← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 236

التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار

ابن عبد البر

Полный текст (8 840 стр.). Показаны 7013–7052 · переход к 7018.

стр. 7013

قال عبدُ الملكِ: وحدُّ ذلك ما لوِ التَقْتِ الحرَّتانِ عليه، كانتِ البُيُوتُ شاغِلةً منه (١)، وما فوقَ ذلك وأسفَلَ فمُباحٌ. قال: وقال مالكٌ: أكرهُ ما قرُبَ جِدًّا من فَوْقٍ، وأسفَلَ (٢). قال (٣): وبلَغَنا أنَّ سعدًا أخذَ ثوب من فعل ذلك وفأسهُ، فكلِّم فيه، فقال: لا أدعُ ما أعْطانِيهِ رسُولُ اللَّه ﷺ (٤). قال: وبَلَغنا أنَّ عُمر بن الخطّابِ قال لمولًى لقُدامةَ بن مَظْعُونٍ، يُدْعى سالمًا: إذا رأيتَ من يَقْطعُ من الشَّجرِ، يعني من شجَرِ المدِينةِ، شيئًا، فخُذ فأسهُ. قال: وثَوْبهُ يا أمِيرَ المُؤمِنِينَ؟ قال: لا، ولكِن فأسهُ (٥). قال أبو عُمر: لم يختلِفِ العُلماءُ: أنَّهُ لا يجُوزُ أخذُ فأسِ منِ اصْطادَ بالمدِينةِ اليومَ ولا ثوبِهِ، وقدِ احتجَّ بذلك من زعَمَ أنَّ تحرِيم صَيْدِها مَنسُوخٌ بذلك. وهذا ليسَ بشيءٍ؛ لأنَّ الحدِيث عن سعدٍ وعُمر في ذلك ضعِيفُ الإسنادِ، ولا يُحتجُّ به، وقد ثبتَ تحرِيمُها (٦) من الطُّرُقِ الصِّحاح. وليسَ في سُقُوطِ وُجُوبِ الجَزاءِ على منِ اصْطادَ فيها، ما يُسقِطُ تحرِيمها، لما قدَّمناهُ من الحُجَّةِ في ذلك، في بابِ ابن شهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، وثَمَّ اشْبَعنا القوَلَ في هذه المسألةِ.

стр. 7014

ولم يَكُن في شرِيعةِ إبراهيمَ جزاءُ صَيْدٍ، فيما قال أهلُ العِلم، والنَّبيُّ ﷺ إنَّما حرَّم المدِينةَ، كما حرَّم إبراهيمُ مكَّةَ. ووُجُوبُ الجزاءِ في صَيْدِ الحَرَم شيءٌ ابْتَلَى اللَّه به هذه الأُمَّةَ، ألا تَرَى إلى قولِهِ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ٩٤]. ولم يكُن قبلَ ذلك، واللَّهُ أعلمُ. والصَّحابةُ فَهِمُوا المُرادَ في تحرِيم صَيْدِ المدِينةِ، فتَلقَّوهُ بالوُجُوبِ، دُونَ جَزاءٍ، كذلك قال أبو هريرةَ (١)، وزيدُ بن ثابتٍ (٢)، وأبو سعِيدٍ (٣). ذكرَ إسماعيلُ بن إسحاقَ قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثني أخِي، عن سُليمانَ بن بلال، عن سعدِ بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجرةَ، عن زينب بنتِ كعبِ بن عُجرةَ، عن أبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ حرَّمَ ما بينَ لابَتَيِ المدِينةِ، وأَنَّهُ حرَّمَ شَجَرها أن يُعضَدَ. قالت زينبُ: فكانَ أبو سعِيدٍ يَضْرِبُ بنِيهِ إذا اصطادوا فيها، ويُرسِلُ الصَّيدَ (٤). قال: وحدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الواحِدِ بن زِيادٍ، قال: حدَّثنا عاصِمٌ الأحولُ، قال: قُلتُ لأنَسِ بن مالكٍ: حرَّم رسُولُ اللَّه ﷺ المدِينةَ؟ قال: نعم (٥).

стр. 7015

وقد قالت فِرقةٌ: في صيدِ المدِينةِ الجزاءُ (١). واحتجُّوا بأنَّهُ حَرَمُ نبِيٍّ، كما مكَّةُ حَرَمُ نبِيٍّ، واعتلُّوا بقولِهِ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ، وإنِّي أُحرِّمُ ما بينَ لابَتَيها". والوجهُ (٢): ما قدَّمنا، وهُو قولُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأبي حنِيفةَ، وأكثرِ أهلِ العِلم. والأصلُ أنَّ الذِّمَّةَ برِيئَةٌ، فلا يجِبُ فيها شيءٌ إلّا بيقِينٍ. وأمّا حرمُ المدِينةِ، وكم يبلُغُ من المسافةِ، ومعنى "لابَتَيها" وهُما الحرَّتانِ، فقد مضى في كِتابِنا هذا، في بابِ ابن شِهابٍ، عن سعِيدِ بن المُسيِّبِ، والحمدُ للَّه. [آخر المجلد الثاني عشر من هذه الطبعة المحققة، نسأل اللَّه سبحانه عونه على إنجازه].

стр. 7016

مالكٌ عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ وهُو العلاءُ (١) بن عبدِ الرَّحمنِ بن يعقُوب، مولى الحُرَقةِ، والحُرَقةُ: امرأةٌ من جُهَينةَ، وهي فَخِذٌ من أفخاذِ جُهَينةَ، يُنسبُ إليه الحُرَقِيُّون. روى عنهُ جماعةٌ من الأئمَّةِ، منهُم: مالكٌ، وشُعبةُ، والثَّورِيُّ، وابنُ عُيينةَ. وهُو من تابِعِي أهلِ المدِينةِ، سمِع أنس بن مالكٍ. كان ابن معِينٍ لا يرضاهُ، وليسَ قولُهُ فيه بشيءٍ، قال أحمدُ بن زُهَيرٍ (٢): سمِعتُ يحيى بن معِينٍ يقولُ: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ليسَ بذاك، قال (٣): وسمِعتُ يحيى بن مَعِينٍ يقولُ: لم يَزلِ النّاسُ يتَّقُونَ حدِيث العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ. قال أبو عُمر: ليتَ شِعرِي، مَنِ النّاسُ الذين كانوا يتَّقُونَ حَدِيثهُ؟ وقد حدَّث عنهُ هؤُلاءِ الأئمَّةُ الجلَّةُ، وجماعةٌ غيرُهُم كثِيرةٌ. وقال عبدُ اللَّه بن أحمد بن حنبل (٤): سمِعتُ أبي يقولُ: العلاءُ بن عبدِ الرَّحمنِ ثِقةٌ. والعلاءُ من التّابِعِينَ بإدراكِهِ أنَس بن مالكٍ، وأبوهُ من التّابِعِينَ أدركَ أبا هريرةَ وأبا سعِيدٍ، وجدُّهُ يَعْقُوبُ أدركَ عُمر بن الخطّابِ، فهُو من كِبارِ التّابِعِين. وذكرَ ابن إسحاقَ وعبدُ العزيزِ بن أبي حازِم وإسماعيلُ بن جعفرٍ وغيرُهُم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، ومعنى حدِيثِهِم واحِدٌ، دخل بعضُهُ في

стр. 7017

بعضٍ: أنَّ يعقُوبَ أباهُ كان مُكاتَبًا لأوسِ بن الحَدَثانِ النَّصرِيِّ، فتزوَّج جدُّهُ مولاةً لرجُلٍ من الحُرَقةِ، فولدت لهُ عبد الرَّحمنِ أبا العلاءِ هذا، ثُمَّ إنَّ يعقُوب قَضَى كِتابتهُ بعدما وُلِدَ عبدُ الرَّحمنِ، فقام (١) الحُرَقِيُّ فأخذ بيدِ عبدِ الرَّحمنِ، فقال: مولاي. وقال النَّصرِيُّ: مولاي. فارتَفعا إلى عُثمان بن عفّان، فقَضَى عُثمانُ بأنَّ الوَلاءَ للحُرَقِيِّ، وأنَّ ما ولدت (٢) أمُّ عبدِ الرَّحمنِ، ويعقُوبُ مُكاتبٌ فهو للحُرَقِيِّ، وما ولدَتْ بعدَ عِتقِهِ وأداءِ كِتابتِهِ، فهُو لأوسِ بن الحَدَثانِ النَّصرِيِّ. وروى اللَّيثُ بن سعدٍ، عن يزِيد بن أبي حبِيبٍ، عن أبي النَّضرِ، عن عبدِ الرَّحمنِ بن يعقُوب مولى الحُرَقةِ معنى ما تقدَّمَ من ولاءِ يَعقُوب وامرأتِهِ، إلّا أَنَّهُ جعلَ مكان الكِتابةِ تدبِيرًا. قال أبو عُمر: لمالكٍ عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ عشرةُ أحادِيث مرفُوعةٍ، أحدُها مقطُوعٌ. وتُوُفِّي العلاءُ في خِلافةِ أبي جعفرٍ، سنةَ سبعٍ (٣) وثلاثِينَ ومئةٍ.

стр. 7018

حدِيثٌ أوَّلُ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: دخَلْنا على أنسِ بن مالكٍ بعدَ الظُّهرِ، فقامَ يُصلِّي العصرَ، فلمّا فرغَ من صلاتِهِ ذكَرْنا تَعجِيلَ الصَّلاةِ (٢) أو ذكَرَها، فقال: سمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "تلكَ صلاةُ المُنافِقِينَ، تلكَ صلاةُ المُنافِقِينَ". ثلاثًا "يجلِسُ أحدُهُم حتّى إذا اصفرَّتِ الشَّمسُ، فكانت بينَ قَرْنيِ الشَّيطانِ، أو على قَرْنِ الشَّيطانِ، قامَ فنقَرَ أربعًا، لا يَذكُرُ اللَّه فيها إلّا قليلًا". لم يُختَلَف في إسنادِ هذا الحدِيثِ على مالك، ولا في لفظِهِ في "المُوطَّأ" فيما علِمتُ (٣). وفي هذا الحدِيثِ دليلٌ على سَعَةِ الوَقْتِ، وأنَّ النّاسَ كانوا يُصلُّونَ في ذلك الزَّمانِ على قَدْرِ ما يُمكِنُهُم من سَعَةِ الوَقْتِ فتختلِفُ صلاتُهُم؛ لأنَّ بَعضهُم كان يُصلِّي في أوَّل الوقتِ، وبعضهُم في وسطِهِ، وبعضهُم رُبَّما في آخِرِهِ. وقد قال ﷺ في أوَّلِ الوقتِ وآخِرِهِ: "ما بينَ هذينِ وَقْتٌ" (٤). وأمّا تأخِيرُ صلاةِ العَصْرِ حتّى تصفرَّ الشَّمسُ، فمكرُوهٌ لمن لم يَكُن لهُ عُذرٌ، بدليلِ هذا الحدِيثِ وغيرِهِ.

стр. 7019

وقد ذكَرْنا ما في وَقْتِ صلاةِ العصرِ من السَّعةِ، وما للعُلماءِ في ذلك من المذاهِبِ، في مَواضِع من كِتابِنا هذا، منها (١): حدِيثُ زيدِ بن أسلمَ، عن عَطاءِ بن يَسارٍ، وبُسرِ بن سعِيدٍ، والأعرج، عن أبي هريرةَ. ومنها: حدِيثُ ابن شِهابٍ، عن أنسٍ. وذكَرْنا مواقِيت الصَّلواتِ كلِّها مُمهَّدةً مَبْسُوطةً، في بابِ ابن شِهابٍ، عن عُروةَ، فلا معنَى لإعادةِ ذلك هاهُنا. وقد رَوَى هذا الحدِيث ابن أبي حازِم، عن العلاءِ، بأتمِّ ألفاظٍ. حدَّثناهُ يُونُسُ بن عبدِ اللَّه بن مُغِيثٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: حدَّثنا جَعفرُ بن محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا أبو مَرْوانَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن أبي حازِم، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أَنَّهُ دخلَ على أنسِ بن مالكٍ هُو وعُمرُ (٢) بن ثابتٍ بالبَصْرةِ، قال: حِينَ سلَّمنا من الظُّهرِ. قال: وكانَ خالدُ بن عبدِ اللَّه بن أَسِيْد والِيًا عَلَينا، وكان يُحَيِّن (٣) وقتُ الصَّلاةِ، فلمّا انصرَفنا من الظُّهرِ، دخَلْنا على أنسِ بن مالكٍ، ودارُهُ عِندَ بابِ المسجِدِ، فقال: ما صلَّيتُما؟ قُلنا: صلَّينا الظُّهر. قال: فقُوما فصلِّيا العَصْرَ. قال: فخرَجْتُ أنا وعُمرُ (٤) بن ثابتٍ إلى الحُجْرةِ فصلَّينا العصرَ، ثُمَّ دعانا فدَخْلنا عليه، فقال: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "تلكَ صلاةُ المُنافِقِين، تلكَ صلاةُ المُنافِقِين، ينتظِرُ أحدُهُمُ الشَّمسَ حتّى

стр. 7020

إذا اصفرَّتْ وكانت على قَرْنيِ الشَّيطانِ، قامَ فنَقَرها أربعًا، لا يَذكُرُ اللَّه فيها إلّا قليلًا" (١). قال أبو عُمر: قد كان عُمرُ بن عبدِ العزيزِ وهُو بالمدِينةِ عَرَّضَ لرَجُلٍ (٢) صلَّى معهُ مِثلَ هذا مع أنسٍ أيضًا. وقد ذكَرْنا تأخِير بني أُميَّةَ للصَّلاةِ مُمهَّدًا، في بابِ ابن شِهابٍ، عن عُروةَ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه. حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بن محمدٍ، عن عَمرِو بن يحيى، عن خالدِ بن خلّادٍ، أَنَّهُ قال: صلَّينا مع عُمرَ بن عبدِ العزيزِ الظُّهرَ يومًا، ثُمَّ دخَلْنا على أنسِ بن مالكٍ، فوَجْدناهُ قائمًا يُصلِّي العصرَ، فقُلنا: إنَّما انصَرْفنا الآن من الظُّهرِ مع عُمرَ. فقال: إنِّي رأيتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يُصلِّي هذه الصَّلاةَ هكذا، فلا أترُكُها أبدًا (٣).

стр. 7021

حدِيثٌ ثانٍ للعلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ مالكٌ (١)، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، أنَّهُ سمِعَ أبا السّائبِ مولى هشام بن زُهْرَةَ يقولُ: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، غيرُ تمام". قال: فقُلتُ: يا أبا هريرةَ، إنِّي أكُونُ أحيانًا وراءَ الإمام. قال: فغمَزَ ذِراعِي، وقال: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارِسِيُّ، فإنِّي سَمِعتُ رسُولَ اللَّه ﷺ يقولُ: "قال اللَّه : قسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبينَ عَبْدِي نِصفينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لعبدِي، ولعَبْدِي ما سألَ". قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "اقرؤُوا، يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقولُ اللَّه: حَمِدني عبدِي. يقولُ العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يقولُ اللَّه: أثْنَى عليَّ عبدِي. يقولُ العبدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقولُ اللَّه: مجَّدَني عبدِي. يقولُ العبدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآيةُ بيني وبين عَبْدِي، ولعبدِي ما سألَ. يقولُ العبدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فهؤُلاءِ لعبدِي، ولعبدِي ما سألَ". ليسَ هذا الحدِيثُ في "المُوطَّأ" إلّا عن العَلاءِ عِندَ جميع الرُّواةِ (٢).

стр. 7022

وقدِ انفرد مُطرِّفٌ في غيرِ "المُوطَّأ" عن مالكٍ، عن ابن شِهابٍ، عن أبي السّائبِ مولى هشام بن زُهرةَ، عن أبي هريرةَ بهذا الحدِيثِ، وساقهُ كما في "المُوطَّأ" سواءً (١). ولا يُحفظُ لمالك عن ابن شِهابٍ، إنَّما يُحفظُ، لمالك عن العلاءِ. قال الدّارقُطنيُّ: وهُو غرِيبٌ من حدِيثِ مالكٍ، عن ابن شِهابٍ، لم يروِهِ غيرُ مُطرِّفٍ، تفرَّد عنهُ به أبو سَبْرةَ (٢) بن عبدِ اللَّه المدنِيُّ، وهُو صحِيحٌ من حدِيثِ الزُّهرِيِّ، حدَّث به عنهُ عُقَيلٌ هكذا عن أبي السّائبِ (٣)، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ (٤). قال أبو عُمر: وهكذا يَروِي مالكٌ هذا الحدِيث، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي السّائبِ، عن أبي هريرةَ. وتابَعهُ جماعةٌ، منهُم: محمدُ بن عَجْلانَ (٥)، وابنُ جُريج (٦)، والولِيدُ بن

стр. 7023

كثِيرٍ (١)، ومحمدُ بن إسحاقَ، فرَوَوهُ عن العلاءِ، عن أبي السّائبِ، عن أبي هريرةَ، كما رواهُ مالكٌ، إلّا أنَّ ابن إسحاقَ قال فيه: عن أبي السّائبِ مولى عَبدِ اللَّه بن هشامِ بن زُهْرةَ. قال عليُّ بن المدِينيِّ: هشامُ بن زُهْرةَ هُو جَدُّ زُهْرةَ بن معبد (٢) بن عبدِ اللَّه بن هشام القرشي، الذي رَوَى عنهُ أهلُ مِصر. قرأتُ على عبدِ الوارِثِ بن سُفيانَ، أنَّ قاسمَ بن أصبغَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا أبو إسماعيل التِّرمذِيُّ، قال: حدَّثنا أبو صالح، قال: حدَّثني اللَّيثُ (٣)، قال: حدَّثثي محمدُ بن العَجْلانِ، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعقُوبَ مولى الحُرَقةِ، عن أبي السّائبِ مولى هشام بن زُهْرةَ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "أيُّما رَجُلٍ صلَّى صَلاةً بغيرِ قِراءةِ أُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، غيرُ تمام". قال: قُلتُ: إنِّي لا أستطِيعُ (٤) أقرأُ معَ الإمام. قال: اقرأ بها في نَفسِكَ، فإنَّ اللَّه يقولُ: "قَسمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدِي، فأوَّلهُا لي، وأوسَطُها بَيْني وبينَ عبدِي، وآخِرُها لعَبدِي، ولهُ ما سألَ. قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال: حَمِدني عبدِي. قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال: أثْنَى عليَّ عبدِي. قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجَّدَني عَبْدِي، فهذا لي. قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: أخلَصَ العِبادةَ لي واسْتَعانني عليها، فهذه بَيْني وبينَ عَبْدِي، ولهُ ما سألَ.

стр. 7024

قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ هذا لعبدِي، ولعبدِي ما سألَ (١). وهكذا رواهُ قُتَيبةُ وغيرُهُ، عن اللَّيثِ، عن ابن عَجْلانَ (٢). وانتهى حدِيثُ ابن جُرَيج إلى قولِهِ: "اقْرَأ بها (٣) في نفسِكَ. لم يَزِد، وقال فيه: حدَّثني العلاءُ، أنَّ أبا السّائب أخبَرهُ، أَنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ. فذكرهُ بلفظِ حدِيثِ مالكٍ إلى حيثُ ذكَرْنا. قال أبو عُمر: ورواهُ شُعبةُ (٤) وسُفيانُ الثَّورِيُّ (٥) وسُفيانُ بن عُيَينةَ ورَوْحُ بن القاسم (٦) وعبدُ العزيزِ بن أبي حازِم (٧)، كلُّهُم، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ (٨).

стр. 7025

وليسَ هذا باختِلافٍ، والحدِيثُ صحِيحٌ للعلاءِ، عن أبيهِ، وعن أبي السّائبِ، جميعًا عن أبي هريرةَ، قد جمعهُما عنهُ أبو أُوَيسٍ، وغيرُهُ. قال عليُّ بن المدِينيِّ: وكذلك رواهُ ابن عَجْلانَ، عن العَلاءِ، عن أبيهِ، وأبي (١) السّائبِ، جميعًا، عن أبي هريرةَ (٢). يعني كما رواهُ أبو أُوَيسٍ. قرأتُ على يُونُس بن عبدِ اللَّه بن محمدٍ، أنَّ محمد بن مُعاويَةَ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الفِريابِيُّ. وحدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالقِ البزّارُ؛ قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيسٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ بن يَعقُوبَ مولى الحُرَقةِ، قال: سمِعتُه من أبي، ومن أبي السّائبِ جَميعًا، وكانا جَلِيسينِ لأبي هريرةَ، قالا: قال أبو هريرةَ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ". وذكر الفِريابِيُّ الحدِيث بطُولِهِ. وأمّا البزّارُ فاختصَرَهُ، ولم يزِد على قولِهِ ﷺ : "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرَأُ فيها بفاتحةِ (٣) الكِتابِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام" (٤). وحدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ، قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ قاسم بن أصبغ حدَّثهُم، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أُوَيس، قال: حدَّثنا أبي، عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قال: سمِعتُه من أبي، ومِن (٥) أبي السّائبِ جميعًا،

стр. 7026

وكانا جَلِيسينِ لأبي هريرةَ، قالا: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّه ﷺ : "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام". فقُلتُ: يا أبا هريرةَ، إنِّي أكُونُ أحيانًا وراءَ الإمامِ؟ فغَمَزَ ذِراعِي، وقال: اقْرَأ بها في نفسِكَ يا فارِسِيُّ. وساقَ الحدِيثَ على وجهِهِ، كما رواهُ مالكٌ. وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بن إسحاقَ وأحمدُ بن زُهَيرٍ، قالا: حدَّثنا إسماعيلُ بن أبي أوَيسٍ، فذكرَهُ بإسنادِهِ سواءً. قال إسماعيلُ بن إسحاقَ: قال عليُّ بن المدِينيِّ: وكان هذا الحدِيثُ عِندَ عبّادِ بن صُهيبٍ عن الرَّجُلينِ جميعًا، فأبانَ ذلك في هذا الحدِيثِ، أنَّ الذي رواهُ ابن عُيينةَ عن العلاءِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، كما رواهُ، ولم يكُن مُعارِضًا لحدِيثِ مالكٍ. هكذا حكى إسماعيلُ، عن عليٍّ. قال أبو عُمر: أمّا حدِيثُ ابن عُيينةَ: فحدَّثناهُ عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسم بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا حامِدُ بن يحيى، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرأُ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ". قال عبدُ الرَّحمنِ: فإنِّي أسْمَعُ قِراءةَ الإمام. فغَمَزني بيدِهِ أبو هريرةَ وقال: يا فارِسِيُّ، أو يا ابن الفارِسِيِّ، اقرأها في نفسِكَ (١).

стр. 7027

وحدَّثنا عبدُ الوارِثِ، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ السَّلام، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى العَدَنِيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن العَلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبيهِ، أنَّهُ سمِعَ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسُولُ اللَّه ﷺ : "قال اللَّه: قَسَمتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدِي". فذكرَ نحو حدِيثِ مالكٍ، بمعناهُ سواءً. ولا أعلمُ لهذا الحدِيثِ في "المُوطَّأ" ولا في غيرِهِ إسنادًا غير هذا. ورُوِي عن محمدِ بن خالدِ بن عَثمةَ وزِيادِ بن يُونُس، جميعًا عن مالكٍ، عن الزُّهرِيِّ، عن محمُودِ بن الرَّبِيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، قال: قال رسُولُ اللَّه ﷺ ، في حدِيثِ ابن عَثمةَ: "كلُّ صَلاةٍ لا يُقرأُ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ" (١). وفي حدِيثِ زِيادِ بن يُونُس: "من لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ، فصلاتُهُ خِداجٌ". وهذا غرِيبٌ من حدِيثِ مالك، ومحفُوظٌ من حدِيثِ الزُّهرِيِّ، من رِوايةِ ابن عُيَينةَ، وجماعةٍ عنهُ، إلّا أنَّ لفظ أكثرِهِم في حدِيثِ عُبادةَ بن الصّامِتِ: "لا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ". هكذا. قال أبو عُمر: أمّا قولُهُ ﷺ : "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ". فإنَّ هذا يُوجِبُ قِراءةَ فاتحةِ الكِتابِ في كلِّ صلاةٍ، وأنَّ الصَّلاةَ إذا لم يُقرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ. والخِداجُ: النَّقصُ والفسادُ، من ذلك قولُهُم: أخْدَجتِ النّاقةُ، وخدَّجت، إذا ولدت قبلَ تمام وَقْتِها، وقبلَ تمام الخلقِ. وذلك نِتاجٌ فاسِدٌ. وأمّا نحوِيُّو أهلِ البصرةِ فيقولُونَ: إنَّ هذا اسمٌ خرَجَ على المصدرِ، يقولُون: أخْدَجتِ النّاقةُ ولَدَها ناقِصًا للوَقتِ، فهي مُخدِجٌ، والولدُ مُخدَجٌ، والمصدرُ الإخداجُ، وأمّا خَدَجت: فرَمَت بوَلدِها قبلَ الوَقتِ ناقِصًا، أو غير ناقِصٍ، فهي خادِجٌ، والولدُ

стр. 7028

خدِيجٌ، ومخدُوجٌ، ومنهُ سُمِّيت خَدِيجةُ، وخَدِيجٌ، والمصدرُ: الخِداجُ. قالوا: ويُقالُ: صَلاةٌ مُخدَجةٌ، أي: صلاةٌ ناقِصةُ الرُّكُوع والسُّجُودِ. هذا كلُّهُ قولُ الخليلِ، والأصمعِيِّ، وأبي حاتِم، وغيرِهِم. وقال الأخفشُ: خَدَجتِ النّاقةُ: إذا ألقَتْ ولدَها لغيرِ تمام، وأخْدَجت: إذا قَذَفت به قبلَ الوِلادةِ، وإن كان تامَّ الخَلْق. وقد زعمَ من لم يُوجِب قِراءةَ فاتحةِ الكِتابِ في الصَّلاةِ، وقال: هي وغيرُها سواءٌ، أنَّ قولهُ: "خِداجٌ" يدُلُّ على جَوازِ الصَّلاةِ، لأنَّهُ النُّقصانُ، والصَّلاةُ النّاقِصةُ جائزةٌ. وهذا تحكُّمٌ فاسِدٌ، والنَّظرُ يُوجِبُ في النُّقصانِ (١) ألّا تجُوز مَعهُ الصَّلاةُ، لأنَّها صلاةٌ لم تتِمَّ، ومن خرجَ من صلاتِهِ وهي لم تتِمَّ بَعدُ، فعليه إعادتُها تامَّةً، كما أُمِرَ، على حَسَبِ حُكمِها، ومنِ ادَّعى أنَّها تجُوزُ مع إقرارِهِ بنَقْصِها، فعليه الدَّليلُ، ولا سبِيلَ لهُ إلَيهِ من وجهٍ يُلزِمُ، واللَّه أعلمُ. وقد ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قال: "لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحةِ الكِتابِ". وأنَّهُ قال: "من صلَّى صلاةً لم يقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام". فأيُّ بيانٍ أوضحُ من هذا! وأين المذهبُ عنهُ، ولم يأتِ عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ يُخالِفُهُ! وأمّا اختِلافُ العُلماءِ في هذا البابِ: فإنَّ مالكًا (٢) والشّافِعيَّ (٣) وأحمد وإسحاق وأبا ثورٍ وداود بن عليٍّ وجُمهُور أهلِ العِلم قالوا: لا صلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ (٤).

стр. 7029

قال ابن خُوَيْزمَنْداد المالكِيُّ البَصْرِيُّ: وهي عِندَنا مُتعيِّنةٌ في كلِّ ركعةٍ. قال: ولم يختلِف قولُ مالكٍ أنّه مَن نَسِيها في ركعةٍ من صلاةِ رَكْعتينِ، أنَّ صلاتهُ تفسُدُ (١) وتبطُلُ أصلًا، ولا تُجزِئُهُ. واختلف قولُه: فيمن تَرَكها ناسيًا في ركعةٍ من صَلاةٍ رُباعِيَّةٍ، أو ثُلاثِيَّةٍ، فقال مرَّةً: يُعِيدُ الصَّلاةَ، ولا تُجزِئُهُ. وهُو قولُ ابن القاسم ورِوايتُهُ واختِيارُهُ من قولِ مالكٍ. وقال مالكٌ مرَّةً أُخرى: يَسْجُدُ سَجْدتيِ السَّهوِ، وتُجزِئُهُ (٢). وهي رِوايةُ ابن عبدِ الحكم وغيرِهِ عنهُ. قال: وقد قيل: إنَّهُ يُعِيدُ تلكَ الرَّكعةَ، ويسجُدُ للسَّهوِ بعد السَّلام. قال: وقال الشّافِعيُّ وأحمدُ بن حنبلٍ: لا تُجزِئُهُ حتّى يقرأ بفاتحةِ الكِتابِ في كلِّ ركعةٍ. نحو قولِنا. قال: وقال أبو حنِيفةَ والثَّورِيُّ والأوزاعِيُّ: إن تَرَكها عامِدًا في صلاتِهِ كلِّها، وقرأ غيرها أجزأ، على اختِلافٍ عن الأوزاعِيِّ في ذلك. وقال الطَّبرِيُّ: يقرأُ المُصلِّي بأُمِّ القُرآنِ في كلِّ ركعةٍ، فإن لم يَقْرأ بها، لم يُجزِهِ إلّا مِثلُها من القُرآنِ عَدَدُ آياتِها وحُرُوفِها. وقال أبو حنِيفةَ: لا بُدَّ في الأُولَيَينِ من قِراءةٍ، أقلُّ ذلك في كلِّ رَكْعةٍ منها آيةٌ. وقال أبو يُوسُف ومحمدٌ: أقلُّهُ ثلاثُ آياتٍ، أو آيةٌ طوِيلةٌ كآيةِ الدَّينِ (٣). وقال مالكٌ (٤): إذا لم يقرأ أُمَّ القُرآنِ في الأُوليينِ أعادَ. ولم يختلِف قولُهُ في ذلك ولا في قِراءَتِها في الآخِرتينِ. وقال الشّافِعيُّ (٥): أقلُّ ما يُجزِئُ المُصلِّي من القِراءةِ، قِراءةُ فاتحةِ الكِتابِ،

стр. 7030

إن أحسنها، فإن كان لا يُحسِنُها ويُحسِنُ غيرها من القُرآنِ، قرأ بعدَدِها سبع آياتٍ، لا يُجزِئُهُ دُون ذلك، وإن لم يُحسِن شيئًا من القُرآنِ، حمِدَ اللَّه وكبَّر مكان القِراءةِ، لا يُجزِئُهُ غيرُهُ. قال: ومَن أحسَنَ فاتحةَ الكِتابِ، فإن تركَ منها حرفًا واحِدًا، وخرجَ من الصَّلاةِ، أعاد الصَّلاةَ. ورُوِي عن عُمر بن الخطّابِ، وعبدِ اللَّه بن عبّاسٍ، وأبي هريرةَ، وعُثمان بن أبي العاصِ، وخوّاتِ بن جُبيرٍ، وأبي سعِيدٍ الخُدرِيِّ، أنَّهُم قالوا: لا صلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ (١). وهُو قولُ ابن عونٍ، والمشهُورُ من مَذهبِ الأوزاعِيِّ. وأمّا ما رُوِي عن عُمرَ: أنَّهُ صلَّى صلاةً لم يَقْرأ فيها، فقيل لهُ، فقال: كيفَ كان الرُّكُوعُ والسُّجُودُ؟ قالوا: حَسَن. فقال: لا بأس إذَنْ. فحدِيثٌ مُنكرُ اللَّفظِ، مُنقطِعُ الإسنادِ؛ لأنَّهُ يَروِيهِ محمدُ بن إبراهيم بن الحارِثِ التَّيمِيُّ، عن عُمر. ومرَّةً يَروِيهِ محمدُ بن إبراهيم، عن أبي سلمةَ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن عُمر (٢). وكِلاهُما مُنقطِعٌ لا حُجَّةَ فيه عِندَ أحدٍ من أهلِ العِلم بالنَّقلِ. وقد رُوِي عن عُمرَ من وُجُوهٍ مُتَّصِلةٍ: أَنَّهُ أعادَ تلكَ الصَّلاةَ. رَوَى يحيى بن يحيى النَّيسابُورِيُّ قال: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ النَّخعِيِّ، عن همّام بن الحارِثِ: أنَّ عُمرَ نَسِي القِراءةَ في المغرِبِ، فأعادَ بهمُ الصَّلاةَ (٣).

стр. 7031

وهذا حدِيثٌ سنَدُهُ مُتَّصِلٌ شهِدَهُ همامٌ (١) من عُمر (٢)، رُوِي ذلك من وُجُوهٍ. وذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٣)، عن عِكرِمةَ بن عمّارٍ، عن ضَمْضم بن جَوْسٍ، عن عبدِ اللَّه بن حَنْظلةَ، قال: صلَّيتُ مع عُمرَ، فلم يَقْرأ، فأعادَ الصَّلاةَ. ورَوَى إسرائيلُ، عن جابرٍ، عن الشَّعبِيِّ، عن زِيادِ بن عِياضٍ: أنَّ عُمرَ صلَّى بهم فلم يَقْرأ، فأعادَ الصَّلاةَ، وقال: لا صلاةَ إلّا بقِراءةٍ (٤). وعن مَعْمرٍ، عن قتادةَ وأبانٍ، عن جابرِ بن زيد (٥): أنَّ عُمرَ أعادَ تلك الصَّلاةَ بإقامةٍ (٦). وعنِ ابن جُريج، عن عِكرِمةَ بن خالدٍ: أنَّ عُمرَ أمر المُؤَذِّن فأقامَ، وأعادَ تلك الصَّلاةَ (٧). وأجمعَ العُلماءُ على إيجابِ القِراءة في الرَّكعتينِ الأُوليينِ من صلاةِ أربع، على حسَبِ ما ذكرنا من اختِلافِهِم في فاتحةِ الكِتابِ من غيرِها. واختلفُوا في الرَّكعتينِ الآخِرتينِ: فمذهبُ مالكٍ، والشّافِعيِّ، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثورٍ، وداودَ: أنَّ القِراءةَ فيهما بفاتحةِ الكِتابِ واجِبةٌ، ومن لم يَقْرأ فيهما بها، فلا صلاةَ لهُ، وعليه إعادةُ ما صلَّى كذلك (٨).

стр. 7032

وقال الطَّبرِيُّ: القِراءةُ فيهما واجِبةٌ. ولم يُعيِّن أُمَّ القُرآنِ. وقال ابن خُوَيْزمَنْداد: لم يختلِف قولُ مالكٍ: أنَّ القِراءةَ في الرَّكعتينِ الآخِرتينِ واجِبةٌ. وبه قال الشّافِعيُّ، وأحمدُ بن حنبلٍ. قال أبو عُمر: الأُولَيانِ عِندَ مالكٍ، والآخِرتانِ سواءٌ، في وُجُوبِ القِراءةِ، إلّا ما ذكرتُ لكَ عنهُ في نِسيانِها من رَكْعةٍ واحِدةٍ. حدَّثنا محمدُ بن إبراهيم بن سعِيدٍ وعبدُ العزيزِ بن عبدِ الرَّحمنِ، قالا: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعَيب، قال (١): أخبَرنا محمدُ بن المُثنَّى، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مهدِيٍّ، قال: حدَّثنا أبانُ بن يزِيد، عن يحيى بن أبي كَثِيرٍ، عن عبدِ اللَّه بن أبي قَتادةَ، عن أبيهِ، قال: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَقْرأُ في الظُّهرِ، والعَصْرِ في الرَّكعتينِ الأُولَيينِ بأُمِّ القُرآنِ وسُورةٍ، وفي الآخِرتينِ بأُمِّ القُرآنِ، كان يُسمِعُنا الآيةَ أحيانًا، وكان يُطِيلُ أوَّل رَكْعةٍ من الظُّهرِ. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن يحيى المَرْوزِيُّ، قال: حدَّثنا أبو طالِبٍ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن عَمرٍو، عن عبدِ الكرِيم الجَزَرِيِّ، عن زِيادِ بن أبي مَرْيمَ، قال: كُنتُ عِندَ ابن عُمرَ، فجاءَهُ رجُلٌ فقال: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ، هل في الظُّهرِ والعَصْرِ قِراءةٌ؟ فقال: هل تكونُ صلاةٌ بغيرِ قِراءةٍ؟

стр. 7033

وقال أبو حنِيفةَ (١): القِراءةُ في الآخِرتينِ لا تجِبُ. وكذلك قال الثَّورِيُّ، والأوزاعِيُّ. قال الثَّورِيُّ: يُسبِّحُ في الآخرتين أحبُّ إليَّ من أن يقرأ. قال أبو عُمر: رُوِي عن عليِّ بن أبي طالِبٍ، وجابرِ بن عبدِ اللَّه، والحسنِ، وعَطاءٍ، والشَّعبِيِّ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ: القِراءةُ في الرَّكعتينِ الآخِرتينِ من الظُّهرِ والعصرِ بفاتحةِ الكِتابِ، في كلِّ ركعةٍ منهُما (٢). وثبتَ ذلك، عن النَّبيِّ ﷺ ، فلا وجه لما خالفهُ، والحمدُ للَّه. وقال الثَّورِيُّ وأبو حَنِيفةَ وأصحابُهُ: يَقْرأُ في الرَّكعتينِ الأُولَيينِ، وأمّا في الآخِرتينِ: فإن شاءَ قَرأ، وإن شاءَ سبَّحَ، وإن لم يَقْرأ، ولم يُسبِّح، جازَتْ صلاتُهُ (٣). وهُو قولُ إبراهيمَ النَّخعِيِّ (٤). ورُوِي ذلك عن عليٍّ ﵁ (٥). والرِّوايةُ الأُولى عنهُ أثبتُ، رواها عنهُ أهلُ المدِينةِ. قال أبو عُمر: قولُهُ ﷺ : "كلُّ صلاةٍ لم يُقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام". وقولُهُ ﷺ : "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ بفاتحةِ الكِتابِ". يَقْضِى في هذا البابِ بين المُختلِفِين فيه، وهُو الحُجَّةُ اللّازِمةُ، ولم يُرو عن النَّبيِّ ﷺ شيءٌ يَدْفعُ ذلك، ولا يُعارِضُهُ. حدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه بن زكرِيّا النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرٍو البزّارُ، قال: حدَّثنا أبو سَلَمةَ يحيى بن خَلَفٍ، قال: حدَّثنا

стр. 7034

عبدُ الأعلى بن عبدِ الأعلى، عن محمدِ بن إسحاقَ. وحدَّثنا خَلَفُ بن القاسم، واللَّفظُ لحدِيثِه، قال: حدَّثنا محمدُ بن أحمد بن (١) المِسورُ، قال: حدَّثنا مِقدامُ بن داود، قال: حدَّثنا أبو الأسودِ النَّضرُ بن عبدِ الجبّارِ، قال: حدَّثنا اللَّيثُ بن سعْدٍ، عن ابن عَجْلانَ، جميعًا عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمنِ، عن أبي السّائبِ، عن أبي هريرةَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "أيُّما رجُلٍ صَلَّى صلاةً بغيرِ قراءةِ أُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ، فهي خِداجٌ" (٢). وحدَّثنا خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى بن مهدِيٍّ الفقِيهُ، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرِ ابن الإمام، قال: حدَّثنا عليُّ بن عبدِ اللَّه بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن الزُّهرِيِّ، عن محمُودِ بن الرَّبِيع، عن عُبادةَ بن الصّامِتِ، أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ قال: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ" (٣). وحدَّثنا خلفٌ، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلٌ، قال: حدَّثنا محمدٌ، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا عبدُ الرَّزّاقِ (٤)، عن معمرٍ، عن الزُّهرِيِّ، بإسنادِهِ مِثلهُ.

стр. 7035

وحدَّثنا خلفُ بن القاسم، قال: حدَّثنا مُؤَمَّلُ بن يحيى، قال: حدَّثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: حدَّثنا عليُّ بن المدِينيِّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن ميمُونٍ، قال: حدَّثنا أبو عُثمان النَّهدِيُّ، عن أبي هريرةَ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ أمَرَ رجُلًا أن يُنادِي في النّاسِ: "أن لا صَلاةَ إلّا بقراءةِ فاتحةِ الكِتابِ، فما زادَ" (١). وحدَّثنا أحمدُ بن فَتْح، قال: حدَّثنا محمدُ بن عبدِ اللَّه النَّيسابُورِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالقِ البزّارُ، قال (٢): حدَّثنا عمرُو بن عليٍّ، قال: حدَّثنا يحيى بن سعِيدٍ القطّانُ، عن جعفرِ بن ميمُونٍ، عن أبي عُثمانَ النَّهدِيِّ، عن أبي هريرةَ، قال: أمَرَ النَّبيُّ ﷺ مُنادِيًا يُنادِي: "ألا (٣) لا صَلاةَ إلّا بفاتحةِ الكِتابِ". فمن خالفَ ظواهِر هذه الآثارِ الثّابِتةِ، فهُو مخصُومٌ محجُوجٌ مُخطَّأٌ، وباللَّه التَّوفِيقِ. واختَلَفُوا فيمَن تركَ القِراءةَ في رَكْعةٍ: فأمّا مذهبُ مالكٍ، فيمَن تركَ قِراءةَ أُمِّ القُرآنِ في ركعةٍ، فقد ذكرناهُ.

стр. 7036

وقال الأوزاعِيُّ: من قرأ في نِصفِ صَلاتِهِ، مضَتْ صلاتُهُ، وإن قَرَأ في رَكْعةٍ واحِدةٍ من المغرِبِ، أوِ الظُّهرِ، أوِ العَصْرِ، أوِ العِشاءِ، ونسِي أن يقرأ فيما بَقِي من الصَّلاةِ، أعاد الصلاةَ (١). وأمّا إسحاقُ فقال: إذا قَرأ في ثلاثِ رَكَعاتٍ، إمامًا أو مُنفرِدًا، فصلاتُهُ جائزةٌ، بما اجتمع النّاسُ عليه: أنَّ من أدركَ الرُّكُوع، أدركَ الرَّكعةَ. وقال الثَّورِيُّ: إن قرأ في ركعةٍ من الصُّبح، ولم يقرأ في الأُخرى، أعادَ الصَّلاةَ، وإن قرأ في رَكْعةٍ ولم يقرأ في الثَّلاثِ من الظُّهرِ، أوِ العصرِ، أوِ العشاءِ، أعادَ. ورُوِي عن الحسنِ البصرِيِّ، أَنَّهُ قال: إذا قرأتَ في ركعةٍ واحِدةٍ من الصَّلاةِ، أجزأكَ. وبهِ قال أكثرُ فُقهاءِ أهلِ البصرةِ. وقال المُغِيرةُ بن عبدِ الرَّحمنِ المخزُومِيُّ: إذا قرأ بأُمِّ القُرآنِ مرَّةً واحِدةً في الصَّلاةِ أجزأهُ، ولم تكُن عليه إعادةٌ. وقد رُوِي عن مالكٍ قولٌ شاذٌّ لا يعرِفُهُ أصحابُهُ: أنَّ الصَّلاةَ تُجزِئُ بغيرِ قِراءةٍ. على ما رُوِي عن عُمرَ، وهي رِوايةٌ مُنكرةٌ. وقال الشّافِعيُّ (٢): عليه أن يَقْرأ في كلِّ ركعةٍ بفاتحةِ الكِتابِ، ولا ركعةَ إلّا بقِراءةِ فاتحةِ الكِتابِ. قال: وكما لا ينُوبُ سُجُودُ ركعةٍ ورُكُوعُها، عن رَكْعةٍ أُخرى، فكذلك لا ينُوبُ قِراءةُ رَكْعةٍ عن ركعةٍ غيرِها. وهذا قولُ ابن عونٍ (٣)، وأبي ثورٍ، ورُوِي مِثلُهُ عن الأوزاعِيِّ.

стр. 7037

قال أبو عُمر: ثبت عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّهُ قال: "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها (١) بفاتحةِ الكِتابِ، ومن صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهي خِداجٌ غيرُ تمام". فثبتَ بهذا النَّصِّ وُجُوبُ قِراءَتِها في كلِّ صلاةٍ لمن قدَرَ عليها، وبطَلَ بهذا قولُ من قال: إنَّ أُمَّ القُرآنِ وغيرها في ذلك سواءٌ. وقولُ من قال: يَقْرأُ بعدَدِ آياتِها وحُرُوفِها من غيرها من القُرآنِ، ويُجزِئُهُ. لأنَّ النَّصَّ عليها، والتَّعيِين لها، قد خصَّها بهذا الحُكم دُون غيرِها. وهذا لا إشكالَ فيه، إلّا على من حُرِم رُشدهُ، وعَمِي قلبُهُ، ومحُالٌ أن يجِيءَ بالبَدلِ منها من وجبَتْ عليه فتَرَكها وهُو قادِرٌ عليها، وإنَّما عليه أن يجِيءَ بها، ويَعُود إليها، إذا كان قادِرًا عليها كسائرِ المفروضات المُعيَّناتِ في العِباداتِ. ولم يبق بعد هذا البيانِ إلّا الكلامُ: هل يتعيَّنُ وُجُوبُها في كلِّ ركعةٍ، أو مرَّةً واحِدةً في الصَّلاةِ كلِّها، على ظاهِرِ الحدِيثِ؟ لأنَّهُ لا يخلُو قولُهُ ﷺ : "لا صَلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ". وقولُهُ: "من صَلَّى صلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فهي خِداجٌ غيرُ تمام". من أن يكونَ على ظاهِرِهِ، وبكونُ معنى قولِهِ: "كلُّ صلاةٍ" كلُّ ركعةٍ. فإن كان الحدِيثُ على ظاهِرِهِ، فينبغِي أن يكونَ من صلَّى صلاةً من أربَع ركعاتٍ، أو ثلاثٍ، أو رَكْعتينِ، فقرَأ فيها مرَّةً واحِدةً بفاتحةِ الكِتابِ، أن تُجزِئَهُ صلاتُهُ تلكَ، وتكون تامَّةً غير خِداج، لأنَّها صَلاةٌ قد قُرِئَ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فليسَتْ بخداج غيرِ تمام، بل هي تمامٌ، لا خِداجَ فيها، إذا قُرِئَ فيها بأُمِّ القُرآنِ، على ظاهِرِ الحدِيثِ، على ما ذهَبَ إليه بعضُ أهلِ البصرةِ، والمُغِيرةُ المخزُومِيُّ. فلمّا رأينا جماعتهُم، وجُمهُورهُم، وعامَّتهُمُ، التي هي الحُجَّةُ على من خالَفَها، ولا يجُوزُ الغلطُ عليها في التَّأوِيلِ، ولا الاتِّفاقِ على الباطِلِ، ولا التَّواطُؤِ عليه،

стр. 7038

مع اختِلافِ مذاهِبِها، وتبايُنِ آرائها، قدِ اتَّفقُوا، إلّا من شذَّ مِمَّن لا يُعدُّ خِلافًا على الجُمهُورِ، بل هُو محجُوجٌ بهم، ومأمُورٌ بالرُّجُوع إليهم، إذا شذَّ عنهُم، اتَّفقُوا على أنَّ من لم يَقْرأ في ركعتينِ من صلاتِهِ، أنَّهُ لا تُجزِئُهُ صلاتُهُ تلكَ، وعليه إعادتُها، وهُو في حُكم من لم يُصلِّها، اسْتَدللنا بهذا الاتِّفاقِ والإجماع في هذا المعنى، على أنَّ قولهُ ﷺ : "لا صلاةَ لمن لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ". و"من صلَّى صَلاةً لم يقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فهي خِداجٌ غيرُ (١) تمام". معناهُ: كلُّ ركعةٍ لم يقرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ. وكذلك قال جابرُ بن عبدِ اللَّه ﵁: كلُّ رَكْعةٍ لم يقرأ فيها بأُمِّ القُرآنِ، فلم تُصَلَّ إلّا وراءَ الإمام (٢). وجابرٌ أحدُ عُلماءِ الصَّحابةِ، الذين يُسلَّمُ إليهم (٣) في التَّأوِيلِ، لمعرِفتِهِم بما خرجَ عليه القولُ. ولا خِلافَ بين أهلِ العِلم والنَّظرِ، أنَّ المسألةَ إذا كان فيها وَجْهانِ، فقام الدَّليلُ على بُطلانِ الوَجْهِ الواحِدِ منهُما، أنَّ الحقَّ في الوَجْهِ الآخرِ، وأنَّهُ مُستَغنٍ عن قِيام الدَّليلِ على صِحَّتِهِ، بقِيام الدَّليلِ على بُطلانِ ضِدِّهِ، وقد قام الدَّليلُ من أقوالِهِم: أنَّ القِراءةَ لا بُدَّ منها في رَكْعتينِ أقلُّ شيءٍ. فعَلِمنا بذلك أنَّ الحدِيث المذكُور ليسَ على ظاهِرِهِ، وأنَّ معنَى قولِهِ ﷺ : "من صلَّى صَلاةً لم يَقْرأ فيها بفاتحةِ الكِتابِ، فلا صلاةَ لهُ، وهي خِداجٌ غيرُ تمام". أنَّهُ أرادَ كلَّ ركعةٍ، بدليلِ ما وصفنا، والرَّكعةُ تُسمَّى صَلاةً في اللُّغةِ والشَّرع، بدليلِ الوِترِ بركعةٍ منقطِعةٍ (٤) عمّا قبلها، وباللَّه توفِيقُنا.

стр. 7039

وأمّا قولُهُ في الحدِيثِ: "قال اللَّه : قسَمتُ الصَّلاةَ بيني وبين عبدِي نِصفينِ، فنِصفُها لي، ونِصفُها لعبدِي، ولعَبدِي ما سأل، اقرؤُوا: يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". فبدأ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فجعلها آيةً، ثُمَّ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ آيةٌ، ثُمَّ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ آيةٌ، فهذه ثلاثُ آياتٍ لم يختلِف فيها المُسلِمُونَ، جعلها اللَّه لهُ ﵎. ثُمَّ الآيةُ الرّابعةُ جعلَها بينهُ وبين عَبدِهِ، ثُمَّ ثلاثُ آياتٍ لعَبدِهِ تتِمَّةَ سبع آياتٍ، فهذا يدُلُّ على أنَّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةٌ، ثُمَّ الآيةُ السّابعةُ إلى آخِرِها، على ما تقدَّم في الحدِيثِ في هذا البابِ، لأنَّهُ قال في قولِهِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخِرِ السُّورةِ: "هؤُلاءِ لعبدِي، ولعبدِي ما سأل". و"هؤُلاءِ" إشارةٌ إلى جَماعةِ ما يَعقِلُ، وما لا يَعقِلُ، وأقلُّ الجماعةِ ثلاثة، فعلِمنا بقولِهِ: "هؤُلاءِ" أَنَّهُ أرادَ هؤُلاءِ الآياتِ، والآياتُ أقلُّها ثلاثٌ، لأنَّهُ لو أرادَ آيةً واحِدةً، لقال: هذه. كما قال في قولِهِ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾: "هذه الآيةُ بيني وبين عبدِي". ولو أرادَ آيتينِ، لقال: هاتانِ لعبدِي. فلمّا قال: "هؤُلاءِ لعبدِي" علِمنا أنَّهُ عَنَى ثلاث آياتٍ، وإذا كان من قولِهِ: ﴿اهْدِنَا﴾ إلى آخِرِ السُّورةِ ثلاثُ آياتٍ، كانتِ السَّبعُ آياتٍ من قولِهِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قولِهِ: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾. وصحَّ قِسمةُ السَّبع الآياتِ على السَّواءِ: ثلاثٌ، وثلاثٌ، وآيةٌ بينهُما، ألا ترَى أَنَّهُ قال: "اقرؤُوا، يقولُ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ يقولُ اللَّه: حَمِدني عبدِي". فهذه آية. "يقولُ العبدُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ يقولُ اللَّه: أثنى عليَّ عبدِي". فهذه آيتانِ. يقولُ العبدُ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ يقولُ اللَّه: مجَّدني عبدِي". فهذه ثلاثُ آياتٍ، كلُّها للَّه . ثم: "يقولُ العبدُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ فهذه الآيةُ بيني وبين عبدِي، ولعبدِي ما سألَ". فهذه أربعُ آياتٍ. ثُمَّ قال: "يقولُ العبدُ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾

стр. 7040

فهؤُلاءِ لعبدِي، ولعبدِي ما سألَ". فلمّا قال: "فهؤُلاءِ" عَلِمنا أنَّها ثلاثُ آياتٍ، وتَقدَّمت أربعٌ، تتِمَّةُ سَبْع آياتٍ، ليسَ فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الثَّلاثُ لهُ، تبارك اسمُهُ، والرّابعةُ بينهُ وبين عَبدِهِ، والثَّلاثُ لعَبدِهِ. وقد أجمعتِ الأُمَّةُ على أنَّ فاتحةَ الكِتابِ سَبْعُ آياتٍ، وقال النَّبيُّ ﷺ : "وهي السَّبعُ المثاني" (١). ثُمَّ جاءَ في هذا الحدِيثِ أنَّهُ عدَّها سبع آياتٍ، ليسَ فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. فهذه حُجَّةُ من ذهَبَ إلى أنَّ فاتحةَ الكِتابِ ليسَ يُعدُّ فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ومن أسقطَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ من فاتحةِ الكِتاب، عدَّ ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ آيةً، وهُو عددُ أهلِ المدِينةِ، وأهلِ الشّام، وأهلِ البصرةِ، وَأكثرِ (٢) القُرّاءِ، وأمّا أهلُ مكَّةَ، وأهلُ الكُوفةِ من القُرّاءِ، فإنَّهُم عدُّوا فيها ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ولم يعُدُّوا ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾. وأمّا العُلماءُ، فإنَّهُمُ اختَلفُوا في ذلك، على ما نذكُرُهُ هاهُنا بعونِ اللَّه إن شاءَ اللَّه. حدَّثنا أحمدُ بن قاسم بن عِيسى المُقرِئُ، قال: حدَّثنا عُبيدُ اللَّه بن محمدِ بن حَبابةَ، قال: حدَّثنا البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا جدِّي، قال: حدَّثنا يزِيدُ بن هارونَ، قال: حدَّثنا ابن أبي ذِئبٍ، عن المَقْبُريِّ (٣)، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ ، قال: "فاتحةُ الكِتابِ، السَّبعُ المثاني والقُرآنُ العَظِيمُ" (٤).

стр. 7041

فإن قيلَ: كيف تكونُ قِسْمةُ (١) الصَّلاة عِبارةً عن السُّورةِ، وهُو يقولُ: "قَسَمتُ الصَّلاةَ". ولم يقُل: قسمتُ السُّورةَ؟ قيلَ: معلُومٌ أنَّ السُّورةَ: القِراءةُ، وقد يُعبَّرُ عن الصَّلاةِ بالقِراءةِ، كما قال : ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]. أي: قِراءةَ صلاةِ الفجرِ. وقد ذكرنا معنى هذه الآيةَ، في بابِ أبي الزِّنادِ، من هذا الكِتابِ، والحمدُ للَّه. ومن حُجَّةِ من قال: إنَّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، ولا من غيرِها، إلّا في سُورةِ النَّملِ، قولُ اللَّه : ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. والاختِلافُ موجُودٌ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ هاهُنا (٢)، فعَلِمنا أنَّها ليسَتْ آيةً من كِتابِ اللَّه؛ لأنَّ ما كان من كِتابِ اللَّه، فقد نَفَى عنهُ الاختِلافَ بقولِهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾. وقولِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. وأمّا من جِهَةِ الأثرِ، فقد ثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ ، وعن أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمانَ: أنَّهُم كانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٣). وقالت عائشةُ: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَفْتتِحُ الصلاةَ بالتَّكبِيرِ والقِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. مع حدِيثِ أبي هريرةَ في هذا البابِ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا مُضرُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا يحيى بن مَعِينٍ، قال: حدَّثنا ابن أبي عدِيٍّ، عن حُمَيدٍ،

стр. 7042

عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، وأبا بكرٍ، وعُمر، وعُثمانَ كانوا يفتتِحُونَ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). روى هذا الحدِيث مالكٌ، عن حُميدٍ الطَّوِيلِ، عن أَنَسِ بن مالكٍ، أنَّهُ قال: قُمتُ وراءَ أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمان، فكلُّهُم كان لا يقرأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ إذا افتتحُوا الصَّلاةَ (٢). لم يرفعهُ مالكٌ، ولم يَسْمعهُ حُميدٌ من أنَسٍ، وإنَّما يَروِيهِ عن قَتادةَ، عن أنسٍ. وأكثرُ أحادِيثهِ عن أنسٍ (٣)، لم يسمعها من أنسٍ، إنَّما يروِيها عن ثابتٍ، أو قتادةَ، أوِ الحسنِ، عن أنسٍ ويُرسِلُها، عن أنسٍ. كذلك قال أهلُ العِلم بالحدِيثِ. أخبَرنا عبدُ اللَّه بن محمدِ بن عبدِ المُؤمِنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرِ بن عبدِ الرَّزّاقِ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا مُسلِمُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هشامٌ، عن قتادةَ، عن أنسٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ ، وأبا بكرٍ وعُمرَ وعُثمان كانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وحدَّثنا أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عامرٍ، عن

стр. 7043

سَعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ وأبا بكرٍ وعُمر (١) وعُثمانَ كانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٢). ورواهُ شُعبةُ (٣) وشَيْبانُ (٤) وأيُّوبُ (٥) وأبو عَوانةَ (٦)، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعُمر. لم يذكُرُوا عُثمانَ. وأصحابُ قَتادةَ الذين يُحتجُّ بهم فيه: شُعبةُ، وهشام الدَّستوائيُّ، وسعِيدُ بن أبي عرُوبةَ، فإذا اختلفُوا واجتمع (٧) منهُمُ اثنانِ، كانا حُجَّةً على الثّالِثِ، إذا خالَفهُما. وقد رَوَى هذا الحدِيث هشامُ بن حسّان، عن قَتادةَ، كما رواهُ هشامٌ الدَّستوائيُّ وابنُ أبي عَرُوبةَ، مرفُوعًا، وذكرَ فيه عُثمان. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا

стр. 7044

محمدُ بن إسماعيلَ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بن حَمْزةَ، قال: حدَّثنا حاتِمُ بن إسماعيلَ، عن هشام بن حسّان، عن قَتادةَ، عن أنَسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ رسُولِ اللَّه ﷺ ، وأبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمان، فكانوا يَفْتتِحُون القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وقد رَوَى هذا الحدِيث عائذُ بن شُرَيح، عن أنسٍ. فزادَ فيه ذِكر عليٍّ، ولم يقُلهُ غيرُهُ. حدَّثنا خلفُ بن القاسم الحافِظُ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن إبراهيمَ بن أحمد بن محمدِ (١) بن عطِيَّةَ البَغدادِيُّ، المعرُوفُ بابنِ الحدّادِ بمصرَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن عَمرِو بن عبدِ الخالِق أبو بكرٍ البزّارُ، قال: حدَّثنا أبو همّام، قال: حدَّثنا أبو الأحوصِ، قال: حدَّثنا يُوسُفُ بن أسباطٍ، عن عائذِ بن شُرَيح، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ ﷺ ، وخلفَ أبي بكرٍ، وخلفَ عُمرَ، وخلفَ عُثمانَ، وخلف عليٍّ، فكانوا يستفتِحُونَ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال أبو همّام: فلقِيتُ يُوسُف بن أسباطٍ، فسألتُهُ عنهُ، فحدَّثنِيهِ، عن عائذِ بن شُريح، عن أنسٍ (٢). قال أبو عُمر: ذِكرُ عليٍّ في هذا الحديث غير محفُوظ، ولا يصِحُّ، واللَّهُ أعلمُ. وقد حدَّثني خلفُ بن قاسم، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بن محمدِ بن كامل، قال: حدَّثنا أبو أحمد إبراهيمُ بن إسحاقَ بن إبراهيمَ البغدادِيُّ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن محمدٍ، قال: حدَّثنا أبو مُصعبٍ، قال: حدَّثنا مالكٌ، عن ابن شِهابٍ، عن القاسم بن محمدٍ، عن عائشةَ قالت: كان رسُولُ اللَّه ﷺ يَفْتتِحُ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وسمِعتُ أبا بكرٍ الصِّدِّيق يفتتِحُ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وسمِعتُ عُمر بن الخطّابِ يفتتِحُ القِراءةَ

стр. 7045

بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١). وسمِعتُ عُثمان بن عفّانٍ يفتتِحُ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وهذا حدِيثٌ موضُوعٌ بهذا الإسنادِ، لا أصلَ لهُ في حدِيثِ مالكٍ، ولا في حدِيثِ ابن شِهابٍ، وهُو مُنكرٌ كذِبٌ عن هؤُلاءِ، وعنِ القاسم بن محمدٍ أيضًا، ولا يصِحُّ عن واحِدٍ منهُم (٢)، والمعرُوفُ فيه عن عائشةَ: ما أخبرناهُ أحمدُ بن قاسم وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارِثُ بن أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا سعِيدُ بن عامرٍ، عن سعِيدِ بن أبي عَرُوبةَ، عن بُدَيل، عن أبي الجَوْزاءِ، عن عائشةَ، قالت: كان رسولُ اللَّه ﷺ يَفْتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبِيرِ، والقِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. ويختِمُها بالتَّسلِيم (٣). حدَّثنا عبدُ الرَّحمنِ بن مروانَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن سُليمانَ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ البَغوِيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بن عَمرٍو، قال: حدَّثنا صالحُ بن محمدٍ الواسِطِيُّ. وأخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الوارِثِ. قالا: أخبرنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن بُدَيلِ بن مَيْسرةَ العُقيليِّ، عن أبي الجَوزاءِ، عن عائشةَ،

стр. 7046

قالت: كانَ رسُولُ اللَّه ﷺ يَفتتِحُ الصَّلاةَ بالتَّكبِيرِ، وكان يَفتتِحُ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكان إذا ركعَ لم يُشخِص رأسهُ، ولم يُصوِّبهُ، وكان إذا رفعَ رأسهُ من الرُّكُوع لم يسجُد، حتّى يستوِي قائمًا، وكان يقولُ في الرَّكعتينِ التَّحِيَّةَ، وكان يَفرِشُ رِجلهُ اليُسرى، وأحسبُهُ قال: وينصِبُ اليُمنى، وكان يَنْهى عن عَقِبِ (١) الشَّيطانِ، وكان يَنْهى أن يَفترِشَ الرَّجُلُ ذِراعيهِ افتِراشَ السَّبُع، وكان يختِمُ الصَّلاةَ بالتَّسلِيم. واللَّفظُ لحدِيثِ صالح بن محمدٍ، وهُو أتمُّ. قال أبو عُمر: اسمُ أبي الجَوْزاءِ: أوسُ بن عبدِ اللَّه الرَّبعِيُّ، لم يسمع من عائشةَ، وحدِيثُهُ عنها مُرسلٌ. حدَّثنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغ، قال: حدَّثنا أبو قِلابةَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن عُثمانَ (٢) العِجليُّ، قال: حدَّثنا حُسينٌ المُعلِّمُ، عن بُدَيلِ بن مَيْسرةَ، عن أبي الجَوْزاءِ، عن عائشةَ: أنَّ (٣) النَّبيَّ ﷺ كان يفتتِحُ القِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤). حدَّثنا سعِيدُ بن نصرٍ وعبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا ابن وضّاح، قال: حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبةَ، قال (٥): حدَّثنا

стр. 7047

إسماعيلُ بن إبراهيمَ، عن الجُريرِيِّ، عن قَيْسِ بن عَبايةَ، قال: حدَّثني ابن عبدِ اللَّه بن مُغفَّل، قال: سَمِعني أبي وأنا أقرأُ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقال: أي بُنيَّ، إيّاكَ والحَدَث، فإنِّي صلَّيتُ مع رسُولِ اللَّه ﷺ وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، فلم أسمع رجُلًا منهُم يقولُهُ، فإذا قرأتَ فقُلِ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال أبو عُمر: قيسُ بن عَبايةَ هذا، هُو أبو نَعامةَ الحنفِيُّ، وهو ثِقةٌ، لكِنَّ ابن عبدِ اللَّه بن مُغفَّلٍ غيرُ معرُوفٍ بحملِ العِلم، مجهُولٌ، لم يروِ عنهُ أحدٌ غيرُ أبي نَعامةَ هذا (١). فهذه الآثارُ كلُّها احتجَّ بها من كرِهَ (٢) قِراءةَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ، ولم يَعُدَّها آيةً منها، وأكثرُها لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ المعنى: أنَّهُم كانوا يَفْتتِحُونَ القِراءةَ في الصَّلواتِ كلِّها، وفي كلِّ ركعةٍ منها بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 7048

رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هذه السُّورةُ قبلَ سائرِ السُّورِ، كما لو قال: كان يفتتِحُ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾. أو بـ ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾. أو بـ ﴿حم (١) تَنْزِيلُ﴾ هو [غافر: ١ - ٢]. ونحوِ ذلك. وللعُلماءِ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أقاوِيلُ. فجُملةُ مذهبِ مالكٍ وأصحابِهِ: أنَّها ليست عِندهُم آيةً من فاتحةِ الكِتابِ، ولا من غيرِها، وليست من القُرآنِ إلّا في سُورةِ النَّملِ، ولا يَقْرأُ بها المُصلِّي في المكتُوبةِ في فاتحةِ الكِتابِ، ولا في غيرِها، سِرًّا ولا جهرًا. قال مالكٌ: ولا بأس أن يقرأ بها في النّافِلةِ من يعرِضُ القُرآن عرضًا (١). وقولُ الطَّبرِيِّ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ مِثلُ قولِ مالكٍ في ذلك كلِّهِ (٢). وللشّافِعِيِّ في ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قولانِ، أحدُهُما: أنَّها آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ، دُونَ غيرِها من السُّورِ التي أُثبِتت في أوائلِها. والقولُ الآخرُ: هي آية في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ (٣). وكذلك اختَلَف أصحابُهُ على القَوْلينِ جميعًا. وقال أحمدُ بن حنبل وإسحاقُ بن راهُوية وأبو ثَوْرٍ وأبو عُبيدٍ: هي آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ (٤). وأمّا أصحابُ أبي حَنِيفةَ، فزَعَمُوا أنَّهُم لا يحفظُونَ عنهُ، هل هي آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ أم لا، ومَذهبُهُ يَقْتضِي أنَّها ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ؛ لأنَّهُ يُسِرُّ بها في الجَهْرِ والسِّرِّ.

стр. 7049

وقال داودُ: هي آيةٌ من القُرآنِ في كلِّ مَوْضِع وقعَتْ فيه، وليسَتْ من السُّوَرِ، وإنَّما هي آيةٌ مُفردة غير مُلحقةٌ بالسُّورِ. وزعمَ الرّازِّيُّ أنَّ مذهبَ أبي حنِيفةَ هكذا. وقال الزُّهرِيُّ: هي آيةٌ من كِتابِ اللَّه تَرَكها النّاسُ (١). وقال عطاءٌ: هي آيةٌ من أُمِّ القُرآنِ (٢). وقال ابن المُباركِ: من تركَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ فقد تركَ مئةَ آيةٍ وثلاث عشرةَ آيةً من القُرآنِ (٣). واتَّفقَ أبو حنِيفةَ (٤)، والثَّورِيُّ، على أنَّ الإمامَ يقرأُ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ سِرًّا، ويُخفيها في صلاةِ الجَهْرِ وغيرِها، يخُصُّها بذلك. ورُوِي مِثلُ ذلك، عن عُمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعُودٍ، وعمّارٍ، وابنِ الزُّبيرِ (٥). وهُو قولُ الحكم، وحمّادٍ (٦). وبه قال أحمدُ بن حنبل، وأبو عُبيدٍ. ورُوِي (٧) عن الأوزاعِيِّ مِثلُ ذلك. ورُوِي عن الأوزاعِيِّ أيضًا مِثلُ قولِ مالكٍ: أنَّهُ لا يقرأُ بها في المكتُوبةِ سِرًّا ولا جهرًا، وأنَّها ليسَتْ آيةً من فاتحةِ الكِتابِ. وهُو قولُ الطَّبرِيِّ.

стр. 7050

وقال الشّافِعيُّ (١) وأصحابُهُ: يُجهَرُ بها في صَلاةِ الجهرِ، لأنَّها آيةٌ من فاتحةِ الكِتابِ، حُكمُها كسائرِ السُّورةِ، وبه قال داود، على اختِلافٍ عنهُ في ذلك (٢). وهُو قولُ ابن عُمرَ، وابنِ عبّاسٍ، وطاوُوسٍ، ومُجاهِدٍ، وسعِيدِ بن جُبيرٍ، وعطاءٍ، وعَمرِو بن دِينارٍ. ورُوِي ذلك، عن عُمر أيضًا، وابنِ الزُّبيرِ (٣). قال أبو عُمر: أمّا من قرأ بها سِرًّا في صلاةِ السِّرِّ، وجهرًا في صلاةِ الجهرِ، فحُجَّتُهُ أنَّها آيةٌ من السُّورةِ، لا يختلِفُ حُكمُها، والمُناظرةُ بينهُ وبين من خالفه في هذا الأصلِ. وأمّا من أسرَّ بها، وجَهرَ كسائرِ السُّورةِ، فإنَّما مالَ إلى الأثرِ، وقَرَأ بها كذلك من جِهَةِ الحُكم بخبرِ الواحِدِ المُوجِبِ للعملِ دُون العِلم. واحتجُّوا من الأثرِ في ذلك، بما حدَّثناهُ محمدُ بن إبراهيمَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن مُعاويةَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بن شُعيب، قال (٤): أخبرنا محمدُ بن عليِّ بن الحسنِ (٥) بن شَقِيقٍ، قال: سمِعتُ أبي يقولُ: أخبَرنا أبو حمزةَ، عن مَنصُورِ بن زاذانَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: صلَّى بنا رسُولُ اللَّه ﷺ ، فلم يُسْمِعنا قِراءةَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، وصلَّى بنا أبو بكرٍ وعُمرُ، فلم نسمعها منهُما. وأخبَرنا عبدُ الوارِثِ بن سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بن غالب، قال: حدَّثنا أبو الجوّابِ، قال: أخبرنا عمّارُ بن رُزيقٍ، عن الأعمشِ،

стр. 7051

عن شُعبةَ، عن ثابتٍ، عن أنَسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وعُمر، فلم أسمع أحدًا منهُم يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (١). أخبرنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا حمزةُ بن محمدِ بن عليٍّ، قال: أخبَرنا أحمدُ بن شُعَيبٍ النَّسائيُّ، قال (٢): أخبرنا عبدُ اللَّه (٣) بن سعِيدٍ، قال: حدَّثني عُقبةُ، قال: حدَّثنا شُعبةُ وابنُ أبي عَرُوبةَ، عن قَتادةَ، عن أنسٍ، قال: صلَّيتُ خلفَ رسُولِ اللَّه ﷺ وأبي بكرٍ وعُمرَ وعُثمانَ، فلم أسمع أحدًا منهُم يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. ففي هذه الآثارِ: أنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ لم يجهر بها. وفي ذلك دليلٌ على أَنَّهُ كان يُخفيها، ويَقْرأُ بها، فإلى هذا ذهَبَ من رأى إخفاءَها، وعلى هذا حَملُوا ما رُوِي عن عليٍّ، ومن ذكرنا معهُ في ذلك. ذكر عبدُ الرَّزّاقِ (٤) عن إسرائيل، عن ثُوَيرِ بن أبي فاخِتةَ، عن أبيهِ: أنَّ عليًّا كان لا يجهرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. وكان يجهرُ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. وعنِ الثَّورِيِّ، عن عبدِ الملكِ بن أبي بَشِيرٍ، عن عِكْرِمةَ؛ عن ابن عبّاسٍ، قال: الجَهْرُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قِراءةُ الأعرابِ (٥). وأمّا الذين أثبتُوها آيةً من كِتابِ اللَّه في أوَّلِ فاتحةِ الكِتابِ، وفي أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، والذين جَعلُوها آيةً مُنفَرِدةً في أوَّلِ كلِّ سُورةٍ، فإنَّهُم قالوا: إنَّ المُصحفَ

стр. 7052

لم تُثبِتِ الصَّحابةُ فيه ما ليسَ من القُرآنِ، لأنَّهُ مُحالٌ أن يُضِيفُوا إلى كِتابِ اللَّه ما ليسَ منهُ، ويَكتُبُوهُ بالمِدادِ، كما كتبُوا القُرآن. هذا ما لا يجُوزُ أن يُضِيفهُ أحَدٌ إليهم؛ ألا ترَى أنَّ الذينَ رأوا منهُمُ الشَّكلَ فيه كَرِهُوهُ، وقالوا: نَمَّشْتُم (١) المُصحف، كيف تُضِيفُونَ إلَيهِ ما ليسَ منهُ؟ واحتجُّوا من الأثرِ؛ بما حدَّثنا عبدُ اللَّه بن محمدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بن بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال (٢): حدَّثنا قُتيبةُ بن سعِيدٍ، قال: حدَّثنا سُفيانُ، عن عَمرٍو، عن سعِيدِ بن جُبيرٍ، عن ابن عبّاسٍ قال: كان النَّبيِّ ﷺ لا يَعرِفُ فصلَ السُّورةِ، حتّى تنزِل عليه ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾. قال أبو داودَ (٣): وحدَّثنا هنّادُ بن السَّرِيِّ، قال: حدَّثنا محمدُ بن فُضيل، عن المُختارِ بن فُلفُل، قال: سَمِعتُ أنس بن مالكٍ، يقولُ: سمِعتُ رسُول اللَّه ﷺ يقولُ: "أُنزِلت عليَّ آنِفًا سُورةٌ". فقرأ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ حتّى ختمها، ثُمَّ قال: "هل تدرُونَ ما الكوثرُ؟ " قالوا: اللَّه ورسُولُهُ أعلمُ. قال: "فإنَّهُ نهرٌ وعَدَنِيهِ ربِّي في الجنَّةِ".
следующие страницы →