← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 6033–6072 · переход к 6038.

стр. 6033

حديثٌ أوَّلُ لأبي طُوالةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمَرٍ الأنصاريِّ، عن أبي يُونُسَ مولى عائشةَ: أنَّ رجُلًا قال لرسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُو واقِفٌ على البابِ، وأنا أسمعُ: يا رسُولَ اللَّه، إنِّي أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وأنا أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ، فأغْتَسِلُ وأصُومُ". فقال لهُ الرَّجُلُ: يا رسُولَ اللَّه، إنَّكَ لستَ مِثلَنا، قد غَفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. فغضِبَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، وقال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعْلَمَكُم بما أتَّقي". هكذا رَوى يحيى هذا الحديثَ مُرسلًا، وهي رِوايةُ عُبيدِ اللَّه ابنِهِ عنهُ. وأمّا ابنُ وضّاح في رِوايتِهِ عن يحيى في "المُوطَّأ" فإنَّهُ جَعَلهُ: عن عائشةَ. فوَصَلهُ وأسْنَدهُ (٢). وكذلك هُو عندَ جَماعةِ الرُّواةِ لـ "المُوطَّأ" مُسندًا عن عائشةَ، منهُمُ: ابنُ القاسم، والقَعْنبيُّ (٣)، وابنُ بُكَيرٍ، وأبو المُصعبِ (٤)، وعبدُ اللَّه بن يُوسُف، وابنُ عبدِ الحَكَم، وابنُ وَهْبٍ. حدَّثنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو الفَوارِسِ أحمدُ بن محمدِ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ الأعلى، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبِ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ أبي طُوالةَ الأنْصاريِّ، عن أبي يُونُسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ: أنَّ رجُلًا قال لرسُولِ اللَّه ﷺ ، وهُو واقِفٌ بالبابِ: يا رسُولَ اللَّه،

стр. 6034

إنِّي أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ. فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وأنا أُصبِحُ جُنُبًا، وأنا أُريدُ الصِّيامَ، فأغتسِلُ وأصُومُ". فقال: يا رسُولَ اللَّه، إنَّكَ لستَ مِثلَنا، قد غفَرَ اللَّهُ لكَ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ، وما تأخَّرَ. فغضِبَ رسُولُ اللَّه ﷺ ، وقال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعلمَكُم بما أتَّقي" (١). وقد ذكَرَ أبو داودَ (٢) رِوايةَ القعنبيِّ عن مالكٍ لهذا الحديثِ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، عن يُونُسَ مولى عائشةَ، عن عائشةَ زوج النَّبيِّ ﷺ . مُسندًا كما ذكَرْنا، إلّا أنَّهُ قال في آخِرِهِ: "وأعلمَكُم بما أتَّبِعُ". ورِوايةُ ابنِ القاسم وغيرِهِ لهُ، كما وصَفْنا مسندًا، عن عائشةَ، وهُو محفُوظٌ صحيحٌ عن عائشةَ من طُرُقٍ شتَّى، من كلِّ طريقٍ في "المُوطَّأ" حاشى رِوايةَ يحيى، وباللَّه التَّوفيقُ. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٣): أخبَرنا عليُّ بن حُجْرٍ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، يعني ابنَ جَعْفرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا يُونُسَ مولى عائشةَ أخبَرهُ، عن عائشةَ: أنَّ رجُلًا جاءَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهي تَسْمعُ من وراءِ البابِ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، تُدرِكُني الصَّلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصُومُ؟ فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "وأنا تُدرِكُني الصَّلاةُ، وأنا جُنُبٌ فأصُومُ". قال: لستَ مِثلَنا يا رسُولَ اللَّه، قد غفَرَ لكَ اللَّهُ ما تقدَّمَ من ذنبِكَ وما تأخَّرَ. قال: "واللَّه إنِّي لأرجُو أن أكُونَ أخْشاكُم للَّه، وأعلَمَكُم بما أتَّقي".

стр. 6035

وفي هذا الحديثِ من المعاني: سُؤالُ العالِم وهُو واقِفٌ، فذلك جائزٌ، بدلالةِ هذا الحديثِ. وفيه: الرِّوايةُ والشَّهادةُ على السَّماع، وإن لم يرَ المشهِدُ أوِ المُحدِّثُ، إذا كان المعنَى المسمُوعُ مُسْتَوفًى، قدِ استُوقِنَ، وأُحيطَ به عِلمًا. وفي هذا دليلٌ على جَوازِ شَهادةِ الأعمى. وقد مَضَى القولُ فيها، في غيرِ مَوْضِع من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وفيه: المعنَى المقصُودُ إليه في هذا الحديثِ، وذلك أنَّ الجُنُب إذا لحِقَتهُ جَنابةٌ ليلًا قبلَ الفَجرِ، لم يضُرَّ صِيامَهُ أن لا يَغْتسِلَ إلّا بعد الفَجْرِ. وقدِ اخْتَلفتِ الآثارُ في هذا البابِ. واختلَفَ فيه العُلماءُ أيضًا، وإن كان الاختِلافُ في ذلك كلِّهِ عِندي ضعيفًا، يُشبِهُ الشُّذُوذَ. فأمَّا اختِلافُ الآثارِ: فإنَّ أبا هريرةَ كان يروي عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّ من أدْرَكهُ الصُّبحُ، وهُو جُنُبٌ، فقد أفْطَرَ، ولم يجُز لهُ صيامُ ذلك اليوم (١). وهذا الحديثُ لم يَسْمعهُ أبو هريرةَ من النَّبيِّ ﷺ ، وقد أحالَ إذ وُقِّفَ عليه مرّةً على الفَضْلِ بن عبّاسٍ (٢). ومرّةً على أُسامةَ بن زيدٍ. ومرّةً قال: أخبَرنيهُ مُخبِرٌ. ومرّةً قال: حدَّثني فُلانٌ وفُلانٌ. وسنذكُرُ ذلك كلَّهُ، أو بعضَهُ، في بابِ سُميٍّ، من كِتابِنا هذا إن شاءَ اللَّه. أخبَرنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن

стр. 6036

شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن يحيى بن جَعْدةَ، قال: سَمِعتُ عبدَ اللَّه بن عَمرٍو القاريَّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ، يقولُ: لا وَربِّ هذا البيتِ، ما أنا قلتُهُ: من أدْرَكهُ الصُّبحُ وهُو جُنُبٌ، فلا يَصُمْ. محمدٌ وربِّ الكَعْبةِ قالهُ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بن حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرِو بن دينارٍ، عن يحيى بن جَعْدةَ، عن عبدِ اللَّه بن عَمرٍو القاريِّ، سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: وَرَبِّ هذا البيتِ، ما قلتُ: من أدْرَكهُ الصُّبحُ وهُو جُنُبٌ، فلا صومَ لهُ. محمدٌ وربِّ هذا (٢) البيتِ قالهُ (٣). أخبَرنا محمدُ بن إبراهيم بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (٤): حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ بن زَنْجُوية، قال: حدَّثنا بِشرُ بن شُعَيب، قال: حدَّثني أبي، عنِ الزُّهْريِّ، قال: أخبَرني عبدُ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمر: أنَّهُ احتَلَمَ ليلًا في رمضانَ، واسْتَيقظَ قبلَ أن يَطْلُعَ الفَجْرُ، ثُمَّ نامَ قبلَ أن يَغْتسِلَ، فلم يَسْتيقِظْ حتّى أصبحَ. قال: فلقِيتُ أبا هريرةَ حينَ أصْبَحتُ، فاسْتَفتيتُهُ في ذلك، فقال: أفْطِر، فإنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ كان يأمُرُ بالفِطْرِ إذا أصبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا. قال عبدُ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ: فجِئتُ عبدَ اللَّه بنَ عُمرَ، فذَكَرتُ لهُ

стр. 6037

الذي أفْتاني به أبو هريرةَ، فقال: إنِّي أُقسِمُ باللَّه لئنْ أفْطَرتَ، لأُوجِعنَّ مَتْنَيْكَ (١)، فإن بدا لك أن تصُوم يومًا آخرَ فافعل. قال أبو عُمر: هكذا يقولُ شُعَيبُ بن أبي حمزةَ (٢) في هذا الحديثِ: عنِ الزُّهريِّ، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ. ورواهُ اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن عُقَيلٍ، عنِ الزُّهريِّ، عن عُبيدِ اللَّه بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ (٣). فجعَلَ مكانَ عبدِ اللَّه: عُبيدَ اللَّه. وجاءَ بالحَديثِ سواءً. وعبدُ اللَّه وعُبيدُ اللَّه ابنا عبدِ اللَّه بن عُمر، ثِقَتانِ، وقد ذكَرْناهُما فيما سلَفَ من كِتابِنا هذا بما فيه كِفايةٌ في مَعْرِفتِهِما. ورَوَى هذا الحديثَ مَعْمرٌ، عنِ الزُّهريِّ: أنَّ ابنًا لعبدِ اللَّه بن عُمرَ. فذكَرَ معناهُ، لم يَقُل: عبدُ اللَّه، ولا عُبيدُ اللَّه (٤). قال أبو عُمر: رُوي عن أبي هريرةَ: أنَّهُ رجعَ عن هذه الفَتْوَى، في هذه المسألةِ، إلى ما عليه النّاسُ، من حديثِ عائشةَ ومن تابَعَها في هذا البابِ. رَوَى عبدُ اللَّه بن المُباركِ، عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن سُليمانَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن ثَوْبانَ، عن أخيهِ محمدِ بن عبدِ الرَّحمنِ: أنَّهُ كان (٥) سمِعَ أبا هريرةَ، يقولُ: منِ احْتَلمَ من اللَّيلِ، أو واقَعَ أهلَهُ، ثُمَّ أدْرَكهُ الفَجْرُ، ولم يَغْتسِل، فلا يَصُم. قال: ثُمَّ سَمِعتُهُ نزَعَ عن ذلك (٦).

стр. 6038

ورَوَى منصُورٌ، عن مُجاهِدٍ، عن أبي بكر بن عبدِ الرَّحمنِ (١): أنَّ أبا هريرةَ كفَّ عن قولِهِ ذلك، لحديثِ عائشةَ فيه عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). ورَوَى أسْباطُ بن محمدٍ، عن محمدِ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: أنَّهُ نزَعَ عن ذلك أيضًا، لحديثِ أُمِّ سَلَمةَ فيه عنِ النَّبيِّ ﷺ (٣). أخبَرنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا أبو سَعيدٍ أحمدُ بن محمدِ بن زيادٍ الأعْرابيُّ، قال: حدَّثنا الحَسَنُ بن محمدٍ الزَّعفرانيُّ، قال: حدَّثنا أبو عبّادٍ، عن شُعبةَ، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن أبي السَّفرِ، عن الشَّعبيِّ (٤)، عن عبدِ الرَّحمنِ بن الحارِثِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يُصبِحُ جُنُبًا، ثُمَّ يغتسِلُ، ثُمَّ يخرُجُ إلى الصَّلاةِ ويُصلِّي وأسمعُ قِراءَتهُ، ثُمَّ يصُومُ (٥). قال أبو عُمر: رُوِيَ هذا الحديثُ عن عائشةَ من وُجُوهٍ كثير وطُرُقٍ مُتواتِرةٍ، وكذلك رُوِيَ أيضًا عن أُمِّ سلمةَ. وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في هذا البابِ، فالذي عليه جَماعةُ فُقهاءِ الأمصارِ بالعِراقِ والحِجازِ، القولُ بحديثِ عائشةَ وأُمِّ سلمةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كان يُصْبِحُ جُنُبًا، ويصُومُ ذلك اليوم. مِنهُم: مالكٌ، وأبو حنيفةَ، والشّافِعيُّ، وأصحابُهُم (٦)، وأحمدُ، وأبو ثورٍ، وإسحاقُ، وعامّةُ أهلِ الفتوى، من أهلِ الرَّأيِ والحديثِ.

стр. 6039

ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعيِّ، وعُروةَ بن الزُّبيرِ، وطاوُوسٍ: أنَّ الجُنُبَ في رمضانَ إذا علِمَ بجَنابتِهِ، فلم يَغْتسِل حتّى يُصبِحَ، فهُو مُفطِرٌ، وإن لم يَعلَمْ حتّى يُصبِحَ، فهُو صائمٌ (١). ورُوي مِثلُ ذلك عن أبي هريرةَ أيضًا، والمشهُورُ عن أبي هريرةَ، أنَّهُ قال: لا صومَ لهُ، علِمَ أو لم يَعلَمْ. إلّا أنَّهُ قد روينا عنهُ من طُرُقٍ صِحاح: أنَّهُ رجَعَ عن ذلك، فاللَّه أعلمُ. ورُوي عنِ الحَسَنِ البصريِّ، وسالم بن عبدِ اللَّه بن عُمرَ، أنَّهُما قالا: يُتِمُّ صيامَ يومِهِ ذلك، ويَقْضيهِ إذا أصبَحَ فيه جُنُبًا. وقال إبراهيمُ النَّخَعيُّ، في رِوايةٍ غيرِ الرِّوايةِ الأُولى عنهُ: إنَّ ذلك يُجزئهِ في التَّطوُّع، ويقضي في الفَرْضِ (٢). وكان الحسنُ بن حيٍّ يَسْتحِبُّ إن أصبحَ جُنُبًا في رمضانَ، أن يَقْضيَ ذلك اليوم، وكان يقولُ: يَصُومُ الرَّجُلُ تَطوُّعًا، هان أصبَحَ جُنُبًا، ولا قَضاءَ عليه. وكان يَرى على الحائضِ إذا أدْرَكَها الصُّبحُ ولم تَغْتسِل: أن تَقضي ذلك اليوم. وذهَبَ عبدُ الملكِ بن عبدِ العزيزِ بن الماجِشُونِ في الحائضِ نحوَ هذا المَذْهبِ، وذلك أنَّهُ قال: إذا طَهُرتِ الحائضُ قبلَ الفجرِ، فأخَّرت غُسْلَها حتّى طلَعَ الفجرُ، فيومُها يومُ فِطرٍ؛ لأنَّها في بعضِهِ غيرُ طاهِرٍ، وليسَتْ كالذي يُصبِحُ جُنُبًا فيصُومُ؛ لأنَّ الاحْتِلام لا ينقُضُ الصَّومَ، والحَيْضَ ينقُضهُ (٣). قال أبو عُمر: قد ثبَتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ في الصّائم يُصبِحُ جُنُبًا- ما فيه شِفاءٌ وغِنًى واكتِفاءٌ عن قولِ كلِّ قائلٍ، من حديثِ عائشةَ وغيرِها.

стр. 6040

ودلَّ كِتابُ اللَّه على مِثلِ ما ثبتَ عنِ النَّبيِّ ﷺ في ذلك، قال اللَّه : ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧]. وإذا أُبيحَ الجِماعُ والأكلُ والشُّربُ، حتّى يَتَبيَّن الفجرُ، فمعلُومٌ أنَّ الغُسلَ لا يكونُ حِينَئذٍ إلّا بعدَ الفجرِ. وقد نزَعَ بهذا جماعةٌ من العُلماءِ، منهُم: رَبِيعةُ، والشّافِعيُّ، وغيرُهُما. ومِن الحُجّةِ أيضًا فيما ذهبَتْ إليه الجماعةُ في هذا البابِ. إجماعُهُم على أنَّ الاحْتِلامَ بالنَّهارِ لا يُفسِدُ الصِّيام، فتَرْكُ الاغْتِسالِ من جَنابةٍ تكونُ ليلًا، أحْرَى أن لا يُفسِد الصَّومَ، واللَّه أعلمُ. ومِمَّن ذهب إلى ما قُلنا من العُلماءِ: عليُّ بن أبي طالِبٍ، وعبدُ اللَّه بن مسعُودٍ، وزيدُ بن ثابتٍ، وأبو الدَّرداءِ، وأبو ذرٍّ، وعبدُ اللَّه بن عُمرَ، وعبدُ اللَّه بن عبّاسٍ، وعائشةُ، وأُمُّ سَلَمةَ (١). وبه قال مالكٌ (٢) في عُلماءِ المدينةِ، والشّافِعيُّ (٣) في سائرِ عُلماءِ المكِّيِّين والحِجازيِّين، والثَّوريُّ وأبو حَنِيفةَ وابنُ عُليّةَ في جَماعةِ فُقهاءِ العِراقيِّينَ، والأوزاعيُّ واللَّيثُ في فُقهاءِ أهلِ الشّام والمغرِبِ. وبه قال أحمدُ بن حَنْبل، وإسحاقُ ابنُ راهُوية، وأبو ثورٍ، وأبو عُبيدٍ، وداودُ بن عليٍّ، والطَّبريُّ، وجماعةُ أهلِ الحديثِ (٤).

стр. 6041

وأمّا اختِلافُ الفُقهاءِ في الحائضِ تَطْهُرُ قبلَ الفَجْرِ، فلا تَغْتسِلُ حتّى يَطْلُع الفَجرُ، فإنَّ مالكًا (١)، والشّافِعيَّ، والثَّوريَّ، وأحمد، وإسحاقَ، وأبا ثورٍ يقولُونَ: هي بمَنْزِلةِ الجُنُبِ، وتَغْتسِلُ وتصُومُ، ويُجزئها صَوْمُ ذلك اليوم (٢). وقال عُبيدُ اللَّه بن الحَسَنِ العَنْبريُّ والحسنُ بن حيٍّ والأوزاعيُّ: تَصُومُهُ وتَقْضيهِ. وقال أبو حنيفةَ وأصحابُهُ: إن كانت أيامُها أقلَّ من عَشَرةٍ، صامَتهُ وقَضَتهُ، وإن كانت أيامُها عَشَرةً، فإنَّها تَصُومُ، ولا تَقْضي. قال أبو عُمر: قدِ اتَّفقَ هؤُلاءِ كلُّهُم، على أنَّها تصُومُهُ، واختَلَفُوا في قَضائهِ، ولا حُجّةَ مع من أوجَبَ القَضاءَ فيه، وإيجابُ القضاء إيجابُ (٣) فرضٍ، والفَرائضُ لا تَثْبُت من جِهةِ الرَّأيِ، وإنَّما تَثبُت من جِهةِ التَّوقيفِ بالأُصُولِ الصِّحاح. ولا أدري، إن كان عبدُ الملكِ بنُ الماجِشُونِ يَرى صومَهُ أم لا؛ لأنَّهُ يقولُ: إنَّ يومَها ذلك يومُ فِطْرٍ. فإن كالت لا يَرى صومهُ، فهُو شاذٌّ، والشُّذُوذُ لا نُعرِّجُ عليه. ولا معنى لِما اعتلَّ به، من أنَّ الحيضَ يَنْقُضُ الصَّومَ، والاحتِلامُ لا ينقُضُهُ؛ لأنَّ من طَهُرت من حَيْضتِها، ليست بحائضٍ، والغُسلُ بالماءِ عِبادةٌ، ومعلُومٌ أنَّ الغُسلَ معنًى، والطُّهرُ غيرُهُ، فتَدبَّر. والصَّحيحُ في هذا البابِ، ما ذهَبَ إليه مالكٌ، والشّافِعيُّ، والثَّوريُّ، ومن تابَعهُم، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6042

حديثٌ ثانٍ لأبي طُوالةَ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ، عن أبي الحُبابِ سَعيدِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ اللَّه ﵎ يقولُ يومَ القيامةِ: أينَ المُتحابُّونَ لجلالي؟ اليومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي، يَومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلِّي". قال أبو عُمر: أبو الحُبابِ (٢) سعيدُ بن يَسارٍ، هذا مَدَنيٌّ تابِعيٌّ ثِقةٌ، لا يختلِفُونَ فيه، وهُو مولى الحَسنِ بن عليٍّ. وقيل: بل هُو مولى شُمَيسةَ: امرأةٍ كانت نَصْرانيّةً فأسْلَمت على يَدَيِ الحسنِ بن عليٍّ. وتُوُفِّي أبو الحُبابِ سنةَ سبعَ عشْرةَ ومئةٍ. وهذا الحديثُ في "المُوطَّأ" بهذا الإسنادِ عندَ جماعةِ رُواتِهِ فيما عَلِمتُ (٣). وقد كان عندَ مالكٍ فيه إسنادٌ آخرُ، رواهُ إبراهيمُ بن طَهْمانَ، عن مالكٍ، عن سعيدٍ المقبُريِّ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يقولُ اللَّهُ يومَ القيامةِ: أينَ المُتحابُّونَ (٤) لجَلالي؟ اليومَ أُظِلُّهُم في ظِلِّي، يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلِّي" (٥).

стр. 6043

ذَكَرهُ أبو داود، وقال: كان عِندهُ أيضًا عن مالكٍ حديثُ أبي طُوالةَ، عن أبي الحُبابِ. قال أبو عُمر: معنى هذا الحديثِ واضِحٌ في فضْلِ المُتحابِّين في اللَّه. ومعنى قولِهِ فيه، واللَّهُ أعلمُ: "أين المُتحابُّون لجلالي": أينَ المُتحابُّونَ فيَّ (١) إجلالًا لي، ومحبّةً فيَّ؟ فمِنْ إجلالِ اللَّه ، إجلالُ أولياءِ اللَّه ومحبَّتُهُم، كما جاءَ في الأثَرِ: "مِن إجْلالِ اللَّه ، إجْلالُ ذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحامِلِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه، ولا الجافي عنهُ" (٢). وإذا كان ذِكرُهُم وذِكرُ فضائلهِم عمَلَ برٍّ، فما ظنُّكَ بحُبِّهِم، وإخلاصِ الوُدِّ لهم؟ قرأتُ على أبي عُثمانَ سعيدِ بن نَصْرٍ، أنَّ قاسمَ بن أصبَغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: سمِعتُ ابنَ أبي إسرائيلَ يقولُ: سمِعتُ سُفيان بن عُيينةَ يقولُ: عندَ ذِكْرِ الصّالحِين تَتَنزَّلُ الرَّحمةُ. قال: وسمِعتُ ابنَ أبي إسرائيلَ يقولُ: سمِعتُ سُفيان يقولُ: اسْلُكُوا سبيلَ الحقِّ، ولا تَسْتوحِشُوا من قِلّةِ أهْلِهِ. وذكَرَ أبو عُبيدٍ (٣)، قال: حدَّثنا مُعاذُ بن مُعاذٍ، عن عَوْفِ بن أبي جَميلةَ، عن زيادِ بن مِخراقٍ، عن أبي كِنانةَ، عن أبي موسى الأشْعَريِّ، قال: إنَّ من إجْلالِ اللَّه، إكرامَ ذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحامِلِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه ولا (٤) الجافي عنهُ، وذي السُّلطانِ المُقسِطِ". وقد رُوِيَ مرفُوعًا عنِ النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "مِن تَعظيم جَلالِ اللَّه، إكرامُ

стр. 6044

ثَلاثةٍ: الإمام المُقْسِطِ، وذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحامِلِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيه، ولا الجافي عنهُ" من وُجُوهٍ فيها لينٌ (١). وحَمَلةُ القُرآنِ، هُمُ العالمونَ (٢) بأحكامِهِ، وحلالِهِ وحرامِهِ، والعامِلُونَ بما فيه (٣). ومِن أوثقِ عُرَى الإسلام: البُغضُ في اللَّه، والحُبُّ في اللَّه. حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسْرُورٍ (٤)، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسكينٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن سَنْجَر، قال: حدَّثنا عارِمٌ، قال: حدَّثنا الصَّعقُ بن حَزْنٍ، عن عَقِيلٍ (٥) الجَعْديِّ، عن أبي إسحاقَ، عن سُوَيدِ بن غَفَلةَ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يا عبدَ اللَّه بن مَسْعُودٍ". قلتُ: لبَّيكَ يا رسُولَ اللَّه، قال: "تَدْري أيُّ عُرَى الإيمانِ أوثقُ؟ " قال: قلتُ: اللَّهُ ورسُولُهُ أعلمُ، قال: "الوِلايةُ في اللَّه، الحُبُّ والبُغضُ فيه" (٦). وذكَرَ يعقُوبُ بن شيبةَ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ،

стр. 6045

عن ثابتٍ، عن مُسلِم بن يَسارٍ، قال: ما من عملي شيءٌ إلّا وأنا أخافُ أن يكونَ قد دَخَلهُ ما يُفسِدُهُ، إلّا الحُبَّ في اللَّه (١). قال: وحدَّثنا عَمرُو بن مرزُوقٍ، قال: حدَّثنا عِمرانُ القَطّانُ، عن قَتادةَ، عن مُسلِم بن يَسارٍ، قال: مرِضتُ مَرْضةً، فلم يَكُن في عَملي شيءٌ أوثَقَ في نَفْسي من قوم كنتُ أُحِبُّهُم في اللَّه (٢). وذكر ابنُ المُباركِ (٣)، عن فُضَيلِ بن غَزْوانَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّه في قولِهِ: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]، قال: نزلَتْ في المُتحابِّينَ في اللَّه. وحدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسرُورٍ، قال: حدَّثنا عيسى بن مِسْكينٍ، قال: حدَّثنا ابنُ سَنْجرٍ، قال: حدَّثنا سَعِيدُ بن سُلَيمانَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن زكريّا، قال: حدَّثنا ليثٌ، عن عَمرِو بن مُرّةَ، عن مُعاويةَ بن سُوَيدِ بن مُقرِّنٍ، عنِ البَراءِ بن عازِب، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إنَّ أوثَقَ عُرَى الإسلام، أن تُحِبَّ في اللَّه، وتُبغِضَ في اللَّه" (٤). قال أبو عُمر: فمِن الحُبِّ في اللَّه، حُبُّ أولياءِ اللَّه، وهُمُ الأتْقِياءُ، العُلماءُ، الفُضلاءُ. ومن البُغضِ في اللَّه، بُغضُ من حادَّ اللَّه، وجاهَرَ بمَعاصيهِ، أو ألحَدَ في صِفاتِهِ، وكفَرَ به، وكذَّبَ رُسُلهُ، أو نحوَ هذا كلِّهِ. وأمّا قولُهُ: "في ظِلِّ اللَّه" فإنَّهُ أرادَ، واللَّهُ أعلمُ، في ظِلِّ عَرْشِهِ، وقد يكونُ الظِّلُّ،

стр. 6046

كِناية عنِ الرَّحمةِ، كما قال: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ﴾ (١) [المرسلات: ٤١] يعني بذلك ما هُم فيه من الرَّحمةِ والنَّعَيم، وقال: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: ٣٥]. وقد يكونُ كِنايةً عنِ العَذابِ، كما قال : ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: ٤٣ - ٤٤]. ومن كان في ظِلِّ اللَّه يومَ الحِسابِ، وُقِيَ شرَّ هَوْلِ (٢) ذلك اليوم. جَعَلَنا اللَّهُ برَحمتِهِ من المُتحابِّينَ فيه ولِوَجهِهِ، المُسْتقِرِّينَ تحتَ ظِلِّهِ، يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلُّهُ، فإنَّ ذلك من أفْضَلِ الأْعمالِ، وأكْرَم الخِلالِ. أخبَرنا خلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ محمدُ بن الحُسَينِ بن صالح السَّبيعيُّ (٣) الحلبيُّ بدِمشقَ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بن إسماعيل بن سُليمانَ الشَّعيريُّ (٤)، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن أبي الوَرْدِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا حُميدٌ الأعرجُ، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أوْحَى اللَّهُ إلى نَبِيٍّ من الأنبياءِ، أن قُل لفُلانٍ العابِدِ: أمّا زُهْدُكَ في الدُّنيا، فتَعجَّلتَ راحةَ نَفْسِكَ، وأمّا انْقِطاعُكَ إليَّ، فتَعزَّزتَ بي، فماذا عمِلتَ فيما لي عليكَ؟ قال: يا رَبِّ (٥)، وماذا لكَ (٦) عليَّ؟ قال: هَلْ واليتَ لي وليًّا، أو عادَيتَ لي عدُوًّا؟ " (٧).

стр. 6047

حدَّثنا أحمدُ بن محمدِ بن أحمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفَضْلِ بن العبّاسِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الرّافِقيُّ (١)، قال: حدَّثنا محمدُ بن عامرٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن صالح، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سَعْدٍ، عن يحيى بن سَعيدٍ، عن عَمْرةَ ابنة عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالت: قَدِمَتِ امرأةٌ مُضْحِكةٌ من أهلِ مكّةَ، فنَزلَتْ على امْرأةٍ مُضْحِكةٍ من أهلِ المَدينةِ، ثُمَّ جاءَت عائشةَ تُسلِّمُ عليها، فقالت لها عائشةُ: أينَ نَزَلتِ؟ قالت: على فُلانةٍ. فقالت عائشةُ: صدَقَ اللَّهُ ورسُولُهُ، سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "الأرواحُ جُنُودٌ مُجنَّدةٌ، فما تعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَناكَرَ منها اخْتَلَفَ" (٢). ومن دُعاءِ الفَضْلِ الرَّقَاشيِّ: اللَّهُمَّ لا تُدْخِلنا النّارَ، بعدَ أن أسكنتَ قُلُوبنا توحيدَكَ، وأرجُو أن لا تَفعَلَ، وإن فعلتَ، لا تجمَعَنَّ (٣) بينَنا وبينَ قوم عادَيناهُم فيكَ. وأخبَرنا بعضُ أصحابِنا، قال: أمْلَى عليَّ أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن محمدٍ الأزديُّ، في مَسجِدِ النَّبيِّ ﷺ من حِفْظِهِ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ أحمدُ بن إسحاقَ بن يزيدَ الحلبيُّ، قاضي حلَبَ، إملاءً من حِفْظِهِ بمِصْرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الحميدِ الغَضائريُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن محمدِ بن أبي الوَرْدِ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا خَلَفُ بن خَلِيفةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن عبدِ اللَّه بن مَسْعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "أوْحَى اللَّهُ إلى نَبيٍّ من الأنْبِياءِ، أن قُلْ لفُلانٍ العابِدِ: أمّا زُهدُكَ في الدُّنيا، فتَعجَّلتَ راحتكَ،

стр. 6048

وأمّا انقِطاعُكَ إليَّ، فتَعزَّزتَ بي، فماذا عمِلتَ فيما لي عليكَ؟ قال: يا ربِّ، وما ذاك؟ فقال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عادَيتَ فيَّ عدُوًّا؟ " (١). قال الأزْديُّ (٢): هذا الحديثُ لم يُسنِدهُ إلّا محمدُ بن محمدِ بن أبي الوَردِ، والنّاسُ يُوقِفُونهُ على ابنِ مَسْعُودٍ. قال أبو عُمر: قد أخبَرنا به أبو القاسم خلفُ بن القاسم الحافِظُ، عن أبي جَعْفرٍ أحمد بن إسحاقَ بن يزيدَ الحلبيِّ (٣)، عنِ الغضائريِّ، بإسنادِهِ هذا موقوفًا على ابنِ مَسْعُودٍ من قولِهِ، لم يرفعهُ. وأخبَرنا بعضُ أصحابِنا أيضًا، قال: أمْلَى عليَّ أبو بكرٍ محمدُ بن عبدِ الوهّابِ الإسْفرايينيُّ الحافِظُ في المسجِدِ الحَرام من حِفْظِهِ، قال: حدَّثنا أبو الفَضْلِ أحمدُ بن حَمْدُون الفقيهُ، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ الحَميدِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي الوَردِ، واسمُهُ محمدٌ، قال: حدَّثنا سعيدُ بن منصُورٍ، قال: حدَّثنا خلفُ بن خليفةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عن عبدِ اللَّه بن مسعُودٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أوحى اللَّهُ إلى نبيِّهِ أنْ قُل لفُلانٍ الزّاهِدِ: أمّا زُهدُكَ في الدُّنيا، فقد تعجَّلتَ راحةَ نفسِكَ، وأمّا انقِطاعُكَ إليَّ، فقد تعزَّزتَ بي، فماذا عمِلتَ فيما لي عليك؟ قال: وما لكَ عليَّ؟ قال: هل واليتَ فيَّ وليًّا، أو عادَيتَ فيَّ عدُوًّا؟ " (٤). قال الإسْفَرايينيُّ: هذا حديثٌ غريبٌ، ورِجالُهُ ثِقاتٌ، تَفرَّدَ به ابنُ أبي الوردِ، عن سعيدِ بن منصُورٍ. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ في هذا الحديثِ: ورِجالُهُ ثِقاتٌ. فليسَ كما قال؛ لأنَّ حُميدًا الأعرجَ هذا الذي يروي عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، مُنكرُ الحديثِ عندَ

стр. 6049

جميع أهلِ العِلم بالنَّقلِ. وهُو: حُميدُ بن عليٍّ أبو يحيى الأعرجُ، لهُ عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ مناكيرُ، منها: عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عنِ ابنِ مَسْعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "كلَّمَ اللَّه مُوسى يومَ كلَّمهُ، وعليه جُبّةُ صُوفٍ، وكِساءُ صُوفٍ، وسراويلُ صُوفٍ، وكُمّةُ (١) صُوفٍ، ونَعْلانِ من جِلدِ حِمارٍ غيرِ ذكيٍّ". رواهُ أيضًا خلفُ بن خَلِيفةَ، عن حُميدٍ الأعرج، عن عبدِ اللَّه بن الحارِثِ، عنِ ابنِ مسعُودٍ، عنِ النَّبيِّ ﷺ (٢). وخَلَفُ بن خليفةَ ليسَ به بأسٌ، أصلُهُ الكُوفةُ، وسكَنَ واسِط، وإليها يُنْسبُ، وماتَ ببغدادَ سنةَ إحْدَى وثمانينَ. قَرأتُ على عبدِ الوارثِ بن سُفيانَ وأحمدَ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ محمدَ بن مُعاويةَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الحَسَنِ بن عبدِ الجبّارِ الصُّوفيُّ، قال: حدَّثنا الهَيْثمُ بن خارِجةَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن عيّاشٍ، عن صَفْوانَ بن عَمرٍو، عن عبدِ الرَّحمنِ بن مَيْسرةَ، عنِ العِرْباضِ بن سارِيةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "قال اللَّهُ ﵎: المُتحابُّونَ لجلالي (٣) في ظِلِّ عَرْشي، يومَ لا ظِلَّ إلّا ظِلالي (٤) " (٥).

стр. 6050

وليسَ في الحديثِ حُكمٌ من أحكام الدُّنيا، ولا معنًى يُشْكِلُ، وقد مَضَى من بَسْطِ معناهُ بالآثارِ وغيرِها كِفايةٌ. وقد حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى بن سُليمان المروزيُّ، قال: حدَّثنا عاصِمُ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا قَيْسٌ، عن عُمارةَ بن القَعْقاع، عن أبي زُرْعةَ بن عَمرِو بن جريرٍ، عن عُمرَ بن الخطّابِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "للَّه عِبادٌ لا بأنبياءَ ولا بشُهداءَ، يَغبِطُهُمُ الأنبياءُ والشُّهداءُ بمَكانِهِم من اللَّه "، قالوا: يا نبيَّ اللَّه، من هُم، وما أعمالُهُم، لعلَّنا نُحِبُّهُم؟ قال: "قومٌ تحابُّوا برَوح اللَّه، من غيرِ أرْحام بينهُم، ولا أمْوالٍ يَتَعاطَوْنها، واللَّه إنَّ وُجُوهَهُم نُورٌ، وإنَّهُم لعَلَى مَنابِرَ من نُورٍ، لا يخافُونَ إذا خافَ النّاسُ، ولا يَحْزنُونَ إذا حَزِنَ النّاسُ". ثُمَّ قرأ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١) [يونس: ٦٢]. وحدَّثنا (٢) خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن إسماعيل الشَّعِيريُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الأعْلَى، قال: حدَّثنا حمّادُ بن سَلَمةَ، عن ثابتٍ، عن أبي رافِع، عن أبي هريرةَ، عنِ النَّبيِّ ﷺ : "أنَّ رجُلًا زارَ أخًا لهُ في قَرْيةٍ أُخرى"، قال: "فأرْصَدَ اللَّهُ له على مَدْرَجَتِهِ (٣) مَلَكًا، فلمّا أتَى عليه، قال لهُ: أينَ

стр. 6051

تُريدُ؟ قال: أُريدُ أخًا لي في هذه القَرْيةِ. قال: هل لَهُ عليكَ من نِعْمةٍ ترُبُّها (١)؟ قال: لا، ولكن أحْبَبتُهُ في اللَّه. قال: فإنِّي رسُولُ اللَّه إليكَ، أنَّهُ قد أحبَّكَ، كما أحْبَبتهُ فيه" (٢). وحدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ بن صالح الحَلَبيُّ، قال: حدَّثنا أبو عليٍّ الحَسَن (٣) بن محمدِ بن موسى بن أبي جَعْفرٍ البُطْنانيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن الجَعْدِ، قال: حدَّثنا مُباركُ بن فَضالةَ، عن ثابتٍ البُنانيِّ، عن أنَسِ بن مالكٍ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما تحابَّ رَجُلانِ في اللَّه قطُّ، إلّا كان أفْضَلُهُما أشدَّهُما حُبًّا لصاحِبِهِ" (٤). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سَعيدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن أبي عُبَيدٍ اللُّؤلُؤيُّ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْبٍ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن عَوْنٍ، عن

стр. 6052

إبراهيمَ الهَجَريِّ، عن أبي الأحْوَصِ، عن عبدِ اللَّه، قال: الأرْواحُ جُنُودٌ مُجنَّدةٌ تَتلاقَى في الهَواءِ، فتَتشامُّ كما تَتَشامُّ الخيلُ، فما تَعارَفَ منها ائتلَفَ، وما تَناكرَ منها اختلَفَ، ولو أنَّ مُؤمِنًا جاءَ إلى مجلِسٍ فيه مئةُ مُنافِقٍ، ليسَ فيه إلّا مُؤمِنٌ واحِدٌ، لقُيِّضَ لهُ، حتّى يجلِسَ إليه. ولو أنَّ مُنافقًا جاء إلى مَجْلسٍ فيه مئةُ مُؤمنٍ، ليسَ فيه إلّا مُنافقٌ واحدٌ، لَقُيِّضَ لهُ حتّى يجلسَ إليه (١). وقد رَوَى عنِ النَّبيِّ ﷺ : "الأرواحُ جُنُودٌ مجُنَّدةٌ" (٢) جماعةٌ من الصَّحابةِ، منهُمُ: ابنُ مسعُودٍ، وغيرُهُ، إلّا أنَّ هذا اللَّفظ قولُ ابنِ مَسْعُودٍ. حدَّثنا أحمدُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن الفضلِ، قال: حدَّثنا الحسنُ بن عليٍّ الرّافِقيُّ (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْب، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضَيلٍ، عن أبيه (٤) قال: أتيتُ أبا إسحاقَ الهَمْدانيَّ، فقلتُ: أتَعرِفُني؟ قال: نعَمْ، ولَوْلا الحياءُ منكَ، لقبَّلتُكَ، سَمِعتُ أبا الأحْوَصِ يُحدِّثُ، عن عبدِ اللَّه، في قولِ اللَّه: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣]: نزلَتْ في المُتحابِّينَ في اللَّه (٥). وفي رِسالةِ سُفيانَ الثَّوريِّ إلى عبّادِ بن عبّادٍ، رواها الفِريابيُّ عنهُ، قال: المُتحابُّونَ في اللَّه، هُمُ المُواسُونَ فيه، والمُتَباذِلُونَ فيه، والمُؤثِرُونَ لإخوانِهِم على أنْفُسِهِم بأمْوالِهِم (٦).

стр. 6053

حديثٌ ثالِثٌ لأبي طُوالةَ مُرسلٌ، يتَّصِلُ من وُجُوهٍ صِحاح حِسانٍ مالكٌ (١)، عن عبدِ اللَّه بن عبدِ الرَّحمنِ بن مَعْمرٍ الأنصاريِّ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، أنَّهُ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ النّاسِ مَنْزِلًا؟ رجُلٌ آخِذٌ بعِنانِ فرَسِهِ يُجاهِدُ في سَبيلِ اللَّه، ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ النّاسِ مَنْزِلةً بَعدَهُ؟ رَجُلٌ مُعتزِلٌ في غُنَيمةٍ لهُ، يُقيمُ الصَّلاةَ، ويُؤتي الزَّكاةَ، ويَعبُدُ اللَّهَ لا يُشرِكُ به شَيئًا". هذا حَدِيثٌ مُرْسلٌ من رِوايةِ مالكٍ، لا خِلافَ عنهُ فيه (٢). وقد يتَصِلُ من وُجُوهٍ ثابتةٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، من حديثِ عَطاءِ بن يسارٍ وغيرهِ، وسَنذكُرُ ذلك في آخِرِ البابِ إن شاءَ اللَّه. وهُو من أحْسَنِ حديثٍ يُرْوَى في فضْلِ الجِهادِ، وفي الجِهادِ من الفَضائلِ على لسانِ رسُولِ اللَّه ﷺ ما لا يَكادُ يُحْصَى، قد مَرَّ منها كَثْيرٌ في كِتابِنا هذا، وليسَ هذا على شَرْطِنا، مَوْضِعَ ذِكْرِها. وأمّا قولُهُ: "خَيْرُ النّاسِ بعدهُ، رجُلٌ مُعْتزِلٌ في غُنَيمةٍ لهُ". ففي ذلك حَضٌّ على الانْفِرادِ عنِ النّاسِ واعْتِزالِهِم، والفِرارِ عنهُم. ولستُ أدْرِي في هذا الكِتابِ مَوْضِعًا أولى بذِكْرِ العُزْلةِ وفَضْلِها، من هذا الموضِع، وقد فضَّلها رسُولُ اللَّه ﷺ كما تَرى، وفضَّلها جَماعةُ العُلماءِ والحُكماءِ، لا سيَّما في زَمَنِ الفِتَنِ، وفَسادِ النّاسِ، وقد يكونُ الاعْتِزالُ عنِ النّاسِ، مَرّةً في الجِبالِ والشِّعابِ، ومرّةً في السَّواحِلِ والرِّباطِ، ومرّةً في البُيُوتِ.

стр. 6054

وقد جاءَ في غيرِ هذا الحديثِ: "إذا كانتِ الفِتْنةُ، فأخْفِ مكانَكَ، وكُفَّ لِسانَكَ". ولم يخُصَّ موضِعًا من مَوْضِع. وقد قال عُقبةُ بن عامرٍ لرسُولِ اللَّه ﷺ : ما النَّجاةُ يا رسُولَ اللَّه؟ فقال: "يا عُقْبةُ، أمْسِكْ عَليكَ لسانكَ، وليسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ على خَطِيئَتِكَ" (١). وبِمِثلِ هذا أوْصَى ابنُ مسعُودٍ رَجُلًا قال: أوْصِني (٢). وقد حدَّثنا محمدُ بن عبدِ الملكِ، قال: حدَّثنا ابنُ الأعرابيِّ. وحدَّثنا سَعيدُ بن نَصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قالا: حدَّثنا إبراهيمُ بن عبدِ اللَّه العَبْسيُّ، قال: أخبَرنا وكيعٌ (٣)، عنِ الأعْمَشِ، عن مُسلِم البَطينِ، عن عدَسةَ، قال: مرَّ بنا ابنُ مسعُودٍ فأُهْدِي لهُ طائرٌ، فقال ابنُ مَسْعُودٍ: وَدِدتُ أنِّي حَيْثُ صِيدَ هذا الطَّائرُ، لا يُكلِّمُني أحدٌ، ولا أُكلِّمُهُ. وقال رسُولُ اللَّه ﷺ لعبدِ اللَّه بن عَمرو (٤): إذا رأيتَ النّاس مَرِجَتْ عُهُودُهُم، وخفَّتْ أماناتُهُم، فالزَمْ بيتَكَ، وامْلِكْ عليكَ (٥) لِسانَكَ، وخُذ ما تعرِفُ، ودَعْ ما تُنكِرُ (٦).

стр. 6055

وقالت عائشةُ: كان أوَّلَ ما بُدِئَ به رسُولُ اللَّه ﷺ من الوحيِ، الرُّؤيا الصّادِقةُ، ثُمَّ حُبِّبَ إليه الخَلاءُ، فكانَ يَمْكُثُ الأيام في غارِ حِراءٍ، يتعبَّدُ ويتزوَّدُ لذلك من عِندِ خديجةَ، فيَبْقَى الأيامَ ذَواتِ العَدَدِ، ثُمَّ يرجِعُ إلى خَدِيجةَ فتُزوِّدُهُ، فلَمْ يزَلْ كذلك، حتّى جاءَهُ الوحيُ. ذكرهُ مَعْمرٌ وغيرُهُ، عنِ الزُّهْريِّ، عن عُروةَ، عن عائشةَ (١). وكان يُقالُ قديمًا: طُوبى لمن خَزَنَ لِسانَهُ، ووَسِعهُ بيتُهُ، وبَكَى على خَطِيئَتِهِ. حدَّثنا محمدُ بن خَليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا عليُّ بن أزْهَر أبو الحسنِ الفَرْغانيُّ بفَرْغانَ، قال: حدَّثنا عيسى بن يُونُس، عن ثَوْرِ بن يزيدَ، عن أبي يحيى سُلَيم بن عامرٍ، قال: قال أبو الدَّرْداءِ: نِعْمَ صَوْمعةُ الرَّجُلِ المُسْلم بَيْتُهُ، يَكُفُّ فيه بَصرَهُ ونَفْسَهُ وفرجَهُ، وإيّاكُم والمَجالِسَ في الأسْواقِ، فإنَّها تُلْغِي وتُلْهي (٢). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: حدَّثنا عليُّ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا سحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْبِ، قال: أخبَرني مُسلِمُ بن خالدٍ، عن إسماعيلَ بن أُميّةَ، أنَّ عُمرَ بن الخطّابِ قال: إنَّ اليأسَ غِنًى، وإنَّ الطَّمَعَ فقْرٌ حاضِرٌ، وإنَّ العُزْلةَ راحةٌ من خُلَطاءِ السُّوءِ (٣).

стр. 6056

وقد رُوي عنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "صَوامِعُ المُؤمِنينَ بُيُوتُهُم". من مراسيلِ الحَسَنِ وغيرِهِ (١). وأخبَرنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسحاقَ الصّاغانيُّ، قال: حدَّثنا سَعيدُ بن أبي مريم، قال: أخبَرنا ابنُ لهيعةَ، عن سَيّارِ (٢) بن عبدِ الرَّحمنِ قال: قال لي بُكيرُ بن الأشجِّ: ما فعلَ خالُكَ؟ قال؟ قلتُ: لزِمَ البيت مُنذُ كذا وكذا. فقال: أمَا (٣) إنَّ رِجالًا من أهلِ بدرٍ لزِمُوا بُيُوتهُم بعدَ قَتْلِ عُثمانَ، فلم يخرُجُوا إلّا إلى قُبُورِهِم (٤). قال: وحدَّثنا محمدُ بن مَخْلَدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن محمدِ بن عبدِ اللَّه الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن كَثيرٍ، قال: أخبَرنا شُعبةُ، عن إسماعيلَ بن أبي خالدٍ، عن قَيْسِ بن أبي حازِم قال: قال طَلْحةُ بن عُبيدِ اللَّه: أقلُّ لعَيْبِ الرَّجُلِ لُزُومُهُ بَيْتَهُ (٥). وعن حُذيفةَ، أنَّهُ قال: لَوَدِدتُ أنِّي وَجَدتُ من يقومُ لي في مالي، فدخَلتُ بَيْتي، فأغلَقْتُ بابي، فلم يَدْخُل عليَّ أحدٌ، ولم أخرُج إلى أحَدٌ، حتّى ألحقَ باللَّه (٦).

стр. 6057

وقال غيرُهُ: طُوبَى لمن كان غنيًّا خَفِيًّا. وكان طاوُوسٌ يجلِسُ في البيتِ، فقيل لهُ: لم تُكْثِرُ الجُلُوسَ في البيتِ؟ فقال: حَيْفُ (١) الأئمّةِ، وفَسادُ النّاسِ (٢). قمال أبو عُمر: فرَّ النّاسُ قديمًا من النّاسِ، فكيفَ بالحالِ اليومَ، مع ظُهُورِ فسادِهِم، وتَعذُّرِ السَّلامةِ منهُم، ورَحِمَ اللَّهُ مَنصُورًا الفَقِيهَ حَيْثُ يقولُ (٣): النّاسُ بَحْرٌ عميقٌ ... والبُعدُ منهُم سَفِينَهْ وقد نصحتُكَ فانظُرْ ... لنفسِكَ المِسْكينَهْ وقال رجُلٌ لسُفيان الثَّوريِّ: أوصِني، فقال: هذا زَمانُ السُّكُوتِ، ولُزُوم البُيُوتِ. وأخذ هذا منصُورٌ، فقال (٤): الخَيْرُ أجمعُ في السُّكوتِ ... وفي مُلازَمةِ البُيُوتِ فإذا اسْتَوى لكَ ذا وذ ... لِكَ فاقْتنِع بأقلِّ قُوتِ وقال منصُورٌ أيضًا (٥): ليسَ هذا زمانَ قولِك ما الحُكـ ... ـمُ على من يقولُ أنتِ حَرامُ والحَقِي بائنًا بأهْلكِ أو أنـ ... ـتَ عتيقٌ مُحرَّرٌ يا غُلامُ ومتى تُنكحُ المُصابةُ في العِدّةِ ... عن شُبْهةٍ وكيف الكلامُ

стр. 6058

في حَرام أصابَ سِنَّ غزالٍ ... فتَولَّى وللغَزالِ بُغامُ إنَّما ذا زمانُ كدٍّ إلى المو ... تِ وقُوتٍ مُبلِّغٍ والسَّلامُ حدَّثنا محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ الحميدِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي الحارِثِ، قال: سمِعتُ أحمد بن عبدِ اللَّه بن يُونُس، يقولُ: سمِعتُ سُفيان الثَّوريَّ، يقولُ: ما رأيتُ لأحَدٍ خيرًا من أن يَدْخُل في جُحْرٍ (١). وقال يحيى بن يَمانٍ: قال لي سُفيانُ: أنْكِرْ من تَعرِفُ، ولا تَتَعرَّفُ إلى من لا تَعْرِفُ. وحدَّثنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا يحيى بن محمدِ بن صاعِدٍ، قال: سمِعتُ الحُسينَ بنَ الحَسنِ المروزيَّ، يقولُ: سمِعتُ سُفيان بن عُيينةَ، يقولُ: رأيتُ الثَّوريَّ في النَّوم، فقلتُ لهُ: أوصِني، فقال: أقِلَّ من مَعرِفةِ النّاسِ، أقِلَّ من مَعرِفةِ النّاسِ. قال ابنُ عُيينةَ: كأنَّهُ ملدُوغٌ من مُجالسةِ النّاسِ (٢). وقال داودُ الطّائيُّ: فِرَّ من النّاسِ، كما تفِرُّ من الأسَدِ، واسْتَوحِش منهُم، كما تَسْتوحِشُ من السِّباع (٣). وممّا يُروَى للشّافِعيِّ (٤)، ﵀، وزمانُهُ -لا محالةَ- خيرٌ من زَمانِنا هذا:

стр. 6059

ليتَ السِّباعَ لنا كانت مُجاوِرةً ... ولَيْتَنا لا نَرَى مِمَّن نرى أحَدا إنَّ السِّباعَ لتَهْدا في مَرابِضِها ... والنّاسُ ليسَ بهادٍ شرُّهُم أبَدا فاهرُبْ بنفسِكَ واسْتَأنِسْ بوَحْدتِها ... تَعِش سَلِيمًا إذا ما كُنت مُنْفرِدًا وقال الفُضَيلُ بن عياضٍ: أقِلَّ من مَعرِفةِ النّاسِ، وليَكُن شُغلُكَ في نفسِكَ. وقال وُهَيبُ بن الوَردِ: خالَطتُ النّاسَ خمسينَ سنةً، فما وجَدَتُ رجُلًا غفرَ لي ذنبًا فيما بَيْني وبَيْنهُ، ولا وَصَلني إذا قَطَعتُهُ، ولا سَترَ عليَّ عَوْرةً، ولا أمِنْتهُ إذا غضِبَ، فالاشْتِغالُ بهؤُلاءِ حُمقٌ (١). وقال مالكُ بن دينارٍ: قال لي راهِبٌ من الرُّهبانِ: يا مالكُ، إنِ اسْتَطعتَ أن تجعَلَ بينَكَ وبين النّاسِ سُورًا من حَدِيدٍ فافعَلْ، وانظُر كلَّ جَلِيسٍ لا تَسْتفيدُ منهُ خَيْرًا في دينِكَ، فانبِذْهُ عنكَ. حدَّثنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بن سَعيدٍ وعبدُ الرَّحمنِ بن مهديٍّ ووَهْبُ بن جَريرٍ، عن شُعبةَ، عن خُبَيبِ (٢) بن عبدِ الرَّحمنِ، عن حَفْصِ بن عاصِم قال: قال عُمرُ بن الخطّابِ: خُذُوا بحظِّكُم من العُزْلةِ (٣). وكان سعيدُ بن المُسيِّبِ يقولُ: العُزلةُ عِبادةٌ (٤).

стр. 6060

وذكَرَ عبدُ اللَّه بن خُبَيْقٍ (١) قال: قال لي يوسُفُ بن أسباطٍ: قال لي سُفيانُ الثَّوريُّ وهُو يطُوفُ حول الكعبةِ: والذي لا إلهَ إلّا هُو، لقد حلَّتِ العُزلةُ (٢). وقال بعضُ الحُكماءِ: الحِكمةُ عَشَرةُ أجزاءٍ، تِسْعةٌ منها في الصَّمتِ، والعاشِرةُ: عُزلةُ النّاسِ. قال: وعالجتُ نفسي على الصَّمتِ، فلم أظْفَرْ به، فرأيتُ أنَّ العاشِرةَ خيرُ الأجْزاءِ، وهي عُزلةُ النّاسِ. قال أبو عُمر: وقد جَعلَتْ طائفةٌ من العُلماءِ العُزلةَ، اعْتِزالَ الشَّرِّ وأهلِهِ بقلبِكَ وعملِكَ، وإن كُنتَ بين ظَهْرانيهِم. ذكَرَ ابنُ المُباركِ (٣) قال: حدَّثنا وُهَيبُ بن الوردِ، قال: جاءَ رجُلٌ إلى وَهْبِ بن مُنبِّهٍ، فقال: إنَّ النّاسَ قد وَقَعُوا فيما فيه وَقَعُوا، وقد حدَّثتُ نَفْسي أن لا أُخالِطَهُم. فقال: لا تَفْعل، إنَّهُ لا بُدَّ لكَ من النّاسِ، ولا بُدَّ لهم منكَ، ولكَ إليهم حوائجُ، ولهم إليكَ حَوائجُ، ولكِن كُن فيهم أصمَّ سَمِيعًا، أعمى بصيرًا، سَكُوتًا نطُوقًا. وقال ابنُ المُباركِ في تفسيرِ العُزلةِ: أن تكونَ مع القوم، فإذا خاضُوا في ذِكرِ اللَّه، فخُضْ معهُم، وإن خاضُوا في غيرِ ذلك، فاسكُت (٤). قال أبو عُمر: يُشبِهُ أن يكونَ من ذهَبَ هذا المذهب، من حُجَّتِهِ: ما حدَّثناهُ أحمدُ بن قاسم بن عيسى، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا

стр. 6061

البَغَويُّ، قال (١): حدَّثنا عليُّ بن الجعدِ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عنِ الأعْمَشِ، عن يحيى بن وثّابٍ، قال: حدَّثني شَيْخٌ من أصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، قلتُ: من هُو؟ قال: ابنُ عُمر، عنِ النَّبيِّ ﷺ ، قال: "المُؤمِنُ الذي يُخالِطُ النّاسَ، ويصبِرُ على أذاهُم، أفْضَلُ من المُؤمِنِ الذي لا يُخالِطُهُم، ولا يَصْبِرُ على أذاهُم". وروينا عنِ الأحنفِ بن قَيْسٍ، أنَّهُ قال: الكلامُ بالخَيْرِ، أفْضلُ من السُّكُوتِ، والسُّكُوتُ خيرٌ من الكلام باللَّغوِ والباطِلِ، والجَلِيسُ الصّالِحُ، خيرٌ من الوَحْدةِ، والوَحْدةُ خيرٌ من الجَلِيسِ (٢) السُّوءِ. وهذا بابٌ يتَّسِعُ بالآثارِ، والحِكاياتِ عنِ العُلماءِ والحُكماءِ، وهُو بابٌ مُجتَمعٌ عليه، على حسَبِ ما ذكَرْنا، وباللَّه توفيقُنا. وأمّا الآثارُ المرفُوعةُ في هذا البابِ: فحدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٣): حدَّثنا شبابةُ. وأخبرنا محمدُ بن

стр. 6062

خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ البغداديُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابيُّ، قال: حدَّثنا قُتيبةُ بن سعيدٍ، قال (١): حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ بن أبي فُدَيكٍ، جميعًا (٢) عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ، عن سَعيدِ بن خالدٍ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ذُؤَيبٍ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عنِ ابنِ عبّاس: أنَّ النَّبيَّ ﷺ خرَجَ عليهم وهُم جُلُوسٌ، فقال: "ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ النّاسِ مَنْزِلًا؟ " قُلنا: بلى يا رسُولَ اللَّه. فقال: "رجُلٌ يُمْسِكُ بعِنانِ فرسِهِ في سَبيلِ اللَّه، حتّى يُقتَلَ، أو يمُوتَ، ألا أُخبِرُكُم بالذي يليهِ؟ ". قالوا: بلى يا رسُولَ اللَّه. قال: "رجُلٌ مُعتزِلٌ في شِعْبٍ، يُقيمُ الصَّلاةَ، ويُؤتي الزَّكاةَ، ويَعْتزِلُ شرَّ النّاسِ". أخبَرنا محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسينِ، قال: حدَّثنا جَعْفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا قتيبةُ بن سعيدٍ، قال: حدَّثنا ابنُ لهيعةَ، عن بُكَيرِ بن عبدِ اللَّه بن الأشجِّ، عن عَطاءِ بن يسارٍ، عنِ ابنِ عبّاسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكُم بخيرِ النّاسِ؟ رجُلٌ مُمسِكٌ بعِنانِ فرسِهِ في سبيلِ اللَّه. ألا أُخبِرُكُم بالذي يتلُوهُ؟ رجُلٌ مُعتزِلٌ في غُنيمةٍ لهُ، يُؤَدِّي حقَّ اللَّه فيها. ألا أُخبِرُكُم بشرِّ النّاسِ؟ رجُلٌ يُسألُ باللَّه، ولا يُعْطي به" (٣). وقد رواهُ بعضُهُم عن عَطاءِ بن يَسارٍ، عن أبي هريرةَ، والصَّحيحُ فيه: عنِ ابنِ عبّاسٍ، إن شاءَ اللَّه. ورُوِيَ هذا المعنى أيضًا من حديثِ الزُّهْريِّ، عن عَطاءِ بن يزيد اللَّيثيِّ.

стр. 6063

حدَّثنا محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبرنا كثيرُ بن عُبَيدٍ، قال: حدَّثنا بَقِيّةُ، عنِ الزُّبَيديِّ، عنِ الزُّهْريِّ، عن عَطاءِ بن يزيد، عن أبي سَعيدٍ الخُدْريِّ: أنَّ رجُلًا أتَى رسُولَ اللَّه ﷺ ، فقال: يا رسُولَ اللَّه، أيُّ النّاسِ أفْضَلُ؟ قال: "مُؤمِنٌ يُجاهِدُ في سَبيلِ اللَّه بنَفسِهِ ومالِهِ". فقال: ثُمَّ مَنْ يا رسُولَ اللَّه؟ قال: "ثُمَّ مُؤمِنٌ في شِعْبٍ من الشِّعابِ يتَّقي اللَّه، ويَدَعُ النّاسَ من شرِّهِ". وحدَّثنا محمدُ بن خَلِيفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ دُحَيمٌ، قال: حدَّثنا الوَليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا الأوْزاعيُّ، عنِ الزُّهْريِّ، عن عَطاءِ بن يزيدَ اللَّيثيِّ، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْريِّ، قال: قيلَ: يا رسُولَ اللَّه، أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قال: "الجِهادُ في سَبيلِ اللَّه ". قيلَ: ثُمَّ مَهْ (٢)؟ قال: رجُلٌ في شِعْبٍ من الشِّعابِ، يَتَّقي ربَّهُ ، ويَذَرُ النّاس من شرَّهِ" (٣).

стр. 6064

حدَّثنا سعيدُ بن نَصْرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال (١): حدَّثنا وكيعٌ، قال: حدَّثنا أُسامةُ بن زَيْدٍ، عن بَعْجةَ بن عبدِ اللَّه الجُهَنيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "يأتي على النّاسِ زَمانٌ، يكونُ خَيْرُ النّاسِ فيه مَنْزِلةً، مَن أخَذَ بعِنانِ فرسِهِ في سبيلِ اللَّه، كلَّما سمِعَ بهَيْعةٍ (٢)، اسْتَوَى على مَتْنِهِ، ثُمَّ يطلُبُ الموتَ في مظانِّهِ، ورجُلٌ في شِعْبٍ من هذه الشِّعابِ، يُقيمُ الصَّلاةَ، ويُؤتي الزَّكاةَ، ويَدَعُ النّاسَ، إلّا من خَيْرٍ". حدَّثنا محمدُ بن خليفةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن الحُسَينِ، قال: حدَّثنا الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو جَعْفرٍ النُّفيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن سَلَمةَ، عن محمدِ بن إسحاقَ، عن عبدِ اللَّه بن أبي نَجيح، عن مُجاهِدٍ، عن أُمِّ مُبشِّرٍ بنتِ البَراءِ بن مَعرُورٍ، قالت: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ لأصحابِهِ: "ألا أُخبِرُكُم بخَيْرِ النّاسِ رجُلًا؟ ". قالوا: بلى يا رسُولَ اللَّه. فأشارَ بيدِهِ إلى الشّام، وقال: "رجُلٌ أخذَ بعِنانِ فرسِهِ في سَبيلِ اللَّه، يَنْتظِرُ أن يُغيرَ، أو يُغارَ عليه". ثُمَّ قال: ألا أُخبِرُكُم بخَيرِ النّاسِ بعدهُ؟ ". قالوا: بلى يا رسُولَ اللَّه. فأشارَ بيدِهِ نحوَ الحِجازِ، ثُمَّ قال: "رَجُلٌ في غُنَيمةٍ، يُقيمُ الصَّلاةَ، ويُؤتي الزَّكاةَ، ويُقيمُ حقَّ اللَّه في مالِهِ، قَدِ اعْتَزلَ شُرُورَ النّاسِ" (٣).

стр. 6065

قال أبو عُمر: ويَدْخُلُ في هذا البابِ، قولُهُ ﵇: "يُوشِكُ أن يكونَ خيرَ مالِ المُسلِم غَنمٌ، يَتْبعُ بها شَعَفَ الجِبالِ، ومَواقِعَ القَطْرِ، يفِرُّ بدينِهِ من الفِتَنِ" (١). وسيأتي ذِكرُ هذا الحديثِ في بابِ عبدِ الرَّحمنِ بن أبي صَعْصَعةَ، إن شاءَ اللَّه. وإنَّما جاءَت هذه الأحاديثُ بذِكرِ الشِّعابِ، والجِبالِ، واتِّباع الغَنَم، واللَّهُ أعلمُ، لأنَّ ذلك هُو الأغْلَبَ في المواضِع التي يَعْتزِلُ فيها النّاسُ، فكلُّ مَوْضِع يبعُدُ عنِ النّاسِ، فهُو داخِلٌ في هذا المعنى، مِثلَ (٢) الاعْتِكافِ في المساجِدِ، ولُزُوم السَّواحِلِ للرِّباطِ والذِّكرِ، ولُزُوم البُيُوتِ، فِرارًا عن شُرُورِ النّاسِ؛ لأنَّ من نأى عنهُم، سَلِمُوا منهُ، وسلِمَ منهُم، لما في مُجالَستِهِم ومُخالَطتِهِم من الخَوْضِ في الغيبةِ، واللَّغوِ، وأنواع اللَّغَطِ (٣)، وباللَّه العِصمةُ والتَّوفيقُ، لا ربَّ غيرُهُ (٤).

стр. 6066

أبو الزِّنادِ عبدُ اللَّه بن ذَكْوان قال أبو عُمر: أبو الزِّنادِ لقبٌ غَلَب عليه، وكُنيتُهُ أبو عبدِ الرَّحمنِ، لا يختلِفُونَ في ذلك. وهُو عبدُ اللَّه (١) بن ذكوان، وذكوانُ أبوهُ: مولى رَمْلةَ ابنةِ شَيْبةَ بنِ ربِيعةَ بنِ عبدِ شمسِ بنِ عبدِ مَنافٍ، وكانت رملةُ هذه تحت عُثمان بنِ عفّان. وقِيل: هُو مولى عائِشةَ بنتِ عُثمان. وقِيل: مولى عُثمان. ويُقالُ: إنَّ ذكوانَ أبا أبي الزِّنادِ، كان أخا أبي لُؤلُؤَةَ قاتِلِ عُمر بنِ الخطّابِ، بوِلادةِ العَجَم. هكذا قال الواقِدِيُّ، ومُصعبٌ الزُّبيرِيُّ، والطَّبرِيُّ (٢). وأخبَرنا عبدُ الرَّحمنِ بن يحيى، قال: أخبَرنا أحمدُ بن سعِيدٍ، قال: أخبَرنا أبو مُسلِم صالحُ بن أحمد بنِ عبدِ اللَّه بنِ صالح، قال: قال أبي: أبو الزِّنادِ من رهطِ أبي لُؤلُؤَةَ، كانت بينهُم قَرابةٌ. قال: وكان أحدَ مُفتِي أهلِ المدِينةِ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا مُصعبُ بن عبدِ اللَّه، قال: كان أبو الزِّنادِ فقِيه أهلِ المدِينةِ، وكان صاحِبَ كِتابٍ وحِسابٍ، وكان كاتِبًا لعبدِ الحمِيدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخطّابِ، وكاتِبًا أيضًا لخالدِ بنِ عبدِ الملكِ بنِ الحارِثِ بنِ الحكم بالمدِينةِ. قال (٤): وقدِمَ على هشام بنِ عبدِ الملكِ بحِسابِ دِيوانِ المدِينةِ، فجالَسَ هشامًا مع ابنِ شِهابٍ، فسألَ هشامٌ ابن شِهابٍ: في أيِّ شهرٍ كان عُثمانُ يُخرِجُ

стр. 6067

العطاءَ فيه لأهلِ المدِينةِ؟ فقال: لا أدرِي. فقال أبو الزِّنادِ: كُنّا نرَى أنَّ ابنَ شِهابٍ لا يُسألُ عن شيءٍ إلّا وُجِدَ عِندهُ عِلمُهُ. قال أبو الزِّنادِ: فسألَني هشامٌ، فقلتُ: في المُحرَّم. قال هشامٌ لابنِ شِهابٍ: يا أبا بكرٍ، هذا عِلمٌ قد أفدتهُ اليوم. فقال ابنُ شِهابٍ: مجلِسُ أمِيرِ المُؤمِنِين أهلٌ أن يُفادَ منهُ العِلمُ. قال مُصعبٌ (١): وكان أبو الزِّنادِ مُعادِيًا لربِيعةَ بنِ أبي عبدِ الرَّحمنِ. قال: وكان أبو الزِّنادِ وربِيعةُ فقِيهَيْ أهلِ المدِينةِ في زَمانِهِما. وذكر الحُلوانيُّ في كِتابِ "المعرِفةِ" عنِ ابنِ أبي مريم، عنِ اللَّيثِ، عن عبدِ ربِّهِ بنِ سعِيدٍ، قال: رأيتُ أبا الزِّنادِ دخلَ مسجِد رسُولِ اللَّه ﷺ ومعهُ من الأتباع مِثلُ ما مع السُّلطانِ، من بينِ سائِلٍ عن حديثٍ، وبينِ سائِلٍ عن فِقهٍ، وبينِ سائِلٍ عن فرِيضةٍ، وبينِ سائِلٍ عن شِعْرٍ (٢). قال: وحدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بن عُيينةَ، قال: سألتُ سُفيان الثَّورِيَّ، قلتُ لهُ: كيفَ رأيتَ أبا الزِّنادِ؟ قال: أوكان ثمَّ أمِيرٌ غيرَهُ! حدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا أبو الميمُونِ، قال: حدَّثنا أبو زُرعةَ، قال (٣): سمِعتُ أحمدَ بن حَنْبلٍ يقولُ: أبو الزِّنادِ أعلمُ من ربِيعةَ. فقلتُ لأحمد: حديثُ ربيعةَ كيف هُو؟ قال: ثِقةٌ، وأبو الزِّنادِ أعلمُ منهُ. وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال (٤): حدَّثنا سُليمانُ بن أبي شيخ، قال: ولَّى عُمرُ بن عبدِ العزيزِ أبا الزِّنادِ بيتَ مالِ الكُوفةِ.

стр. 6068

وحدَّثنا عبدُ الوارثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرِ، قال (١): حدَّثني أُبيٌّ، قال: حدَّثنا ابنُ عُيينةَ، عنِ ابنِ شُبرُمةَ، قال: كان الشَّعبِيُّ يقولُ لأبي الزِّنادِ: جِئتَ بها زُيُوفًا، وتذهبُ بها جِيادًا. وقال المدائِنيُّ (٢): كان خالدُ بن عبدِ الملكِ بنِ الحارِثِ بنِ الحكم (٣) قد ولَّى أبا الزِّنادِ المدِينةَ، فقال عليُّ بن الجونِ الغطفانيُّ: رأيتُ الخيرَ عالشَ لنا فعِشنا ... وأحياني مكانَ أبي الزِّنادِ وسارَ بسِيرةِ العُمَرينِ فينا ... بعدلٍ في الحُكُومةِ واقتِصادِ وقال الواقِدِيُّ (٤): سمِعتُ مالكَ بن أنسٍ يقولُ: كانت لأبي الزِّنادِ حلقةٌ على حِدَةٍ في مَسجِدِ رسُولِ اللَّه ﷺ . قال الواقِدِيُّ (٥): مات أبو الزِّنادِ فُجاءَةً في مُغتسلِهِ ليلةَ الجُمُعةِ، لسبعَ عشْرةَ خلت من شَهرِ رمضانَ سنةَ ثلاثِينَ ومئةٍ، وهُو ابنُ سِتٍّ وسِتِّين. وقِيل: تُوُفِّي أبو الزِّنادِ سنةَ إحْدَى وثلاثِين ومئةٍ وهُو ابنُ أربع وسِتِّين سَنَة. وقال الطَّبرِيُّ: كان أبو الزِّنادِ ثِقةً كثِير الحديثِ، فصِيحًا بصِيرًا بالعربِيَّةِ، كاتِئا، حاسِبًا، فقِيهًا، عالِمًا، عاقِلًا، وقد ولِي خراجَ المدِينةِ. قال أبو عُمر: لمالكٍ عنهُ في "المُوطَّأ" أربعة وخمسُونَ حديثًا مُسندةٌ ثابتةٌ صِحاحٌ مُتَّصِلةٌ.

стр. 6069

حديثٌ أوَّلٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "الرُّؤيا الحَسَنةُ من الرَّجُلِ الصّالِح، جُزءٌ من سِتَّةٍ وأربعِين جُزءًا من النُّبُوَّةِ" (٢). قد مَضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، في بابِ إسحاقَ بنِ عبدِ اللَّه بنِ أبي طَلْحةَ، من كِتابِنا هذا، فأغْنَى ذلك عن إعادتِهِ هاهُنا، وباللَّه التَّوفيقُ.

стр. 6070

حديثٌ ثانٍ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعرج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا ينظُرُ اللَّهُ يومَ القِيامةِ إلى من يجُرُّ إزارهُ بَطَرًا". وقد مَضَى القولُ في مَعنَى هذا الحديثِ، في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه. وأمّا قولُهُ في هذا الحديثِ "بَطَرًا". فيفسرُهُ عِندِي قولُهُ في حديثِ ابنِ عُمرَ: "خُيلاءَ" على ما ذكَرْناهُ في بابِ زيدِ بنِ أسلمَ، من تفسِيرِ الخُيلاءِ، والمَخِيلَةِ. وأمّا أصلُ البَطَرِ في اللُّغةِ، فلهُ وُجُوهٌ، أحدُها: كُفرُ النِّعمةِ، وهُو الذي يُشبِهُ المعنى المقصُودَ إليه بهذا الحديثِ. وقد يكونُ البَطَرُ بمعنى الدَّهَشِ. قال الخليلُ (٢): بَطِرَ بطرًا: إذا دهِشَ (٣)، وأبطَرْتُ حِلْمَهُ: أدهشتَهُ عنهُ، وبَطِرَ النِّعمةَ: إذا لم يشكُرها، ورجُلٌ بَطِرٌ: مُتمادٍ في الغَيِّ. ولكنَّ المعنى المُرادَ بهذا الحديثِ: التَّبختُرُ في المشي، والنَّظرُ في الأعْطافِ، والتِّيهُ، والتَّكبُّرُ، والتَّجبُّرُ، ونحوُ ذلك.

стр. 6071

حديثٌ ثالِثٌ لأبي الزِّنادِ مالكٌ (١)، عن أبي الزِّنادِ، عنِ الأعْرَج، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "تَحاجَّ آدمُ وموسى، قال لهُ موسى: أنتَ آدمُ الذي أغويتَ النّاسَ، وأخْرَجتَهُم مِنَ الجنّةِ؟ قال آدمُ: أنتَ موسى الذي أعْطاهُ اللَّهُ عِلمَ كلِّ شيءٍ، واصْطَفاهُ على النّاسِ برِسالتِهِ وبكلامِهِ؟ قال: نَعَمْ. قال: أفَتلُومُني على أمرٍ قد قُدِّرَ عليَّ قبلَ أن أُخلقَ". إلى هاهُنا انتهى حديثُ مالكٍ عِندَ جميع رُواتِهِ لهذا الحديثِ، وزادَ فيه ابنُ عُيَينةَ، عن أبي الزِّنادِ، بإسنادِهِ: "قبلَ أن أُخلقَ بأربعِينَ سنةً" (٢). وكذلك قال طاوُوسٌ، عن أبي هريرةَ. حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُمرَ، قال: حدَّثنا عليُّ بن حَرْب، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن طاوُوسٍ، سَمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "حاجَّ آدمُ موسى، فقال موسى: يا آدمُ، أنتَ أبونا، أخْرَجتنا من الجنّةِ. قال اَدمُ: يا موسى، أنتَ الذي اصْطَفاكَ اللَّهُ، بكلامِهِ، وخَطَّ لكَ التَّوراةَ بيد، أتلُومُني على أمْرٍ قَدَّرهُ عليَّ قبلَ أن يخلُقَني بأربعِينَ سَنةً؟ " (٣). وهذا حديثٌ صحِيحٌ ثابتٌ من جِهَةِ الإسنادِ، لا يختلِفُون في ثُبُوتِهِ. رواهُ

стр. 6072

عن أبي هريرةَ جماعةٌ من التّابِعِين. ورُوِي من وُجُوهٍ عنِ النَّبيِّ ﷺ ، من رِوايةِ الثِّقاتِ الأئِمَّةِ الأثباتِ. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح بنِ عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا أبو عَمرٍو عُثمانُ بن محمدِ بنِ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ عبدُ اللَّه بن سَلْم (١) المقدِسِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا الوليدُ بن مُسلِم، قال: حدَّثنا الأوْزاعِيُّ، قال: حدَّثني يحيى بن أبي كَثِيرٍ، قال: حدَّثني أبو سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "لقِي آدمُ موسى، فقال لهُ موسى: أنتَ أبو النّاسِ الذي أغْوَيتهُم، وأخْرَجتهُم مِنَ الجنّةِ؟ فقالَ لهُ آدمُ: أنتَ موسى الذي كلَّمكَ اللَّه، واصْطَفاكَ برِسالتِهِ، فكيفَ تلُومُني على عَملٍ كتَبَ اللَّهُ عليَّ أن أعملَهُ قبلَ أن أُخلقَ (٢)؟ ". قال: "فحَجَّ آدمُ موسى" (٣). ورواهُ الزُّهْرِيُّ، فاختلَفَ أصحابُهُ عليه في إسنادِهِ: فرَواهُ إبراهيمُ بن سعد (٤) وشُعَيبُ بن أبي حَمْزةَ (٥)، عنِ الزُّهرِيِّ، عن حُميدِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي هريرةَ.
следующие страницы →