← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 5998–6037 · переход к 6003.

стр. 5998

الأنفِ إذا أُوعِيَ جدعًا مئةٌ من الإبِلِ، وفي العَيْنِ خمسُونَ من الإبِلِ، وفي الأُذُنِ خمسُونَ من الإبِلِ، وفي اليَدِ خمسُونَ من الإبِلِ، وفي الرِّجلِ خمسُونَ من الإبِلِ، وفي كلِّ إصْبَع مِمّا هُنالك عَشْرٌ من الإبِلِ، وفي المأمُومةِ ثُلُثُ النَّفسِ، وفي الجائفةِ ثُلُثُ النَّفسِ، وفي المُنقِّلةِ خمسَ عَشْرةَ، وفي المُوضِحةِ خَمْسٌ من الإبِلِ، وفي السِّنِّ خمسٌ من الإبِلِ". قال ابنُ شِهابٍ: فهذا الذي قَرأتُ في الكِتابِ الذي كتَبهُ رسُولُ اللَّه ﷺ عندَ أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حزم. قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ مُجتَمعٌ عليه، إلّا ما ذَكَرتُ لك من الثَّنايا، والأضْراسِ. وأمّا الأُذُنُ، فمِنهُم من حَملهُ على السَّمع، ومنهُم من جَعلهُ الأُذُن، وهذا اختِلافٌ. فأمّا مالكٌ (١)، فقال: في الأُذُنينِ حُكُومةٌ، وفي السَّمع الدِّيةُ. وقال الشّافِعيُّ (٢) وأبو حَنِيفةَ والثَّوريُّ واللَّيثُ: في الأُذُنيَنِ الدِّيةُ، وفي السَّمع الدِّيةُ (٣). ورُوِي عن عُمرَ، وعليٍّ في الأُذُنينِ مِثلُ ذلك (٤). قال أبو عُمر: أمّا كِتابُ عَمرِو بن حزم، على ما رواهُ سُليمانُ بن داودَ، عنِ الزُّهريِّ، في الصَّدَقاتِ والدِّياتِ، فطَويلٌ، وقد ذكَرْنا منهُ في بابِنا هذا ما وافَقَهُ، وسنذكُر بتمامِهِ في غيرِ هذا المَوْضِع إن شاءَ اللَّه (٥).

стр. 5999

حديثٌ حادي عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مُرسلٌ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه: أنَّ رسولَ اللَّه ﷺ اسْتَعملَ رجُلًا من بني عبدِ الأشْهَلِ على الصَّدقةِ، فلّما قدِمَ، سَألهُ إبِلًا من إبِلِ الصَّدقةِ، فغضِبَ رسولُ اللَّه ﷺ ، حتّى عُرِفَ الغَضَبُ في وجهِهِ، وكان مِمّا يُعرَفُ به الغَضَبُ في وجهِهِ، أن تَحمرَّ عيناهُ، ثُمَّ قال: "إنَّ الرَّجُلَ يَسْألُني ما لا يَصْلُحُ لي، ولا لهُ، فإن مَنعته كَرِهتُ المنع، وإن أعْطَيتُهُ، أعْطيتُهُ ما لا يصلُحُ لي، ولا لهُ". فقال الرَّجُلُ: يا رسولَ اللَّه لا أسألُكَ منها شيئًا أبدًا. هكذا رَوى هذا الحديثَ جَماعةُ الرُّواةِ فيما علِمتُ، عن مالكٍ مُرسلًا (٢)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ. ورواهُ أحمدُ بن منصُورٍ التَّلِّيُّ، عن مالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أنَسٍ (٣).

стр. 6000

حدَّثناهُ خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الحَسَنِ أحمدُ بن محمُودِ بن أحمد بن خُلَيدٍ الشَّمّاعُ، قال: حدَّثنا أبو شُعَيبٍ عبدُ اللَّه بنُ الحَسَنِ بن أحمد بن أبي شُعَيبٍ الحرّانيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن مَنصُورٍ التَّلِّيُّ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، عن أنَسٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ اسْتعملَ رَجُلًا من بني عبدِ الأشْهَلِ على الصَّدَقةِ، فلمّا قدِمَ، سَألهُ بَعِيرًا من الصَّدقةِ، فغَضِبَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، حتّى عُرِفَ الغَضَبُ في وَجْهِهِ. هكذا حدَّثنا لم يزِد. قال أبو عُمر: أمّا استِعمالُ رسُولِ اللَّه ﷺ على الصَّدقاتِ أصْحابهُ من بني عبدِ الأشهلِ، وهُمْ من الأنصارِ، ومن الأزْدِ، وغيرِهِم، فمَعرُوفٌ مشهُورٌ في الآثارِ والسِّيرِ. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: فلمّا قدِمَ سألهُ إبِلًا من إبِلِ الصَّدقةِ. فهذا عِندِي يَحتمِلُ أن يكونَ سألهُ من إبِلِ الصَّدقةِ شيئًا زائدًا على قَدْرِ عُمالتِهِ (١) لا يستحِقُّهُ بها، وكأنَّهُ أدلَى بعُمالتِهِ، وظنَّ أنَّهُ سَيزيدُهُ على ما يَجِبُ لهُ من سَهْمِهِ أو أجرِهِ، فغضِبَ لذلك رسُولُ اللَّه ﷺ ، إذ سَألهُ ما لا يصلُحُ. وهكذا كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَغْضبُ، إذا رأى ما لا يصلُحُ (٢)، أو سمِعَ به، وكان في غَضَبِهِ لا يَتَعدَّى ما حَدَّ لهُ ربُّهُ ، ولا يَزِيدُ على أن تَحمرَّ وَجْنتاهُ وعَيناهُ، إلّا أن يكونَ حَدًّا للَّه، فيقومَ للَّه به ﷺ . ولا يَجُوزُ أن يَحمِلَ أحدٌ هذا الحديثَ، على أنَّ العامِلَ على الصَّدقاتِ سَألهُ ما يجِبُ لهُ من سَهمِهِ، وحقِّهِ في العَملِ عليها، فمَنَعهُ، وغضِبَ لذلك، هذا ما لا يحِلُّ لأحدٍ أن يظُنَّهُ؛ لأنَّ اللَّهَ قد جعلَ في الصَّدقاتِ للعامِلينَ عليها حقًّا واجِبًا. وقدِ اختَلَفَ العُلماءُ في ذلك الحقِّ: ما هُو؟

стр. 6001

فذهَبَت منهُم طائفةٌ، إلى أنَّ ذلك سَهْمٌ من ثمانيةِ أسْهُم، وأنَّ الصَّدقاتِ مَقْسُومةٌ على ثمانيةِ أسْهُم منها للعامِلينَ عليها سَهْمٌ. ومِمَّن ذهَبَ إلى هذا جَماعةٌ، منهُم: الشّافِعيُّ، في أحدِ قوليهِ. وقال آخرُونَ: إنَّما للعامِلِ عليها قَدرُ عُمالتِهِ، قد يكونُ ثُمنًا، ويكونُ أقلَّ ويكونُ أكثر. وممّن ذهَبَ إلى هذا: مالكُ بن أنَسٍ (١)، وأبو حنيفةَ، وأبو ثورٍ (٢). وقال آخرُونَ: لهُ أجرُهُ في ذلك بقَدْرِ سَعْيِهِ، ولا يُزادُ على الثُّمُنِ. ورَوَى سعيدُ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، أنَّهُ قال: تُقسَمُ الصَّدقةُ على الأسْهُم الثَّمانيةِ بالسَّويّةِ. وعن أبي جعفرٍ محمدِ بن عليٍّ مِثلُهُ (٣). وبه قال الشّافِعيُّ وأصحابُهُ، وهُو قولُ عِكرِمةَ أيضًا (٤). وقد قال الشّافِعيُّ (٥) في العامِلين على الصَّدقاتِ: إنَّهُم يُعطَونَ منها بقَدرِ أُجُورِ أمثالِهِم. وهُو المشهُورُ عنِ الشّافِعيِّ. ورَوَى الأخْضَرُ بن عَجْلان، عن رَجُلٍ قد سمّاهُ، قال: سألتُ عبدَ اللَّه بن عَمرٍو: ما للعامِلينَ على الصَّدَقةِ؟ قال: بقدَرِ عُمالتِهِم (٦). وقال أبو حَنِيفةَ: يُعْطَى العامِلُ ما يَسَعُهُ وَيَسَعُ أعوانهُ. قال: ولا أعرِفُ الثُّمُن.

стр. 6002

وقال مالكٌ (١): ليس للعامِلِ على الصَّدقةِ فريضةٌ مُسمّاةٌ، وإنَّما ذلك إلى الإمام يجتهِدُ في ذلك. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ ومالكٌ وأصحابُهُ: ليسَ قَسْمُ الصَّدقاتِ على أهلِ السُّهمانِ كالميراثِ، ولكِنَّ الواليَ يَقسِمُها على ما يَرى من حاجَتِهِم، ويُؤثِرُ أهل الحاجةِ والعُذرِ، حَيْثُ كانوا. قال مالكٌ (٢): وعَسَى أن تَنْتقِلَ الحاجةُ إلى الصِّنفِ الآخَرِ بعدَ عام، أو عامينِ، فيُؤثِرُ أهل الحاجةِ والعُذرِ حيثُ كانوا. وقال محمدُ بن الحسنِ (٣): يُعطي الإمامُ للعامِلين عُمالتهُم بما يرى. وذكر أبو عُبيدٍ: أنَّ قولَ الثَّوريِّ في هذه المسألةِ كقَولِ مالكٍ. وبه قال أبو عُبيدٍ. وقال الزُّهْريُّ، في قَولِ اللَّه : ﴿إِوَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ [التوبة: ٦٠]: هُمُ السُّعاةُ (٤). وقال قَتادةُ: هُم جُباتُها الذين يَجْبُونها (٥). وقال الشّافِعيُّ (٦): هُمُ المُتولُّون لقَبْضِها. قرأتُ على أبي القاسم خَلَفِ بن القاسم، ﵀، أنَّ إبراهيمَ بن محمدٍ الدَّيبُليَّ حدَّثهُم بمكّةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عليِّ بن زيدٍ الصّائغُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكّارٍ العَيْشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَواءٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن أبي عَرُوبةَ،

стр. 6003

عن قَتادةَ، عن أبي السَّوّارِ، عن عِمْران بن حُصينٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ أشدَّ حياءً من العَذْراءِ في خِدْرِها. قال عِمرانُ: وكان إذا كرِهَ الشَّيءَ، عُرِفَ في وَجْهِهِ (١). حدَّثنا سعيدُ بن نَصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قِراءةً منِّي عليهما، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا الحَوْضيُّ وسُليمانُ بن حَرْبٍ، قالا: حدَّثنا شُعبةُ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن زيدِ بن عُقبةَ الفَزاريِّ، قال: سمِعتُ سمُرةَ بن جُندُب قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "المسائلُ كُدُوحٌ يَكْدحُ بها الرَّجُلُ وَجْهَهُ". وقال سُليمانُ: "يَكْدحُ بها الرَّجُلُ نَفْسهُ، فمن شاءَ أبْقَى على وَجهِهِ، أو نَفسِهِ، ومن شاءَ تركَ، إلّا أن يَسْألَ ذا سُلطانٍ، أو يَنْزِلَ به أمرٌ لا يَجِدُ منهُ بُدًّا" (٢). رواهُ ابنُ أبي شَيْبةَ (٣)، عن وكيع، عنِ الثَّوريِّ، عن عبدِ الملكِ بن عُمَيرٍ، عن يزيدَ بن عُقبةَ، عن سمُرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ . هكذا قال: يزيدُ بن عُقبةَ. وقال شُعبةُ: زيدُ بن عُقبةَ (٤). وصوابُهُ زيدُ بن عُقبةَ. وأخشى أن يكونَ: يزيد، صُحِّف على ابنِ أبي شيبةَ. وقد ذكَرْنا ما يجُوزُ فيه السُّؤالُ، ولمن يجُوزُ، ومن يَجُوزُ لهُ أخَذُ الصَّدقةِ من الأغْنِياءِ وغيرِهِم، في بابِ زيدِ بن أسلمَ، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا.

стр. 6004

حديثٌ ثاني عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مقطُوعٌ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ: أنَّ أبا طَلْحةَ الأنصاريَّ كان يُصلِّي في حائطٍ لهُ، فطارَ دُبسيٌّ (٢)، فطفِقَ يَتَردَّدُ يَلْتمِسُ مخرجًا، فأعجَبهُ ذلك، فجعلَ يُتبِعُهُ بَصرَهُ ساعةً، ثُمَّ رجَعَ إلى صَلاتِهِ، فإذا هُو لا يَدْري كم صلَّى، فقال: لقد أصابني في مالي هذا فِتْنةٌ، فجاءَ إلى رسُولِ اللَّه ﷺ ، فذكَرَ لهُ الذي أصابَهُ في حائطِهِ من الفِتْنةِ، وقال: يا رسُولَ اللَّه، هُو صَدَقةٌ للَّه، فضَعهُ حَيْثُ شِئتَ. هذا الحديثُ لا أعلمُهُ يُروى من غيرِ هذا الوَجْهِ، وهُو مُنْقطِعٌ. والأصلُ في هذا البابِ، أنَّ من سَها في صلاتِهِ، فلم يَدْرِ كم صلَّى، لشُغلِ بالِهِ بما يَنْظُرُ إليه، أو يُفكِّرُ فيه، فليَبْنِ على يَقينِهِ، على ما أحْكَمتهُ السُّنّةُ، في حديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ، وغيرِهِ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣)، على حَسَبِ ما ذكَرْناهُ في مَوْضِعِهِ من كِتابِنا هذا. وفي هذا الحديثِ دليلٌ على أنَّ النَّظرَ إلى ما يَشْغَلُ المُصلِّي، لا يُفسِدُ الصَّلاةَ، إذا بَنَى فيها على ما يجِبُ؛ لأنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لم يأمُرهُ بإعادةٍ. والأصلُ في هذا البابِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ (٤) نظرَ إلى خَمِيصةٍ لها عَلَمٌ في الصَّلاةِ، فشغلهُ النَّظرُ إلى أعْلامِها، فرَماها عن نَفسِهِ، ورَدَّها إلى أبي جَهْم، ولم يذكُر إعادةً، وهذا حديثٌ ثابتٌ عن عائشةَ، من حديثِ ابنِ شِهاب، عن عُروةَ،

стр. 6005

عن عائشةَ. وهُو عندَ مالكٍ (١)، عن عَلْقمةَ بن أبي عَلْقمةَ، عن أُمِّهِ، عن عائشةَ، وسيأتي في بابِهِ، إن شاءَ اللَّه. ومِن الدَّليلِ على ما ذكَرْنا وذَهَبنا إليه في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، عن (٢) عبدِ العزيزِ، عن أنسٍ، قال: كان قِرامٌ (٣) لعائشةَ قد ستَرَتْ به جانِبَ بَيْتِها، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أمِيطِي عنّا قِرامَكِ هذا، فإنَّهُ لا تَزالُ تَصاويرُهُ تَعرِضُ لي في صَلاتي" (٤). قال أبو عُمر: ولم يذكُر إعادةً. وقد رُوي من حَديثِ عبدِ اللَّه بن سَلَام، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صَلاةَ لمُلْتَفِتٍ" (٥). وهُو حديثٌ ليسَ بالقويِّ (٦). ومِن حديثِ عائشةَ، عن رسُولِ اللَّه ﷺ ، أنَّهُ قال: "الالْتِفاتُ في الصَّلاةِ، خِلْسةٌ يَخْتلِسُها الشَّيطانُ من صَلاةِ العَبدِ" (٧).

стр. 6006

ومن حديثِ أنَسٍ، قال: قال لي رسُولُ اللَّه ﷺ : "يا بُنيَّ، إيّاكَ والالتِفاتَ في الصَّلاةِ، فإنَّها هَلَكةٌ، فإن كان ولا بُدَّ، ففي النّافِلةِ" (١). وهذا يدُلُّ على أنَّ الصَّلاةَ لا تَفْسُدُ به؛ لأنَّ ما فسَدَتْ به النّافِلةُ، فسَدَتْ به الفريضةُ، إذا كان اجتِنابُهُ من فرائضِ الصَّلاةِ. على أنَّ هذه الأحاديث كلَّها من أحاديثِ الشُّيُوخ، لا يُحتجُّ بمِثلِها. وأصحُّ ما في هذا البابِ: ما حدَّثناهُ عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا عُثمانُ بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ، قالت: صلَّى رسُولُ اللَّه ﷺ في خَمِيصةٍ لها أعلامٌ (٣)، فقال: "شَغَلتني أعلامُ هذه، اذْهَبُوا بها (٤) إلى أبي جَهْم بن حُذَيفةَ، وائْتوِني بأنْبِجانيّةٍ". ففي هذا الحديثِ: أنَّ أعلامَ الخميصةِ شَغَلهُ النَّظرُ إليها ﷺ ، ولم يَذْكُر إعادةً، ولا استِئنافًا لصَلاتِهِ، ولا سُجُودَ سهوٍ. ولو كان شيءٌ من ذلك واجِبًا، لقالهُ ﷺ ، ولما سكَتَ عنهُ، ولو قالهُ لنُقِلَ، وكذلك لو فعلهُ لنُقِل عنهُ، كَنقلِ سائرِ السُّننِ.

стр. 6007

وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (١): حدَّثنا الرَّبيعُ بن نافع أبو تَوْبةَ، قال: حدَّثنا مُعاويةُ، يعني ابن سَلّام، عن زيدٍ، أنَّهُ سمِعَ أبا سَلّام، قال: حدَّثني السَّلُوِليُّ (٢)، وهُو أبو كَبْشةَ، عن سهْلِ بن الحَنْظليّةِ، قال: ثُوِّبَ بالصَّلاةِ، يعني: صلاةَ الصُّبح، فجَعلَ رسُولُ اللَّه ﷺ يُصلِّي وهُو يَلْتفِتُ إلى الشِّعبِ، يعني: وكان أرسلَ فارِسًا إلى الشِّعبِ من اللَّيلِ يَحْرُسُ. وأخبَرنا محمدُ بن إبراهيم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبَرنا إسحاقُ بن إبراهيمَ، قال: أخبَرنا الفضلُ بن

стр. 6008

مُوسى، قال: أخبَرنا عبدُ اللَّه بن سعيدِ بن أبي هِنْدٍ، عن ثَورِ بن زيدٍ، عن عِكْرِمةَ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَلْحظُ في صَلاتِهِ يمينًا وشِمالًا، ولا يَلْوي عُنُقهُ خلفَ ظَهْرِهِ. قال أبو عُمر: في أحاديثِ هذا البابِ كلِّها، مُسْنَدِها ومقطُوعِها، دليلٌ على أنَّ نظرَ المُصلِّي، من السُّنّةِ فيه أن يكون أمامهُ. وهُو المعرُوفُ الذي لا تَكلُّفَ فيه، ولذلك قال مالكٌ: يكونُ نَظرُ المُصلِّي أمامَ قِبلتِهِ. وقال الثَّوريُّ وأبو حنيفةَ والشّافِعيُّ والحسنُ بن حيٍّ: يُستَحبُّ أن يكونَ نَظرُهُ إلى مَوْضِع سُجُودِهِ (١). وقال شَريكٌ القاضي: ينظُرُ في القِيام إلى موضِع السُّجُودِ، وفي الرُّكُوع إلى مَوْضِع قَدَميهِ، وفي السُّجُودِ إلى أنفِهِ، وفي قُعُودِهِ إلى حِجرِهِ. قال أبو عُمر: هذا كلُّهُ تحديدٌ لم يثبُت به (٢) أثرٌ، وليس بواجِبٍ في النَّظرِ. ومن نظرَ إلى موضِع سجُودِهِ، كان أسلمَ لهُ، وأبعدَ من الاشتِغالِ بغيرِ صَلاتِهِ إن شاءَ اللَّه، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6009

وأمّا قولُهُ: لقد أصابَتني في مالي فِتْنةٌ. فالفِتَنُ على وُجُوهٍ: فأمّا فِتنةُ الرَّجُلِ في أهلِهِ ومالِهِ، فتكفيرُها الصَّلاةُ والصَّدقةُ. كذلك قال حُذيفةُ لعُمرَ في الحديثِ الصَّحيح، وصدَّقهُ عُمرُ، وقال: لستُ عن هذه أسألُك (١). وقال جماعةٌ من فُقهاءِ الحِجازِ والعِراقِ: إنَّ المعاصيَ كلَّها فِتنةٌ، تُكفِّرُها الصَّلاةُ والصَّومُ، ما لم يُواقِع الكبائرَ. دليلُ ذلك قولُ اللَّه : إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ﴾ [هود: ١١٤] نزلَتْ في رجُلٍ أصابَ منِ امرأةٍ ما ليسَ بكبيرةٍ (٢). ومنهُ قولُهُ ﷺ : "يا مَعْشرَ التُّجّارِ، إنَّ هذا البيعَ يشُوبُهُ الحَلِفُ والكَذِبُ، فشُوبُوهُ بالصَّدقةِ" (٣).

стр. 6010

وكلُّ من فُتِنَ بشيءٍ من المعاصي والشَّهَواتِ المحظُورةِ، فهُو مَفتُونٌ، إلّا أنَّهُ إن تركَ وأنابَ واسْتَغفرَ وتابَ، غُفِرَ لهُ، مع أدائهِ لصلاتِهِ وزَكاتِهِ وصَوْمِهِ، وهذه صِفاتُ المُذنِبينَ. وقد فُتِنَ الصّالِحُون وابتُلُوا بالذُّنُوبِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٣٥]. وقد يكونُ من هذا البابِ من الفِتْنةِ، ما هُو أشدُّ مِمّا وصفنا، وهُو الإصْرارُ على الذَّنبِ، والإقامةُ عليه منهُ، وأنَّه لم يأتِهِ، فنيَّتُهُ على تلك الحالِ، ويُحِبُّ أن تَسمَحَ نفسُهُ بتَرْكِ ما هُو عليه من قَبيح أفعالِهِ، وهُو مع ذلك لا يُقلِعُ عنها. فهذا وإن كان مُصِرًّا لم تأتِ منهُ توبةٌ، فهُو مُقِرٌّ بالذُّنُوبِ والتَّقصيرِ، يُحِبُّ أن يختِمَ اللَّهُ لهُ بخيرٍ، فيَغْفِرَ لهُ هذا برجائهِ، ولا يُقطَعَ عليه، وليسَتْ فِتنتُهُ بذلك تُخرِجُهُ عنِ الإسلام. وقال بعضُهُم: ولا هُو مِمَّن نُكِتَ (١) في قلبِهِ نُكتةٌ سوداءُ غلبَتْ عليه، فلا يعرِفُ معرُوفًا، ولا يُنكِرُ مُنكرًا، كما قال حُذيفةُ في ذلك الحديثِ؛ لأنَّهُ يُنكِرُ ما هُو عليه، ويَودُّ أنَّهُ تابَ منهُ. قالوا: وإنَّما ذلك في الأهواءِ المُرْديةِ، والبِدَع المُحدَثةِ التي تُتَّخذُ دينًا وإيمانًا، ويُشهَدُ بها على اللَّه تَعدِّيًا وافْتِراءً، ولا يُحِبُّ من فُتِنَ بها أن يُقَصِّرَ فيها، ولا يَنْتقِلَ عنها، ويَوَدُّ ألّا يأتيهُ الموتُ إلّا عليها، فهذا أيضًا مَفتُونٌ مغرُورٌ مُتدرِّجٌ، قد أصابَتهُ فِتنةٌ، زُيِّن لهُ فيها سُوءُ عَملِهِ، يَودُّ أن يكونَ النّاسُ كلُّهُم مِثلَهُ.

стр. 6011

قالوا: فهذه الفِتنةُ، أشدُّ من الفِتنتينِ اللَّتينِ ذكَرْنا من فِتَنِ الذُّنُوبِ. ومن الفِتَنِ أيضًا: الكُفرُ، قد سمّاهُ اللَّهُ فِتنةً، بقولِهِ: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١]. وشرحُ هذه المعاني يطُولُ، وباللَّه العِصمةُ لا شريكَ لهُ (١). والدُّبسيُّ: طائر يُشبِهُ اليمامةَ. وقيل: هُو اليمامةُ نفسُها. وقولُهُ: طفِقَ يتردَّدُ. كقولِهِ: جعلَ يتردَّدُ. وفيه لُغتانِ (٢): طفِقَ وطفَقَ (٣)، يطفَقُ ويطفِقُ.

стр. 6012

حديثٌ ثالِثُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر، أنَّ في الكِتابِ الذي كتَبهُ رسُولُ اللَّه ﷺ لعَمرِو بن حَزْم: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ". قد ذكَرْنا: أنَّ كِتابَ النَّبيِّ ﷺ لعَمرِو بن حَزْم إلى أهلِ اليَمنِ في السُّننِ والفَرائضِ والدِّياتِ، كِتابٌ مشهُورٌ عندَ أهلِ العِلم معرُوفٌ، يُستغنَى بشُهرتِهِ عنِ الإسْنادِ. وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل التِّرمِذيُّ، قال: حدَّثنا نُعيمُ بن حمّادٍ المروزيُّ، قال: حدَّثنا ابنُ المُباركِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، عن أبيه، قال: في كِتابِ النَّبيِّ ﷺ لعَمرِو بن حَزْم: "أن لا يُمسَّ القُرآنُ إلّا على طُهورٍ" (٢). وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أبو الطَّيِّبِ أحمدُ بن سُليمانَ بن عَمْرٍو الجَرِيريُّ (٣)، قال: حدَّثنا أبو العبّاسِ حامِدُ بن شُعيبٍ البَلْخيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح الحَكَمُ بن مُوسى، قال: حدَّثنا يحيى بن حمزةَ، قال: حدَّثنا سُليمانُ بن داودَ، قال: حدَّثني الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم،

стр. 6013

عن أبيه، عن جدِّهِ أنَّ في الكِتابِ الذي كَتَبهُ رسُولُ اللَّه ﷺ إلى أهلِ اليمنِ في السُّننِ والفَرائضِ والدِّياتِ: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (١). مُختصرٌ. والدَّليلُ على صِحّةِ كِتابِ عَمرِو بن حَزْم، تلقِّي جُمهُورِ العُلماءِ لهُ بالقَبُولِ والعَمَل. ولم يختلِف فُقهاءُ الأمصارِ بالمدينةِ، والعِراقِ، والشّام: أنَّ المُصحَفَ لا يَمسُّهُ إلّا طاهِرٌ (٢) على وُضُوءٍ. وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنيفةَ، والثَّوريِّ، والأوزاعيِّ، وأحمد بن حَنْبل، وإسحاقَ بنِ راهوية، وأبي ثورٍ، وأبي عُبيدٍ، وهؤُلاءِ أئمّةُ الفِقهِ والحديثِ في أعْصارِهِم. ورُوِيَ ذلك عن سعدِ بن أبي وقّاصٍ، وعبدِ اللَّه بن عُمرَ، وطاوُوسٍ، والحَسَنِ، والشَّعبيِّ، والقاسم بن محمدٍ، وعَطاءٍ (٣). قال إسحاقُ بنُ راهوية: لا يَقْرأُ أحدٌ في المُصحفِ إلّا وهُو مُتوضِّئٌ، وليسَ ذلك لقولِ اللَّه : ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] ولكِن لقولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" (٤). قال أبو عُمر: وهذا يُشبِهُ مذهبَ مالكٍ، على ما دلَّ عليه قولُهُ في "مُوطَّئهِ" (٥).

стр. 6014

وقال الشّافِعيُّ والأوزاعيُّ وأبو ثورٍ وأحمدُ: لا يَمَسَّ المُصحفَ: الجُنُبُ، ولا الحائضُ، ولا غيرُ المُتوضِّئ (١). وقال مالكٌ (٢): لا يحمِلُهُ بعِلَاقتِهِ ولا على وِسادةٍ إلّا وهُو طاهِرٌ. قال: ولا بأسَ أن يحمِلَهُ في التّابُوتِ، والخُرج (٣)، والغرارةِ (٤) من ليسَ على وُضُوءٍ. قال أبو ثور: وذلك أنَّ اللَّهَ يقولُ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ قال: وهذا قولُ مالكٍ، وأبي عبدِ اللَّه، يعني الشّافِعيَّ، ﵀ (٥). قال أبو عُمر: إنَّما رخَّصَ مالكٌ في حَمْلِ غيرِ المُتوضِّئ للمُصحفِ في التّابُوتِ والغِرارةِ، لأنَّ القصدَ لم يكُن منهُ إلى حَمْلِ المُصحفِ، وإنَّما قُصِدَ إلى حملِ التّابُوتِ وما فيه من مُصحفٍ، وغيرِهِ. وقد كرِهَ جماعةٌ من التّابِعين، منهُمُ: القاسمُ بن محمدٍ، والشَّعبيُّ، وعطاءٌ مسَّ (٦) الدَّراهِم فيها ذِكرُ اللَّه على غير وُضُوءٍ (٧). فهُو لا شَكَّ أشدُّ كراهيةً أن يَمَسَّ المُصحفَ غيرُ مُتوضِّئٍ.

стр. 6015

وقد رُوِيَ عن عَطاءٍ، أنَّهُ قال: لا بأسَ أن تحمِلَ الحائضُ المُصحفَ بعِلَاقتِهِ (١). وأمّا الحكمُ بن عُتَيبةَ وحمّادُ بن أبي سُليمانَ، فلم يُختَلَف عنهُما في إجازةِ حملِ المُصحَفِ بعِلَاقتِهِ، لمن ليسَ بطاهِرٍ (٢). وقولُهُما عِندي شُذُوذٌ، ومُخالفةٌ للأثرِ. وإلى قولِهِما ذهَبَ داودُ بن عليٍّ، قال: لا بأسَ أن يَمَسَّ المُصحفَ، والدَّنانيرَ، والدَّراهِمَ التي فيها ذِكرُ اللَّه، الجُنُبُ والحائضُ (٣). قال: ومعنى قولِهِ: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] هُمُ الملائكةُ. قال: ولو كان ذلك نهيًا، لقال: لا يمسَّهُ. واحتجَّ أيضًا بقولِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "المُؤمِنُ ليسَ بنجِسٍ" (٤). قال أبو عُمر: قد يأتي النَّهيُ بلفظِ الخبَرِ، ويكونُ معناهُ النَّهيَ، وذلك موجُودٌ في كِتابِ اللَّه كثيرٌ، نحو قولِهِ: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] جاءَ بلفظِ الخَبَرِ. وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ وغيرُهُ يقولُ: إنَّها مَنْسُوخةٌ بقولِ اللَّه : ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٥) [النور: ٣٢].

стр. 6016

ولو لم يكُن عندَهُ في هذا الخبرِ معنَى النَّهيِ، ما أجازَ فيه النَّسخ. ومِثلُهُ كثيرٌ. وفي كِتابِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ إلّا طاهِرٌ" بيانُ مَعْنَى قولِ اللَّه : ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: ٧٩] لاحتِمالِهِا للتَّأويلِ، ومَجِيئها بلفظِ الخبرِ. وقد قال مالكٌ (١) في هذه الآيةِ: إنَّ أحسنَ ما سَمِعَ فيها: أنَّها مِثلُ قولِ اللَّه : ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦]. وقولُ مالكٍ: أحسنُ ما سمِعتُ. يدُلُّ على أنَّهُ سَمِعَ فيها اختِلافًا، وأولى ما قيلَ به في هذا البابِ، ما عليه جُمهُورُ العُلماءِ، منِ امتِثالِ ما في كِتابِ رسُولِ اللَّه ﷺ لعَمرِو بن حزم: "أن لا يَمَسَّ القُرآنَ أحدٌ، إلّا وهُو طاهِرٌ". واللَّه أعلمُ وبه التَّوفيقُ.

стр. 6017

حديثٌ رابعُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مقطُوعٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ صِحاح مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "قاتَلَ اللَّهُ اليهُودَ، نُهُوا عن أكلِ الشَّحْم، فباعُوهُ فأكلُوا ثَمَنهُ". وهذا الحديثُ قد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ مُسندًا مُتَّصِلًا من وُجُوهٍ شَتَّى، كلُّها ثابتةٌ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، من حديثِ عُمرَ، وأبي هريرةَ، وابنِ عبّاسٍ، وجابرٍ، وغيرِهِم. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارثِ بن سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل، قال: حدَّثنا الحُميديُّ، قال (٢): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن دينار، قال: أخبَرني طاوُوسٌ، أنَّهُ سَمِعَ ابنَ عبّاسٍ، يقولُ: بلغَ عُمرَ بن الخطّابِ أنَّ سَمُرةَ باعَ خمرًا، فقال: قاتَلَ اللَّهُ سَمُرةَ، ألم يعلَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّه ﷺ قال (٣): "قاتَلَ اللَّهُ اليهُودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فجمَلُوها فباعُوها". قال أبو عُمر: قولُهُ: "جمَلُوها" يعني: أذابُوها، لا خِلافَ بين أهلِ اللُّغةِ في ذلك، وقد جاءَ أيضًا مُفسَّرًا في الحديثِ.

стр. 6018

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بن سلّام الكُوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ، يعني ابنَ عيّاشٍ، عنِ الأعْمَشِ، عن أبي صالح، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "لعَنَ اللَّهُ اليهُودَ، حُرِّمَتْ عليهم شُحُومُ الأنْعام، فأذابُوها، ثُمَّ باعُوها وأكَلُوا أثْمانها" (١). أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ (٢)، قال (٣): حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسَرْهدٍ، أنَّ بِشرَ بن المُفضَّلِ وخالد بن عبدِ اللَّه حدَّثاهُمُ، المعنى، عن خالدٍ الحذّاءِ، عن بَرَكةَ أبي الوليدِ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأيتُ رسولَ اللَّه ﷺ جالِسًا عندَ الرُّكنِ. قال: فرفَعَ بَصَرَهُ إلى السَّماءِ، فضحِكَ، ثُمَّ قال: "لعَنَ اللَّهُ اليهُودَ" ثلاثًا. قال: "إنَّ اللَّهَ حرَّمَ عليهمُ الشُّحُومَ، فباعُوها وأكلُوا أثمانها، وإنَّ اللَّهَ إذا حرَّمَ على قوم أكلَ شيءٍ، حرَّمَ عليهم ثَمَنهُ". ولم يقُل عن خالدِ بن عبدِ اللَّه: رأيتُ. وقال: "قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ". وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن أيُّوبَ، قال: أخبَرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا خالدٌ، عن بَرَكةَ أبي العُريانِ المُجاشعيِّ (٤)، قال: سَمِعتُ ابنَ عبّاسٍ يُحدِّثُ،

стр. 6019

قال: سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "لعَنَ اللَّه اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فباعُوها وأكلُوا أثْمانَها، وإنَّ اللَّهَ إذا حرَّمَ شيئًا، حرَّمَ ثَمَنهُ" (١). قال أحمدُ بن زُهَيرٍ: كذا قال: عن بَرَكةَ أبي العُريانِ. وسمِعتُ أبي يقولُ: وأبو العُريانِ الذي يُحدِّثُ عنهُ خالدٌ، اسمُهُ أُنَيسٌ. وأخبَرنا أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ العزيزِ البَغَويُّ، قال (٢): أخبَرنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: أخبَرنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لعنَ اللَّهُ اليهُودَ، حُرِّمَتْ عليهمُ الشُّحُومُ، فباعُوها وأكلُوا أثْمانَها". قال أبو عُمر: قد فسَّرَ ابنُ عبّاسٍ ﵁ في حَديثهِ معنَى هذا الحديثِ، وذلك قولُهُ ﷺ : "إنَّ اللَّهَ إذا حرَّمَ على قوم أكلَ شيءٍ حرَّمَ ثَمَنهُ". وفي هذا ردٌّ على من ذهَبَ إلى إجازةِ بَيْع الزَّيتِ الذي تَقعُ فيه الميتةُ، معَ امتِناعِهِ من أكلِهِ، وإقْرارِهِ بنجاستِهِ. وقد دفعَ هذا التَّأويلَ بعضُ من أجازَ ذلك، بأنْ قال: إنَّ (٣) هذا الحديثَ وما كان مِثلَهُ، إنَّما خرجَ على ما قد حُرِّم بذاتِهِ، مِثلَ الخمرِ، وشُحُوم الميتةِ. وأمّا الزَّيتُ الذي تموتُ فيه الفأرةُ، فإنَّما تنجَّسَ بالمُجاورةِ، وليسَ بنَجسِ الذّاتِ، ولو كان نجِسَ الذّاتِ، ما جازَ الانتِفاعُ به، ولا استِعمالُهُ في شيءٍ، كما لا يجُوزُ استِعمالُ الخَمْرِ، ولا الخِنْزيرِ، ولا الميتةِ في شيءٍ. وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ مُجوَّدةً، في بابِ ابنِ شِهاب، عن عُبيدِ اللَّه من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

стр. 6020

وفي هذا الحديثِ: إباحةُ الدعاءِ على اليَهُودِ، وإباحةُ لَعْنِهِم، اقتِداءً به في ذلك ﷺ . أخبَرنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمرَ الحافِظُ، قال: تفرَّدَ حَبِيبٌ، عن مالكٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن خالدِ بن عبدِ اللَّه بن حَرْملةَ، عنِ الحارِثِ بن خُفافِ بن إيماءٍ، قال: ركَعَ رسولُ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ رفعَ رأسهُ، فقال: "غِفارُ غفَرَ اللَّهُ لها، وأسلمُ سالَمها اللَّه، وعُصيّةُ عَصَتِ اللَّهَ ورسُولَهُ، اللَّهُمَّ الْعَنْ بني لحيانَ، ورِعْلًا، وذكوانَ". قال خُفافٌ: فجُعِلَ لعنُ الكُفّارِ من أجلِ ذلك. وتفرَّدَ به حبيبٌ، عن مالكٍ، وهُو صحيحٌ لمحمدِ بن عَمرٍو (١). وقد ثبَتَ عنِ ابنِ مسعُودٍ، أنَّهُ لمّا لعَنَ الواصِلةَ والمُستوصِلةَ. . . الحديثَ. أنْكَرَتْ ذلك عليه امرأةٌ، فقال ابنُ مسعُودٍ: ما لي لا ألعَنُ من لَعَنهُ رسُولُ اللَّه ﷺ ، ومن لَعنُهُ في كِتابِ اللَّه. وقد ذكَرْنا هذا الخبرَ فيما مَضَى من هذا الكِتابِ (٢). وقد لعَنَ رسولُ اللَّه ﷺ آكِلَ الرِّبا، ومُوكِلَهُ (٣). واليهُودَ، وغيرَهُم، ومحُالٌ أن تكونَ لَعنتُهُ لهؤُلاءِ رَحْمةً عليهم، فمن لعَنَ من يستحِقُّ أن يُلعَنَ، فمُباحٌ، ومن لعَنَ من لا يستحِقّ اللَّعنَ، فقد أثِمَ، ومن تركَ اللَّعن عندَ الغَضَبِ، ولم يَلْعن مُسلِمًا ولم يسُبَّهُ، فذلك من عَزم الأُمُورِ. أخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ، قال: أخبَرنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ، قال: حدَّثنا سُحْنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: أخبَرني يُونُسُ بن يزيد، عن نافع، قال: لم أسمَعْ

стр. 6021

عبدَ اللَّه بن عُمرَ يلعَنُ خادِمًا قطُّ، غيرَ مرّةٍ واحِدةٍ، غضِبَ فيها على بعضِ خَدَمِهِ، فقال: لَعْنةُ اللَّه عليكَ، كلِمةٌ لم (١) أُحِبَّ أن أقولها. وقد لعَنَ رسُولُ اللَّه ﷺ المُخْتفِيَ، والمُخْتفيةَ (٢)، يعني: نبّاشَ القُبُورِ (٣). ولعَنَ الخمرَ وشارِبَها. . . الحديثَ (٤). وقد ذكر مالكٌ (٥)، عن داود بن الحُصينِ، أنَّهُ سَمِعَ عبدَ الرَّحمنِ الأعرجَ يقولُ: ما أدركتُ النّاسَ إلّا وهُم يَلْعنُونَ الكفرةَ في رَمَضانَ. قرأتُ على سَعيدِ بن نصرٍ وعبدِ الوارثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا الحُميديُّ عبدُ اللَّه بن الزُّبيرِ، قال (٦): حدَّثنا سُفيانُ، قال: حدَّثنا مِسعرٌ، قال: أخبَرنا عبدُ الملكِ بن عُمَيرٍ، قال: أخبَرني فُلانٌ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، قال: رأيتُ عُمر، يقولُ بيدِهِ، وهُو على المِنْبرِ هكذا، يعني يُحرِّكُها يمينًا وشِمالًا: عُوَيمِلٌ لنا بالعِراقِ، عُويمِلٌ لنا بالعِراقِ، خَلَط في فيْءِ المُسلِمينَ أثمانَ الخَنازيرِ والخَمْرِ، وقد قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، حُرِّمت عليهمُ الشُّحُومُ، فجمَلُوها فباعُوها". قال سُفيانُ: جمَلُوها، يعني أذابُوها.

стр. 6022

حديثٌ خامِسُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم، أنَّهُ بَلَغهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال في سَيْلِ مَهزُورٍ، ومُذَيْنيب (٢): "يُمسِكُ حتّى الكَعْبينِ، ثُمَّ يُرسِلُ الأعْلَى على الأسْفَلِ". قال أبو عُمر: لا أعلمُ هذا الحديثَ في سَيْلِ مهزُورٍ ومُذَيْنيبٍ، هكذا يتَّصلُ عنِ النَّبيِّ ﷺ من وَجْهٍ من الوُجُوهِ، وأرفعُ أسانيدِه: ما حدَّثناهُ خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا بكرُ بن عبدِ الرَّحمنِ بن محمدٍ أبو محمدٍ العطّارِ (٣) بمِصر، قال: حدَّثنا يحيى بن سُليمانَ بن صالح بن صفوانَ، قال: حدَّثنا أبو صالح الحرّانيُّ عبدُ الغفّارِ بنُ داودَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن أبي مالكِ بن ثَعْلبةَ، عن أبيه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ أتاهُ أهلُ مَهزُورٍ، فقَضَى: أنَّ الماءَ إذا بلَغَ إلى الكَعْبينِ، لم يَحْبِسِ الأعْلَى (٤).

стр. 6023

وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (١)، عن أبي حازِم القُرَظيِّ، عن أبيه، عن جَدِّهِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَضَى في سَيْلِ مهزُورٍ: أن يُحبَسَ في كلِّ حائطٍ حتّى يبلُغَ الكَعْبينِ، ثُمَّ يُرسَلَ، وغيرُهُ من السُّيُولِ كذلك. قال (٢): وأخبَرنا مَعْمرٌ، قال: سَمِعتُ الزُّهريَّ، يقولُ: نَظَرنا في قولِ النَّبيِّ ﷺ : "ثُمَّ احْبِسِ الماءَ، حتّى يبلُغ إلى الجَدْرِ" فكانَ ذلك إلى الكَعْبينِ. قال أبو عُمر: سئل أبو بكرٍ البزّارُ عن حَديثِ هذا البابِ، فقال: لَسْتُ أحفظُ فيه بهذا اللَّفظِ عنِ النَّبيِّ ﷺ حديثًا يثبُتُ. قال أبو عُمر: في هذا المعنى، وإن لم يكُن بهذا اللَّفظِ، حديثٌ ثابتٌ مُجتَمعٌ على صِحَّتِهِ، رواهُ ابنُ وَهْبٍ، عنِ اللَّيثِ بن سَعْدٍ ويُونُس بن يزيدَ، جميعًا عنِ ابنِ شِهاب، أنَّ عُروةَ بن الزُّبيرِ حدَّثهُ، أنَّ عبدَ اللَّه بن الزُّبيرِ حدَّثهُ، عنِ الزُّبيرِ: أنَّهُ خاصَمَ رجُلًا من الأنْصارِ قد شَهِدَ بدرًا مع رسُولِ اللَّه ﷺ ، إلى رَسُولِ اللَّه في شِراج الحرّةِ، كانا يَسْقيانِ به كِلاهُما النَّخل، فقال الأنْصاريُّ: سَرِّح الماءَ، فأبَى عليه، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "اسْقِ يا زُبيرُ، ثُمَّ أرْسِلْ (٣) إلى جارِكَ". فغضِبَ الأنْصاريُّ، فقال: يا رسُولَ اللَّه أن كان ابنَ عَمَّتِكَ. فتلوَّنَ وَجْهُ رسُولِ اللَّه ﷺ ، ثُمَّ قال: "يا زُبيرُ اسْقِ، ثُمَّ احْبِسِ الماءَ حتّى يرجِعَ إلى الجَدْرِ". قال الزُّبيرُ: لا أحسِبُ هذه الآيةَ أُنزِلَتْ إلّا في ذلك: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٤) [النساء: ٦٥].

стр. 6024

ومعنى هذا الحديثِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان قد أشارَ على الزُّبيرِ بما فيه السَّعةُ للأنصاريِّ، فلمّا كان منهُ ما كان من الجَفاءِ، اسْتَوعبَ للزُّبيرِ حقَّهُ في صَريح الحُكم، واللَّه أعلمُ. وقد حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عُمر الحافِظُ، عن أبي (١) محمدِ بن صاعِدٍ، وعليِّ بن محمدٍ الإسكافيِّ، قالا: حدَّثنا أبو الأحْوَصِ محمدُ بن الهَيْثم القاضي، قال: حدَّثنا أحمدُ بن صالح المِصْريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن عيسى، قال: حدَّثنا

стр. 6025

مالكٌ، عن أبي الرِّجالِ، عن عَمْرةَ، عن عائشةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قَضَى في سيلِ مَهزُورٍ ومُذَيْنيبٍ أن يُمسِكَ الأعلى إلى الكَعْبينِ، ثُمَّ يُرسِلَ الأعلى إلى الأسْفَلِ (١). وهذا إسنادٌ غريبٌ جِدًّا عن مالكٍ، لا أعلمُهُ يُروى عن مالكٍ بهذا الإسنادِ، من غيرِ هذا الوجهِ. قال أبو عُمر: حديثُ سَيْلِ مهزُورٍ ومُذَيْنيبٍ، حديثٌ مدنيٌّ مشهُورٌ عندَ أهلِ المدينةِ، مُستَعمل عِندهُم، معرُوفٌ معمُولٌ به. ومهزُورٌ: وادٍ بالمدينةِ، وكذلك مُذَيْنيبٌ: وادٍ أيضًا عِندهُم، وهُما جميعًا يُسقيانِ بالسَّيلِ، فكان هذا الحديثُ مُتوارثًا عندَهُمُ العَملُ به. وذكرَ عبدُ الملكِ بن حبيبٍ (٢) أنَّ مَهْزُورًا ومُذَيْنيبًا واديانِ من أوْدِيةِ المدينةِ يَسِيلانِ بالمطَرِ، ويَتنافسُ أهلُ الحَوائطِ في سَيْلِهِما، فقَضَى به رسُولُ اللَّه ﷺ للأعْلَى فالأعْلَى، والأقْرَبِ فالأقْرَبِ إلى ذلك السَّيلِ، يُدخِلُ صاحِبُ الحائطِ الأعلى اللّاصِقِ به السَّيلُ جميعَ الماءِ في حائطِهِ، ويصرِفُ مجراهُ إلى بِيبتِهِ (٣)، فيَسِيلُ فيها، ويسقي به، حتّى إذا بلغَ الماءُ من قاعةِ الحائطِ إلى الكَعْبينِ من القائم، أغلقَ البيبةَ، وصرفَ ما زادَ من الماءِ على مِقدارِ الكعبينِ إلى من يليهِ لحائطِهِ، فيَصْنعُ فيه مِثلَ ذلك، ثُمَّ يصرِفُهُ إلى من يَليهِ أيضا، هكذا أبدًا يكونُ الأعْلَى فالأعْلَى أولى به على هذا الفِعلِ، حتّى يبلُغَ ماءُ السَّيلِ إلى أقْصَى الحوائطِ. قال: وهكذا فسَّرهُ لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجِشُونِ، عندَ سُؤالِهِما عن ذلك.

стр. 6026

وقالهُ ابنُ وَهْبٍ، قال: وقد كان ابنُ القاسم يقولُ: إذا انْتَهى الماءُ في الحائطِ إلى مِقدارِ الكعبينِ من القائم، أرسلهُ كلَّهُ إلى من تحتهُ، وليسَ يحبِسُ منهُ شيئًا في حائطِهِ. وقولُ مُطرِّفٍ وابنِ الماجِشُونِ أحبُّ إليَّ في ذلك، وهُما أعلمُ بذلك؛ لأنَّ المدينةَ دارُهُما، وبها كانتِ القِصّةُ (١)، وفيها جَرَى العَملُ بالحديثِ. ورَوَى زيادٌ، عن مالكٍ، قال: تفسيرُ قِسْمةِ ذلك: أن يُجريَ الأوَّلُ الذي حائطُهُ أقْرَبُ إلى الماءِ يُجْرِي الماءَ في ساقِييهِ إلى حائطِهِ بقَدْرِ ما يكونُ الماءُ في السّاقيةِ إلى حَدِّ كعبَيهِ، فيُجْريه كذلك في حائطِهِ، حتّى يرويَهُ، ثُمَّ يفعلُ الذي يَلِيهِ كذلك، ثُمَّ الذي يَلِيهِ كذلك، ما بَقِي من الماءِ شيءٌ. قال: وهذه السُّنّةُ فيهما، وفيما يُشبِهُهُما، مِمّا ليسَ لأحدٍ فيه حقٌّ مُعيَّنٌ، الأوَّلُ أحقُّ بالتَّبدِيةِ، ثُمَّ الذي يَلِيهِ، إلى آخِرِهِم رجُلًا. قال أبو عُمر: ظاهِرُ الحديثِ يَشْهدُ لما قالهُ ابنُ القاسم؛ لأنَّ فيه: "ثُمَّ يُرسِلُ الأعلى على الأسفل"، ولم يَقُل: ثُمَّ يُرسِلُ بعضَ الأعلى. وفي الحديثِ الآخرِ: "ثُمَّ يحبِسُ الأعلى"، وهذا كلُّهُ يشهدُ لابنِ القاسم. ومن جِهةِ النَّظرِ أيضًا: أنَّ الأعْلَى لو لم يُرسِل إلّا ما زادَ على الكَعْبينِ، لانقطَعَ ذلك الماءُ في أقلِّ مُدّةٍ، ولم يَنْتهِ حَيْثُ ينتهي، إذا أرسلَ الجميع. وفي إرسالِ الجَميع بعدَ أخْذِ الأعلى منهُ ما بلَغَ الكعبينِ، أعمُّ فائدةً، وأكثرُ نَفْعًا فيما قد جُعِل النّاسُ فيه شُركاءَ، فقولُ ابنِ القاسم أوْلَى على كلِّ حالٍ. وفي المسألةِ كلامٌ ومُعارضاتٌ لا معنَى للإتيانِ بها، والصَّحيحُ ما ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا.

стр. 6027

قال أبو عُمر: حُكمُ الأرْحاء (١) وسائرِ المنافع من النَّباتِ، والشَّجَراتِ فيما كان أصْلُ قِوامِهِ وحَياتِهِ من الماءِ، الذي لا صُنعَ فيه لآدميٍّ، كماءِ السُّيُولِ (٢) وما أشْبهَها (٣)، كحُكم ما ذكَرْنا، لا فرقَ بين شيءٍ من ذلك في أثَرٍ ولا نظرٍ. وأمّا ما اسْتُحِقَّ بعَملٍ، أو بمِلكٍ صحيح، واستِحقاقٍ (٤) قَدِيم، وثُبُوتِ مِلْكٍ، فكلٌّ على حَقِّهِ، على حَسَبِ ما (٥) من ذلك بيَدِهِ، وعلى أصْلِ مَسْألتِهِ، واللَّه المُوفِّقُ للسَّدادِ، لا شريكَ لهُ.

стр. 6028

حديثٌ سادِسُ عِشرينَ لعبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أهْدَى جَمَلًا كان لأبي جَهْلِ بن هشام، في حَجٍّ، أو عُمرةٍ. وقع عندَنا، وعندَ غيرِنا في كِتابِ يحيى في "المُوطَّأ" في هذا الحديثِ: مالكٌ، عن نافع، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ (٢). وهذا من الغَلَطِ البَيِّنِ، ولا أدْرِي ما وَجهُهُ، ولم يختلِفِ الرُّواةُ لـ "المُوطَّأ" عن مالكٍ فيما عَلِمتُ قديمًا وحَدِيثًا: أنَّ هذا الحديثَ في "المُوطَّأ" عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ. وليس لنافع فيه ذِكرٌ، ولا وجْهَ لذِكرِ نافع فيه، ولم يَرْوِ نافعٌ عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ قطُّ شيئًا، بل عبدُ اللَّه بن أبي بكرٍ مِمَّن يصلُحُ أن يَرْويَ عن نافع، وقد رَوَى عن نافع من هُو أجلُّ منهُ. وهذا الحديثُ في "المُوطَّأ" عندَ جماعةِ رُواتِهِ لمالكٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكرٍ (٣). ورواهُ سُوَيدُ بن سعيدٍ، عن مالكٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن أنَسٍ، عن أبي بكرٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أهْدَى جَملًا لأبي جَهْلٍ (٤). وهذا من خَطَأ سُوَيدٍ وغَلَطِهِ، وهذا الحديثُ يَسْتنِدُ من حديثِ ابنِ عبّاسٍ.

стр. 6029

حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بن عبدِ الواحِدِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أيُّوبَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سَعْدٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: وقال عبدُ اللَّه بن أبي نَجِيح: حدَّثني مُجاهِدٌ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أهْدَى عامَ الحُديبيةِ في هَداياهُ جَملًا لأبي جَهْلِ بن هشام، في رأسِهِ بُرّةٌ (١) من فِضّةٍ ليَغيظ به المُشرِكينَ (٢). وحدَّثنا خلفُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ العَزيزِ، قال: حدَّثنا أبو نُعيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ،

стр. 6030

عنِ ابنِ أبي ليلى، عنِ الحَكَم، عن مِقْسَم، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ساقَ مئةَ بَدَنةٍ، فيها جَملٌ لأبي جَهْلٍ، عليه بُرّةٌ من فِضّةٍ (١). وأخبَرنا قاسمُ بن محمدٍ، قال: أخبَرنا خالدُ بن سَعْدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن مَنصُورٍ. وأخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ وعُبيدُ بن محمدٍ، قالا: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى (٢) بن مِسْكينٍ، قالا جميعًا: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا أبو نُعَيم، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عنِ ابنِ أبي ليلَى، عنِ الحَكَم، عن مِقْسَم، عنِ ابنِ عبّاس، أنَّ النَّبيَّ ﷺ ساقَ مئةَ بَدَنةٍ، فيها جَملٌ لأبي جَهْلٍ، عليه بُرّةٌ من فِضّةٍ (٣). وقد رُوِيَ عن عبدِ الكريم الجَزَريِّ، عن مُجاهِدٍ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ليلى، عن عليٍّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أهْدَى في حَجَّتِهِ مئةَ بَدَنةٍ، فيها جملٌ لأبي جَهْلٍ (٤). وفي هذا اللَّفظِ بهذا الإسنادِ نظرٌ (٥).

стр. 6031

في هذا الحديثِ دليلٌ على اسْتِسمانِ الهَدايا، واخْتِيارِها، وانْتِخابِها. وأنَّ الجَملَ، يُسمَّى بَدَنةً، كما أنَّ النّاقةَ تُسمَّى بَدَنةً، وهذا الاسمُ مُشتقٌّ من عِظَمِ البَدنِ عندَهُم. وفي هذا الحديثِ ردُّ قولِ من زعَمَ: أنَّ البَدَنةَ لا تكونُ إلّا أُنثى. وفيه إجازةُ هَدْيِ ذُكُورِ الإبِلِ. وهُو أمرٌ مُجتَمعٌ عليه في الهَدْيِ. وأمّا اسْتِسمانُ الضَّحايا والهَدايا، والغُلُوُّ في ثَمَنِها واخْتِيارِها، فداخِلٌ عِندِي تحتَ عُمُوم قولِ اللَّه : ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]. وسُئلَ رسُولُ اللَّه ﷺ عن أفْضَلِ الرِّقابِ، فقال: "أغْلاها ثمنًا" (١). وهذا كلُّهُ مدارُهُ على صِحّةِ النِّيّةِ، قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "الأعمالُ بالنِّيّاتِ" (٢). وقال (٣) اللَّهُ : ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]. وفي حديثِ مُجاهِدٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، المذكُورِ في هذا البابِ، فيه قولُهُ: ليَغِيظَ به المُشرِكينَ. وذلك عِندِي تَفْسير لهذا الحديثِ، لمن تدبَّرَ، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6032

عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، أبو طُوالةَ وهُو عبدُ اللَّه (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرِ بن حَزْم، أبو طُوالةَ الأنْصاريُّ. سمِعَ أنَس بن مالكٍ، وَرَوى عنهُ، وَرَوى عن كِبارِ التّابِعينَ. وولِيَ القَضاءَ بالمدينةِ في أيام وِلايةِ أبي بكر بن محمدِ بن عَمرِو بن حَزْم عليها، وهُو من ثِقاتِ أهلِ المَدينةِ. رَوَى عنهُ جماعةٌ من أئمّةِ أهلِ الحديثِ، منهُم: مالكٌ، وابنُ عُيينةَ، والثَّوريُّ، وزُهَيرُ بن مُعاويةَ، والدَّراوَرْديُّ، وإسماعيلُ بن جَعْفرٍ، وسُليمانُ بن بلالٍ، وزائدةُ، وخالدُ بن عبدِ اللَّه الواسِطيُّ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إسحاق بن واضِح، قال: حدَّثنا سعيدُ بن أسدٍ، قال: حدَّثنا أصبغُ بن الفرج، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبٍ، قال: حدَّثني مالكٌ، قال: كان عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ رَجُلًا صالحًا، وكان قاضيًا في خِلافةِ سُليمانَ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، وكان يَسْرُدُ الصِّيام، وكان يُحدِّثُ حديثًا حسنًا، وكان يَدْخُلُ على الوالي فيَنْصحُهُ، ولا يرفُقُ به، ويُكلِّمُهُ في الأمرِ كلِّهِ من الحقِّ. قال مالكٌ: وغيرُهُ من النّاسِ يفرقُ أن يُضرَبَ. قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" ثلاثةُ أحاديث، أحدُها: عندَ يحيى مُرسلٌ، وهُو مُتَّصِلٌ من وُجُوهٍ، من رِوايةِ مالكٍ وغيرِهِ. والثّاني: مُتَّصلٌ مُسْندٌ، لا خِلافَ عن مالكٍ في اتِّصالِهِ. والثالثُ: مُرسلٌ، لم يختلِفْ رُواةُ مالكٍ في إرسالِهِ.

стр. 6033

حديثٌ أوَّلُ لأبي طُوالةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمَرٍ الأنصاريِّ، عن أبي يُونُسَ مولى عائشةَ: أنَّ رجُلًا قال لرسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُو واقِفٌ على البابِ، وأنا أسمعُ: يا رسُولَ اللَّه، إنِّي أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وأنا أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ، فأغْتَسِلُ وأصُومُ". فقال لهُ الرَّجُلُ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّكَ لستَ مِثلَنا، قد غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. فغضِبَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، وقال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعْلَمَكُم بما أتَّقي". هكذا رَوى يحيى هذا الحديثَ مُرسلًا، وهي رِوايةُ عُبيدِ اللَّه ابنِهِ عنهُ. وأمّا ابنُ وضّاح في رِوايتِهِ عن يحيى في "المُوطَّأ" فإنَّهُ جَعَلهُ: عن عائشةَ. فوَصَلهُ وأسْنَدهُ (٢). وكذلك هُو عندَ جَماعةِ الرُّواةِ لـ "المُوطَّأ" مُسندًا عن عائشةَ، منهُمُ: ابنُ القاسم، والقَعْنبيُّ (٣)، وابنُ بُكَيرٍ، وأبو المُصعبِ (٤)، وعبدُ اللَّه بن يُوسُف، وابنُ عبدِ الحَكَم، وابنُ وَهْبٍ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الفَوارِسِ أحمدُ بن محمدِ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ أبي طُوالةَ الأنْصاريِّ، عن أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ: أنَّ رجُلًا قال لرسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُو واقِفٌ بالبابِ: يا رسُولَ اللَّه،

стр. 6034

إنِّي أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وأنا أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ، فأغتسِلُ وأصُومُ". فقال: يا رسُولَ اللَّه، إنَّكَ لستَ مِثلَنا، قد غفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ، وما تأخَّرَ. فغضِبَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، وقال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعلمَكُم بما أتَّقي" (١). وقد ذكَرَ أبو داودَ (٢) رِوايةَ القعنبيِّ عن مالكٍ لهذا الحديثِ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، عن يُونُسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ . مُسندًا كما ذكَرْنا، إلّا أنَّهُ قال في آخِرِهِ: "وأعلمَكُم بما أتَّبِعُ". ورِوايةُ ابنِ القاسم وغيرِهِ لهُ، كما وصَفْنا مسندًا، عن عائشةَ، وهُو محفُوظٌ صحيحٌ عن عائشةَ من طُرُقٍ شتَّى، من كلِّ طريقٍ في "المُوطَّأ" حاشى رِوايةَ يحيى، وباللَّه التَّوفيقُ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابنَ جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا يُونُسَ مولى عائشةَ أخبَرهُ، عن عائشةَ: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهي تَسْمعُ من وراءِ البابِ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، تُدرِكُني الصَّلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصُومُ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وأنا تُدرِكُني الصَّلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصُومُ". قال: لستَ مِثلَنا يا رسُولَ اللَّه، قد غفَرَ لكَ اللَّهُ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. قال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعلَمَكُم بما أتَّقي".

стр. 6035

وفي هذا الحديثِ من المعاني: سُؤالُ العالِم وهُو واقِفٌ، فذلك جائزٌ، بدلالةِ هذا الحديثِ. وفيه: الرِّوايةُ والشَّهادةُ على السَّماع، وإن لم يرَ المشهِدُ أوِ المُحدِّثُ، إذا كان المعنَى المسمُوعُ مُسْتَوفًى، قدِ استُوقِنَ، وأُحيطَ به عِلمًا. وفي هذا دليلٌ على جَوازِ شَهادةِ الأعمى. وقد مَضَى القولُ فيها، في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وفيه: المعنَى المقصُودُ إليه في هذا الحديثِ، وذلك أنَّ الجُنُب إذا لحِقَتهُ جَنابةٌ ليلًا قبلَ الفَجرِ، لم يضُرَّ صِيامَهُ أن لا يَغْتسِلَ إلّا بعد الفَجْرِ. وقدِ اخْتَلفتِ الآثارُ في هذا البابِ. واختلَفَ فيه العُلماءُ أيضًا، وإن كان الاختِلافُ في ذلك كلِّهِ عِندي ضعيفًا، يُشبِهُ الشُّذُوذَ. فأمَّا اختِلافُ الآثارِ: فإنَّ أبا هريرةَ كان يروي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّ من أدْرَكهُ الصُّبحُ، وهُو جُنُبٌ، فقد أفْطَرَ، ولم يجُز لهُ صيامُ ذلك اليوم (١). وهذا الحديثُ لم يَسْمعهُ أبو هريرةَ من النَّبيِّ ﷺ ، وقد أحالَ إذ وُقِّفَ عليه مرّةً على الفَضْلِ بن عبّاسٍ (٢). ومرّةً على أُسامةَ بن زيدٍ. ومرّةً قال: أخبَرنيهُ مُخبِرٌ. ومرّةً قال: حدَّثني فُلانٌ وفُلانٌ. وسنذكُرُ ذلك كلَّهُ، أو بعضَهُ، في بابِ سُميٍّ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 6036

شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، قال: سَمِعتُ عبدَ اللَّه بن عَمرٍو القاريَّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ، يقولُ: لا وَربِّ هذا البيتِ، ما أنا قلتُهُ: من أدْرَكهُ الصُّبحُ وهُو جُنُبٌ، فلا يَصُمْ. محمدٌ وربِّ الكَعْبةِ قالهُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن يحيى بن جَعْدةَ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو القاريِّ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: وَرَبِّ هذا البيتِ، ما قلتُ: من أدْرَكهُ الصُّبحُ وهُو جُنُبٌ، فلا صومَ لهُ. محمدٌ وربِّ هذا (٢) البيتِ قالهُ (٣). أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ بن زَنْجُوية، قال: حدَّثنا بِشرُ بن شُعَيب، قال: حدَّثني أبي، عنِ الزُّهْريِّ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمر: أنَّهُ احتَلَمَ ليلًا في رمضانَ، واسْتَيقظَ قبلَ أن يَطْلُعَ الفَجْرُ، ثُمَّ نامَ قبلَ أن يَغْتسِلَ، فلم يَسْتيقِظْ حتّى أصبحَ. قال: فلقِيتُ أبا هريرةَ حينَ أصْبَحتُ، فاسْتَفتيتُهُ في ذلك، فقال: أفْطِر، فإنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يأمُرُ بالفِطْرِ إذا أصبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا. قال عبدُ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: فجِئتُ عبدَ اللَّه بنَ عُمرَ، فذَكَرتُ لهُ

стр. 6037

الذي أفْتاني به أبو هريرةَ، فقال: إنِّي أُقسِمُ باللَّه لئنْ أفْطَرتَ، لأُوجِعنَّ مَتْنَيْكَ (١)، فإن بدا لك أن تصُوم يومًا آخرَ فافعل. قال أبو عُمر: هكذا يقولُ شُعَيبُ بن أبي حمزةَ (٢) في هذا الحديثِ: عنِ الزُّهريِّ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ. ورواهُ اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن عُقَيلٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ (٣). فجعَلَ مكانَ عبدِ اللَّه: عُبيدَ اللَّه. وجاءَ بالحَديثِ سواءً. وعبدُ اللَّه وعُبيدُ اللَّه ابنا عبدِ اللَّه بن عُمر، ثِقَتانِ، وقد ذكَرْناهُما فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا بما فيه كِفايةٌ في مَعْرِفتِهِما. ورَوَى هذا الحديثَ مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ: أنَّ ابنًا لعبدِ اللَّه بن عُمرَ. فذكَرَ معناهُ، لم يَقُل: عبدُ اللَّه، ولا عُبيدُ اللَّه (٤). قال أبو عُمر: رُوي عن أبي هريرةَ: أنَّهُ رجعَ عن هذه الفَتْوَى، في هذه المسألةِ، إلى ما عليه النّاسُ، من حديثِ عائشةَ ومن تابَعَها في هذا البابِ. رَوَى عبدُ اللَّه بن المُباركِ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ، عن أخيهِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّهُ كان (٥) سمِعَ أبا هريرةَ، يقولُ: منِ احْتَلمَ من اللَّيلِ، أو واقَعَ أهلَهُ، ثُمَّ أدْرَكهُ الفَجْرُ، ولم يَغْتسِل، فلا يَصُم. قال: ثُمَّ سَمِعتُهُ نزَعَ عن ذلك (٦).
следующие страницы →