← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5123–5162 · переход к 5128.

стр. 5123

وقال آخر: لبَّ بأرضٍ ما تخطّاها النَّعَمْ قال: وإلى هذا المعنى كان يذهبُ الخليلُ والأحمرُ. قال أبو عُمر: وقال جماعة من أهلِ العِلم: إنَّ معنى التَّلبيةِ، إجابَةُ إبراهيمَ ﵇ حينَ أذَّنَ بالحجِّ في النّاسِ. ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن قابُوسِ بن أبي ظَبْيانَ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ، قال: لمّا فرغَ إبراهيمُ من بناءِ البَيْتِ، قيلَ لهُ: أذِّنْ في النّاسِ بالحجِّ. قال: ربِّ، وما يَبْلُغُ صوتي؟ قال: أذِّنْ، وعليَّ البَلاع، فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكُمُ الحجُّ إلى البَيْتِ العتيقِ. قال: فسمِعهُ ما بينَ السَّماءِ والأرضِ، أفلا تَرَونَ النّاسَ يجيؤُونَ من أقْطارِ البلادِ (١) يُلبُّونَ (٢)؟ قال: وحدَّثنا حجّاجٌ، عن ابن جُرَيج، عن مجُاهِدٍ في قولِهِ: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧]. قال: قامَ إبراهيمُ على مَقامِهِ، فقالَ: يا أيُّها النّاسُ، أجيبُوا ربَّكُم. فقالوا: لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ، فمَنْ حجَّ اليومَ، فهُو مِمَّن أجابَ إبراهيمَ يومَئذٍ (٣). قال أبو عُمر: معنى "لبَّيكَ اللَّهُمَّ لبَّيكَ" عندَ العُلماءِ، أي: إجابَتِي إيّاكَ إجابَةٌ بعدَ إجابَةٍ. ومعنى قولِ ابن عُمرَ، وغيرِهِ: لبَّيكَ وسَعْدَيْكَ، أي: أسْعِدنا سَعادَةً بعدَ سَعادةٍ، وإسْعادًا بعد إسعادٍ. وقد قيلَ: معنَى سَعْديكَ: مُساعدةٌ لكَ.

стр. 5124

وأمّا قولُهُم: لبَّيكَ إنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ فيُروَى بفتح الهمزةِ وكسرِها، وكان أحمدُ بن يحيى ثعلبٌ يقولُ: الكَسْرُ في ذلك أحَبُّ إليَّ؛ لأنَّ الذي يكسِرُها يذهبُ إلى أنَّ الحمدَ والنِّعمةَ لكَ على كلِّ حالٍ، والذي يفتحُ يذهبُ إلى أنَّ المعنى لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لك، أي: لبَّيكَ لهذا السَّببِ. قال أبو عُمر: المعنى عِندي واحدٌ، لأنَّهُ يحتمِلُ أن يكونَ من فتَحَ الهمزةَ أرادَ لبَّيكَ، لأنَّ الحمدَ لكَ على كلِّ حالٍ، والمُلكَ لكَ والنِّعمةَ، وحدَكَ دُونَ غيرِكَ حَقِيقةً، لا شريكَ لكَ. واسْتَحبَّ الجميعُ أن يكونَ ابتِداءُ المُحْرِم بالتَّلبيةِ بإثْرِ صَلاةٍ يُصلِّيها: نافِلةٍ، أو فَريضةٍ من مِيقاتِهِ، إذا كانت صلاةً لا يُتَنفَّلُ بعدَها، فإن كان في غيرِ وقتِ صلاةٍ، لم يَبْرَحْ حتّى يحِلَّ وَقْتُ صلاةٍ فيُصلِّي، ثُمَّ يُحرِمَ إذا اسْتَوت به راحِلتُهُ، وإن كان مِمَّن يَمْشي، فإذا خرجَ من المسجدِ أحرمَ. وقال أهلُ العِلم بتأويلِ القُرآنِ، في قولِ الله : ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ [البقرة: ١٩٧] قالوا: الفَرْضُ: التَّلبيةُ. كذلك قال عَطاءٌ، وعِكْرِمةُ وطاوُوسٌ، وغيرُهُم (١). وقال ابنُ عبّاسٍ: الفرضُ: الإهلالُ (٢). وهُو ذلكَ بعينِهِ، والإهلالُ: التَّلبيةُ. وقد ذكَرْنا معنى الإهلالِ في اللُّغةِ، في باب موسى بن عُقبةَ من كِتابِنا هذا، بما يُغني عن إعادتِهِ هاهُنا، وذكَرْنا هُناكَ مسأَلةً من مَعاني هذا البابِ، يجِبُ الوُقُوفُ عليها.

стр. 5125

وقال ابنُ مسعُودٍ: الفَرْضُ: الإحْرامُ (١). وهُو ذاكَ المعنى أيضًا. وكذلك قال ابنُ الزُّبير (٢). وقالت عائشةُ: لا إحْرامَ، إلّا لمنْ أهَلَّ ولَبَّى (٣). وقال الثَّوريُّ: الفَرْضُ الإحْرامُ. قال: والإحرامُ التَّلبيةُ (٤). قال: والتَّلبيةُ في الحجِّ، مِثلُ التَّكبيرِ في الصَّلاةِ. وقال أبو حَنيفةَ وأصحابُهُ: إن كبَّرَ، أو هلَّلَ، أو سبَّحَ، ينوي بذلكَ الإحرام، فهُو مُحرِمٌ (٥). فعلى هذا القولِ، التَّلبيةُ عندَ الثَّوريِّ وأبي حَنِيفةَ رُكنٌ من أرْكانِ الحجِّ، والحجُّ إليها مُفتَقِر، ولا يُجزِئُ منها شيءٌ عندَهُم غيرُها. ولم أجِدْ في هذه المسألةِ نَصًّا عن الشّافِعيِّ، وأُصُولُهُ تدُلُّ على أنَّ التَّلبيةَ ليسَتْ من أركانِ الحجِّ عندَهُ. وقال الشّافِعيّ (٦): تَكْفي النِّيَّةَ في الإحْرام بالحجِّ، من أن يُسمَّى حَجًّا أو عُمْرةً. قال: وإن لبَّى بحَجٍّ يُريدُ عُمرةً، فهي عُمرةٌ، وإن لبَّى بعُمرةٍ، يُريدُ حجًّا، فهُو حجٌّ، وإن لبَّى لا يُريدُ حجًّا ولا عُمرةً، فليسَ بحجٍّ ولا عُمرةٍ، وإن لبَّى ينوي الإحرامَ، ولا ينوي حجًّا، ولا عُمرةً، فلهُ الخيارُ يجعلُهُ أيّما شاءَ، وإن لبَّى وقد نَوَى أحدَهُما فنَسِي، فهُو قارِنٌ، لا يُجزيهِ غيرُ ذلك. هذا كلُّهُ قولُ الشّافِعيِّ ﵀.

стр. 5126

وذكَرَ ابنُ خُوَيْزِمَنْداد، قال: قال مالكٌ: النّيَّةُ بالإحرام في الحجِّ تُجزِئُ، وإن سَمَّى (١)، فذلك واسع. قال: وهُو قولُ أبي حنيفةَ: أنَّهُ إن نَوَى فكَبَّرَ، ولم يُسمِّ حجًّا ولا عُمرةً، أجْزَأتهُ النِّيَّةُ. غير أنَّ الإحرامَ عندَهُ، من شَرْطِهِ التَّلبيةُ، ولا يصِحُّ عندَهُ إلّا بتلبية. قال: وكذلك قال الثَّوريُّ. قال: وقال الحسنُ بن حيٍّ والشّافِعيُّ: التَّلبيةُ إن فعَلَها فحسنٌ، وإن ترَكَها، فلا شيءَ عليه (٢). قال أبو عُمر: وذكَرَ إسماعيلُ بن إسحاق، عن أبي ثابتٍ، قال: قيلَ لابن القاسم: أرأيتَ المُحرِمَ من مَسْجِدِ ذي الحُليفةِ، إذا توجَّه من فِناءِ المسجدِ، بعدَ أن صلَّى، فتَوجَّه وهُو ناسٍ، أيكونُ في توجُّهِهِ محُرِمًا؟ فقال ابنُ القاسم: أراهُ محُرِمًا، فإن ذكَرَ من قَريبٍ لبَّى، ولا شيءَ عليه، وإن تطاولَ ذلك عليه، ولم يذكُر حتّى خرجَ من حجِّهِ، رأيتُ أن يُهريقَ دمًا. قال إسماعيلُ بن إسحاق: وهذا يدُلُّ من قولِهِ، على أنَّ الإهلالَ للإحرام ليسَ عندَهُ بمنزِلةِ التَّكبيرِ للدُّخُولِ في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الرَّجُلَ لا يكونُ فى اخِلًا في الصَّلاةِ إلّا بالتَّكبيرِ، ويكونُ داخِلًا في الإحرام بالتَّلبيةِ، وبغيرِ التَّلبيةِ من الأعمالِ التي يوجِبُ الإحرامَ بها على نفسِهِ، مِثلَ أن يقولَ: قد أحرمتُ بالحجِّ والعُمرةِ، أو يُشْعِرَ الهَدْيَ، وهُو يُريدُ بإشْعارر الإحرامَ، أو يتوجَّه نحو البيتِ، وهُو يُريدُ بتوجُّهِهِ الإحرامَ، فيكونَ بذلك كلِّهِ وما أشبههُ مُحرِمًا. وقد مَضَى القولُ في الحينِ الذي يقطَعُ فيه التَّلبيةَ، الحاجُّ والمُعتمِرُ، وإلى أين تنتهي تَلْبيتُهُ، في بابِ محمدِ بن أبي بكرٍ، والحمدُ لله لا شريكَ له (٣).

стр. 5127

حديثٌ مُوفِّي خمسينَ لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، وأهلُ الشّام من الجُحْفةِ، وأهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ". قال عبدُ الله: وبَلَغني أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمْ". هكذا رَوَى هذا الحديثَ جماعةُ رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ (٢)، وكذلكَ رواهُ أصحابُ نافع كلُّهُم، عن نافع، عن ابن عُمرَ، وكذلك رواهُ عبدُ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ (٣). وكذلك رواهُ ابنُ شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ سواءً (٤). اتَّفقُوا كلّهُم على أنَّ ابنَ عُمرَ لم يسمَعْ من النَّبيِّ ﷺ قولَهُ: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمْ". ورواهُ صَدَقةُ بن يَسارٍ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشّام الجُحْفةَ، ولأهلِ نَجْدٍ قَرْنًا. قال: فقيل لهُ: وللعراقِ؟ قال: لا عِراقَ يومَئذٍ (٥).

стр. 5128

أخبرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبِ بن سِنانٍ، قال (١): أخبرنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا نافعٌ، عن عبدِ الله بن عُمرَ: أنَّ رجُلًا قامَ في المسجدِ، فقال: يا رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم-، من أينَ تأمُرُنا أن نُهِلَّ؟ فقال رسُولُ الله ﷺ : "يُهِلُّ أهلُ المَدينةِ من ذي الحُلَيفةِ، ويُهِلُّ أهلُ الشّام من الجُحْفةِ، ويُهِلُّ أهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ". قال ابنُ عُمرَ: ويزعُمُونَ أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليمنِ من يَلَمْلَمْ". وكان ابنُ عُمر يقولُ: لم أفْقَهْ هذا من رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-. وأخبرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٢): أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "يُهِلُّ أهلُ المدينةِ من ذِي الحُلَيفَةِ، وأهلُ الشّام من الجُحْفةِ، وأهلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ"، وذُكِرَ لي، ولم أسمَعْ، أنَّهُ قال: "ويُهِلُّ أهلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمَ". ولا خِلافَ بين العُلماءِ: أنَّ مُرسَلَ الصّاحِبِ، عن الصّاحِبِ أو عن الصَّحابَةِ، وإن لم يُسمِّهِم، صحيحٌ حُجَّةٌ.

стр. 5129

وقد رَوَى ابنُ عبّاسٍ مِثلَ حديثِ ابن عُمر هذا كلِّهِ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-. أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا سُليمانُ بن حربٍ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عَمرٍو، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ. وعن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، قالا: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْل المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهْلِ الشّام الجُحْفةَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا، ولأهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، وقال: "هي لهم، ولمن أتَى عليهنَّ مِمَّن (٢) سِواهُم، مِمَّن أرادَ الحجَّ أو العُمرةَ". قال: "ومن كان دُونَ ذلكَ، فمِنْ حيثُ أنْشَأ (٣) ". قال: وكذلك حتّى يبلُغَ ذلكَ أهلُ مكَّةَ، فيُهِلُّون منها. وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ، عن مَعْمرٍ، عن ابن طاوُوسٍ، عن أبيهِ، عن ابن عبّاسٍ مِثلَهُ، سَواءً بمَعْناه (٤). وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ قال: أخبَرَنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيبٍ، قال (٥): أخبرنا قتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا حمّادٌ، عن عَمرٍو،

стр. 5130

عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- وقَّتَ لأهلِ المدينةِ: ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الشّام الجُحْفَةَ (١)، ولأهلِ اليَمَن يَلَمْلَمَ، ولأهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا ولمن أتَي عليهنَّ من غيرِ أهلِهِنَّ، مِمَّن كان يُريدُ الحجَّ والعُمرةَ، ومن كان دُونهُنَّ فمِنْ أهلِهِ، حتّى إنَّ (٢) أهلَ مكَّةَ يُهِلُّونَ منها". قال أبو عُمر: أجمَعَ أهلُ العِلم بالحِجازِ، والعِراقِ، والشّام، وسائرِ أمْصارِ المُسلِمينَ فيما عَلِمتُ، على القولِ بهذه الأحاديثِ واستِعمالهِا، لا يُخالِفُونَ شيئًا منها. واختلفُوا في ميقاتِ أهلِ العِراقِ، وفيمن وقَّتهُ. فقال مالكٌ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم: ميقاتُ أهلِ العِراقِ، وناحيةِ المشرِقِ كلِّها: ذاتُ عِرْق (٣). وقال الثَّوريُّ والشّافِعيُّ: إن أهلُّوا من العَقيقِ، فهُو أحبُّ إلينا. وقال منهُم قائلُونَ: عُمرُ بن الخطّابِ ﵁ هُو الذي وقَّتَ لأهلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ؛ لأنَّ العِراقَ في زَمانِهِ افْتُتِحت، ولم يَكُن في العِراقِ على عَهدِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم- إسلامٌ (٤). وقال آخرُونَ: هذه غَفْلةٌ من قائلي هذا القولِ، بل رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- هُو الذي وقَّتَ لأهلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ والعَقِيقَ، كما وقَّت لأهلِ الشّام الجُحْفةَ، والشّامُ كلُّها يومئذٍ دارُ كُفرٍ، كما كانتِ العِراقُ يَومئذٍ دارَ كُفرٍ، فوقَّتَ المَواقيتَ لأهلِ

стр. 5131

النَّواحي، لأنَّهُ علِمَ أنَّهُ سيَفْتَحُ اللّهُ على أُمَّتِهِ الشّامَ والعِراقَ، وغيرَهُما من البُلدانِ، ولم تُفتح الشّامُ ولا العِراقُ جميعًا، إلّا على عهدِ عُمرَ، وهذا ما لا خِلافَ فيه بينَ أهلِ السِّيرِ. وقد قال رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "مَنَعَتِ العِراقُ دينارَها، ودِرْهمَها، ومَنَعتِ الشّامُ إردَبَّها ومُدْيَها وقفيزَها (١). بمعنَى: سَتمنَعُ عندَ أهلِ العِلم (٢). وقال ﷺ :"ليَبْلُغنَّ هذا الدِّينُ ما بلَغَ اللَّيلُ والنَّهارُ" (٣). وقال ﵇: "زُويت لي الأرضُ، فرأيتُ مَشارِقَها ومَغارِبَها، وسيبلُغُ مُلكُ أُمَّتي ما زُوِيَ لي منها" (٤). أخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا هشامُ بن بَهْرام (٦). وحدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 5132

شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الله بن عمّارٍ المَوْصليُّ، قال: حدَّثنا أبو هاشم محمدُ بن عليٍّ؛ جميعًا عن (٢) المُعافَى، عن أفْلَحَ بن حُميدٍ، عن القاسم، عن عائشَةَ، قالت: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهْلِ الشّام ومِصرَ الجُحْفَةَ، ولأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ، ولأهْلِ اليمَنَ يَلَمْلَمَ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدُ بن قاسم، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُون، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زَيْدٍ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن طاوُوسٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: وقَّتَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- لأهْلِ المدينةِ ذا الحُلَيفةِ، ولأهلِ الطّائفِ قَرْنًا، وهي نَجْدٌ، ولأهلِ الشّام الجُحفَةَ، ولأهْلِ اليمَنَ يَلَمْلَمَ، ولأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْق (٣). وأخبَرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال (٥): حدَّثنا وكيع، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن محمدِ بن عليٍّ، عن عبدِ الله بن عبّاسٍ، قال: وقَّتَ رسُولُ الله ﷺ لأهْلِ المشرِقِ العَقِيقَ. قال أبو عُمر: كلُّ عِراقيٍّ، أو مَشْرِقيٍّ أحرَمَ من ذاتِ عِرْقٍ، فقد أحرمَ

стр. 5133

عندَ الجميع من مِيقاتِهِ، والعَقِيقُ أحوطُ وأولَى عندَهُم من ذاتِ عِرْقٍ، وذاتُ عِرْقٍ ميقاتهم أيضًا بإجماع. وكرِهَ مالكٌ ﵀ أن يُحرِمَ أحدٌ قبلَ الميقاتِ. ورُوي عن عُمرَ بن الخطّاب: أنَّهُ أنكَرَ على عِمرانَ بن حُصَينٍ إحرامَهُ من البَصْرة (١). وعن عُثمانَ بن عفّانَ: أنَّهُ أنكَرَ على عبدِ الله بن عامرٍ إحرامَهُ قبلَ الميقات (٢). وكرِه الحسنُ البَصْريُّ وعَطاءُ بن أبي رَباح الإحرامَ من المَوْضِع البَعيدِ. وهذا من هؤُلاءِ، واللهُ أعلمُ، كَراهيةَ أن يُضيِّقَ المرءُ على نَفسِهِ ما قد وسَّعَ اللهُ عليه، وأن يتعرَّضَ لِما لا يُؤمَنُ أن يحدُثَ في إحرامِهِ. وكلُّهُم ألزمَهُ الإحرام إذا فَعلَ؛ لأنَّهُ زادَ ولم يُنقِصْ. ويدُلُّك على ما ذكَرْنا: أنَّ ابنَ عُمر رَوَى المواقيتَ عن رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-، ثُمَّ أجازَ الإحرامَ قبلَها من مَوْضِع بعيدٍ. هذا كلُّهُ قولُ إسماعيل، قال: وليسَ الإحرامُ مِثلَ عَرَفاتٍ والمُزدلِفةِ التي لا يُجازُ بهما مَوْضِعُهُما. قال: والذين أحرمُوا قبلَ الميقاتِ من الصَّحابةِ والتّابِعين كثيرٌ. قال: وحدَّثنا حفصُ بن عُمر الحَوْضيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرِو بن مُرَّةَ، عن عبدِ الله بن سَلَمةَ: أنَّ رجُلًا أتى عليًّا، فقال: أرأيتَ قولَ الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦] قال له عليٌّ: أن تُحرِمَ من دُوَيرةِ أهلِكَ (٣).

стр. 5134

قال: وحدَّثنا سُليمانُ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن زيدٍ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابنَ عُمرَ أهلَّ من بَيْتِ المقدِسِ، وقال: لَوْلا أن يَرَى مُعاويةُ أنَّ بي غيرَ الذي بي، لجَعَلتُ أُهِلُّ منهُ (١). وقال الشّافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهُما والثَّوريُّ والحسنُ بن حيٍّ: المواقيتُ رُخْصةٌ وتَوْسِعةٌ، يتَمتَّعُ المرءُ بحِلِّهِ حتّى يَبْلُغَها، ولا يتَجاوزُها، والإحرامُ قبلَها فيه فَضْلٌ لمن فَعلَهُ وقَوِيَ عليه، ومن أحرمَ من مَنْزِلِهِ، فهُو حَسَنٌ لا بأسَ به (٢). ورُوِيَ عن عليِّ بن أبي طالبٍ، وابن مَسْعُودٍ، وجماعةٍ من السَّلفِ: أنَّهُم قالوا في قولِ الله : ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالوا: إتمامُها: أن تُحرِمَ من دُويرةِ أهلِكَ (٣). حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا أحمدُ بن جعفرِ بن محمدِ بن عُبيدِ الله المُنادي، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا روحُ بن عُبادةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ (٤)، عن محمدِ بن سُوقةَ، قال: سمِعتُ سعيدَ بن جُبيرٍ -وسُئلَ: ما تمامُ العُمْرةِ؟ - فقال: أن تُحرِمَ من أهلِكَ. وأحرمَ ابنُ عُمرَ، وابنُ عبّاسٍ من الشّام، وأحرَمَ عِمرانُ بن حُصَينٍ من البَصْرةِ، وأحرمَ عبدُ الله بن مسعُودٍ من القادِسيَّةِ، وكان الأسودُ وعَلْقمةُ وعبدُ الرَّحمن بن يزيد وأبو إسحاقَ يُحرِمُون من بُيُوتِهِم (٥).

стр. 5135

قال أبو عُمر: أحرَمَ عبدُ الله بن عُمرَ من بيتِ المقدِسِ عامَ الحَكَمينِ، وذلك أنَّهُ شهِدَ التَّحكيمَ بدُومةِ الجَنْدل، فلمّا افترَقَ عَمرُو بن العاصِ وأبو موسى الأشعريُّ عن غيرِ اتِّفاقٍ، نهضَ إلى بيتِ المقدِسِ، ثُمَّ أحرمَ منها بعُمرة (١). ومن أقوَى الحُجج لِما ذهَبَ إليه مالكٌ في هذه المسألة: أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- لم يُحرِمْ من بَيْتِهِ بحجَّتِهِ، وأحرمَ من ميقاتِهِ الذي وقَّتهُ لأُمَّتِهِ ﷺ ، وما فعلَهُ فهُو الأفْضَلُ إن شاءَ الله. وكذلكَ صنَعَ جُمهُورُ الصَّحابةِ والتّابِعينَ بعدَهُم، كانوا يُحرِمُونَ من مَواقيتِهِم (٢). ومن حُجَّةِ من رأى الإحرامَ من بييهِ أفضَلَ، قولُ عائشةَ: ما خُيِّر رسُولُ الله ﷺ بينَ أمرينِ، إلّا اختارَ أيسَرَهُما، ما لم يَكُن إثمًا، فإن كان إثمًا، كان أبعدَ النّاسِ منهُ (٣). ومن حُجَّتِهِم أيضًا: أنَّ عليَّ بن أبي طالب، وعبدَ الله بنَ مسعُودٍ، وعِمرانَ بن حُصَينٍ، وابنَ عُمرَ، وابنَ عبّاسٍ، أحرَمُوا من المواضِع البَعِيدةِ، وهُم فُقهاءُ الصَّحابةِ، وقد شَهِدُوا إحرامَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم- في حَجَّتِهِ من ميقاتِهِ، وعَرفُوا مغزاهُ ومُرادَهُ، وعَلِمُوا أنَّ إحْرامَهُ من ميقاتِهِ كان تيسيرًا على أُمَّتِهِ ﷺ . ومن حُجَّتِهِم أيضًا: ما حدَّثناهُ عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا ابنُ أبي فُديك،

стр. 5136

عن عبدِ الله بن عبدِ الرَّحمن بن يُحنَّس (١)، عن يحيى بن أبي سُفيان الأخْنَسيِّ (٢)، عن جدَّتِهِ حُكَيمةَ، عن أُمِّ سلَمةَ زوج النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، أنَّها سَمِعت رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- يقولُ: "من أهلَّ بحجَّةٍ أو عُمْرةٍ من المسجدِ الأقْصَي إلى المَسْجِدِ الحَرام، غُفِرَ لهُ ما تقدَّمَ من ذَنبِهِ وما تأخَّر"، أو: "وَجَبَتْ لهُ الجنّة"، شكَّ عبدُ الله أيَّهُما قال. واختلَفَ الفُقهاءُ في الرَّجُلِ المُريدِ للحجِّ والعُمرةِ يُجاوِزُ ميقاتَ بَلدِهِ إلى ميقاتٍ آخرَ أقربَ إلى مكَّةَ، مِثلَ أن يترُكَ أهلُ المدينةِ الإحرامَ من ذي الحُلَيفةِ حتّى يُحرِمُوا من الجُحْفةِ. فتحصيلُ مذهبِ مالكٍ: أنَّ من فعلَ ذلكَ، فعليه دمٌ. وقدِ اختلَفَ في ذلك أصحابُ مالكٍ، فمنهُم من أوجبَ الدَّمَ فيه، ومنهُم من أسْقَطهُ. وأصحابُ الشّافِعيِّ على إيجابِ الدَّم في ذلك، وهُو قولُ الثَّوريِّ، واللَّيثِ بن سعد (٣). وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: لو أحرمَ المدنيُّ من مِيقاتِهِ، كان أحبَّ إليهم، فإن لم يَفْعلْ وأحرمَ من الجُحفةِ، فلا شيءَ عليه.

стр. 5137

وهُو قولُ الأوزاعيِّ وأبي ثَوْرٍ. وكرِهَ أحمدُ بن حَنْبل وإسحاقُ مجُاوَزةَ ذي الحُلَيفةِ إلى الجُحْفةِ، ولم يُوجِبا الدَّمَ في ذلكَ. وقد رُوي عن عائشةَ: أنَّها كانت إذا أرادتِ الحجَّ، أحْرَمت من ذي الحُلَيفةِ، وإذا أرادتِ العُمرةَ أحرمَتْ من الجُحفة (١). وقال ابنُ القاسم (٢): قال لي مالكٌ: كلُّ من مرَّ بميقاتٍ ليسَ هُو لهُ بميقاتٍ، فليُحرِمْ منهُ، مِثلَ أن يمُرَّ أهلُ الشّام وأهلُ مِصرَ من العِراقِ قادِمينَ، فعليهم أن يُهِلُّوا من ذاتِ عِرْقٍ ميقاتِ أهلِ العِراقِ، وكذلك إن قَدِمُوا من اليمن، أهلُّوا من يَلَمْلَمَ، وإن قدِمُوا من نَجْدٍ، فمِن قَرْنٍ، وكذلك جميعُ أهلِ العِراقِ، ومن مرَّ منهُم بميقاتٍ ليسَ لهُ، فليُهِلَّ من ميقاتِ أهلِ ذلك البلدِ. إلّا أنَّ مالكًا قال لي (٣) غيرَ مرَّةٍ في أهلِ الشّام وأهلِ مِصرَ: إذا مرُّوا بالمدينةِ، فأرادُوا أن يُؤَخِّرُوا إحْرامَهُم إلى الجُحفةِ فذلك لهم. قال ابنُ القاسم: لأنَّها طريقُهُم. قال مالكٌ: والفضلُ لهم في أن يُحرِمُوا من ميقاتِ أهلِ المدينةِ. واختَلفُوا فيمَنْ جاوزَ الميقاتَ وهُو يُريدُ الإحرامَ فأحرَمَ، ثُمَّ رجعَ إلى الميقاتِ. فقال مالكٌ (٤): إذا جاوزَ الميقاتَ ولم يُحرِمْ منهُ، فعليه دمٌ، ولا ينفعُهُ رُجُوعُهُ. وهُو قولُ أبي حنيفةَ، وعبدِ الله بن المُباركِ.

стр. 5138

وقال مالكٌ (١): من أرادَ الحجَّ والعُمرةَ، فجاوَزَ الميقاتَ، ثُمَّ أحرمَ وتركَ الإحرامَ من الميقاتِ، فليَمْضِ ولا يرجِعْ، مُراهِقًا كان أو غيرَ مُراهِقٍ، وليُهْريقَ دمًا. قال: وليسَ لمن تعدَّى الميقاتَ فأحرمَ، أن يرجِعَ إلى الميقاتِ فينقُضَ إحرامَهُ. قال إسماعيلُ: لأنَّهُ قد وجبَ عليه الدَّمُ، لتعدِّيهِ ما أُمِرَ به، فلا وجهَ لرُجُوعِهِ. وقال مالكٌ (٢): مَن جاوزَ الميقاتَ مِمَّن يُريدُ الإحرامَ جاهِلًا، فليرجِع إلى الميقاتِ إن لم يخَفِ فواتَ الحجِّ، ولا شيءَ عليه، وإن خافَ فواتَ الحجِّ، أحرمَ من موضِعِهِ، وكان عليه دمٌ، لِما تركَ من الإحرام من الميقاتِ. وقال الشّافِعيُّ (٣) والأوزاعيُّ وأبو يوسُف ومحمدٌ: إذا رجعَ إلى الميقاتِ، فقد سقطَ عنهُ الدَّمُ، لبَّى، أو لم يُلبِّ. وقد رُوي عن أبي حنيفةَ، أنَّهُ إن رجعَ إلى الميقاتِ فلبَّى، سقطَ عنهُ الدَّمُ، وإن لم يُلبِّ لم يسقُط عنهُ الدَّمُ. وكلُّهُم يقولُ: إنَّهُ إن لم يرجِعْ وتمادى، فعليه دمٌ (٤). وللتّابِعينَ في هذه المسألةِ أقاويلُ أيضًا غيرُ هذه، أحدُها: أنَّهُ لا شيءَ على من تركَ الميقاتَ. هذا قولُ عطاءٍ والنَّخَعيِّ. وقولٌ آخرُ: أنَّهُ لا بُدَّ لهُ أن يرجِعَ إلى الميقاتِ إذا ترَكهُ، فإن لم يَرْجِعْ حتّى قَضَى حجَّهُ، فلا حجَّ لهُ. هذا قولُ سعيدِ بن جُبيرٍ. وقولٌ آخرُ: وهُو أن يرجِعَ إلى الميقاتِ كلُّ من تَرَكهُ، فإن لم يَفْعلْ حتّى تمَّ حجُّهُ، رجعَ إلى (٥) الميقاتِ وأهلَّ منهُ بعُمرةٍ. رُوي هذا عن الحسن البصريِّ.

стр. 5139

فهذه الأقاويلُ الثَّلاثةُ شُذُوذٌ ضعيفةٌ عندَ فُقهاءِ الأمصارِ؛ لأنَّها لا أصلَ لها في الآثارِ، ولا تصِحُّ في النَّظرِ. واختلفُوا في العَبدِ يُجاوِزُ الميقاتَ بغيرِ نيَّةِ إحرام، ثُمَّ يُحرِمُ. فقال مالكٌ: أيُّما عبدٍ جاوَزَ الميقاتَ، ولم يأذن لهُ سيِّدُهُ في الإحرام، ثُمَّ أذِنَ لهُ بعدَ مُجاوَزتهِ الميقاتَ فأحرَمَ، فلا شيءَ عليه. وهُو قولُ الثَّوريِّ، والأوزاعيِّ (١). وقال أبو حنيفةَ: عليه دمٌ لتركِهِ الميقاتَ. وكذلك إن عتَقَ. واضطربَ الشّافِعيُّ في هذه المسألةِ، فمرَّةً قال في العبدِ: عليه دمٌ لتركِهِ الميقاتَ. كما قال أبو حنيفةَ، وقال في الكافِرِ يُجاوِزُ الميقاتَ ثُمَّ يُسلِمُ: لا شيءَ عليه. قال: وكذلك الصَّبيُّ يُجاوِزُهُ، ثُمَّ يحتلِمُ، فيُحرِمُ: لا شيءَ عليه. وقال مرَّةً أُخرى: لا شيءَ على العبدِ، وعلى الصَّبيِّ، والكافِرِ يُسلِمُ: الفِديةُ إذا أحرما من مكَّةَ. ومرّةً قال: عليهم ثلاثتِهِم دمٌ. وهُو تحصيلُ مذهبِهِ. قال أبو عُمر: الصَّحيحُ عِندي في هذه المسألةِ: أنَّهُ لا شيءَ على واحدٍ منهُم؛ لأنَّهُ لم يخطُر بالميقاتِ مُريدًا للحجِّ، وإنَّما تجاوَزهُ وهُو غيرُ قاصِدٍ الحجَّ، ثُمَّ حَدَثت لهُ حالٌ بمكَّةَ، فأحرمَ منها، فصار كالمكِّيِّ الذي لا دمَ عليه عندَ الجميع. وقال مالكٌ: من أفسدَ حجَّتَهُ، فإنَّهُ يَقْضيها من حيثُ كان أحرمَ بالحجَّةِ التي أفسدَ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وهذا عندَ أصحابِهِما على الاختيارِ (٢). واتَّفقَ مالكٌ، والشّافِعيُّ، وأبو حنيفةَ، وأصحابُهُم، والثَّوريُّ، وأبو ثورٍ على أنَّ من مرَّ بالميقاتِ لا يُريدُ حجًّا ولا عُمرةً، ثُمَّ بَدا لهُ في الحجِّ أوِ العُمرةِ،

стр. 5140

وهُو قد جاوَزَ الميقاتَ: أنَّهُ يُحرِمُ من المَوْضِع الذي بَدا لهُ منهُ الحجُّ، ولا يرجِعُ إلى الميقاتِ، ولا شيءَ عليه. وقال أحمدُ وإسحاقُ: يرجِعُ إلى الميقاتِ ويُحرِمُ منهُ. وأمّا حديثُ مالكٍ، عن نافع، أنَّ عبدَ الله بن عُمرَ أهلَّ من الفُرْع (١)، فحَمْلُه (٢) عندَ أهلِ العِلم، على أنَّهُ مرَّ بميقاتِهِ لا يُريدُ إحرامًا، ثُمَّ بَدا لهُ فأهلَّ منهُ، أو جاءَ إلى الفُرْع من مكَّةَ أو غيرِها، ثُمَّ بَدا لهُ في الإحرام. هكذا ذكرَ الشّافِعيُّ، وغيرُهُ في معنى حديثِ ابن عُمر هذا. ومعلُومٌ أنَّ ابنَ عُمرَ رَوَى حديثَ (٣) المواقيتِ، ومحُالٌ أن يتعدَّى ذلكَ، مع عِلمِهِ به، فيُوجِبَ على نفسِهِ دمًا، هذا لا يظُنُّهُ عالِمٌ، واللهُ أعلمُ. وأجمعُوا كلُّهُم على أنَّ من كان أهلُهُ دُونَ المواقيتِ: أنَّ ميقاتَهُ من أهْلِهِ، حتّى يبلُغَ مكَّةَ، على ما في حديثِ ابن عبّاس (٤). وفي هذه المسألةِ أيضًا قولانِ شاذّانِ، أحدُهُما لأبي حنيفةَ، قال: يُحرِمُ من مَوْضِعِهِ، فإن لم يفعلْ، فلا يدخُلُ الحرمَ إلّا حرامًا، فإن دخَلَهُ غيرَ حَرام، فليخرُجْ من الحَرَم، وليُهِلَّ من حيثُ شاءَ من الحِلِّ. والقولُ الآخرُ لمُجاهِدٍ، قال: إذا كان الرَّجُلُ منزِلُهُ بين مكَّةَ والميقاتِ، أهلَّ من مكَّةَ (٥) (٦).

стр. 5141

حديثٌ حادي خمسين لنافع، عن ابن عُمرَ مالكٌ (١)، عن نافع، عن عبدِ الله بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "خمسٌ من الدَّوابِّ ليسَ على المُحرِم في قَتْلِهِنَّ جُناحٌ: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْربُ، والفَأرةُ، والكَلْبُ العَقُورُ". لا خِلافَ عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحديثِ ولفظِه (٢). حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن الحُسين (٣) العَسْكريُّ، قال: حدَّثنا الرَّبيعُ بن سُليمان، قال: حدَّثنا الشّافِعيُّ، قال (٤): أخبرنا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم-قال: "خمسٌ من الدَّوابِّ ليسَ على المُحرِم في قتلِهِنَّ جُناح: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعقربُ، والفأرةُ، والكلبُ العقُورُ". وكذلك رواهُ، أيُّوبُ (٥)، وعُبيدُ الله، واللَّيثُ (٦)، وغيرُهُم (٧)، عن نافع، عن ابن عُمرَ.

стр. 5142

وكذلك رواهُ عبدُ الله بن دينارٍ، عن ابن عُمرَ (١). ورواهُ ابنُ شِهاب، فاختُلِفَ عليه فيه: فرَواهُ ابنُ عُيينةَ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن ابن عُمر، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- (٢). ورواهُ مَعْمرٌ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشَةَ (٣). وهذا يُمكِنُ أن يكون إسنادًا آخر. ورواهُ يونُسُ، عن ابن شِهاب، عن سالم، عن ابن عُمرَ، عن حَفْصةَ (٤). ورواهُ زيدُ بن جُبيرٍ، عن ابن عُمر، قال: أخْبَرتني إحْدَى نِسْوةِ النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-: أنَّ رسولَ الله -صلي الله عليه وسلم- كان يأمُرُ المُحرِمَ بقتلِ خمسٍ من الدَّوابِّ، فذكر مِثلَهُ سواءً (٥). فأمّا رِوايةُ نافع، عن ابن عُمرَ لهذا الحديثِ، فمُقتصِرةٌ على إباحَةِ قتل هذه الخَمْسِ المذكُوراتِ من الدَّوابِّ للمُحرِم، في حالِ إحْرامِهِ في الحِلِّ والحُرْم جميعًا.

стр. 5143

وأمّا رِوايةُ ابن شِهاب، عن سالم، عن أبيهِ لهذا الحديثِ، ففيها: "لا جُناحَ على من قَتلَهُنَّ في الحِلِّ والحُرْم". وهذا أعمُّ؛ لأنَّهُ يدخُلُ فيه المُحرِمُ وغيرُ المُحرِم في الحِلِّ والحُرْم. ومعلُومٌ أنَّهُ ما جازَ للمُحرِم قتلُهُ، فغيرُ المُحرِم أحْرَى أن يجُوزَ ذلك لهُ، ولكِنْ لكلِّ وَجْهٍ منها حُكم سنذكُر في هذا البابِ إن شاءَ الله. قرأتُ على محمدِ بن إبراهيمَ، أنَّ محمدَ بن مُعاويةَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا عُبيدُ الله بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا يحيي، عن عُبيدِ الله، قال: أخْبَرني نافعٌ، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "خمسٌ من الدَّوابِّ لا جُناحَ على من قَتلهُنَّ وهُو حَرامٌ: الحِدَأةُ، والغُرابُ، والفأرةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والعَقْربُ". وكذلك رواهُ أيُّوبُ، عن نافع، عن ابن عُمرَ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- مِثلَهُ سَواءً. وزادَ: قيل لنافع: فالحيّةُ؟ قال: الحيَّةُ لا شَكَّ في قَتْلِها (٢). وقال بعضُهُم عن أيُّوب: قلتُ لنافع: الحيّةُ؟ قال: الحيَّةُ لا يُختلفُ في قَتْلِها (٣). قال أبو عُمر: ليسَ كما قال نافعٌ، وقدِ اختلَفَ العُلماءُ في جَوازِ قَتْلِ الحيَّةِ للمُحرِم، ولكنَّهُ شُذُوذٌ.

стр. 5144

وقد صَحَّ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- قَتْلُها للمُحرِم وغيرِ المُحرِم، في الحَرَم وغيره، من وُجُوهٍ سنذكُرُ أكثرَها في هذا البابِ إن شاءَ الله. وليسَ في حديثِ ابن عُمرَ عندَ أحدٍ من الرُّواةِ ذِكرُ الحيَّةِ، وهُو محفُوظٌ من حديثِ عائشَةَ (١)، وحديثِ أبي سعيدٍ، وابن مسعُودٍ. قرأتُ على سَعيدِ بن نَصْرٍ وعبدِ الوارثِ بن سُفيان، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا -والله- الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيهِ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "خَمْسٌ من الدَّوابِّ لا جُناحَ في قَتْلِهِنَّ على من قَتَلهُنَّ في الحِلِّ والحُرْم: الغُرابُ، والحِدَأةُ، والعَقْربُ، والفأرةُ، والكلبُ العقُورُ". قال الحُميديُّ: قيل لسُفيانَ: إنَّ معمرًا يرويهِ، عن الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ؟ فقال: حدَّثنا -والله- الزُّهريُّ، عن سالم، عن أبيهِ، ما ذكَرَ عُروةُ، عن عائشَةَ. قال أبو عُمر: اتَّفقَ جُمهُورُ العُلماءِ وجَماعةُ الفُقهاءِ على القولِ بجُملةِ هذا الحديثِ، واختلَفُوا في تفسيرِ تلكَ الجُملةِ وتخصيصِها بمعانٍ، نذكُرُها إن شاءَ الله. فأمّا ابنُ عُيينةَ، فقال: معنَى قولِ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم-: "الكلبُ العقُورُ": كلُّ سَبُع يَعْقِرُ. قال: ولم يخُصَّ به الكلبَ. قال سُفيانُ: وفسَّرهُ لنا زيدُ بن أسلمَ (٣). وكذلكَ قال أبو عُبيد (٤).

стр. 5145

ورَوَى زُهَيرُ بن محمدٍ، عن زيدِ بن أسلمَ، عن عَبدِ ربِّهِ بن سِيْلانَ، عن أبي هُريرةَ، قال: الكَلْبُ العَقُورُ: الأسَدُ (١). وأمّا مالكٌ، فذكَرَ رُواةُ "المُوطَّأ" عنهُ في "المُوطَّأ" (٢) أنَّهُ قال: الكلبُ العقُورُ الذي أُمِرَ المُحرِمُ بقتلِهِ: هُو كلّ ما عقَرَ النّاسَ، وعَدا عليهم وأخافَهُم، مِثلَ الأسَدِ، والنَّمِرِ، والفَهْدِ، والذِّئبِ، فهُو الكلبُ العقُورُ. قال: فأمّا ما كان من السِّباع لا تَعْدُوا مِثلَ الضَّبُع والثَّعلبِ وما أشبههُنَّ من السِّباع، فلا يَقْتُلُهُ المُحرِمُ، وإن قَتَلهُ فداهُ. قال مالكٌ: وأمّا ما ضرَّ من الطَّيرِ، فإنَّهُ لا يَقْتُلُهُ المُحرِمُ، إلّا ما سمَّى النَّبيُّ ﷺ : "الغُرابُ، والحِدَأةُ"، وإن قتلَ شيئًا من الطَّيرِ سِواهُما وهُو مُحرِمٌ، فعليه جزاؤُهُ. قال أبو عُمر: ليسَ هذا البابُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ من بابِ ما يُؤكَلُ عندَهُ من السِّباع، وما لا يُؤكلُ في شيءٍ، وقد ذكَرْنا مذهبَ مالكٍ وغير فيما يُكرَهُ أكلُهُ من السِّباع وما لا يُكرَهُ منها مُستوعبًا في بابِ إسماعيلَ بن أبي حَكيم، من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لإعادةِ ذلك هاهُنا. وقال ابنُ القاسم: قال مالكٌ (٣): لا بأسَ أن يقتُلَ المُحرِمُ السِّباعَ التي تَعدُو على النّاسِ وتفترِسُ، ابتدأتْهُ، أوِ ابْتَدأها، جائزٌ لهُ قَتْلُها على كلِّ حالٍ، فأمّا صِغارُ أولادِها التي لا تَفْترِسُ، ولا تعدُو على النّاسِ، فلا يَنْبغي للمُحرِم قَتْلُها. قيل لابن القاسم: فهل يَكْرهُ مالكٌ للمُحرِم قتلَ الهِرِّ الوَحْشيِّ، والثَّعلبِ، والضَّبُع؟

стр. 5146

قال: نعم. قيل لهُ: فإن ابتدأني الضَّبُعُ، أوِ الهِرُّ، أوِ الثَّعلبُ، وأنا مُحرِم، فقَتَلتُها، أعليَّ في قولِ مالكٍ شيءٌ؟ قال: لا. وهُو رأيي، ألا تَرَى أنَّ رجُلًا لو عَدا على رجُل، فأرادَ قَتْلهُ، فدفَعَهُ عن نفسِهِ، لم يَكُن عليه شيءٌ؟ وقال أشهبُ (١): سألتُ مالكًا: أيقتُلُ المُحرِمُ الغُرابَ والحِدَأةَ من غيرِ أن يضُّرّا به؟ فقال: لا، إلّا أن يضُّرّا به، إنَّما أُذِنَ في قَتلِهِما إذا أضرّا، في رأيي، فأمّا أن يُصيبَهُما بَدْءًا، فلا أرى ذلك، وهُما صيدٌ، وليسَ للمُحرِم أن يصيدَ، وليسا مِثلَ العَقْربِ والفأر، والغُرابُ (٢) والحِدَأةُ صَيْدٌ، فلا يجبُ (٣) أن يُقتُلا في الحُرْم، خوفَ الذَّريعةِ إلى الاصطيادِ، فإن أضرّا بالمُحرِم، فلا بأسَ أن يقتُلَهما. قال: فقلتُ لهُ: أيصيدُ المُحرِمُ الثَّعلبَ والذِّئبَ؟ قال: لا. ثُمَّ قال: والله، ما أدري أعلى هذا أصلُ رأيِكَ، أم تتجاهلُ؟ قلتُ: ما أتجاهلُ، ولكِن ظَننتُ أن تراهُ من السِّباع. قال مالكٌ: وكلُّ شيءٍ لا يعدُو من السِّباع، مِثلَ الهِرِّ والثَّعلبِ والضَّبُع وما أشبهَها، فلا يَقتُلُهُ المُحرِمُ، وإن قتَلهُ وداهُ؟ لأنَّ النَّبيَّ -صلي الله عليه وسلم- لم يأذَنْ في قتلِ السِّباع، وإنَّما أذِنَ في قتلِ الكلبِ العقُورِ. قال: وصِغارُ الذِّئابِ لا أرى أن يقتُلَها المُحرِمُ، فإن قَتَلَها فداها، وهي مِثلُ فِراخ الغِرْبان أيَذْهبُ يصيدُها! وقال إسماعيلُ بن إسحاق: إنَّما قال ذلك مالكٌ في أولادِ السِّباع التي لا تَعْدُو على النّاسِ، لأنَّ الإباحَةَ إنَّما جاءَت في الكَلْبِ العقُورِ، وأولادُهُ ليست تَعقِرُ، فلا تدخُلُ في هذا النَّعتِ.

стр. 5147

قال: وقد جاءَ في حديثِ عائشةَ: "خمسٌ فواسقُ يُقتَلْنَ في الحِلِّ والحُرْم" (١). فسمّاهُنَّ فُسّاقًا، ووصَفَهُنَّ بأفعالِهِنَّ؛ لأنَّ الفاسِقَ فاعِلٌ، والصِّغارُ لا فِعلَ لهنَّ. قال: والكلبُ العَقُورُ يعظُمُ ضررُهُ على النّاسِ. قال: ومن ذلك الحيّةُ والعقربُ؛ لأنَّهُما يُخافُ منهُما. قال: وكذلك الغُرابُ والحِدَأةُ؛ لأنَّهُما يَخْتطِفان اللَّحمَ من أيدي النّاسِ. قال: وقدِ اختُلِف في الزُّنبُورِ (٢) فشبَّههُ بعضُهُم بالحيَّةِ والعَقْربِ. قال: ولولا أنَّ الزُّنبُورَ لا يَبْتدِئُ، لكان أغلظَ على النّاسِ من الحيَّةِ والعَقْربِ، ولكِنَّهُ ليسَ في طبعِهِ من العَداءِ، ما في الحيَّةِ والعقربِ. قال: وإنَّما يَحْمَى (٣) الزُّنبُورُ إذا أُوذيَ. قال: فإن عرضَ الزُّنبُورُ لإنسانٍ، فدَفعهُ عن نفسِهِ، لم يكُن عليه في قتلِهِ شيءٌ. قال: وقد جاءَ في الفأر: أنَّها تحرِقُ على النّاسِ بُيُوتَهُم (٤). قال: وقد رآها رسُولُ الله ﷺ تصعَدُ بالفَتِيلةِ إلى السَّقف (٥). فجاءَ فيها النَّصُّ، كما جاءَ في الكلبِ العقُورِ. قال: ولم يَعْنِ بالكلبِ العقُورِ: هذه الكِلابَ الإنسيَّةَ. قال: وإنَّما رَخَّصَ (٦) للمُحرِم في قَتْلِ هذه الدَّوابِّ الوَحْشيَّةِ. قال: وإنَّما عُنِيَ بالكَلْبِ العَقُور (٧)، واللهُ أعلمُ، ما عَدا على النّاسِ وعَقَرهُم.

стр. 5148

قال: وقد رُوي عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- أنَّهُ قال في عُتْبةَ بن أبي لهب: "سَيُسلِّطُ اللّهُ عليه"، أوِ: "اللَّهُمَّ سلِّطْ عليه كلبًا من كِلابِكَ"، فعَدا عليه الأسدُ فقَتَلهُ (١). قال (٢): وحدَّثنا نصرُ بن عليٍّ، قال: أخبرنا يزيدُ بن هارُون، قال: أخبَرنا الحجّاجُ، عن وَبَرةَ، قال: سمِعتُ ابنَ عُمرَ يقولُ: أمَرَ رسولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بقَتْلِ الذِّئبِ، والغُرابِ، والفأر. قلتُ: فالحيَّةُ والعَقْربُ؟ قال: قد كان يُقالُ ذلك (٣). قال إسماعيلُ: فإن كان هذا الحديثُ محفُوظًا (٤)، فإنَّ ابنَ عُمرَ جعَلَ الذِّئبَ في هذا الموضِع كلبًا عقُورًا. قال: وهذا غيرُ مُمتنع في اللُّغةِ والمعنى. قال: وأمّا الحيَّةُ، فلو لم يأتِ فيها نصٌّ، لدَخَلت في معنَى العَقْربِ، وفي معنَى الكلبِ العَقُورِ، فكيفَ وقد جاءَ فيها النَّصُّ؟

стр. 5149

[قال] (١): حدَّثنا ابنُ نُميرٍ، قال: حدَّثنا حفصٌ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن الأسْوَدِ، عن عبدِ الله، قال: كُنّا معَ رسُولِ الله -صلي الله عليه وسلم- بمِنًى ليلةَ عَرَفةَ، فخَرَجت حيَّة، فقال: "اقتُلُوا، اقتُلُوا" فسَبَقتنا (٢). قال: وحدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا جريرُ بن عبدِ الحميدِ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن عبدِ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: قال رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "يَقْتُلُ المُحرِمُ الأفْعَى، والأسودَ، والعَقْربَ، والحِدَأةَ، والكلبَ العَقُورَ، والفُوَيسِقةَ" (٣). قال أبو عُمر: الأسودُ المذكُورُ هاهُنا -الحيَّةَ- هُو اسم من أسمائها. وفي هذا الحديث: ذُكِر قتل المحرِم الأفْعَى والحيَّةَ، وليسَ ذلك (٤) في حديثِ

стр. 5150

ابن عُمر، وإذا أضفْتَهُما إلى الخَمْسِ الفواسقِ المذكُورةِ في حديثِ ابن عُمرَ، صِرنَ سبعًا. وفي ذلك دليلٌ على أنَّ الخمسَ لسنَ مخصُوصاتٍ، وأنَّ ما كان في معناها، فلهُ حُكمُها، وسيأتي بيانُ هذا البابِ في هذا كلِّهِ ومَعناهُ، واختِلافُ العُلماءِ فيه إن شاءَ الله. وذكَرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ كلَّ ما ذكَرْنا عنهُ من رِوايةِ أشهَبَ وابن القاسم، وزادَ: ولا يقتُلُ المُحرِمُ الوَزَغَ، ولا قِردًا، ولا خِنْزيرًا، ولا يَقتُلُ الحيَّةَ الصَّغيرةَ ولا صِغارَ الدَّوابِّ، ولا فِراخَ الغِرْبان في وكُورِها (١)، فإن قتلَ ثعلبًا، أو صَقْرًا، أو بازيًّا (٢)، فداهُ. وروَى ابنُ وَهْب وأشهبُ، عن مالك (٣)، قال: أمّا ما ضرَّ من الطَّيرِ، فلا يَقتُلُ منهُ المُحرِمُ إلّا الذي سَمَّى النَّبيُّ -صلي الله عليه وسلم-: "الغُرابُ، والحِدَأةُ". قال: ولا أرى أن يَقتُلَ المُحرِمُ غُرابًا ولا حِدَأةً، إلّا أن يضُرّاهُ. قال: ولا بأسَ بقتلِ الفأر، والحيَّةِ، والعَقْربِ، وإن لم تَضُرَّهُ. قال: ولا أرَى أن يَقتُلَ المُحرِمُ الوَزَغَ؛ لانهُ ليسَ من الخمسِ التي أمرَ النَّبيُّ -صلي الله عليه وسلم- بقَتلِهِنَّ. قيل لمالكٍ: فإن قتلَ المُحرِمُ الوَزَغَ؟ فقال: لا يَنْبغي لهُ أن يَقْتُلَهُ، وأرى أن يتصدَّقَ إن قتَلَهُ، وهُو مِثلُ شَحْمةِ الأرض (٤)، وقد قال رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم-: "خمسٌ من الدَّوابِّ". فليسَ لأحدٍ أن يجعلَها سِتًّا ولا سبعًا. قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ وجُمهُورِ العُلماءِ في قَتْلِ الحيَّةِ في الحِلِّ

стр. 5151

والحُرْم، وكذلكَ الأفْعَى، وذلكَ مُستَعملٌ بالنَّصِّ، وبِمعنَى النَّصِّ عندَ جَميعِهِم في هذا البابِ، فافهَمْهُ. قال ابنُ القاسم، عن مالك (١): إن طرحَ المُحرِمُ الحَلَمةَ (٢)، أوِ القُراد (٣)، أوِ الحَمْنانَ (٤)، أوِ البُرغُوثَ، عن نفسِهِ، لم يكُن عليه شيءٌ. قال: وقال مالكٌ: في القَمْلةِ حَفْنةٌ من طعام. قال: وفي قَمْلاتٍ أيضًا حَفْنةٌ من طعام (٥). قال: ولم أسمَعهُ يحُدُّ أقلَّ من حَفْنةِ مِن طعام في شيءٍ من الأشياءِ. قال: وقال مالكٌ: قولُ ابن عُمرَ: أنَّهُ كان يكرَهُ أن بنزعَ المُحرِمُ حَلَمةً أو قُرادًا من بَعيرِهِ (٦) أعجبُ إليَّ من قولِ عُمرَ: أنَّهُ كان يُقرِّدُ بعيرَهُ (٧). وقال ابنُ أبي أُوَيسٍ: قال مالكٌ: إنَّما يَطْرحُ المُحرِمُ عن نَفسِهِ القُرادَ، والنَّملةَ، والذَّرَّةَ (٨)، وما ليسَ من دوابِّ جَسَدِهِ، إذا كان ذلكَ يُؤذيهِ. قال: وأمّا دوابُّ جَسدِهِ، فلا يُلقِي منها شيئًا عن نَفسِهِ إلّا أن يُؤذيَهُ شيءٌ من ذلكَ، فيَطْرحُهُ من مَوْضِع من جَسدِهِ، إلى موضِع غيرِهِ، وينقُلُ القَمْلةَ من مَوْضِع من جسدِهِ، إلى مَوْضِع منهُ إن شاءَ. وسُئل مالكٌ عن الرَّجُلِ يُؤذيهِ القَملُ في إزارِهِ وهُو مُحرِمٌ: أيَضَعُهُ وَيلْبسُ غيرَهُ؟ قال: نعم.

стр. 5152

وقال ابنُ وَهْب: سُئلَ مالكٌ عن البَعُوضِ والبَراغيثِ يَقْتُلُها المُحرِمُ: أعليه كفّارةٌ؟ فقال: إنِّي أُحِبُّ ذلك. قال: وقال مالكٌ: لا يَصْلُحُ للمُحرِم أن يَقتُلَ قَمْلةً، ولا يَطْرحَها من رأسِهِ إلى الأرْضِ، ولا من جِلْلِإِ، ولا من بَدَنِهِ، فإن قتَلَها، أو ألقاها، أطعمَ قَبْضةً من طعام. قال: وقال لي مالكٌ: يُلقِي المُحرِمُ القُرادَ عن نفسِهِ. قال: وقال لي في مُحرِم لَدَغتهُ دَبْرةٌ (١) فقتَلها وهُو لا يشعُرُ، قال: أرى أن يُطعِمَ شيئًا، فقلتُ لمالكٍ: أفرأيتَ النَّملةَ؟ قال: كذلك أيضًا. فهذه جُملةُ قولِ مالكٍ في هذا البابِ، فتدبَّرْها. وجُملةُ مذهَبِهِ عندَ أصحابِهِ في هذا البابِ: أنَّ المُحرِمَ لا يُقرِّدُ بَعِيرَهُ، ولا يطرَحُ عنهُ شيئَّاَ من دوابِّهِ، فإن طرحَ عن البعيرِ قُرادًا: أطعمَ، ولا بأسَ عليه أن يرميَ عن نَفسِهِ القُراد؛ لأنَّها ليسَت من دوابِّ بَني آدمَ، ولا يَطْرحُ عن نَفسِهِ قَمْلةً؛ لأنَّها منهُ، وجائزٌ أن يطرحَ عن نَفسِهِ جميعَ دوابِّ الأرضِ، مِثلَ: الحَلَمةِ، والحَمْنانِ، والنَّملةِ، والذَّرَّةِ، والبُرغُوثِ، ولا يقتُلُ شيئًا من ذلكَ، فإن قتلَ منهُ شيئًا أطعمَ، وجائزٌ أن يطرحَ المُحرِمُ عن دابَّتِهِ العَلَقةَ (٢)؛ لأنَّها لَيْسَت من دوابِّها المُتَخلِّقةِ منها (٣)، فهذا أصلُ مَذْهبِهِ. وقال أبو حَنِيفةَ: لا يقتُلُ المُحرِمُ من السِّباع إلّا الكَلْبَ والذِّئبَ خاصَّةً، ويقتُلُهُما ابتدآهُ أوِ ابتدأهُما، لا شيءَ عليه في قَتْلِهِما، وإن قتَلَ غيرَهُما من السِّباع

стр. 5153

فداهُ. قال: وإن ابتدَأهُ غيرُهُما من السِّباع فقَتَلهُ، فلا شيءَ عليه، وإن لم يَبْتدِئهُ، فداهُ إن قتلهُ. قال: ولا شيء عليه في قتلِ الحيَّة والعَقْربِ والحِدَأة (١). هذه جُملةُ قول (٢) أبي حَنِيفةَ وأصحابِهِ إلّا زُفَر. وقال زُفَرُ: لا يَقتُلُ إلّا الذِّئبَ وحدَهُ، ومن قتَلَ غيرَهُ وهُو مُحرِمٌ، فعليه الفِديةُ، ابتدأهُ أو لم يبتدِئْهُ. وقولُ الأوزاعيِّ، والثَّوريِّ، والحسن بن حيٍّ، نحوُ قولِ أبي حنيفةَ. قال الثَّوريُّ: المُحرِمُ يقتُلُ الكَلْبَ العَقُور. قال: وما عَدا عليكَ من السِّباع فاقتُلْهُ، وليسَ عليكَ كفّارةٌ. قال: ويقتُلُ المُحرِمُ الحِدَأةَ والعَقْربَ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ، في كلِّ ذي مخِلبٍ من الطَّيرِ: إن قتَلَهُ المُحرِمُ من غيرِ أن يَبْتدِئَهُ، فعليه جَزاؤُهُ، وإن ابتدَأهُ الطَّيرُ، فلا شيءَ عليه. وقالوا: وإن قتلَ المُحرِمُ الذُّبابَ، والنَّملةَ (٣)، والبقَّةَ، والحَلَمةَ، والقُرادَ، فليسَ عليه شيءٌ. قالوا: ويُكرَهُ قَتْلُ القَمْل، فإن قتَلَها، فكلُّ شيءٍ تصدَّق به، فهُو خيرٌ منها. قال أبو عُمر: قدِ احتجَّ مالكٌ ﵀ لنَفسِهِ في هذا البابِ في بعضِ مسائلِهِ، واحتجَّ لهُ إسماعيلُ أيضًا بما ذكَرْنا، وجُملةُ الحُجَّةِ لمذهبِهِ ومذهبِ العِراقيِّين أيضًا في ذلك، عُمُومُ قولِ الله : ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦]، فكلُّ وَحْشيٍّ من الطَّيرِ أوِ الدَّوابِّ عندهُم صيدٌ، وقد خَصَّ رسُولُ الله ﷺ دوابَّ بأعيانِها وأرخصَ للمُحرِم في قَتْلِها من أجلِ ضَررِها، فلا وجهَ أن يُزادَ عليها، إلّا أن يُجمِعُوا على شيءٍ، فيدخُلَ في معناها.

стр. 5154

واستدلُّوا على أنَّهُ لم يُرِدْ بقولِه: "والكلبُ العَقُورُ" جُملةَ السِّباع؟ لأنَّهُ أباحَ أكلَ الضَّبُع، وجَعلَها من الصَّيدِ، وجعلَ فيها على المُحرِم إن قَتَلها كبشًا (١)، وهي سَبُع. وأمّا القَمْلةُ، وما كان مِثلَها مِمّا يخرُجُ من الجَسَدِ، فليسَ من بابِ الصَّيدِ، وإنَّما ذلكَ من بابِ التَّفَثِ وحِلاقِ الشَّعرِ. وأمّا الشّافِعيُّ ﵀، فقال: كلُّ ما لا يُؤكَلُ لحمُهُ، فللمُحرِم أن يقتُلَهُ. قال: وللمُحرِم أن يقتُلَ الحيَّةَ، والعقربَ، والفأرةَ، والحِدَأةَ، والغُرابَ، والكلبَ العقُورَ، وما أشبَهَ الكلبَ العقُورَ، مِثلَ السَّبُع، والنَّمِرِ، والفهدِ، والذِّئبِ. قال: وصِغارُ ذلكَ كلِّهِ (٢) وكِبارُهُ سَواءٌ. قال: وليسَ في الرَّخَمَة (٣)، والخَنافِسِ، والقِرْدانِ، والحَلَم، وما لا (٤) يُؤكَلُ لحمُهُ جَزاءٌ؛ لأنَّ هذا ليس من الصَّيدِ، قال اللهُ : م ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: ٩٦] فدلَّ على (٥) أنَّ الصَّيدَ الذي حُرِّمَ عليهم، ما كان لهم قبلَ الإحرام حلالًا، لأنَّهُ لا يُشبِهُ أن يُحرَّمَ في الإحرام خاصَّةً، إلّا ما كان مُباحًا قبلَه (٦). قال: وما أمَرَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بقَتلِهِ، فلا يجُوزُ أكلُهُ، لأنَّ ما عَمِلَتْ فيه (٧) الذَّكاةُ بالاصْطِيادِ، أوِ الذَّبح، لم يُؤمَر بقتلِهِ.

стр. 5155

حكى هذه الجُملةَ عنه (١) المُزنيُّ والرَّبيعُ. وحكى الحسنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ عنهُ (٢)، قال: وما لا يُؤكَلُ لحمُهُ على وَجْهينِ، أحدُهُما: عدُوٌّ، فليقتُلْهُ المُحرِمُ وغيرُ المُحرِم، وهُو مأجُورٌ عليه إن شاءَ الله، وذلكَ مِثلُ الأسدِ، والنَّمِرِ، والحيَّةِ، والعَقْربِ، وكلِّ ما يَعْدُو على النّاسِ، وعلـ دوابِّهِم وطائرِهِم مُكابَرَةً، فيَقتُلُ ذلك المُحرِمُ وغيرُهُ، وإن لم يتَعرَّضْهُ، وهُو مأجُورٌ على قتلِهِ. ومنها: ما يضُرُّ من الطّائرِ، مِثلَ العُقابِ، والصَّقرِ، والبازي، فهُو يَعدُو على طائرِ النّاسِ فيضُرُّ، فلهُ أن يقتُلَهُ أيضًا، ولهُ أن يترُكَهُ، لأنَّ فيه مَنْفعةً، وقد يُؤَلَّفُ ويُتأنَّسُ فيصطادُ، ويَسَعُ المُحرِمَ وغيرَهُ تركُهُ، لأنَّهُ لا يُؤكَلُ، ولم يُرغَبْ في قتلِهِ لمنفَعتِهِ. ومنها: ما لا (٣) يُؤذي، ولا مَنْفعةَ فيه بأكلِ لحمِهِ، ولا غير ذلك، فيُقتلُ أيضًا، مِثل الزُّنبُورِ، وما أشبَهَهُ، ألا ترى أنَّهُ إذا قتلَ الفأرةَ، والغُرابَ، والحِدَأةَ، لمعنَى الضَّررِ، كان ما هُو أعظمُ ضررًا منها أولى أن يُقتَلَ؟ قال (٤): فإن قال قائل: فلِمَ تُفدَى القملةُ، وهي تُؤذي، وهي لا تُؤكلُ؟ قيل: ليس تُفدَى إلّا على ما يُفدَى الشَّعرُ والظُّفرُ، ولُبسُ ما ليس لهُ لُبسُهُ؛ لأنَّ في طرح القملةِ إماطَةَ أذًى عن نَفسِهِ، إذا كانت في رأسِهِ ولحِيتِهِ، وكأنَّهُ أماطَ بعضَ (٥) شعرِهِ، فأمّا إذا كانت ظاهِرةً فقُتِلت، فإنَّها لا تُودَى. وقال الرَّبيعُ عنهُ: لا شيءَ على المُحرِم في قَتلِهِ من الطَّيرِ كلَّ ما لايحِلُّ أكلُهُ. قال: ولهُ أن يَقتُلَ من دوابِّ الأرضِ وهوامِّها كلَّ ما لا يحِلُّ أكلُهُ. قال:

стр. 5156

والقَمْلةُ ليست صيدًا، ولا مأكُولةً، فلا تُفدَى بشيءٍ، إلّا أن يطرحَها المُحرِمُ عن نفسِهِ، فتكونَ كإماطَةِ الأذى من الشَّعرِ والظُّفرِ. وقولُ أبي ثورٍ في هذا البابِ كلِّهِ، مِثلُ قولِ الشّافِعيِّ سواءً. وقال عطاءٌ في الجُرذِ الوَحْشيِّ: ليسَ بصيدٍ فأقتُلَهُ (١). فهذه أقاويلُ أئمَّةِ الفتوَى في أمصارِ المُسلِمين. وقد جاءَ عن التّابِعينَ في هذا البابِ أقاويلُ شاذَّةٌ تُخالِفُها السُّنّة، أو يُخالِفُ بعضُها دليلًا أو نصًّا. فمن ذلك: أنَّ إبراهيمَ النَّخَعيَّ كرِهَ للمُحرِم قتلَ الفأرة (٢). وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَها، وعليه جماعةُ الفقهاء (٣). وقال الحَكَمُ بن عُتَيبةَ، وحمّادُ بن أبي سُليمانَ: لا يَقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ، ولا العقربَ. رواهُ شُعبةُ عنْهُما (٤). ومن حُجَّتِهِما: أنَّ هذينِ (٥) من هوامِّ الأرضِ، فمن قال: بقَتْلِهِما، لزِمهُ مِثلُ ذلك، في سائرِ هوامِّ الأرضِ. وهذا أيضًا لا وجهَ لهُ، ولا معنى؛ لأنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قد أباحَ للمُحرِم قتلَهما.

стр. 5157

حدَّثنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بن بَحْرٍ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عَجْلانَ، عن القَعْقاع بن حَكيم، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةَ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قال: "خمسٌ قَتْلُهُنَّ حلالٌ في الحَرَم: الحيّةُ، والعَقْربُ، والحِدَأةُ، والفأرةُ، والكلبُ العَقُورُ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الصَّمدِ بن عبدِ الوارثِ، قال: حدَّثنا حَفْصُ بن غِياثٍ، عن الأعْمشِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ الله بن مسعُودٍ: أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- قتَلَ حيَّةً بمِنًى (٢).

стр. 5158

ورَوَى مجُاهِدٌ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ الله بن مسعُودٍ، عن أبيهِ، نحوَهُ مرفُوعًا (١). وأخبرنا عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمر بن عليِّ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حربٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: سمِعتُ الزُّهريَّ يقولُ: حدَّثني سالمٌ، عن أبيهِ، أنَّ عُمرَ سُئلَ عن الحيَّةِ يَقْتُلُها المُحرِمُ، فقال: هي عَدُوّ فاقتُلُوها حَيْثُ وجَدْتُمُوها (٢). ورَوَى شُعبةُ، عن مُخارِقِ بن عبدِ الله، عن طارِقِ بن شِهابٍ، قال: اعتمرتُ فمَرَرتُ بالرِّمالِ، فرأيتُ حيّاتٍ، فجعلتُ أقتُلُهُنَّ، فسألتُ عُمرَ، فقال: هُنَّ عدُوٌّ، فاقتُلُوهُنَّ (٣). قال سُفيانُ: وقال لنا زيدُ بن أسلمَ: ويحَكَ، أيُّ كَلْبٍ أعْقَرُ من الحيَّة (٤)؟ وقال عبدُ الرَّحمن بن حَرْملةَ: رأيتُ سالمَ بن عبدِ الله وهُو مُحرِمٌ ضربَ حيَّةً بسوطِهِ حتّى قتَلَها (٥).

стр. 5159

وقال السَّريُّ بن يحيى: سألتُ الحسنَ: أيقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ؟ قال: نعم. وقالت طائفة: لا يُقتَلُ من الغِرْبانِ إلّا الغُرابُ الأبقعُ خاصَّةً. واحتجُّوا بما حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثنا قَتادةُ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عن عائشةَ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، قال: "خمسٌ يَقْتُلُهُنَّ المُحرِمُ: الحيَّةُ، والفأرَةُ، والحِدَأةُ، والغُرابُ الأبقَعُ، والكلبُ العَقُورُ". قال أبو عُمر: الأبْقَعُ من الغِرْبانِ: الذي في ظَهرِهِ وبطنِه بياضٌ، وكذلكَ الكَلْبُ الأبقعُ أيضًا، والغُرابُ الأدْرَعُ والدِّرعيُّ، هُو: الأسودُ، والغُرابُ الأعصمُ هُو: الأبيضُ الرِّجلينِ، وكذلكَ الوَعْلُ الأعصمُ، عُصمتُهُ بياض في رِجْليْهِ. وقال مُجاهِدٌ: تَرْمِي الغُرابَ، ولا تقتُلُهُ (٢). وقال به قومٌ، واحتجُّوا بما أخبَرناهُ: عبدُ الله بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل (٤). وأخبرنا أحمدُ بن محمدٍ،

стр. 5160

قال: حدثنا أحمدُ (١) بن الفَضْلِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جَريرٍ، قال: حدَّثني يَعقُوبُ بن إبراهيمَ. قالا جميعًا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرنا يزيدُ بن أبي زيادٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ، أنَّ رسُولَ الله -صلي الله عليه وسلم- سُئلَ عمّا يَقتُلُ المُحرِمُ؟ فقال: "الحيَّةُ، والعَقْربُ، والفُوَيسِقةُ، ويرمي الغُرابَ، ولا يَقتُلُهُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحِدَأةُ، والسَّبُعُ العادِيُّ". قال ابنُ جَريرٍ: وحدَّثنا محمدُ بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا هارونُ (٢) بن المُغير، عن عليِّ بن عبدِ الأعلى، عن أبيهِ، عن عامرِ بن هُنَيٍّ، عن محمدِ بن الحَنفيَّةِ، عن عليٍّ، أنَّهُ قال: يَقتُلُ المُحرِمُ الحيَّةَ والعَقْربَ والغُرابَ الأبْقَعَ، ويَرْمِي الغُرابَ تخويفًا، والفُوَيسِقةَ، والكلبَ العَقُورَ. قال أبو عُمر: قد ثَبَتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- من حَديثِ ابن عُمرَ وغير: أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَ الغُرابِ، ولم يخُصَّ أبقعَ من غيرِهِ، فلا وجهَ (٣) لِما خالَفهُ؛ لأنَّهُ لا يثبُتُ، وجُمهُورُ العُلماءِ على القولِ بحديثِ ابن عُمرَ وما كان مِثلَهُ في معناهُ، من حديثِ أبي هُريرةَ وغيره. وأمّا حديثُ عبدِ الرَّحمن بن أبي نُعْم، عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ، عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم-، أنَّهُ قال في الغُرابِ: "يَرْميهِ المُحرِمُ، ولا يقتُلُهُ"، فليسَ مِمّا يُحتجُّ به على مِثلِ حديثِ نافع عن ابن عُمرَ، وسالم عن ابن عُمرَ، والحديثُ عن عليٍّ فيه أيضًا ضَعْفٌ، ولا يثبُتُ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- من حديثِ أبي هُريرةَ (٤) وغيرِهِ: أنَّهُ أباحَ للمُحرِم قتلَ الحيَّةِ. وهُو قولُ عُمرَ، وعليٍّ، وجُمهُورِ العُلماءِ.

стр. 5161

وأمّا تَقْريدُ المُحرِم بَعِيرَهُ، فأكثرُ العُلماءِ على إجازَهِ ذلك، وتقريدُهُ: رميُ القُرادِ ونزعُهُ عنهُ، وقتلُهُ. روى مالكٌ (١) وغيرُهُ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن محمدِ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ، عن رَبِيعةَ بن عبدِ الله بن الهُدَيرِ: أنَّهُ رأى عُمرَ بن الخطّابِ يُقرِّدُ بَعِيرًا لهُ في الطِّين بالسُّقيا. يعني: أنَّهُ كان يُغرِّقُ القُرادَ في الطِّينِ، وينزِعُهُ عن بعيرِهِ. وكذلك رُوي عن ابن عبّاسٍ، وجابرِ بن زيدٍ، وعطاءٍ: لا بأسَ أن يُقرِّدَ المُحرِمُ بَعيرَهُ (٢). وهُو قولُ الشّافِعيِّ، وأبي حَنِيفةَ، وأصحابِهِما. وبه قال أبو ثَوْرٍ، وأحمدُ، وإسحاقُ وداودُ (٣). وكان عبدُ الله بن عُمرَ يَكْرهُ للمُحرِم أن بنزعَ القُرادَ عن بَعيرِه (٤). واتَّبعهُ على ذلك مالكٌ وأصحابُهُ. وقال الثَّوريُّ: إذا كثُر القَملُ على المُحرِم، فقتَلها: كفَّرَ. وقال أبو ثورٍ: لا شيءَ على المُحرِم في قَتلِ القَمْلِ، قلَّ أو كثُرَ. وكذلك قال داودُ، وهُو قولُ طاوُوسٍ، وسَعيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ، وجابرِ بن زيد (٥).

стр. 5162

ذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن أبي بِشرٍ، قال: سُئلَ جابرُ بن زيدٍ، عن المُحرِم تَسْقُطُ القملةُ على وجهِهِ، فقال: انْبِذها عنكَ، أو عن وجهِكَ، ما حقُّها في وجهِكَ، قلت (١): إذن تمُوتَ، قال: موتُها وحياتُها بيَدِ الله. وقد رُوي عن عطاءٍ: أنَّ في القَمْلةِ حَفنةً من طَعام (٢). كقولِ مالكٍ سَواءً، وهُو قولُ قَتادةَ (٣). وذكر عبدُ الرَّزّاق (٤)، قال: أخبرنا مَعْمرٌ، عن جَعفرِ بن بُرْقانَ، عن ميمُونِ بن مِهْرانَ، قال: كُنتُ عندَ ابن عبّاسٍ، فسألَهُ رجُل، قال: وجَدتُ قَمْلةً وأنا مُحرِمٌ فطرحتُها، ثُمَّ ابْتَغيتُها (٥)، فلم أجِدها، فقال: تلكَ الضّالَّةُ لا تُبتغى. ورَوَى الثَّوريُّ، عن جابرٍ، عن عَطاءٍ، عن عائشةَ، قالت: المُحرِمُ يَقتُلُ الهوامَّ كلَّها غيرَ القملةِ، فإنَّها منهُ (٦). قال أبو عُمر: احتجَّ من كرِهَ أكلَ الغُرابِ، وغير من الطَّيرِ التي تأكُلُ الجِيَفَ، ومن كرِهَ أكلَ هوامِّ الأرضِ أيضًا، بحديثِ النَّبيِّ -صلي الله عليه وسلم- هذا (٧)، أنَّهُ أمرَ بقتلِ الغُرابِ، والحِدَأةِ، والعقرَبِ، والحيَّةِ، والفأرةِ. قال: وكلُّ ما أمرَ رسُولُ الله -صلي الله عليه وسلم- بقَتلِهِ، فلا يجُوزُ أكلُهُ. هذا قولُ الشّافِعيِّ (٨)، وأبي ثورٍ، وداود.
следующие страницы →