه ﷺ من النَّبيِّينَ الذينَ أسْلَمُوا فحَكَمُوا بما في التَّوراةِ على الذين هادُوا (١). وهكذا رواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، قال: حدَّثني رَجُلٌ من مُزَينةَ ونحنُ جُلُوسٌ عندَ سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، فذكر الحديث. ذكَرهُ عبدُ الرَّزّاقِ في "التَّفسيرِ"، وفي "المُصنَّفِ" (٢). وأخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ، قال: حدَّثنا يونُسُ، قال: قال محمدُ بن مُسلِم، سَمِعتُ رَجُلًا من مُزَينةَ، مِمَّن يتَّبِعُ العِلمَ ويَعِيهِ، ونحنُ عندَ ابن المُسيِّبِ، يُحدِّثُ عن أبي هُريرةَ قال: أتَى رجُلٌ من اليهُودِ وامرأةٌ، فقال بعضُهُم لبعض: اذْهبُوا بنا إلى هذا النَّبيِّ، فإنَّهُ نبيٌّ بُعِثَ بالتخفيفِ، فإن أفْتَى بفُتيا دُونَ الرَّجم، قَبِلناها واحْتَجَجْنا بها عندَ اللّه تعالى، وقُلنا: فُتيا نبيٍّ من أنبيائكَ. قال: فأَتَوُا النَّبيَّ ﷺ وهُو جالِسٌ في المَسْجِدِ في أصْحابِهِ، فقالوا: يا أبا القاسم، ما تَرَى في رجُلٍ منهم وامرأةٍ زَنَيا، فلم يُكلِّمْهُم كلمةً، حتّى أَتَى بيتَ مِدْراسِهِم، فقامَ على البابِ، فقال: "أنشُدُكُم باللّه الذي أنزلَ التَّوراةَ على موسى، ما تَجِدُونَ في التَّوراةِ على من زَنَى إذا أحصنَ؟ " قالوا: يُحمَّمُ، ويُجبَّهُ، ويُجلدُ، والتَّجبيهُ: أن يُحمَلَ الزّانيانِ على حِمارٍ، ويُقابَلَ أقْفِيتُهُما، ويُطافَ بهما. قال: وسكَتَ شابٌّ منهُم، فلمّا رآهُ النَّبيُّ ﷺ ألظَّ به يَنْشُدُهُ، فقال: اللَّهُمَّ إذْ نَشَدْتَنا، فإنّا نَجِدُ في التَّوراةِ الرَّجمَ. فقال النَّبيُّ ﷺ : "فبما ارْتَخصتُم أمرَ اللّه؟ "

стр. 5013

قال: زَنَى ذُو قُرابةٍ من مَلِكٍ (١) من مُلُوكِنا، فأُخِّرَ عنهُ الرَّجمُ، ثُمَّ زَنَى رجُلٌ في أسْرَةٍ (٢) من النّاسِ فأرادَ رجمهُ، فحال قومُهُ دُونهُ، وقالوا: لا يُرجَمُ صاحِبُنا، حتّى تجيءَ بصاحِبِك فتَرْجمهُ، فاصْطَلحُوا على هذه العُقُوبةِ بينهُم. فقال نبيُّ اللّه ﷺ : "فإنِّي أحكُمُ بما في التَّوراةِ". فأمرَ بهما فرُجِما (٣). وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحدِ بن شَريكٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ. وأخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: أخبرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن يحيى أبو الأصْبَغِ الحرّانيُّ، قال: حدَّثني محمدُ بن سَلَمةَ. جميعًا عن محمدِ بن إسحاقَ، عن الزُّهريِّ، قال: سمِعتُ رجُلًا من مُزَينةَ يُحدِّثُ سَعِيدَ بن المُسيِّبِ، عن أبي هُريرةَ، قال: زَنَى رجُلٌ وامْرأةٌ من اليهُودِ، وقد أحصنا، حينَ قدِمَ رسُولُ اللّه ﷺ المدينةَ، وكان الرَّجمُ مكتُوبًا عليهم (٥) في التَّوراةِ، فتَركُوهُ وأخَذُوا بالتَّجبيهِ، يُضرَبُ مئةً بحَبْلٍ مطليٍّ بِقارٍ، ويُحملُ على حِمارٍ (٦) ووجهُهُ مِمّا يلي دُبُرَ الحِمارِ. قال فيه: ولم يكونوا من أهلِ دينِهِ (٧) في ذلك، قال: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]. واللَّفظُ لحديثِ أبي داود مخُتصرٌ.

стр. 5014

ففي هذه الآثارِ كلِّها دليلٌ على أنَّهُ إنَّما حكَمَ في اليهُوديَّينِ بما حكَمَ من أجْلِ أَنَّهُ حُكِّمَ، وتحُوكِمَ إليه، ورُضِيَ به. وفي حديثِ ابن إسحاق: أنَّ ذلك كان حينَ قدِمَ المدينةَ. وذلك يدُلُّ على أنَّ اليهُودَ لم يَكُن لهم يومَئذٍ ذِمَّةٌ، كما قال مالكٌ ﵀. وعند ابنِ شِهابٍ أيضًا في هذا البابِ، عن سالم، عن ابن عُمرَ، قال: شَهِدتُ رسُولَ اللّه ﷺ حينَ أمرَ برجمِهِما، فلمّا رُجِما، رأيتُهُ يُجافي بيدهِ عنها، ليَقِيَها الحِجارَةَ. رواهُ مَعْمرٌ، وغيرُهُ عنهُ (١). والحُكمُ كان فيهم بشهادةٍ، لا باعتِرافٍ، وذلك محفُوظٌ من حديثِ جابر: أخبرنا عبدُ اللّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا يحيى بن موسى البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال مجُالِدٌ: أخْبَرنا عن عامرٍ (٣)، عن جابرِ بن عبدِ اللّه، قال: جاءَت يهُودُ برجُل منهُم وامرأةٍ زَنَيا، فقال: "ائتُوتي بأعْلَم رَجُلَيْنِ (٤) مِنْكُم" فأَتَوْهُ بابْنَي صُوريا، فناشَدَهُما: "كيفَ تَجِدانِ أمرَ هذين في التَّوراةِ؟ " قالا: نجِدُ في التَّوراةِ إذا شهِدَ أربعةٌ أنَّهُم رأَوْا ذكَرَهُ في فَرْجِها، مِثلَ المِيلِ في المُكْحُلةِ، رُجِما. قال: "فما مَنَعكُما أن ترجُمُوهُما؟ " قال: ذهَبَ سُلطانُنا، فكَرِهنا القتلَ. فدَعا رسُولُ اللّه ﷺ بالشُّهُودِ، فجاءَ أربعةٌ فشهِدُوا أنَّهُم رأَوْا ذكَرَهُ في فَرْجِها مِثلَ المِيلِ في المُكْحُلةِ، فأمرَ رسُولُ اللّه ﷺ برَجْمِهِما.

стр. 5015

ورَوَى شَريكٌ، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن جابرِ بن سَمُرةَ: أنَّ رسُولَ اللّه ﷺ رجَمَ يهُوديًّا ويهُوديَّةً (١). انفردَ به عن سِماكٍ: شَرِيكٌ (٢). وأمّا الرِّوايةُ عن ابن عبّاسٍ، في أنَّ الآيةَ منسُوخةٌ، أعني: قولَهُ : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢]، فأخْبَرنا محمدُ بن عبدِ الملِكِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن محمدٍ الزَّعْفَرانيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن سُليمانَ، قال: حدَّثنا عبّادٌ، عن سُفيانَ، عن الحَكم، عن مجُاهِدٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: نُسِخَ من المائدةِ آيتانِ: آيةُ القلائدِ، وقولُهُ : ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، وكان رسُولُ اللّه ﷺ مُخيَّرًا، إن شاءَ حَكَمَ، وإن شاءَ أعرضَ عنهُم، ورَدَّهُم إلى حُكّامِهِم، فنَزَلت: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]، فأُمِر رسُولُ اللّه ﷺ أن يحكُمَ بينهُم بما في كِتابِنا (٣). قال أبو عُمر: هذا خبرٌ إنَّما يَرْويهِ سُفيانُ بن حُسَينٍ، وليسَ بالقويِّ، وقدِ اختُلِفَ عنه فيه، فرُوِي عنهُ موقُوفًا على مُجاهِدٍ، وهُو الصَّحيحُ من قولِ مُجاهِدٍ، لا من قولِ ابن عبّاسٍ.

стр. 5016

أخبرنا أحمدُ بن عبدِ الله بن محمدِ بن عليٍّ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن يونُس، قال: حدَّثنا بَقِيُّ بن مخلدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحَميدِ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن حُسينٍ، عن الحَكَم، عن مجُاهِدٍ، قال: لم يُنسَخْ من المائدةِ إلّا هاتانِ الآيتان: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: نسختها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾، وقولُهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٢] نسختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (١) [التوبة: ٥]. وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا ابنُ مَهْديٍّ، عن هُشَيم، عن منصُورِ بن زاذانَ، عن الحَكَم، عن مجُاهِدٍ -في قولِهِ: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قال: نسختها ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ (٢) [المائدة: ٤٨]. وقد رَوَى يونُسُ بن بُكَير (٣)، عن ابن إسحاق، عن داود بن الحُصينِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ -في قولِهِ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ - قال: نَزَلت في بَني قُرَيظةَ، وهي مُحكَمةٌ (٤).

стр. 5017

وذكَرَ وكيعٌ، عن سُفيان، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشَّعبيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، قالا: إن شاءَ حكَمَ، وإن شاءَ لم يحكُم. حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ. فذكرهُ (١). حدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا موسى، قال: حدَّثنا ابنُ مهديٍّ، عن أبي عَوانةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ والشَّعبيِّ، قالا: إن شاءَ حكَمَ، وإن شاءَ أعرَضَ (٢). وقد مَضَى القولُ فيمَنْ تابَعهُم على هذا القولِ، ومن خالَفهُم فيه من العُلماءِ في صَدْرِ هذا البابِ، والوجهُ عِندي فيه التَّخييرُ؛ لئلّا يَبْطُلَ حُكمٌ من كِتابِ الله بغيرِ يقينٍ، لأنَّ قولَهُ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ مُحتمِلٌ للتَّأويلِ، يعني: إن حكمتَ، وآيةُ التَّخييرِ مُحكَمة، نصٌّ لا تَحْتمِلُ تأويلات. وذكر عبدُ الرَّزّاق (٣)، وأبو سُفيانَ (٤)، ومحمدُ بن ثَوْرٍ، عن مَعْمرٍ، عن الزُّهريِّ في قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ أن يُرَدُّوا في حُقُوقِهِم ومَواريثِهِم إلى أهلِ دينِهِم، إلّا أن يأتُوا راغِبينَ في حدٍّ ليُحْكَم بينهُم فيه، فيُحكَمَ بينهُم بكِتابِ الله .

стр. 5018

قال مَعْمرٌ: أخبرنا عبدُ الكريم الجَزَريُّ، أنَّ عُمرَ بن عبدِ العزيزِ كتبَ إلى عديِّ بن أرطاةَ: إذا جاءَكَ أهلُ الكِتابِ فاحكُم بينهُم بما في كِتابِ الله (١). وذكَرَ سُنَيدٌ، عن هُشيم، عن العوّام، عن إبراهيمَ التَّيميِّ، في قولِهِ: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ قال: بالرَّجم (٢). قال أبو عُمر: حُكْمُ رسُولِ الله ﷺ بما في التَّوراةِ (٣) خُصُوصٌ لهُ، والله أعلمُ، بدليلِ قولِه: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال : ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨]، ولِقولِهِ: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. ولأنّا لا نعلَمُ من ذلكَ ما عَلِمهُ رسُولُ الله ﷺ . ويحتمِلُ أنَّ رسُولَ الله ﷺ إنَّما حَكَم في اليهُوديَّينِ بحُكم الله تعالى في شَريعتِهِ، وكان ذلك مُوافِقًا لِما في التَّوراةِ، والحمدُ لله (٤).

стр. 5019

حديثٌ خامِسُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله ﷺ قال: "من شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا، فلم يَتُبْ منها، حُرِمَها في الآخِرةِ". في هذا الحديثِ دليلٌ على تحريم الخَمْرِ، وعلى أنَّ شُرْبَها من الكبائرِ؛ لأنَّ هذا وَعيدٌ شَديدٌ يدُلُّ على حِرْمانِ دُخُولِ الجنَّةِ، لأنَّ اللهَ أخبَرَ أنَّ الجنّةَ فيها أنهارٌ من خَمْرٍ لذَّةٍ للشّارِبينَ (٢) ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ [الواقعة: ١٩]. والظّاهِرُ أنَّ من دخلَ الجنّةَ لا بُدَّ لهُ من شُربِ خَمْرِها، ولا يخلُو من حُرِمَ الخمرَ في الجنَّةِ، ولم يَشْرَبْها فيها، وهُو قد دخَلَها، مِنْ أن يكونَ يَعلَمُ أنَّ فيها خمرًا لذَّةً للشّارِبينَ، وأنَّهُ حُرِمَها عُقُوبةً، أو لا يكونَ يَعلَمُ بها، فإن يَكُن لا يعلمُ بها، فليسَ في هذا شيءٌ مِنَ الوَعيدِ؛ لأنَّهُ إذا لم يعلَمْ بها، ولم يَذْكُرها، ولا رآها، لم يجِدْ ألمَ فَقْدِها، فأيُّ عُقُوبةٍ في هذا؟ وَيسْتحيلُ أن يُخاطِبَ اللهُ ورسُولُهُ بما لا معنى لهُ. وإن يَكُن عالِمًا بها، وبمَوْضِعِها، ثُمَّ يُحرَمُها عُقُوبةً لشُربِهِ لها في الدُّنيا إذ لم يَتُبْ منها قبلَ الموتِ، وعلى هذا جاءَ الحديثُ، فإن كان هذا هكذا، فقد لحِقَهُ حِينَئذٍ حُزْنٌ وهَمٌّ (٣) وغمٌّ لِما حُرِمَ من شُربِها (٤)، ويرَى غيرَهُ يشرَبُها، والجنَّةُ دارٌ لا حُزنَ فيها ولا غمَّ، قال اللهُ : ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾ [الحجر: ٤٨]، ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: ٣٤]، وقال: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ﴾ [الزخرف: ٧١].

стр. 5020

ولهذا والله أعلمُ، قال بعضُ من تقدَّمَ: إنَّ من شرِبَ الخمرَ، ولم يتُبْ منها، لم يدخُلِ الجنّةَ، لهذا الحديثِ ومِثلِهِ. وهذا مذهبٌ غيرُ مَرْضيٍّ عندَنا، إذا كان على القَطْع في إنفاذِ الوَعيدِ، ومحمَلُهُ عندَنا: أنَّهُ لا يدخُلُ الجنّةَ إلّا أن يُغفرَ لهُ إذا ماتَ غيرَ تائبٍ عنها كسائرِ الكَبائرِ. وكذلكَ قولُهُ: "لم يَشْرَبها في الآخِرةِ" معناهُ عندَنا: إلّا أن يُغفرَ لهُ، فيدخُلَ الجنّةَ، ويَشْربَها، وهُو عندَنا في مَشيئَةِ الله، إن شاءَ غفرَ لهُ، وإن شاءَ عذَّبهُ بذنبِهِ، فإن عذَّبهُ بذَنبِهِ، ثُمَّ أدخَلهُ (١) الجنّةَ برَحمتِهِ، لم يُحرَمْها إن شاءَ الله تعالى، ومن غُفِرَ لهُ، فهُو أحْرَى أن لا يُحرَمَها، واللهُ أعلمُ. وعلى هذا التَّأويلِ يكونُ معنى قولِهِ ﷺ : "حُرِمَها في الآخِرةِ". أي: جَزاؤُهُ وعُقُوبتُهُ أن يُحرَمَها في الآخِرةِ، ولله أن يُجازيَ عبدَهُ المُذنِبَ على ذَنْبِهِ، ولهُ أن يعفُوَ عنهُ، فهُو أهلُ العفوِ، وأهلُ المَغْفِرةِ، لا يغفِرُ أن يُشرَكَ به، ويغفِرُ ما دُونَ ذلك لمن يشاءُ (٢)، وهذا الذي عليه عَقْدُ أهلِ السُّنَّةِ: أنَّ اللهَ يغفِرُ لمن يشاءُ، ما خَلا الشِّركَ، ولا يُنفِّذُ الوَعيدَ على أحَدٍ من أهلِ القِبْلةِ، وبالله التَّوفيقُ. وجائزٌ أن يدخُلَ الجنّةَ إذا غفَرَ اللهُ لهُ، فلا يَشْربُ فيها خمرًا ولا يذكُرُها ولا يَراها، ولا تَشْتهيها نفسُهُ، والله أعلمُ. وقد رُوِيَ عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ: من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، ودخَلَ الجنّةَ، لم يلبَسْهُ هُو فيها من بين سائرِ أهْلِها. هذا، أو معناهُ (٣) رُوي عنهُ.

стр. 5021

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمٌ، قال: حدَّثنا هشامٌ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن داودَ السَّرّاج، عن أبي سَعيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ، وإن دخَلَ الجنّةَ لَبِسَهُ أهلُ الجنَّةِ، ولم يَلْبَسْهُ هُو" (١). ورواهُ أبو داود الطَّيالِسيُّ (٢)، عن هشام، بإسنادِهِ مرفُوعًا. ورواهُ شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن داودَ، عن أبي سَعيدٍ، مِثلَهُ موقُوفًا (٣). وقد رَوَى جماعةٌ، عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من لبِسَ الحريرَ في الدُّنيا، لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ" (٤).

стр. 5022

ورُوي عن ابن الزُّبيرِ، أنَّهُ قال: من لم يَلْبَسْهُ في الآخِرةِ، لم يدخُلِ الجنّةَ؛ لأنَّ اللهَ قال في كِتابِه: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ [الحج: ٢٣]. وهذا عِندي على نَحْوِ المعنى الذي نَزَعنا عنه (١) في شارِبِ الخَمْرِ، والله أعلمُ. حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن مَرْوان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن سُلَيمان الحَرِيريُّ، قال: حدَّثنا البَغَويُّ، قال: حدَّثنا أبو الرَّبيع العَتكيُّ الزَّهرانيُّ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قال رسُولُ الله ﷺ : "كلُّ مُسْكِرٍ خمرٌ، وكلُّ مُسْكِرٍ حرامٌ، ومن شرِبَ الخمرَ في الدُّنيا فماتَ ولم يَتُبْ منها: لم يَشْربْها في الآخِرة" (٢). قال البغويُّ: كتَب هذا الحديثَ أحمدُ بن حَنْبل، عن أبي الرَّبيع الزَّهرانيِّ. قال أبو عُمر: روى مالكٌ (٣)، وابنُ جُرَيج هذا الحديثَ كلَّهُ عن نافع، بعضَهُ
следующие страницы →