← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 237

عذابات العلم

خلدون ربابعة

Полный текст (139 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عذابات العلم خلدون عبد القادر حسين ربابعة الطبعة: الأولى، ٢٠٢١ م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

стр. 2

المملكة الأردنية الهاشمية رقم الإيداع لدى دائرة المكتبة الوطنية: (٤٠٦٨/ ١٠/ ٢٠٢٠)

стр. 3

الإهداء كم تمنيت أن أعيش بين الخوارزميات والمعادلات والأكواد، كم تمنيت أن تحيطني أحياء وكائنات وصور للجينات والكروموسومات ... تمنيت كثيرا، واجتهدت قليلا، وسرعان ما تبددت الآمال وصارت أحلاما جميلة تعيش معي ولا تفارقني. واليوم أخذت على نفسي عهدا أن أُمهِّد الطريق للعلم وأهله، وبدأت بتعريف الناس عذابات العلم وأخبار أهله المعذبين، بهدف تحقيق الرعاية والعناية. فإلى العلم والعلماء أُهدي هذا الكتاب.

стр. 4

ما حصل قبل الكتابة بحثت عن قلم لأسجل فكرة لاحت في الأفق، خشيت أن تتلاشى فأنسى وأنشغل بغيرها، تناولت القلم الأول فكان قلماً يكتب الحبر الأسود، تركته ورغبت الكتابة بقلم آخر يكتب اللون الأزرق، بحثت لم أجد قلماً أزرق في البيت، قلم ثانٍ وثالث كلها أقلام تكتب اللون الأسود ... ثم كتبت بقلم الحبر الأسود عن العلم والعلماء (عذابات العلم) وبالله التوفيق

стр. 5

المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين. أما بعد: فقد بدأَت الفكرة حين زارني في المشفى نخبة من أعز الأصدقاء كان منهم الأخ الفاضل (محمد مهدي قشلان) أبو الهدى، وكان ذلك حين ابتليت بمرض السرطان سنة (٢٠١٨ م)، نظر إليَّ الأخ العزيز أبو الهدى وقال: "ما رأيت أحدا من أهل العلم إلا وهو في شدة وبلاء". ثم تابعت مسيري في الحياة، وتحسنت ولله الحمد الأمور الصحية، وزال المرض، وبقيت آثاره وتوابعه. وما زالت كلمات الشيخ تجول في خاطري، وبعد قُرابة عام سألني أحد الأصدقاء سؤالاً حول موضوع مأساةٍ يعاني أثرها منذ زمن: شاب تجاوز الثلاثين من عمره ... يحمل شهادة الهندسة الصناعية .... يحفظ القران الكريم كاملاً عن ظهر قلب ... يعمل بجد ونشاط .... يحقق في عمله أفضل النتائج ...

стр. 6

مشغوف بجرد الكتب وخصوصاً المطولات منها ... يواظب على دروس العلم ومجالس العلماء صاحب هوايات متعددة ... وفي مجالات مختلفة ... له العديد من النشاطات التطوعية ... هو في نظر الناس إنسان مثالي بمعنى الكلمة، لكنه يعاني من القلة وشدة حاجته وفقره ... جاء يسأل: هل يقدم على مشروع الزواج؟ وكيف سيعيش؟! فربما يظلم زوجته بقلة نفقاته، هذا إذا علمت أن عمله غير ثابت وغير مستقر فربما يفصل عن عمله في أي وقت ... يسألني الشاب بحرقةٍ وألم ... أجبت إجابة تعجب فيها واستغراب أيما استغراب. قلت للشاب: إنها: (عذابات العلم) وهو كتاب يسلط الضوء على فئة من المجتمع خدمت العالم بأسره، في حين تجد هذه الفئة صعوبة وتعباً وحاجه في الحياة وقسوة حتى في أساسيات العيش.

стр. 7

فهم يَجهدون ويَسهرون ويَتعبون؛ منهم المُفكِّر ومنهم المُصلح ومنهم الصَّانع ومنهم العامل ... ، كل يعمل حسب تخصُّصه، ومن حيث يشعر أنه يخدم البشرية. وتكاد هذه الفئة تُنسى ولا يُلتفت إليها إلا قليلا، ولا يُقدم لها إلا اليسير مما تستحق، وقد جاء هذا الكتاب ليسلط الضَّوء على صورٍ من معاناة بعض العلماء، ثم يضع الكتاب آمالاً وتطلعات بين يدي القارئ الكريم حتى تتخلص مجتمعاتنا من عذابات العلم، أو تكون المجتمعات بأسرها عونا لأهل العلم لمواجهة التحديات.

стр. 8

الأهداف العامة للكتاب يهدف هذا الكتاب إلى مجموعة من القيم والأخلاق والمبادئ تظهر من خلال الفئة المُستَقْبِلَةِ، وعلى النحو الآتي: الهدف العام والرئيسي للكتاب أن يعرف الناس قيمة العلماء وما يعانون من آلام وأحزان، فيقدموا للعالِم الرعاية والتسهيلات، والاحترام والتقدير، فيتفرغ العالِم للعلم ولا يلتفت إلى غيره من مشاغل الدنيا. وهذا المقصد الشريف لا يتحقق بجهدٍ فردي ولا يكون تاماً إذا لم يكن ثمة اهتمام أسريٍّ ومجتمعي وسياسي ودولي، وحتى لا تبقى حركة العلم والمعرفة والاختراع والابتكار نشاطات فردية في مجتمعاتنا جاء هذا الكتاب. ونحن جميعا مسؤولون عن تحقيق الأمن والكفاية لأهل العلم وفي مختلف صنوف العلم والمعرفة. العلم يخدم العالَم بأسره؛ لذلك يتوجب علينا أن نقف جنباً إلى جنب ويداً بيد لتحقيق آفاق المعرفة، وسُبُلِ الكفاية والراحة لأهل العلم.

стр. 9

فئة العلماء إذا كنت من أهل العلم وفي أي مجال من مجالاته وفنونه فأحرص على الاستفادة من الكتاب على النحو الآتي: ١. احرص أخي العالِم على تعريف الناس بجهودك وآلامك وأحزانك، أنشر ذلك في مجتمعك؛ حيث إن كثيرا من الناس يظن أنك مرتاح البال صافي الذهن، خال من الآلام والأحزان. ٢. احرص أخي العالِم على استغلال طاقاتك وجهودك وأوقاتك بالعلم النافع والمفيد، وإياك أن تُضيِّع أوقاتك وتهدر جهودك في أشياء لا طائل منها. ٣. احرص أخي العالِم على توفير الكفاية المالية لجهودك إما من خلال حسن التصرف والتدبير، أو من خلال تولي مشاريعك من قبل الدولة أو أصحاب الأموال الراغبين في فعل الخير أو حتى الطامعين الباحثين عن المال، ولكن دون إلحاق الضرر بالآخرين. ٤. أَخي العالِم الفاضل احرص على استخدام علمك فيما ينفع، وإياك إياك أن يكون علمك وسيلة للهدم أو القتل أو غير ذلك من صنوف المصائب التي تجر الدمار للعالم.

стр. 10

وغير ذلك الكثير من الفوائد المنثورة في طيات الكتاب. فئة الشباب واليافعين إذا كنت من فئة الشباب واطلعت على هذا الكتاب فأعلم أن الكتاب يخاطبك ويوجهك ويرشدك إلى عدة أمور: ١. احرص على أن تكون عالماً في فنٍ من الفنون، اجتهد ... فكر ... ابحث عن شخصيتك العلمية. ٢. فترة الشباب فترةٌ مليئة بالجد والنشاط ابتعد عن الفراغ وابدأ العمل والإنتاج. ٣. كن عالماً بما تعمل، إذا كنت قد انخرطت في عملٍ من الأعمال فعليك ان تجدَّ وتجتهد في العمل وأن تعرف كل صغيرة وكبيرة في عملك حتى تكون عالماً بما تعمل. فئة المربين بعد اكتسابك أخي المربي خبرات عظيمة في الحياة احرص على تعريف الناس فضل أهل العلم، وأهمية جهودهم. لابد أنك شاهدت أو خالطت عالماً من العلماء، أو قرأت قصة من قصص أهل العلم، فحاول أن تُعرِّف

стр. 11

الناس فضائل أهل العلم وتقديرهم واحترامهم، فأنت المربي صاحب الخبرات.

стр. 12

أهل العلم في مخيلة الناس بعد بيان الأهداف لا بد من مقدمات هامة أولها: يُكثر خطباؤنا من ذكر أهل العلم والثناء عليهم والحديث عن فضائلهم وتقديرهم وتوقيرهم ... فشاع بين الناس أن أهل العلم هم فقط أهل الدين. وهذه النظرة نظرة قاصرة لأهل العلم والصحيح أن كل من تعلم وبرع في علمه ونبغ في فنِّه صار عالماً؛ فهناك عالم اجتماع، وعالم رياضيات وعالم أحياء، وعالم كيمياء، وعالم لغة ... ، وهكذا وفي كل فن وفي كل علم من العلوم، ولا يشترط أن يُقدم العالِم اختراعا أو اكتشافا حتى يُلقَّب بالعالم، بل يكفيه معرفته ودرايته بعلمه الذي تخصص فيه ووصل فيه إلى أعلى المستويات. وما يسلط عليه الكاتب الضوء هو جميع العلوم والمعارف ولا يقتصر فقط على علماء الدين.

стр. 13

الأمثلة بين الواقع والتراث بالرغم من وجود أمثلة في واقعنا المعاصر لعلماء معذبين إلا أنك تجد الكثير من الكتاب والخطباء والوعاظ يُعرض عنهم، ويتوجهون إلى ذِكر حالات مأساوية لعلماء من عبق التراث، وهذا الأمر حسن ولكن فيه تهميشُ واقعٍ وردٌّ إلى التراث مع وجود صور مشاهدة فيها أجمل الفوائد، وترشد إلى أهدى السبل، ولا يعني هذا التقليل من أمر التراث؛ فالتراث يُحترم ويُقدَّر -كما سيأتي الحديث عنه لاحقا في القسم الثاني من الكتاب-، لكن الكاتب استدرك هذا الأمر وذَكر أمثلة من الواقع الذي شاهده وعاينه، إلا ما دعت إليه الحاجة من الحديث عن مأساة العلماء من التراث العالمي.

стр. 14

اعتذار وقبل القراءة أقدم اعتذارا هامّاً: لا أرغب في صريح الاعتذار؛ لكن ثمة أمرٍ لا بد أن اعتذر بسببه، حيث قمت في طيات هذا الكتاب بالإشارة إلى قصص من مشاهداتي ومحيطي العلمي والاجتماعي ولم أسجل جميع ما شاهدت ولكن أشرت إلى بعض القصص التي كان لها وقع وأثر في طريق أهل العلم وشكلت العقبات أو إضاءات في سبيلهم وبعض هذه المشاهدات مما عُرفَ أهلها وأدرك بعض الأصدقاء أنه هو المقصود، لكن صدقاً ما أردت التعريض ولكن اجتهدت في تصوير الوقائع. ومع أن بعض العبارات المذكورة في الكتاب مدحٌ إلا أني لم أصرِّح بذكر أسماء أصحابها، وذلك لأسباب أتحفظ على ذِكرها. وقد أشرت إلى اسمين فقط من المعاصرين في هذا الكتاب، وهما: الأول: الطيب الإنساني صاحب الخلق والأدب، الذي كان يشعر مع الفقراء الطبيب (رضوان السعد) ﵀،

стр. 15

وذكرته باسمه تقديراً له وتخليداً للجهد الطيب المبارك الذي قام به في مسيرته العلمية والعملية. الثاني: أشرت في حديثي عن العطاء والبذل وعدم أخذ الأجر لصديقٍ شابٍ قدم إسهامات كثيرة في المجالات الطبية وفي علاج مرضى التوحد صديقي الغالي (فاخر الدين عوده). وأرجو الله التوفيق والسداد.

стр. 16

العذابات

стр. 17

أولا: العذابات مدخل للحديث عن معاناة العلماء لا شك أن عذابات العلماء من أكثر الأمور التي تشغلهم عن العلم؛ فهناك صعوبات وعقبات تقف في طريقهم، تعيق هذه العقبات سبيل البحث وطريقه وتعرقل عملية النجاح في كثير من الحالات وليس الفقر وحده هو العائق الوحيد وليست الحاجة إلى أدوات البحث هي العقبة الوحيدة ... مع أن الحاجة والفقر تعد من أهم العراقيل التي تثبط الباحث عن بحثه. عندما يقوم عالم بإجراء تجربه مرة تلو المرة وتأخذ هذه التجربة من وقته الكثير ومن جهده وطاقته، وتستنفد قواه ومداركه. ألا تعتبر هذه معاناة؟! وعندما يمتنع العالم عن مجالسة أهله ويعتزل أبناءه وزوجته. ألا تعتبر هذه معاناة؟!

стр. 18

عندما يعتزل العالم الناس ولا يجالس الأصحاب والأصدقاء. ألا تعتبر هذه معاناة؟! عندما يقف العالم لإقناع الناس باختراعه وابتكاره. ألا تعتبر هذه معاناة؟! الكُتَّاب، والمؤلفون، الباحثون، الدارسون، المستكشفون المخترعون، المصلحون، والمرشدون ... ، هؤلاء وأمثالهم يعانون أشد المعاناة وكل له معاناته التي تؤرقه وتطرح العوائق والأشواك في طريقه. والحاصل أن هناك عقبات كثيره تقف في طريق العلم والعلماء بعضها ظاهر وبعضها غير ظاهر، وفي هذا القسم من الكتاب تسليط الضوء على مجموعة من العذابات، وبالله التوفيق.

стр. 19

كلام نفيس لابن خلدون يقول ابن خلدون: "الفصل السابع: في أن القائمين بأمور الدين من القضاء والفتيا والتدريس والإمامة والخطابة والأذان ونحو ذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب والسّبب لذلك أنّ الكسب كما قدّمناه قيمة الأعمال وأنّها متفاوتة بحسب الحاجة إليها. فإذا كانت الأعمال ضروريّة في العمران عامّة البلوى به كانت قيمتها أعظم وكانت الحاجة إليها أشدّ. وأهل هذه الصّنائع الدّينيّة لا تضطرّ إليهم عامّة الخلق وإنّما يحتاج إلى ما عندهم الخواصّ ممّن أقبل على دينه. وإن احتيج إلى الفتيا والقضاء في الخصومات فليس على وجه الاضطرار والعموم فيقع الاستغناء عن هؤلاء في الأكثر. وإنّما يهتمّ بإقامة مراسمهم صاحب الدّولة بما ناله من النّظر في المصالح فيقسم لهم حظّا من الرّزق على نسبة الحاجة إليهم على النّحو الّذي قرّرناه. لا يساويهم بأهل الشّوكة ولا بأهل الصّنائع من حيث الدّين والمراسم الشّرعيّة لكنّه يقسم بحسب عموم الحاجة وضرورة أهل العمران فلا يصحّ في قسمهم إلّا القليل. وهم أيضا لشرف بضائعهم أعزّة على الخلق وعند نفوسهم فلا

стр. 20

يخضعون لأهل الجاه حتّى ينالوا منه حظّا يستدرّون به الرّزق بل ولا تفرغ أوقاتهم لذلك لما هم فيه من الشّغل بهذه البضائع الشّريفة المشتملة على إعمال الفكر والبدن. بل ولا يسعهم ابتذال أنفسهم لأهل الدّنيا لشرف بضائعهم فهم بمعزل عن ذلك، فلذلك لا تعظم ثروتهم في الغالب. ولقد باحثت بعض الفضلاء فأنكر ذلك عليّ فوقع بيدي أوراق مخرّقة من حسابات الدّواوين بدار المأمون تشتمل على كثير من الدّخل والخرج وكان فيما طالعت فيه أرزاق القضاة والأئمّة والمؤذّنين فوقفته عليه وعلم منه صحّة ما قلته ورجع إليه وقضينا العجب من أسرار الله في خلقه وحكمته في عوالمه والله الخالق القادر لا ربّ سواه" (مقدمة ابن خلدون، ١/ ٤٩٣). وكلام ابن خلدون يتضمن أسراراً عديدة ملخصها على النحو الآتي: - القائمون بأمور الدين لا تعظم ثروتهم في الغالب وهذا الأمر كان في عصر ابن خلدون وقبله وبعده. - الأعمال الضرورية في العمران قيمتها أعظم وحاجة الناس إليها أشد، وكذلك تحسيناتها أكثر، ونتائجها أعلى.

стр. 21

- أهل الصنائع الدينية لا يضطر إليهم إلا في الفتاوى وحلِّ بعض النزاعات والتوجيه والإرشاد. - يقع الاستغناء عن أهل الدين في الأكثر لأنهم لا يحتاج إليهم إلى في أوقات ومواقف محددة كما تقدم. - توزع المرتبات من قبل أصحاب القرار في الدولة بحسب الحاجة إليهم، وأهل الدين ليسوا كغيرهم. - عند المقارنة بين أصحاب الصنائع الهامّة وأهل الدين لا يتم مساواة حقيقيه كما يستحقون. - أصحاب الدين وأهله يتمتعون أمام الخلق وأمام أنفسهم، ولا يخضعون لأهل الجاه. - أهل الدين لا تتفرغ أوقاتهم لتقرب من أصحاب الجاه والسلطان ليأخذوا منهم المال. - شرف البضاعة منع العلماء من التبذل لأصحاب الأموال. - اعتزال أهل الدين ملذات الدنيا. - لأجل هذه الأسباب المتقدمة كما يقول ابن خلدون لا تعظم ثروتهم. - يعطي مثالاً تطبيقيا من واقع حياته، وهذا ما جرى عليه ابن خلدون في كتابه، والمئال من خلال النظر في

стр. 22

نفقات أهل الدين ومجرياتهم من الخزينة ليبرهن أن نفقاتهم أقل النفقات. وفي كلام ابن خلدون دقه وعنايه فائقة منه بشؤون فئة شريفة من المجتمع يسلط الضوء على نفقاتهم ومجرياتهم. وقبل هذا يقول ابن خلدون: ((وعلى قدر عمله وشرفه بين الأعمال وحاجة الناس إليه يكون قدر قيمته)) وهذه القاعدة التي بنى عليها ابن خلدون نظريته في كسب أهل الدين مقبول في المجتمعات ومطبق على أرض الواقع، أما بخصوص القُضاة الذين شملهم ابن خلدون بكلامه فعندما احتاج الناس إلى القضاء وإنفاذ السلطة القانونية والتنفيذية ازدادت حاجتهم لأهل القضاء، وازدادت العناية بأمور القضاة.

стр. 23

الكفاية المالية أرسل لي أحد الزملاء من ماليزيا بحثاً محكماً للمناقشة وإبداء الرأي، وعندما اطلعت على البحث وجدته بحثاً كتب بعناية فائقة واستهلك الجهود الكثيرة حتى برز بهذه الصورة. وعندما كنت أقرأ في البحث تذكرت قصة حدت مع الصديق الماليزي في عمان سنة (٢٠١٥ م) حيث كان صديقي لا يزال طالبا بالجامعة الأردنية وكان يأتي مع صديقين من أصدقائه يقرأون القرآن الكريم وكنت أتشرف بالجلوس معهم في بيتي. بعد إكمال الدرس بدأ الزملاء يتحدثون مع بعضهم بلغتهم وكنت استمع ولا أفهم ما يريدون، فسألتهم ولم يجب منهم أحد. نظروا والحيرة تبدو أثارها على سلوكهم أقسمت بالله عليهم أن يخبروني .... فقال أحدهم نحن نريد العود إلى البيت وليس معنا إلا نصف دينار، وأجره الطريق من بيتك إلى منطقة (صويلح) خمسة وسبعون قرشاً لنا الثلاثة. أنا أريد أن أسير من هنا إلى صويلح وهما سيركبان. فقال الأصدقاء لا لا لا لا ...

стр. 24

أنا أمشي أنا أمشي، ثم، وبدأت أصواتهم ترتفع حتى قلت: كفى لن يسير منكم أحد. وكان بعض أهل المسجد قد كلفني بتوزيع الصدقات فدخلت إلى بيت وأحضرت لهم أجرة الطريق وزيادة وقد كانت المسافة بين بيتي ومنطقة (صويلح في عمان) تزيد عن سبعة كيلو مترات. مثل هذه الصورة تتكرر كثيراً مع طلاب العلم. ولكن هل يسمع قرقرة بطونهم أحد!!! وهل تكرمهم الطرقات بنثر الخيرات على جنباتها إذا ساروا وإذا مشوا!!! صديق آخر من غانا كان يدرس اللغة العربية كان يحدثني عن صعوبة العلم والتعلم في بلادهم وفي قراهم النائية فالمدارس تحت الأشجار والكتابة في الألواح الخشبية وصعوبة وجود معلم وغير ذلك الكثير. وما زلت احتفظ ضمن مقتنيا النفيسة بعلبة حبر أحضرها لي صديق آخر من غانا من بلادهم، وحكى لي قصه صناعه الحبر في بلادهم وعندما أمسكت ريشة الكتابة وجدت الحبر ثقيلاً نوعاً ما.

стр. 25

فقال: نسيت أن أقول لك أنه يوضع مع الحبر بعض السكر حتى يلتصق بالورق، وهذه القصة سنة (٢٠١٦ م) وليست قبل مئة سنة من الآن. ففي كل زمان ومكان تجد الصعوبات المالية تُحيط العالم وطالب العلم وكأن العلم يحب الفقر ولا ينفك عنه ولا يترك أهله. وأستذكر مقولة فضيلة الدكتور عبد الملك السعدي حين كان يتحدث عن الصفات اللازمة وغير اللازمة فقال: الطول أو القصر من الصفات اللازمة ... ، أما الفقر والغنى فهما صفتان عارضتان ... ، أما أهل العلم فالفقر لازم لا يُفارقهم. ومع إقرار هذ الحقيقة إلا أن بعض طلاب العلم يضعف ولا يصبر، وقد رأينا من الطلاب من انتكس وتغيرت حاله بعد معاناته الشديدة مع طلب العلم وعدم تحقيق الكفاية المالية فبعضهم يفصل من الجامعة والبعض يتنحى عن طريق العلم ويتجه إلى العمل ويترك العلم. وليست مسألة ترك العلم والتوجه إلى العمل مسألة قلب الحروف فقط بل هي مسألة فكريه تترك في القلب حسرة وألماً لا يعلمه إلا الله.

стр. 26

تعرفت على شاب منذ حوالي عشرين سنه كان يعمل في مكتبة من مكتبات عمان وهذا الشاب ما ترك كتاباً في المكتبة إلا واطلع عليه وعرف تاريخه وطبعاته وتاريخ مؤلفه .... ، أحاط بالكتب وعشقها عشقاً لا يوصف كنت أجلس معه في المكتبة ساعات طوال لا نمل الحديث عن الكتب. ولم يحالفه الحظ في الدراسة، لكنه أبدع وكوَّن ثقافة واسعة حول الكتب. لكن كما قلنا سابقاً: (العلم قرين الفقر والحاجة) قلَّ بيع الكتب وتناقضت أعداد القُرَّاء، قلَّ البيع وأصبح الأجر المتحصل من البيع زهيدا، وما كان منه إلا أن ترك العمل وهجر الكتب وانتقل إلى عمل آخر، وقبل أيام من كتابه هذه الكلمات اتصلت مع صديقي وكان من حديثه: آه .... أنا أحب الكتب فلا حول ولا قوة إلا بالله الحديث ذو شجون، والكلام عن الكفاية المالية للعالم لا تسعه الأوراق ولا تحده طيات الكتب وأجلادها لكن تبقى المأساة قائمة ... وكم من عالم تسمُن أوراقه ولا يتسع

стр. 27

ببيته لأفكاره، واختراعاته وابتكاراته ولكن لا يشبع الخبز مع عياله. لا يسمح لي القلم بالتعبير أكثر وأكثر، ولا تقبل الأوراق إقبالي على هتك ستور العلماء والفضلاء وقد سمعت الكثير وشاهدت الكثير من الحوادث من معاناة أهل العلم والفضل، واستحي كتابه الكثير من آلامهم ومعاناتهم مع المرض ومعاناتهم مع الفقر قصص كثيره أختم بواحدة منها تتجلى فيها الألطاف والعناية الربانية. بعد الأحداث السورية والفتنة الكبيرة التي شهدناها منذ أعوام هاجر الملايين من سوريا إلى بلاد الجوار وكان حظ المملكة الأردنية الهاشمية ما يزيد على المليون لاجئ، وكل لاجئ منهم له تاريخه الذي يحكيه بألم ومرارة -نسأل الله العون واللطف- ومن بين هؤلاء المهاجرين عالم جليل القدر عالي المقام خطيب من الخُطباء ومُدرِّسٌ وكاتبٌ ومؤلفٌ ومصلحٌ. يدخل الأردن فيصاب بمرض ويحتاج إلى عمليه جراحية، والعملية الجراحية تحتاج المال وتكلف ما يقارب ألف دينار أردني. وأين هي الألف دينار؟!

стр. 28

وهل يملك مهاجر فارٌّ من الحرب إلا ثوبه وبعض حاجياته الهامَّة وحاجيات أهله الضرورية!! تضيق الدنيا على الشيخ الجليل يدخل المشفى يُطلب منه المال فيجيب بألم: لا يوجد معي شيء. ويُجاب بلطف وعنف: عذراً. ويدخل مشفى أخر ونفس الإجابة. فتضيق الدنيا بأسرها عليه. لكن؛ وإذا العناية لاحظتك عيونها ... نم فالحوادث كلهن أمان وبينما عالِمُنا الجليل يقاسي المرض ويعاني الألم أخبره أحد الفضلاء أن طيباً في إحدى العيادات يُقدِّم مساعدات كثيرة للمرضى. فيُسرع إليه ويتقدم الشيخ المريض بكل خجل وقبل معاينة حالته يقرأ الطبيب اسم المريض فينظر إليه ويبتسم ثم ينظر في الورقة مرةً أخرى وينظر للشيخ المريض .... ثم ينطق الطبيب بعد توالي بسمات كثيرات كيف حال والدك؟!

стр. 29

أنا الطبيب فلان .... أحد تلاميذ والدك في المسجد علمنا والدك وربانا وتعب في تزكية نفوسنا وتهذيبها .... وأخذ الطبيب يتحدث عن فضائل الوالد والشيخ ذهبت آلام نفسه وبقيت آلام جسده .... ويُجري له الطبيب العملية بالمجان إكراماً لله وحفظاً لحق الوالد المربي. وأثناء المراجعة النهائية لمخطوط الكتاب وجدت فسحة في الورق فأضفت قصة صديق من أذكى الناس عرفته منذ ما يقرب من عشرين عاما، زارني في البيت وعرضت عليه مخطوط هذا الكتاب فقرأ كثيرا منه وأخذ يُحدثني عن بعض عذاباته، وذكر لي حالته وقت دخول الجامعة، وأنه خرج من قرية من قرى محافظة إربد شمالي الأردن خرج منها إلى العاصمة عمان، وبدأ دراسته الجامعية وكان متميزا بين أقرانه، لك ثيابه كانت قديمة وبالية. يرقب حركاته أستاذ فاضل في الجامعة، ثم يصطحبه ويهديه مالا لشراء ثياب جديدة. ثم يمرض الطالب النجيب فيأخذه الأستاذ الفاضل إلى مشفى من أعرق المشافي ويعالجه فيه، ويتم إدخال الطالب مدة أسبوع في المشفى، ويدفع الأستاذ الفاضل جميع التكاليف المالية للمشفى.

стр. 30

حياة ملؤها الألم لكن العناية والرِّعاية الرَّبانية تحيطها من كل جانب.

стр. 31

الصراع بين الفكر والفقر يكابد الإنسان مشاق الحياة منذ عاش على وجه الأرض ولا تزال الأحافير والقبور والحضارات المحطمة شاهدة على أن الأنسان عاش على وجه الأرض شقياً منهكاً متعباً. وهذه المكابدة ساهمت مساهمة كبيرة في نشوء الحضارات ورقيها وارتقائها، فالناتج الإنساني اليوم سليل الحضارات السابقة، تطوراتنا وتقدمنا في شتى صنوف الحياة ما هو إلا تطورات للأفكار وتسلسل الإعمار. يخلص إنسان إلى فكرة ما، يعيش وتعيش الفكرة معه طيلة حياته، وهذه الفكرة تتطور وتنمو ولكن ليس في نفس الميدان، وربما في بيئة أو زمان أو وقت آخر. وليس لنا أن نسأل عن سبب هذه التطور لأن عقول البشر مستودعات خفيات أودع الله فيها من الأسرار والخفايا ما لا يستطيع بشر إدراكه أو فهمه، وليس لنا إلا التسليم أن العقل معجزه أودعت في أجساد البشر تحفزهم وتحثهم على فعل ما تحتاجه البيئة والمجتمعات، ثم نسلم أن العقل البشري نتاجه يصب في وعاء واحد.

стр. 32

ومعنى أن نتاج العقل يصب في وعاء واحد أن كل البشر يخدمون بعضهم البعض، فأنا في جوف الليل أكتب، ومخترع الكهرباء يخدمني وصانع الورق يقدم لي خدماته، وصانع الأقلام يجود بأفضاله وهكذا ... وكل هذا النتاج الصناعي والتطور الذي تشهده اليوم هو نتاج العقل البشري العظيم. وقد تصفحت كثيرا من أوراق المخترعين والصانعين فوجدت الدافع إلى الاختراع أو الصناعة او التطوير يتعدد من عصر لعصر ومن مكان لآخر، وعندما تقرأ في الصناعات والاختراعات والكاتبين عنها نجد الدوافع ظاهرة من كل صنع أو اختراع. وهناك دافع لا يؤبه له ولا ينظر إليه وهو الفقر. والسؤال المحير كيف يكون الفقر نوعاً من أنواع الدوافع إلى العمل وهو ضرب من ضروب الفشل وداعي من دواعي الانكماش الحضاري؟!؟! لابد لنا قبل الإجابة من النظر إلى كثير من الاختراعات والاكتشافات فقد باتت اليوم أكثرها بارزة للعيان؛ أقصد أن كيفية نشأتها وطرق تصنيفها وكيفية عملها تظهر غالبا للجميع، ولم تعد حكراً على أحد.

стр. 33

إن الناظر البصير يدرك أن الظروف، وشخص المبدع لهما أكبر نصيب في الإنجاز. ومن قرأ عن أحوال المخترعين أو المبدعين عرف أن أكثر هؤلاء المبدعين من الأشقياء الذين لم تأبه لهم الحياة بنصيب وافر من لذة العيش، لسنا في مقام الحصر ولكن إلحاح يحفز القارئ البحث صدق هذه الفكرة. قبل أيام شاهدت رجلاً يصنع موقداً صغيراً يعمل على مادة الكحول المواد سهلة وبسيطة (قطن، وعاء زجاجي، أنبوب معدني، كحول) الطريقة سهله يستطيع أي طفل أن يصنع مثل هذا الموقد لكن ما هي الظروف المحيطة بهذا المنتج البسيط؟؟ المخترع: شاب يحمل الجنسية العربية السورية. ظروف المخترع، حصار وتشريد وقتل ولجوء وحرب تمتد إلى سنوات ....... في مثل هذه الظروف وفي مثل هذه الأوقات تظهر وتبرز للعيان قدرة الإنسان وإمكانات عقله فليس له مجال إلا أن يفكر في ضروريات نفسه وأهله ومحيطه. قسوة الحياة تعني الشيء الكثير لبعض الناس، والهم والغم يصنع منه أحلى الأيام وأجمل اللحظات.

стр. 34

مرض العلماء زرت شيخاً فاضلاً من أهل اللغة والأدب متخصص في تدريس اللغة العربية بنحوها وصرفها وآدابها وعلومها، يُدرس الشيخ ألفية ابن مالك في النحو في بيته يحضر الطلاب إليه فيقوم بتدريسيهم بالمجَّان، كما يُدرِّس الشيخ الفاضل علوم القراءات القرآنية لطالبين أو ثلاثة. ولما زُرت الشيخ الفاضل تفاجأت بسوء حاله وقلَّة حيلته أمام الفقر والمرض، فهو لا يكاد يَقوى على الكلام لشده السُّعال وبالكاد يتلفظ أنفاسه لشعوره بالتعب والإرهاق جرَّاء ضعفٍ في عضلة القلب، ومع هذا يُدرِّس ويُعلم ويكتب ويؤلف. ومما زاد آلام الشيخ أن البيت الذي قام باستئجاره على الدور الرابع والشيخ إن أخطأ ونزل أو نزل لحاجة ماسَّه يحتاج وقتاً طويلاً للصعود ودخول البيت. يضع الشيخ مدفأة بجانبه وحتى تفي المدفئة بالغرض لأنها صغيرةٌ جداً ولا تقوم بتدفئة جميع الغرفة قام الشيخ بوضع ستائر، حتى صار المحيط من حوله مترين في مترين تقريباً، وبذلك تستطيع المدفئة أن تدفئ ما بين الستائر المرقعة.

стр. 35

ثم إن الشيخ في وقت التأليف لا يستخدم المدفأة بل ينام على سريره ويخرج يده فقط من تحت الأغطية لتمسك بفأرة جهاز الحاسب، ويبدأ عمله بيد واحده هي التي تطبع، وهي التي تنسق ونضبط. وحاصل ما تقدم أن الشيخ أنهكه المرض وفَتك به الفقر، ولكن لم ينقطع عن التدريس والتعليم ولم يهجر التأليف والكتابة؟! كل هذه الظروف الصعبة التي تحيط بالمؤلف أو العالم لا تثنيه عن عمله الدؤوب ولا تثبطه ليجلس وحيداً دون أن يُعلم ويُربي. التقيت بعالم جليل القدر ما ترك فناً من فنون الشرع واللغة والتاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع إلا تكلم فيه وألَّف فيه، لكنه مبتلى بالمرض الشديد، وكان كلما أحس بشدة المرض وقسوته تزداد همته ويزداد إنتاجه وتآليفه، وفي كل ذلك يقول: "عندي رسالة أريد أن أوصلها، للناس قبل فوات الأوان" فكان المرض دافعه الأقوى للعلم.

стр. 36

مثل هذه الأمثلة العظيمة تُعلمنا أن زمان العلم والعلماء لم ينته بعد ولم تنقض أيامه فالعلم باق وأهله باقون صامدون. قصة أخرى في هذا الباب هي قصة صديق من أقرب الناس إلى قلبي علمت أنه عزم السفر خارج البلاد وعلمت أنه وقَّع عقدا جديدا بمرتب يفوق مرتبه فيبلده بعشرة أضعاف تقريبا، شاب يحمل شهادة الدكتوراه ينظر إلى حياة جديدة، سألته عن أخباره ومتى سيكون موعد سفره، فقال لي كلاما آلم قلبي. طُلب من الدكتور عمل بعض الفحوصات الطبية، فكانت النتائج غير متوقعة، قالت مندوبة سفارة الدولة المستقبلة، نعتذر منك دكتور فأنت مصاب بمرض التهاب الكبد الوبائي. والقصص في هذا الباب كثيرة انتقيت منها شيئا يسيرا، ولا يزال عندي منها الكثير.

стр. 37

عذابات الأهل ومعاناتهم صعوبة العيش وظروفه أجبرت والدتي الخروج من المدرسة ولم تُكمل دراستها، وكم أحبت أن تتعلم الكتابة والقراءة، لكنها ولله الحمد تتمتع بذكاء ثاقب وحافظة غريبة لم أر مثلها في حياتي ... ومما يُبرهن لي على هذا أنها في الصفوف الأولى من دراستي أنا وإخوتي كانت تقوم بتدريسنا جميعاً، فالرياضيات ماهرةً في تدريسه، واللغة العربية والكتابة وتركيب الأحرف والنسخ والإملاء والكتابة، كانت تعقد لنا الاختبارات في الإملاء وفي الحساب والجمع والطرح وتعلمنا الكثير من الدروس وتعلقنا بآمال المستقبل الزاهر. وبعد ثلاثين سنه ترى الأم الحنون ثمرات تدريسها وتعليمها الآمال والنظرات المستقبلية الزاهرة، ترى الأم ثمرات تدريسها بالشهادات الجامعة والدراسات العليا التي تحيطها من كل جانب من أبنائها ولله الحمد. تعرفت على طالب من (غانا) يدرس الماجستير في اللغة العربية في جامعه العلوم الإسلامية العالمية في عمان يحفظ كتاب الله غيباً ويحفظ ألفيه ابن مالك -والكثير من

стр. 38

الأفارقة يُتقنون حفظ الألفية ويُحبون اللغة العربية- سألته كيف تُنفق على دراستك؟ فأجاب أن له خالا يعمل، وخاله نذر كل أمواله لابن أخته حتى يتعلم ويحمل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة عربية، وخاله ليس من أصحاب الأموال حتى يتصدق، بل هو يُقَتِّرُ على نفسه، وقد تأخر عن الزواج حتى يُكمل ابن أخته الدراسة. وعندما سمعت هذه القصة أدركت مقولة شيخ فاضل من مشايخنا الأكارم: (كم من صاحب سمعة وظهور ببركة مستور). عذابات الأهل كثيرة جداً لا نستطيع حصرها ... لكن من رزق أبناءً، وجلس معهم يُعلمهم ويربيهم ويحثهم على طلب العلم والمعارف عرف ما أقول. يعاني الأهل مع طالب العلم منذ المنشأ والبداية إلى طريق العلم فمن الأهل من يوفق لرؤية أبنائه ومشاهدة ثمرات العلم. وبعد التمكين في العلم ربما يكون للعالم زوجة وأبناء فما هي حالهم وكيف يعيشون مع العالم هل يقصِّر العالم

стр. 39

في حقهم هل يستطيع الإنفاق عليهم حق النفقة أم تقصر يده عن أساسيات العيش؟ أسئلة كثيره مثل هذه يجب أن نقف عندها قليلاً لنعرف مقدار معاناة أهل العلم وأهليهم. دمعة أم ما زلت أذكرها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً؛ طالب سافر للدراسة وكلما ذُكر اسمه أو مرَّت أمُّه بخاطر ذِكره بكت، أمضت أربع سنوات كادت عيناها تبيض من الحزن. وبعد التخرج وفي حفل التخرج خصوصا بكت الأم كثيراً ... ، فسئلت عن سبب بكائها وقد تخرَّج ابنها فما استطاعت أن تجيب، فهذه حسرات أم لا يعلمها إلا من كابد مثل ألمها. عالم جليل من علمائنا الأفاضل يسكن مدينة من المدن الأردنية لا يستطيع أن يقول لزائره تفضل بيته مكون من غرفتين وليس يملكه بل هو بيت مستأجر سمح له صاحب البيت أن يستغل جزءاً من درج البناية ليضع بعض كتبه فيها، يضيق بيته بالكتب، وبجانب أغلب الكتب أوراق أو دفاتر هي مجموعة تعليقاته على الكتب،

стр. 40

أبناؤه وزوجته يشتكون كثرة الكتب والأوراق وضيق البيت. وقد شهدت عدداً من أهل العلم إذا اشترى كتاباً لا يستطيع أن يدخله إلى بيته إلا بعد أن ينام أهله، أو يتحايل ويضع الكتب عند أحد زملائه ثم يدعوه إلى البيت ويأتي ومعه الكتاب فيدعي أن الكتاب إهداء من صديقه والسبب في ذلك أنه يخشى غضب زوجه أو سخط الأم أو أحد الأهل لأن الجميع يدعي أن شراء الكتب أمر زائد عن الحاجة وهناك أشياء أهم. وفعلا ربما يبتلى الإنسان بحب الكتب فينسى أهله ونفسه. عذابات الأهل متعددة ولكن على العالم أن يُصبِّر أهله ويهبهم الكثير من وقته، ويشرح لهم فوائد العلم ومنفعته، وإن ناله خير من خيرات العلم المادية عليه أن لا ينسى أهله وأن يُفيض عليهم من الخير.
следующие страницы →