← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5893–5932 · переход к 5898.

стр. 5893

قال أبو عُمر: فإن تَرَكهُ، فتَحصيلُ مذهبِ مالكٍ والشّافِعيِّ (١): أنَّ عليه لتَرْكِهِ دمًا. والدَّمُ عندَهُم خَفِيفٌ في ذلك؛ لأنَّهُ نُسُكٌ ساقِطٌ عنِ المكِّيِّ، وعن المُراهِقِ، الذي يخافُ فوتَ عَرَفةَ. وقال أبو حنيفةَ وأبو يُوسُف ومحمدٌ: إذا تركَ الحاجُّ طوافَ الدُّخُولِ، فطافَ طوافَ الزِّيارةِ، رمَلَ في ثلاثةِ أشْواطٍ منها (٢)، وسَعَى بين الصَّفا والمروةَ، ولم يكُن عليه شيءٌ (٣). وقال أبو ثورٍ: إن تركَ الحاجُّ -إذا قدِمَ مكّةَ- الطَّوافَ للدُّخُولِ وهُو بمكّةَ حتّى أتى منًى، كان عليه دمٌ، وذلك أنَّ هذا شيءٌ من نُسُكِهِ تَرَكهُ. قال أبو عُمر: حُجّةُ من أوجبَ فيه الدَّمَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَهُ في حجَّتِهِ، وقال: "خُذُوا عنِّي مناسِككُم" (٤)، وهُو المُبيِّنُ عنِ اللَّه مُرادهُ، فصارَ من مَناسِكِ الحجِّ وسُننِهِ، فوجَبَ على تارِكِهِ الدَّمُ. وحُجّةُ من لم يرَ فيه شيئًا، أنَّ اللَّهَ لم يأمُر بذلك الطَّوافِ، ولا رسُولُهُ، ولا اتَّفقَ الجميع (٥) على وُجُوبِهِ سُنّةً، والقولُ الأوَّلُ أصحُّ وأقْيَسُ، واللَّه أعلمُ.

стр. 5894

حديثٌ ثالِثَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عَمْرةَ بنْتِ (٢) عبدِ الرَّحمنِ، أنَّها أخبَرتهُ أنَّها سمِعَتْ عائشةَ تقولُ -وذُكِرَ لها أنَّ عبدَ اللَّه بن عُمرَ يقولُ: إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ- فقالت عائشةُ: يَغفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرَّحمنِ، أمَا إنَّهُ لم يَكْذِبْ، ولكِنَّهُ نَسِيَ، أو أخطَأ، إنَّما مرَّ رَسُولُ اللَّه ﷺ بيهُوديّةٍ يَبْكي عليها أهلُها، فقال: "إنَّهُم ليَبْكُونَ عليها، وإنَّها لتُعذَّبُ في قَبْرِها". هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ (٣)، إلّا القعنبيَّ، فإنَّهُ ليسَ عندَهُ في "المُوطَّأ" وهُو عندَهُ في الزِّياداتِ خارِج "المُوطَّأ" (٤). وهُو حديثٌ ثابتٌ، وليسَ في "المُوطَّأ" لهذا الحديثِ غيرُ هذا الإسنادِ. وقد رَوى الوليدُ بن مُسلِم، عن مالكٍ، عن نافع، عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الميِّتُ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ عليه" (٥). وهذا حديثٌ غريبٌ لمالك، لا أعلمُ أحدًا رواهُ عنهُ غيرَ الوليدِ بن مُسلِم، وليسَ فيه نكارةٌ؛ لأنَّهُ محفُوظٌ من رِوايةِ عُبيدِ اللَّه بن عُمر، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ (٦).

стр. 5895

قال أبو عُمر: اختلَفَ النّاسُ في معنى قولِهِ ﷺ : "إنَّ الميِّتَ ليُعذَّبُ ببُكاءِ أهلِهِ عليه"، فقال منهُم قائلُونَ: معناهُ أن يُوصِيَ بذلك الميِّتُ. وقال آخرُونَ: معناهُ أن (١) يُمْدَحَ في ذلك البُكاءِ، بما كان يُمدَحُ به أهلُ الجاهِليّةِ من الفَتَكاتِ والغَدَراتِ وما أشْبَهها من الأفعالِ، التي هي عندَ اللَّه ذُنُوبٌ، فهُم يَبْكُونَ لفَقْدِها، ويَمْدحُونهُ بها، وهُو يُعذَّبُ من أجْلِها، فكأنَّهُ قال: يُعذَّبُ بما يُبْكَى عليه به، ومن أجلِهِ. وقال آخرُونَ: البُكاءُ في هذا الحديثِ، وما كان مِثلَهُ، معناهُ: النِّياحةُ وشقُّ الجُيُوبِ، ولَطْمُ الخُدُودِ، ونَحْوُ هذا من (٢) النِّياحةِ، وأمّا بُكاءُ العَيْنِ فلا. وذهبت عائشةُ، إلى أنَّ أحدًا لا يُعذَّبُ بفِعلِ غيرِهِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه، لقولِ اللَّه : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقال ﷺ لأبي رِمثةَ في ابنِهِ (٣): "إنَّكَ لا تَجْني عليه، ولا يَجْني عليكَ" (٤). وقال اللَّهُ : ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٦٤].

стр. 5896

ولكِن قد صحَّ عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ عُمرَ بن الخطّابِ (١)، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، والمُغيرةِ بن شُعبةَ، وغيرِهِم: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "يُعذَّبُ الميِّتُ بما نِيحَ عليه". وهذا محمُولٌ عندَ جماعةٍ من أهلِ العِلم، على ما نذكُرُهُ في هذا (٢) البابِ عنهُم بعدَ ذِكرِ الآثارِ في ذلك إن شاءَ اللَّه. فأمّا إنكارُ عائشةَ على ابنِ عُمرَ، فقد رُوِيَ من وُجُوهٍ: منها: ما رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن أبيه، عنِ ابنِ عُمرَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ الميِّت ليُعذَّبُ ببُكاءِ أهْلِهِ (٣) ". فذُكِرَ ذلك لعائشةَ، فقالت: وَهَلَ (٤) ابنُ عُمرَ، إنَّما مَرَّ رسُولُ اللَّه ﷺ على يهُوديٍّ، فقال: "إنَّ صاحِبَ هذا القَبرِ يُعذَّبُ، وأهلُهُ يبكُونَ عليه" (٥). وروَىَ أيُّوبُ، عنِ ابنِ أبي مُلَيكةَ، عنِ القاسم، قال: قالت عائشةُ: إنَّكُم لتُحدِّثُونَ عن غيرِ كاذِبَيْنِ: عُمر وابنِهِ، ولكِنَّ السَّمعَ يُخطِئُ (٦). قال أبو عُمر: ليس إنكارُ عائشةَ بشيءٍ. وقد وقفَ ابنُ عُمرَ على مِثلِ ما نزعَتْ به عائشةُ، فلم يَرْجِع، وثبتَ على ما سمِعَ، وهُو الواجِبُ كان عليه.

стр. 5897

حدَّثنا يَعِيشُ بن سَعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عنِ ابنِ سيرينَ، قال: قال ابنُ عُمر: إنَّ المُعوَّلَ عليه يُعذَّبُ، فقال رجُلٌ: إنَّ اللَّهَ أضحكَ وأبْكَى، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤] قال: فقال ابنُ عُمر: قد قالهُ (١) رسُولُ اللَّه ﷺ (٢). قال أبو عُمر: فهذا يُبيِّنُ لكَ، أنَّ ابن عُمرَ قد أثبتَ ما حفِظَ عن رسُولِ اللَّه ﷺ في ذلك، ولم يَنْسَ، ومن حفِظَ فهُو حُجّةٌ على من لم يحفظ. وليسَ يُسوَّغُ عندَ جماعةِ أهلِ العِلم الاعتِراضُ على السُّننِ بظاهِرِ القُرآنِ، إذا كان لها مخرجٌ ووَجهٌ صحيحٌ؛ لأنَّ السُّنّةَ مُبيِّنةٌ للقُرآنِ، قاضيةٌ عليه، غيرُ مُدافِعةٍ (٣) لهُ، قال اللَّهُ : ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]. وقد أبَى جماعةٌ من العُلماءِ من نسخ السُّنّةِ بالقُرآنِ، فيما يُمكِنُ فيه النُّسخُ، وقالوا: لو جازَ ذلك، لارتَفعَ البيانُ، وهذه مسألةٌ من الأُصُولِ، ليسَ هذا موضِعَ ذِكرِها.

стр. 5898

وقد رَوَى مِثلَ رِوايةِ ابنِ عُمر هذه جَماعةٌ من الصَّحابةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ وسعيدُ بن نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (١): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينارٍ، أَنَّهُ سمِعَ ابنَ أبي مُليكةَ، يقولُ: حَضَرتُ جِنازةَ أُمِّ أبانٍ، وفي الجِنازةِ عبدُ اللَّه بن عُمرَ وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، فجَلَستُ بينهُما، فبَكَى النِّساءُ، فقال ابنُ عُمرَ: إنَّ بُكاءَ الحيِّ على الميِّتِ عَذابٌ للميِّتِ. قال: فقال ابنُ عبّاس: صَدَرنا مع عُمرَ أميرِ المُؤمِنينَ، حتّى إذا كُنّا بالبَيْداءِ، إذا هُو بركبٍ نُزُولٍ تحتَ شَجَرةٍ، فقال: يا عبدَ اللَّه اذهَبْ، فانْظُر منِ الرَّكبُ، ثُمَّ الحَقْني. فذهَبتُ، فقلتُ: هذا صُهيبٌ مولى ابنِ جُدعانَ، فقال: مُرهُ فلْيلحَقْني. قال: فلمّا قَدِمنا المدينةَ، لم يلبَثْ عُمرُ أن طُعِنَ، فجاءَ صُهَيبٌ وهُو يقولُ: واأُخيّاهُ، واصاحِباهُ. فقال عُمرُ: مَهْ يا صُهيبُ، إنَّ الميِّت يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ عليه. فقال ابنُ عبّاس: فأتَيْتُ عائشةَ فسألتُها، فقالت: يَرْحمُ اللَّهُ عُمرَ، إنَّما قال رَسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّهَ ليَزِيدُ الكافِرَ عذابًا ببعضِ بُكاءِ أهلِهِ عليه". وقد قضى اللَّه ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. فهذا عُمرُ قد رَوَى في بُكاءِ الحيِّ على الميِّتِ، مِثلَ رِوايةِ ابنِهِ سَواءً، وهذا حديثٌ ثابتٌ عن عُمرَ صحيحُ الإسنادِ، لا مَقال فيه لأحَدٍ، وقد رواهُ عنِ ابنِ أبي (٢) مُليكةَ جماعةٌ، منهُم: أيُّوبُ السَّختِيانيُّ (٣)، وغيرُهُ.

стр. 5899

ورَوَى شُعبةُ، عن قَتادةَ، عن سعيدِ بن المُسيِّبِ، عنِ ابنِ عُمرَ، عن أبيه عُمرَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ في قَبرِهِ بالنِّياحةِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال (٢): حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عُبيدٍ، عن عليِّ بن رَبِيعةَ: أَنَّهُ خرَجَ يومًا إلى المسجِدِ، والمُغيرةُ بن شُعبةَ أميرٌ على الكُوفةِ، فخرَجَ المُغيرةُ إلى المسجِدِ، فرَقِيَ المِنْبرَ، فحمِدَ اللَّه، وأثْنَى عليه، ثُمَّ قال: ما هذا النَّوحُ في الإسلام؟ قالوا: تُوُفِّي رجُل من الأنْصارِ، يُقالُ: لهُ قَرَظةُ بن كَعْبٍ، فنِيحَ عليه. فقال المُغيرةُ: إنِّي سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "من نِيحَ عليه، فإنَّهُ يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن سلّام، قال: حدَّثنا مُعاويةُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا أبو إسحاق الفَزاريُّ، عن سعيدِ بن عُبيدٍ، عن عليِّ بن ربيعةَ، قال: تُوُفِّي رجُلٌ من الأنصارِ، يُقالُ لهُ (٣): قَرَظةُ بن كَعْبٍ، فنِيحَ عليه، فخرَجَ المُغيرةُ بن شُعبةَ، فقال: ما هذا النَّوحُ في الإسْلام؟ سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "من نِيحَ عليه، يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه" (٤). وحدَّثنا يَعيشُ بن سَعيدٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن

стр. 5900

أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ البِرْتيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَعْمرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا أيُّوبُ، عن حُمَيدِ بن هِلالٍ، عن أبي بُرْدةَ الأشْعَريِّ، عن أبي موسى، قال: إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ما بُكِيَ عليه. قال: قلتُ: ما نِيحَ عليه؟ قال: ما بُكِيَ عليه. قلتُ: ما نِيحَ عليه؟ قال: فما سكَتَ، حتّى سَكَتُّ. وأخبَرنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا وَهْبُ بن مَسرّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا غُندَرٌ، عن شُعبةَ، قال: سمِعتُ عبدَ اللَّه بن صُبيح، قال: سمِعتُ ابن سِيرينَ، قال: ذكرُوا عندَ عِمرانَ بن حُصَينٍ: "الميِّتُ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ". فقالوا: كيفَ يُعذَّبُ ببُكاءِ الحيِّ؟ فقال عِمرانُ: قد قالهُ رَسُولُ اللَّه ﷺ . قال أبو عُمر: فهؤُلاءِ جماعةٌ من الصَّحابةِ قد قالوا كما قال ابنُ عُمرَ، ورَوَوا مِثلَ ما رَوَى ابنُ عُمر. إلّا أنَّ في حديثِ عُمرَ، وحديثِ المُغيرةِ بن شُعبةَ: النِّياحَ، دُون البُكاءِ، وهُو أصحُّ عندَ كلِّ من خالَفَ عائشةَ في هذا البابِ من العُلماءِ. ولهم في ذلك قولانِ، أحدُهُما: أنَّ طائفةً من أهلِ العِلم ذهَبَتْ إلى تَصْويبِ عائشةَ في إنكارِها على ابنِ عُمرَ -منهُم: الشّافِعيُّ وغيرُهُ- وهُو عِندِي تحصيلُ مَذْهبِ مالكٍ، لأنَّهُ ذكرَ حديثٌ عائشةَ في "مُوطَّئهِ" (٢) ولم يُذكَر خِلافُهُ عن أحَدٍ، فأمّا الشّافِعيُّ، فذكَرَ حديثٌ عائشةَ، من رِوايةِ مالكٍ (٣). على ما تَقدَّم ذِكرُهُ في

стр. 5901

هذا البابِ، وذكَرَ حديثَ عُمرَ مع ابنِ عبّاسٍ، المذكُورَ أيضًا في هذا البابِ، عنِ ابنِ عُيينةَ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عنِ ابنِ أبي مُليكةَ (١). ثُمَّ قال الشّافِعيُّ (٢): وأُرخِّصُ في البُكاءِ على الميِّتِ، بلا ندبةٍ ولا نياحةٍ، لما في النِّياحةِ من تجديدِ الحُزنِ، ومَنع الصَّبرِ، وعَظيم الإثم. قال: وقال ابنُ عبّاس: اللَّهُ أضْحَكَ وأبْكَى. قال الشّافِعيُّ: فما رَوَتهُ عائشةُ وذهبَتْ إليه، أشبهُ بدلالةِ الكِتابِ، ثُمَّ السُّنّةِ، قال اللَّه : ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨]. وقال: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ [طه: ١٥]. وقال ﷺ لرجُلٍ في ابنِه: "أما إنَّهُ لا يَجْنِي عليكَ، ولا تَجْني عليه" (٣). قال (٤): وما زِيدَ في عذابِ كافرٍ، فباسْتِيجابه (٥)، لا بذَنْبِ غيرِهِ (٦). وقال آخرُونَ، منهُم: داودُ بن عليٍّ وأصحابُهُ: ما رَوَى عُمرُ وابنُ عُمر والمُغيرةُ، أولى من قولِ عائشةَ ورِوايتِها. قالوا: ولا يجُوزُ أن تُدفَعَ رِوايةُ العَدْلِ الثِّقةِ (٧) بمِثلِ هذا من الاعْتِراضِ؛ لأنَّ من رَوَى وسمِعَ وأثبَتَ، حُجّةٌ على من نَفَى وجهِلَ. قالوا: وقد صبحَّ عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى عنِ النِّياحةِ نَهْيًا مُطلقًا، ولعَنَ النّائحةَ، والمُستمِعةَ، وحرَّمَ أُجرةَ النّائحةِ.

стр. 5902

وقال: "ليسَ منّا من حلَقَ، ومن سلَقَ، ومن خرَّقَ" (١)، و"ليسَ منّا من لطَمَ الخُدُودَ، وشقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدعوى الجاهِليّةِ". قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "ليس منّا من سلَقَ" فيَحْتِملُ مَعْنيينِ: أحدُهُما: لَطْمُ الخُدُودِ حتّى تَحْمرَّ، وخَدْشُها حتّى تعلُوَها الحُمْرةُ والدَّمُ، من (٢) قولِ العَربِ: سلقتُ الشَّيءَ بالماءِ الحارِّ. والآخرُ: سلَقَ، بمعنى: صاحَ وناحَ، وأكثَرَ العولَ (٣) والعَوِيلَ بدَعوَى الجاهِليّةِ وشِبْهِها، من قَولِهِم: سَلَقهُ بلِسانِهِ، ولِسانٌ مِسْلَقٌ. وأمّا الأحاديثُ التي ذَكَرُوها: فحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن أيُّوبَ، عن حَفْصةَ، عن أُمِّ عَطيّةَ، قالت: نَهانا رسُولُ اللَّه ﷺ عنِ النِّياحةِ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا إبراهيمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا محمدُ بن ربيعةَ، عن محمدِ بن

стр. 5903

الحسنِ بن عطيّةَ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، عن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، قال: لعَنَ رسُولُ اللَّه ﷺ النّائحةَ والمُسْتمِعةَ. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ. وحدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثني أبي. قالا جميعًا: حدَّثنا جَريرٌ، عن منصُورٍ، عن إبراهيمَ، عن يزيد بن أوْسٍ، قال: دَخَلتُ على أبي مُوسى الأشْعَريِّ وهُو ثَقيلٌ، فذهَبَتِ امرأتَهُ لتَبْكي، أو تهمَّ به، فقال لها أبو موسى: أما سَمِعتِ ما قال رسُولُ اللَّه ﷺ ؟ قالت: بلى، فسَكَتَتْ، فلمّا ماتَ أبو موسى، لَقِيتُ المرأةَ، فقلتُ لها (٢)، فقالت: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ منّا من حَلَقَ، ومن سلَقَ، ومن خَرَّقَ". وحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، قال (٣): حدَّثنا أبو مُعاويةَ ووكيعٌ، عنِ الأعْمشِ، عن عبدِ اللَّه بن مُرّةَ، عن مَسرُوقٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ منّا من لطَمَ الخُدُودَ، وشقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدَعْوَى الجاهِليّةِ".

стр. 5904

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيان، عن زُبَيدٍ (١) الإياميِّ، عن إبراهيم النَّخَعيِّ، عن مَسرُوقٍ، عن عبدِ اللَّه، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ليسَ منّا من لطَمَ الخُدُودَ، وشقَّ الجُيُوبَ، ودَعا بدَعْوَى الجاهِليّةِ" (٢). حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ، قال: حدَّثنا سَعْدانُ بن نصَرٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عُبيدِ اللَّه بن أبي يزيد، قال: سمِعتُ ابن عبّاسٍ يقولُ: خِلالٌ من خِلالِ الجاهِليّةِ: الطَّعنُ في الأنْسابِ، والنِّياحةُ. ونسي الثالثةَ، قال سُفيانُ: يقولُونَ: إنَّها الاسْتِسقاءُ بالأنواءِ (٣). فذكرُوا هذه الأحاديثَ، ومِثلَها، وقالوا: قد نَهَى رسُولُ اللَّه ﷺ عنِ النِّياحةِ وحرَّمها، ولعَنَ النّائحةَ، والمُسْتمِعةَ. قالوا: وقد قال اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وقال: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: ١٣٢]. فواجِبٌ على كلِّ مُسلِم أن يُعَلِّمَ أهلهُ ما بهمُ الحاجةُ إليه من أمْرِ دينِهِم، ويأمُرَهُم به، وواجِبٌ عليه أن يَنْهاهُم عن كلِّ ما لا يحِلُّ لهم،

стр. 5905

ويُوقِفَهُم عليه، وَيَمْنعَهُم منهُ، ويُعَلِّمَهُم ذلك كلَّهُ، لقولِ اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾. قالوا: فإذا علِمَ الرَّجُلُ المُسلِمُ ما جاءَ عن رسُولِ اللَّه ﷺ في النِّياحةِ على الميِّتِ، والنَّهي عنها، والتَّشديدِ فيها، ولم يَنْهَ عن ذلك أهلهُ، ونِيحَ عليه بعدَ ذلك، فإنَّما يُعذَّبُ بما نِيحَ عليه؛ لأنَّهُ لم يَفْعل ما أُمِر به من نَهْي أهلِهِ عن ذلك، وأمرِهِ إيّاهُم بالكَفِّ عنهُ، وإذا كان ذلك كذلك، فإنَّما يُعذَّبُ بفِعلِ نَفسِهِ وذَنبِهِ، لا بذَنْب غيرِهِ، وليسَ في ذلك ما يُعارِضُ قولَ اللَّه : ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. وكان ما رَواهُ عُمرُ، وابنُ عُمرَ، والمُغيرةُ، وغيرُهُم، صحيحَ المعنى، غيرَ مدفُوع، وباللَّه التَّوفيقُ. وقال المُزنيُّ (١): بَلَغني أنَّهُم كانوا يُوصُونَ بالبُكاءِ عليهم، أو بالنِّياحةِ، أو بهما، وهي مَعْصيةٌ، ومن أمَرَ بها، فعُمِلَتْ بعدهُ، كانت لهُ ذنبًا، فيجُوزُ أن يُزادَ بذنبِهِ عذابًا، كما قال الشّافِعيُّ، لا بذنبِ غيرِهِ. قال أبو عُمر: وأمّا البُكاءُ بغيرِ نِياح، فلا بأسَ به عندَ جماعةِ العُلماءِ، وكلُّهُم يكرهُونَ النِّياحةَ، ورفعَ الصَّوتِ بالبُكاءِ والصُّراخ. والفَرْقُ في ذلك عندَهُم بيِّن، بيَّنَ ذلك ما مَضَى في هذا البابِ من الآثارِ في النِّياحةِ، ولَطْم الخُدُودِ، وشقِّ الجُيُوبِ، مع قولِهِ ﷺ إذ بَكَى على ابنِهِ إبراهيمَ: "تَدْمعُ العينُ، وَيَحْزنُ القَلْبُ، ولا نَقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ". رواهُ ثابتٌ، عن أنَسٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢).

стр. 5906

ورَوَى عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، أنَّهُ قال لهُ حينئذٍ: أتَبْكي يا رسُولَ اللَّه، وأنتَ تَنْهى عنِ البُكاءِ؟ فقال: "لم أنهَ عن البُكاء (١)، إنَّما نَهَيتُ عن صَوْتينِ أحْمَقينِ فاجِرينِ: صَوْتِ لهوٍ ولعِبٍ ومَزاميرِ شيطانٍ عندَ نِعمةٍ، وصَوْتٍ عندَ مُصيبةٍ؛ لطم وُجُوهٍ، وشِقِّ جُيُوبٍ، ورنّةِ شَيْطانٍ، وهذه رحمةٌ، ومن لا يَرْحَمْ لا يُرحَمْ. يا إبراهيمُ، لولا أنَّهُ وَعدٌ صِدْقٌ، وقولٌ حقٌّ، وأنَّ أُخْرانا يَلْحقُ أُولانا، لحزِنّا عليك حُزنًا أشدَّ من هذا، وإنّا بكَ يا إبراهيمُ لمحزُونُون، تَدْمعُ العينُ، ويحزنُ القلبُ، ولا نَقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ". رواهُ ابنُ أبي ليلى، عن عَطاءٍ، عن جابرٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). ورَوَى أبو عُثمانَ النَّهديُّ، عن أُسامةَ بن زَيْدٍ، نحوَ هذا المعنَى، عنِ النَّبيِّ ﷺ في غيرِ ابْنِهِ إبراهيمَ، أظُنُّهُ ابنَ بعضِ بناتِهِ، أُتِيَ به ونَفسُهُ تَقَعْقَعُ (٣) فجَعلهُ في حَجرِهِ، ودَمَعَتْ عيناهُ وفاضَتْ، فقال لهُ سعدٌ: ما هذا؟ فقال: "إنَّها رَحْمةٌ يَضَعُها اللَّهُ في قَلْبِ من يشاءُ، وإنَّما يَرْحمُ اللَّهُ من عِبادِهِ الرُّحماءَ" (٤). ورَوَى أبو هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان في جِنازةٍ، فبَكَتِ امرأةٌ، فصاح بها عُمرُ، فقال لهُ رسُولُ اللَّه ﷺ : "دَعها يا عُمرُ، فإنَّ العينَ دامِعةٌ، والنَّفسَ مُصابةٌ، والعهدَ

стр. 5907

قريبٌ". رواهُ هشامُ بن عُروةَ، عن وَهْبِ بن كَيْسانَ، عن محمدِ بن عَمرِو بن عَطاءٍ، عن سَلَمةَ بن الأزرَقِ، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (١). وفي حديثِ جابرِ بن عَتيكٍ، ما يدُلُّ على أنَّ الرُّخْصةَ في البُكاءِ، إنَّما هي قبلَ أن تَفيضَ النَّفسُ، فإذا فاضَتْ: ماتَتْ (٢)، لقولِهِ ﷺ فيه: "دَعُوهُنَّ ما دامَ عندَهُنَّ، فإذا وجَبَ، فلا تبكينَّ باكيةٌ" (٣). وسنذكُرُ هذا الحديث في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه. وهذه الأحاديثُ كلُّها، تدُلُّ على أنَّ البُكاءَ غيرُ النِّياحةِ، وأنَّ النَّهي إنَّما جاءَ في النِّياحةِ، لا في بُكاءِ العينِ، وباللَّه العِصْمةُ والتَّوفيقُ، لا شريكَ لهُ.

стр. 5908

حديثٌ رابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبد اللَّه بن قَيْسِ بن مَخْرمةَ، أخبَرهُ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ اللَّيلةَ صَلاةَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، قال: فتَوَسَّدتُ عَتَبتَهُ، أو فُسْطاطَهُ، فقامَ رسُولُ اللَّه ﷺ فصلَّى رَكْعتينِ طَويلَتَيْنِ طَويلَتَيْنِ (٢)، ثُمَّ صلَّى ركعتينِ، وهُما دُون اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلَهُما، ثُمَّ أوترَ، فتلك ثَلاثَ عشْرةَ رَكْعةً. هكذا قال يحيى في هذا (٣) الحديثِ: فقامَ رسُولُ اللَّه ﷺ فصلَّى رَكْعتينِ طَويلتَينِ طَويلتَينِ، ولم يُتابِعْهُ على هذا أحدٌ من رُواةِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، فيما عَلِمتُ، والذي في "المُوطَّأ" عن مالكٍ عندَ جميعِهِم: فقامَ رسُولُ اللَّه ﷺ فصلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتَينِ طويلَتَينِ. فأسقَطَ يحيى ذِكْرَ الرَّكعتينِ الخَفِيفتينِ. وذلك خطأٌ واضِحٌ؛ لأنَّ المحفُوظ عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ زيدِ بن خالدٍ، وغيرِهِ: أنَّهُ كان يفتتِحُ صلاةَ اللَّيلِ برَكعتينِ خَفِيفتينِ. وقال يحيى أيضًا: طَويلَتينِ، طَويلَتينِ. مرَّتينِ، وغيرُهُ يقولهُ ثلاثَ مرّاتٍ: طَويلَتَينِ، طَويلَتَينِ، طَويلَتَينِ.

стр. 5909

حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (١). وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن أسَدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ ابن المكِّيِّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العزيزِ، قالا: حدَّثنا القَعْنبيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبدَ اللَّه بن قَيْسِ بن مَخْرمةَ أخبَرهُ، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ اللَّيلةَ صَلاةَ رسُولِ اللَّه ﷺ . قال: فتوسَّدتُ عَتَبتهُ، أو فُسْطاطهُ، فصلَّى رسُولُ اللَّه ﷺ رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ طَويلَتَينِ طَويلَتَينِ. وذكر الحديثَ. وقرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا مُطرِّفُ بن عبدِ الرَّحمنِ. وقرأتُ أيضًا على أحمد بن محَمدِ بن أحمدَ، أنَّ محمد بن عيسى حدَّثهُم، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ، قالا (٢): حدَّثنا ابنُ بُكيرٍ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبد اللَّه بن قيسِ بن مخرمةَ أخبَرهُ، عن زَيْدِ بن خالدٍ الجُهَنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ صَلاةَ رسُولِ اللَّه ﷺ اللَّيلةَ، قال: فتَوسَّدتُ عَتَبتهُ، أو فُسْطاطهُ، فقامَ رسُولُ اللَّه ﷺ فصلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ طويلَتينِ طَويلَتينِ. وذكر الحديث. وقرأتُ على عبدِ الرَّحمنِ بن يحيى، أنَّ الحسَنَ بن الخَضِرِ حدَّثهُم. وقرأتُ على محمدِ بن إبراهيمَ، أنَّ محمد بن مُعاويةَ حدَّثهُم. قالا: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣):

стр. 5910

أخبرنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، عن مالكِ بن أَنَسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عبد اللَّه بن قيسِ بن مخرمةَ أخبَرهُ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّهُ قال: لأرمُقنَّ صَلاةَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، فصلَّى رَكْعتينِ خَفِيفتينِ خَفِيفتين، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ طَويلَتينِ طَويلَتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ، وهُما دُونَ اللَّتينِ قبلهُما. وذكر الحديثَ. ولم يختلِفِ الرُّواةُ عن مالكٍ في حديثِ زيدِ بن خالدٍ هذا، بهذا الإسنادِ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ افتَتحَ صَلاتهُ تلك اللَّيلةَ بركَعْتينِ خَفِيفتينِ صلّاهُما، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ طَويلَتينِ، ثُمَّ صلَّى رَكْعتينِ دُونهُما، على ما في الحديثِ إلى آخِرِهِ. وأسقطَ يحيى ذِكر الرَّكعتينِ الخَفِيفتينِ، وذلك مِمّا عُدَّ على يحيى من سَقْطِهِ وغَلطِهِ، والغلطُ لا يَسْلمُ منهُ أحدٌ. قال أبو عُمر: قد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ كان يفتتِحُ صَلاةَ اللَّيلِ برَكْعتينِ خَفِيفتينِ من وُجُوهٍ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا أبو حُرّةَ (٢)، عنِ الحَسنِ، عن سَعْدِ بن هشام، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ إذا قامَ من اللَّيلِ يُصلِّي، افْتَتحَ صَلاتهُ بركعَتَينِ خَفِيفتَينِ.

стр. 5911

حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (١): حدَّثنا الرَّبيعُ بن نافع، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن حيّان، عن هشام بن حسّان، عنِ ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا قامَ أحدُكُم من اللَّيلِ، فليُصلِّ رَكْعتينِ خَفِيفتينِ". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن أيُّوب، عن محمدٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا قامَ أحدُكُم من اللَّيلِ، فليُصلِّ ركعتينِ خَفِيفتينِ يفتتِحُ بهما صلاتهُ" (٢). وقد تقدَّمَ حُكمُ صلاةِ اللَّيلِ، وما في ذلك منِ اختِلافِ الآثارِ، ومذاهِبِ فُقهاءِ الأمصارِ، في بابِ مخرمةَ بن سُليمانَ، وبابِ نافع، من كِتابِنا هذا، وسيأتي من ذلك أيضًا ذِكرٌ في بابِ سعيدِ بن أبي سعيدٍ، من هذا الكِتابِ إن شاءَ اللَّه.

стр. 5912

حديثٌ خامِسَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه (٢)، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان، عن أبي عَمْرةَ الأنصاريِّ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكُم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشَهادتِهِ قبلَ أن يُسألها، أو يُخبِرُ بشَهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها". هكذا قال يحيى عن مالكٍ في إسنادِ هذا الحدِيثِ: عن أبي عَمْرةَ الأنصاريِّ. وكذلك قال فيه عن مالكٍ: ابنُ القاسم (٣)، وأبو مُصعبٍ الزُّهريُّ (٤)، ومُصعبٌ الزُّبيريُّ (٥). وقال القَعْنبيُّ (٦)، ومَعْنُ بن عيسى (٧)، وسعيدُ بن عُفيرٍ (٨)، ويحيى بن عبدِ اللَّه بن بُكيرٍ (٩)، عن مالكٍ بإسنادِهِ: ابنُ أبي عَمْرةَ. وكذلك قال ابنُ وَهْبٍ (١٠)، وعبدُ الرَّزّاقِ، إلّا أنَّهُما سمَّياهُ، فقالا: عبدُ الرَّحمنِ بن أبي عَمْرةَ.

стр. 5913

أخبَرنا خلفُ بن سعيدٍ، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا (١) أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن محمدٍ الكَشْوريُّ، قال: أخبَرنا محمدُ بن يُوسُف الحُذاقيُّ (٢)، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزّاقِ، قال (٣): أخبرنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمانَ، عن عبدِ الرَّحمنِ (٤) بن أبي عَمْرةَ، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يُؤَدِّي شَهادَتهُ قبلَ أن يُسألها، أو يُسألَ عنها". هكذا في كِتابي في هذا الإسنادِ: عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمانَ. ليسَ فيه: عن أبيه. والصَّوابُ: عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه. وقد جَوَّدَ ابنُ وَهْبٍ في إسنادِ هذا الحديثِ، ولفظِهِ، وجاءَ عن مالكٍ بتفسيرِهِ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بن بكرٍ، قال: أخبَرنا أبو داودَ، قال (٥): حدَّثنا ابنُ السَّرح وأحمدُ بن سَعيدٍ الهَمْدانيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني مالكُ بن أَسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، أنَّ عبد اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان أخبَرهُ، أنَّ عبد الرحمنِ بن أبي عَمرةَ الأنصاريَّ أخبرهُ، أنَّ زيد بن خالدٍ الجُهنيَّ أخبَرهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشهادتِهِ، أوُ يُخبِرُ بشَهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها". شكَّ

стр. 5914

عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ أيَّتَهما (١) قال. قال مالكٌ: هُو الذي يُخبِرُ بشهادتِهِ، ولا يَعلَمُ بها الذي هي لهُ. زادَ الهمدانيُّ: ويرفعُها إلى السُّلطانِ. قال ابنُ السَّرح: أو يأتي بها إلى الإمام. واللَّفظُ لحديثِ الهمدانيِّ، وقال ابنُ السَّرح: ابنُ أبي عَمْرةَ. ولم يقُل: عبدُ الرَّحمنِ. قال أبو داود: والتَّفسيرُ من قِبَلِ مالكٍ. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن خالدٍ، قال: حدَّثنا تميمُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح. قالا: أخبَرنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكُ بن أنسٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أنَّ أباهُ أخبَرهُ، أنَّ عبد اللَّه بن عَمرِو بن عُثمانَ بن عَفّان أخبرهُ، أنَّ عبد الرَّحمن (٢) بن أبي عَمرةَ الأنصاريَّ أخبرهُ، أنَّ زيدَ بن خالدٍ الجُهنيَّ أخبَرهُ، أنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكُم بخيرِ الشُّهداءِ؟ الذي يأتي بشهادتِهِ، أو يُخبِرُ بشهادتِهِ قبلَ أن يُسألَها". يَشُكُّ عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ أيَّتهُما قال. قال ابنُ وَهْبٍ: وسمِعتُ مالكًا يقولُ في تفسيرِ هذا الحديثِ: إنَّهُ الرَّجُلُ تكونُ عِندهُ الشَّهادةُ في الحقِّ، يكونُ للرَّجُلِ، لا يعلمُ بذلك قبلُ، فيُخبِرُ بشهادتِهِ، ويَرفعُها إلى السُّلطانِ. قال ابنُ وَهْبٍ: وبَلَغني عن يحيى بن سعيدٍ، أنَّهُ قال: من دُعي لشهادةٍ عندَهُ، فعلَيهِ أن يُجيب، إذا علِمَ أنَّهُ ينتفِعُ بها الذي يَشْهدُ لهُ بها، وعليه أن يُؤَدِّيها، ومن كانت عندَهُ شهادةٌ لا يعلمُ بها صاحِبُها، فليُؤَدِّها قبلَ أن يُسألَ عنها، فإنَّهُ كان يُقالُ: من أفضَلِ الشَّهاداتِ، شهادةٌ أدّاها صاحِبُها قبلَ أن يُسألها. قال أبو عُمر: تفسيرُ مالكٍ ويحيى بن سعيدٍ لهذا الحديثِ، أولى ما قيلَ به فيه، ولا يَسَعُ الذي عندَهُ شهادةٌ لغيرِهِ أن يَكْتُمها، ولا أن يسكُتَ عنها، إلّا أن

стр. 5915

يعلمَ أنَّ حقَّ الطّالِبِ يثبُتُ، أو قد ثبتَ بغيرِهِ، فإن كان كذلك، فهُو في سَعةٍ، وأداؤُها مع ذلك أفضَلُ، وسَواءٌ شهِدَ أحدٌ قبلهُ أو معهُ، أو لم يشهد، إذا كان الحقُّ مالًا؛ لأنَّ اليَمينَ فيه مع الشّاهِدِ الواحِدِ. وفي هذا الحديثِ أيضًا دليلٌ على جَوازِ شهادةِ السَّماع، وإن لم يَقُلِ المشهُودُ لهُ: أُشهِدُكَ على هذا. ولا قال المُشهُودُ عليه: اشْهَد عليَّ. فمن سمِعَ شيئًا وعلِمهُ، جازَ لهُ أن يشهدَ به، ومِثلُ هذا يأتي بالشَّهادةِ قبلَ أن يُسألها؛ لأنَّ صاحِبَها لا يعلمُ بها، فكلُّ من علِمَ شيئًا، يجُوزُ أداؤُهُ، جازَ لهُ أن يشهدَ به، لقولِهِ: ﴿إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف: ٨٦]. وقولِهِ : ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وقولِهِ: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ﴾ (١) [المعارج: ٣٣]. قال أبو عُمر: قد جعلَ رسُولُ اللَّه ﷺ ظُهُور شَهادةِ الزُّورِ، وكِتْمان شَهادةِ الحقِّ، من أشْراطِ السّاعةِ، عائبًا لذلك، ومُوبِّخًا عليه، فإذا كان كِتمانُ شَهادةِ الحقِّ عيبًا وحَرامًا، فالبِدارُ إلى الإخبارِ بها، قبلَ أن يُسألَ عنها، فيه الفَضلُ الجسيمُ، والأجرُ العظيمُ، إن شاءَ اللَّه. حدَّثنا يوسُفُ بن محمدِ بن يُوسُفَ ومحمدُ بن إبراهيمَ وعبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قالوا: حدَّثنا أحمدُ بن مُطرِّفٍ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن عُثمان، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا بَشِيرٌ أبو إسماعيل (٢)،

стр. 5916

قال: حدَّثنا سيّارٌ أبو الحَكَم (١)، عن طارِقِ بن شِهاب، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "إنَّ بينَ يَدَيِ السّاعةِ التَّسْليمَ على الخاصّةِ، وفُشُوَّ التِّجارةِ حتّى تُعِينَ المرأةُ زَوْجَها على التِّجارةِ، وقَطْعَ الأرْحام، وفُشُوَّ القَلَم، وظُهُورَ شَهادةِ الزُّورِ، وكِتْمانَ شَهادةِ الحقِّ" (٢). قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحَديثِ: "وفُشُوَّ القَلَم" فإنَّهُ أرادَ ظُهُورَ الكِتابِ (٣)، وكثرةَ الكُتّابِ. رَوَى المُباركُ بن فَضَالةَ، عنِ الحسنِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا تقُومُ السّاعةُ حتّى يُرفَع العِلمُ، ويَفِيضَ المالُ، ويَظْهَرَ القَلَمُ، ويَكثُرَ التُّجّارُ" (٤). قال الحسنُ: لقد أَتَى علينا زَمانٌ، إنَّما يُقالُ: تاجِرُ بني فُلانٍ، وكاتِبُ بني فُلانٍ، ما يكونُ في الحيِّ إلّا التّاجِرُ الواحِدُ، والكاتِبُ الواحِدُ. قال الحسنُ: واللَّه إن كان الرَّجُلُ ليأتي الحيَّ العَظِيمَ، فما يجِدُ به كاتِبًا.

стр. 5917

وقد رَوَى ابنُ إدريسَ، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن عبدِ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان، عن زيدِ بن خالدٍ الجُهنيِّ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ألا أُنبِّئُكُم بخَيرِ الشُّهداءِ؟ هُمُ الذين يَبْدُرُون بشَهادتِهِم قبلَ أن يُسألُوا عنها". هكذا قال في إسنادِهِ، لم يذكُر: أبا عمرةَ، ولا ابن أبي عَمرةَ. ذكرَهُ ابنُ أبي شيبةَ، عنِ ابنِ إدريسَ (١). ورواهُ حاتِمُ بن إسماعيل، عن محمدِ بن عُمارةَ، عن أبي بكر بن محمدٍ، عن زيدِ بن خالدٍ. فأفسدَ إسنادهُ. وأمّا لَفظُهُ فلم يختلِف في مَعناهُ، وهُو معنًى صحيحٌ؛ لأنَّ أداءَ الشَّهادةِ فِعلُ خيرٍ، ومعلُومٌ أنَّ من بدر إلى فِعلِ الخيرِ، حُمِد لهُ ذلك، ومُدِح به (٢) وفُضِّل، واللَّه يُوفِّقُ من يَشاءُ لا شريكَ لهُ. وقد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ من حديثِ العِراقيِّينَ، حديثٌ يُعارِضُ (٣) ظاهرُهُ هذا الحديثِ، وليسَ كذلك. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٤): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، قال: حدَّثنا هِلالُ بن يِسافٍ، عن عِمرانَ بن حُصَينٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ :

стр. 5918

"خَيْرُ النّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يلُونهُم، ثُمَّ الذينَ يَلُونهُم، ثُمَّ يجيءُ قومٌ يَتَسمَّنُونَ ويُحِبُّون السِّمَنَ (١)، يُعطُونَ الشَّهادةَ قبلَ أن يُسْألُوها". حدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٢): حدَّثنا ابنُ فُضَيلٍ، عنِ الأعْمَشِ، عن عليِّ بن مُدْرِكٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن عِمرانَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ نحوهُ. قال أبو عُمر: أدخلَ ابنُ فُضَيلٍ بينَ الأعمشِ وبينَ هِلالٍ في هذا الحديث: عليَّ بن مُدرِكٍ. وتابَعهُ على ذلك عبدُ اللَّه بن إدريس، ومنصُورُ بن أبي الأسودِ (٣). وهُو الصَّوابُ. وهذا عِندي، واللَّهُ أعلمُ، إنَّما جاءَ من قِبَلِ الأعمشِ؛ لأنَّهُ كان يُدلِّسُ أحيانًا، وقد يُمكِنُ أن يكونَ من قِبَلِ حِفْظِ وكيع لذلك، وإن كان حافِظًا، أو من قِبَلِ أبي خَيْثمةَ، لأنَّ فيه: حدَّثنا هِلالُ بن يِسافٍ، وليس بشيءٍ، وإنَّما الحديثُ للأعمشِ، عن عليِّ بن مُدرِكٍ، عن هِلالٍ، واللَّه أعلمُ (٤).

стр. 5919

وقد روى الأعمشُ، عن هِلالِ بن يِسافٍ غير ما حديثٍ. وقد رَوَى هذا الحديِث شُعبةُ، عن عليِّ بن مُدرِكٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، عن رجُلٍ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، لم يقُل: عن عِمران بن حُصينٍ. أخبَرناهُ محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي عديٍّ، عن شُعبةَ، عن عليِّ بن مُدْرِكٍ، عن هِلالِ بن يِسافٍ، قال: قدِمتُ البَصْرةَ، فإذا رَجُلٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، ليسَ أنس بن مالكٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "خيرُ النّاسِ قَرْني، ثُمَّ الذينَ يلُونهُم، ثُمَّ يجيءُ قومٌ سِمانٌ، يُعطُونَ الشَّهادةَ، ولا يُسألُونها". قال أبو عُمر: هذا الحديثُ في إسنادِهِ اضْطِرابٌ، وليسَ مِثلُهُ يُعارَضُ به حديثُ مالكٍ؛ لأنَّهُ من نَقلِ ثِقاتِ أهلِ المدينةِ، وهذا حديثٌ كُوفيٌّ لا أصلَ لهُ، ولو صحَّ، كان معناهُ كمَعنَى حديثِ ابنِ مسعُودٍ، على ما فسَّرهُ إبراهيمُ النَّخعيُّ فقيهُ الكُوفةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٢): حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا جَريرٌ، عن مَنصُورٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبيدةَ السَّلمانيِّ، عن عبدِ اللَّه، قال: سُئلَ رسُولُ اللَّه ﷺ : أيُّ النّاسِ خَيْرٌ؟ قال:

стр. 5920

"قَرْني، ثُمَّ الذين يلُونهُم، ثُمَّ الذين يلُونهُم، ثُمَّ يجيءُ قومٌ تَبْدُرُ شَهادةُ أحدِهِم يَمِينَهُ، ويمينُهُ شَهادَتَهُ". قال إبراهيمُ: كانوا يَنْهُوننا ونحنُ صِبيانٌ عنِ العَهدِ، والشَّهاداتِ. قال أبو عُمر: معنى هذا عندَهُمُ: النَّهيُ عن قولِ الرَّجُلِ: أشهدُ باللَّه، وعليَّ عَهدُ اللَّه، ونحو ذلك، والبِدارِ إلى ذلك، وإلى اليمينِ في كلِّ ما لا يصلُحُ، وما يَصْلُحُ، واللَّه أعلمُ. وليسَ هذا الحديثُ من بابِ أداءِ الشَّهادةِ في شيءٍ، وقد سَمَّى اللَّهُ أيمانَ اللِّعانِ شهاداتٍ، فقال: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٦] وهذا واضِحٌ، يُغني عنِ الإكثارِ فيه. وحديثُ أهلِ المدينةِ في هذا البابِ حديثٌ صحيحٌ مُستعملٌ، لا يدفعُهُ نَظَرٌ، ولا خبرٌ واللَّه المُستعانُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، قال: أخبَرنا محمدُ بن مُسلِم، عن عَمرِو بن دينارٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: إذا كان عندَكَ لأحَدٍ شَهادةٌ، فسألكَ عنها فأخبِرهُ بها، ولا تَقُلْ: لا أُخبِرُكَ إلّا عندَ الأميرِ، أخبِرهُ بها لَعلَّهُ أن يرجِعَ، أو يَرْعوي. قال (٢): وأخبَرنا محمدُ بن مُسلِم، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، قال: بَلَغني أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "خَيْرُ الشُّهداءِ من أدَّى شَهادتَهُ قبلَ أن يُسألَ عنها". قال أبو عُمر: أبو عَمْرةَ الأنصاريُّ، والِدُ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي عَمرةَ هذا، اسمُهُ ثعلبةُ بن عَمرِو بن مُحصِنٍ.

стр. 5921

حديثٌ سادِسَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، عن عَمرِو بن سُلَيم الزُّرقيِّ، أنَّهُ قال: أخبَرني أبو حُميدٍ السّاعِديُّ، أنَّهُم قالوا لرسُولِ (٢) اللَّه ﷺ : كيفَ نُصلِّي عليكَ؟ فقال: "قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيتَ على إبراهيمَ (٣)، وبارِك على محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما بارَكْتَ على إبراهيمَ (٤)، إنَّك حميدٌ مجيدٌ" (٥). اسْتَدلَّ قومٌ بهذا الحديثِ، على أنَّ آلَ محمدٍ، هُم أزواجُهُ وذُرِّيَّتُهُ خاصّةً، لقولِهِ في حديثِ مالكٍ (٦)، عن نُعيم المُجمِرِ، وفي غيرِ ما حديثٍ: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ، وعلى آلِ محمدٍ". وفي هذا الحديثِ: "اللَّهُمَّ صلِّ على محمدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِه". فقالوا: هذا يُفسِّرُ ذلك الحديثَ، ويُبيِّنُ أنَّ آلَ محمدٍ، هُم أزواجُهُ وذُرِّيَّتُهُ.

стр. 5922

هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ رُواتِهِ، فيما عَلِمتُ. ورُوِيَ عن عيسى بن يُونُسَ، عن مالكٍ، عن محمدٍ وعبدِ اللَّه ابْنَي أبي بكرٍ، عن أبيهما، عن عَمرِو بن سُليم، عن أبي حُميدٍ السّاعِديِّ (١). وذِكرُ محمدِ بن أبي بكرٍ فيه غريبٌ، إن صحَّ. قالوا: فجائزٌ أن يقولَ الرَّجُلُ لكلِّ من كان من أزواج محمدٍ ﷺ ، ومن ذُرِّيَّتِهِ: صلَّى اللَّهُ عليكَ، إذا واجَههُ (٢)، وصلَّى اللَّهُ عليه، إذا غابَ عنهُ، ولا يجُوزُ ذلك في غيرِهِم (٣). قالوا: والآلُ، والأهلُ سواءٌ، وأهلُ الرَّجُلِ وآلُهُ سواءٌ، وهُمُ الأزواجُ، والذُّرِّيّةُ، بدليلِ هذا الحديثِ. وقال جماعةٌ من أهلِ العِلم: الأهلُ معلُومٌ، والآلُ الأتباعُ. وقد ذكَرْنا وجهَ قولِ كلِّ واحِدٍ، في بابِ نُعيم المُجمِرِ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وقال آخرُونَ: لا يجُوزُ أن يُصلَّى على أحدٍ، إلّا على النَّبيِّ ﷺ وحَدهُ، دُونَ غيرِهِ، لأنَّهُ خُصَّ بذلك. واستدلُّوا بقولِهِ : ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣]. قالوا: وإذا ذكَرَ رسُولَ اللَّه ﷺ أحدٌ من أُمَّتِهِ، انْبَغَى لهُ أن يُصلِّي عليه، لما جاءَ في ذلك عنهُ، من قولِهِ ﵇: "من صلَّى عليَّ مرّةً، صلَّى اللَّهُ عليه

стр. 5923

عَشْرًا" (١). ولا يجُوزُ أن يُتراحَمَ عليه، لأنَّهُ لم يَقُل: من تراحَمَ عليَّ. ولا: من دعا لي. وإن كانتِ الصَّلاةُ هاهُنا، معناها الرَّحمةُ، فكأنَّهُ خُصَّ بهذا اللَّفظِ، تعظيمًا لهُ، قال اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]، ولم يقُل: إنَّ اللَّهَ وملائكتهُ يتراحمُونَ على النَّبيِّ، وإن كان المعنى واحِدًا، ليخُصَّهُ بذلك، واللَّه أعلمُ. واحتجَّ قائلُو هذه المقالةِ، بأنَّ عبدَ اللَّه بن عبّاسٍ كان يقولُ: لا يُصلَّى على أحَدٍ، إلّا على النَّبيِّ ﷺ (٢). وبِما رُوي عن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: أنَّهُ كان يَقِفُ على قَبْرِ النَّبيِّ ﵇، فيُصلِّي عليه، ويدعُو لأبي بكرٍ، وعُمرَ. وقد رُوي في خَبرِهِ هذا: أنَّهُ كان يُصلِّي على النَّبيِّ ﵇، وعلى أبي بكرٍ، وعُمرَ (٣). والأوَّلُ عندَ قائلي هذه المقالةِ أثبتُ عنهُ. وقال آخرُونَ: جائزٌ أن يُصلَّى على كلِّ أحدٍ من المُسلِمينَ، وقالوا: آلُ محمدٍ أتباعُهُ وشِيعتُهُ، وأهلُ دينِهِ هُم آلُهُ. واحتجُّوا بقولِ اللَّه : ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] قالوا: ومعلُومٌ أنَّ آل فِرعونَ، أتباعُهُ على دينِهِ.

стр. 5924

واحتجُّوا أيضًا بحديثِ عبدِ اللَّه بن أبي أوفَى؛ حدَّثناهُ سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن رَوْح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن عَمرِو (١) بن مُرّةَ، عن عبدِ اللَّه بن أبي أوْفَى: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان إذا أتاهُ قومٌ بصَدَقتِهِم، قال: "اللَّهُمَّ صلِّ عليهم". فأتاهُ أبي بصدَقتِهِ، فقال: "اللَّهُمَّ صلِّ على آلِ أبي أوْفَى" (٢). قالوا: ففي هذا الحديثِ بيانُ أنَّ الصَّلاةَ على كلِّ أحَدٍ جائزةٌ من كلِّ أحَدٍ، اقتِداءً برسُولِ اللَّه ﷺ ، وتأسِّيًا به، لأنَّهُ كان ﵇ يَمْتثِلُ قولَ اللَّه : ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣]. قالوا: ومعلُومٌ أنَّ الصَّلاةَ هاهُنا الرَّحمةُ والتَّراحُمُ، فغيرُ نَكيرٍ أن يجُوزَ من كلِّ أحَدٍ، على كلِّ أحدٍ (٣) من المُسلِمينَ، بدليلِ الكِتابِ والسُّنّةِ. قال أبو عُمر: كلُّ ما ذكَرْنا، قد قالهُ العُلماءُ فيما وصَفْنا، وباللَّه توفيقُنا.

стр. 5925

وقد أخبَرَنا إبراهيمُ بن شاكِرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمدَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا عَمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو قُتَيبةَ، قال: حدَّثنا الثَّوريُّ، عنِ الأسْوَدِ بن قَيْسٍ، عن نُبَيح العَنَزيِّ، عن جابرِ بن عبدِ اللَّه، قال: أتاني النَّبيُّ ﵇، فقلتُ لامرأتي: لا تسألي النَّبيَّ ﷺ شيئًا، فقالت: يخرُجُ رسُولُ اللَّه ﷺ من عِندِنا، ولا نسألُهُ شيئًا. قالت: يا رسُولَ اللَّه، صلِّ على زَوْجي. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "صلَّى اللَّهُ عليكِ، وعلى زَوْجِكِ (١) " (٢). وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في وُجُوبِ الصَّلاةِ على النَّبيِّ ﷺ ، وكيفيّةِ وُجُوبِها، وموضِعِ ذلك، فقد مَضَى فيما سلفَ من كِتابِنا، في بابِ نُعَيم المُجمرِ، والحمدُ للَّه.

стр. 5926

حديثٌ سابعَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ أبا سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ أخبرهُ: أنَّ أُمَّ سُلَيم بنتَ مِلْحانَ اسْتَفتَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ ، وحاضَتْ، أو ولدَتْ بعدَ ما أفاضَتْ يومَ النَّحرِ، فأذِنَ لها رسُولُ اللَّه ﷺ ، فخَرجَتْ. هكذا هذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ الرُّواةِ، عن مالكٍ، فيما علِمتُ (٢)، ولا أحْفَظُهُ عن أُمِّ سُلَيم إلّا من هذا الوَجهِ، وهُو مُنقطِعٌ، وأعرِفُهُ أيضًا من حديثِ هشام، عن قَتادةَ، عن عِكْرِمةَ: أنَّ أُمَّ سُلَيم اسْتَفتَتْ رسُولَ اللَّه ﷺ ، بمعناهُ (٣). وهذا أيضًا مُنْقطِعٌ، والمحفُوظُ في هذا الحديثِ: عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، قِصّةُ صفيّةَ. وحديثُ عائشةَ في قِصّةِ صفيّةَ مُتواتِرُ الطُّرُقِ عن عائشةَ. وأمّا حديثُ أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ في ذلك: فحدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): أخبَرنا قُتيبةُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ، عنِ ابنِ شِهاب، عن أبي سَلَمةَ وعُروةَ، أنَّ عائشةَ

стр. 5927

قالت: حاضَتْ صفيّةُ بنتُ حُييٍّ بعدَ ما أفاضَتْ، قالت عائشةُ: فذَكَرتُ حَيْضَتَها لرسُولِ اللَّه ﷺ ، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أحابِستُنا هي؟ ". فقلتُ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّها قد كانت أفاضَتْ وطافَتْ بالبيتِ، ثُمَّ حاضَتْ بعدَ الإفاضةِ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "فَلْتنفِرْ". ورَواهُ ابنُ وَهْبٍ (١)، عن يُونُس، عنِ الزُّهريِّ، عن أبي سَلَمةَ وعُروةَ (٢)، عن عائشةَ مِثلهُ. ورواهُ محمدُ بن إبراهيمَ بن الحارِثِ التَّيميُّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ، مِثلهُ بمعناهُ (٣). وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: أخبَرنا حَمْزةُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤): أخبَرنا عبدُ الملكِ بن شُعَيبِ بن اللَّيثِ بن سعدٍ، قال: أخبَرني أبي، عن جدِّي، قال: حدَّثني جَعْفرُ بن ربيعةَ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن هُرمُز، عن أبي سَلَمةَ، أنَّ عائشةَ قالت: حَجَجنا مع رسُولِ اللَّه ﷺ ، فأفَضْنا يومَ النَّحرِ، وحاضَتْ صفيّةُ، فأرادَ رسُولُ اللَّه ﷺ منها ما يُريدُ الرَّجُلُ منَ امرأتِهِ، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّها حائضٌ، فقال: "أحابِستُنا هي؟ ". قالوا: يا رسُولَ اللَّه، قد أفاضَتْ يومَ النَّحرِ، قال: "اخرُجُوا".

стр. 5928

وقد رَوَى هذا الحديثَ محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّ صفيّةَ حاضَتْ. . . الحديثَ (١). والصَّوابُ عندَ أهلِ العِلْم بالحديثِ في هذا الإسْنادِ، قولُ الزُّهْريِّ، عن أبي سَلَمةَ، عن عائشةَ. وقد مَضَى القولُ في معنى هذا الحديثِ فيما تقدَّمَ، في بابِ عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه، وبه التَّوفيقُ.

стр. 5929

حديثٌ ثامِنَ عشَرَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ، أنَّها أخبَرتهُ هذه الأحاديثَ الثَّلاثةَ، قالت زَيْنبُ: دَخلتُ على أمِّ حَبِيبةَ زَوْج النَّبيِّ ﷺ ، حينَ تُوُفِّي أبوها، أبو سُفيانَ بن حربٍ، فدَعَتْ أُمُّ حبيبةَ بطِيبٍ فيه صُفرةٌ خلُوقٌ، أو غيرُهُ، فدهَنَتْ به جاريةً، ثُمَّ مَسَحَتْ بعارِضَيْها، ثُمَّ قالت: واللَّه ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غيَر أنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقوُل: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثَلاثِ ليالٍ، إلّا على زَوْج، أربَعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا". قالت زينبُ: ثُمَّ دَخَلتُ على زَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ زَوْج النَّبيِّ ﷺ ، حينَ تُوُفِّي أخُوها، فدعَتْ بطيبٍ، فمسَّت منهُ، ثُمَّ قالت: واللَّه ما لي بالطِّيبِ من حاجةٍ، غير أنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقوُل: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ تُؤمِنُ باللَّه، واليوم الآخِرِ، تُحِدُّ على مَيِّتٍ فوقَ ثلاث إلّا زَوْج، أربَعةَ أشهُرٍ وعشرًا". قالت زينبُ: وسَمِعتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمةَ، زَوْجَ النَّبيِّ ﷺ تقوُل: جاءَتِ امرأةٌ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ ، فقالت: يا رسُولَ اللَّه، إنَّ ابْنَتي تُوُفِّي عنها زَوْجُها، وقَدِ اشْتَكَتْ عَيْنيها، أفتُكحِّلُهُما؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لا" مرَّتينِ، أو ثلًاثا، كلُّ ذلك يقولُ: "لا". ثُمَّ قال: "إنَّما هي أربَعةُ أشْهُرٍ وعشرًا، وقَدْ كانت إحْداكُنَّ في الجاهِليّةِ تَرْمِي بالبَعْرةِ على رأسِ الحَوْلِ". قال حُميدُ بن نافع: فقلتُ لزَيْنب: وما تَرْمي بالبَعْرةِ على رأسِ الحولِ؟ فقالت زينبُ: كانتِ المرأةُ إذا تُوُفِّي عنها زَوْجُها، دَخلَتْ حِفشًا (٢)، ولَبِسَتْ شرَّ ثيابِها، ولم تَمسَّ طيبًا، ولا شيئًا، حتّى تمُرَّ بها سَنةٌ، ثُمَّ تُؤتى بدابّةٍ: حِمارٍ، أو شاةٍ، أو

стр. 5930

طائرٍ، فتَفتضُّ به، فقلَّما تَفتضُّ بشيءٍ، إلّا مات، ثُمَّ تخرُجُ، فتُعطَى بَعْرةً، فتَرْمِي بها، ثُمَّ تُراجِعُ بَعدُ ما شاءَت من طِيبٍ، أو غيرِهِ. قال مالكٌ: الحِفْشُ: البيتُ الرَّديءُ. وتَفْتضُّ: تَمْسحُ به جِلْدَها، كالنُّشرةِ (١). قال أبو عُمر: حُميدُ (٢) بن نافع هذا، هُو أبو أفْلَحَ بن حُميدٍ، وهُو مولى صَفْوان بن خالدٍ، ويُقالُ: مولى أبي أيُّوبَ الأنصاريِّ، يُقالُ إنَّه: حُميدٌ صُفَيْرا (٣). رَوَى عن أبي أيُّوبَ، وحجَّ معهُ، ورَوَى عنِ ابنِ عُمرَ، وعن زَيْنبَ بنتِ أبي سَلَمةَ. وهُو ثِقةٌ مأمُونٌ. وهذه الجُملةُ من خَبرِهِ، عن أحمد بن حَنْبل، ومُصعبٍ الزُّبيريِّ، ولم يَسْمع مالكٌ منهُ شيئًا، ولا الثَّوريُّ، وهُما يرويانِ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عنهُ، وقد سمِعَ منهُ شُعبةُ هذا الحديثَ، وغيرهُ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قِراءةً منِّي عليه، أنَّ عُبيد اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ حدَّثهُم ببغدادَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغَويُّ، قال (٤): حدَّثنا إبراهيمُ بن هانئ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، قال: قال شُعبةُ: سألتُ عاصِمًا عنِ المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حَفْصةُ بنتُ سيرين: كتَبَ حُميدُ بن نافع إلى حُميدٍ الحِمْيريِّ، فذكرَ حديث زَيْنب بنتِ أبي سلمةَ. قال شُعبةُ: فقلتُ لعاصِم: أنا قد سَمِعتُهُ من حُميدِ بن نافع، قال: أنت؟ قلتُ: نعم، وهُو ذاك حيٌّ. قال شُعبةُ: وكان عاصِمٌ يرى أنَّهُ قد مات مُنذُ مئةِ سَنةٍ.

стр. 5931

أخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (١): حدَّثنا أحمدُ بن حَنْبل، قال: حدَّثنا حجّاجُ بن محمدٍ، قال: قال شُعبةُ: سألتُ عاصِمًا الأحْوَل، عنِ المرأةِ تُحِدُّ، فقال: قالت حَفْصةُ بنتُ سِيرينَ: كتَبَ حُميدُ بن نافع إلى حُميدٍ الحِميَريِّ، فذكَرَ حديثَ زَيْنبَ بنتِ أُمِّ (٢) سَلَمةَ. قال شُعبةُ: قلتُ لعاصِم: قد سَمِعتُهُ أنا من حُميدِ بن نافع. قال: أنتَ؟ قلتُ: نعم، وهُو ذاكَ حيٌّ. قال شُعبةُ: وكان عاصِمٌ يَرى أنَّهُ قد ماتَ مُنذُ مئةِ سَنةٍ. أخبَرنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٣): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن حُميدِ بن نافع، قال: سمِعتُ زَيْنبَ بنتَ أبي سَلَمةَ، تُحدِّثُ عن أُمِّها: أنَّ امرأةً تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فرمِدَتْ عينُها، فأتَوُا النَّبيَّ ﷺ فاستأذنُوهُ في الكُحلِ، فقال: "لا". وقال: "أربَعةَ أشهُرٍ وعشرًا". قال البَغَويُّ (٤): روى هذا الحديثَ عن شُعبةَ: النَّضرُ بن شُمَيلٍ، ويحيى بن أبي بُكيرٍ، وأبو النَّضرِ، فزادُوا فيه كلامًا ليسَ في حديثِ عليِّ بن الجعدِ. حدَّثناهُ جدِّي، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ. وحدَّثنا خلّادٌ، قال: أخبَرنا النَّضرُ بن شُمَيلٍ. وحدَّثنا يعقُوبُ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ. وهذا لفظُ حديثِ يَعقُوب، قال: أخبَرنا شُعبةُ، قال: حُميدُ بن نافع أخبَرني، قال: سمِعتُ زينبَ بنتَ أُمِّ سلمةَ

стр. 5932

تُحدِّثُ، عن أُمِّها: أنَّ امْرأةً تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فاشْتَكَتْ عينَها، وخَشُوا على عَينِها، فسُئلَ عن ذلك النَّبيُّ ﷺ ، فقال: "قد كانت إحداكُنَّ تمَكُثُ في شرِّ أحْلاسِها في بَيْتِها إلى الحَوْلِ، فإذا كان الحَوْلُ، فمرَّ كَلْبٌ، رَمَتهُ ببعرةٍ، ثُمَّ خرجَتْ، فلا، أربعةَ أشْهُرٍ وعَشْرًا". قال البَغَويُّ (١): ورَواهُ يحيى بن سَعيدٍ الأنصاريُّ، عن حُميدِ بن نافع. وزادَ فيه: أُمَّ حبيبةَ. حدَّثناهُ جدِّي ويعقُوبُ، قالا: حدَّثنا يزيدُ بن هارُونَ. وحدَّثنا أبو خَيْثمةَ، قال: حدَّثنا جريرٌ. جميعًا عن يحيى بن سعيدٍ، عن حُميدِ بن نافع، أنَّهُ سمِعَ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ تُحدِّثُ، عن أُمِّ سَلَمةَ وأُمِّ حبيبةَ، تذكُرانِ: أنَّ امرأةً أتَتِ رسُولَ اللَّه ﷺ فذكرَتْ: أنَّ ابْنةً لها تُوُفِّي عنها زَوْجُها، فاشْتَكَتْ عينها. وذكرَ الحديثَ. قال (٢): وحدَّثني جَدِّي، قال: حدَّثنا أبو قَطَنٍ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن حُميدِ بن نافع، عن زَيْنبَ بنتِ أُمِّ سَلَمةَ، عن أُمِّ حَبِيبةَ: أنَّ نَسِيبًا لها، أو حميمًا تُوُفِّي، وأنَّها دعَتْ بصُفرةٍ، فمَسحَتْ يَدَيها وقالت: إنَّما أصْنَعُ هذا لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا يحِلُّ لامْرأةٍ أن تُحِدَّ على ميِّتٍ فوقَ ثلاثٍ، إلّا على زوج". قال (٣): وحدَّثنيهُ يَعقُوبُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا يحيى بن أبي بُكيرٍ (٤)، قال: حدَّثنا شُعبةُ بإسنادِهِ مِثلهُ. وزادَ فيه: "أربعةَ أشهُرٍ وعشرًا". قال البَغويُّ (٥): وأخبَرنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثني مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن حُمَيدِ بن نافع، فذكَرَ الأحاديثَ الثَّلاثةَ، عن زَيْنب، عن أُمِّ حَبِيبةَ، وزَيْنبَ بنتِ جَحْشٍ، وأُمِّ سَلَمةَ سَواءً.
следующие страницы →