стр. 8833
← Шархи хадиса
Шархи хадиса · id 236
التمهيد - ابن عبد البر - ت بشار
ابن عبد البر
Полный текст (8 840 стр.). Показаны 8833–8872 · переход к 8838.
стр. 8834
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ لم يكن يُعرفُ مسنَدًا من حديثِ مالكٍ إلا بروايةِ إبراهيمَ بنِ طَهمانَ عنه. وقد ذكَره مالكُ بنُ عيسى -وكان محدِّثًا مُحْسِنًا- من طريق النُّعمان، عن مالك. ولا أدري مَن النُّعمانُ هذا (١)؟ لأنه لم ينسُبْه، وربما كان النعمانَ بنَ راشد، فإن كان النعمانَ بنَ راشد، فهو في قُعدُدِ (٢) مالك؛ لروايتِه عن الزُّهريِّ، ولا أدري مَن هو؟
وأما الحديثُ، فمحفوظٌ معروفٌ من حديثِ ابنِ عَجْلان، عن بُكير، عن عَجْلان، عن أبي هُريرة. هكذا يَرويه الناسُ، وهو طريقُه المعروفُ، إلا أنّ مالكًا والثوريَّ قد روَياهُ عن ابنِ عَجْلان، عن أبيه، عن أبي هُريرة كما رأيتَ، وأمّا غيرُهما فإنما يَروُونه عن ابنِ عَجْلان، عن بُكيرِ بنِ الأشجِّ، عن العَجْلان، عن أبي هُريرة.
أخبَرنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال: حدَّثنا عفّانُ، قال: حدَّثنا وُهَيبٌ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن بُكَيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشَجِّ، عن
стр. 8835
عَجْلانَ أبي محمد، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "للممْلوكِ طعامُه وكِسوتُه، ولا يُكلَّفُ من العملِ إلّا ما يُطيقُ" (١).
أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله (٢)، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزة، قال: حدَّثنا الطحاويُّ، قال (٣): حدَّثنا المُزنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال (٤): أخبَرنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلان، عن بُكَيرِ بنِ الأشَجِّ، عن عَجْلانَ أبي محمد، عن أبي هُريرة، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "للمملوكِ طَعامُه وكِسوتُه، ولا يُكلَّفُ من العملِ إلّا ما يُطيقُ".
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زهير، قال (٥): حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميد، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ بلال، عن محمدِ بنِ عَجْلان، قال: أخبَرنا بُكيرُ بنُ عبدِ الله بنِ الأشَجِّ، عن عَجْلان -يعني أبا محمدِ بنِ عَجْلان- عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "للمملوكِ كِسوتُه وطعامُه، ولا يُكلَّفُ من العملِ ما لا يُطيقُ".
стр. 8836
وحدَّثنا عبدُ الوارث (١)، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني ابنُ العَجْلان، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله بنِ الأشَجِّ، أن العَجْلانَ أبا محمدٍ حدَّثه قبلَ وفاتِه، أنه سَمِع أبا هُريرةَ يقول: قال رسولُ الله ﷺ : "للممْلُوكِ طعامُه وكِسوتُه، ولا يُكلَّفُ من العملِ إلا ما يُطيقُ" (٢).
وكذلك رواه سعيدُ بنُ أبي أيوب (٣)، وعبدُ العزيزِ الدَّراوَرديُّ، قالا: حدَّثنا محمدُ بنُ عَجْلان، عن بُكيرِ بنِ عبدِ الله، عن العَجْلان، عن أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ .
قال أبو عُمر: لم يَقلْ واحدٌ منهم عن ابنِ عَجْلانَ في هذا الحديث: "بالمعروف". إلا مالكٌ وحدَه (٤)، فإنه قال فيه: "بالمعروف". وهي لفظةٌ حسنةٌ تحتمِلُ التأويل، وقد جعلها قومٌ معارضةً لقوله ﵇: "أطعِموهم ممّا تأكلون،
стр. 8837
واكسُوهم مما تَلبَسون". وهذا الحديثُ رُوِيَ عن النبيِّ ﷺ من وُجوهٍ كثيرة، من حديثِ ابنِ عباس (١)، وعُبادة (٢)، وأبي ذرٍّ، وغيرِهم، وأحسنُها حديثُ أبي ذرٍّ، وغيرُها مختلَفٌ في ألفاظِها وأسانيدِها.
حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٤): حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يونس. وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ
стр. 8838
سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السلام، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو مُعاوية، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن المَعْرورِ بنِ سويد، قال: دخَلْنا على أبي ذرٍّ بالرَّبذَة، فإذا عليه بُردٌ، وإذا على غلامِه مثلُه، فقلنا: يا أبا ذرٍّ، لو أخَذتَ بُردَ غلامِك إلى بُردِك فكانت حُلّةً، وكسوتَه ثوبًا غيرَه؟ فقال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إخوانُكم خوَلُكم، جعَلهم اللهُ تحتَ أيديكم، فمَن كان أخوهُ تحتَ يدِه فليُطعِمْه ممّا يأكُلُ، وليَكْسُه مما يَلبسُ، ولا يُكلِّفْه ما يغلِبُه، فإن كلَّفه مما يغلِبُه فلْيُعِنْه".
وهذا لفظُ حديثِ عيسى بنِ يونس، وحديثُ أبي مُعاوية مثلُه بمعناه سواءً، إلا أنه لم يقل: "فإن كلَّفه ما يغلِبُه فلْيُعِنْه".
وقال مَن جعَل قولَه: "بالمعروف". معارِضًا لقوله: "أطعِمُوهم ممّا تأكُلون، واكسُوهُم مما تلبَسُون". قالوا: المعروفُ أنَّ العبدَ لا يُساوي سيِّدَه في مَطْعَمٍ ولا مَلْبَس، وحَسْبُه أن يكسُوَه ويُطْعِمَه ما يُعرَفُ لمِثْلِه من المَطْعَم والمَلْبَس.
قالوا: وقوله: "أطعِمُوهم مما تأكُلون، واكسُوهم مما تلْبَسُون". هو أمرٌ معناه النَّدْبُ والاستِحْسانُ، وليس ذلك عليهم بواجب. وعلى هذا مذهبُ العلماءِ قديمًا وحديثًا، لا أعلمُ بينَهم فيه اختلافًا.
ومما يدلُّ على صحّةِ ما ذكَرنا، ما حدَّثناه عبدُ الرّحمن بنُ يحيى بنِ محمد، قال: حدَّثنا عُمرُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ بنِ عبدِ الرّحمن القُرَشيُّ الجُمَحيُّ بمكة،
стр. 8839
قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز البَغَويُّ، قال: حدَّثنا القَعْنَبيُّ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ قيس، عن موسى بنِ يسار، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا صنَع لأحدِكم خادمُه طعامًا، وقد وَليَ حَرَّه ودُخانَه، فليُقعِدْهُ معه فليأكُلْ، فإن كان الطعامُ قليلًا، فلْيضَعْ في يدِه منه أُكْلةً أو أُكْلتَين" (١). قال داود (٢): يعني لُقْمةً أو لُقْمتَين.
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الهيثم (٣)، قال: حدَّثنا الحُنَيْنيُّ، عن داودَ بنِ قيس، عن موسى بنِ يسار، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا جاء خادمُ أحدِكم بطعامِه قد وَلي حَرَّه ودُخانَه، فليقل له: اجلِسْ. فإن أبى، فليُناوِلْه لُقمةً أو لُقْمتين". وأشار الحُنَيْنيُّ بيدِه.
وهذا يدلُّ على أنه ليس عليه أن يكونَ طعامُه وطعامُ غلامِه واحدًا سواءً، فإن فعلَ فقد أحسَن، وإن لم يفعَلْ فلا حرج، والذي أُحبُّ له ألّا يخيِّبَه مما يتناولُ له عملَه ويُقدِّمُه بينَ يدَيه.
وفي حديثِ هذا الباب أيضًا دليلٌ على وُجُوبِ نفقةِ المماليكِ على مالكِيهم، وأجمَع العلماءُ على أن نفقةَ المماليكِ واجبةٌ على ساداتِهم بالمعروف؛ صغارًا كانوا أو كبارًا، زَمْنَى كانوا أو أقوياء، يَلزَمُ السيدَ النفقةُ على مملُوكِه، ويُجبَرُ على ذلك،
стр. 8840
لا بدَّ (١) له من الإنفاقِ أو البيع أو العتق، وللسيدِ أن يستعمِلَ عبدَه وأمتَه في كلِّ ما يُطيقُ كلُّ واحدٍ منهما ويُحسِنُه، ويُخارِجُه (٢) في ذلك إن شاء.
ومن الدليل على وُجُوبِ نفقةِ المملُوكِ على سيِّدِه، حديثُ أبي هُريرةَ في ذلك، حدَّثناه أحمدُ بنُ فتح (٣)، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيم، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد (٤)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا أبو النعمانِ عارمُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، قال: حدَّثنا عاصمُ بنُ بَهْدلة، عن أبي صالح، عن أبي هُريرة، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "خيرُ الصدقةِ ما أبقى غنًى، واليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى، وابدَأْ بمَن تعولُ". ثم أتبَع الحديث: تقولُ امرأتُك: أنفِقْ عليَّ أو طَلِّقْني. ويقولُ مملوكُك: أنفِقْ عليَّ أو بِعْني. ويقولُ ولدُك: إلى مَن تَكِلُني (٥)؟
стр. 8841
فهذا بيِّنٌ في وُجوبِ نفقاتِ الزّوجاتِ والبَنينَ والمماليك، وليس في وُجُوبِ نفقةِ المماليك -ذُكْرانًا كانوا أو إناثًا بالمعروف- اختلافٌ على قدْرِ حال الممْلُوكِ أو الممْلُوكة.
أخبَرنا عبدُ الرّحمن (١)، قال: حدَّثنا عليٌّ، قال: حدَّثنا أحمدُ (٢)، قال: حدَّثنا سَحنُونٌ، قال: حدَّثنا ابنُ وَهْب، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهاب، قال: لا يتَصدّقُ المملُوكُ من مال سيِّدِه بشيءٍ له بالٌ إلّا بإذنِه، وكذلك لا يصيب من ماله شيئًا إلا بإذنه، ولا أرى عليه بأسًا أن يسقي من لَبَن ماشيَتِه إذا وَلِيَها ظمآنًا يمُرُّ به، وأن يُنْبِلَ من ذلك بالمعروفِ مَنْ غَشِيَه (٣). قال يونس: وسألتُ ربيعةَ عن ذلك، فقال: لا، إلّا مِنَ الطعام يأكلُه أو نحوِه، ولا بأسَ عليه إن وَليَ لسيِّدِه حائطًا، فأتاهُ مِسْكينٌ أن يُناوِلَه القبْضَةَ ونحوَها.
стр. 8842
حديثٌ سادسٌ وعشرونَ منَ البلاغات
مالكٌ (١)، أنّه بلَغَهُ أنَّ عبدَ الله (٢) بنَ مسعودٍ كان يُحدِّثُ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أيُّما بيِّعَيْنِ تبايَعا، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يتَرادّانِ".
هكذا قال مالكٌ في هذا الحديث: "أيُّما بَيِّعَينِ تَبايَعا". ولم يقل: فاختَلَفا.
وهي لفظةٌ مدارُ الحديثِ عليها، ومن أجلِها ورَد الحديث، وسقَطت لمالكٍ كما تَرى.
وفي قوله فيه: "فالقولُ قولُ البائع". دليلٌ على اختلافِهما، واللهُ أعلم.
وهذا الحديثُ محفوظٌ عن ابنِ مسعودٍ كما قال مالكٌ، وهو عندَ جماعةِ العلماءِ أصلٌ تَلَقَّوه بالقَبول، وبنَوْا عليه كثيرًا من فُروعِه، واشتَهر عندَهم بالحجازِ والعراقِ شُهْرةً يُستغنَى بها عن الإسناد، كما اشتَهر عندَهم قولُه ﵇: "لا وصيةَ لوارث" (٣). ومثلُ هذا من الآثارِ التي قد اشتَهرت عندَ جماعةِ (٤) العلماءِ واستفاضتْ، يكادُ يُستغنَى فيها عن الإسناد؛ لأنَّ استفاضتَها وشُهرتَها عندَهم أقوى من الإسناد.
أخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ الله بنِ محمد، قال: حدَّثنا الميمونُ بنُ حمزةَ الحُسينيُّ، قال: حدَّثنا الطَّحاويُّ، قال: حدَّثنا المُزَنيُّ، قال: حدَّثنا الشافعيُّ، قال: أخبَرنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن محمدِ بنِ عَجْلان، عن عَوْنِ بنِ عبدِ الله بنِ عُتبة، عن ابنِ
стр. 8843
مسعود، أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "إذا اختَلف البَيِّعان، فالقولُ ما قال البائعُ، والمبتاعُ بالخيار" (١). وهذا مرسلٌ؛ لأنّ عَونًا لم يسمَعْ من ابنِ مسعود.
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٢)، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبة، قال (٣): حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيينة ويحيى بنُ سعيد، عن ابنِ عَجْلان، عن عَوْنِ بنِ عبدِ الله، عن ابنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا اختَلفِ البَيِّعان، فالقولُ ما قال البائع، والمبتاعُ بالخيار".
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرِ بنِ داسة (٤)، قال: حدَّثنا أبو داود، قال (٥): حدَّثنا محمدُ بنُ يحيى بنِ فارس، قال:
стр. 8844
حدَّثنا عُمرُ بنُ حفصِ بنِ غِياث، قال: حدَّثني أبي، عن الأعمش، قال: أخبَرني عبدُ الرّحمنِ بنُ قيسِ بنِ محمدِ بنِ الأشعث، عن أبيه، عن جدِّه، قال: اشتَرى الأشعثُ رقيقًا من رقيقِ الخمُسِ من عبدِ الله بعشرين ألفًا، فأرسَل عبدُ الله إليه في ثمنِهم، فقال: إنما أخَذتُهم بعشَرةِ آلاف. فقال عبدُ الله: فاختَرْ رجلًا يكونُ بيني وبينَك. قال الأشعثُ: أنت بيني وبينَ نفسِك. قال عبدُ الله: فإني سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا اختَلف البَيِّعانِ وليس بينَهما بَيِّنةٌ، فهو ما يقولُ رَبُّ السِّلْعةِ أو يتَتارَكان".
هكذا في كتابي في "مصنف أبي داود"، وذكَره ابنُ الجارود (١)، عن محمدِ بنِ يحيى، عن عُمرَ بنِ حفصِ بنِ غِياث، عن أبيه، عن أبي العُمَيس، عن عبدِ الرّحمن بنِ قيسِ بنِ محمدِ بنِ الأشعث، عن أبيه، عن جدِّه، مثلَه سواء.
ولأبي العُمَيس يُعرفُ هذا الحديثُ عن عبدِ الرّحمن هذا، لا عن الأعمش، وعبدُ الرّحمن هذا غيرُ معروف بحمل العلم، وهذا الإسنادُ ليس بحُجّةٍ عندَ أهل العلم، ولكنَّ هذا الحديثَ عندَهم مشهورٌ ومعلوم، واللهُ أعلم.
وحدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكر، قال: حدَّثنا أبو داود (٢)،
стр. 8845
قال (١): حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمدٍ النُّفَيْليُّ، قال: حدَّثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا ابنُ أبي ليلى، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، عن أبيه، أن ابنَ مسعودٍ باع من الأشعثِ بنِ قيسٍ رقيقًا. فذكَر معناه، والكلامُ يزيدُ وينقُصُ.
هكذا رواه ابنُ أبي ليلى، وعُمرُ بنُ قيسٍ الماصِرُ، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، عن أبيه، وعُمرُ بنُ قيسٍ الماصِرُ هذا كوفيٌّ ثقةٌ روَى عنه ابنُ عونٍ وغيرُه.
ذكَر العُقَيليُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إدريس، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ سعيدِ بنِ سابق، عن عَمْرِو بنِ أبي قَيْس، عن عُمرَ بنِ قَيْسٍ الماصر، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، عن أبيه، عن عبدِ الله بنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا تَبايَع المتبايِعان بَيْعًا ليس بينَهما شهودٌ، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يَتَرادّانِ البيعَ" (٢).
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادٌ، عن أبانِ بنِ تَغْلِب، عن القاسم بنِ عبدِ الرّحمن، أنَّ الأشعثَ اشتَرى من عبدِ الله رقيقًا من رقيقِ الإمارة، فأتاهُ فقَاضاهُ، فاختَلفا في الثَّمَن، فقال له عبدُ الله: أترضَى أن أقضيَ بيني وبينَك
стр. 8846
بقضاءِ رسولِ الله ﷺ ؟ قال: "إذا اختَلف البَيِّعان، فالقولُ ما قال البائعُ، أو يَتَرادَّان" (١).
ورواه حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيج، قال: أخبرني إسماعيلُ بنُ أمية، عن عبدِ الملكِ بنِ عُبيدة، قال: حضَرْنا أبا عُبيدةَ بنَ عبدِ الله بنِ مسعود، فذكَر عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ معناه (٢).
قال أبو عُمر: هذا الحديثُ وإن كان في إسنادِه مقالٌ من جهةِ الانقطاع مرّةً، وضعفِ بعضِ نقَلتِه أُخرى، فإن شُهرتَه عندَ العلماءِ بالحجازِ والعراقِ يكفي ويُغني.
وأمّا اختلافُ الفقهاءِ في هذا الباب؛ فقال ابنُ أبي ليلى، والثوريُّ، وأبو حنيفة، والشافعيُّ، وأصحابهما، وأحمدُ وإسحاق (٣): إذا اختَلف المتبايعانِ في الثمنِ والسلعةُ قائمةٌ، تحالَفا وتَرادَّا البيعَ، وبُدئ البائعُ باليمين، ثم قيل للمشتري: إمّا أن
стр. 8847
تأخُذَ بما حلَف عليه البائعُ، وإمّا أن تحلِفَ على دَعْواك وتَبرَأ. فإن حلَفا جميعًا رُدَّ البيعُ أيضًا، وإن نكَلا جميعًا رُدَّ البيعُ أيضًا (١)، وإن حلَف أحدُهما ونكَل الآخرُ، كان البيعُ لِمَن حلَف، وسواءٌ عندَ هؤلاء كلِّهم كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المُشتَري بعدَ أن تكونَ قائمة. وكذلك روَى ابنُ القاسم، عن مالك (٢): إنّ السلعةَ إذا كانت قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المشتري تَحالَفا وتَرادّا على حسبِ ما ذكَرنا عن هؤلاء سواءً.
وروَى ابنُ وَهْب (٣)، عن مالك، أنَّ السلعةَ إذا بانَ بها المشتري إلى نفسِه لم يَتحالَفا، وكان القولُ قولَ المشتري مع يمينِه، وإنما يَتحالَفان إذا كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع. هذه روايةُ ابنِ وَهْب، عن مالك.
وقال سُحْنون: روايةُ ابنِ وَهْب، عن مالك، هو قولُ مالكٍ الأول، وعليه اجتَمع الرواة، وقولُ مالكٍ الذي رواه ابنُ القاسم وأخَذ به هو آخِرُ قولِ مالك (٤).
واختَلفوا، والمسألةُ بحالِها، إذا فاتَت السلعةُ بيدِ المشتري وهلَكت، ولم تكنْ قائمةً؛ فقال مالكٌ وأصحابُه (٥) كلُّهم حاشا أشهبَ: القولُ قولُ المشتري مع يمينِه ولا يَتحالَفان.
стр. 8848
وهو قولُ أبي حنيفة، وأبي يوسف، والثوريِّ، والحسنِ بنِ حيٍّ، والليثِ بن سَعْد (١).
وقال الشافعيُّ ومحمدُ بنُ الحسن، وهو قولُ أشهبَ صاحبِ مالك (٢): إنهما يتحالَفان ويَتفاسَخان ويَرُدُّ المشتري القيمة. وهو قولُ عُبيدِ الله بنِ الحسنِ العَنبريِّ قاضي البصرة.
وقال زُفَرُ (٣): إن اتَّفَقا في هذه المسألة، أنَّ الثمنَ كان من جِنْسٍ واحد، كان القولُ قولَ المشتري، وإن اختَلفا في جنسِه، تحالفا وتَرادَّا قيمةَ البيع. وقولُ الشافعيِّ سواءٌ كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع أو بيدِ المشتري، أو هلَكت عندَ البائع، أو عندَ المشتري، هما أبدًا، إذا اختَلفا في الثمن، يتَحالَفان ويَترادَّان السِّلعةَ إن كانت قائمة، أو قيمتَها إن كانت فائتة.
وقال أبو ثور (٤) في اختلافِ المتبايعَين في الثمن: القولُ أبدًا قولُ المشتري، وسواءٌ كانت السلعةُ قائمةً بيدِ البائع، أو بيدِ المشتري، أو فاتَت عندَ البائع أو عندَ المشتري، القولُ أبدًا في ذلك كلِّه قولُ المشتري مع يمينه. وضعَّف أبو ثورٍ الحديثَ في هذا الباب، ولم يوجِبْ به حُكْمًا، ولكلِّ واحدٍ منهم حُجَجٌ من جهةِ النظرِ تكادُ تتوازَى. وأما أبو ثورٍ فلم يقلْ بشيءٍ من معنى حديثِ هذا الباب، وشَذَّ في ذلك إلى قياسٍ يعارِضُه قياسٌ مثلُه لخَصْمِه، واللهُ المستعان.
стр. 8849
فمِن حُجَّةِ أبي ثورٍ أنَّ البائعَ مُقِرّ بزَوالِ مِلْكِه عن السلعة، مُصدِّقٌ للمشتري في زوالها عن ملكِه، وهو مُدَّع عليه من الثمنِ ما لا يُقِرُّ له به المشتري، ولا بيِّنةَ معه، فصار القولُ قولَ المشتري مع يمينِه على كلِّ حال.
وروى ابنُ سَماعة (١)، عن أبي يوسف، قال: قال أبو حنيفة: القياسُ في المتبايعَين إذا اختَلفا، فادَّعى البائعُ ألفًا وخمسَ مئةٍ، وادَّعى المشتري ألفًا، أن يكونَ القولُ قولَ المشتري، ولا يتحالَفان ولا يَترادَّان؛ لأنهما قد أجمَعا على مِلْكِ المشتري السلعةَ المبيعة، واختَلفا في ملكِ البائع على المشتري من الثمنِ ما لا يُقِرُّ به المشتري، فهما كرجُلَين ادَّعى أحدُهما على الآخرِ ألفَ درهم وخمسَ مئةِ درهم، وأقرَّ هو بألفِ درهم، فالقولُ قولُه، إلا أنّا ترَكْنا القياسَ للأثرِ في حالِ قيام السلعة، فإذا فاتَتِ السلعةُ عاد القياسُ.
قال أبو عُمر: هذا القياسُ الذي ذكَره أبو حنيفة، امتَثله كلُّ مَن ذهَب في هذا الباب مذهبَه من أصحابِه ومن المالكيِّين وغيرِهم.
قال أبو محمد بنُ أبي زيد: ظاهرُ قوله في الحديث: "أو يَترادَّان". الإشارةُ إلى ردِّ الأعيان، فإذا ذهَبت الأعيان، خرَج من ظاهرِ الحديث؛ لأنَّ ما فات بيدِ المبتاع لا سبيلَ إلى ردِّه، وصار المبتاعُ مُقِرًّا بثمنٍ يُدَّعَى عليه أكثرُ منه، فدخَل في باب الحديثِ الآخر: "البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليمينُ على المُدَّعَى عليه" (٢).
قال أبو عُمر: من حُجَّةِ الشافعيِّ، وأشهَبَ، وعُبيدِ الله بنِ الحسن، ومَن ذهَب مذهبَهم في هذا الباب، وجعَل المتبايعَين إذا اختَلفا في الثمن يتحالَفان ويَترادَّان أبدًا، أنه يقول: إن البائعَ لم يُقِرَّ بخُروجِ السِّلعةِ عن مِلْكِه إلا بصفةِ ما لا يُصدِّقُه
стр. 8850
عليه المبتاع، وكذلك المشتري لم يُقِرَّ بانتقالِ المِلْكِ إليه إلا بصفةِ ما لا يُصدِّقُه عليه البائعُ، والأصلُ أن السلعةَ للبائع، فلا تخرُجُ من مِلْكِه إلا بيقين؛ من إقرارٍ أو بيِّنة، وإقرارُه مَنُوطٌ بصفةٍ لا سبيلَ إلى دفعِها؛ لعدم بيِّنةِ المشتري بدَعواه، فحصَل كلُّ واحدٍ منهما مُدَّع ومُدَّعًى عليه، وورَدتِ السُّنَّةُ بأن يبدأ البائعُ باليمين، وذلك، واللهُ أعلمُ؛ لأنَّ الأصلَ أن السِّلعةَ له، فلا يُعْطاها أحدٌ بدَعْواه، فإذا حلَف، خُيِّر المُبْتاعُ في أخْذِها بما حلَف البائعُ عليه إن شاء، وإلا حلَف أنه ما ابتاعَ إلا بما ذكَر، ثم يُفسخُ البيعُ بينَهما، وبهذا المعنى ورَدتِ السُّنَّةُ مُجمَلة، لم تَخُصَّ كونَ السلعةِ بيدِ واحدٍ دونَ آخر.
ومعلومٌ أنَّ التَّرادَّ إذا وجَب بالتحالُف، والسلعةُ حاضرةٌ، وجَب بعدَ هلاكِها؛ لأنَّ القيمةَ تقومُ مقامَها، كما تقومُ في كلِّ ما فاتَ مقامَه، ومَن ادَّعى في شيءٍ من ذلك خُصوصًا، فقد ادَّعى ما لا يقومُ من ظاهرِ الحديثِ ولا معناه.
قالوا: وليس اختلافُ المتبايعَين من باب: "البيِّنةُ على المُدَّعي، واليمينُ على مَن أنكر". في شيء؛ لأنَّ ذلك حُكمٌ ورَد به الشرعُ في مُدَّعٍ لا يُدَّعَى عليه، وفي مُدَّعًى عليه لا يَدَّعي، وورَد الشرعُ في المُدَّعي المُدَّعَى عليه، والمُدَّعَى عليه المُدَّعي بغيرِ ذلك، وكلٌّ أصلٌ في نفسِه يجبُ امتثالُه، ولكلِّ واحدٍ منهم حُجَجٌ يطولُ ذكرُها، ومدارُها على ما ذكَرنا.
وقال ابنُ القاسم (١): إذا اختَلف المتبايِعان في قلَّةِ الثمن وكثرتِه، والسلعةُ بيدِ المبتاع لم تَفُتْ ولم تتغيَّرْ في بَدَنٍ أو سُوق، أو لم يكنْ قبَضَها، أُحْلِف البائعُ أوّلًا، على ما ذكَر، أنه ما باعَها إلا بكذا، فإن حلَف، خُيِّر المبتاعُ في أخذِها بذلك، أو يحلِفُ ما ابتاع إلا بكذا ثم يَرُدُّ، إلا أن يرضَى قبلَ الفسخ أخْذَها بما قال البائع.
стр. 8851
قال سُحْنونٌ (١): بل بتمام التحالفِ ينفَسخُ البيع. ورواه سُحْنونٌ، عن شُريح، قال شُريحٌ: إذا اختَلف المتبايِعان، ولا بيِّنةَ بينَهما، أنهما إن حلفَا ترادَّا، وإن نكَلا تَرادَّا، وإن حلَف أحدُهما ونكَل الآخرُ، تُرِك البيعُ. يريدُ على قولِ الحالف.
وروَى ابنُ المَوَّازِ عن ابنِ القاسم مثلَ قولِ شُريح.
وقال ابنُ حبيب: إذا اختَلفا فُسِخ، وإن نَكَلا كان القولُ قولَ البائع. وذكَره عن مالك.
وقال ابنُ القاسم: إن قبَضها المبتاعُ، ثم فاتَت بيدِه بنَماء، أو نُقْصان، أو تَغيُّرِ سوق، أو بَيْع، أو كتابة، أو عِتْق، أو هِبَة، أو هلاك، أو تقطيع في الثياب، فالقولُ قولُ المُبتاع مع يمينِه، وكذلك لو كانت دارًا فبَناها أو طالَ الزمان، أو تغيَّرت المساكن.
وأمّا الشافعيُّ، فليس يجعَلُ شيئًا من هذا كلِّه فوتًا في معنًى من المعاني، وفي هذه المسألةِ عندَه يتَحالَفان إذا فاتَت السلعةُ وتقومُ القيمةُ مقامَها. وهو قولُ أشهبَ.
ومن أصلِ مذهبِ مالكٍ وأصحابِه في هذه المسألة، أنَّ مَن جاء منهما بما لا يُشْبِه، كان القولُ قولَ الآخر، وإنما يحلِفُ مَنِ ادَّعى ما يُشبِهُ.
ولو اختَلف المتبايِعان في الأجَل، فقال البائعُ: حالٌّ. وقال المشتري: إلى شهر. فإن لم يتقابَضا، تحالَفا وتَرادَّا، وإن قبَض المشتري السلعة، فالقولُ قولُه مع يمينِه على روايةِ ابنِ وَهْب.
стр. 8852
وروى ابنُ القاسم (١) أنهما يتحالَفان إن كانتِ السلعةُ قائمةً عندَ البائع أو عندَ المشتري، وإن فاتَت فالقولُ قولُ المُشتَري مع يمينِه، إلا أن يكونَ للناسِ عُرْفٌ وعادةٌ في تلك السلعةِ في شرائها بالنقدِ والأجَل، فلا يكونُ لواحدٍ منهما قولٌ، ويُحمَلان على عُرْفِ الناسِ في تلك السلعة، ويكونُ القولُ قولَ مَن ادَّعَى العُرْف. هذا كلُّه مذهبُ مالكٍ والليثِ بنِ سَعْد (٢).
وقال الشافعيُّ، وعُبيدُ الله بنُ الحَسَن (٣): الاختلافُ في الأجل كالاختلافِ في الثمن، والقولُ في ذلك واحدٌ.
وقال أبو حنيفة (٤): إذا قال البائعُ: هو حالٌّ.
وقال المشتري: إلى شهر. فالقولُ قولُ البائع مع يَمينه، وكذلك إذا قال البائع: إلى شهر. وقال المشتري: إلى شهْرَين. وهو قولُ الثوريِّ.
قال أبو عُمر: في هذه المسألةِ قولٌ آخرُ غيرُ ما ذكَرنا عن هؤلاء، ذكَره المَرْوَزِيُّ (٥)، قال: قال بعضُ أصحابنا: إن كان المشتري هو المُستَهلِكَ للسلعة، تحالَفا ورَدَّ القيمة، وإن كانت السلعةُ هلَكَت من غيرِ فعلِ المُشتَري تحالَفا، فإن حلَفا لم يكنْ على المشتري رَدُّ قيمةٍ ولا غيرِها؛ لأنه لم يكنْ مُتعدِّيًا على السلعةِ ولا جانيًا، ولا يضمَنُ إلا جانٍ أو مُتعَدٍّ. قال المروزيُّ: وهذا القياسُ.
стр. 8853
حديثٌ سابعٌ وعشرونَ منَ البلاغات
مالك (١)، أنَّه بلَغه أنَّ معاذَ بنَ جَبَل قال: آخِرُ ما أوصاني به رسوُل الله ﷺ حينَ وضَعتُ رِجْلي في الغَرْز، أن قال: "أحسِنْ خُلُقَك للناسِ معاذَ بنَ جبل".
هكذا روَى يحيى هذا الحديث، وتابَعه ابنُ القاسم (٢)، والقَعْنبيُّ (٣).
ورواه ابنُ بُكير، عن مالك، عن يحيى بنِ سعيد، عن معاذِ بنِ جبل. وهو مع هذا منقطِعٌ جدًّا، ولا يوجدُ مسندًا عن النبيِّ ﷺ من حديثِ معاذٍ ولا غيرِه بهذا اللفظ، واللهُ أعلم.
قال البَزّار: لا أحفظُ في هذا مسندًا عن النبيِّ ﷺ .
قال أبو عُمر: يريدُ بهذا اللفظ؛ لأنه قد ثبَت عنه ﷺ من حديثِ أنسٍ قال: بعَث النبيُّ ﷺ معاذَ بنَ جبلٍ إلى اليمن، فقال: "يا معاذُ، اتَّقِ اللهَ، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسن، وإذا عمِلتَ سيئةً فأتبِعْها حَسَنةً". قال: قلت: يا رسولَ الله، لا إلهَ إلا اللهُ من الحسنات؟ قال: "هي من أكبر الحسنات". رواه حَمّادُ بنُ سَلَمة، عن ثابت، عن أنس. وقد ذكَرناه بإسنادِه في بابِ زيادِ بنِ أبي زياد (٤).
وقد حدَّثنا خَلَفُ بنُ القاسم (٥)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ الحسين الآجُرِّيُّ، قال: حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِرْيابيُّ، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ حفص خالُ النُّفَيْليِّ، قال أخبَرنا موسى بنُ أعْين، عن الأعمش، عن حبيبِ بنِ أبي ثابت، عن ميمونِ بنِ
стр. 8854
أبي شبيب، عن معاذِ بنِ جبل، قال: قلت: يا رسولَ الله، علِّمْني ما ينفعُني. قال: "اتَّقِ اللهَ حيث كنتَ، وأتبعِ السّيِّئةَ الحسنةَ تَمْحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حَسَن" (١).
قوله ﷺ : "خالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسَن". أو: "حَسِّنْ خُلُقَك للناس". معنًى واحدٌ لا يختلِفُ، والحمدُ لله، وقد رُوِيَ من وُجوه، عن معاذِ بنِ جبل، أنه قال: آخِرُ ما أوصاني به رسولُ الله ﷺ أن قال: "لا يزالُ لسانُك رَطْبًا من ذكرِ الله".
حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا عُبيدُ بنُ عبدِ الواحد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ المدينيِّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلم، قال: حدَّثنا ابنُ ثَوْبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جُبيرِ بنِ نُفَير، عن مالكِ بنِ يَخامِرَ، قال: سمِعتُ معاذَ بنَ جبل يقول: إن آخِرَ كلمةٍ فارَقتُ عليها رسولَ الله ﷺ ، قلت: يا رسولَ الله، أيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: "لا يزالُ لسانُك رَطْبًا مِن ذكرِ الله" (٢).
стр. 8855
وحدَّثنا سَلَمةُ بنُ سعيد (١)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عُمر، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عيسى بنِ السُّكَيْنِ البلديُّ، قال: حدَّثنا أبو عَمْرٍو الزُّبيرُ بنُ محمدِ بنِ الزُّبيرِ الرُّهاويُّ، قال: حدَّثنا قَتادةُ بنُ الفُضيل الحَرَشيُّ (٢)، عن ثورِ بنِ يزيد، عن خالدِ بنِ مَعْدان، عن معاذِ بنِ جبل، قال: إن آخِرَ شيءٍ فارَقتُ عليه رسولَ الله ﷺ ، قلت: يا رسولَ الله، أيُّ شيءٍ أنجَى لابنِ آدمَ من عذابِ الله؟ قال: "أن يموتَ ولسانُه رَطْبٌ من ذكرِ الله " (٣).
وفي حُسنِ الخُلُقِ أحاديثُ عن النبيِّ ﷺ كثيرة، وقد مضَى منها في باب يحيى بن سعيدٍ قولُه ﵇: "إن الرجلَ ليُدْرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجةَ القائم بالليل، الظامئ بالهواجر" (٤). وسيأتي قولُه ﵇: "إنما بُعِثتُ لأُتمِّمَ محاسنَ الأخلاق" (٥)
стр. 8856
في موضعِه من بلاغاتِ مالكٍ في هذا الكتاب إن شاء الله. ومنها قولُه ﵇: "أكملُ المؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا" (١).
وحدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيد (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبد العزيز، قال: حدَّثنا عتيقُ بنُ يعقوبَ الزُّبيريُّ، قال: حدَّثنا عُقبةُ بنُ عليٍّ مولى آل الزُّبير، عن عبد الله (٣) بنِ عُمرَ، عن نافع، عنِ ابنِ عُمرَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "أنا زَعيمٌ ببَيتِ في رَبَضِ الجنّة، وبيتٍ في وسطِ الجنّة، وبيتٍ في أعلى الجنّةِ لمَنْ ترَكَ المِراءَ وإن كان مُحِقًّا، ولمَنْ ترَكَ الكَذِبَ، وإن كان لاعِبًا، ولِمَن حسُنَتْ مُخالَطَتُه للنّاس" (٤).
قال أبو عُمر: الغَرْزُ: موضِعُ الرِّكاب من رَحْلِ البعيرِ كرِكابِ السّرْج.
وفي أمر رسول الله ﷺ معاذًا بتَحْسينِ خُلُقِه إذْ بعَثَه إلى اليمن، أمرٌ بالرِّفْقِ بالناس، وكذلك يلْزمُ الخليفةَ إذا بعَثَ عاملًا، أو يُوصِيَهُ بذلكَ وبمِثْلِه تأسِّيًا برسولِ الله ﷺ .
стр. 8857
حديثٌ ثامنٌ وعشرونَ منَ البلاغات
مالكٌ (١)، أنَّه بلَغه أنَّ أمَّ سَلَمةَ زوجَ النبيِّ ﷺ قالت: يا رسولَ الله، أنهْلِكُ وفينا الصالحونَ؟ قال: "نعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ".
وهذا الحديثُ لا يُعرفُ لأمِّ سلَمةَ بهذا اللفظِ عن النبيِّ ﷺ إلا من وجهٍ ليس بالقويِّ، يُروَى عن محمدِ بنِ سُوقة، عن نافعِ بنِ جبيرِ بنِ مُطْعِم، عن أمِّ سَلَمة (٢).
وقد رُوِيَ في معنى هذا الباب حديثٌ عن أمِّ سَلَمةَ في هذا المعنى بغيرِ هذا اللفظ. وأما هذا اللفظُ، فإنما هو معروفٌ لزينبَ بنتِ جَحْش، عن النبيِّ ﷺ ، وهو مشهورٌ محفوظٌ من حديثِ ابنِ شهاب، وقد اختُلف عليه في بعض إسنادِه.
حدَّثنا سعيدُ بنُ نصر (٣)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ الترمذيُّ، قال: حدَّثنا الحُمَيديُّ (٤). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرّحمن،
стр. 8858
قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامة، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ عيسى، قالا: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، قال: حدَّثنا الزُّهْريُّ، عن عُروة، عن زينبَ بنتِ أمِّ سَلَمة، عن حبيبةَ بنتِ أمِّ حبيبة، عن أمِّها أمِّ حبيبة، عن زينبَ بنتِ جَحْش، قالت: استيقَظَ رسولُ الله ﷺ من نومِه مُحْمَرًّا وجهُه وهو يقول: "لا إلهَ إلا الله، وَيْلٌ للعربِ من شرٍّ قد اقتَرب، فُتِح اليومَ من رَدْم يأجوجَ ومأجوجَ مثلُ هذه". وحَلَّق سُفيانُ بيدِه وعقَد عشَرةً. قالت: فقلت: يا رسولَ الله، أنهلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعم، إذا كثُر الخَبَثُ".
قال الحُميديُّ (١): قال سُفيان: أحفَظُ في هذا الحديثِ من الزُّهريِّ أربعَ نسوة. قال سُفيانُ: وقد رأينَ النبيَّ ﷺ ، ثنتَين من أزواجِه؛ أمَّ حبيبة، وزينبَ بنتَ جَحْش، وثِنْتَين رَبِيبَتاهُ؛ زينبَ بنتَ أمِّ سَلَمة، وحبيبةَ بنتَ أمِّ حبيبة، أبوها عُبيدُ الله بنُ جَحْش، مات بأرضِ الحبشة.
هكذا قال ابنُ عُيينة. وخالَفه عُقَيلٌ، فرواه عن ابنِ شهاب، أنَّ عُروةَ حدَّثه، أن زينبَ بنتَ أبي سَلَمة حدّثتُه، عن أمِّ حبيبةَ بنتِ أبي سُفيان، عن زينبَ بنتِ جَحْش، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. ولم يذكُرْ إلا ثلاثَ نسوة، لم يذكُرْ حبيبةَ بنتَ أمِّ حبيبة.
حدَّثناه عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا
стр. 8859
المطلبُ بنُ شُعيب، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقَيلٌ (١).
وقال محمدُ بنُ يحيى النَّيْسابوريُّ: وكذلك رواه صالحُ بنُ كَيسان (٢)، وشُعيبُ بنُ أبي حمزة (٣)، وسُليمانُ بنُ كثير (٤)، وعبدُ الرّحمن بنُ إسحاق، والزبيديُّ (٥)، كلُّهم عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن زَيْنب، عن أمِّ حبيبة، عن زينب. ليس فيه ذكرُ حبيبة، كما رواه عُقَيلٌ. قال: وهو المحفوظُ عندَنا (٦).
قال: وكذلك رواه مُسَدَّدٌ (٧)، وسعيدُ بنُ منصور، ونُعَيمُ بنُ حَمّاد (٨)، عن سُفيان بنِ عُيينة.
قال: ورواه عليُّ بنُ المدينيِّ وجماعةٌ، عن سُفيانَ، فذكَروا فيه حبيبة. قال: وذلك غيرُ محفوظٍ عندَنا. قال: وإنما رَوَوْا هؤلاءِ عن سُفيانَ بأخَرَة. قال: وقلتُ لمُسَدَّد: فإنهم يَرْوُون عن سُفيان: أربعَ نسوة. فقال: هكذا سمِعتُه منه سنةَ أربع وسبعين. وقال سعيدُ بنُ منصور: سمِعتُه منه سنةَ ستٍّ وسبعين هكذا. وسمِعُوه بأخَرةٍ يقول: حبيبة.
стр. 8860
قال أبو عُمر: وممّن رواه عن ابنِ عُيينة كما قال النَّيْسابوريُّ؛ نُعَيمٌ، وسعيدُ بنُ منصور، ومُسَدَّدٌ، وعبدُ الرّحمنِ بنُ شيبةَ الجُدِّيُّ.
حدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ. وحدَّثنا خلفُ بنُ القاسم (١)، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ يزيد، قال: حدَّثنا عبدُ الرّحمن بنُ شيبةَ الجُدِّيُّ، قال: حدَّثنا سُفيانُ بنُ عُيينة، عن الزُّهريِّ، عن عُروة، عن زينبَ بنتِ أبي سَلَمة، عن أمِّ حبيبة، عن زينبَ بنتِ جَحْش، قالت: استيقَظَ رسولُ الله ﷺ من نومِه مُحْمرًّا وجهُه وهو يقول: "وَيْلٌ للعربِ من شَرِّ قد اقترَب، فُتِح اليومَ من رَدْمِ يأْجُوجَ ومأْجُوجَ مثلُ هذا". وحَلَّق عَشَرةً، فقلت: يا رسولَ الله، أنهْلِكُ وفينا الصالحون؟ قال: "نعَمْ، إذا كثُرَ الخَبَثُ" (٢).
قال أبو عُمر: رواه أسدُ بنُ موسى كما رواه الحُميديُّ وعليُّ بنُ المدينيِّ ومَن تابَعهما.
وأما قولُه فيه: "إذا كَثُر الخَبَثُ". فمعناه عندَ أكثرِهم الزِّنى وأولادُ الزِّنى. وجملةُ القولِ عندي في معناه: أنه اسمٌ جامعٌ يجمَعُ الزِّنى وغيرَه من الشرِّ والفسادِ والمُنكَرِ في الدِّين، واللهُ أعلم.
أخبرني أحمدُ بنُ سعيدِ بنِ بشر، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا ابنُ وَضّاح (٣)، قال: حدَّثنا عبدُ العزيزِ بنُ مِقْلاص، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ وَهْب يقولُ في تفسير الخَبَث: "حتى يَكْثُرَ الخَبَثُ". قال: أولادُ الزِّنى.
стр. 8861
ومما يشهَدُ لهذا التأويل ما حدَّثناه خلفُ بنُ القاسم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ المِسْوَر، قال: حدَّثنا مِقْدامُ بنُ داود، قال: حدَّثنا يوسفُ بنُ عديٍّ الكوفيُّ، قال: حدَّثنا أبو الأحوص، عن سِمَاكِ بنِ حَرْب، عن عبدِ الرّحمن بنِ عبدِ الله بن مَسْعود، عن أبيه عبدِ الله بنِ مسعود، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا ظهَر الرِّبا والزِّنى في قريةٍ أذِنَ اللهُ في هلاكِها" (١).
وأما حديثُ أمِّ سَلَمةَ في هذا الباب، فأخبَرنا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ عبدِ المؤمن، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدان (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون، قال: أخبَرنا شريكُ بنُ عبدِ الله،
стр. 8862
عن جامعِ بنِ أبي راشد، عن منذرٍ الثوريِّ، عن الحسنِ بنِ محمد، قال: حدَّثتني امرأةٌ من الأنصار -هي حَيَّةٌ- قالت: دخَلتُ على أمِّ سَلَمة، فدخَل عليها رسولُ الله ﷺ كأنه غضبان، فاستَترْتُ بكُمِّ دِرْعي، فتكلَّم بكلام لم أفهَمْه، فقلت: يا أمَّ المؤمنين، كأنّي رأيتُ رسولَ الله ﷺ دخَل وهو غضبانُ؟ فقالت: نعم، أوَ ما سمعْتِ ما قال؟ قلت: وما قال؟ قالت: قال: "إنّ السُّوءَ إذا فَشا في الأرض، فلمْ يُتَناهَ عنه، أرسَل اللهُ بأسَه على أهلِ الأرض". قالت: قلت: يا رسولَ الله، وفيهم الصالِحون؟ قال: "نعَمْ، وفيهمُ الصالحون، يُصيبُهم ما أصابَهم، ثم يَقبِضُهم اللهُ إلى مغفرتِه ورِضْوانِه". أو: "إلى رِضْوانِه ومَغْفرتِه".
стр. 8863
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ زُريع ويحيى بنُ سعيد -قال يزيد (١): حدَّثنا حاتمُ بنُ أبي صغيرة. وقال يحيى: أبو يونس- قال: حدَّثني مهاجرُ ابنُ القِبْطيّة، أنه سمِع أمَّ سَلَمةَ زوجَ النبيِّ ﷺ وهي جالسةٌ في هذه البطحاءِ تقول: قال رسولُ الله ﷺ : "لَيُخْسَفَنَّ بجيشٍ يَغزُونَ هذا البيتَ ببَيْداءَ منَ الأرض". فقال رجلٌ من القوم: يا رسولَ الله، وإن كان فيهم الكارِهُ؟ قال: "يُبْعَثُ كلُّ رجل منهم على نيَّتِه" (٢).
стр. 8864
وذكَر أحمدُ بنُ حنبل (١)، عن جرير، عن عبدِ العزيز بنِ رُفيع، عن عُبيدِ الله بنِ القِبْطيّة، عن أمِّ سَلَمةَ مثلَه بمعناه.
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثني أبي، قال (٣): حدَّثنا حسينٌ، قال: حدَّثنا خَلَفٌ -يعني ابنَ خليفة- عن ليث، عن عَلْقَمةَ بنِ مَرْثَد، عن المَعْرورِ بنِ سُوَيد، عن أمِّ سَلَمةَ زوج النبيِّ ﷺ قالت: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إذا ظهَرتِ المعاصي في أُمَّتي عمَّهم اللهُ بعذابٍ مِن عندِه". فقلت (٤): يا رسولَ الله، أمَا فيهم يومئذٍ أناسٌ صالحون؟ قال: "بلى". قالت: فكيف (٥) يُصنعُ بأولئك؟ قال: "يُصيبُهم ما أصابَهم، ثم يَصِيرون إلى مغفرةٍ من الله ورضوان".
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (٦)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ
стр. 8865
جرير، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ سَهْلِ وسَهْلُ بنُ موسى -واللفظُ له- قالا: حدَّثنا الوليدُ بنُ مسلم، عن الأوزاعيِّ، قال: سمِعتُ بلالَ بنَ سَعْدٍ يقول: إنَّ الخطيئةَ إذا أُخفِيت لم تَضُرَّ إلا صاحبَها، فإذا ظهَرت فَلَم تُغَيَّرْ ضَرَّتِ العامة (١).
وقد روَى أنسُ بنُ مالكٍ في هذا الباب حديثًا جيِّدًا بإسنادٍ حسن، من روايةِ أهلِ المدينةِ بنحوِ معناه، نحوَ حديثِ زينبَ المذكورِ في هذا الباب.
حدَّثناه خَلَفُ بنُ القاسم الحافظ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ (٢) عبدُ الله بنُ محمدٍ الخَصِيبيُّ القاضي، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ نصرِ بنِ منصورٍ أبو جعفرٍ الصائغ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ المُسَيَّبيُّ، قال: حدَّثنا أبو ضَمْرةَ أنسُ بنُ عياض، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصاريِّ، عن أنسِ بنِ مالك، قال: ذُكِر خَسْفٌ قِبلَ المشرق. فقالوا: يا رسولَ الله، يُخسَفُ بأرضٍ فيها مسلمون؟ قال: "نعَمْ، إذا أكثَر أهلُها الخَبَثَ" (٣).
وأخبَرنا أحمدُ بنُ قاسم بنِ عبدِ الرّحمن البَزّازُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ أبي دُلَيم، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضّاح، قال: حدَّثنا هارونُ بنُ عبدِ الله الحَمّال،
стр. 8866
قال: حدَّثنا سَيّارُ بنُ حاتم، قال: حدَّثني جعفرُ بنُ سُليمان، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ عَمْرٍو الصنعانيُّ، عن الوَضينِ بنِ عطاءٍ الشاميِّ، قال: أوحَى اللهُ إلى يُوشَعَ بنِ نُونٍ أنّي مُهْلِكٌ من قومِك مئةَ ألف؛ أربعينَ ألفًا من خيارِهم، وسِتِّينَ ألفًا من شرارِهم. قال: يا ربِّ، تُهلِكُ شرارَهُم، فما بالُ خيارِهم؟ قال: إنهم يدخُلون على الأشرارِ فيواكِلُونَهم ويشارِبونَهم، ولا يغضَبونَ بغَضَبي (١).
حدَّثنا خَلَفُ بنُ سعيد (٢)، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ خالد (٣)، قال: حدَّثنا عليُّ بنُ عبدِ العزيز، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبد الله الرَّقاشيُّ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ المبارك، عن يونسَ بنِ يزيد، عن الزُّهريِّ، عن حمزةَ بنِ عبدِ الله بنِ عُمر، عن أبيه، عن عُمر، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أصابَ اللهُ قومًا ببلاء، عَمَّ به مَن بين أظْهُرِهم، ثم يُبْعَثون على أعمالِهم" (٤).
стр. 8867
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا أبو كُريب، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عيّاش، قال: حدَّثنا مغيرة، عن الشعبيِّ، قال: سمِعتُ النُّعْمانَ بنَ بَشير قال: سمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول على هذا المنبر: "مَثلُ المُنْتهِكِ لحدودِ الله، والمُدْهِنِ فيها، والقائم بها؛ مَثلُ ثلاثةِ نَفَرٍ اصطَحَبوا في سفينة، فجعلَ أحدُهم يحفِرُها، فقال الآخر: إنما تريدُ أن تُغْرِقَنا. وقال الآخر: دَعْه فإنما يحفِرُ مكانَه" (٢).
قال أبو عُمر: دخَل هذا في معنَى قول الله : ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ الآية [الأعراف: ١٦٥]. فلم يذكرْ في النجاةِ إلا مَن نهى، وسكَت عمَّن لم يَنْهَ، وأمّا مَن رضيَ فليس فيه اختلاف، قال ﷺ في الأمراء: "ولكنْ مَن رضيَ وتابَع" (٣).
ومعلومٌ أن العقوبةَ إنما تُستوجَبُ بفعلِ ما نُهي عنه، وتركِ فعلِ ما أُمِر به، وقد لَزِم النهْيُ عن المنكَرِ كلَّ مُستطيع بقوله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
стр. 8868
ومَن مُكِّن في الأرض لم يضعُفْ عن ذلك، ومَن ضَعُف لزِمه التغييرُ بقلبِه، فإن لم يُغَيِّرْ بقلبه، فقد رضيَ وتابَع.
وقال عُمرُ بنُ عبدِ العزيز: كان يقال: إن اللهَ لا يُعذِّبُ العامةَ بذَنْبِ الخاصة، ولكن إذا صُنِع المنكرُ جِهارًا استحقُّوا العقوبة؛ ذكَره مالكٌ (١)، عن إسماعيلَ بنِ أبي حكيم، عن عُمرَ بنِ عبدِ العزيز. وهذا معناهُ إذا قدَرُوا وكانوا في عزٍّ وامتناع من الأذى.
أخبَرنا عبدُ الله بنُ محمد (٢)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جعفرِ بنِ حَمْدان، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ أحمدَ بنِ حنبل، قال: حدَّثنا أبي، قال (٣): حدَّثنا وَكيعٌ، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عُبيدِ الله بنِ جرير، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ما مِن قوم يُعمَلُ فيهم بالمعاصي هُمْ أعزُّ وأمنعُ، لا يُغيِّرون، إلّا عَمَّهم اللهُ بعقابِه".
стр. 8869
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر (١)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ إسحاق، قال: حدَّثنا سُليمانُ بنُ حَرْب، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن المُعلَّى بنِ زياد، عن الحسن، عن ضَبَّةَ بنِ مِحْصَن، عن أمِّ سَلَمة.
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا حَمّادُ بنُ زيد، عن المُعلَّى بنِ زيادٍ وهشام بنِ حَسّان، عن الحَسَن، عن ضَبّةَ بنِ مِحْصَن، عن أمِّ سَلَمة.
وحدَّثنا سعيدُ بنُ نصر، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا عبدُ الله بنُ رَوح المدائنيُّ، قال: حدَّثنا يزيدُ بنُ هارون.
وحدَّثنا عبدُ الوارث، قال: حدَّثنا قاسمٌ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حَمّاد، قال: حدَّثنا مُسدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى، قالا: أخبَرنا هشامُ بنُ حَسّان، عن الحَسَن، عن ضَبّةَ بنِ مِحْصَن، عن أمِّ سَلَمة -واللفظُ لحديثِ سُليمانَ بنِ حَرْب- قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "يكونُ عليكم أئمةٌ تَعْرِفون عنهم وتُنكِرون، فمَن أنكَر فقد برِئ، ومَن كرِه فقد سَلِمَ، ولكن مَن رَضِيَ وتابَعَ، فأبعَده الله". قيل: يا رسولَ الله، أفلا نقتُلُهم؟ قال: "لا، ما صلَّوا" (٢).
стр. 8870
وحدَّثنا عبدُ الوارث بنُ سُفيان، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ (١) بنُ زهير، قال (٢): حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ الحِمّانيُّ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عياش، عن مغيرةَ بنِ زياد، عن عَدِيِّ بنِ عَدِيّ، عن العُرْس، قال: قال رسولُ الله ﷺ : "سيَلِيكم ولاةٌ يعمَلون أعمالًا تُنكِرونها، فمَن أنكَر سَلِمَ، ومَن غابَ عنها فرَضِيَها كان كمَن شهِدَها".
وذكَره بقيُّ بنُ مَخْلَد، قال: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ الحميدِ وعُبيدُ بنُ يعيش، قالا: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ عياش، عن المُغيرةِ بنِ زياد، عن عديِّ بنِ عَديٍّ، عن رجل من أصحابِ النبيِّ ﷺ يقال له: العُرْسُ. قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا عُمِل بالمعصية، فمَن شهِدها وكرِهها كان كمَن غابَ عنها، ومَن غابَ عنها ورضِيها كان كمَن شهِدها" (٣).
стр. 8871
ورُوِيَ من حديثِ أبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ مثلُه (١).
وروَى أبو جُحَيفة، عن عليٍّ أنه قال: أولُ ما تُغْلَبون عليه من دينِكم الجهادُ بأيديكم، ثم الجهادُ بألسِنَتكُم، ثم الجهادُ بقلوبِكُم، فمَن لم يعرِفْ قلبُه المعروفَ، ويُنكِرْ قلبُه المنكرَ، نُكِس فجُعِل أعلاه أسفلَه (٢).
وقال عبدُ الله بنُ مسعود: بحَسْبِ المؤمنِ إذا رأى منكرًا لا يستطيعُ تغييرَه أن يعلَمَ اللهُ من قلبِه أنه له كارِهٌ.
حدَّثناه أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جعفر، قال: حدَّثنا شُعبة، عن عبدِ الملكِ بن عُمير، قال: سمِعتُ ربيعَ بنَ عُمَيلة، قال: سمِعتُ عبدَ الله بنَ مسعودٍ يقول، فذكَره (٣).
стр. 8872
وحدَّثنا أحمدُ بنُ محمد (١)، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا ابنُ المثنّى، قال: حدَّثنا عبد الرّحمن، قال: حدَّثنا شُعبةُ، عن الأعمش، عن سُليمانَ بنِ مَيْسرة، عن طارقِ بنِ شهاب، قال: قال عبدُ الله بنُ مسعود: إنكم في زمانٍ الناطقُ فيه خيرٌ من الصامت، والقائمُ فيه خيرٌ من القاعد، وسيأتي عليكم زمانٌ الصامتُ فيه خيرٌ من الناطق، والقاعدُ فيه خيرٌ من القائم. فقال له رجلٌ يَرَونه طارقًا: كيف يكونُ أمرٌ مَن عمِل به اليومَ كان هُدًى، ومَن عمِل به بعدَ اليوم كان ضلالةً؟ فقال: اعتبِروا (٢) ذلك برجُلَينِ مرَّا بقوم (٣) يعمَلون بالمعاصي؛ فصمَت أحدُهما فسلِمَ، وقال الآخَرُ: إنكم تفعَلون وتفعَلون. فأخَذوه وذهَبوا (٤) به إلى سُلطانِهم، فلمْ يزالُوا به حتّى عمِلَ مثلَ عملِهم (٥).
حدَّثنا أحمدُ بنُ محمد، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضل، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ جرير، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ حُميد، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن الأعْمَش، عن سُليمانَ بنَ مَيْسرة، عن طارقِ بنِ شهابٍ الأحْمَسيِّ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ قال: إنكم في زمانٍ الناطقُ فيه خيرٌ من الصامت. وذكَره مثلَه سواءً بمعناه (٦).