← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7048–7087 · переход к 7053.

стр. 7048

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه السُّورةُ قبلَ سائرِ السُّورِ، كما لو قال: كان يفتتِحُ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. أو بـ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. أو بـ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ هو [غافر: ١ - ٢]. ونحوِ ذلك. وللعُلماءِ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أقاوِيلُ. فجُملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّها ليست عِندهُم آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، ولا من غيرِها، وليست من القُرآنِ إلّا في سُورةِ النَّملِ، ولا يَقْرأُ بها المُصلِّي في المكتُوبةِ في فاتحةِ الكِتابِ، ولا في غيرِها، سِرًّا ولا جهرًا. قال مالكٌ: ولا بأس أن يقرأ بها في النّافِلةِ من يعرِضُ القُرآن عرضًا (١). وقولُ الطَّبرِيِّ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِثلُ قولِ مالكٍ في ذلك كلِّهِ (٢). وللشّافِعِيِّ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قولانِ، أحدُهُما: أنَّها آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ، دُونَ غيرِها من السُّورِ التي أُثبِتت في أوائلِها. والقولُ الآخرُ: هي آية في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ (٣). وكذلك اختَلَف أصحابُهُ على القَوْلينِ جميعًا. وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن راهُوية وأبو ثَوْرٍ وأبو عُبيدٍ: هي آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ (٤). وأمّا أصحابُ أبي حَنِيفةَ، فزَعَمُوا أنَّهُم لا يحفظُونَ عنهُ، هل هي آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ أم لا، ومَذهبُهُ يَقْتضِي أنَّها ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ؛ لأنَّهُ يُسِرُّ بها في الجَهْرِ والسِّرِّ.

стр. 7049

وقال داودُ: هي آيةٌ من القُرآنِ في كلِّ مَوْضِع وقعَتْ فيه، وليسَتْ من السُّوَرِ، وإنَّما هي آيةٌ مُفردة غير مُلحقةٌ بالسُّورِ. وزعمَ الرّازِّيُّ أنَّ مذهبَ أبي حنِيفةَ هكذا. وقال الزُّهرِيُّ: هي آيةٌ من كِتابِ اللَّه تَرَكها النّاسُ (١). وقال عطاءٌ: هي آيةٌ من أُمِّ القُرآنِ (٢). وقال ابن المُباركِ: من تركَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد تركَ مئةَ آيةٍ وثلاث عشرةَ آيةً من القُرآنِ (٣). واتَّفقَ أبو حنِيفةَ (٤)، والثَّورِيُّ، على أنَّ الإمامَ يقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ سِرًّا، ويُخفيها في صلاةِ الجَهْرِ وغيرِها، يخُصُّها بذلك. ورُوِي مِثلُ ذلك، عن عُمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وعمّارٍ، وابنِ الزُّبيرِ (٥). وهُو قولُ الحكم، وحمّادٍ (٦). وبه قال أحمدُ بن حنبل، وأبو عُبيدٍ. ورُوِي (٧) عن الأوزاعِيِّ مِثلُ ذلك. ورُوِي عن الأوزاعِيِّ أيضًا مِثلُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ لا يقرأُ بها في المكتُوبةِ سِرًّا ولا جهرًا، وأنَّها ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ.

стр. 7050

وقال الشّافِعيُّ (١) وأصحابُهُ: يُجهَرُ بها في صَلاةِ الجهرِ، لأنَّها آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ، حُكمُها كسائرِ السُّورةِ، وبه قال داود، على اختِلافٍ عنهُ في ذلك (٢). وهُو قولُ ابن عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ، وعَمرِو بن دِينارٍ. ورُوِي ذلك، عن عُمر أيضًا، وابنِ الزُّبيرِ (٣). قال أبو عُمر: أمّا من قرأ بها سِرًّا في صلاةِ السِّرِّ، وجهرًا في صلاةِ الجهرِ، فحُجَّتُهُ أنَّها آيةٌ من السُّورةِ، لا يختلِفُ حُكمُها، والمُناظرةُ بينهُ وبين من خالفه في هذا الأصلِ. وأمّا من أسرَّ بها، وجَهرَ كسائرِ السُّورةِ، فإنَّما مالَ إلى الأثرِ، وقَرَأ بها كذلك من جِهَةِ الحُكم بخبرِ الواحِدِ المُوجِبِ للعملِ دُون العِلم. واحتجُّوا من الأثرِ في ذلك، بما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤): أخبرنا محمدُ بن عليِّ بن الحسنِ (٥) بن شَقِيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن مَنصُورِ بن زاذانَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: صلَّى بنا رسُولُ اللَّه ﷺ ، فلم يُسْمِعنا قِراءةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلَّى بنا أبو بكرٍ وعُمرُ، فلم نسمعها منهُما. وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالب، قال: حدَّثنا أبو الجوّابِ، قال: أخبرنا عمّارُ بن رُزيقٍ، عن الأعمشِ،

стр. 7051

عن شُعبةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعُمر، فلم أسمع أحدًا منهُم يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١). أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسائيُّ، قال (٢): أخبرنا عبدُ اللَّه (٣) بن سعِيدٍ، قال: حدَّثني عُقبةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ وابنُ أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ رسُولِ اللَّه ﷺ وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، فلم أسمع أحدًا منهُم يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ففي هذه الآثارِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لم يجهر بها. وفي ذلك دليلٌ على أَنَّهُ كان يُخفيها، ويَقْرأُ بها، فإلى هذا ذهَبَ من رأى إخفاءَها، وعلى هذا حَملُوا ما رُوِي عن عليٍّ، ومن ذكرنا معهُ في ذلك. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤) عن إسرائيل، عن ثُوَيرِ بن أبي فاخِتةَ، عن أبيهِ: أنَّ عليًّا كان لا يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وكان يجهرُ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وعنِ الثَّورِيِّ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بَشِيرٍ، عن عِكْرِمةَ؛ عن ابن عبّاسٍ، قال: الجَهْرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قِراءةُ الأعرابِ (٥). وأمّا الذين أثبتُوها آيةً من كِتابِ اللَّه في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، والذين جَعلُوها آيةً مُنفَرِدةً في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، فإنَّهُم قالوا: إنَّ المُصحفَ

стр. 7052

لم تُثبِتِ الصَّحابةُ فيه ما ليسَ من القُرآنِ، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُضِيفُوا إلى كِتابِ اللَّه ما ليسَ منهُ، ويَكتُبُوهُ بالمِدادِ، كما كتبُوا القُرآن. هذا ما لا يجُوزُ أن يُضِيفهُ أحَدٌ إليهم؛ ألا ترَى أنَّ الذينَ رأوا منهُمُ الشَّكلَ فيه كَرِهُوهُ، وقالوا: نَمَّشْتُم (١) المُصحف، كيف تُضِيفُونَ إلَيهِ ما ليسَ منهُ؟ واحتجُّوا من الأثرِ؛ بما حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: كان النَّبيِّ ﷺ لا يَعرِفُ فصلَ السُّورةِ، حتّى تنزِل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال أبو داودَ (٣): وحدَّثنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضيل، عن المُختارِ بن فُلفُل، قال: سَمِعتُ أنس بن مالكٍ، يقولُ: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "أُنزِلت عليَّ آنِفًا سُورةٌ". فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتّى ختمها، ثُمَّ قال: "هل تدرُونَ ما الكوثرُ؟ " قالوا: اللَّه ورسُولُهُ أعلمُ. قال: "فإنَّهُ نهرٌ وعَدَنِيهِ ربِّي في الجنَّةِ".

стр. 7053

وذكر النَّسائيُّ (١) هذا الخبر عن عليِّ بن حُجرٍ، عن عليِّ بن مُسهِرٍ، عن المُختارِ بن فُلفُل، عن أنسٍ، مِثلهُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٢)، قال: أخبَرنا ابن جُريج، قال: أخبَرني عَمرُو بن دِينارٍ، أنَّ سعِيدَ بن جُبيرٍ أخبَرهُ، أنَّ المُؤمِنِينَ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ كانوا لا يعلمُونَ انقِضاءَ السُّورةِ حتّى تنزِلَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فإذا نزلت ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ عَلِمُوا أن قدِ انْقَضتِ السُّورةُ، ونزلتِ الأُخرى. وهكذا رَوَى هذا الخبر طائفةٌ من أصحابِ ابن عُيَينةَ، عن ابن عُيينةَ، عن عَمرِو (٣) بن دِينارٍ، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ مُرسلًا (٤). وبعضُهُم رواهُ، عن ابن عُيينةَ، عن عَمرٍو، عن سعِيدٍ، عن ابن عبّاسٍ مُسندًا (٥). فهذه حُجَّةُ من جعلَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من كلِّ سُورةٍ آيةً. وأخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن يُوسُفَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عليٍّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُطَيسٍ، قال: حدَّثنا أبو زُهَيرٍ عبدُ المجيدِ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عَمرُو بن هاشم، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن الحُصينِ، عن عَمرِو بن دِينارٍ، عن ابن عبّاسٍ، قال: سرقَ الشَّيطانُ من أئمَّةِ المُسلِمِينَ آيةً من كِتابِ اللَّه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال ابن عبّاسٍ: نَسِيها النّاسُ كما نسُوا التَّكبِيرَ في الصَّلاةِ، واللَّه ما كُنّا نَقْضِي السُّورةَ، حتّى تَنزِل ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٦). قال عَمرُو بن هاشم: صلَّيتُ خلفَ اللَّيثِ بن سعدٍ، فكان يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وبآمينَ.

стр. 7054

وأمّا ما حَكيناهُ، عن ابن عبّاسٍ، وابنِ عُمرَ، وغيرِهِما من السَّلفِ في هذا البابِ. فذكر عبدُ الرَّزّاقِ، قال (١): أخبَرنا ابن جُريج، قال: حدَّثني عبدُ اللَّه بن عُثمان بن خُثيم، عن عبدِ اللَّه بن أبي بكر بن حَفْصِ بن عُمر بن سعدٍ: أنَّ مُعاويةَ صلَّى للنّاسِ بالمدِينةِ العَتَمةَ، فلم يقرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولم يُكبِّر بعضَ هذا التَّكبِيرِ الذي يُكبِّرُ النّاسُ، فلمّا انصرَفَ ناداهُ من سمِعَ ذلك من المُهاجِرِينَ والأنصارِ، فقالوا: يا مُعاويةُ، أسُرِقتِ الصَّلاةُ، أم نسِيتَ؟ أين ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ واللَّه أكبرُ، حِينَ تَهْوِي ساجِدًا؟ فلم يَعُد مُعاويةُ لذلك بعدُ. ورَوَى هذا الخبرَ: عبدُ المجيدِ بن عبدِ العَزِيزِ بن أبي روّادٍ، عن ابن جُرَيج، عن عبدِ اللَّه بن عُثمانَ بن خُثيم، عن أبي بكر بن حَفْصٍ، عن أَنَسِ بن مالكٍ قال: صلَّى بنا مُعاويةُ صلاةً يَجْهرُ فيها بالمدِينةِ. فذكرَ معناهُ (٢). وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣) أيضًا، قال: أخبَرنا ابن جُرَيج، قال: أخبرني أبي، أنَّ سعِيدَ بن جُبيرٍ أخبرهُ، أنَّ ابن عبّاسٍ قال في قولِ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]، قال: أُمُّ القُرآنِ (٤). قال: وقرأها عليَّ سعِيدٌ، كما قرأتُها عليكَ، ثُمَّ قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآيةُ السّابعةُ. قال (٥) ابن عبّاسٍ: قد أخرَجها اللَّه لكُم، وما أخرَجَها لأحدٍ (٦) قبلَكُم. قال عبدُ الرَّزّاقِ: وقَرأها علينا ابن جُريج: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةٌ، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ آيةٌ،

стр. 7055

﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةٌ، ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آيةٌ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ آيةٌ، ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ آيةٌ، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ آيةٌ. قال (١): وأخبَرنا مَعمرٌ، عن أيُّوبَ، عن عَمرِو بن دِينارٍ: أنَّ ابن عبّاسٍ كان يَفْتتِحُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال (٢): وأخبَرنا إبراهيمُ بن محمدِ، عن (٣) صالح مولى التَّوأمةِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يفتتِحُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال: وأخبرنا مَعمرٌ، عن أيُّوبَ، عن نافع: أنَّ ابن عُمر كان يَفتتِحُ القِراءةَ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤). قال (٥): وأخبَرنا ابن جُريج، قال: أخبرني نافعٌ: أنَّ ابن عُمرَ كان لا يَدَعُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. يستفتِحُ بها لأُمِّ القُرآنِ، وللسُّورةِ التي بعدَها. قال (٦): وأخبَرنا الثَّورِيُّ، عن عاصِم بن أبي النَّجُودِ، عن سَعِيدِ بن جُبيرٍ: أنَّهُ كانَ يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في كلِّ ركعةٍ. قال (٧): وأخبَرنا ابن جُريج، عن عَطاءٍ، قال: لا أدعُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في (٨) مَكتُوبةٍ وتطوُّع أبدًا إلّا ناسِيًا، لأُمِّ القُرآنِ، وللسُّورةِ التي بعدَها. قال:

стр. 7056

وهي آية من القُرآنِ. قال ابن جُريج: وقال يحيى بن جَعْدةَ: اختلسَ الشَّيطانُ من الأئمَّةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال (١): وأخبَرنا مَعمرٌ، عن الزُّهرِيِّ: أنَّهُ كان يَفْتتِحُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ويقولُ: هي آيةٌ من كِتابِ اللَّه، تركها النّاسُ. قال (٢): وأخبَرنا محمدُ بن مُسلِم، عن إبراهيمَ بن مَيْسرةَ، عن مُجاهِدٍ، قال: نَسِي النّاسُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وهذا التَّكبِير. قال أبو عُمر: في قولِ ابن شِهابٍ، ومُجاهِدٍ، ويحيى بن جَعْدَةَ دليلٌ على أنَّ العملَ كان عِندَهُم ترْكُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فهذا من جِهَةِ العملِ. وأمّا من جِهَةِ الأثرِ: فحدِيثُ العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قولَهُ: "قَسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عَبْدِي نِصفينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لعبدِي، اقرؤُوا يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ " الحدِيث (٣). على حسَبِ ما بيَّنّا منهُ فيما مَضى من هذا البابِ. وحدِيثُ عبدِ اللَّه بن مُغفَّلٍ: أنَّهُ لم يسمع رسُول اللَّه ﷺ ، ولا أبا بكرٍ، ولا عُمر يقرؤُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤). وحدِيثُ أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، كانوا يفتتِحُون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وحدِيثُ عائشةَ: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَفْتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبِيرِ، والقِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.

стр. 7057

فالظّاهِرُ من هذه الأخبارِ إسقاطُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ منها، وتأوِيلُ المُخالِفِ فيها بَعِيدٌ، إذ زعمَ أنَّ قولهُم: كانوا يفتتِحُون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إعلامٌ بأنَّهُم كانوا يقرؤُونَ هذه السُّورةَ في أوَّلِ صَلاتِهِم، وفي كلِّ رَكْعةٍ. قالوا: وإنَّما في هذه الآثارِ ردُّ قَولِ من قال: إنَّ غيرَها من سُورِ القُرآنِ يُغني عنها. قالوا: وحدِيثُ أنسٍ مخُتَلفٌ فيه، أكثرُ أصحابِ قتادةَ يقولُون فيه: كانوا لا يجهرون بـ (١) ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وبعضُ رُواتِهِ عن أنسٍ يقولُ فيه: كانوا لا (٢) يقرؤُونَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ورواهُ مَعْمرٌ، عن قَتادةَ، وحُميدٍ الطَّوِيلِ، وأبان (٣)، عن أنس، قال: سَمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ وأبا بكرٍ وعُمر وعُثمانَ يَقرؤُونَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). قالوا: فحدِيثُ أنسٍ هذا، وما كانَ في معناهُ مُحتمِلٌ للتَّأوِيلِ على ما وصفنا. قالوا: وحدِيثُ (٥) عبدِ اللَّه بن مُغفَّلٍ لا يثبُتُ أيضًا، لأنَّهُ عن ابنهِ (٦)، وهُو مجهُولٌ. قالوا: والعلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ قد تُكلِّمَ فيه، وليسَ بحُجَّةٍ. قالوا: وأمّا قولُ منِ احتجَّ بقولِ اللَّه : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].

стр. 7058

فلا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ الاختِلافَ في المُعوِّذاتِ، وفي فاتحةِ الكِتابِ أيضًا موجُودٌ بينَ الصَّحابةِ، وكذلك الاختِلافُ في تأوِيلِ كثِيرٍ من آيِ القُرآنِ، فدلَّ ذلك على أنَّ معنى الآيةِ غيرُ ما نزعَ به المُخالِفُ من ظاهِرِها، واللَّه أعلمُ. قال أبو عُمر: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ثِقةٌ، رَوَى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، ولم يثبُت فيه لأحَدٍ جُرحَةٌ (١)، وهُو حُجَّةٌ فيما نقلَ، واللَّهُ أعلمُ. وحدِيثُهُ في هذا البابِ يَقْضِي بأنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، وهُو نصٌّ في مَوْضِع الخِلافِ لا يَحتمِلُ التَّأوِيل، وقد أمرَ اللَّه عِندَ التَّنازُع بالرَّدِّ (٢) إلى اللَّه ورسُولِهِ، وقدِ اختلَفَ السَّلفُ في هذا البابِ، وسلك الخلفُ سَبِيلهُم في ذلك، واختلَفتِ الآثارُ فيه، وحدِيثُ العلاءِ هذا قاطِعٌ لعُلَقِ (٣) المُتنازِعِين، وهُو أولى ما قيلَ به في هذا البابِ إن شاءَ اللَّهُ، واللَّه المُوفِّقُ للصَّوابِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن بشّارٍ. وحدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن عبدِ اللَّه بن خالدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن محمدِ بن شَيْبةَ البَغدادِيُّ، قال: حدَّثنا أبو خلِيفةَ الجُمحِيُّ الفضلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا مُسدَّدُ بن مُسرهدٍ. قالا: حدَّثنا يحيى، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: حدَّثني خُبيبُ بن عبدِ الرَّحمنِ (٤)، عن حَفْصِ بن عاصِم، عن أبي سعِيدِ بن المُعلَّى، قال: مرَّ (٥) بي رسُولُ اللَّه ﷺ وأنا في المسجِدِ، فدَعاني، فلم آتِهِ، فقال: "ما مَنعكَ أن تُجِيبنِي؟ " قُلتُ: إنِّي كُنتُ أُصلِّي. قال: "ألم يقُلِ اللَّه :

стр. 7059

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " [الأنفال: ٢٤]، ثُمَّ قال: "ألا أُعلِّمُكَ أفضلَ سورةٍ في القُرآنِ قبلَ أن أخرُجَ؟ " قال: فلمّا ذهَبَ يخرُجُ، ذكرتُ لهُ، فقال: " ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هي السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظِيمُ الذي أُوتيتُهُ". واللَّفظُ لحدِيثِ عبدِ الوارِثِ (١). ففي هذا الحدِيثِ تَسمِيةُ السُّورةِ (٢) بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وفيه: أنَّها السَّبعُ المثاني. وفيه: أنَّ الصَّلاةَ لا يجُوزُ فيها الكلامُ، ولا الاشتِغالُ بغَيرِها، ما دامَ فيها؛ لأنَّ رسُول اللَّه ﷺ لم يُعنِّفهُ، إذ قال لهُ: كُنتُ أُصلِّي. بل سكتَ عنهُ، تسلِيمًا لذلك، وإذا لم يَقْطع الصَّلاةَ بكلام ولا عملٍ لرسُولِ اللَّه ﷺ ، فغيرُهُ أحْرَى بذلك، وباللَّه التَّوفِيقُ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن ابن جُريج، قال: قُلتُ لعطاءٍ: أيُجزِئُ عنِّي في كلِّ ركعةٍ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ وليسَ معها أُمُّ القُرآنِ في المكتُوبةِ؟ قال: لا، ولا سُورةُ البَقرةِ، قال اللَّه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ [الحجر: ٨٧]. قال: هي السبعُ المثاني (٤)، قلتُ: فأينَ السّابعةُ؟ قال: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال ابن جريج (٥): وكان عطاءٌ يُوجِبُ أُمَّ القُرآنِ في كلِّ رَكْعةٍ (٦).

стр. 7060

حدِيثٌ ثالِثٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمن بن يَعقُوبَ، أنَّ أبا سعِيدٍ مولى عامرِ بن كُريزٍ أخبَرهُ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نادَى أُبيَّ بن كعبٍ وهُو يُصلِّي، فلمّا فرغَ من صلاتِهِ لحِقَهُ، فوضَعَ رسُولُ اللَّه ﷺ يَدهُ على يَدِهِ وهُو يُرِيدُ أن يخرُج من بابِ المسجِدِ، فقال: "إنِّي لأرجُو أن لا تخرُج من المَسجِدِ حتّى تعلمَ سُورةً ما أنزلَ في التَّوراةِ ولا في الإنجِيلِ، ولا في الفُرقانِ مِثلَها. قال أُبَيٌّ: فجَعلتُ أُبطِئُ في المشي رَجاءَ ذلك، ثُمَّ قُلتُ: يا رسُول اللَّه، السُّورةُ التي وَعَدْتَني؟ قال: "كيفَ تَقْرأُ إذا افتتحتَ الصَّلاةَ؟ " قال: فقرأتُ عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتّى أتيتُ على آخِرِها، فقال رسُولُ اللَّه ﷺ : "هي هذه السُّورةُ، وهي السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظيمُ الذي أُعطِيتُ". قال أبو عُمر: أبو سعِيدٍ مولى عامرِ بن كُرَيزٍ لا يُوقَفُ لهُ على اسم (٢)، وهُو مَعدُودٌ في أهلِ المدِينةِ، روى عنهُ محمدُ بن عَجْلانَ، وداودُ بن قيسٍ، وصفوانُ بن سُلَيم، والعلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، وأُسامةُ بن زيدٍ، ورِوايتُهُ عن أبي هريرةَ (٣)، وحدِيثُهُ هذا مُرسلٌ. وقد رُوِي هذا الحدِيثُ، عن أبي سعِيدِ بن المُعلَّى (٤)، وأبو سعِيدِ بن المُعلَّى رجُلٌ من الصَّحابةِ لا يُوقَفُ لهُ أيضًا على اسم، رَوَى عنهُ حفصُ بن عاصِم، وسعِيدُ بن جُبيرٍ، وقد ذكَرناهُ في كِتابِ "الصَّحابةِ" (٥) والحمدُ للَّه.

стр. 7061

ولم تختلِفِ الرُّواةُ على مالكٍ، عن العلاءِ (١) في إسنادِ هذا الحدِيثِ. وخالفهُ فيه غيرُهُ جماعةٌ عن العلاءِ. فرواهُ: ابن جُريج، وابنُ عَجْلانَ، ومحمدُ بن إسحاقَ، عن العلاءِ (٢) مُرسلًا، عن النَّبيِّ ﷺ (٣). ورواهُ إسماعيلُ ومحمدُ ابنا جعفرِ بن أبي كثِيرٍ (٤) وعبدُ العزيزِ بن أبي سَلَمةَ ورَوْحُ بن القاسم وعبدُ السَّلام بن حَفْصٍ، عن العَلاءِ، عن أبيه (٥)، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مُسندًا. ورواهُ عبدُ الحميدِ بن جعفرٍ، عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، عن النَّبيِّ ﷺ (٦). وهُو الأشبهُ عِندِي، واللَّه أعلمُ (٧). حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا

стр. 7062

عبدُ السَّلام بن حَفْصٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ لأُبِيِّ بن كعبٍ: "ألا أُعلِّمُكَ سُورةً لم يَنْزِل في التَّوراةِ، ولا في الإنجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها؟ " قال: نعم يا رسُولَ اللَّه، فذكر الحدِيث (١). وذكر محمدُ بن إسحاقَ السَّرّاجُ في "تارِيخِهِ" قال: حدَّثنا أحمدُ بن المِقدام، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن زُريع، قال: حدَّثنا رَوْحُ بن القاسم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ قال: خرجَ رسُولُ اللَّه ﷺ على أُبيِّ بن كعبٍ وهُو يُصلِّي، فقال: "السَّلامُ عليك أيْ (٢) أُبيُّ". فالتفتَ إليه ولم يُجِبهُ، ثُمَّ إنَّ أُبيَّ بن كَعْبٍ خفَّف الصَّلاةَ، ثُمَّ انصرَفَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فقال: السَّلامُ عليكَ يا رسُولَ اللَّه. قال: "وعليكَ السَّلامُ (٣)، ما مَنعكَ أي (٤) أُبيُّ أن تُجِيبني إذ دعوتُكَ؟ " قال: يا رسُولَ اللَّه، كُنتُ أُصلِّي، قال: "أفلسْتَ تجِدُ فيما أُوحِي إليَّ أنِ ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " [الأنفال: ٢٤]، قال: بلى يا رسُولَ اللَّه، ولا أعُودُ أبدًا. قال: "أيْ أُبيُّ، أتُحِبُّ أن أُعلِّمكَ سُورةً لم يَنزِل في التَّوراةِ، ولا في الإنجِيلِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الفُرقانِ مِثلُها؟ " قال: نعم يا رسُول اللَّه. قال: "فإنِّي لا أخرُجُ من هذا البابِ، حتّى تَعْلَمها". قال: ثُمَّ أخذَ رسُولُ اللَّه ﷺ بيدِي يُحدِّثُني، وأنا أتباطَأُ (٥)، مخافةَ أن يبلُغَ الباب، فلمّا دَنونا من البابِ، قُلتُ: يا رسُولَ اللَّه، السُّورةُ التي وَعَدْتَني؟ قال: "كيف تَقْرأُ في الصَّلاةِ؟ " قال:

стр. 7063

فقرأتُ عليه أُمَّ القُرآنِ. قال: "هيَ هذه السُّورةُ، وهيَ السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظِيمُ" (١). حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عِيسى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُمرُ بن إبراهيم المُقرِئُ، قال: حدَّثنا الحُسينُ بن إسماعيل المحامِليُّ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن موسى بن راشِدٍ القطّانُ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بن جَعْفرٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ألا أُعلِّمُكَ سُورةً ما أنزلَ اللَّه في التَّوراةِ، ولا في الزَّبُورِ، ولا في الإنجِيلِ، ولا في الفُرقانِ مِثلها؟ " قُلتُ: بَلَى يا رسُولَ اللَّه، قال: "فلعلَّك ألّا تخرُج من هذا البابِ، حتّى تعلمها". قال: "وقامَ فأخذ بيدِي يَمْشِي، فجعلتُ أتباطَأُ (٢) به مخافةَ أن يخرُجَ (٣) قبلَ أن يُخبِرني، فلمّا تقرَّبَ من الباب، قُلتُ: يا رسُولَ اللَّه، السُّورةُ التي وعَدْتَنِي؟ قال: "كيفَ تَقْرأُ إذا قُمتَ تُصلِّيَ صلاتَك؟ " فقَرأتُ بفاتحةِ الكِتابِ، فقال: "هيَ هيَ، وهيَ السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العظِيمُ الذي أُعطِيتُ" (٤). قال أبو عُمر: في هذا الحدِيثِ جَوازُ مُناداةِ من في الصَّلاةِ، ليُجِيبَ إذا فرغ من صلاتِهِ.

стр. 7064

وفيه أنَّ من دُعِيَ به وهُو في الصَّلاةِ، لا يُجِيبُ حتّى يفرَغَ من صلاتِهِ. وقد تقدَّم في هذا الكِتابِ من الأُصُولِ في الكلام في الصَّلاةِ، وما يجُوزُ فيها، ما يُضبطُ به مِثلُ هذا وشِبهُهُ من الفُرُوع. وفيه وضعُ اليَدِ على اليَدِ، وهذا يُسْتَحسنُ من الكبِيرِ للصَّغِيرِ، لأنَّ فيه تأنِيسًا، وتأكِيدًا للوُدِّ. وفيه ما كان عليه أُبيُّ بن كعبٍ من الحِرْصِ على العِلم، وحِرْصُهُ حمَلَه على قولِهِ: يا رسُولَ اللَّه، السُّورةُ التي وعَدْتَنِي؟ واستدلَّ بعضُ أصحابِنا بقولِهِ: "كيفَ تقرأُ إذا افْتَتحتَ الصَّلاةَ؟ " قال: فقرأتُ عليه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. فقال: في ذلك دليلٌ على سُقُوطِ الاستِعاذةِ في أوَّلِ السُّورةِ (١) قبلَ القِراءةِ. قال: ودليلٌ أيضًا على سُقُوطِ قِراءةِ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وفي ذلك اعتِراضٌ للمُخالِفِ، لقولِهِ في هذا الحدِيثِ: "كيف تقرأُ؟ " فأجابهُ بما يَفْتتِحُ به القِراءةَ. لكِنَّ الظّاهِر ما قال به أصحابُنا (٢)، لأنَّ الاستِعاذةَ قِراءةٌ، والتَّوجِيهُ قِراءةٌ. قال أبو عُمر: في هذا الحدِيثِ (٣) دليلٌ (٤) على أنَّ فاتحةَ الكِتابِ تُقرأُ في أوَّلِ ركعةٍ، وحُكمُ كلِّ رَكْعةٍ، كحُكم أوَّلِ ركعةٍ في القِياسِ والنَّظرِ.

стр. 7065

وظاهِرُ قولِهِ: فقرأتُ عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. والأغلبُ منهُ، أنَّهُ افتتحها بذلك، واللَّه أعلمُ. وقد تقدَّمَ في البابِ قبل هذا من وُجُوهِ القَولِ في ذلك ما فيه كِفايةٌ. وهذا الحدِيثُ يُخرَّجُ في التَّفسِيرِ المُسندِ، في تأوِيلِ قولِ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] أنَّ السَّبعَ المثاني فاتحةُ الكِتابِ، قيلَ لها ذلك، لأنَّها تُثنَّى في كلِّ رَكْعةٍ. كذلك قال أهلُ العِلْم بالتَّأوِيلِ. وقد رُوِي عن ابن عبّاسٍ في قولِهِ تعالى (١): ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾: أنَّها فاتحةُ الكِتابِ (٢). ورُوِي عنهُ: أنَّها السَّبعُ الطُّوَلُ: البَقَرةُ، وآلُ عِمران، والنِّساءُ، والمائدةُ، والأنعامُ، والأعرافُ، والأنفالُ، وبراءَةٌ (٣). وهُو قولُ مُجاهِدٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ (٤)، لأنَّها تُثنَّى فيها حُدُودُ القُرآنِ والفرائضِ. والقولُ الأوَّلُ أثبتُ عنهُ، وهُو الصَّحِيحُ في تأوِيلِ الآيةِ، لأنَّهُ قد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ من وُجُوهٍ صِحاح، أحسَنُها حدِيثُ شُعبةَ، عن حَبِيبِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن حَفْصِ بن عاصِم، عن أبي سعِيدِ بن المُعلَّى. وقد ذكَرْناهُ في الباب قبل هذا (٥).

стр. 7066

وعِند شُعبةَ في هذا حدِيثٌ آخرُ، رواهُ عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن المُثنَّى ومحمدُ بن بشّارٍ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن جَعفرٍ (١)، قال: حدَّثنا شُعبةُ، قال: سمِعتُ العَلاءَ بن عبدِ الرَّحمنِ يُحدِّثُ، عن أبيهِ، عن أُبيِّ بن كعبٍ قال (٢): السَّبعُ المثاني ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). وهُو قولُ قتادةَ. ورَوَى مَعمر، عن قَتادةَ: ﴿سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ قال: هي فاتحةُ الكِتابِ، تُثنَّى في كلِّ ركعةٍ مَكتُوبةٍ وتطوُّع (٤). وأخبرنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شَيْبةَ، قال: حدَّثنا أبو أُسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جَعفرٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعقُوبَ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، عن أُبيِّ بن كعبٍ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ما في التَّوراةِ، ولا في الإنجِيلِ مِثلُ أُمِّ القُرآنِ، وهي السَّبعُ المثاني، وهي مَقسُومةٌ بيني وبين عبدِي، ولعبدِي ما سألَ" (٥). اختُلِف على العلاءِ في هذا الحدِيثِ، كما تَرَى في الإسنادِ والمتنِ، وأظُنُّهُ كان في حِفظِهِ شيءٌ، واللَّه أعلمُ. وقد جوَّدهُ ابن أبي شيبةَ وُيوسُفُ بن موسى، عن أبي أُسامةَ، عن عبدِ الحميدِ بن جَعفرٍ، وباللَّه التَّوفِيقُ.

стр. 7067

حدِيثٌ رابعٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "ألا أُخبِرُكُم بما يَمْحُو اللَّه به الخَطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟ إسْباغُ الوُضُوءِ على (٢) المكارِهِ، وكثرةُ الخُطا إلى المساجِدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ، فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ". قال أبو عُمر: في هذا الحدِيثِ طَرْحُ العالِم العِلمَ على المُتعلِّم، وابتِداؤُهُ إيّاهُ بالفائدةِ، وعرضُها عليه. وهذا الحدِيثُ من أحسنِ ما يُروَى عن النَّبيِّ ﷺ في فضائل (٣) الأعمالِ. وأمّا قولُهُ: "إسباغُ الوُضُوءِ على المكارِهِ" فالإسباغُ: الإكمالُ والإتمامُ في اللُّغةِ، من ذلك قولُ اللَّه : ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠]. يعني أتمَّها عليكُم وأكملها. وإسباغُ الوُضُوءِ: أن تأتي بالماءِ على كلِّ عُضوٍ يلزمُكَ غسلُهُ، وتَعُمَّهُ كلَّهُ بالماءِ، وجرِّ اليدِ، وما لم تأتِ عليه بالماءِ منهُ، فلم تغسِلهُ، بل مَسَحتهُ، ومن مسَحَ عُضوًا يَلْزمُهُ غسلُهُ، فلا وُضُوءَ لهُ، ولا صلاةَ، حتّى يغسِلَ ما أمرَ اللَّه بغسلِهِ، على حسَبِ ما وصفتُ لك. وأمّا (٤) قولُهُ: "على المكارِهِ" فقيلَ: أرادَ البردَ وشِدَّتهُ، وكلَّ حالٍ يُكرِهُ المرءُ فيها نفسهُ، بدفع (٥) وسوسةَ الشَّيطانِ في تَكْسِيلِهِ إيّاهُ عن الطّاعةِ، والعَملِ الصّالِح، واللَّه أعلمُ.

стр. 7068

وأمّا قولُهُ: "فذلكُمُ الرِّباطُ". فالرِّباطُ هاهُنا، مُلازمةُ المسجِدِ، لانتِظارِ الصَّلاةِ، وذلك مَعرُوفٌ في اللُّغةِ، قال صاحِبُ كِتابِ "العين" (١): الرِّباطُ: مُلازمةُ الثُّغُورِ. قال: والرِّباطُ: مُواظبةُ (٢) الصَّلاةِ أيضًا. حدَّثنا يُونُسُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابِيُّ، قال: حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا خالدُ بن مَخْلدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، يعني ابن أبي كثِيرٍ، قال: حدَّثنا العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ألا أدُلُّكُم على ما يحُطُّ اللَّه به الخَطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟ " قالوا: بَلَى يا رسُولَ اللَّه. قال: "إسباغُ الوُضُوءِ على المكارِهِ، وكَثْرةُ الخُطا إلى المساجِدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ، فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ (٣)، فذلكم الرِّباطُ" (٤). أخبرنا أحمدُ (٥) بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ بن محمد (٦)، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بحَرٍ (٧)، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيلَ الصّائغُ، قال: حدَّثنا سُنَيدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن جَعفرٍ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "ألا أدُلُّكُم على ما يَمحُو اللَّه به الخَطايا، ويرفعُ به الدَّرجاتِ؟ " قالوا: بلى يا رسُولَ اللَّه. قال: "إسباغُ الوُضُوءِ على المَكارِهِ، وكَثْرةُ الخُطا إلى

стр. 7069

المساجِدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بعد الصَّلاةِ، فذلكُمُ الرِّباطُ، فذلكُمُ الرِّباطُ" (١). قال سُنيدٌ: وحدَّثنا عبدُ اللَّه بن المُباركِ (٢)، عن مُصعبِ بن ثابتٍ، عن داودَ بن صالح، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ قال: ما كانَ الرِّباطُ على عَهدِ رسُولِ اللَّه ﷺ ، ولَكِن نزلَتْ في انتِظارِ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ. يعني قولهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾ [آل عمران: ٢٠٠]. قال: وأخبَرني أحمدُ بن كُردُوسٍ الكِندِيُّ، عن عبدِ اللَّه بن وَهْبِ، عن أبي صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعْبٍ القُرَظِيِّ، قال: يقولُ: اصبِرُوا على دِينِكُم، وصابِرُوا الوعدَ الذي وعدَتُكُم، ورابِطُوا عدُوِّي، وعدُوَّكُم، حتّى يترُك دِينهُ لدِينِكُم، واتَّقُوني فيما بَيْني وبَيْنكُم لعلَّكُم تُفلِحُونَ إذا لقِيتُمُوني غدًا (٣). قال: وأخبرني أبو سُفيانَ، عن مَعْمرٍ، عن قَتادةَ قال: صابِرُوا المُشرِكِينَ، ورابِطُوا في سبِيلِ اللَّه (٤). أخبرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا صفوانُ بن عِيسى، عن الحارِثِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن أبي ذُبابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن عليِّ بن أبي طالِبٍ أنَّ رسُول اللَّه ﷺ قال: إسباغُ الوُضُوءِ في المكارِهِ، وإعمالُ الأقْدام إلى المساجِدِ، وانتِظارُ الصَّلاةِ بعدَ الصَّلاةِ، يَغسِلُ الخطايا غَسْلًا (٥).

стр. 7070

حدِيثٌ خامِسٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، قال: سألتُ أبا سعِيدٍ الخُدرِيَّ عن الإزارِ، فقال: أنا أُخبِرُكَ بعِلْم، سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "إزرةُ المُسلِم إلى أنصافِ ساقَيهِ، لا جُناحَ عليه فيما بينهُ وبين الكعبينِ، ما أسفلَ من ذلك ففي النّارِ". قال ذلك ثلاث مرّاتٍ. "لا ينظُرُ اللَّه إلى من جرَّ إزارهُ بَطَرًا". لم يُختَلَف عن العلاء بن عبد الرَّحمن في هذا الحديث (٢)، وكذلك رواهُ شُعبةُ وغيرُهُ عنهُ، كما رواهُ مالكٌ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمٌ قال: حدَّثنا أحمدُ بن زُهَيرٍ، قال (٣): حدَّثنا هارونُ بن مَعرُوفٍ، قال: حدَّثنا ضَمْرةٌ (٤)، قال: حدَّثنا سعدانُ بن سالم الأيليُّ، عن يزِيد بن أبي سُميَّةَ، قال: سمِعتُ ابن عُمر: فيما قال رسُولُ اللَّه ﷺ في الإزارِ، فهُو في القَمِيصِ. يعني ما تحتَ الكَعْبينِ من القَمِيصِ في النّارِ، كما قال في الإزارِ. وقد رَوَى أبو خيثمة زُهَيرِ بن مُعاويةَ، قال: سمِعتُ أبا إسحاقَ السَّبِيعِيَّ يقولُ: أدركتُهُم وقُمُصُهُم إلى نِصفِ السّاقِ، أو قرِيبٍ من ذلك، وكُمُّ أحدِهِم لا يُجاوِزُ يَدهُ. قال (٥) أبو عمر: تَكمِيشُ الإزارِ إلى نِصفِ السّاقِ، كانتِ العَربُ تمدحُ فاعِلهُ، ثُمَّ جاءَ اللَّه بالإسلام فسَنَّهُ النَّبيُّ ﷺ .

стр. 7071

قال دُريدُ بن الصِّمَّةِ يَرثِي أخاهُ ويمدحُهُ (١): قليلُ التَّشكِّي للمصائبِ (٢) حافِظٌ ... مع اليوم أدبارَ الأحادِيثِ في غدِ كمِيشُ الإزارِ خارِجٌ نِصفُ ساقِهِ ... صبُورٌ على العَزاء (٣) طلّاع أنجُدِ صبا ما صباحتّى إذا شابَ رأسُهُ ... وأحدث حِلمًا (٤) قال للباطِلِ ابعدِ ورحِمَ اللَّه إسحاق بن سُويدٍ حيثُ يقولُ (٥): إنَّ المُنافِق لا تصفُو خلِيقتُهُ ... فيها مع الهمزِ إيماضٌ (٦) وإيماءُ عابُوا على من قَرَا (٧) تشمِير أُزْرِهِمُ ... وخُطَّةُ العائبِ التَّشمِير حمقاءُ عدُوُّهُم كلُّ قارٍ مُؤمِنٍ ورعٍ ... وهُم لمن كان شِرِّيبًا أخِلّاءُ وقال مُتمِّمُ بن نُويرةَ في رِثائهِ لأخِيهِ (٨): تراهُ كنصلِ السَّيفِ يَهتزُّ للنَّدى ... وليسَ على الكَعْبينِ من ثوبه فضلُ وقال العرجِيُّ، وهُو عبدُ اللَّه بن عَمرِو بن عُثمان بن عفّان (٩): رأتني خَضِيب الرَّأسِ شمَّرتُ مِئزرِي ... وقد عَهِدتني أسودَ الرَّأسِ مُسبِلا

стр. 7072

فقالت لأُخرى دُونها تَعرِفِينهُ ... أليسَ به قالت بلى قد تبدَّلا سِوَى أنَّهُ قد لاحتِ الشَّمسُ لونهُ ... وفارقَ أشياع الصِّبا وتبتَّلا أماطت كِساءَ الخزِّ عن حُرِّ وَجهِها ... وأرخَتْ على الخدَّينِ بُردًا مُهَلهلا من اللّائي لم يَحْجُجنَ يَبغِينَ حِسبةً ... ولكِن ليَقتُلن البَرِيءَ المُغفَّلا وأنشد أبو عُبيدٍ للعُجَيْرِ (١) السَّلُولِيِّ (٢): وكُنتُ إذا داع دعا لمضُوفةٍ (٣) ... أُشمِّرُ حتّى يُنصِف السّاق مِئزرِي قولُهُ: لمضُوفةٍ، أي: للضِيافةِ. قال أبو عُبَيد: ثلاثةُ أحرُفٍ جاءَت عن العَربِ على غيرِ قِياسٍ: معُونةٌ، وهي مِن: أعانَ يُعِينُ. ومثُوبةٌ، وهي مِن: أثاب يُثيبُ. ومَضُوفةٌ، مِن: أضافَ يُضِيفُ. ورُوِيَ عن عُمر بن الخطّابِ: أَنَّهُ كان يكرهُ فُضُول الثِّيابِ، ويقولُ: فُضُولُ الثِّيابِ في النّارِ. وسُئل سالِمُ بن عبدِ اللَّه بن عُمر، عمّا جاءَ في إسبالِ الإزارِ: أذلك في الإزارِ خاصَّةً؟ فقال: بل (٤) في القَمِيصِ، والإزارِ، والرِّداءِ، والعِمامةِ. وقال طاوُوسٌ: الرِّداءُ فوقَ القَمِيصِ، والقَمِيصُ فوقَ الإزارِ. ورُوِي عن نافع: أنَّهُ سُئلَ عن قَوْلِ رسُولِ اللَّه ﷺ : "ما أسفلَ من الكَعْبَينِ ففي النّارِ" من الثِّيابِ ذلك (٥)؟ فقال: وما ذنبُ الثِّيابِ، بل هُو من القَدَمينِ (٦)؟

стр. 7073

قال أبو عُمر: لا يجُوزُ للرَّجُلِ أن يجُرَّ ثوبًا يَلْبَسُه ويكونَ تحتَ كَعْبَيه، وأظنُّ الوَعيدَ الشَّديدَ ورَدَ فيمَنْ جَرَّ (١) ثوبهُ خُيلاءَ وبطرًا، واللَّهُ أعلمُ. فإن قيلَ: إنَّ ابن مَسْعُودٍ كان يُسبِلُ إزارهُ، لما ذكَرهُ ابن أبي شيبةَ (٢)، عن وَكِيع، عن منصُورٍ، عن أبي وائل، عن ابن مسعُودٍ: أنَّهُ كان يُسبِلُ إزارهُ، فقيلَ لهُ، فقال: إنِّي رجُلٌ (٣) حَمْشُ السّاقينِ (٤). قيل: ذلك لعلَّهُ أُذِنَ لهُ (٥)، كما أُذِنَ لعَرْفجةَ أن يتَّخِذَ أنفًا من ذهَبٍ يَتَجمَّلُ به (٦). وذكرَ أبو بكرٍ (٧)، عن عيسى بن يُونُس، عن الأوزاعِيِّ، عن عَمرِو بن مُهاجِرٍ، قال: كانت قُمُصُ عُمر بن عبدِ العزيزِ وثِيابُهُ فيما بينَ الكعبِ، والشِّراكِ. وهذا يحتَمِلُ أن يكونَ عُمرُ ذهبَ إلى أن يستغرِقَ الكعبينِ، كما إذ قيلَ في الوُضُوءِ: ﴿إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] اسْتَغرقهُما، وكانَ الاحتِياطُ أن يُقصِّر عَنهُما، لأنَّ (٨) مَعنَى هذا مُخالِفٌ لمعنَى الوُضُوءِ، ولكِنَّ عُمرَ ليسَ منهُم، كما قال رسُولُ اللَّه ﷺ لأبي بكرٍ: "لسْتَ منهُم" (٩). أي: لستَ مِمَّن يجُرُّ ثوبهُ خُيلاءَ وبطرًا. وقد مَضَى هذا المعنى مُكرَّرًا في مَواضِعَ من كِتابِنا هذا، والحمدُ للَّه.

стр. 7074

حدِيثٌ سادِسٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ وإسحاقَ أبي عبدِ اللَّه، أنَّهُما أخَبراهُ، أنَّهُما سمِعا أبا هريرةَ، يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا ثُوِّبَ بالصَّلاةِ، فلا تأتُوها وأنتُم تَسْعونَ، وائتُوها وعليكُمُ السَّكِينةُ، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا، فإنَّ (٢) أحدَكُم في صَلاةٍ ما كانَ يَعمِدُ إلى الصَّلاةِ". هذا الحدِيثُ لم يُختَلف على مالكٍ فيما علِمتُ في إسنادِهِ، ولا في متنِهِ (٣). وقد رُوِي عن أبي هريرةَ ﵁ من وُجُوهٍ كثِير، أجلُّها: ما حدَّثناهُ سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن سعدٍ، عن ابن شِهابٍ، عن أبي سَلَمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ وسعِيدِ بن المُسيِّبِ، عن أبي هريرةَ قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فلا تأتُوها وأنتُم تَسْعونَ، وائتُوها وأنتُم تمشُونَ، عليكُمُ السَّكِينةُ، فما أدْرَكتُم فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا" (٤).

стр. 7075

وحدَّثنا سعِيدٌ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حمزةَ، عن إبراهيم بن سعد (١)، عن أبيهِ، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلهُ (٢). وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٣): حدَّثنا أحمدُ بن صالح، قال: حدَّثنا عَنْبسةُ، قال: أخبَرني يُونُسُ، عن ابن شِهابٍ، قال: أخبَرني سعِيدُ بن المُسيِّبِ وأبو سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّ أبا هريرةَ، قال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فلا تأْتُوها وأنتُم تَسْعَونَ وائتُوها تمشُونَ، وعليكُمُ السَّكِينةُ، فما أدرَكتُم فصلُّوا، وما فاتَكُم فأتِمُّوا". قال أبو داود: وكذلك قال الزُّبيدِيُّ وابنُ أبي ذِئبٍ ومَعْمرٌ وإبراهيمُ بن سعدٍ (٤) وشُعَيبُ بن أبي حمزةَ، كلُّهُم عن الزُّهرِيِّ بإسنادِهِ، قالوا: "وما فاتكُم فأتِمُّوا". وقال ابن عُيَينةَ وحدَهُ: "وما فاتَكُم فاقْضُوا". وقال محمدُ بن عَمرٍو، عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ: "فأتِمُّوا" (٥). وجعفرِ بن ربِيعةَ، عن الأعرج، عن أبي هريرةَ: "فأتِمُّوا". وكذلك رَوَى ابن مَسْعودٍ، وأبو قتادةَ، وأنسٌ، عن النَّبيِّ ﷺ : "فأتِمُّوا". واختُلِف عن (٦) أبي ذرٍّ، فرُوِي عنهُ: "فأتِمُّوا"، أو: "فاقضُوا" (٧).

стр. 7076

قال أبو داود (١): وحدَّثنا أبو الوليدِ الطَّيالِسِيُّ، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن سعدِ بن إبراهيمَ، قال: سمِعتُ أبا سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "ائتُوا الصَّلاةَ وعَلَيكُمُ السَّكِينةُ، فصلُّوا ما أدْرَكتُم، واقْضُوا ما سَبَقكُم". قال أبو داود: وكذلك قال ابن سِيرِينَ وأبو رافع، عن أبي هريرةَ: "واقضُوا ما سبَقَكم (٢) ". قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ: "إذا ثُوِّب بالصَّلاةِ". فإنَّهُ أرادَ بالتَّثوِيبِ هاهُنا الإقامةَ، وقد ذكَرْنا هذا المعنى مُجوَّدًا في بابِ أبي الزِّنادِ، وقد بانَ في رِوايةِ سعِيدِ بن المُسيِّبِ وأبي سلمةَ، عن أبي هريرةَ، لهذا الحدِيثِ أنَّ التَّثوِيبَ المذكُور في حَدِيثِ العَلاءِ، هُو الإقامةُ. وأمّا قولُهُ: "فلا تأتُوها وأنتُم تَسْعَونَ". فالسَّعيُ هاهُنا في هذا الحدِيثِ: المشيُ بسُرعةٍ والاشتِدادُ فيه، والهرولةُ. هذا هُو السَّعيُ المذكُورُ في هذا الحدِيثِ، وهُو معرُوفٌ مشهُورٌ في كلام العربِ، ومنهُ السَّعيُ بين الصَّفا والمروةِ. وقد يكونُ السَّعيَ في كلام العربِ: العَملُ، من ذلك قولُهُ: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ [الإسراء: ١٩]. ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ٤]. ونحوُ هذا كثِيرٌ. ذكر سُنيدٌ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن موسى بن عُبَيدةَ (٣)، عن محمدِ بن كعبٍ قال: السَّعيُ: العملُ. واختَلَف العُلماءُ في السَّعيِ إلى الصَّلاةِ لمن سمِعَ الإقامةَ، فرَوَى مالكٌ (٤)،

стр. 7077

عن نافع، عن ابن عُمرَ: أنَّهُ سمِعَ الإقامةَ وهُو بالبَقِيع، فأسرَعَ المشيَ. ورُوِي ذلك عن ابن عُمرَ من طُرُقٍ. ورُوِي عن عُمرَ: أَنَّهُ كان يُهروِلُ إلى الصَّلاةِ. وفي إسنادِهِ عنهُ لينٌ وضعفٌ، واللَّه أعلمُ. أخبَرنا أحمدُ بن عبدِ اللَّه، قال: حدَّثنا الحسنُ بن إسماعيل (١)، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بن بحرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن إسماعيل الصّائغُ، قال: حدَّثنا سُنيدُ بن داودَ، قال: حدَّثنا وكِيعٌ، عن سُفيانَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن ابن مسعُودٍ، قال: لو قَرأتُ: ﴿فَاسُعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] لسعَيتُ حتّى يسقُط رِدائي، وكان يقرأُ: "فامْضُوا إلى ذِكرِ اللَّه" (٢). قال أبو عُمر: وهي قِراءةُ عُمر ﵀. ورُوِي عن ابن مَسعُودٍ، أنَّهُ قال: أحقُّ ما سَعَينا إليه الصَّلاةُ. رواهُ عنهُ ابنُهُ أبو عُبَيدةَ. ولم يسمع منهُ. ورُوِي عن الأسودِ بن يزِيد، وعبدِ الرَّحمنِ بن يزِيد، وسعِيدِ بن جُبيرٍ: أنَّهُم كانوا يُهروِلُونَ إلى الصَّلاةِ (٣). فهؤُلاءِ كلُّهُم ذهَبُوا إلى أنَّهُ من خافَ الفوتَ سَعَى، ومن لم يخَفْ مَشَى على هينَتِهِ (٤).

стр. 7078

وروى وكِيعٌ، عن المسعُودِيِّ، عن القاسم بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: قال عبدُ اللَّه بن مسعُودٍ: إذا أتيتُمُ الصَّلاةَ، فائتُوها وعليكُمُ السَّكِينةُ، فما أدركتُم فصلُّوا، وما فاتكُم فأتِمُّوا (١). ورَوَى المسعُودِيُّ أيضًا، عن عليِّ بن الأقمرِ، عن أبي الأحوصِ قال: قال عبدُ اللَّه: لقد رأيتُنا وإنّا لنُقارِبُ بينَ الخُطى (٢). ورَوَى أبو الأشهبِ جعفرُ بن حيّان، عن ثابتٍ، عن أنَسِ بن مالكٍ قال: خَرجتُ مع زيدِ بن ثابتٍ إلى المسجِدِ، فأسرعتُ في المشي، فحَبَسنِي (٣). وروى محمدُ بن مُسلِم، عن عَمرِو بن دِينارٍ، عن أبي نَضْرةَ، عن أبي ذرٍّ قال: إذا أُقِيمتِ الصَّلاةُ فامشِ إليها كما كُنتَ تمشِي، فصلِّ ما أدركتَ، واقْضِ ما سبقكَ. قال أبو عُمر: قدِ اختلف السَّلفُ في هذا البابِ كما ترى، وعلى القولِ بظاهِرِ حدِيثِ النَّبيِّ ﷺ في هذا البابِ جُمهُورُ العُلماءِ، وجماعةُ الفُقهاءِ. وقد روى ابن القاسم في سماعِهِ قال: سُئل مالكٌ عن الإسراع في المشيِ إلى الصَّلاةِ إذا أُقِيمَتْ؟ قال: لا أرى بذلك بأسًا، ما لم يسعَ، أو يخُبَّ. قال: وسُئلَ عن الرَّجُلِ يخرُجُ إلى الحَرَسِ فيسمعُ مُؤَذِّن المغرِبِ في الحَرَسِ، فيُحرِّكُ فَرَسهُ ليُدرِك الصَّلاةَ. قال مالكٌ: لا أرَى بذلك بأسًا.

стр. 7079

وقال إسحاقُ: إذا خافَ فوات التَّكبِيرةِ الأُولى (١)، فلا بأسَ أن يَسْعَى. قال أبو عُمر: مَعلُومٌ أنَّ النَّبيَّ ﷺ إنَّما زجرَ عن السَّعيِ من خافَ الفوتَ (٢)، قال: "فما أدركتُم فصلُّوا". فالواجِبُ أن يأتي الصَّلاةَ من خافَ فَوْتها، ومن لم يخف ذلك بالوَقار والسَّكِينة، وترك السَّعيِ، وتَقرِيب الخُطا، لأمرِ النَّبيِّ ﷺ بذلك، وهُو الحُجَّةُ ﷺ . وأمّا قولُهُ: "وما فاتكُم فأتِمُّوا" على ما رَوَى مالكٌ وغيرُهُ، مِمَّن تقدَّم ذِكرُهُ في هذا البابِ، ففيه دليلٌ على أنَّ ما أدركَ المُصلِّي مع إمامِهِ، فهُو أوَّلُ صلاتِهِ. وهذا موضِعٌ اختلَف فيه العُلماءُ: فأمّا مالكٌ فاختَلَفتِ الرِّوايةُ عنهُ فيما أدركَ المُصلِّي من صلاةِ الإمام، هل هُو أوَّلُ صلاتِهِ، أو آخِرُها، فروى سحنُونٌ (٣) عن جماعةٍ من أصحابِ مالكٍ، منهُمُ ابن القاسم عنهُ: أنَّ ما أدرك فهُو أوَّلُ صلاتِهِ، ولكِنَّهُ يقضِي ما فاتهُ بالحمدِ وسُورةٍ. وهذا هُو المشهُورُ من المذهبِ. وقال ابن خُوَيْزمَنْداد: وهُو الذي عليه أصحابُنا، وهُو قولُ الأوزاعِيِّ، والشّافِعيِّ، ومحمدِ بن الحسنِ، وأحمد بن حنبل، والطَّبرِيِّ، وداود بن عليٍّ. وروى أشهبُ، وهُو الذي ذكرهُ ابن عبدِ الحكم، عن مالكٍ، ورواهُ عيسى، عن ابن القاسم، عن مالكٍ: أنَّ ما أدركَ فهُو آخِرُ صلاتِهِ. وهُو قولُ أبي حنِيفةَ، والثَّورِيِّ، والحسنِ بن حيٍّ (٤).

стр. 7080

قال أبو عُمر: هكذا حَكَى ابن خُوَيْزمَنْداد، عن أبي حنيفة (١). وذكر الطَّحاوِيُّ (٢)، عن محمدٍ، عن أبي يُوسُف، عن أبي حَنِيفةَ: أنَّ الذي يَقْضِيهِ أوَّلُ صلاتِهِ، وكذلك يَقْرأُ فيها (٣). ولم يحكِ خِلافًا. ولا خِلافَ عن مالكٍ، وأصحابِهِ: أنَّ من أدركَ مع الإمام رَكْعتينِ، أَنَّهُ يقرأُ فيها (٤) بأُمِّ القُرآنِ وحدَها معهُ في كلِّ ركعةٍ، ثُمَّ يقُومُ إذا سلَّمَ الإمامُ، فيقرأُ بأُمِّ القُرآنِ، وسُورةٍ فيما يَقْضِي في كلِّ ركعةٍ (٥). وهذا قولُ الشّافِعيِّ (٦) أيضًا. فكيفَ يَصِحُّ مع هذا المذهبِ الدَّعوى على من قال بهذا القولِ: أنَّ ما أدركَ فهُو أوَّلُ صلاتِهِ، بلِ الظّاهِرُ الصَّحِيحُ على ما ذكَرْنا، أنَّ ما أدركَ آخِرُ صلاتِهِ. وأمّا البِناءُ، فلا أعلمُ خِلافًا فيه بين العُلماءِ (٧): أنَّ المُصلِّي يبني فيه على صَلاةِ نفسِهِ، ولا يجلِسُ إلّا حيثُ يجِبُ لهُ، إذا قامَ لقضاءِ ما عليه. وقد صرَّح الشّافِعيُّ بأن قال: ما أدركَ فهُو أوَّلُ (٨) صلاتِهِ (٩)، وقولُهُ في القَضاءِ والقِراءةِ، كقولِ مالكٍ سواءً.

стр. 7081

وكذلك صرَّح الأوزاعِيُّ، بأنَّ ما أدركَ من صلاةِ الإمام، فهُو أوَّلُ صلاتِهِ (١). وأظُنُّهُم راعوا الإحرامَ، لأنَّهُ لا يكونُ إلّا في أوَّلِ الصَّلاةِ، والتَّشهُّدُ، والتَّسلِيمُ لا يكونُ إلّا في آخِرِها، فمن هاهُنا قالوا: إنَّ ما أدركَ فهُو أوَّلُ صلاتِهِ، واللَّه أعلمُ. وقال الثَّورِيُّ: يصنعُ فيما يَقْضِي مِثل ما صنعَ الإمامُ فيه. وقال الحسنُ بن حيٍّ: فيما ذكرَ الطَّحاوِيُّ (٢): أوَّلُ صلاةِ الإمام، أوَّلُ صلاتِكَ، وآخِرُ صلاةِ الإمام، آخِرُ صلاتِك، إذا فاتكَ بعضُ صلاتِهِ. وأمّا المُزنِيُّ وإسحاقُ وداودُ، فقالوا: ما أدركَ فهُو أوَّلُ صلاتِهِ، يقرأُ فيه مع الإمام بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وسُورةٍ، إن أدركَ ذلك معهُ، وإذا قامَ للقضاءِ قرأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ وحدَها فيما يقضِي لنفسِهِ، لأنَّهُ آخِرُ صلاتِهِ (٣). وهُو قولُ عبدِ العزيزِ بن أبي سلمةَ الماجِشُونِ، فهؤُلاءِ اطَّردَ على أصلِهِم قولُهُم وفِعلُهُم. وأمّا السَّلفُ ﵃، فرُوِي عن عُمرَ، وعليٍّ، وأبي الدَّرداءِ، بأسانِيدَ ضِعافٍ: ما أدركتَ فاجعلهُ آخِر صلاتِك (٤). وثبتَ عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، والحسَنِ البصرِيِّ، وعُمرَ بن عبدِ العزيزِ، ومَكحُول، وعَطاءٍ، والزُّهرِيِّ، والأوزاعِيِّ، وسعِيدِ بن عبدِ العزيزِ: ما أدركتَ فاجعلهُ أوَّل صلاتِك (٥).

стр. 7082

والذي يجِيءُ على أُصُولِهِم، إن لم يثبُت عنهُم نصٌّ في ذلك، ما قالهُ المُزنيُّ، وإسحاقُ، وداودُ. ورُوِي عن ابن عُمرَ، أنَّهُ قال: ما أدركتَ فاجعلهُ آخِر صلاتِكَ (١). وعن مُجاهِدٍ، وابنِ سِيرِين مِثلُ ذلك (٢). وذكر ابن المُنذِرِ (٣) أنَّ مالكًا، والثَّورِيَّ، والشّافِعيَّ، وأحمد بهذا يقولُون. قال أبو عُمر: أظنُّ ذلك من أجلِ قولِهِم في القِراءةِ وفي القضاءِ، واللَّهُ أعلمُ. واحتجَّ القائلُونَ بأنَّ ما أدركَ هُو أوَّلُ صلاتِهِ، بقولِهِ ﷺ : "وما أدركتُم فصَلُّوا، وما فاتكُم فأتِمُّوا". قالوا: والتَّمامُ هُو الآخِرُ. واحتجَّ الآخرُون بقولِهِ: "وما فاتكُم فاقْضُوا". قالوا: والذي يقضِيهِ هُو الفائتُ. والحُججُ مُتساوِيةٌ لكِلا المذهبينِ من جِهَةِ الأثرِ والنَّظرِ، إلّا أنَّ رِوايةَ من روى: "فأتِمُّوا" أكثرُ. وأمّا من جعلَ ما أدركَ مع الإمام أوَّل صلاتِهِ، فليسَ يطَّرِدُ فيه، ويستقِيمُ، إلّا ما قالهُ ابن أبي سلمةَ، والمُزنِيُّ، وإسحاقُ، وداودُ، واللَّه أعلمُ، وبه التَّوفِيقُ والسَّدادُ لا شرِيك لهُ. وقد زعمَ بعضُ المُتأخِّرِين من أصحابِنا أنَّ من ذهبَ مذهب ابن أبي سلمةَ، والمُزنِيِّ في هذه المسألةِ، أسقط سُنّةَ الجَهرِ في صلاةِ اللَّيلِ، وسُنَّةَ السُّورةِ مع أُمِّ القُرآنِ، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ إمامهُ قد جاءَ بذلك، وحصلت صلاتُهُ على سُنَّتِها في سِرِّها وجَهرِها، وغيرِ ذلك من أحكامِها، وإنَّما هذا كرجُلٍ أحرمَ والإمامُ راكِعٌ،

стр. 7083

ثُمَّ انْحَنى، فلا يُقالُ لهُ: أسقطتَ سُنّةَ الوُقُوفِ والقِراءةِ، وكرجُلٍ أدركَ مع إمامِهِ ركعةً، فجلسَ معهُ في مَوْضِع قِيامِهِ، لوِ انفردَ، فلا يُقالُ لهُ: أسأتَ، أو أسقطت شيئًا، وحسبُهُ إذا أتمَّ صَلاتهُ، أن يأتي بها على سُنَّةِ آخِرِها، فلا يضُرُّه ما سبقهُ إمامُهُ في أوَّلِها، لأنَّهُ مأمُور باتِّباع إمامِهِ، وإنَّما جُعِل الإمامُ ليُؤتمَّ به. وقال أبو بكرٍ الأثرمُ: قُلتُ لأبي عبدِ اللَّه، يعني أحمد بن حنبل، أرأيتَ قول من قال: يجعلُ ما أدركَ مع الإمام أوَّل صلاتِهِ، ومن قال: يجعلُهُ آخِر صلاتِهِ، أيُّ شيءٍ الفَرْقُ بينهُما؟ قال: من أجلِ القِراءةِ فيما يَقْضِي، قُلتُ لهُ: فحدِيثُ النَّبيِّ ﷺ ، على أيِّ القَوْلينِ يدُلُّ عِندكَ؟ قال: على أَنَّهُ يَقْضِي ما فاتهُ، قال ﷺ : "صلُّوا ما أدْرَكتُم، واقْضُوا ما سَبَقكُم". وقدِ احتجَّ داودُ، وغَيرُهُ من القائلِينَ بأنَّ من أدركَ الإمام يوم الجُمُعةِ في التَّشهُّدِ صلَّى ركعتينِ بهذا الحدِيثِ: قولُهُ ﷺ : "ما أدركتُم فصَلُّوا، وما فاتكُم فأتِمُّوا". أو: "فاقضُوا". قالوا: فالذي فاتهُ رَكْعتانِ، لا أربع، فإنَّما عليه أن يَقْضِي ما فاتهُ، ويُتِمَّ صلاتهُ. قال أبو عُمر: ولعَمرِي إنَّ هذا لوَجْهٌ لم يكُن هُناكَ ما يُعارِضُهُ وينقُضُهُ، لكِن لمّا قال ﷺ : "من أدركَ رَكْعةً من الصَّلاةِ، فقد أدركَ الصَّلاةَ" (١). كان في هذا القَولِ دليلٌ كالنَّصِّ، على أنَّ من لم يُدرِك ركعةً من الصَّلاةِ، فلم يُدرِكِ الصَّلاةَ، ومَعلُومٌ أنَّ من لم يُدرِكِ الجُمُعةَ، يُصلِّي أربعًا، على أنَّ داودَ قد جعلَ مِثل هذا الدَّليلِ أصلًا جارِيًا في الأحكام، وتركِ الاستِدلال به هاهُنا لما ذكَرْنا، واللَّه المُستعانُ. (٢) وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ في بابِ ابن شِهابٍ، عن أبي سلمةَ من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه.

стр. 7084

حدِيثٌ سابعٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ نهى أنَّ يُنبذَ في الدُّبَّاءِ، والمُزفَّتِ. قد مَضَى القَوْلُ في معنى هذا الحدِيثِ، في بابِ رَبِيعةَ، وغيرِهِ من هذا الكِتابِ. أخبَرنا خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن جعفرِ بن الوردِ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن يزِيدَ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن عبدِ الحكم، قال: أخبرنا مالكٌ، عن العَلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهَى أن يُنبذ في الدُّبّاءِ، والمُزفَّتِ. وهكذا رواهُ القَعْنبِيُّ (٢)، والتِّنِّيسِيُّ، وابنُ بُكيرٍ، وأبو المُصعبِ (٣)، وقُتيبةُ، وجماعتُهُم. قال أبو عُمر: النَّبذُ: الرَّميُ، والتَّركُ (٤)، والنَّبيذُ: المنبُوذُ. قال القُطامِيُّ (٥): فهُنَّ ينبِذنَ من قولٍ يُصِبْنَ به ... مواقِع الماءِ من ذِي الغُلَّةِ (٦) الصّادِي

стр. 7085

حدِيثٌ ثامِنٌ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ خرجَ إلى المقبرةِ، فقال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِينَ، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، ودِدتُ أَنِّي قد رأيتُ إخواننا". قالوا: يا رسُول اللَّه، ألَسْنا بإخوانِكَ؟ قال: "بل أنتُم أصحابِي، وإخوانُنا الذين لم يأتُوا بَعدُ، وأنا فرطُهُم على الحَوْضِ". قالوا: يا رسُولَ اللَّه، كيفَ تَعرِفُ من يأتي بعدكَ من أُمَّتِكَ؟ قال: أرأيت لو كانت لرجُلٍ خَيْلٌ غُرٌّ مُحجَّلةٌ في خيلٍ دُهم بُهم (٢)، ألا يَعرِفُ خَيْلهُ؟ " قالوا: بلى يا رسُول اللَّه، قال: "فإنَّهُم يأتُونَ يومَ القِيامةِ غُرًّا مُحجَّلِين من الوُضُوءِ، وأنا فَرَطُهُم على الحوضِ، فلا يُذادنَّ (٣) رجُلٌ (٤) عن حَوْضِي كما يُذادُ البعِيرُ الضّالُّ، أُنادِيهِم: ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ، ألا هلُمَّ (٥)، فيُقالُ: إنَّهُم قد بدَّلُوا بعدكَ، فأقُولُ: فسُحقًا، فسُحقًا، فسُحقًا". قال أبو عُمر: في هذا الحدِيثِ من الفِقهِ: إباحَةُ الخُرُوج إلى المقابِرِ، وزِيارةِ القُبُورِ.

стр. 7086

وهذا مجُتمعٌ عليه للرِّجالِ، ومخُتلفُ فيه للنِّساءِ، وقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "كُنتُ نهيتُكُم عن زِيارةِ القُبُورِ فزُورُوها، ولا تقولُوا هُجرًا (١)، فإنَّها تُذكِّرُ الآخِرةَ" (٢). وقد مَضَى القولُ في هذا المعنى، عِندَ ذِكرِ هذا الحدِيثِ، في بابِ رَبِيعةَ، ومَضَى القولُ في زِيارةِ النِّساءِ للمَقابِرِ، وما للعُلماءِ في ذلك، وما رُوِي فيه من الأثرِ، في غيرِ موضِع من كِتابِنا هذا، فلا وجهَ لتكرارِ ذلك هاهُنا. وأمّا قولُهُ في المقبرةِ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِينَ". فقد رُوِي من وُجُوهٍ حِسانٍ، وحدِيثُ العلاءِ هذا من أحسَنِها إسنادًا. وقد رَوَى شُعبةُ وسُفيانُ، عن عَلْقمةَ بن مرثدٍ، عن سُليمانَ بن بُريدةَ، عن أبيهِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان إذا مَرَّ على القُبُورِ قال: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنِينَ، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، غفرَ اللَّه العَظِيمُ لنا ولكُم، ورَحِمنا وإيّاكُم" (٣). وقد حدَّثنا أحمدُ بن قاسم وَيعِيشُ بن سَعِيدٍ (٤) ومحمدُ بن حكم، قالوا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أبو خَلِيفةَ الفَضلُ بن الحُبابِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن مَسْلمةَ القَعنبِيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ الدَّراوردِيُّ، قال: حدَّثنا شرِيكُ بن أبي نَمِرٍ، عن عطاءِ بن يسارٍ، عن عائشةَ، أنَّها قالت: كان النَّبيُّ ﷺ يخرُجُ مِن (٥)

стр. 7087

اللَّيلِ إلى المقبرةِ، فيقولُ: "السَّلامُ عليكُم دارَ قوم مُؤمِنينَ، أتانا وإيّاكُم ما تُوعدُونَ، وإنّا إن شاءَ اللَّه بكُم لاحِقُونَ، اللهمَّ اغْفِر لأهلِ بَقِيع الغَرْقدِ" (١). وقدِ احتجَّ (٢) من ذهبَ إلى أنَّ أرواحَ الموتى على أفْنِيةِ القُبُورِ، واللَّه أعلمُ بما أرادَ رسُولُهُ ﷺ بسلامِهِ عليهم. وقد نادَى أهلَ القَلِيبِ ببدرٍ، وقال: "ما أنتُم بأسمعَ منهُم، إلّا أنَّهُم لا يَسْتطِيعُونَ أن يُجِيبُوا" (٣). قيل: إنَّ هذا خُصُوصٌ. وقيل: إنَّهُم لم يكونُوا مَقبُورِينَ، لقولِهِ تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] وما أدرِي ما هذا. وقد رَوَى قَتادةُ، عن أنسٍ، في الميِّتِ حِين يُقبرُ: أنَّهُ يسمعُ خفقَ نِعالِهِم، إذا ولَّوا عنهُ مُدبِرِينَ (٤).
следующие страницы →