← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5928–5967 · переход к 5933.

стр. 5928

وقد رَوَى هذا الحديثَ محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ صفيّةَ حاضَتْ. . . الحديثَ (١). والصَّوابُ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ في هذا الإسْنادِ، قولُ الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ. وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ فيما تقدَّمَ، في بابِ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه، وبه التَّوفيقُ.

стр. 5929

حديثٌ ثامِنَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ، أنَّها أخبَرتهُ هذه الأحاديثَ الثَّلاثةَ، قالت زَيْنبُ: دَخلتُ على أمِّ حَبِيبةَ زَوْج النَّبيِّ ﷺ ، حينَ تُوُفِّي أبوها، أبو سُفيانَ بن حربٍ، فدَعَتْ أُمُّ حبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفرةٌ خلُوقٌ، أو غيرُهُ، فدهَنَتْ به جاريةً، ثُمَّ مَسَحَتْ بعارِضَيْها، ثُمَّ قالت: واللَّه ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غيَر أنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقوُل: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثِ ليالٍ، إلّا على زَوْج، أربَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا". قالت زينبُ: ثُمَّ دَخَلتُ على زَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ زَوْج النَّبيِّ ﷺ ، حينَ تُوُفِّي أخُوها، فدعَتْ بطيبٍ، فمسَّت منهُ، ثُمَّ قالت: واللَّه ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غير أنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقوُل: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه، واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاث إلّا زَوْج، أربَعةَ أشهُرٍ وعشرًا". قالت زينبُ: وسَمِعتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمةَ، زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ تقوُل: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ ابْنَتي تُوُفِّي عنها زَوْجُها، وقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنيها، أفتُكحِّلُهُما؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا" مرَّتينِ، أو ثلًاثا، كلُّ ذلك يقولُ: "لا". ثُمَّ قال: "إنَّما هي أربَعةُ أشْهُرٍ وعشرًا، وقَدْ كانت إحْداكُنَّ في الجاهِليّةِ تَرْمِي بالبَعْرةِ على رأسِ الحَوْلِ". قال حُميدُ بن نافع: فقلتُ لزَيْنب: وما تَرْمي بالبَعْرةِ على رأسِ الحولِ؟ فقالت زينبُ: كانتِ المرأةُ إذا تُوُفِّي عنها زَوْجُها، دَخلَتْ حِفشًا (٢)، ولَبِسَتْ شرَّ ثيابِها، ولم تَمسَّ طيبًا، ولا شيئًا، حتّى تمُرَّ بها سَنةٌ، ثُمَّ تُؤتى بدابّةٍ: حِمارٍ، أو شاةٍ، أو

стр. 5930

طائرٍ، فتَفتضُّ به، فقلَّما تَفتضُّ بشيءٍ، إلّا مات، ثُمَّ تخرُجُ، فتُعطَى بَعْرةً، فتَرْمِي بها، ثُمَّ تُراجِعُ بَعدُ ما شاءَت من طِيبٍ، أو غيرِهِ. قال مالكٌ: الحِفْشُ: البيتُ الرَّديءُ. وتَفْتضُّ: تَمْسحُ به جِلْدَها، كالنُّشرةِ (١). قال أبو عُمر: حُميدُ (٢) بن نافع هذا، هُو أبو أفْلَحَ بن حُميدٍ، وهُو مولى صَفْوان بن خالدٍ، ويُقالُ: مولى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، يُقالُ إنَّه: حُميدٌ صُفَيْرا (٣). رَوَى عن أبي أيُّوبَ، وحجَّ معهُ، ورَوَى عنِ ابنِ عُمرَ، وعن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ. وهُو ثِقةٌ مأمُونٌ. وهذه الجُملةُ من خَبرِهِ، عن أحمد بن حَنْبل، ومُصعبٍ الزُّبيريِّ، ولم يَسْمع مالكٌ منهُ شيئًا، ولا الثَّوريُّ، وهُما يرويانِ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عنهُ، وقد سمِعَ منهُ شُعبةُ هذا الحديثَ، وغيرهُ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ عُبيد اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ حدَّثهُم ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (٤): حدَّثنا إبراهيمُ بن هانئ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، قال: قال شُعبةُ: سألتُ عاصِمًا عنِ المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حَفْصةُ بنتُ سيرين: كتَبَ حُميدُ بن نافع إلى حُميدٍ الحِمْيريِّ، فذكرَ حديث زَيْنب بنتِ أبي سلمةَ. قال شُعبةُ: فقلتُ لعاصِم: أنا قد سَمِعتُهُ من حُميدِ بن نافع، قال: أنت؟ قلتُ: نعم، وهُو ذاك حيٌّ. قال شُعبةُ: وكان عاصِمٌ يرى أنَّهُ قد مات مُنذُ مئةِ سَنةٍ.

стр. 5931

أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، قال: قال شُعبةُ: سألتُ عاصِمًا الأحْوَل، عنِ المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حَفْصةُ بنتُ سِيرينَ: كتَبَ حُميدُ بن نافع إلى حُميدٍ الحِميَريِّ، فذكَرَ حديثَ زَيْنبَ بنتِ أُمِّ (٢) سَلَمةَ. قال شُعبةُ: قلتُ لعاصِم: قد سَمِعتُهُ أنا من حُميدِ بن نافع. قال: أنتَ؟ قلتُ: نعم، وهُو ذاكَ حيٌّ. قال شُعبةُ: وكان عاصِمٌ يَرى أنَّهُ قد ماتَ مُنذُ مئةِ سَنةٍ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٣): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن حُميدِ بن نافع، قال: سمِعتُ زَيْنبَ بنتَ أبي سَلَمةَ، تُحدِّثُ عن أُمِّها: أنَّ امرأةً تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فرمِدَتْ عينُها، فأتَوُا النَّبيَّ ﷺ فاستأذنُوهُ في الكُحلِ، فقال: "لا". وقال: "أربَعةَ أشهُرٍ وعشرًا". قال البَغَويُّ (٤): روى هذا الحديثَ عن شُعبةَ: النَّضرُ بن شُمَيلٍ، ويحيى بن أبي بُكيرٍ، وأبو النَّضرِ، فزادُوا فيه كلامًا ليسَ في حديثِ عليِّ بن الجعدِ. حدَّثناهُ جدِّي، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ. وحدَّثنا خلّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضرُ بن شُمَيلٍ. وحدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ. وهذا لفظُ حديثِ يَعقُوب، قال: أخبَرنا شُعبةُ، قال: حُميدُ بن نافع أخبَرني، قال: سمِعتُ زينبَ بنتَ أُمِّ سلمةَ

стр. 5932

تُحدِّثُ، عن أُمِّها: أنَّ امْرأةً تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فاشْتَكَتْ عينَها، وخَشُوا على عَينِها، فسُئلَ عن ذلك النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "قد كانت إحداكُنَّ تمَكُثُ في شرِّ أحْلاسِها في بَيْتِها إلى الحَوْلِ، فإذا كان الحَوْلُ، فمرَّ كَلْبٌ، رَمَتهُ ببعرةٍ، ثُمَّ خرجَتْ، فلا، أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا". قال البَغَويُّ (١): ورَواهُ يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن حُميدِ بن نافع. وزادَ فيه: أُمَّ حبيبةَ. حدَّثناهُ جدِّي ويعقُوبُ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ. وحدَّثنا أبو خَيْثمةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ. جميعًا عن يحيى بن سعيدٍ، عن حُميدِ بن نافع، أنَّهُ سمِعَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ تُحدِّثُ، عن أُمِّ سَلَمةَ وأُمِّ حبيبةَ، تذكُرانِ: أنَّ امرأةً أتَتِ رسُولَ اللَّه ﷺ فذكرَتْ: أنَّ ابْنةً لها تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فاشْتَكَتْ عينها. وذكرَ الحديثَ. قال (٢): وحدَّثني جَدِّي، قال: حدَّثنا أبو قَطَنٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ حَبِيبةَ: أنَّ نَسِيبًا لها، أو حميمًا تُوُفِّي، وأنَّها دعَتْ بصُفرةٍ، فمَسحَتْ يَدَيها وقالت: إنَّما أصْنَعُ هذا لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلّا على زوج". قال (٣): وحدَّثنيهُ يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ (٤)، قال: حدَّثنا شُعبةُ بإسنادِهِ مِثلهُ. وزادَ فيه: "أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا". قال البَغويُّ (٥): وأخبَرنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن حُمَيدِ بن نافع، فذكَرَ الأحاديثَ الثَّلاثةَ، عن زَيْنب، عن أُمِّ حَبِيبةَ، وزَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ، وأُمِّ سَلَمةَ سَواءً.

стр. 5933

قال أبو عُمر: أمّا صُفْرةُ الخَلُوقِ، فمعرُوفةٌ. وأمّا الإحْدادُ: فتركُ المرأةِ للزِّينةِ كلِّها، عندَ موتِ زَوْجِها، ما دامَتْ في عِدَّتِها، يُقالُ لها حينئذٍ: امرأةٌ حادٌّ، ومُحِدٌّ؛ لأنَّهُ يُقالُ: أحدَّتِ المرأةُ تُحِدُّ، وحدَّتْ تَحِدُّ، فهي محُدٌّ وحادٌّ. إذا تَركَتِ الزِّينةَ لموتِ زَوْجِها. هذا كلُّهُ قولُ الخَليلِ (١)، وغيرِهِ. وأمّا الإحْدادُ عندَ العُلماءِ: فالامتِناعُ من الطِّيبِ والزِّينةِ بالثِّيابِ والحُليِّ وما كان من الزِّينةِ كلِّها، الدّاعيةِ إلى الأزْواج. وجُملةُ مَذهبِ مالكٍ في ذلك: أنَّ المرأةَ المُحِدَّ، لا تلبسُ ثوبًا مَصبُوغًا، إلّا أن يُصبغَ بسَوادٍ، وتلبسُ البياضَ كلَّهُ، رَقِيقَهُ وغليظَهُ، ولا تلبسُ رقيقَ ثِيابِ اليَمنِ، وتلبسُ غَلِيظَها إن شاءَت، وتلبسُ الكتّانَ كلَّهُ، رَقِيقَهُ وغليظَهُ، ما لم يَكُن مصبُوغًا، وكذلك القُطنُ، ولا تَلْبسُ خَزًّا، ولا حَرِيرًا، ولا تَلْبسُ خاتمًا من ذَهَبٍ، ولا من فِضّةٍ، ولا من حَديدٍ أيضًا، ولا حُليًّا، ولا قُرطًا، ولا خَلْخالًا، ولا سِوارًا، ولا تمسُّ طيبًا بوَجهٍ من الوُجُوهِ، ولا تُحنِّطُ ميِّتًا، ولا تَدَّهِنُ بزَنبقٍ (٢)، ولا خيريٍّ (٣)، ولا بَنَفسج، ولا بأسَ أن تدهُن بالشَّيرقِ (٤)، والزَّيتِ، ولا تَختضِبُ بحِنّاءٍ، ولا كَتَم (٥)، ولا بأسَ أن تَمْتشِطَ بالسِّدرِ، وما لا يَخْتمِرُ في رأسِها، ولا تكتحِلُ إلّا من ضرُورةٍ (٦).

стр. 5934

فإن كانت ضرُورةٌ، فقد أرخَصَ لها مالكٌ وأصحابُهُ في الكُحلِ، تجعلُهُ باللَّيلِ، وتمسحُهُ بالنَّهارِ. ومِن قولِ مالكٍ والشّافِعيِّ (١): أنَّ الإحدادَ على كلِّ زَوْجةٍ، صَغيرةً كانت أو كبيرةً، أمةً كانت أو حُرّةً، مُسلِمةً كانت أو ذِمِّيّةً. وكذلك المُكاتَبةُ، والمُدبَّرةُ، إذا كانت زَوْجةً. وكذلك امرأةُ المفقُودِ، الإحدادُ عليها عندَهُ. وقال ابنُ الماجِشُونِ: لا إحدادَ عليها. وذكرَ ابنُ عبدِ الحكم، عن مالكٍ، قال: الإحدادُ على الكِتابيّةِ في زَوْجِها المُسلِم (٢). وقال أشهبُ: لا إحداد عليها. ورواهُ عن مالكٍ أيضًا. وقال ابنُ نافع: لا إحدادَ على الذِّمِّيّةِ (٣). وهُو قولُ أبي حنيفةَ (٤)، لقولِهِ ﷺ : "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ". قال أبو عُمر: هذا لا حُجّةَ فيه؛ لأنَّ العِلّةَ حُرْمةُ المُسلِم الذي تَعتدُّ من مائهِ، وجاءَ الحديثُ بذِكْرِ من يُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ؛ لأنَّ الخِطابَ إلى من هذه حالُهُ كان يَتَوجَّهُ، فدخَلَ المُؤمِناتُ في ذلك بالذِّكرِ، ودخلَ غيرُ المُؤمِناتِ بالمعنَى الذي ذكَرْنا، كما يُقالُ: هذا طريقُ المُسلِمين.

стр. 5935

ويدخُلُ في مَعناهُ أهلُ الذِّمّةِ، وقال ﷺ : "لا يَبِعْ أحدُكُم على بَيعْ أخِيهِ" (١). يعني المُسلِم، فدخلَ في ذلك الذِّمِّيُّ بالمعنَى، وقد أوجبَ رسُولُ اللَّه ﷺ الشُّفعةَ للمُسلِم، وهي واجِبةٌ لأهلِ الذِّمّةِ، كما تجِبُ للمُسلِم، إلى أشياءَ يَطُولُ ذكرُها من هذا البابِ. ولا خِلافَ أنَّ الزَّوجةَ الذِّمِّيّةَ في النَّفقةِ والعِدّةِ، وجَميع أحكام الزَّوجاتِ، كالمُسلِمةِ، وكذلك الإحدادُ. ألا تَرى أنَّهُ حقٌّ للزَّوج الميِّتِ، من أجلِ ما يَلْحقُهُ من النَّسبِ، فأشْبَهَ الحُكمَ بينَ المُسلِم والذِّمِّيِّ، بحُكم الإسلام. ولا خِلافَ عن مالكٍ، وأصحابِهِ: أنَّ المُطلَّقةَ المبتُوتةَ، وغيرها، لا إحدادَ عليها، وكذلك أُمُّ الوَلدِ، لا إحدادَ عليها عندَ وَفاةِ سيِّدِها، وإنَّما الإحْدادُ عندَهُم على المُتوفَّى عنها زَوْجُها، على حَسَبِ ما ذكَرْنا. وقال الشّافِعيُّ (٢): الإحدادُ في البَدنِ، وهُو تركُ زينةِ البَدَنِ، وذلك أن يدخُل على البَدَنِ شيءٌ من غيرِهِ بزينةٍ، من ثيابٍ يُتزيَّنُ بها، وطيبٍ يَظْهرُ على المرأةِ فيدعُوها (٣) إلى شَهْوتِها، فمِن ذلك الدُّهنُ كلُّهُ في الرَّأسِ، وذلك لأنَّ الأدهانَ كلَّها سَواءٌ في تَرجيلِ الشَّعرِ، وإذهابِ الشَّعثِ. ألا تَرى أنَّ المُحرِمَ يَفْتدي إن دهنَ رأسهُ ولِحيتهُ بزَيتٍ، لما وصفتُ. قال: وكلُّ كُحلٍ كان زينةً، فلا خيرَ فيه، فأمّا الفارِسيُّ، وما أشبههُ، إذا احتاجَتْ إليه، فلا بأسَ. لأنَّهُ ليسَ بزينةٍ، بل يَزِيدُ العين مَرَهًا (٤) وقُبحًا، وما اضطُرَّت إليه مِمّا فيه زينةٌ من الكُحلِ،

стр. 5936

اكْتَحلَتْ به ليلًا، وتَمسحُهُ نهارًا. دخلَ رسُولُ اللَّه ﷺ على أُمِّ سَلَمةَ وهي حادٌّ على أبي سَلَمةَ، فقال: "ما هذا يا أُمَّ سَلَمة (١)؟ ". فقالت: إنَّما هُو صَبْرٌ. فقال ﷺ : "اجْعليه باللَّيلِ، وامْسَحيهِ بالنَّهارِ" (٢). قال أبو عُمر: حديثُ أُمِّ سَلَمةَ هذا في "المُوطَّأ" من بَلاغاتِ مالكٍ، وسَنذكُرُ ذلك في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا، إن شاءَ اللَّه. ونَذكُرُ من طُرُقِهِ ما يَصِحُّ عندَنا مُتَّصِلًا مُسندًا بعونِ اللَّه. وحديثُ أُمِّ سلمةَ هذا المُرسلُ، ظاهِرُهُ مُخالِفٌ لحديثِ أُمِّ سلمةَ المُسنَدِ المذكُورِ في هذا البابِ؛ لأنَّ حديث أُمِّ سلَمةَ في هذا البابِ، على ما رواهُ مالكٌ وغيرُهُ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن حُميدِ بن نافع، عن زينبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سلمةَ، يدُلُّ على أنَّ المُتوفَّى عنها زَوْجُها لا تكتحِلُ أصلًا؛ لأنَّهُ اشْتَكَتْ إليه امرأةٌ عَيْنها، فلم يأذَنْ لها في (٣) الكُحلِ، لا ليلًا ولا نَهارًا، لا من ضَرُورةٍ ولا من غيرِها، وقال: "لا" مرَّتينِ أو ثلاثًا، ولم يَقُل: إلّا أن تُضطرَّ. وأصلُ المسألةِ كانَ على أنَّها اشْتَكت عينَيها، وهذه ضَرُورةٌ. وقد حكى مالكٌ (٤)، عن نافع، عن صفيّةَ ابْنةِ أبي عُبيدٍ: أنَّها اشْتَكت عينَها وهي حادٌّ على زوجِها عبدِ اللَّه بن عُمرَ، فلم تكتحِل، حتّى كادَتْ عَيناها تَرْمصانِ. وقد قال بهذا طائفةٌ من أهلِ العِلم: أنَّ المرأةَ الحادَّ لا تكتحِلُ بحالٍ من الأحوالِ، على هذا الحديثِ، كما صَنَعت صَفيّةُ. وأمّا حديثُ أُمِّ سلمةَ المُرسلُ، فإنَّ فيه: أنَّ امرأةً سَألَتها، وهي حادٌّ،

стр. 5937

عنِ الكُحْلِ، وقدِ اشْتكَتْ عينَها، فبلغَ ذلك منها، فقالت لها أُمُّ سلمةَ: اكْتَحِلي بكُحلِ الجَلاءِ باللَّيلِ، وامْسَحيهِ بالنَّهارِ (١). وهذا عِندي، وإن كان ظاهِرُهُ مُخالِفًا لحديثِ هذا البابِ، لما فيه من إباحَتِهِ باللَّيلِ، وقولُهُ في هذا الحديثِ: "لا" مرَّتينِ، أو ثلاثًا، على الإطلاقِ، فإنَّ ترتيب الحديثِ، واللَّهُ أعلمُ، على أنَّ الشَّكاةَ التي قال فيها رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا" لم تبلُغ، واللَّهُ أعلمُ، منها مبلغًا، لا بُدَّ لها فيه من الكُحلِ، بقولِهِ هاهُنا: ولو كانت مُحتاجةً إلى ذلك مُضطرّةً، تخافُ ذهابَ بصرِها، لأباحَ لها ذلك، واللَّهُ أعلمُ، كما صنَعَ بالتي قال لها: "اجعلَيهِ باللَّيلِ، وامسحيهِ بالنَّهارِ". والنَّظرُ يشهدُ لهذا التَّأويلِ؛ لأنَّ الضَّرُوراتِ تنقُلُ المَحظُور إلى حالِ المُباح، في الأُصُولِ. وكذلك جَعلَ مالكٌ فتَوَى أُمِّ سَلَمةَ هذه، تفسيرًا للحَديثِ المُسندِ في الكُحلِ؛ لأنَّ أُمَّ سلمةَ روَتْهُ، وما كانت لتُخالِفَهُ إذا صحَّ عِندها، وهي أعلمُ بتأويلِهِ ومخرجِهِ، والنَّظرُ يشهدُ لذلك؛ لأنَّ المُضطرَّ إلى شيءٍ، لا يُحكمُ لهُ بحُكم المُترَفِّهِ المُتزيِّنِ، وليسَ الدَّواءُ (٢) والتَّداوي من الزِّينةِ في شيءٍ، وإنَّما نُهيتِ الحادُّ عنِ الزِّينةِ، لا عنِ التَّداوي، وأُمُّ سَلَمةَ أعلمُ بما روَتْ، مع صِحَّتِهِ في النَّظرِ، وعليه أهلُ الفِقهِ، وبه قال مالكٌ والشّافِعيُّ وأكثرُ الفُقهاءِ. وقد ذكر مالكٌ في "مُوطَّئهِ" (٣) أنَّهُ بَلَغهُ عن سالم بن عبدِ اللَّه وسُليمان بن يَسارٍ، أنَّهُما كانا يقولانِ، في المرأةِ -يُتوفَّى عنها زوجُها، أنَّها إذا خَشِيَتْ على بَصرِها من رَمدٍ بعَينِها، أو شَكْوَى أصابَتها: إنَّها تكتحِلُ وتَتَداوى بالكُحلِ، وإن كان فيه طِيبٌ.

стр. 5938

قال أبو عُمر: لأنَّ المَقصِدَ إلى التَّداوي، لا إلى التَّطيُّبِ (١)، والأعمالُ بالنِّيّاتِ. وقال الشّافِعيُّ (٢): الصَّبِرُ يُصفِّرُ، فيكونُ زينةً، وليسَ بطيبٍ، وهُو كُحلُ الجَلاءِ، فأذِنت فيه أُمُّ سلمةَ للمَرأةِ باللَّيلِ، حيثُ لا يُرَى، وتمسحُهُ بالنَّهارِ، حيثُ يُرى، فكذلك ما أشبههُ. وقال (٣): في الثِّيابِ زينتانِ، إحداهُما جمالُ الثِّيابِ على اللّابِسينَ، والسَّترُ للعَورةِ، فالثِّيابُ زينةٌ لمن لبِسَها، وإنَّما نُهيتِ الحادُّ عن زينةِ بَدَنِها، ولم تُنه عن سَترِ عَوْرِتِها، فلا بأسَ أن تلبسَ الحادُّ كلَّ ثَوْبٍ من البَياضِ؛ لأنَّ البياضَ ليسَ بمُزيِّنٍ، وكذلك الصُّوفُ، والوَبرُ، وكلُّ ما نُسِج على وَجهِهِ، ولم يدخُل عليه صِبْغٌ (٤) من خَزٍّ أو غيرِهِ، وكذلك كلُّ صِبْغٍ لم يُرَدْ به التَّزيُّنُ مثل السَّوَاد، وما صُبغَ ليَفْتُحَ، أو لنَفْيِ الوَسَخ عنهُ، فأمّا ما كان من زينةٍ، أو وَشْي في ثَوْبٍ، أو غيرِهِ، فلا تَلْبسُهُ الحادُّ، وذلك لكلِّ حُرّةٍ وأمةٍ، وكبيرةٍ وصغيرةٍ، مُسلِمةٍ أو ذِمِّيّةٍ. وقال أبو حنيفةَ: لا تلبسُ ثوبَ عَصْبٍ (٥)، ولا خزٍّ، وإن لم يكُن مصبُوغًا، إذا أرادَتْ به الزِّينةَ، وإن لم تُرِدَ، فليس الثَّوبُ المصبُوغُ من الزِّينةِ، فلا بأسَ أن تلبسهُ، وإذا اشْتكت عينها، اكتحلَتْ بالأسودِ وغيرِهِ، وإن لم تَشْتكِ عينها لم تكتحِل. وقال أحمدُ وإسحاقُ: المُتوفَّى عنها لا تختضِبُ، ولا تكتحِلُ، ولا تبيتُ عن بيتِها، ولا تلبسُ ثوبًا مصبُوغًا. قالا: والمُتوفَّى عنها، والمُطلَّقةُ في الزِّينةِ سواءٌ، للاحتياطِ (٦).

стр. 5939

قال أبو عُمر: قولُ الشّافِعيِّ في هذا البابِ نحوُ قولِ مالكٍ، إلّا أنَّهُ اختلَفَ قولُهُ في وُجُوبِ الإحْدادِ على المُطلَّقةِ التي لا تملكُ رَجْعتها، فمرّةً قال: عليها الإحدادُ، وهُو قولُ الكُوفيِّين؛ لأنَّها كالمُتوفَّى عنها، في أنَّهُما غيرُ ذواتَي زوج، وليسَتْ مِمَّن تملكُ رَجْعَتها. ومرّةً قال: لا يبينُ عِندِي أن أُوجِبَ عليها الإحدادَ؛ لأنَّهُما قد تختلِفانِ في حالٍ، وإنِ اجتمعتا في غيرِهِ (١). قال أبو عُمر: في قولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "لا يحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على ميِّتٍ، إلّا على زوج" دليلٌ على أنَّ الإحدادَ إنَّما يجِبُ على المَوْتَى، ومن أجْلِهِم، لا على المُطلَّقاتِ، واللَّه أعلمُ. وأجمعُوا أن لا إحدادَ على المُطلَّقةِ الرَّجعيَّةِ، والمبتُوتةُ أشْبَهُ بها منها بالمُتوفَّى عنها، واللَّه أعلمُ. وأجمعُوا أنَّ الإحدادَ واجِبٌ على ما ذكَرْنا، إلّا الحسَنَ البصريَّ، فإنَّهُ قال: ليسَ الإحدادُ بواجِبٍ (٢). قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "دَخلَتْ حِفشًا، ولبِسَتْ شرَّ ثيابِها". فالحِفشُ: البيتُ الصَّغيرُ. ذكرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ. وكذلك قال الخليلُ (٣)، قال: الحِفْشُ: البيتُ الصَّغيرُ. قال: والحِفْشُ أيضًا: الشَّيءُ البالي الخلقُ. والحِفشُ أيضًا: الفَرْجُ. والحِفشُ: الدُّرجُ الذي يكونُ فيه البخُورُ، كالقارُورةِ للطِّيبِ. وقال ابنُ وَهْبٍ: قولُهُ: "تَفْتضُّ به". قال: تُؤتَى بدابّةٍ، فتمسحُ على ظَهْرِها

стр. 5940

بيَدِها، وتُؤتَى ببَعْرةٍ من بَعرِ الغَنَم، فتَرْمي بها من وَراءِ ظهرِها، ثُمَّ يكونُ إحلالًا لها بعدَ السَّنةِ. وقال ابنُ بُكيرٍ: "تَفْتضُّ به": تتمسَّحُ به. وقد قيل في معنى تمسحُ به: تمُرُّ به. وقال الأخفشُ: أصلُ الافتِضاضِ، التَّفرُّقُ، يُقالُ: قَدِ افتضَّ القومُ عن فُلانٍ، إذا تَفرَّقُوا عنهُ، وانْفَضُّوا عنهُ أيضًا، وكذلك انفضَّ السَّيلُ عنِ الجَبلِ، وافتضَّ، إذا انصدَعَ فصارَ فِرْقتينِ. ويُقالُ: افْتَضَّ الجاريةَ، واقتضَّها، بالفاءِ وبالقافِ أيضًا. ومنهُ: فضَضتُ الخاتمَ، إذا كَسَرتَهُ. قال: فلَعلَّ قولَهُ: "تفتضُّ بالدّابّةِ"، أي: تنفرِجُ بها من الغَمِّ الذي كانت فيه، إذا تمسَّحت بها. قال: وأجودُ من ذلك عِندي، أنَّ "تَفتضّ": ترجِعُ إلى الفِضّةِ، فكأنَّهُ يُريدُ تَتمسَّحُ بتلك الدّابّةِ، حتّى تَنْتقي من دَرَنِها ذلك، فتصيرُ كأنَّها فِضّةٌ، ليسَ أنَّ تلك الدّابّةَ تَغسِلُها، ولكِنَّها إذا تمسَّحَتْ بذلك الطّائرِ، أوِ الدّابّةِ، خرجَتْ فاغْتَسلَتْ وتَنَظَّفت وتَطيَّبت، ولبِسَتْ ثيابها النَّظيفةَ، وتَعرَّضَتْ للأزواج، فتَصِيرُ نقيّةً، كأنَّها الفِضّةُ. قال: هذا عندَنا حتّى يأتيَكَ غيرُهُ. قال أبو عُمر: أمّا الخليلُ، فذكرَ في الافتِضاضِ ما ذكرَ الأخفشُ، وغيرُهُ. قال (١): والفَضَضُ ماءٌ عَذَبٌ تَفْتضُّهُ، والفُضاضُ ما كُسِرَ من عَظْم، ودِرعٌ فضْفاضةٌ، والفَضضُ والفَضِيضُ: المُتفرِّقُ. وقال أبو عُبيدٍ (٢): الحِفْشُ: الدُّرجُ، وجمعُهُ أحْفاشٌ، يُشبَّهُ به البيتُ الصَّغيرُ. قال أبو عُمر: وأمّا قولُهُ ﷺ في حَدِيثِ شُعبةَ ويحيى بن سَعيدٍ المذكُورِ في هذا البابِ: عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ سَلَمةَ: "قد كانت

стр. 5941

إحداكُنَّ تمكُثُ في شرِّ أحلاسِها في بَيْتِها إلى الحولِ، فإذا كان الحولُ، فمرَّ كلبٌ، رَمَتهُ ببَعرةٍ، ثُمَّ خرجَتْ، فلا، أربَعةَ أشْهُرٍ وعشرًا". فإنَّ الخليلَ ﵀، قال (١): الحِلْسُ، واحِدُ أحْلاسِ البيتِ، وهُو كالمِسح، وحَلَستُ البعير (٢)، أحلِسُهُ حِلسًا: إذا غشَّيتَهُ بحِلْسٍ، وهُو ما ولي ظهَرَ البَعيرِ، ورجُلٌ مُتَحلِّسٌ، إذا لزِم المكان، ومحُلِسٌ أيضًا، وأرضٌ محُلِسةٌ، إذا صارَ النَّباتُ على الأرْضِ كالحِلْسِ لها. وذكرَ في الاسْتِحلاسِ، والإحْلاسِ وُجُوهًا كثيرةً. وقال أبو عُبيدٍ (٣): قولُهُ: "فمرَّ كلبٌ، رَمتهُ ببعرةٍ". بمَعنى أنَّها كانت في الجاهِليّةِ تَعْتدُّ على زوجِها إذا ماتَ عنها عامًا، لا تخرُجُ من بيتِها، ثُمَّ تَفعلُ ذلك في رَأسِ الحَولِ، لتُري النّاس أنَّ إقامَتها حَوْلًا بعدَ زوجِها، أهْوَنُ عليها من بَعْرةٍ يُرمَى بها كلبٌ. قال: وقد ذَكرُوا هذه الإقامةَ عامًا في أشعارِهِم، قال لبيدٌ يمدحُ قَومهُ (٤): وهُمُ ربيعٌ للمُجاوِرِ فيهمُ ... والمُرملاتُ إذا تَطاولَ عامُها ونزلَ بذلك القُرآنُ، قولُهُ : ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] ثُمَّ نُسِخ ذلك بقولِهِ: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] فقال النَّبيُّ ﷺ : كيفَ لا تصبِرُ إحداكُنَّ هذا القدرَ، وقد كانت تصبِرُ حَوْلًا؟ وباللَّه التَّوفيقُ (٥).

стр. 5942

حديثٌ تاسع عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، مُرسلٌ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيه، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إن عطَسَ فشمِّتهُ، ثُمَّ إن عطَسَ فشمِّتهُ، ثُمَّ إن عَطَس فشمِّتهُ، ثُمَّ إن عَطَسَ فقُل: إنَّك مَضْنُوكٌ". قال عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ: لا أدري أبعدَ الثَّلاثةِ، أوِ الأربَعةِ. قال أبو عُمر: لا خِلافَ عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ، وهُو حديثٌ يتَّصِلُ عنِ النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ. منها: حديثُ سَلَمةَ بن الأكوع، وحديثُ أبي هريرةَ. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (٢): حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ، قال: أخبَرنا إياسُ بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه: أنَّ رجُلًا عطَسَ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "رحِمكَ اللَّه"، ثُمَّ عطسَ الثّانيةَ، فقال: "هُو مزكُومٌ". هكذا قال زيدُ بن الحُبابِ، عن عِكْرِمةَ بن عمّارٍ، أنَّ الثّانيةَ قال لهُ فيها: "هُو مزكُومٌ". وتابَعهُ على هذا المعنى: ابنُ أبي زائدةَ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ. وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣):

стр. 5943

حدَّثنا إبراهيمُ بن موسى، قال: حدَّثنا ابنُ أبي زائدةَ، عن عِكْرِمةَ بن عمّارٍ، عن إياسِ بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه: أنَّ رجُلًا عطَسَ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فقال لهُ: "يَرْحمُكَ اللَّه". ثُمَّ عطسَ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ". ورواهُ القَطّانُ، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ، فذكَرَ أنَّ ذلك إنَّما قالهُ في الثالثةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ، عن عِكْرِمةَ بن عمّارٍ، قال: حدَّثنا إياسُ بن سَلَمةَ بن الأكوع، عن أبيه، قال: عَطَسَ رجُلٌ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فشَمَّتهُ، ثُمَّ عَطَسَ فشمَّتهُ، ثُمَّ عَطَسَ، فقال لهُ في الثالثةِ: "إنَّكَ مَزْكُومٌ" (١). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ عَجْلانَ، قال: حدَّثني سعيدُ بن أبي سعيدٍ، عن أبي هريرةَ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا حمّادُ (٣) بن مَسْعَدةَ، قال: أخبَرنا ابنُ عَجْلانَ، عن سَعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ، قال: شمِّتْ أخاكَ ثلاثًا، فما زادَ فهُو زُكامٌ (٤).

стр. 5944

هكذا أوقَفهُ يحيى القطّانُ وحمّادُ بن مسعدةَ، على أبي هريرةَ. ورفعهُ اللَّيثُ بن سعدٍ على الشَّكِّ. حدَّثناهُ أحمدُ بن محمدٍ ومحمدُ بن حَكَم ومحمدُ بن محمدِ بن مُوسى بن نُصيرٍ وخلفُ بن أحمدَ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن يحيى، قال: حدَّثني أبي يحيى بن يحيى، عنِ اللَّيثِ بن سَعْدٍ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عيسى بن حمّادٍ المِصريُّ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن سَعيدِ بن أبي سَعيدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: لا أعلمُ إلّا أنَّهُ رفَعَ الحديثَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "يُشمَّتُ المُسلِمُ إذا عَطَسَ ثلاثَ مرّاتٍ، فإذا زادَ، فهُو زُكامٌ". وقد رُوِيَ حديثُ ابنِ عجلانَ هذا، عنِ ابنِ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا هارُونُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا مالكُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ السَّلام بن حَرْبٍ، عن يزيدَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن يحيى بن إسحاقَ بن عبدِ اللَّه بن أبي طَلْحةَ، عن أُمِّهِ حُميدةَ أو عُبيدةَ بنتِ عُبيدِ بن رِفاعةَ الزُّرَقيِّ، عن أبيها، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "شمِّتِ العاطِس ثلاثًا، وإن شِئتَ بعدُ فشمِّتهُ، وإن شِئتَ فاترُكهُ".

стр. 5945

قال أبو عُمر: في حَدِيثِ سلمةَ بن الأكوع: أن يشمِّت مرّةً، أو مرَّتينِ. ويُقالُ لهُ في الثالثةِ: إنَّهُ (١) مزكُومٌ. أو: هذا زُكامٌ. وفي حديثِ أبي هريرةَ وحديثِ الزُّرَقيِّ: أنَّهُ يُشمَّتُ ثلاثًا، ويُقالُ لهُ ذلك في الرّابعة. وهي زيادةٌ يجِبُ قبُولُها، والقولُ بها أولى، وباللَّه توفيقُنا. وأحسَنُ ما رُوي في كَيْفيّةِ تَشْميتِ العاطِسِ، حديثٌ من حديثِ أهلِ المدينةِ، وحديثٌ آخرُ من رِوايةِ أهلِ الكُوفةِ. فأمّا حديثُ أهلِ المدينةِ؛ فحدَّثناهُ أحمدُ بن فَتْح بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ بن مُوسى بن حُميدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكيرٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعْدٍ، عن عبدِ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ الماجِشُونِ، عن عبدِ اللَّه بن دِينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "إذا عطَسَ أحدُكُم، فلْيقُل: الحمدُ للَّه. وإذا قال: الحمدُ للَّه، فليقُل لهُ أخُوهُ: يرحمُكَ اللَّه. فإذا قيلَ لهُ ذلك، فليقُل: يَهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالَكُم" (٢). وأخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبرنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا مُوسى بن إسماعيل، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ، يعني: ابن عبدِ اللَّه بن أبي سَلَمةَ، عن عبدِ اللَّه بن دينارٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ

стр. 5946

قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحمدُ للَّه على كلِّ حالٍ. وليقُل أخُوهُ وصاحِبُهُ: يَرْحمُكَ اللَّه. ويقولُ هُو: يهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم". ورُوِي من حديثِ عائشةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلُهُ؛ حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا منصُورُ بن أبي مُزاحِم، قال: حدَّثنا أبو مَعْشرٍ، عن عبدِ اللَّه بن يحيى، عن عَمرةَ، عن عائشةَ، قالت: عَطَس عاطِسٌ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: ما أقولُ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "قُلِ: الحمدُ للَّه". قال القومُ: ما نَقولُ لهُ يا رسُول اللَّه؟ قال: "قولوا: يرحمُكَ اللَّه". قال: ما أقولُ لهم يا رسُول اللَّه؟ قال: "قُل: يهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم" (١). وأمّا حديثُ الكُوفيِّينَ: فأخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٢): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن منصُورٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، قال: كان سالمُ بن عُبيدٍ جالِسًا، فعَطَسَ رجُلٌ من القوم، فقال: السَّلامُ عليكُم، فقال: السَّلامُ عليكَ وعلى أُمِّك. ثُمَّ قال بَعْدُ (٣): لعلَّكَ وجدتَ مِمّا قلتُ لكَ؟ قال: لَودِدتُ أنَّكَ لم تذكُر أُمِّي بخيرٍ ولا بشرٍّ. قال: إنَّما قلتُ لكَ، كما قال رسُولُ اللَّه ﷺ ، إنّا بينا نَحْنُ عندَ رسُولِ اللَّه ﷺ ،

стр. 5947

إذ عَطَسَ رجُلٌ من القَوم، فقال: السَّلامُ عليكُم. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وعليكَ، وعلى أُمِّكَ". ثُمَّ قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليَحْمدِ اللَّه" -قال: فذكَرَ بعضَ المحامِدِ- "وليَقُلْ لهُ من عِندهُ: يَرْحمُكَ اللَّه. وليرُدَّ -يعني عليهم-: يغفِرُ اللَّه لنا ولكُم". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا يحيى بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا أبو عَوانةَ، عن مَنصُورٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن رجُلٍ منهم (٢)، عن سالم بن عُبيدٍ، قال: كُنّا عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فعطَسَ رجُلٌ من القوم، فقال: السَّلامُ عليكُم، فقال النَّبيُّ ﵇: "عليكَ وعلى أُمِّكَ". ثُمَّ قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحَمدُ للَّه ربِّ العالمين. أو: الحمدُ للَّه على كلِّ حالٍ، ولتقُل لهُ من عِندهُ: يرحمُكَ اللَّه. وليرُدَّ عليه: يغفِرُ اللَّه لي ولكُم". وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا تميمُ بن المُنتصِرِ الواسِطيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن يُوسُفَ، عن أبي بِشرٍ وَرْقاءَ، عن مَنصُورٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن خالدِ بن عَرْفَجةَ، عن سالم بن عُبيدٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ بهذا الحَديثِ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بن محمدٍ الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا جعفرُ (٤) بن

стр. 5948

سُليمانَ، عن عَطاءِ بن السّائبِ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا عَطَسَ أحدُكُم فليقُلِ: الحمدُ للَّه ربِّ العالمين. وليُقَلْ لهُ: يرحمُكَ اللَّه. وليَقُلْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لنا ولكُم" (١). قال أبو عُمر: على هذا النّاسُ في تَشْميتِ العاطِسِ، قولُ: يرحمُكَ اللَّه. واختَلفُوا في كيفيّةِ ردِّهِ، فقال مالكٌ: لا بأسَ أن يقولَ: يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم. أو: يغفِرُ اللَّه لكُم. كلُّ ذلك جائزٌ. وهُو قولُ الشّافِعيِّ، قال: أيَّ ذلك قال، فحسُنٌ (٢).

стр. 5949

وقال أصحابُ أبي حَنِيفةَ: يقولُ: يَغْفِرُ اللَّه لكُم، ولا يقولُ: يهديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالَكُم (١). ورُوي عن إبراهيمَ النَّخعيِّ، أنَّهُ قال: يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم، شيءٌ قالتهُ الخَوارِجُ؛ لأنَّهُم لا يَسْتغفِرُونَ للنّاسِ (٢). واختارَ الطَّحاويُّ قولَ: يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالكُم؛ لأنَّها أحسنُ من تحيَّتِهِ. قال: وحالُ من هُدِيَ وأُصلِح بالُهُ، فوقَ المَغفُورِ لهُ (٣). وروى مالكٌ (٤)، عن نافع، عنِ ابنِ عُمر من قولِهِ مِثلهُ. وأمّا تَشْميتُ أهلِ الذِّمّةِ، ففيه حديثُ حَكِيم بن الدَّيلم؛ حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ المكِّيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العَزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن حَكِيم بن الدَّيلم، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: كان اليهُودُ يَتَعاطسُونَ عندَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، رَجاءَ أن يقول: يَرْحمُكُمُ اللَّه. فكان يقولُ: "يَهْديكُمُ اللَّه ويُصلِحُ بالَكُم" (٥). انفردَ به حَكيمُ بن الدَّيلم، وهُو عندَهُم ثِقةٌ مأمُونٌ. وأمّا العاطِسُ إذا لم يَحْمدِ اللَّه، فلا يجِبُ تَشْميتُهُ.

стр. 5950

أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بَكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن يُونُس، قال: حدَّثنا زُهَيرٌ. قال (٢) أبو داود: وحدَّثنا محمدُ بن كَثيرٍ، قال: أخبَرنا سُفيانُ، المعنى؛ قالا: حدَّثنا سليمانُ التَّيميُّ، عن أنسٍ، قال: عَطَسَ رَجُلانِ عندَ النَّبيِّ ﷺ ، فشمَّتَ أحدَهُما، وتَركَ الآخَرَ، فقيل: يا رسُولَ اللَّه رجُلانِ عَطَسا، فشمَّتَّ أحدهُما، قال أحمدُ: أو فسَمَّتَّ (٣) أحدهُما، وتركتَ الآخر؟ فقال: "إنَّ هذا حمِدَ اللَّه، وإنَّ هذا لم يَحْمدِ اللَّه". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو خَيْثمةَ مُصعبُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا زُهَيرُ بن مُعاويةَ، عنِ التَّيميِّ، عن أنَسٍ، قال: عَطَسَ رجُلانِ عندَ النَّبيِّ ﷺ فشمَّتَ أحدهُما، ولم يُشمِّتِ الآخر، فقالوا: يا رسُولَ اللَّه شمَّتَّ هذا، ولم تُشمِّت هذا؟ قال: "إنَّ (٤) هذا حمِدَ اللَّه، وهذا لم يَحْمدهُ" (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيان وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ،

стр. 5951

قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا قاسمُ بن مالكٍ، عن عاصِم بن كُلَيبٍ، عن أبي بُرْدةَ، عن أبي موسى، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فحمِدَ اللَّه، فشمِّتُوهُ، وإذا لم يَحمدِ اللَّه، فلا تُشمِّتُوهُ". قال أبو عُمر: شمَّتَ، وسمَّتَ، لُغتانِ معرُوفتانِ عندَ أهلِ العِلم لا يختلِفُونَ في ذلك. قال الخليلُ بن أحمدَ (٢): التَّسميتُ، لُغةٌ في تَشْميتِ العاطِسِ. ورُوِيَ عن ثَعْلبٍ، أنَّهُ سُئلَ عن معنى التَّشميتِ والتَّسميتِ، فقال: أمّا التَّشميتُ، فمعناهُ: أبعدَ اللَّه عنك الشَّماتةَ، وجنَّبكَ ما يُشمَتُ به عليكَ. وأمّا التَّسميتُ، فمعناهُ: جَعلكَ اللَّه على سَمْتٍ حسنٍ، ونحوِ هذا. قال أبو عُمر: وهذا كلُّهُ إنَّما يَنْويهِ الدّاعي لهُ بصَلاح الحالِ، والغُفْرانِ، والرَّحمةِ، على ما جاءَ في سُنّةِ التَّشميتِ، مِمّا قد ذكرنا في هذا البابِ، والحمدُ للَّه. ومِن أدَبِ العُطاسِ: أن يضعَ العاطِسُ يَدهُ على فيه، ويخفِضَ بالعَطْسةِ صوتهُ، ويقولَ: الحمدُ للَّه على كلِّ حالٍ. أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن مِقْلاصٍ، قال: أخبَرنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني إدريسُ بن يحيى الخَوْلانيُّ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن عيّاشٍ، عنِ

стр. 5952

ابنِ هُرمُز، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم، فليَضَعْ كفَّهُ على وَجهِهِ، وليَخْفِض صَوْتَهُ" (١). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، عنِ ابنِ عَجْلان، عن سُميٍّ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا عَطَسَ، وضَعَ يَدهُ، أو ثَوْبهُ على فيه، وخَفضَ، أو غضَّ بها صَوْتهُ. شكَّ يحيى. واختلَفَ الفُقهاءُ في وُجُوبِ تَشْميتِ العاطِسِ، فذهب قومٌ إلى أنَّ ذلك ندبٌ لا إيجابٌ، وأوجَبهُ آخرُونَ على الكِفايةِ، كردِّ السَّلام سواءً. وقد مَضَى القولُ في ردِّ السَّلام، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا. وقال أهلُ الظّاهِرِ: ذلك واجِبٌ مُتَعيِّنٌ على كلِّ أحدٍ. والأصلُ في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا محمدُ بن داودَ بن سُفيانَ وخُشَيشُ بن أصْرَمَ، قالا: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ، عنِ ابنِ المُسيِّبِ،

стр. 5953

عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "للمُسلِم على أخِيهِ: رَدُّ السَّلام، وتَشْميتُ العاطِسِ، وإجابةُ الدَّعوةِ، وعيادةُ المَريضِ، واتِّباعُ الجَنائزِ". وقد تكلَّمنا على ما يجِبُ من الفُرُوضِ على الكِفايةِ، في صَدْرِ كِتابِنا، كِتابِ "جامِع بيانِ العِلم وفضلِهِ وما ينبغي في رِوايتِهِ وحملِهِ" (١) فأغْنَى ذلك عن ذِكْرهِ (٢) ها هُنا. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ (٣) بن الحدّادِ، قال: حدَّثنا زكريّا بن يحيى السِّجزيُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن إبراهيمَ بن حبيبِ بن الشَّهيدِ، قال: حدَّثنا حُميدُ بن عبدِ الرَّحمنِ الرُّؤاسيُّ، عنِ الحَسنِ بن صالح، عن سِماكِ بن حَرْبٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: من سلَّمَ عليكَ من خَلْقِ اللَّه، فارْدُدْ عليه، وإن كان مَجُوسيًّا، فإنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ (٤) [النساء: ٨٦]. وأمّا تَشْميتُ العاطِسِ في الخُطبةِ، فسيأتي في بابِ أبي الزِّنادِ، من كِتابِنا هذا عندَ ذِكرِ قولِهِ ﷺ : "إذا قُلتَ لصاحِبِكَ يوم الجُمُعةِ والإمامُ يخطُبُ: أنْصِت، فقد لَغَوتَ" (٥) إن شاءَ اللَّه.

стр. 5954

حديثٌ مُرسَلٌ مُوَفِّي عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيه، أنَّ في الكِتابِ الذي كَتَبهُ رسُولُ اللَّه ﷺ لعَمرِو بن حَزْم في العُقولِ: "أنَّ في النَّفسِ مئةً من الإبِلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعِيَ جَدْعًا، مئةٌ من الإبِلِ، وفي المأمُومةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي الجائفةِ مِثلُها، وفي العَيْنِ خمسُونَ، وفي اليَدِ خمسُونَ، وفي الرِّجْلِ خمسُونَ، وفي كلِّ إصْبَع مِمّا هُنالكَ عَشْرٌ من الإبِلِ، وفي السِّنِّ خمسٌ، وفي المُوضِحةِ خَمْسٌ". لا خِلافَ، عن مالكٍ في إرسالِ هذا الحديثِ، بهذا الإسْنادِ. وقد رُوي مُسندًا من وَجْهٍ صالح. وهُو كِتابٌ مشهُورٌ عندَ أهلِ السِّيرِ، مَعرُوفٌ ما فيه عندَ أهلِ العِلْم، مَعْرِفةً تَسْتغني بشُهرتِها عنِ الإسنادِ؛ لأنَّهُ أشبَهَ التَّواتُرَ في مجيئهِ، لتلقِّي النّاسِ لهُ بالقَبُولِ والمعرِفةِ. وقد رَوَى مَعْمرٌ هذا الحديثَ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّهِ. وذكرَ ما ذَكَرهُ مالكٌ سواءً في الدِّياتِ. وزاد في إسنادِهِ: عن جدِّهِ (٢). ورُوي هذا الحديثُ أيضًا عنِ الزُّهريِّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّهِ، بكمالِهِ (٣).

стр. 5955

وكِتابُ عَمرِو بن حزم مَعرُوفٌ عندَ العُلماءِ، وما فيه فمُتَّفقٌ عليه، إلّا قليلًا، وباللَّه التَّوفيقُ. ومِمّا يدُلُّك على شُهرةِ كِتابِ عَمرِو بن حزم وصِحَّتِهِ، ما ذكَرهُ ابنُ وَهْبٍ، عن مالكٍ واللَّيثِ بن سعدٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، قال: وُجِد كِتابٌ عندَ آلِ حَزْم، يَذْكُرُونَ: أنَّهُ من رسُولِ اللَّه ﷺ ، فيه: "وفيما هُنالكَ من الأصابع عَشْرٌ، عَشْرٌ". فصارَ القَضاءُ في الأصابع إلى عَشْرٍ، عَشْرٍ (١). أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مَرْوانَ، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بن عَمرو الجَرِيريُّ (٢)، قال: حدَّثنا حامِدُ بن شُعَيبٍ البَلْخيُّ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرِ بن حربٍ ومحمدُ بن سُليمانَ المِنقريُّ، قالوا: حدَّثنا الحَكَمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا يحيى بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ. قال المِنقريُّ: الجزريُّ، ثُمَّ اتَّفقُوا، قال: حدَّثنا الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كتبَ -قال في حَديثِ عبدِ الوارثِ: إلى أهلِ اليَمنِ- ثُمَّ اتَّفقُوا: بكِتابٍ فيه الفَرائضُ والسُّننُ والدِّياتُ، وبعَثَ به مع عَمرِو بن حزم، فقدِمَ به على أهلِ اليَمنِ، وهذه نُسختُهُ: "بِسم اللَّه الرَّحمنِ الرَّحيم، من محمدٍ النَّبيِّ، إلى شُرَحبيل بن عَبدِ كُلالٍ والحارِثِ بن عبدِ كُلالٍ ونُعَيم بن عبدِ كُلالٍ، قَيْلِ

стр. 5956

ذي رُعَينٍ (١)، ومَعافِرَ، وهمدانَ، أمّا بعدُ. فذكرَ الحديثَ في الصَّدَقاتِ إلى آخِرِها، وفيه: "منِ اعتبط مُؤمِنًا (٢) قَتْلًا عن بيِّنةٍ، فإنَّهُ قَوَدٌ، إلّا أن يُرْضِي أولياءَ المقتُولِ، وفي النَّفسِ الدِّيةُ، مئةٌ من الإبِلِ، وفي الأنفِ إذا أُوعِب جَدْعُهُ الدِّيةُ، وفي اللِّسانِ الدِّيةُ، وفي الشَّفَتينِ الدِّيةُ، وفي البَيْضتينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكرِ الدِّيةُ، وفي الصُّلبِ الدِّيةُ، وفي العَيْنينِ الدِّيةُ، وفي الرِّجلِ الواحِدةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفي المأمُومةِ نِصفُ الدِّيةِ، وفي المُنَقِّلةِ خَمسَ عشْرةَ من الإبِلِ، وفي الجائفةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي كلِّ إصبَع من الأصابع من اليَدِ والرِّجلِ عَشْرٌ من الإبِلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ من الإبِلِ، وفي المُوضِحةِ خمسٌ من الإبِلِ، وأنَّ الرَّجُل يُقتلُ بالمرأةِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ". وذكرُوا تمامَ الحديثِ (٣). قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: سَمِعتُ يحيى بن مَعينٍ، يقولُ: الحَكَمُ بن مُوسى ثِقةٌ، وسُليمانُ بن داود الذي يروي عنِ الزُّهريِّ حديث الصَّدقاتِ والدِّياتِ: مجهُولٌ لا يُعرفُ (٤).

стр. 5957

قال أبو عُمر: هكذا وقعَ عندَ شَيْخي في أصلِهِ: "في المأمُومةِ نِصفُ الدِّيةِ". وهُو خطأٌ من الكاتِبِ. والمحفُوظُ في هذا الحديثِ، وغيرِهِ: "أنَّ في المأمُومةِ ثُلُثَ الدِّيةِ" لا يختلِفُ العُلماءُ في ذلك، منَ السَّلفِ والخَلَفِ، وأهلُ العِراقِ يقولُون لها: الآمّةُ، وأهلُ الحِجازِ: المأمُومةُ. وكذلك في كِتابِ عَمرِو بن حَزْم: المأمُومةُ فيها ثُلُثُ الدِّيةِ. كذلك نقلَ الثِّقاتُ. وأمّا ما في حديثِ مالكٍ من الفِقهِ، فقولُهُ: "في النَّفسِ مئةٌ من الإبِلِ". وهذا مَوْضِعٌ فيه تَنازُعٌ بينَ العُلماءِ، بعدَ إجماعِهِم أنَّ على أهْلِ الإبِلِ في دِيةِ النَّفسِ إذا أُتلِفَتْ خطأً: مئةً من الإبِلِ، لا خِلافَ بين عُلماءِ المُسلِمينَ في ذلك، ولا يختلِفُونَ أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ جَعلَها كذلك، وإنَّما تَنازعُوا واختلفُوا في الدِّيةِ على أهلِ الوَرِقِ والذَّهبِ. واختَلَفُوا أيضًا، هل يُؤخَذُ فيها: الشّاءُ، والبَقرُ، والحُلَلُ، أم لا تكونُ إلّا في الثَّلاثةِ الأصْنافِ: الإبِلِ، والذَّهبِ، والوَرِقِ؟ على حَسَبِ ما نُورِدُهُ في هذا البابِ، مُهذَّبًا مُمهَّدًا إن شاءَ اللَّه. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن مَعْمرٍ، عنِ الزُّهريِّ، قال: كانتِ الدِّيةُ على عَهْدِ رسُولِ اللَّه ﷺ مئةَ بَعِيرٍ، لكلِّ بَعِيرٍ أُوقيّةٌ، فذلك أربعةُ آلافٍ، فلمّا كان عُمرُ غَلِتِ الإبِلُ، ورَخُصتِ الوَرِقُ، فجَعلَها عُمرُ أُوقيّةً ونِصفًا، ثُمَّ غَلَتِ الإبِلُ، ورَخُصتِ الوَرِقُ، فجَعلَها عُمرُ أُوقيَّتينِ، فذلك ثمانيةُ آلافٍ، ثُمَّ لم تَزلِ الإبِلُ تَغلُو، ويَرْخُصُ الوَرِقُ، حتّى جَعلَها عُمرُ اثْنَي عشَرَ ألفًا، أو ألفَ دينارٍ، ومن البَقرِ مِئَتا بَقَرةٍ، ومن الشّاءِ ألفا (٢) شاةٍ.

стр. 5958

وذكَرَ عبدُ الرَّزّاقِ (١) أيضًا، عنِ ابنِ جُرَيج، عن عَطاءٍ، قال: كانتِ الدِّيةُ الإبِلَ، حتّى كان عُمرُ، فجَعَلَها لمّا غَلَتِ الإبِلُ عِشرينَ ومئةً، لكلِّ (٢) بَعيرٍ. قال: قلتُ لعطاءٍ: فإن شاءَ القَرَويُّ أعْطَى مئةَ ناقةٍ، أو مِئَتي بَقَرةٍ، أو ألفي شاةٍ، ولم يُعطِ ذَهَبًا؟ قال: نعم، إن شاءَ أعْطَى إبِلًا، ولم يُعطِ ذَهَبًا، هُو الأمرُ الأوَّلُ. قال: قلتُ لعطاءٍ: أيُعطي القَرَويُّ إن شاءَ بقرًا، أو غنمًا؟ قال: لا يَتَعاقلُ أهلُ القُرَى من الماشيةِ غيرَ الإبِلِ، يقولُ: هُو عَقْلُهُم على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ . قال عطاءٌ: وكان يُقالُ: على أهلِ الإبِلِ الإبِلُ، وعلى أهلِ الذَّهبِ الذَّهبُ، وعلى أهلِ الورِقِ الورِقُ، وعلى أهلِ الغنم الغنمُ، وعلى أهلِ البزِّ الحُللُ (٣). قال: قلتُ لعطاءٍ: البَدويُّ صاحِبُ البَقَرِ والشّاءِ، ألَهُ أن يُعطي إبِلًا إن شاءَ، وإن كرِهَ المُتَّبعُ؟ قال: ما أرَى إلّا أنَّهُ ما شاءَ المَعقولُ لهُ (٤) حقُّهُ لهُ، ماشيةُ العاقِلُ ما كانت لا تُصرَفُ إلى غيرِها إن شاءَ (٥). قال ابنُ جُرَيج: وأخبَرنا ابنُ طاوُوسٍ، عن أبيه: أنَّهُ كان يقولُ: على النّاسِ كلِّهِم أجْمَعينَ، أهلِ القَرْيةِ، وأهلِ الباديةِ، مئةٌ من الإبِلِ، فمَنْ لم تكُن عندَهُ إبِلٌ، فعَلَى أهلِ الوَرِقِ الوَرِقُ، وعلى أهلِ البَقَرِ البَقَرُ، وعلى أهلِ الغَنم الغَنمُ، وعلى أهلِ البَزِّ البَزُّ. قال: يُعطونَ من أيِّ صِنْفٍ كان بقيمةِ الإبِلِ ما كانت، ارْتَفعَتْ أوِ انْخَفضَتْ قيمتُها يومئذٍ. قال طاوُوسٌ: وحقُّ المَعقولِ لهُ الإبِلُ (٦).

стр. 5959

قال ابنُ جُرَيج: وقال عَمرُو بن شُعَيبٍ: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُقيمُ الإبِل على أهْلِ القُرَى أربعَ مئةِ دينارٍ أو عِدْلَها من الوَرِقِ، ويُقيمُها على أثْمانِ الإبِلِ، فإذا غَلَتِ رفَعَ في قِيمَتِها، وإذا هانَتْ، نقَصَ من قِيمَتِها على أهلِ القُرَى، على نحوِ الثَّمنِ ما كان. قال: وقَضَى أبو بكرٍ في الدِّيةِ على أهلِ (١) القُرَى حينَ كَثُرَ المالُ، وغَلَتِ الإبِلُ، فأقامَ مئةً من الإبِلِ، بسِتِّ مئةِ دينارٍ، إلى ثمانِ مئةِ دينارٍ. وقَضَى عُمرُ في الدِّيةِ على أهلِ القُرَى اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرهم. قال: إنِّي أرَى الزَّمانَ تختلِفُ فيه الدِّيةُ، تَنْخفضُ (٢) مرّةً من قِيمةِ الإبِلِ، وتَرْتفِعُ مرّةً أُخْرَى، وأرَىَ المالَ قد كَثُر. قال: وأنا أخْشَى عليكُمُ الحُكّامَ بَعدِي، وأن يُصابَ الرَّجُلُ المُسلِمُ، فتَهلِكَ ديتُهُ بالباطِلِ، وأن تَرْتفِعَ دِيَتُهُ بغيرِ حقٍّ، فتُحمَلَ على أقوام مُسْلِمينَ فتَجْتاحَهُم، فليسَ على أهلِ القُرَى زيادةٌ في تَغْليظِ عَقْلٍ، ولا في الشَّهَرِ الحَرام، ولا في الحُرْمةِ (٣)، وعلى (٤) أهلِ القُرَى فيه تغليظٌ، لا يُزادُ فيه على اثْنَي عشَرَ ألفًا، وعَلى (٥) أهلِ الباديةِ على أهْلِ الإبِلِ مئةٌ من الإبِلِ على أسْنانِها، كما قَضَى رسُولُ اللَّه ﷺ ، وعلى أهلِ البَقَرِ مِئَتا بَقَرةٍ، وعلى أهلِ الشّاءِ ألفا شاةٍ، ولم أقسِمْ (٦) على أهلِ القُرى إلّا عقلهُم يكونُ ذهبًا ووَرِقًا، فيُقامُ عليهم، ولو كان رسُولُ اللَّه ﷺ قَضَى على أهلِ القُرى في الذَّهَبِ والوَرِقِ عَقْلًا مُسمًّى، لا زيادةَ فيه ابْتُغِيَ قَضاءَ رسُولِ اللَّه فيه، ولكِنَّهُ يُقيمُهُ على أثمانِ الإبِلِ (٧).

стр. 5960

قال أبو عُمر: الأحاديثُ التي ذكَرْنا في هذا البابِ عنِ الزُّهريِّ، وعَطاءٍ، وعَمرِو بن شُعَيبٍ مُرْسلةٌ. وفيه أحاديثُ مُسْندةٌ، سَنذكُرُها بعد ذِكْرِ أقاويلِ الفُقهاءِ في هذا البابِ، حجّةً لهم، وتنبيهًا على أُصُولِهِم إن شاءَ اللَّه. وإنَّما مدارُ هذا البابِ عندَ الفُقهاءِ، على حديثِ عَمرِو بن حزم، وما كان مِثلهُ: في النَّفسِ مئةٌ من الإبِلِ. وعلى ما قَضَى به عُمرُ بن الخطّابِ على أهلِ الذَّهبِ، والوَرِقِ، والشّاءِ، والبَقرِ، على اختِلافِ الرِّواياتِ عنهُ في ذلك، على حسَبِ ما نذكُرُها، إن شاءَ اللَّه. وأمّا اختِلافُ التّابِعينَ في هذا البابِ، فمُضطرِبٌ جِدًّا، ومنهُ شُذُوذٌ مُخالِفٌ للآثارِ المُسنَدةِ. وأمّا أقاويلُ الفُقهاءِ: فإنَّ مالكًا (١) والشّافِعيَّ (٢) في أحَدِ قولَيهِ وأبا حنيفةَ وزُفرَ (٣) ذَهبُوا إلى أنَّ الدِّيةَ: من الإبِلِ والدَّنانيرِ والدَّراهِم لا غيرُ، ولم يختلِفُوا هُم، ولا غيرُهُم: أنَّ الإبِلَ: مئةٌ من الإبِلِ، وكذلك لم يختلِفُوا أنَّ الذَّهبَ: ألفُ دينارٍ. واختَلَفُوا في الوَرِقِ، فذهَبَ مالكٌ (٤) أنَّ الدِّيةَ من الوَرِقِ اثْنا عشرَ ألفَ دِرْهم، على ما بَلَغهُ عن عُمرَ بن الخطّابِ: أنَّهُ قوَّمَ الدِّيةَ على أهلِ القُرَى فجَعلَها على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرهم.

стр. 5961

قال مالكٌ (١): وأهلُ الذَّهَبِ أهلُ الشّام وأهلُ مِصرَ، وأهلُ الوَرِقِ أهلُ العِراقِ. وكذلك قال الشّافِعيُّ (٢) في أحَدِ قولَيهِ: إنَّ الدِّيةَ على أهلِ الوَرِقِ اثْنا عشرَ ألفَ دِرهم. وقال المُزنيُّ: قال الشّافِعيُّ (٣): الدِّيةُ الإبِلُ، فإن أعْوَزتِ الإبِلُ، فقِيمَتُها -بالدَّنانيرِ والدَّراهِم، على ما قَوَّمها عُمرُ بن الخطّابِ- ألفُ دينارٍ على أهلِ الذَّهَبِ، واثْنا عشَرَ ألفَ دِرْهم على أهْلِ الوَرِقِ. وذكَرَ قولَ عطاءٍ: كانتِ الدِّيةُ الإبِل، حتّى قوَّمها عُمرُ. قال الشّافِعيُّ: والعِلمُ مُحيطٌ بأنَّهُ لم يُقوِّمها إلّا قيمةَ يومِها للإعوازِ. قال: ولا تُقوَّمُ بغيرِ الدَّنانيرِ، والدَّراهِم. قال: ولو جازَ أن تُقوَّم بغيرِ الدَّنانيرِ والدَّراهِم، جعلنا على أهلِ الخَيْلِ الخيلَ، وعلى أهلِ الطَّعام الطَّعامَ، وهذا لا يقولُهُ أحدٌ. قال أبو عُمر: قد قالهُ بعضُ من شذَّ في قولِهِ. قال المُزنيُّ: وقولُهُ القديمُ: على أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثنا عشرَ ألفَ دِرْهم. قال: ورُجُوعُهُ عنِ القديم، رغبةً عنهُ إلى الجديدِ، هُو أشبهُ بالسُّنّةِ. قال أبو عُمر: حُجّةُ من جعلَ الدِّيةَ من الوَرِقِ اثْنَي عشَرَ ألفَ دِرهم، ما أخبَرناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ،

стр. 5962

قال (١): حدَّثنا محمدُ بن سُليمانَ الأنباريُّ، قال: حدَّثنا زيدُ بن الحُبابِ، عن محمدِ بن مُسلِم، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رجُلًا من بني عَدِيٍّ قُتِلَ، فجعلَ النَّبيُّ ﷺ دِيَتَهُ اثنَيْ عشَرَ ألفًا. قال أبو داود: رواهُ ابنُ عُيَينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . لم يذكُر ابنَ عبّاسٍ (٢). قال أبو عُمر: ليسَ لمن خالَفَ هذا وقال بعشَرةِ آلافِ دِرهم من الوَرِقِ في الدِّيةِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ حديثٌ: لا مُرسَلٌ، ولا مُسنَدٌ. وأمّا الذي جاءَ عن عُمرَ في الاثْنَي عشَرَ ألفًا، فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ أيضًا، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٣): حدَّثنا يحيى بن حَكِيم، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عُثمانَ، قال: حدَّثنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن عَمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: كانتِ الدِّيةُ على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ

стр. 5963

ثمانِ مئةِ دينارٍ، أو ثمانيةَ (١) آلافِ دِرْهم، ودِيةُ أهلِ الكِتابِ يومئذٍ على النِّصفِ من ديةِ المُسلِمينَ، قال: وكان كذلك حتّى استُخلِفَ عُمرُ، فقامَ خطيبًا، فقال: ألا إنَّ (٢) الإبِلَ قد غَلَتْ. ففَرَضَها عُمرُ على أهْلِ الذَّهَبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثْنَيْ عشَرَ ألفًا، وعلى أهلِ البَقرِ مِئَتي بَقَرةٍ، وعلى أهلِ الشّاءِ ألْفَي شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مِئَتي حُلّةٍ. قال: وتَركَ ديةَ أهلِ الذِّمّةِ لم يَرْفعها فيما رفَعَ من الدِّيةِ. وذكرَ عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عنِ ابنِ جُرَيج، قال: أخبَرني يحيى بن سعيدٍ: أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ فرَضَ الدِّيةَ من الذَّهَبِ ألفَ دينارٍ، ومن الوَرِقِ اثْنَيْ عشَرَ ألفَ دِرهم. ورَوَى ابنُ أبي نَجِيح، عن أبيه: أنَّ عُثمانَ قَضَى في الدِّيةِ اثْنَيْ عشرَ ألفَ دِرهم. وروى نافعُ بن جُبيرِ بن مُطعِم، عنِ ابنِ عبّاسٍ مِثل ذلك. وروى الشَّعبيُّ، عنِ الحارِثِ، عن عليٍّ، قال: الدِّيةُ اثنا عشرَ ألفًا. ورَوَى هُشَيمٌ، عن يُونُس، عنِ الحسَنِ: أنَّ عُمرَ قوَّمَ الإبِل في الدِّيةِ كلَّ بعيرٍ (٤) بمئهٍ وعِشرينَ دِرهمًا، اثني عشرَ ألفًا. فهذا ما في الاثْنَي عشَرَ ألفًا عنِ النَّبيِّ ﷺ ، وعن عُمرَ، وعُثمان، وعليٍّ، وابنِ عبّاسٍ ﵃، إلّا أنَّ الآثارَ عن عُمر، منها ما يَدُلُّ على أنَّ الوَرِقَ والذَّهب إنَّما جَعلَها قِيمةً للإبِلِ، ولم يجعلها أصلًا في الدِّيةِ، ومنها ما يَدُلُّ على أنَّهُ جعلَ الدِّيةَ من الذَّهَبِ والوَرِقِ، وكذلك الآثارُ كلُّها عنِ الصَّحابةِ في هذا البابِ تحتمِلُ التَّأويلَ، على حسَبِ ما ذكَرْنا عن عُمرَ.

стр. 5964

وقال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ والثَّوريُّ: الدِّيةُ من الوَرِقِ عَشَرةُ آلافِ دِرهم (١). وحُجَّتُهُم في ذلك، ما رواهُ الشَّعبيُّ، عن عَبِيدةَ، عن عُمرَ: أنَّهُ جعلَ الدِّيةَ على أهلِ الذَّهبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ عشَرةَ آلافِ دِرهم، وعلى أهلِ البَقرِ مِئَتي بَقرةٍ، وعلى أهلِ الشِّياهِ (٢) ألفي (٣) شاةٍ، وعلى أهلِ الإبِلِ مئةً من الإبِلِ، وعلى أهلِ الحُللِ مِئَتي حُلّةٍ (٤). قال أبو عُمر: في هذا الحديثِ عن عُمر، ما يدُلُّ على أنَّ الدَّراهِم والدَّنانيرَ، صِنفٌ من أصنافِ الدِّيةِ، لا على وجهِ البدلِ والقيمةِ، وكذلك يدُلُّ ظاهِرُ حديثِ يحيى بن سعيدٍ أيضًا، عن عُمر، وهُو الظّاهِرُ في الحديثِ عن عليٍّ، وعُثمان، وابنِ عبّاسٍ، واللَّه أعلمُ. وأمّا مالكٌ والشّافِعيُّ وأبو حنيفةَ، فإنَّهُم لا يرونَ أن يُؤخذَ في الدِّيةِ شيءٌ إلّا الإبِلُ، أوِ الذَّهبُ، أوِ الورِقُ لا غير، وكذلك قال اللَّيثُ بن سعدٍ. قال مالكٌ (٥): لا يُقبَلُ من أهلِ الإبِلِ إلّا الإبِلُ، ولا من أهْلِ الذَّهَبِ إلّا الذَّهبُ، ولا من أهلِ الوَرِقِ إلّا الورِقُ. وقال أبو يُوسُف ومحمدُ بن الحسنِ: الدِّيةُ من الرِّقةِ (٦) عشَرةُ آلافِ دِرهم على أهلِ الوَرِقِ، ومن الذَّهَبِ ألفُ دينارٍ على أهلِ الذَّهَبِ، وعلى أهلِ الإبِلِ مئةُ

стр. 5965

بَعيرٍ، وعلى أهلِ البَقرِ مِئَتا بقرةٍ، وعلى أهلِ الشّاءِ ألفا شاةٍ، وعلى أهلِ الحُللِ مِئَتا حُلّةٍ يمانيةٍ. قال: ولا يُؤخَذُ في البَقرِ إلّا الثَّنيُّ (١) فصاعِدًا، ولا يُؤخذُ من الحُللِ إلّا اليمانيةُ، قيمةُ كلِّ حُلّةٍ خمسُونَ دِرهمًا فصاعِدًا. ومذهَبُ الثَّوريِّ في ذلك، كمذهبِ أبي يُوسُف ومحمدٍ، وذكرهُ الثَّوريُّ عن عُمرَ، ولم يُخالِفهُ. وأمّا أبو حنيفةَ فخالَفَ ما رواهُ في ذلك عن عُمر في البَقرِ، والشّاءِ، والحُللِ. قال أبو عُمر: رُوي ذلك عن عُمرَ من حديثِ الشَّعبيِّ وغيرِهِ، وبه قال عَطاءٌ وطاوُوسٌ وطائفةٌ من التّابِعينِ (٢)، وهُو قولُ الفُقهاءِ السَّبعةِ المدنيِّين. واختلَفَ الفُقهاءُ أيضًا في أسنانِ ديةِ الخطأ، إذا قُضي بالدِّيةِ إبِلًا، فقال مالكٌ (٣) والشّافِعيُّ (٤) وأصحابُهُما: ديةُ الخَطَأ أخماسًا. وكذلك قال أبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ (٥). إلّا أنَّهُمُ اختلفُوا في الأسنانِ من كلِّ صِنْفٍ، فقال مالكٌ والشّافِعيُّ: عِشرُونَ بنتَ مَخاضٍ، وعِشرُونَ ابنَ لبُونٍ، وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وعِشرُونَ حِقّةً، وعِشرُونَ جَذَعةً. وقال أبو حنيفةَ: عِشرُونَ ابنَ مخاضٍ (٦)، وعِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ، وعِشرُونَ حِقّةً، وعِشرُونَ جَذَعةً.

стр. 5966

وهُو قولُ عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، رواهُ الثَّوريُّ وشعبةُ وغيرُهُما، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ (١). ورَوى زيدُ بن جُبَيرٍ، عن خِشْفِ (٢) بن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ مِثلَهُ مرفُوعًا (٣). إلّا أنَّ خِشْفَ بن مالكٍ ليسَ بمعرُوفٍ (٤). وأمّا قولُ مالكٍ والشّافِعيِّ، فرُوي عن سليمانَ بن يَسارٍ، وليسَ فيه عن صاحِبٍ شيءٌ، ولكِنَّهُ عليه أهلُ المدينةِ، وكذلك حَكَى ابنُ جُرَيج عنِ ابنِ شِهاب (٥). وذكرَ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ شِهابٍ: أنَّ ديةَ الخَطَأ أرباعًا: ثلاثُونَ حِقّةً، وثلاثُون جَذَعةً، وعِشرُونَ ابنة مخاضٍ، وعِشرُونَ ابنَ لبُونٍ (٦).

стр. 5967

وكذلك رَوى مَعْمر (١) وابنُ جُرَيج (٢)، عنِ ابنِ طاوُوسٍ، عن أبيه. ورَوَى أبو إسحاقَ، عن عاصِم بن ضَمْرةَ، عن عليٍّ، في دِيةِ الخَطَأ أرباعًا: خمسٌ وعِشرُونَ جَذَعةً، وخمسٌ وعِشرُونَ حِقّةً، وخمسٌ وعِشرُونَ بنتَ مخاضٍ، وخمسٌ وعِشرُونَ بنتَ لبُونٍ (٣). وبِهذا قال عطاءٌ، إلّا أنَّهُ جعلَ مكانَ بناتِ لبُونٍ: بني لبُونٍ (٤). ورَوَى سُليمانُ بن موسى، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَضَى: أنَّ من قُتِلَ خَطأً، فديتُهُ مئةٌ من الإبِلِ: ثلاثُونَ بنتَ مَخاضٍ وثلاثُونَ بنتَ لبُونٍ، وثلاثُونَ حِقّةً، وعَشْرٌ (٥) ابنُ لبُونٍ. ذكرُه أبو داودَ، قال (٦): حدَّثنا هارُونُ بن زيدِ بن أبي الزَّرقاءِ، قال: حدَّثني أبي، قال: حدَّثنا محمدُ بن راشِدٍ، قال: أخبرنا سُليمانُ بن مُوسى، فذكرهُ. وذكرَ مَعْمرٌ، عنِ ابنِ أبي نَجيح، عن مُجاهِدٍ، في دِيةِ الخَطَأ، مِثلَ ذلك سَواءً (٧).
следующие страницы →