← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5088–5127 · переход к 5093.

стр. 5088

وبعضَ الثّالثِ، إذا كانتِ الأقراءُ الأطهارَ. قالوا: واللهُ يقولُ: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، فلا بُد أن تكونَ ثلاثةً وفرقوا بينَ قولِه : ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ فلا تكونُ إلّا ثلاثةً كاملةً عندَهُم وبين قولِه: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وإنَّما هي شهرانِ وبعضُ الثّالثِ عندَ الجميع، فقالوا: ذكَرَ اللهُ في القُروءِ ثلاثةً عددًا، ولم يذكُر في أشْهُرِ الحجِّ عَدَدًا، وما ذُكِرَ فيه عَددٌ، فلا بُدَّ من إكمالِ ذلك العَددِ. واحتجُّوا أيضًا بقولِ رسُولِ الله ﷺ للمُستحاضةِ: "اترُكي الصَّلاةَ أيامَ أقْرائكِ" (١). أي: أيام حَيْضِكِ. وبما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: أخبرنا مُطَّلِبُ بن شُعَيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن يزيدَ بن أبي حَبيبٍ، عن بُكَيرِ بن عبدِ الله بن الأشجِّ، عن المُنذِرِ بن المُغيرةِ، عن عُروةَ بن الزُّبيرِ، أنَّ فاطِمةَ ابنةَ أبي حُبَيشٍ حدَّثتهُ: أنَّها أتتِ النَّبيَّ ﷺ ، فشَكَتْ إليه الدَّم، فقال لها رسُولُ الله ﷺ : "إنَّما ذلك عِرقٌ، فانْظُري إذا أتاكِ قُرؤُكِ، فلا تُصلِّي، وإذا مرَّ القُرءُ فتطهَّري، ثُمَّ صلِّي ما بينَ القُرءِ إلى القُرءِ" (٢). واحتجُّوا أيضًا، بالإجماع على أنَّ عِدَّةَ أُمِّ الوَلدِ حَيْضةٌ، وبأشياءَ يطُولُ ذكرُها هذه جُملتُها. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا: سُفيانُ الثَّوريُّ، والأوزاعيُّ، وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ، وسائرُ الكُوفيِّين وأكثرُ العِراقيِّين.

стр. 5089

وهُو الذي استقرَّ عليه أحمدُ بن حَنْبل فيما ذكَرَ الخِرَقيُّ (١) عنهُ، خِلافَ ما حَكَى الأثرمُ عنهُ، قال: إذا طلَّقَ الرَّجُلُ امرأتهُ، وقد دخَلَ بها، فعِدَّتُها ثلاثُ حِيَضٍ، غيرَ الحَيْضةِ التي طلَّقَها فيها، إن طلَّقها حائضًا، فإذا اغتسَلت من الحَيْضةِ الثّالثةِ، أُبيحت للأزواج. حكى ذلك عنهُ عُمرُ بن الحُسين (٢) الخِرَقيُّ في "مخُتصرِهِ" (٣) على مذهبِ أحمد بن حَنْبل. وهذا مذهبُ الفُقهاءِ الذين ذكرناهُم، وهُو المرويُّ، عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعُمر بن الخطّابِ، وعليِّ بن أبي طالبٍ، وعبدِ الله بن مسعُودٍ، وأبي موسى الأشعريِّ، ومُعاذِ بن جبلٍ، وأبي الدَّرداءِ، وعُبادةَ بن الصامِتِ، وابن عبّاسٍ، وجماعةٍ من التّابِعين بالحِجازِ، والشّام، والعِراقِ، وقولُهُم كلُّهُم: إنَّ المُطلَّقةَ لا تحِلُّ للأزواج حتّى تَغْتسِلَ من الحَيْضةِ الثّالثة (٤). وقال آخرُونَ: الأقْراءُ التي عَنَى اللهُ وأرادَها بقولِهِ في المُطلَّقاتِ: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] هي الأطهارُ، ما بين الحَيْضةِ والحَيْضةِ قُرءٌ. قالوا: وهُو المعرُوفُ من لِسانِ العَرَبِ، على ما ذكَرْنا عن أهلِ العِلم باللُّغةِ في هذا البابِ.

стр. 5090

قالوا: وإنَّما هُو جَمْعُ الرَّحِم الدَّمَ، لا ظهُورُهُ (١)، ومنهُ: قَرَأتُ الماءَ في الحَوْضِ، أي: جمعتَهُ، وقَرَأتُ القُرآنَ، أي: ضممتَ بعضَهُ إلى بعضٍ بلِسانِكَ. قالوا: والدَّليلُ على أنَّ الأطْهارَ، هي الأقراءُ التي أمَر اللهُ المُطلَّقةَ أن تتربَّصَها، أمرُ رسُولِ الله ﷺ بالطَّلاقِ في الطُّهرِ، لمن شاءَ أن يُطلِّقَ، وهو قولُهُ: "هي العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ". فبيَّنَ مُرادَ الله من قولِهِ: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] أو لقُبُلِ عِدَّتِهِنَّ، وهُو المُبيِّنُ عن الله مُرادَهُ ﷺ . وسنَزيدُ هذا الوَجْه حُجَّةً وبَيانًا فيما بَعدُ من هذا البابِ، إذا (٢) أتينا على نَقْضِ (٣) ما احْتَجَّ به القائلُونَ بالقولِ الأُول إن شاءَ الله. ومِمَّن ذهَبَ إلى أنَّ الأقْراءَ الأطهار: مالكٌ، والشّافِعيُّ، وداودُ بن عليٍّ، وأصحابُهُم. وهُو قولُ عائشةَ، وزيدِ بن ثابتٍ، وعبدِ الله بن عُمرَ. ورُوي أيضًا عن ابن عبّاسٍ. وبه قال القاسمُ، وسالمٌ وأبانُ بن عُثمان، وأبو بكر بن عبدِ الرَّحمن، وسُليمانُ بن يَسارٍ، وعُروةُ بن الزُّبيرِ، وعُمرُ بن عبدِ العزيزِ، وابنُ شِهاب، وربيعةُ، ويحيى بن سعيدٍ، كلُّ هؤُلاءِ يقولُون: الأقْراءُ: الأطهارُ (٤). فالمُطلَّقةُ عندَهُم تحِلُّ للأزواج، وتخرُجُ من عِدَّتِها، بدُخُولِها في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ. وسواءٌ بقي من الطُّهرِ الذي طُلِّقت فيه المرأةُ يومٌ واحدٌ أو أقلُّ أو أكثرُ، أو

стр. 5091

ساعةٌ واحدةٌ، فإنَّها تَحتسِبُ به المرأةُ قُرءًا؛ لأنَّ المُبتَغَى من الطُّهرِ، دُخُولُ الدَّم عليه، وهُو الذي يُنبِئُ عن سَلامةِ الرَّحِم، ولَيْستِ استِدامةُ الطُّهرِ بشيءٍ. وهذا كلُّهُ قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ وسائرِ الفُقهاءِ القائلينَ بأنَّ الأقراءَ: الأطهارُ، إلّا الزُّهريَّ وحدَهُ، فإنَّهُ قال في امْرَأةٍ طُلِّقت في بَعضِ طُهرِها: إنَّها تعتدُّ ثلاثةَ أطْهارٍ، سِوى بقيَّةِ ذلك الطُّهر (١). فعلى قولِهِ، لا تحِلُّ المُطلَّقةُ حتّى تدخُل في الحَيْضةِ الرّابعةِ، والحُجَّةُ لمالكٍ، والشّافِعيِّ، ومن قال بقولِهِما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أذِنَ في طلاقِ الطّاهِرِ من غيرِ جِماع، ولم يقُل: أوَّلَ الطُّهرِ، ولا آخِرَهُ. وذكَرَ أبو بكرٍ الأثرمُ (٢): أنَّ أحمدَ بن حَنْبل كان يَذْهبُ إلى قولِ عُمرَ وعليٍّ وعبدِ الله وأبي موسى، ثُمَّ رجعَ عن ذلك وقال: رأيتُ حديثَ عُمر وعبدِ الله يختلفُ في إسنادِهِ الأعمشُ ومنصُورٌ والحكمُ، وحديثُ عليٍّ رواهُ سعيدُ بن المُسيِّبِ، عن عليٍّ، وليسَ هُو عِندي سماعًا، أرسلهُ سعيدٌ عن عليٍّ، وحديثُ الحَسَنِ عن أبي موسى الأشعريِّ مُنقطِعٌ؛ لأنَّ الحسنَ لم يسمَعْ من أبي موسى، وسائرُ الأحاديثِ عن الصَّحابةِ في هذا مُرسلةٌ. قال: والأحاديثُ عمَّن قال: إنَّهُ أحقُّ بها حتّى تدخُل في الحيضةِ الثّالثةِ، أسانيدُها صِحاحٌ قويَّةٌ. قال: ثُمَّ ذهَبَ بعدُ أحمدُ إلى هذا. قال أبو عُمر: الاختِلافُ الذي حَكاهُ أحمدُ بن حَنْبل في حديثِ عُمرَ وعبدِ الله، هُو أنَّ الأعمشَ يرويهِ عن إبراهيمَ، عن عُمرَ وعبدِ الله، أنَّهُما قالا: هُو أحقُّ بها، ما لم تَغْتسِلْ من الحَيْضةِ الثّالثة (٣).

стр. 5092

وكذلكَ رواهُ حمّادٌ، عن إبراهيمَ مُرسلًا عن عُمرَ وعبدِ الله (١). كما رواهُ الأعمشُ، وكذلكَ رواهُ أبو مَعْشرٍ أيضًا (٢). ورواهُ الحكمُ، عن إبراهيم، عن الأسودِ، عن عُمرَ وعبدِ الله، قالا: هُو أحقُّ بها ما لم تَغْتسِلْ من الثّالثة (٣). فهذا هُو الاختِلافُ الذي عَنَى أحمدُ بن حَنْبل، واللهُ أعلمُ. ومن خالَفَنا يقولُ: إنَّ مراسيلَ إبراهيم، عن ابن مسعُودٍ وعُمرَ صِحاحٌ كلُّها، وما أُرسِلَ منها، أقوى من الذي أُسنِدَ، حَكَى هذا القول يحيى القطّانُ وغيرُهُ. وقد ذكَرْنا في صَدْرِ هذا الدِّيوان ما يَشْفي في هذا المعنى، عن إبراهيمَ وغيرِهِ. وأمّا حديثُ عليٍّ، فرواهُ قَتادةُ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن عليٍّ (٤). ورواهُ جعفرُ بن محمدٍ، عن أبيهِ، عن عليٍّ، أنَّهُ قال: لهُ الرَّجْعةُ حتّى تغتسِلَ من الحَيْضةِ الثّالثة (٥). ورواهُ الزُّهريُّ أيضًا، عن سعيدٍ، عن عليٍّ؛ ذكرهُ الحُميديُّ، عن سُفيانَ، عن الزُّهريِّ، قال: أخبرني سعيدٌ، عن عليٍّ: أنَّهُ أحقُّ بها ما لم تَغْتسِلْ من الثّالثة (٦).

стр. 5093

وهُو قولُ سعيد (١). وأمّا حديثُ أبي موسى، فإنَّما يَرْويهِ الحسنُ، عن أبي موسى (٢). ولم يَسْمع منهُ، كما قال أحمدُ. وأمّا حديثُ ابن عبّاسٍ، فرواهُ ابنُ أبي يحيى، عن داود بن الحُصَينِ، عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ. ورواهُ جعفرُ بن محمدٍ أيضًا، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ. وأمّا سائرُ الأحاديثِ، عن الصَّحابةِ الذين رُوي عنهُم: أنَّهُ أحقُّ بها ما لم تغتسِل من الحَيْضةِ الثّالثةِ، فإنَّما هي من مَراسيلِ مكحُول (٣) والشَّعبيِّ. وكلُّ هؤُلاءِ يقولُونَ: الأقراءُ الحيضُ. وأمّا الأحاديثُ، عن الصَّحابةِ القائلينَ بأنَّ الأقراءَ الأطهارُ. فأسانيدُها صِحاحٌ. روى حديثَ عائشةَ: ابنُ شِهاب، عن عُروةَ وعَمْرةَ (٤)، عن عائشةَ: أنَّ الأقراءَ الأطهارُ (٥). وحديثُ زيدِ بن ثابتٍ، رواهُ مالكٌ (٦) عن نافع وزيدِ بن أسلَمَ، عن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن زيدِ بن ثابتٍ (٧) أنَّهُ قال: إذا دخَلَتْ في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ، فقد برِئَت منهُ، وبرِئَ منها، ولا ترِثُهُ، ولا يرِثُها.

стр. 5094

وحديثُ ابن عُمرَ، رواهُ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: إذا طلَّق امرأتَهُ، فدخلَتْ في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ، فقد بَرِئَت منهُ، وبَرِئَ منها، ولا ترِثُهُ، ولا يرِثُها، وابنُ عُمرَ روى هذا الحديثَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ". ولهُ عَرَضَتِ القِصَّةُ، إذ طلَّقَ امرأتَهُ حائضًا، وهُو أعلمُ بهذا، ومَعهُ زيدُ بن ثابتٍ، وعائشةُ، وجُمهُورُ التّابِعين بالمدينةِ، ومَعهُ دليلٌ آخرُ، حديثُ النَّبيِّ ﷺ ، وهُو الحُجَّةُ القاطِعةُ، عندَ التَّنازُع في مِثلِ هذا، وبالله التَّوفيقُ. وقد رَوَينا عن ابن عبّاسٍ خِلافَ ما رَوَى المُخالِفُونَ عنهُ. أخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاق القاضي، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن ثَوْرِ بن زيدٍ الدِّيليِّ، عن عِكْرِمةَ، أنَّ ابنَ عبّاسٍ كان يقولُ: إذا حاضَتِ الثّالثةَ، فقد بانَتْ من زوجِها (٢). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ (٣)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن شاذانَ، قال: حدَّثنا المُعلَّى، قال: أخبرني عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، أنَّ ثورَ بن زيدٍ الكِنانيَّ، حدَّثهُ عن عِكْرِمةَ، عن ابن عبّاسٍ، قال: إذا حاضَتِ المُطلَّقةُ الحَيْضةَ الثّالثةَ، فقد بانَتْ من زَوْجِها، إلّا أنَّها لا تَتَزوَّجُ حتّى تَطْهُر (٤). وهذه الزِّيادةُ، قولَهُ: إلّا أنَّها لا تَتَزوَّجُ حتّى تطهُر، ضعيفةٌ في النَّظرِ، فإن صحَّت، احتمَلَ أن يكون اسْتِحبابًا من ابن عبّاسٍ، أن لا يَعقِدَ على الحائضِ أحَدٌ،

стр. 5095

خوفًا أن تَدْعوهُ الشَّهوةُ إلى الوَطْءِ في حَيْضِها، وهي عِندي زيادةٌ مُنكرةٌ، وحسبُهُ أنَّهُ قد أخرَجَها من العِدَّةِ بقولِهِ: فقد بانَتْ من زوجِها. وإذا خَرَجت من العِدَّةِ، فالنِّكاحُ لها مُباحٌ في الأُصُولِ كلِّها. وأمّا حُجَّةُ من احتجَّ بأنَّ الله (١) قال: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] فوجَبَ أن تكون ثلاثةً كامِلةً. وقال في قولِهِ: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فجائزٌ أن تكونَ شَهْرينِ، وبعضَ الثّالثِ. وفرَّقَ بين ذلك بذِكرِ العَدَدِ. فلا وجهَ لِما قال؛ لأنَّ المُبتَغَى من الأقراءِ، ما تَبْرأُ به الرَّحِمُ، وهُو خُرُوجُ المرأةِ من الطُّهرِ إلى الدَّم، فذلكَ الوَقتُ هُو المُبتَغَى والمُراعَى، وقد حصَلَ منهُ ثلاثةُ أوقاتٍ كامِلةٍ بدُخُولِها في الدَّم من الحَيْضةِ الثّالثةِ. ودليلٌ آخَرُ، وهُو أنَّ الطُّهرَ مُذكَّرٌ، فهُو أشْبَهُ بقولِ الله : ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لإدخالِهِ الهاءَ في ﴿ثَلَاثَةَ﴾ وهي لا تدخُلُ إلّا في العَددِ المُذكَّرِ، والحَيْضةُ مُؤَنَّثةٌ، فلو أرادها، لقال: ثلاثَ قُرُوءٍ. وقدِ احتجَّ أصحابُنا بهذا، وهذا عِندي ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ التَّذكير في العَدَدِ إنَّما جاءَ على لفظِ القُرءِ، وهي مُذَكّرةٌ. وأمّا احتِجاجُهُم بقولِهِ ﷺ للمُستحاضةِ: "اقعُدي أيامَ أقْرائكِ، وانظُري إذا أتاكِ قُرؤُكِ، فلا تُصلِّي" (٢) ونحوِ هذا، فليس فيه حُجَّةٌ؛ لأنَّ الحيضَ قد يُسمَّى قُرءًا، ولسنا نُنازِعُهُم في ذلك، ولكِنّا نُنازِعُهُم أن يكونَ اللهُ أرادهُ بقولِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].

стр. 5096

على أنَّ هذا الحديثَ قد ضعَّفهُ أهلُ العِلم؛ لأنَّهُ يُروى عن عائشةَ، وعائشةُ لم يُختَلَفْ عنها في أنَّ الأقراءَ: الأطهارُ، فيَبعُدُ عن عائشةَ أن ترويَ عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال للمُسْتحاضةِ: "دعي الصَّلاةَ أيام أقرائكِ"، وتقول: الأقراءُ الأطهارُ. فإن صحَّ عن عائشةَ، فهُو حُجَّةٌ عليهم؛ لأنَّ عائشةَ تكونُ حِينَئذٍ أخْبَرت بأنَّ القُرءَ الذي يَمْنعُ من الصَّلاةِ، ليسَ هُو القُرءَ الذي تَعتدُّ به من الطَّلاقِ، وكَفَى بتفرِقةِ عائشةَ بين هذين حُجَّةً. وأمّا حديثُ فاطِمةَ ابنةِ أبي حُبيشٍ، فلم يذكُر فيه هشامُ بن عُروةَ من رِوايةِ مالكٍ، وغيرِهِ: القُرءَ، إنَّما قال فيه: "إذا أقْبَلتِ الحَيْضةُ، فدَعِي الصَّلاةَ" (١)، لم يقُل: إذا أتاكِ قُرؤُكِ. وهشامٌ أحفظُ من الذي خالَفهُ في ذلك، ولو صحَّ، كان الوجهُ فيه ما ذكَرْنا عن عائشةَ، والله أعلمُ. وقد أجمعُوا على أنَّ الطَّلاقَ للعِدَّةِ: أن يُطلِّقَها طاهِرًا من غيرِ جِماع، لا حائضًا. وأجمعُوا على أنَّ كلَّ مُعتدَّةٍ من طلاقٍ، أو وفاةٍ، تُحْسَبُ عِدَّتُها من ساعةِ طلاقِها، أو وفاةِ زَوْجِها. وذلكَ دليلٌ على أنَّ الأقراءَ: الأطهارُ لا المَحِيض؛ لأنَّ القائلينَ بأنَّها المَحِيض، يقولُونَ: إنَّها لا تعتدُّ إلّا بالحَيْضةِ المُقبِلةِ بعدَ الطُّهرِ الذي طُلِّقت فيه، فجَعلُوا عليها ثلاثةَ قُرُوءٍ وشيئًا آخرَ، وذلكَ خِلافُ الكِتابِ والسُّنَّةِ، ويلزَمُهُم أن يقولُوا: إنَّها قبلَ الحيضةِ في غيرِ عِدَّةٍ. وحسبُك بهذا خِلافًا، لظاهرِ قولِ الله : ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]، ولِقولِ النَّبيِّ ﷺ : "فتلكَ العِدَّةُ التي أمَرَ اللهُ أن يُطلَّقَ لها النِّساءُ".

стр. 5097

وأمّا حُجَّتُهُم بأنَّ أُمَّ الولدِ عِدَّتُها حَيْضةٌ بإجماع، وأنَّها لا يحِلُّ لها النِّكاحُ حتّى تَطْهُرَ من حَيْضتِها، وذلكَ دليلٌ على أنَّ القُرءَ الحَيْضةُ، فليسَ هُو كما ظنُّوا، وجائزٌ لها عندَنا أن تَنكِحَ إذا دَخَلت في الحَيْضةِ واسْتَيقنت أنَّ دَمَها دَمُ حيض. وقد قال هذا إسماعيلُ بن إسحاق ليَحْيى بن أكثَمَ، حينَ أدخَلَ عليه في مُناظرتِهِ إيّاهُ ما أدخَلَهُ محمدُ بن الحسنِ على مُناظرهِ (١) عن أهلِ المدينةِ في كِتابِهِ، فقال لهُ: أتحِلُّ أُمُّ الولَدِ للأزواج، إذا دخلت في الدَّم من الحَيْضةِ؟ فقال لهُ إسماعيلُ: نعَمْ تحِلُّ للأزواج؛ لأنَّ ظُهُورَ الدَّم براءةٌ لرحِمِها في الأغْلَبِ المعمُولِ به. قال أبو عُمر: الأصلُ في هذا البابِ، والمُعتَمدُ عليه فيه، حديثُ ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، في قولِهِ: "فإذا طَهُرَتْ، فإنْ شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ" لم يخُصَّ أوَّلَ الطُّهرِ من آخِرِهِ. ولو كان بينهُما فرقٌ لبَيَّنهُ؛ لأنَّهُ المُبيِّنُ عن الله مُرادهُ، وقد بلَّغَ، وما كتَمَ ﷺ . قرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَلْقمةَ: أنَّ ابنَ عُمرَ طلَّقَ امرأتَهُ وهي حائضٌ، فسألَ عُمرُ النَّبيَّ ﷺ عن ذلكَ، فقال: "مُرهُ فليُراجِعْها حتّى تَطْهُرَ، ثُمَّ تحيضَ، ثُمَّ تطهُرَ، فإن شاءَ طلَّقَ، وإن شاءَ أمسكَ". قال أبو عُمر: لم يُذكَرْ في هذا الحديثِ: قبلَ أن يَمسَّ. وذكَرهُ مالكٌ وغيرُهُ. وهُو الذي لا بُدَّ منهُ، ذُكِرَ أو سُكِتَ عنهُ، وهذا أمرٌ مُجتمَعٌ عليه، يُغني عن الكلام فيه، وبالله العِصْمةُ والهُدى والتَّوفيقُ.

стр. 5098

حديثٌ ثامِنُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا سألَ رسُولَ الله ﷺ : مما يلبَسُ المُحرِمُ من الثِّيابِ؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَلْبسُوا القُمُص، ولا العمائمَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلّا أحدٌ لا يجِدُ نَعْلينِ، فلْيَلْبَسْ (٢) الخُفَّين (٣)، وليَقْطَعْهُما أسفَلَ من الكَعْبينِ، ولا تَلْبسُوا شَيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ ولا الوَرْسُ". قال أبو عُمر: كلُّ ما في هذا الحديثِ (٤) فمُجتمَعٌ عليه من أهلِ العِلم: أنَّهُ لا يَلْبسُهُ المُحرِمُ، ما دام مُحرِمًا. ورواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ سواءً؛ رواهُ عن ابن شِهابٍ: معمرٌ (٥)، وابنُ عُيَينةَ (٦)، وإبراهيمُ بن سعد (٧)، وغيرُهُم، وليسَ هذا الحديثُ عندَ مالكٍ، عن ابن شِهابٍ. وفي معنى ما ذُكِر في هذا الحديثِ من القُمُصِ، والسَّراويلاتِ، والبَرانِسِ، يدخُلُ المخِيطُ كلُّهُ بأسْرِهِ، فلا يجُوزُ لِباسُ شيءٍ منهُ للمُحرِم عندَ جميع أهلِ العِلم.

стр. 5099

وأجمعُوا أنَّ المُرادَ بهذا الخِطابِ في اللِّباسِ المذكُورِ الرِّجالُ، دُونَ النِّساءِ، وأنَّهُ لا بأسَ للمرأةِ بلِباسِ القَميصِ، والدِّرع، والسَّراويلِ، والخُمُرِ، والخِفافِ. وأجمعُوا أنَّ الطِّيبَ كلَّهُ لا يجُوزُ للمُحرِم أن يَقْربَهُ مُتطيِّبًا به، زعفرانًا كان أو غيرَهُ. وإنَّما اختلفُوا فيمَنْ تطيَّبَ قبلَ إحرامِهِ، هل لهُ أن يُبقيَ الطِّيبَ على نفسِهِ وهُو محُرِمٌ أم لا؟ وقد ذكرنا ما للعُلماءِ في ذلك، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، من كِتابِنا هذا والحمدُ لله. وأجمعُوا أنَّ إحرامَ الرَّجُلِ في رأسِهِ، وأنَّهُ ليسَ لهُ أن يُغطِّيَ رأسَهُ، لنَهْي رسُولِ الله ﷺ المُحرِمَ عن لُبْسِ البَرانِسِ والعَمائم. وهذا ما لا خِلافَ فيه، والحمدُ لله. وأجمعُوا على أنَّ إحرامَ المرأةِ في وَجْهِها، ورُوي عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى المرأةَ الحرامَ عن النِّقابِ والقُفّازينِ. أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢)، قالا: حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: قامَ رجُلٌ، فقال: يا رسُولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ من الثِّيابِ في الحَرَم؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَلْبسُوا القميصَ، ولا السَّراويلاتِ، ولا العَمائمَ (٣)، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفافَ، إلّا أن يكونَ أحدٌ ليسَ لهُ نعلانِ، فلْيلبَسِ الخُفَّينِ

стр. 5100

ما (١) أسفلَ من الكَعْبينِ، ولا تَلْبسُوا شيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ ولا الوَرْسُ، ولا تَنْتقِبِ المرأةُ الحَرامُ، ولا تَلْبسِ القُفّازينِ". قال أبو داود (٢): رَوَى هذا الحديثَ حاتِمُ بن إسماعيلَ ويحيى بن أيُّوبَ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، على ما قال اللَّيثُ. ورواهُ أبو قُرَّةَ موسى بن طارِقٍ، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع موقُوفًا على ابنِ عُمرَ. قال أبو عُمر: رَفْعُهُ صحيحٌ عن ابن عُمرَ. رواهُ ابنُ إسحاقَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا. ورواهُ ابنُ المُباركِ، عن موسى بن عُقْبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ مرفُوعًا أيضًا، فهذا يُصحِّحُ ما رواهُ اللَّيثُ، وحاتِمُ بن إسماعيلَ، ويحيى بن أيُّوبَ. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا يعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثني أبي، عن ابن إسحاقَ، قال: حدَّثني نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّهُ سمِعَ رسُولَ الله ﷺ نَهَى النِّساءَ في إحْرامِهِنَّ عن القُفّازين والنِّقابِ، وما مسَّهُ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثِّيابِ، ولْتَلبَسْ بعدَ ذلك ما أحبَّتْ من ألوانِ الثِّيابِ، من مُعصفَرٍ، أو خزٍّ، أو حُليٍّ، أو سَراويلَ، أو قُمُصٍ، أو خُفٍّ. قال أبو داود: روى هذا الحديثَ عن ابن إسحاقَ: عبدةُ، ومحمدُ بن سلمةَ إلى قولِهِ: وما مسَّ الوَرْسُ والزَّعفرانُ من الثِّيابِ. ولم يذكُرا ما بعدهُ.

стр. 5101

أخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (١): أخبرنا سُويدُ بن نَصْرٍ، قال: أخبرنا عبدُ الله، عن موسى بن عُقبةَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ رجُلًا قامَ فقال: يا رسُولَ الله، ماذا تأمُرُنا أن نلبَسَ من الثِّيابِ في الإحرام؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "لا تَلْبسُوا القُمُص، ولا السَّراويلاتِ، ولا الخِفافَ، إلّا أن يكونَ رجُلٌ ليسَ لهُ نَعْلانِ فلْيلبسِ الخُفَّين أسفَلَ من الكَعْبينِ، ولا يَلْبسْ شيئًا من الثِّيابِ مَسَّهُ الزَّعفرانُ والورسُ، ولا تَنْتقِبِ المرأةُ الحَرامُ، ولا تَلْبسِ القُفّازينِ". وعلى كَراهيةِ النِّقابِ للمَرْأةِ جُمهُورُ عُلماءِ المُسلِمينَ من الصَّحابةِ، والتّابِعينَ، ومن بعدَهُم من فُقهاءِ الأمْصارِ أجمعينَ، لم يختلِفُوا في كَراهيةِ الانْتِقابِ، والتَّبرقُع للمرأةِ المُحْرِمةِ؛ إلّا شيءٌ رُوِيَ عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ: أنَّها كانت تُغطِّي وَجْهَها وهي مُحْرِمَةٌ (٢). ورُوي عن عائشةَ: أنَّها قالت: تُغطِّي المُحرِمةُ وَجْهَها إن شاءَتْ (٣). وقد رُوي عنها: أنَّها لا تفعلُ، وعليه النّاسُ. وأمّا القُفّازانِ، فاختلفُوا فيهما أيضًا؛ فرُوي عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ: أنَّهُ كان يُلبِسُ بناتِه وهُنَّ مُحرِماتٌ القُفّازين (٤). ورخَّصَتْ فيهما عائشةُ أيضًا. وبه قال عطاءٌ (٥)، والثَّوريُّ، ومحمدُ بن الحسنِ، وهُو أحَدُ قوليِ الشّافِعيِّ.

стр. 5102

وقد يُشبِهُ أن يكونَ مذهبَ ابن عُمرَ؛ لأنَّهُ كان يقولُ: إحرامُ المرأةِ في وَجهِها (١). وقال مالكٌ (٢): إن لَبِسَتِ المرأةُ القُفّازينِ، افتدَتْ. وللشّافِعيِّ قولانِ في ذلك، أحدُهُما: تفتدي، والآخرُ: لا شيءَ عليها. قال أبو عُمر: الصَّوابُ عِندي قولُ من نَهَى المرأةَ عن القُفّازينِ، وأوجَبَ عليها الفِدْيةَ، لثُبُوتِهِ عن النَّبيِّ ﷺ . ولا خِلافَ بين العُلماءِ بعدَما ذكَرْنا في أنَّهُ جائزٌ للمَرْأةِ المُحرِمةِ لِباسُ القُمُصِ، والخِفافِ، والسَّراويلاتِ، وسائرِ الثِّيابِ التي لا طِيبَ فيها، وأنَّها ليست في ذلك كلِّهِ كالرَّجُلِ. وأجمعُوا أنَّ إحرامَها في وَجْهِها دُونَ رأسِها، وأنَّها تُخمِّرُ رأسَها، وتَسْتُرُ شعرَها وهي مُحرِمَةٌ. وأجمعوا أنَّ لها (٣) أن تَسْدُلَ الثَّوبَ على وَجْهِها من فوقِ رَأسِها سَدْلًا خَفِيفًا تَسْتَتِرُ به عن نَظَرِ الرِّجالِ إليها، ولم يُجيزُوا لها تغطيةَ وَجْهِها وهي مُحرِمةٌ، إلّا ما ذكَرْنا عن أسماءَ. روى مالكٌ (٤)، عن هشام بن عُروةَ، عن فاطِمةَ بنتِ المُنذِرِ، أنَّها قالت: كُنّا نُخمِّرُ وُجُوهَنا ونحنُ مُحرِماتٌ معَ أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ.

стр. 5103

وقد يحتمِلُ أن يكونَ ما رُوي عن أسماءَ في ذلك، كنحوِ ما رُوي عن عائشَةَ، أنَّها قالت: كُنّا معَ رسُولِ الله ﷺ ونَحْنُ مُحرِمُونَ، فإذا مرَّ بنا راكِبٌ سَدَلْنا الثَّوبَ من قِبَلِ رُؤُوسِنا، وإذا جاوَزَنا الرّاكِبُ رَفَعناهُ (١). وأجمعُوا أنَّ الرَّجُلَ المُحرِمَ لا يُخمِّرُ رأسَهُ، على ما تقدَّمَ ذِكرُنا لهُ. واختلفُوا في تَخْميرِهِ (٢) وجهَهُ: فرُوي عن ابن عُمر، أنَّهُ قال: ما فوقَ الذَّقنِ من الرَّأسِ، وعلى المُحرِم أنْ لا يُغطِّيَهُ (٣). وإلى هذا ذهَبَ مالكٌ وأصحابُهُ (٤). وبه قال محمدُ بن الحسنِ الشَّيبانيُّ. ورُوي عن عُثمانَ بن عفّانَ، وعبدِ الرَّحمن بن عَوْفٍ، وزيدِ بن ثابتٍ، وعبدِ الله بن الزُّبيرِ: أنَّهُم كانوا يُغطُّونَ وُجُوههُم وهُم مُحرِمُونَ (٥). ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٦) عن يحيى بن سعيدٍ، عن القاسم بن محمدٍ، قال: أخبَرَني الفُرافِصةُ بن عُمَيرٍ الحنفيُّ: أنَّهُ رأى عُثمانَ بن عفّانَ بالعَرْج (٧) يُغطِّي وَجْههُ، وهُو مُحرِمٌ. وعن عبدِ الله بن أبي بكرٍ، عن عبدِ الله بن عامرِ بن ربيعةَ، قال: رأيتُ عُثمانَ بن عفّان بالعَرْج وهُو مُحرِمٌ في يوم صائفٍ قد غَطَّى وجهَهُ بقَطِيفةِ

стр. 5104

أُرجُوانٍ، ثُمَّ أُتي بلَحْم صيدٍ، فقال لأصحابِه: كُلُوا. فقالوا: أولا تأكُلُ؟ فقال: إنِّي لَسْتُ كهيئَتِكُم، إنَّما صِيدَ من أجْلِي (١). وعن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وجابرِ بن عبدِ الله، والقاسم بن محمدٍ، وطاوُوسٍ: أنَّهُم أجازُوا للرَّجُلِ المُحرِم أن يُغطِّيَ وجهَهُ (٢). وبه قال الثَّوريُّ، والشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ بن راهُوية، وأبو ثَوْر (٣). وقال ابنُ القاسم: كرِهَ مالكٌ للمُحرِم أن يُغطِّيَ وجهَهُ، وأن يُغطِّيَ ما فوقَ ذَقنِهِ؛ لأنَّ إحرامَهُ عندَهُ في وجهِهِ ورأسِهِ. قيل لابن القاسم: فإن فعلَ؟ قال: لم أسمَعْ من مالكٍ فيه شيئًا، ولا أرى عليه شيئًا، لِما جاءَ عن عُثمان. وقد رُوي عن مالكٍ فيمَنْ غطَّى وجهَهُ، وهُو مُحرِمٌ: أنَّهُ يفتدي. وفي موضِع آخرَ من كِتابِ ابن القاسم: قيلَ: أرأيتَ مُحرِمًا غطَّى وجهَهُ ورأسَهُ في قولِ مالكٍ؟ قال: قال مالكٌ: إن نَزَعهُ مكانَهُ، فلا شيءَ عليه، وإن تَرَكهُ، فلم يَنْزِعْهُ مكانَهُ حتّى انتفعَ بذلكَ، افتدى. قلتُ: وكذلكَ المرأةُ إذا غَطَّت وَجْهَها؟ قال: نعَمْ، إلّا أنَّ مالكًا كان يُوسِعُ للمَرْأةِ أن تُسدِلَ رِداءَها من فَوْقِ رأسِها على وَجْهِها إذا أرادَتْ سِترًا، وإن كانت لا تُريدُ سِترًا، فلا تُسدِلُ (٤). وأجمعُوا أنَّ للمُحرِم أن يَدْخُلَ الخِباءَ والفُسطاطَ، وإن نزلَ تحتَ شَجَرةٍ أن يَرْميَ عليها ثوبًا.

стр. 5105

واختلفُوا في اسْتِظلالِهِ على دابَّتِهِ، أو على المَحْمِل، فرُوي عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: أَضْحِ (١) لمن أحرمتَ لهُ (٢). وبعضُهُم يرفعُهُ عنهُ. وكرِهَ مالكٌ وأصحابُهُ أن يَسْتظِلَّ المُحرِمُ على مَحْمِلِه. وبه قال عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ، وأحمدُ بن حَنْبل (٣). ورُوي عن عُثمان بن عفّانَ: أنَّهُ كان يستظِلُّ وهُو مُحرِمٌ، وأنَّهُ أجازَ ذلك للمُحرِم. وبه قال عطاءُ بن أبي رباح، والأسودُ بن يزيد (٤). وهُو قولُ ربيعةَ والثَّوريِّ، وابن عُيينةَ، والشّافِعيِّ وأصحابِه. وقال مالكٌ: إن استظلَّ المُحرِمُ في مَحْمِلِهِ، افتدى. وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ: لا شيءَ عليه؛ قالا: ولا بأسَ أن يستظِلَّ إذا جافى ذلك عن رأسِه (٥). وأجمعُوا أنَّ المُحرِمَ إذا وجدَ إزارًا، لم يَجُز لهُ لُبْسُ السَّراويلِ. واختلفُوا فيه إذا لم يجِد إزارًا، هل لهُ لُبْسُ السَّراويلِ؟ وإن لَبِسها على ذلك، هل عليه فِديةٌ أم لا؟ وفي "المُوطَّأ" (٦): سُئل مالكٌ عمّا ذُكِرَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "من لم

стр. 5106

يَجِد إزارًا، فلْيلبَسْ سَراويلَ"، فقال مالكٌ: لم أسمَعْ بهذا، ولا أرى أن يَلْبس المُحرِمُ سراويلَ؛ لأنَّ رسُولَ الله ﷺ نَهَى عن لُبْسِ السَّراويلاتِ، فيما نَهَى عنهُ من لُبسِ الثِّيابِ، التي لا يَنْبغي للمُحرِم أن يَلْبسها. قال: ولم يَسْتَثْنِ فيها، كما اسْتَثنى في الخُفَّينِ. وقولُ أبي حَنِيفةَ في ذلك كقولِ مالكٍ. ويرَوْنَ على من لبِسَ السَّراويل وهُو مُحرِمٌ الفِدْيةَ. وسواءٌ عندَ مالكٍ وجدَ الإزار، أو لم يجِد. وقال عَطاءُ بن أبي رباح والشّافِعيُّ وأصحابُهُ والثَّوريُّ وأحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ بن راهوية وأبو ثورٍ وداودُ: إذا لم يجِدِ المُحْرِمُ إزارًا، لبِسَ السَّراويلَ، ولا شيءَ عليه (١). وحُجَّةُ من ذهَبَ إلى هذا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن عَمرِو بنَ دينارٍ، عن جابرِ بن زيدٍ، عن ابن عبّاس، قال: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "السَّراويلُ لمن لم يَجِدِ إزارًا (٣)، والخُفُّ لمن لم يجِدِ النَّعلَيْنِ". وأخبرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ. وحدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ وعبدُ الوارثِ، قالا:

стр. 5107

حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ (١)، قالا (٢): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، قال: أخبرني أبو الشَّعثاءِ جابرُ بن زَيدٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يقولُ: سمِعتُ رسُولَ الله ﷺ وهُو يخطُبُ على المِنْبرِ يقولُ: "من لم يجِدِ النَّعْلَين، فلْيلبسِ الخُفَّينِ، ومن لم يَجِدْ إزارًا، فليَلْبَسْ سَراويلَ". ورَوَى زُهيرٌ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ (٣). واختلفُوا فيمَنْ لم يَجِد نَعْلينِ، هل يلبَسُ الخُفَّينِ، ولا يَقْطعُهُما؟ فذهَبَ عطاءُ بن أبي رباح، وسعيدُ بن سالم القدّاحُ، وطائفةٌ من أهلِ العِلْم غيرُهُما، إلى أنَّ من لم يَجِدْ نَعْلينِ، لبِسَ الخُفَّينِ، ولم يَقْطَعْهُما. وإلى ذلك ذهَبَ أحمدُ بن حَنْبل (٤). قال عطاءٌ: وفي قَطْعِهِما فسادٌ. وقال أكثرُ أهلِ العِلْم: إذا لم يجِدِ المُحْرِمُ نَعْلينِ، لبِسَ الخُفَّين، وقَطَعهُما أسفلَ من الكَعْبينِ. ومِمَّن قال بهذا: مالكُ بن أنسٍ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وإسحاقُ، وأبو ثورٍ، وجماعةٌ من التّابِعين.

стр. 5108

وقال الشّافِعيُّ: ابنُ عُمر قد زادَ على ابن عبّاسٍ شيئًا نقَصَهُ ابنُ عبّاسٍ وحَفِظهُ ابنُ عُمرَ، وذلك قولُهُ: "وليَقْطعهُما أسفلَ من الكَعْبينِ". والمصيرُ إلى رِوايةِ ابن عُمرَ أولى. ورَوَى ابنُ وَهْب، عن مالكٍ واللَّيثِ: أنَّ من لبِسَ خُفَّينِ مَقْطُوعينِ، أو غيرَ مَقْطُوعين، إذا كان واجِدًا للنَّعلينِ، فعليه الفِديةُ. وقال أبو حَنِيفةَ: لا فِديةَ عليه إذا لَبِسهُما مَقْطُوعينِ وهُو واجِدٌ للنَّعلينِ. قال: ومن لبِسَ السَّراويلَ افْتَدَى على كلِّ حالٍ، وجدَ إزارًا، أو لم يجِدْ، إلّا أن يَفْتُقَ السَّراويلَ. واختلفَ قولُ الشّافِعيِّ فيمَنْ لبِس الخُفَّينِ مَقْطُوعينِ وهُو واجِدٌ للنَّعلينِ، فمرَّةً قال: عليه الفِديةُ، ومرَّةً قال: لا شيءَ عليه. وقال مالكٌ: من ابتاعَ خُفَّينِ وهُو مُحرِمٌ، فجرَّبهُما وقاسَمهُما في رِجلِهِ، فلا شيءَ عليه، وإن تَرَكهُما حتّى مَنعهُ ذلك من حرٍّ، أو بردٍ، أو مَطرٍ، افتدى. قال أبو عُمر: كان ابنُ عُمرَ يَقْطعُ الخُفَّينِ، حتّى للمرأةِ المُحرِمةِ، وهذا شيءٌ لا يقولُ به أحدٌ من أهلِ العِلم فيما عَلِمتُ، ولا بأسَ بلِباسِ المُحرِمةِ الخِفافَ عندَ جَميعِهِم، وقد رُوي عن ابن عُمرَ: أنَّهُ انصرفَ عن ذلك. حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ،

стр. 5109

عن ابن شِهاب، قال: حدَّثني سالمٌ، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ كان يَقْطعُ الخُفَّين للمرأةِ المُحْرِمةِ، ثُمَّ حدَّثَتْهُ صَفيَّةُ بنتُ أبي عُبيدٍ، أنَّ عائشةَ حَدَّثتها: أنَّ رسُولَ الله ﷺ قد كان أرْخَصَ للنِّساءِ في الخُفَّين، فتركَ ذلكَ. قال أبو عُمر: هذا إنَّما كان من وَرَع ابن عُمرَ، وكَثْرةِ اتِّباعِهِ، ومع هذا فإنَّهُ استعملَ ما حفِظَ على عُمُومِهِ، حتّى بلَغهُ فيه الخُصُوصُ. ومِمّا وَصَفتُ من وَرعِهِ وتَوقُّفِهِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا موسى بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّهُ وجدَ القُرَّ (٢)، فقال: يا نافعُ، ألْقِ عليَّ ثوبًا. قال: فألقيتُ عليه بُرنُسًا، فقال: أتُلْقي عليَّ هذا وقد نَهَى رسُولُ الله ﷺ أن يَلْبَسَهُ المُحْرِمُ؟ ألا تَرَى أنَّهُ كرِهَ أن يُلقَى عليه البُرنُسُ؟ وسائرُ أهلِ العِلم إنَّما يكرهُونَ الدُّخُولَ فيه، ولكِنَّهُ، ﵀، استعملَ العُمُومَ في اللِّباسِ؛ لأنَّ التَّغْطيةَ والامتِهانَ (٣) قد يُسمَّى لِباسًا، ألم تسمَعْ إلى قولِ أنَسٍ: فقُمتُ إلى حَصيرٍ لنا قدِ اسْوَدَّ من طُولِ ما لُبِسَ (٤)؟ قال أسدٌ وأبو ثابتٍ وسُحنُونٌ (٥) وأبو زيدٍ: قلتُ لابن القاسم: هل كان

стр. 5110

مالكٌ يَكْرهُ للمُحرِم أن يُدخِلَ مَنْكِبَهُ في القَباءِ، من غيرِ أن يُدخِلَ يدَيهِ في كُمَّيهِ، ولا يَزُرَّهُ (١) عليه؟ قال: نعم. قلتُ: فكان يكرهُ لهُ أن يطرَحَ قَمِيصَهُ على ظهرِهِ، يتردَّى به، من غيرِ أن يَدْخُلَ فيه؟ قال: لا. قيل لهُ: فلِمَ كرِهَ أن يُدخِلَ مَنكِبيهِ في القَباءِ، إذا لم يدخُلْ فيه ولم يَزُرَّهُ؟ قال: لأنَّ ذلك دُخُولٌ في القَباءِ ولِباسٌ لهُ، فلذلكَ كرِههُ. قال أبو عُمر: كان أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ، وأبو ثَوْرٍ يقولُونَ: لا بأسَ أن يُدخِلَ مَنكِبيهِ في القَباءِ. وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخَعيِّ (٢). وكرِهَ ذلك الثَّوريُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ، والشّافِعيُّ. وقال عَطاءٌ: لا بأسَ أن يَتَردَّى به (٣). وجُملةُ قولِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّ المُحرِمَ إذا أدخَلَ كفَّيهِ (٤) في قَباءٍ، افتدى، وإن لم يُدخِل كفَّيهِ، فلا شيءَ عليه. وهُو قولُ زُفر، وقولُ الشّافِعيِّ. وقال أبو حَنِيفةَ: لا فِدْيةَ عليه، إلّا أن يُدخِلَ فيه يدَيه (٥). وقال مالكٌ (٦): إن عقدَ إزارَهُ على عُنُقِهِ، افتدَى. وقال الشّافِعيُّ (٧)، وأبو حنيفةَ: لا شيءَ عليه.

стр. 5111

قال أبو عُمر: رُوي عن ابن عُمرَ: أنَّهُ كرِهَ الهِميانَ والمِنْطقةَ للمُحرِم (١)، ورُوي عن ابن عبّاس: أنَّهُ أجازَ ذلك للمُحرِم (٢). وكذلكَ رُوي عن عائشةَ، أنَّها قالت: أوثِقْ عليك نفقتَك (٣). وأجازَ ذلك جماعةُ فُقهاءِ الأمْصارِ، مُتقدِّمُوهُم ومُتأخِّرُوهُم. وعن جماعةٍ من التّابِعينَ بالحِجازِ والعِراقِ مِثلُ ذلكَ. وقال إسحاقُ بن راهُوية: ليسَ لهُ أن يعقِدَ السُّيُورَ، ولكِن يُدخِلُ بعضَها في بعض. وقال مالكٌ (٤): أحَبُّ ما سمِعتُ إليَّ في ذلك، ما حدَّثني يحيى بن سعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ: أنَّهُ كان يقولُ في المِنْطقةِ يلبسُها المُحرِمُ تحت ثيابِهِ: إنَّهُ لا بأسَ بذلك، إذا جعلَ في طَرَفيها جميعًا سُيُورًا، يعقِدُ بعضَها إلى بعضٍ. وقال ابنُ عُليَّةَ: قد أجمعُوا على أنَّ المُحرِمَ (٥) لهُ أن يعقِدَ الهِميانَ والإزارَ على وَسَطِهِ، والمِنْطقةُ مِثلُ ذلك. واختلفُوا في المُحرِم يَعصِبُ رأسَهُ وجَسَدَهُ عن ضرُورةٍ. فقال مالكٌ: لا يفعلُ ذلك أحدٌ إلّا من ضرُورةٍ، فإن فعلَ ذلك من غيرِ ضرُورةٍ، فعليه الفِديةُ، وسواءٌ عندَهُ في ذلك الرَّأسُ والجسدُ. وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: إن عصَبَ رأسَهُ يومًا إلى اللَّيلِ، فعليه صَدَقةٌ، وإن عصَبَ بعضَ جَسدِهِ، فلا شيءَ عليه (٦).

стр. 5112

وقال الشّافِعيُّ (١): من عصَبَ رأسهُ، فعليه الفِدْيةُ. وكذلك إذا شدَّ السَّيرَ على رأسِهِ، وحملَ خُرْجَهُ (٢) على رأسِهِ. قال: ولا بأسَ أن يضَعَ يدَهُ على رأسِهِ. وقال مالكٌ (٣): لا بأسَ أن يحمِلَ المُحرِمُ خُرْجَهُ وجِرابَهُ على رأسِهِ، إذا كان فيه زادُهُ، واحتاجَ إلى ذلكَ، أُرْخِصَ (٤) له في ذلك (٥)، كما أُرْخِصُ لهُ في حَمْلِ مِنْطقةِ نَفسِهِ. قال: وأمّا لو تطوَّع بحَملِهِ، أو آجَرَ نفسَهُ على ذلك، لكان عليه الفِدْيةُ. قال: والأطباقُ، والغَرائرُ، والأخرِجةُ، في ذلك سواءٌ. وجُملةُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ سواءٌ في المُحرِم لبِسَ ناسيًا، أو عامِدًا، أو تطيَّبَ، أو حلَقَ، ناسيًا أو عامِدًا، لضرُورةٍ أو غيرِ ضرُورةٍ، عليه في ذلك كلِّهِ الكفّارةُ، وهُو مُخيَّرٌ فيها، إن شاءَ صامَ ثلاثةَ أيام، وإن شاءَ أطعمَ سِتَّةَ مساكينَ، مُدَّينِ مُدَّينِ لكلِّ مِسْكينٍ، وإن شاءَ ذبحَ شاةً. قال مالكٌ (٦): وإنَّما يكونُ الصِّيامُ والطَّعامُ مكان الهدي في فِدْيةِ الأذى وجزاءِ (٧) الصَّيدِ، لا غيرُ. قال: وأمّا دَمُ المُتعةِ، أوِ الهديُ الواجِبُ على من عجَزَ عن المشيِ، أو وطِئَ أهْلَهُ، أو فاتَهُ الحجُّ، أو رَجُلٍ تركَ شيئًا من الحجِّ، فجَبَرهُ

стр. 5113

بالدَّم، أيَّ شيءٍ كان المترُوكُ من حَجِّهِ، فإنَّ (١) هذا كلَّهُ إذًا لم يجِدِ الهَدْيَ فيه من وجَبَ عليه، صامَ فقط، وليسَ في شيءٍ من ذلك إطعامٌ. قال ابنُ القاسم (٢): والصَّومُ في هذا كلِّهِ، كصوم المُتمتِّع: ثلاثةُ أيام في الحجِّ، وسَبْعةٌ إذا رجعَ، هذا كلُّهُ إذا لم يجِدِ الهَدْيَ. وقال الشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُما: كلُّ من لبِسَ عامِدًا، أو تطيَّبَ عامِدًا، فليسَ بمُخيَّرٍ في الكفّارةِ، وإنَّما عليه الدَّمُ لا غيرُ (٣). قالوا: فإن كان ذلك من ضرُورةٍ، فهُو مُخيَّرٌ. على حسَبِ ما تقدَّم عن مالكٍ: إن شاءَ صام، وإن شاءَ نَسَكَ بشاةٍ، وإن شاءَ أطعمَ سِتّةَ مساكإن مُدَّين مُدَّينِ، على حديثِ كعبِ بن عُجْرةَ (٤). وللشّافِعيِّ فيمَنْ لبِسَ، أو تطيَّبَ ناسيًا قولانِ، أحدُهُما: لا فِدْيةَ عليه. والآخَرُ: عليه الفِدْيةُ. وقال أبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيثُ بن سَعْدٍ: النّاسي والعامِدُ في وُجُوبِ الفِدْيةِ سَواءٌ. وقال داودُ: لا فِدْيةَ عليه إن لبِسَ من ضرُورةٍ، وإنَّما عليه الفِدْيةُ إن لبِسَ عامِدًا، وإن حلَقَ رأسَهُ لضرُورةٍ فعليه الفِدْيةُ، وإن حلَقَ شعرَ جَسدِهِ، فلا فِدْيةَ عليه لضرُورةٍ، ولا لغيرِ ضرُورة.

стр. 5114

قال أبو عُمر: من لم يرَ على اللّابِسِ النّاسي والجاهِلِ شيئًا، اسْتَدلَّ بحديثِ يعلَى بن أُميَّةَ، في الأعْرابيِّ الذي أحرمَ وعليه جُبَّةٌ وصُفْرةُ خلُوقٍ، فأمَرهُ رسُولُ الله ﷺ بنَزْع الجُبَّةِ، وغَسْلِ الخَلُوقِ، ولم يأمُرهُ بفِديةٍ. وقد ذكَرْنا هذا الخبَرَ وأحكامَهُ، في بابِ حُميدِ بن قَيْسٍ، من كِتابِنا هذا. ومن أوجَبَ الفِدْيةَ على النّاسي وغيرِهِ، فحُجَّتُهُ: أنَّ الفِدْيةَ إنَّما وَرَدت فيمَنْ فعَلَها من ضرُورةٍ. وذلك محفُوظٌ في قِصَّةِ كَعْبِ بن عُجْرةَ، فالضَّرُورةُ، وغيرُ الضَّرُورةِ، والنِّسيانُ وغيرُهُ، في ذلك سواءٌ؛ لأنَّهُ إذا وجبَتْ على من فعَلَ ذلك من ضرُورةٍ، فأحْرَى أن تجِبَ على من فعلَ ذلك من غيرِ ضَرُورةٍ، والنّاسي قياسٌ على المُضطرِّ، والعامِدُ أحْرَى بذلك وأوْلَى. واختلفُوا فيمَنْ لبِسَ، أو تطيَّب في مَواطِنَ: فقال مالكٌ (١): إن لبِسَ القميصَ والسَّراويلَ والعِمامةَ والقَلَنسُوةَ، وما أشبَهَ ذلك من الثِّياب في فَوْرٍ واحدٍ، وكانت حاجتُهُ إلى ذلكَ كلِّهِ في فَوْرٍ واحدٍ، فعليه كفّارةٌ واحدةٌ وكذلك إن تطيَّبَ مِرارًا في مَوْطِنٍ واحدٍ، وفَوْرٍ واحدٍ، فعليه فِدْيةٌ واحدةٌ، وإن كان ذلك في أحْوالٍ مختلِفةٍ، فعليه لكلِّ مرَّةٍ فِدْيةٌ. وبه قال أبو حَنِيفةَ، والثَّوريُّ، واللَّيْثُ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ. وقال محمدُ بن الحسنِ، والأوزاعيُّ، وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ أيضًا: ليسَ عليه إلّا كفّارةٌ واحدةٌ، ما لم يُكفِّر، فإن كفَّر، ثُمَّ صنَعَ شيئًا من ذلك، فعليه كفّارةٌ أُخرى. وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّهُ عليه في كلِّ ما يَلْبسُ أو يتطيَّبُ فِدْيةٌ بعدَ فِدْيةٍ أبدًا.

стр. 5115

وأمّا الثَّوبُ المصبُوغُ بالوَرْسِ والزَّعفرانِ، فلا خِلافَ بين العُلماءِ أنَّ لِباسَ ذلك لا يجُوزُ للمُحرِم، على ما جاءَ في حديثِ ابن عُمرَ هذا، فإن غسَلَ ذلك الثَّوب حتّى يذهَبَ ريحُ الزَّعفَرانِ منهُ، وخرج عنهُ، فلا بأسَ به عندَ جميعِهِم أيضًا. وكان مالكٌ فيما ذَكَر ابنُ القاسم عنهُ: يَكْرهُ الثَّوبَ الغَسِيلَ من الزَّعفَرانِ والوَرْسِ إذا بَقِيَ فيه من لونِهِ شيءٌ. وقال: لا يَلْبسُهُ المُحرِمُ، وإن غَسَلهُ إذا بَقِيَ فيه شيءٌ من لَوْنِهِ، إلّا أن لا يجِدَ غيرَهُ، فإن لم يَجِد غيرَهُ، صَبَغهُ بالمِشْقِ (١) وأحرَمَ فيه (٢). وقد رَوَى يحيى بن عبدِ الحَميدِ، عن أبي مُعاويةَ، عن عُبيدِ الله، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ هذا الحديثَ، فقال فيه: "ولا تَلْبسُوا ثوبًا مَسَّهُ وَرْسٌ، أو زعفَرانٌ، إلّا أن يكونَ غَسِيلًا" (٣). وقال الطَّحاويُّ (٤) عن ابن أبي عِمران: رأيتُ يحيى بنَ مَعينٍ وهُو يتعجَّبُ من الحِمّانيِّ كيف يُحدِّثُ بهذا الحديثِ، فقال لهُ عبدُ الرَّحمن بن مهديٍّ: هذا عِندي، ثُمَّ وثبَ في فورِهِ، فجاءَ بأصلِهِ، فأخرجَ منهُ هذا الحديث، عن أبي مُعاويةَ، كما قال الحِمّانيُّ. والوَرْسُ: نباتٌ يكونُ باليمَنِ كَشِبْهِ العُصْفُرَ صِبْغُهُ ما بينَ الصُّفرةِ والحُمْرةِ، ورائحتُهُ طيِّبةٌ.

стр. 5116

واختلفُوا في العُصْفُرِ، فجُملةُ مذهب مالكٍ، وأصحابِه (١): أنَّ العُصْفُرَ ليسَ بطيبٍ. ويكرهُونَ للحاجِّ استِعمالَ الثَّوبِ الذي ينتفِضُ (٢) في جِلْدِهِ، فإن فعلَ فقد أسَاءَ، ولا فِدْيةَ عليه عندَهُم. وهُو قولُ الشّافِعيِّ (٣). وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: والعُصْفُرُ طيبٌ، وفيه الفِدْيةُ على من استعملَ شيئًا منهُ في اللِّباسِ وغيرِهِ، إذا اسْتَعملهُ وهُو مُحرِم (٤). فهذه جُمَلُ ما في هذا الحديثِ من الأحْكام، والحمدُ لله على (٥) عَوْنِهِ، لا شَريكَ لهُ (٦).

стр. 5117

حديثٌ تاسِعُ أربعين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ تَلْبيةَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك". قال: وكانَ عبدُ الله بن عُمرَ: يزيدُ فيها: لبَّيكَ لبَّيكَ، لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ بيدَيْكَ، والرَّغباءُ (٢) إليكَ والعمل. يُقالُ: إنَّهُ (٣) لم يسمع أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ من مالكٍ غيرَ هذا الحديثِ. حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ أحمدُ بن محمدِ بن عليٍّ الدِّينَوريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ. وحدَّثنا خلَفٌ، قال: حدَّثنا أبو الطّاهرِ محمدُ بن عبدِ الله القاضي، قال: حدَّثنا موسى بن هارُون الحمّالُ. قالا: حدَّثنا سُليمانُ بن داود أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، قال: كانت تَلْبيةُ رسُول الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شَريكَ لك" (٤). هكذا رَوى هذا الحديثَ أبو الرَّبيع الزَّهْرانيُّ، لم يذكُر زيادةَ ابن عُمرَ، وكلُّ من رَوى "المُوطَّأ" ذكَرَها فيه، وذكَرَها أيضًا جماعةٌ من غيرِ رُواةِ "المُوطَّأ" (٥).

стр. 5118

حدَّثنا خَلَفُ بن قاسم، حدَّثنا عليُّ بن الحسَنْ بن علّانَ (١)، قال: حدَّثنا أبو يعلى أحمدُ بن عليِّ بن المُثنَّى الموصِليُّ، قال (٢): حدَّثنا أبو الرَّبيع الزَّهرانيُّ وعبدُ الأعلى بن حمّادٍ النَّرسيُّ. قال أبو الرَّبيع: حدَّثنا مالكٌ. وقال عبدُ الأعلى: قرأتُ على مالكِ بن أنسٍ، عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّ تَلْبيةَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لكَ لبَّيكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لكَ والمُلك، لا شريكَ لك". وزادَ عبدُ الأعلى: وكان ابنُ عُمرَ يزيدُ فيها: لبَّيكَ لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ في يَدَيْكَ، والرَّغباءُ إليكَ والعمل. هكذا رواهُ جَماعةُ الرُّواةِ عن مالكٍ، وكذلكَ رواهُ أصحابُ نافع أيضًا. ورواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مِثلَهُ سَواءً (٣). ورواهُ عُبيدُ الله بن عبدِ الله بن عُمرَ، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مثلَهُ بمعناه (٤).

стр. 5119

ورَوَى عبدُ الله بن مسعُود (١)، وجابرُ بن عبدِ الله (٢)، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، مِثلَ حديثِ ابن عُمرَ هذا في تَلْبيتِهِ ﷺ سَواءً، دُونَ زيادةِ ابن عُمرَ من قولِهِ. وفي حديثِ أبي هُريرةَ زيادةُ: "لبَّيكَ إلَهَ الحقِّ" (٣). ومن حديثِ عَمرِو بن مَعْدي كَرِب، قال: لقد رأيتُنا ونحنُ إذا حَجَجنا نقُولُ: لبَّيك تعظيمًا إليكَ عُذرا هذي زُبَيدٌ قد أتتكَ قَسْرا تعدُو بها مُضمَّرات شُزْرا يَقْطعن خَبْتًا (٤) وجِبالًا وُعْرا قد خلَّفُوا الأوثانَ خِلْوًا صِفْرا (٥)

стр. 5120

ونحنُ نقُولُ اليومَ كما علَّمَنا رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-. فذكَرَ التَّلبيةَ على حسَبِ ما في حديثِ ابن عُمرَ (١). واختلَفتِ الرِّوايةُ في فَتْح "إنَّ" وكَسْرِها، في قولِهِ: "إنَّ الحَمْدَ والنِّعمةَ لك"، وأهلُ العَربيَّةِ يختارُونَ في ذلكَ الكسر. وأجمَعَ العُلماءُ على القولِ بهذه التَّلبيةِ، واختَلَفُوا في الزِّيادةِ فيها (٢). فقال مالكٌ: أكرهُ أن يزيدَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-. وهُو أحدُ قوليِ الشّافِعيِّ. وقد رُوي عن مالكٍ: أنَّهُ لا بأسَ أن يُزادَ فيها ما كان ابنُ عُمرَ يزيدُهُ في هذا الحديثِ. وقال الشّافِعيُّ: لا أُحِبُّ أن يزيدَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، إلّا أن يَرَى شيئًا يُعجِبُهُ، فيقولَ: لبَّيكَ إنَّ العيشَ عيشُ الآخِرةِ. وقال الثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ وأصحابُهُ، وأحمدُ بن حَنْبل، وأبو ثَوْرٍ: لا بأسَ بالزِّيادةِ في التَّلبيةِ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، يزيدُ فيها ما شاءَ. قال أبو عُمر: من حُجَّةِ من ذهَبَ إلى هذا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ (٣)، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥):

стр. 5121

حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا جَعْفر، يعني ابنَ محمدٍ، قال: حدَّثني أبي، عن جابرِ بن عبدِ الله، قال: أهلَّ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-، فذكَرَ التَّلبيةَ بمِثلِ حديثِ ابن عُمرَ. قال: والنّاسُ يزيدُونَ: لبَّيك ذا المَعارِج، ونحوَهُ من الكلام، والنَّبيُّ ﷺ ، يسمعُ، فلا يقولُ لهم شيئًا. واحتجُّوا أيضًا بأنَّ ابنَ عُمرَ كان يزيدُ فيها ما ذكرَ مالكٌ وغيرُهُ، عن نافع في هذا الحديثِ. وما رُوي عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّهُ كان يقولُ بعدَ التَّلبيةِ: لبَّيكَ ذا النَّعماءِ والفَضْلِ الحسنِ، لبَّيكَ مرهُوبًا مِنكَ، ومرغُوبًا إليكَ (١). وعن أنَسِ بن مالكٍ: أنَّهُ كان يقولُ في تَلْبييهِ: لبَّيكَ حقًّا (٢) حقًّا، تعبُّدًا ورِقًّا (٣). ومن كرِهَ الزِّيادةَ في التَّلبيةِ، احتجَّ بأنَّ سَعْدَ بن أبي وقّاصٍ أنْكَرَ على من سَمِعهُ يزيدُ في التَّلبيةِ ما لم يَعْرِفْهُ، وقال: ما كُنّا نقُولُ هذا على عَهدِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-. وحديثُ سَعْدٍ في ذلكَ، حدَّثناه عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بَكْرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعيدٍ، عن ابن عَجْلانَ، قال: حدَّثني عبدُ الله بن أبي سَلَمةَ: أنَّ سعدًا سمِعَ

стр. 5122

رجُلًا يقولُ: لبَّيكَ ذا المعارِج، فقال: إنَّهُ لذُو المعارِج ولكِنْ لم نَكُن نقُولُ هذا ونحنُ مع نبيِّنا ﷺ (١). قال أبو عُمر: من زادَ في التَّلبيةِ ما يجمُلُ ويحسُنُ من الذِّكرِ، فلا بأسَ، ومن اقتصَرَ على تَلْبيةِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، فهُو أفْضَلُ عِندي، وكلُّ ذلكَ حَسَنٌ إن شاءَ اللهُ . وسَنذكُرُ ما للعُلماءِ في رَفْع الصَّوتِ بالتَّلبيةِ، في بابِ عبدِ الله (٢) بن أبي بكرٍ من كِتابِنا هذا إن شاءَ الله. ومعنى التَّلبيةِ: إجابَةُ الله فيما فرضَ عليهم من حَجِّ بَيتِهِ، والإقامةُ على طاعتِهِ، فالمُحرِمُ بتَلْبيتِهِ، مُستجيبٌ لدُعاءِ الله إيّاهُ في إيجابِ الحجِّ عليه. ومن أجْلِ الاسْتِجابةِ -واللهُ أعلمُ- لُبِّيَ؛ لأنَّ (٣) من دُعِيَ، فقال: لبَّيكَ، فقدِ استجابَ. وقد قيلَ: إنَّ أصلَ التَّلبيةِ: الإقامةُ على الطّاعةِ، يُقالُ: منهُ ألبَّ فُلان بالمكانِ، إذا أقامَ به. وأنشد ابنُ الأنباريِّ في ذلك: محل الهجرِ أنتَ به مُقيمُ ... مُلِبٌّ ما تزُولُ ولا تريمُ

стр. 5123

وقال آخر: لبَّ بأرضٍ ما تخطّاها النَّعَمْ قال: وإلى هذا المعنى كان يذهبُ الخليلُ والأحمرُ. قال أبو عُمر: وقال جماعة من أهلِ العِلم: إنَّ معنى التَّلبيةِ، إجابَةُ إبراهيمَ ﵇ حينَ أذَّنَ بالحجِّ في النّاسِ. ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن قابُوسِ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا فرغَ إبراهيمُ من بناءِ البَيْتِ، قيلَ لهُ: أذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ. قال: ربِّ، وما يَبْلُغُ صوتي؟ قال: أذِّنْ، وعليَّ البَلاع، فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكُمُ الحجُّ إلى البَيْتِ العتيقِ. قال: فسمِعهُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، أفلا تَرَونَ النّاسَ يجيؤُونَ من أقْطارِ البلادِ (١) يُلبُّونَ (٢)؟ قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجُاهِدٍ في قولِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. قال: قامَ إبراهيمُ على مَقامِهِ، فقالَ: يا أيُّها النّاسُ، أجيبُوا ربَّكُم. فقالوا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، فمَنْ حجَّ اليومَ، فهُو مِمَّن أجابَ إبراهيمَ يومَئذٍ (٣). قال أبو عُمر: معنى "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ" عندَ العُلماءِ، أي: إجابَتِي إيّاكَ إجابَةٌ بعدَ إجابَةٍ. ومعنى قولِ ابن عُمرَ، وغيرِهِ: لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، أي: أسْعِدنا سَعادَةً بعدَ سَعادةٍ، وإسْعادًا بعد إسعادٍ. وقد قيلَ: معنَى سَعْديكَ: مُساعدةٌ لكَ.

стр. 5124

وأمّا قولُهُم: لبَّيكَ إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ فيُروَى بفتح الهمزةِ وكسرِها، وكان أحمدُ بن يحيى ثعلبٌ يقولُ: الكَسْرُ في ذلك أحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ الذي يكسِرُها يذهبُ إلى أنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ على كلِّ حالٍ، والذي يفتحُ يذهبُ إلى أنَّ المعنى لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لك، أي: لبَّيكَ لهذا السَّببِ. قال أبو عُمر: المعنى عِندي واحدٌ، لأنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ من فتَحَ الهمزةَ أرادَ لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لكَ على كلِّ حالٍ، والمُلكَ لكَ والنِّعمةَ، وحدَكَ دُونَ غيرِكَ حَقِيقةً، لا شريكَ لكَ. واسْتَحبَّ الجميعُ أن يكونَ ابتِداءُ المُحْرِم بالتَّلبيةِ بإثْرِ صَلاةٍ يُصلِّيها: نافِلةٍ، أو فَريضةٍ من مِيقاتِهِ، إذا كانت صلاةً لا يُتَنفَّلُ بعدَها، فإن كان في غيرِ وقتِ صلاةٍ، لم يَبْرَحْ حتّى يحِلَّ وَقْتُ صلاةٍ فيُصلِّي، ثُمَّ يُحرِمَ إذا اسْتَوت به راحِلتُهُ، وإن كان مِمَّن يَمْشي، فإذا خرجَ من المسجدِ أحرمَ. وقال أهلُ العِلم بتأويلِ القُرآنِ، في قولِ الله : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قالوا: الفَرْضُ: التَّلبيةُ. كذلك قال عَطاءٌ، وعِكْرِمةُ وطاوُوسٌ، وغيرُهُم (١). وقال ابنُ عبّاسٍ: الفرضُ: الإهلالُ (٢). وهُو ذلكَ بعينِهِ، والإهلالُ: التَّلبيةُ. وقد ذكَرْنا معنى الإهلالِ في اللُّغةِ، في باب موسى بن عُقبةَ من كِتابِنا هذا، بما يُغني عن إعادتِهِ هاهُنا، وذكَرْنا هُناكَ مسأَلةً من مَعاني هذا البابِ، يجِبُ الوُقُوفُ عليها.

стр. 5125

وقال ابنُ مسعُودٍ: الفَرْضُ: الإحْرامُ (١). وهُو ذاكَ المعنى أيضًا. وكذلك قال ابنُ الزُّبير (٢). وقالت عائشةُ: لا إحْرامَ، إلّا لمنْ أهَلَّ ولَبَّى (٣). وقال الثَّوريُّ: الفَرْضُ الإحْرامُ. قال: والإحرامُ التَّلبيةُ (٤). قال: والتَّلبيةُ في الحجِّ، مِثلُ التَّكبيرِ في الصَّلاةِ. وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ: إن كبَّرَ، أو هلَّلَ، أو سبَّحَ، ينوي بذلكَ الإحرام، فهُو مُحرِمٌ (٥). فعلى هذا القولِ، التَّلبيةُ عندَ الثَّوريِّ وأبي حَنِيفةَ رُكنٌ من أرْكانِ الحجِّ، والحجُّ إليها مُفتَقِر، ولا يُجزِئُ منها شيءٌ عندَهُم غيرُها. ولم أجِدْ في هذه المسألةِ نَصًّا عن الشّافِعيِّ، وأُصُولُهُ تدُلُّ على أنَّ التَّلبيةَ ليسَتْ من أركانِ الحجِّ عندَهُ. وقال الشّافِعيّ (٦): تَكْفي النِّيَّةَ في الإحْرام بالحجِّ، من أن يُسمَّى حَجًّا أو عُمْرةً. قال: وإن لبَّى بحَجٍّ يُريدُ عُمرةً، فهي عُمرةٌ، وإن لبَّى بعُمرةٍ، يُريدُ حجًّا، فهُو حجٌّ، وإن لبَّى لا يُريدُ حجًّا ولا عُمرةً، فليسَ بحجٍّ ولا عُمرةٍ، وإن لبَّى ينوي الإحرامَ، ولا ينوي حجًّا، ولا عُمرةً، فلهُ الخيارُ يجعلُهُ أيّما شاءَ، وإن لبَّى وقد نَوَى أحدَهُما فنَسِي، فهُو قارِنٌ، لا يُجزيهِ غيرُ ذلك. هذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ ﵀.

стр. 5126

وذكَرَ ابنُ خُوَيْزِمَنْداد، قال: قال مالكٌ: النّيَّةُ بالإحرام في الحجِّ تُجزِئُ، وإن سَمَّى (١)، فذلك واسع. قال: وهُو قولُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ إن نَوَى فكَبَّرَ، ولم يُسمِّ حجًّا ولا عُمرةً، أجْزَأتهُ النِّيَّةُ. غير أنَّ الإحرامَ عندَهُ، من شَرْطِهِ التَّلبيةُ، ولا يصِحُّ عندَهُ إلّا بتلبية. قال: وكذلك قال الثَّوريُّ. قال: وقال الحسنُ بن حيٍّ والشّافِعيُّ: التَّلبيةُ إن فعَلَها فحسنٌ، وإن ترَكَها، فلا شيءَ عليه (٢). قال أبو عُمر: وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاق، عن أبي ثابتٍ، قال: قيلَ لابن القاسم: أرأيتَ المُحرِمَ من مَسْجِدِ ذي الحُليفةِ، إذا توجَّه من فِناءِ المسجدِ، بعدَ أن صلَّى، فتَوجَّه وهُو ناسٍ، أيكونُ في توجُّهِهِ محُرِمًا؟ فقال ابنُ القاسم: أراهُ محُرِمًا، فإن ذكَرَ من قَريبٍ لبَّى، ولا شيءَ عليه، وإن تطاولَ ذلك عليه، ولم يذكُر حتّى خرجَ من حجِّهِ، رأيتُ أن يُهريقَ دمًا. قال إسماعيلُ بن إسحاق: وهذا يدُلُّ من قولِهِ، على أنَّ الإهلالَ للإحرام ليسَ عندَهُ بمنزِلةِ التَّكبيرِ للدُّخُولِ في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يكونُ فى اخِلًا في الصَّلاةِ إلّا بالتَّكبيرِ، ويكونُ داخِلًا في الإحرام بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ من الأعمالِ التي يوجِبُ الإحرامَ بها على نفسِهِ، مِثلَ أن يقولَ: قد أحرمتُ بالحجِّ والعُمرةِ، أو يُشْعِرَ الهَدْيَ، وهُو يُريدُ بإشْعارر الإحرامَ، أو يتوجَّه نحو البيتِ، وهُو يُريدُ بتوجُّهِهِ الإحرامَ، فيكونَ بذلك كلِّهِ وما أشبههُ مُحرِمًا. وقد مَضَى القولُ في الحينِ الذي يقطَعُ فيه التَّلبيةَ، الحاجُّ والمُعتمِرُ، وإلى أين تنتهي تَلْبيتُهُ، في بابِ محمدِ بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله لا شريكَ له (٣).

стр. 5127

حديثٌ مُوفِّي خمسينَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، وأهلُ الشّام من الجُحْفةِ، وأهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ". قال عبدُ الله: وبَلَغني أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمْ". هكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ (٢)، وكذلكَ رواهُ أصحابُ نافع كلُّهُم، عن نافع، عن ابن عُمرَ، وكذلك رواهُ عبدُ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ (٣). وكذلك رواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ سواءً (٤). اتَّفقُوا كلّهُم على أنَّ ابنَ عُمرَ لم يسمَعْ من النَّبيِّ ﷺ قولَهُ: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمْ". ورواهُ صَدَقةُ بن يَسارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشّام الجُحْفةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنًا. قال: فقيل لهُ: وللعراقِ؟ قال: لا عِراقَ يومَئذٍ (٥).
следующие страницы →