Полный текст (139 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مثل هذه الأمثلة العظيمة تُعلمنا أن زمان العلم والعلماء لم ينته بعد ولم تنقض أيامه فالعلم باق وأهله باقون صامدون.
قصة أخرى في هذا الباب هي قصة صديق من أقرب الناس إلى قلبي علمت أنه عزم السفر خارج البلاد وعلمت أنه وقَّع عقدا جديدا بمرتب يفوق مرتبه فيبلده بعشرة أضعاف تقريبا، شاب يحمل شهادة الدكتوراه ينظر إلى حياة جديدة، سألته عن أخباره ومتى سيكون موعد سفره، فقال لي كلاما آلم قلبي.
طُلب من الدكتور عمل بعض الفحوصات الطبية، فكانت النتائج غير متوقعة، قالت مندوبة سفارة الدولة المستقبلة، نعتذر منك دكتور فأنت مصاب بمرض التهاب الكبد الوبائي.
والقصص في هذا الباب كثيرة انتقيت منها شيئا يسيرا، ولا يزال عندي منها الكثير.
стр. 37
عذابات الأهل ومعاناتهم
صعوبة العيش وظروفه أجبرت والدتي الخروج من المدرسة ولم تُكمل دراستها، وكم أحبت أن تتعلم الكتابة والقراءة، لكنها ولله الحمد تتمتع بذكاء ثاقب وحافظة غريبة لم أر مثلها في حياتي ...
ومما يُبرهن لي على هذا أنها في الصفوف الأولى من دراستي أنا وإخوتي كانت تقوم بتدريسنا جميعاً، فالرياضيات ماهرةً في تدريسه، واللغة العربية والكتابة وتركيب الأحرف والنسخ والإملاء والكتابة، كانت تعقد لنا الاختبارات في الإملاء وفي الحساب والجمع والطرح وتعلمنا الكثير من الدروس وتعلقنا بآمال المستقبل الزاهر.
وبعد ثلاثين سنه ترى الأم الحنون ثمرات تدريسها وتعليمها الآمال والنظرات المستقبلية الزاهرة، ترى الأم ثمرات تدريسها بالشهادات الجامعة والدراسات العليا التي تحيطها من كل جانب من أبنائها ولله الحمد.
تعرفت على طالب من (غانا) يدرس الماجستير في اللغة العربية في جامعه العلوم الإسلامية العالمية في عمان يحفظ كتاب الله غيباً ويحفظ ألفيه ابن مالك -والكثير من
стр. 38
الأفارقة يُتقنون حفظ الألفية ويُحبون اللغة العربية- سألته كيف تُنفق على دراستك؟
فأجاب أن له خالا يعمل، وخاله نذر كل أمواله لابن أخته حتى يتعلم ويحمل شهادة الدكتوراه في اللغة العربية من جامعة عربية، وخاله ليس من أصحاب الأموال حتى يتصدق، بل هو يُقَتِّرُ على نفسه، وقد تأخر عن الزواج حتى يُكمل ابن أخته الدراسة.
وعندما سمعت هذه القصة أدركت مقولة شيخ فاضل من مشايخنا الأكارم:
(كم من صاحب سمعة وظهور ببركة مستور).
عذابات الأهل كثيرة جداً لا نستطيع حصرها ... لكن من رزق أبناءً، وجلس معهم يُعلمهم ويربيهم ويحثهم على طلب العلم والمعارف عرف ما أقول.
يعاني الأهل مع طالب العلم منذ المنشأ والبداية إلى طريق العلم فمن الأهل من يوفق لرؤية أبنائه ومشاهدة ثمرات العلم.
وبعد التمكين في العلم ربما يكون للعالم زوجة وأبناء فما هي حالهم وكيف يعيشون مع العالم هل يقصِّر العالم
стр. 39
في حقهم هل يستطيع الإنفاق عليهم حق النفقة أم تقصر يده عن أساسيات العيش؟
أسئلة كثيره مثل هذه يجب أن نقف عندها قليلاً لنعرف مقدار معاناة أهل العلم وأهليهم.
دمعة أم ما زلت أذكرها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً؛ طالب سافر للدراسة وكلما ذُكر اسمه أو مرَّت أمُّه بخاطر ذِكره بكت، أمضت أربع سنوات كادت عيناها تبيض من الحزن.
وبعد التخرج وفي حفل التخرج خصوصا بكت الأم كثيراً ... ، فسئلت عن سبب بكائها وقد تخرَّج ابنها فما استطاعت أن تجيب، فهذه حسرات أم لا يعلمها إلا من كابد مثل ألمها.
عالم جليل من علمائنا الأفاضل يسكن مدينة من المدن الأردنية لا يستطيع أن يقول لزائره تفضل بيته مكون من غرفتين وليس يملكه بل هو بيت مستأجر سمح له صاحب البيت أن يستغل جزءاً من درج البناية ليضع بعض كتبه فيها، يضيق بيته بالكتب، وبجانب أغلب الكتب أوراق أو دفاتر هي مجموعة تعليقاته على الكتب،
стр. 40
أبناؤه وزوجته يشتكون كثرة الكتب والأوراق وضيق البيت.
وقد شهدت عدداً من أهل العلم إذا اشترى كتاباً لا يستطيع أن يدخله إلى بيته إلا بعد أن ينام أهله، أو يتحايل ويضع الكتب عند أحد زملائه ثم يدعوه إلى البيت ويأتي ومعه الكتاب فيدعي أن الكتاب إهداء من صديقه والسبب في ذلك أنه يخشى غضب زوجه أو سخط الأم أو أحد الأهل لأن الجميع يدعي أن شراء الكتب أمر زائد عن الحاجة وهناك أشياء أهم.
وفعلا ربما يبتلى الإنسان بحب الكتب فينسى أهله ونفسه.
عذابات الأهل متعددة ولكن على العالم أن يُصبِّر أهله ويهبهم الكثير من وقته، ويشرح لهم فوائد العلم ومنفعته، وإن ناله خير من خيرات العلم المادية عليه أن لا ينسى أهله وأن يُفيض عليهم من الخير.
стр. 41
مرض الأهل
ومن معاناة أهل العلم ابتلاء العالم بمرض أحد أفراد أسرته؛ فيُجلسه هذا الأمر بعيدا عن ساحات العلم والمعرفة، وهذا الأمر شائع بين أهل العلم، فمنهم من احتبس سنوات عن العلم لقيامه بشؤون والده أو والدته أو زوجه أو أحد أبنائه.
افتقدت صديقا مدة من الزمان تواصلت معه فأخبرني قصة مؤلمة عن مرض زوجته، وأنه يقوم على خدمتها منذ مدة.
طبيب حاذق من رواد المسجد التقيت به بعد غياب طال أكثر من ستة أشهر، فأخبرني أنه انقطع عن العمل وعن الأقارب والأصحاب حتى عن المسجد بسبب مرض زوجته الي ابتليت بالمرض.
وقد سمعت أن أحد علماء اللغة والأدب قد لازم أحد أفراد أسرته في فترة مرضه، وكتب بعض القصائد وهو في المشفى، اطلعت على بعضها فوجدتها من أصدق وأحسن الأشعار.
стр. 42
هدر الجهود فيما لا طائل فيه
أكثر الكتب التاريخية مبيعا تلك الكتب التي تتكلم عن شخصيات استثنائية مميزة لها الأثر في الإصلاح والتجديد، ومن هذه الشخصيات المميزة شخصية عمر بن الخطاب ﵁، فالكتب المؤلفة عن عمر بن الخطاب أكثر الكتب مبيعاً كتب السير والتراجم ولا نُنكرر أن بعض المرويات نالتها أيدي الوضاعين والمبالغين في فضائل عمر ﵁.
قبل حوالي عام اطَّلعت على جهد قام به أحد العلماء الفضلاء استمر جهده مدة أشهر للكتابة حول موضوع يرى أنه هام وضروري وهذا الأمر هو جمع الأحاديث المروية في فضائل عمر ونقدها وإبطال أكثرها، وقد اطلعت على جهده فوجدته جهدا عظيما يحتاج إلى ساعات طوال من العمل.
والسؤال هنا موجه للعالم الجليل:
سيدي الفاضل: هل انتهت مشكلات الأمّه ولم تبق لك إلا مشكلة تصحيح المرويات في فضائل عمر؟
стр. 43
سيدي الفاضل: أنت تقيم في مجتمع يعجُّ بالفتن وانا أعرف محيطه وحالته الاجتماعية ... ، ألا تعرضت لعلاج الفتن من حولك خير لك مما أجهدت نفسك في تحصيله.
حقا إنه جهد في أشياء لا حاجة لها ولا فائدة منها.
زارني في بيتي صديق عزيز من طلاب العلم الفضلاء نظر إلى مكتبتي -وأنا والحمد لله أممتلك مكتبه كبيره- كرَّر النظر إلى الكتب مراراً ....
ثم سألني بخجل واستحياء وقال:
شيخي العزيز: أنا أعتقد أن الكثير من الكلام مكرَّر بين الكتب ولا داعي لاقتناء بعضها.
ثم وقفت بجانب المكتبة وقلت لا نُنكر أن شخصية الكاتب تظهر في كتابه، وأن كل كاتب يحاول الإضافة في السياق أو الأسلوب أو النتائج أو غير ذلك.
لكن ...
صدقت فعلاً هناك كتب مكررة، وإن لم تكن مكرره لكنك تجد كثيراً من الكتب ما يزيد على ٥٠% من مادة الكتاب مكرر.
فعجبت من معرفة هذا الطالب النجيب مع أنه لا يزال في بداية طريقه العلمي، ومن غريب ما حدث مع هذا
стр. 44
الطالب أني حين كنت أكتب هذه السطور، كنت وحدي ليس أمامي أحد وفي مكان بعيد عن مقام الطالب لكن وأنا أكتب عن فكرته التي أفادني طرحه وإذ بالطالب يمر أمامي.
وبعد طرح هذه الفكرة من الطالب عهدت إلى المكتبة وأخذت وحسب خبرتي في الكتب أسحب الكتب المكررة في مضمونها أسحبها إلى الخارج قليلاً بين الكتب حتى وصلت إلى نتيجة أن أغلب الكتب مكرر ليس في العنوان بل في المضمون.
وعندما كنا نتشرف بقراءة كتب الفقه في مجالس الإسناد كان يُقال لنا: إن الكتاب الذي تزداد شروحه وتكثر الحواشي عليه هو كتاب هام جدا، ومن أجلِّ كتب التراث، ثم تضرب لنا الأمثلة ببعض كتب الفقه مثلا مثل مختصر القُدوري في فقه الحنفي، والمنهاج للنووي في الفقه الشافعي وكلاهما شُرح عشرات المرَّات.
وهذه الشروحات الكثيرة ضربٌ من الحشو الزائد وبذل الجهد فيما أُلِّف وكتب فيه، وتكرار لنفس المعلومة بعبارة أخرى جديدة ربما تحمل نوعا من الجدَّة.
стр. 45
ومن النتائج التي ظهرت لي أن الكثير من المؤلفين الذين سلكوا منهج التكرار في التأليف أرادوا تأصيل تحصيلهم؛ بمعنى أنهم كتبوا جزءاً من مؤلفاتهم وقت طلبهم للعلم أو بعد استواء علومهم وأرادوا بذلك أن يوثقوا علومهم التي حفظوها.
وليس هذا وحسب بل إنك تجد اليوم الرسائل العملية والأبحاث المحكَّمة تعجُّ بها الجامعات والكليات وعند النظر في أكثرها تجد نفسك تائها لكثرة التكرار فيها.
أين هي نتائج الجهود التي تستهلك سنوات من حياه كل باحث، ما هي النتيجة وما هي الفائدة من هذه الدراسات ... ؟!
يجب أن نربط هذه الأعمال بقدرتها على إثبات مكانتها ومنزلتها أمام الواقع وخلاف ذلك لا نظر فيه.
стр. 46
صراع المنهج
أكتفي في هذا الباب بذكر طبيعة صراع المنهج والتعريف به وإحالة القارئ الكريم إلى كتابنا الموسوم (صراع المنهج).
الناظر إلى العلم والعلماء يجد أن الكثير من المسائل التي تطرح على الساحة العلمية مسائل تتعلق بالمدارس والمذاهب والاتجاهات الفكرية، وبعض المؤسسات الفكرية تعقد المناظرات وتتوجه إلى الإعلام لنشرها لتبرز للعالم إنتاجها وفكرها فتناقش الخصوم وتحاول إقناع المجتمع أنها صواب، بل عين الصواب.
وعند تدقيق النظر في كثير من المسائل الدائرة هذا المدار تجد أن الصراع لا يعدوا أن يكون اختلافاً على مصطلح أو نقداً لمنهج الخصم في البحث؛ فالفريق الأول منهجه كذا والثاني له منهج مختلف تماماً، والنقاش يتركز على مقدمات باطله ويخرج بنتائج غير مُرضية.
ولا شك أن مثل هذا الصراع له نتائج ونتائجه سلبية على العلم وعلى أهله.
نتج عن صراعات المنهج فُرقةٌ واضحة في المجتمع ونشأ عن صراعات المنهج هدرٌ للجهود واستنفاذٌ للطاقات
стр. 47
بشكل كبير، ونتج عن صراعات المنهج تأخر الفكر وشغل المجتمع بخلافات لا طائل منها.
حتى إن ضبط مفهوم المنهج لم يسلم من الصراع والنزاع.
كم كنت أنظر بعين الغبطة إلى صراعات بعض العلماء في المجالات العلمية في الطب والهندسة والرياضيات ... وغيرها، في غالبها نتاجها يُبنى على مشاهدة النتائج الواضحة للعيان، أما صراعات العلوم الإنسانية في الكثير منها لا تجد لها حلاً أصلاً، وبعض أسئلتها حائرة لا يملك لأحد البت فيها.
стр. 48
آفة العلم
تعرض الشاعر الأردني غازي الجمل لحادث سير ودخل المشفى أياماً، وفقد ذاكرته على إثر الحادث، زاره بعض أصدقائه وذكروه بقصيده له من أجمل القصائد مطلعها:
قف شامخاً مثل المآذن طولا ... وابعث رصاصك وابلاً سجيلاً
ويبدأ الأصدقاء يذكرون كلمات من القصيدة والشاعر المسكين فاقد للذاكرة يتذكر بعض الكلمات ويكمل بعض أبيات القصيدة، حتى وصل الشاعر إلى البيت الآتي:
نحن الذين إذا ولدنا بكرة ... كنا على ظهر الخيول أصيلاً
وهنا يتذكر الشاعر غازي الجمل كل هذا البيت ويبكي ....
ولا أبالغ إن قلت أني قد شاهدت هذا المقطع ما يزيد على مئة مرة.
صورة الشاعر وهو يبكي ويكرر البيت الأخير لا تغيب عن مخيلتي أبداً ...
стр. 49
وصورةٌ أخرى لا تغيب عن مخيلتي أبداً أذكرها منذ ما يزيد عن ثلاثين عاماً، صورة رجل كبير السن يسير في الطرقات، ينام تحت الأشجار ويأوي في الشتاء لبيت مهجور، أشعث الشعر، يلبس من الثياب الممزق والمرقع والمتسخ، ينظر في وجوه الناس ولا يكلم أحد، يتبعه الصبيان ثم إذا نظر هاب منظرُه كل الصغار.
سألت والدي ﵀ من هذا؟
فقال الوالد ﵀: هذا عالم من علماء الأمَّه وأعيانها، أمضى حياته يقرأ ويقرأ وكان خطيباً ومدرساً في أكبر المساجد يقول الناس أنه جُنَّ بسبب كثرة علمه ولكثرة ما قرأ.
كنت أخاف منه قبل هذا البيان ثم صرت أنظر إليه كثيراً، أحدِّق في عينه فيرتد إليَّ نظري حاملا أعذب الدموع وأصدقها.
وفي وسط عمان كنا نشاهد رجلاً أشعث الشعر حالته رثه يبيت على جنبات الطرقات لكن لا يفارقه ويدخل إلى المكتبات فيعطيه أصحابها كتاباً أو كتابين فيقرأ ويقرأ .........
стр. 50
وهذه الأمثلة هي أمثله لعلماء فضلا داوموا على القراءة والعلم ثم أصيبوا بالجنون ولا ندري هل العلم أحدث لهم هذه العاهات أم أمور أخرى، الأمر يحتاج إلى تحليلات نفسيه ودراسات على مثل هذه الحالات.
وقد شاهدت بعض طلاب العلم كان إذا نسي معلومة بدأ بضرب رأسه بشدةٍ وقسوة، وبعضهم كان يبكي لنسيان بعض الأمور الهامة من علومه ومعارفه.
النسيان آفة من الآفات التي تفتك بالعلوم والعلماء، وعلى العالم توثيق علومه ومعارفه وتقيدها بالكتابة، ونشرها بين الناس فالعلم يُحفظ بالتقيد والكتابة، ولا بد من نشره بين الناس للفائدة وحتى يُحفظ أيضا.
стр. 51
ضمور الفكر
في بعض البلاد البوح بالهمِّ مصيبة لا تُحمد عقباها، خوف الكاتب وإصابة فكره بالضمور كلما فكر بالكتابة عن أوضاعه وحالة مجتمعه.
هذا العذاب له عواقبه الوخيمة على المجتمع، حيث لا يُسجل الألم ولا تصل الصورة الصحيحة للواقع.
عاب كثير من القُرَّاء على بعض الكاتبين في العصور المتقدمة عدم الحديث عن الواقع، وعدم معالجة مجريات الحياة، لكن وبعد البحث والتقصي ودراسة حالة المجتمعات نجد أن ثمة ضمور أصاب الفكر بسبب التعنيف السياسي لكثير من الكُتَّاب، وبعضهم أراد السلامة وحاد عن الكتابة عن واقع الحياة خشية ما أصاب غيره من آلام.
стр. 52
عبودية قلم
كتب أحد الباحثين المأجورين:
عبودية قلم
هل سيحاكمني قلمي؟؟
هل ستحكم عليَّ أوراقي؟؟
أكتب الدرر أنثرها بين من لا يستحقها من أدعياء العلم ...
أبيت ولا أبيت ...
آوي إلى الفراش محزوناً ... مهموماً
أأبيع فكري ... وعقلي ...
رب لا أرجو القصور ولا عظيم ...
الدور اللهم أقض ديني ...
واكفني هم عيش ...
وحرر قلمي.
صاحب هذه الكلمات صديق عزيز من أكثر الناس جهدا وإنتاجا، لكن الفقر والعوز يحيطه من كل جانب، اضطر بعد أزيد من عشر سنوات للاستجابة إلى دعوات من مراكز الأبحاث التي تقوم بإعداد الرسائل العلمية والأبحاث والدراسات.
стр. 53
ولا أريد التعليق على هذا الكلام كثيرا كوني هزمت على الكتابة تحت هذا العنوان في كتاب مُستقل
(عبودية قلم)
رب عونك.
стр. 54
حب الوصول والارتقاء والشهرة
إن حُبَّ الوصول والارتقاء والبحث عن الشهرة يعتبر في نظر الكاتب مرضا عضالا يصيب بعض علمائنا وكتَّابنا مع احترامنا وإجلالنا لكل النتائج التي قدموها، لكن الدافع الشهرة والوصول.
وقد كان هذا الأمر سائداً عند الكثير من العلماء والكتَّاب والشعراء ولا يزال وله صوره الكثيرة.
أذكر عالماً أُجلُّه وأقدره لا أُحب التصريح باسمه احتراما وتقديراً لنتاجه العلمي الغزير، ابتلى هذا الفاضل بمرض حب الشهرة والوصول إلى أعلى المناصب، وبدأ يكتب ويمحص ويحقق ويجتهد في نشر ما يكتب، يرجو أن يكون هذا الكتاب أو ذاك هو الطريق إلى الشهرة والمال، لكن ومع قيمته كتبه العلمية إلا انه لم يكتب لها القبول بين أهل السلطة وصناع القرار، فمات لا يأبه به إلا أهل العلم، وبعد موته فاح صيت كتبه في جميع أنحاء العالم.
стр. 55
الشعور بالتقصير
صراع آخر شهدتُه وهو صراع غريب من نوعه حيث شهدت عالما جليل القدر يشعر بالتقصير المتواصل حيث يقدم على بعض الأخطاء، وهيمن صغار الخطايا، لكنها في نظره من كبائر الأمور، التي يشعر من خلالها بالتقصير الكبير، لذلك هو في معاناة دائمة وهموم تُشعره بالضرورة إلى فعل الخير، وإلى حد الوسوسة، وليس له ما يقدمه من فعل الخير إلا نشر العلم بين الناس، وهو يرجو بذلك الغفران.
стр. 56
الخصومات والمنازعات
ومن صور عذابات العلم صورة تكاد تقضي على صورة وهيبة العلماء في المجتمع، وهذه الصورة تتمثل في سعي العالم إبطال حجج خصمه من العلماء بصورة تسيء للعالم نفسه؛ فبعض العلماء وللأسف يخرج عن حدود اللياقة الأدبية حين يجادل أو حين يبرهن أو حيث يدلل على رأيه بالأدلة التي ربما تكون صحيحه وعلميه ودقيقه لكن الحامل لها والأسلوب الناقل لا يعبر عن أخلاق العلماء.
وهذه الآفة لم يسلم منها كبار العلماء وفضلاؤهم وفي شتى صنوف المعرفة، فالطبيب مثلا إذا ذُكر له طبيب آخر ماهر في فنِّه وعلمه شنَّع عليه وأساء له، وكذلك الفقيه والمحدث وغيرهم من العلماء.
وهذه النزاعات والصراعات في نظر المجتمع مثالب ومخازي تجلب العار لأهل العلم، فيجب توخي الحذر في الرد والتأني وعدم الاستعجال في مواجهة العلماء وآرائهم.
ومن عجيب ما قرأنا أن تكون مقدمات الكتب المحققة، والكتب المؤلفة في كثير من المجالات ساحات تدار فيها
стр. 57
الصراعات التي تثير الفتنة على الساحة العلمية ولم تسلم المجالات الدينية من هذه الأمور أيضا، فقام مجموعة من الكتاب بالإساءة إلى صورة الدين وسمعته من أجل الانتصار للنفس لا للحق.
وعلى كل الأحوال لم يكن هذا الخصام إلا سمعةً غير طيبة وأثر غير سليم.
والنقد العلمي الأصيل لابد منه من أجل إحقاق الحق، ولكن النقد إن كان للإساءة فيصرف تحت عناوين قانونيه مثل الشتم والذم والتحقير والقدح الغيابي والوجاهي وغيرها من الألفاظ القانونية والشرعية.
والحق الواجب اتباعه أن الكاتب مؤتمن على كتاباته، فالعالِم يخدم البشرية بعلمه ولا ينبغي اتباع الهوى في الرد على العلماء حتى لا يُساء إلى العلم من هذا الباب.
فبعض الناس من غير المختصين ربما لم يقرأ إلا هذه العبارة في الكتاب، وبعضهم لم يسمع إلا هذه المحاضرة، فلماذا ندل الناس على سقطات العلماء وهفواتهم؟
كتب أحد العلماء على صفحات بعض المنتديات الخاصة بعلوم القرآن الكريم، كلاماً علميا تفوح منه رائحة الحقد والحسد في الرد على مؤلف من أجلِّ علماء
стр. 58
الأمة في التفسير وعلوم القرآن، ومن أشهرهم ومن أكثر العلماء قرباً من الناس لكثرة جهده ونشاطه في التدريس والتعليم.
فتواصلت مع الناقد خفية وتحاورت معه، ولكن دون أي جدوى ودون أدنى استجابة، وأسمعني كلاما أساء وتمادى فيه كثيرا، وكم تمنيت أني لم أتدخل في هذا الموضوع، وختمت كلامي بقولي: لو كان عملك وقولك لله لم يلبس هذا الثوب.
стр. 59
العلم والطائفية
التقيت مرةً برجل يسأل صاحب مكتبة عن كتاب شرح الإمام النووي على صحيح البخاري، كنت في المكتبة أبحث بين الرفوف فسمعت هذا السؤال الغريب واستمعت لصاحب المكتبة وهو يقول: لم أسمع بهذا الكتاب قط.
تقدمت وقلت لصاحب المكتبة لطفاً لو سمحت الإمام النووي وشرح فيه مجموعه من أحاديث صحيح البخاري وتوفي قبل تمامه وقد طبع ما كتبه النووي في مجلد واحد وهو مفقود لا يكاد يعرفه أحد.
وقفت مع السائل قليلاً أعجب بهذه المعلومة وبين لي سبب بحثه عن الكتاب وقال:
أنا أريد أن أعرف ماذا قال الإمام النووي عن موضوع الصحيفة، عندها عرفت وأدركت أن السائل يتبع المذهب الشيعي، وما من مشكله عندي في التعامل مع أي شخص ومهما كانت عقيدته أو مذهبه وبدأ هو يشرح ويفسر ويفصل حول مذهبه وآرائه وتحدثنا طويلا ثم تواصلنا من خلال الهاتف ودار بيننا نقاش طويل استمر ما يزيد على شهرين في كل يوم أجلس قرابة الساعتين أحاور
стр. 60
وبعدها أبحث وأحقق لأبين الحق، وهو مثلي أيضاً يبحث ويدقق النظر في كتبه وكتبنا، وكلانا حريص على عدم الاقتناع برأي الآخر وعدم قبول قوله، والبحث في كل مسألة عن بوادر النصر.
وبعد ما يقارب الشهرين سألت صديقي الشيعي سؤالاً وقلت:
صديقي العزيز تُرى لو حرصنا سويةً أنا وأنت على دراسة علم من العلوم كعلم الرياضيات أو الأحياء أو غيره من العلوم، لو عكفنا في كل يوم ساعتين أو أزيد على دراسة علم من العلوم أو فن من الفنون ماذا سنحصل وما هو مقدار الفائدة التي سنحققها؟
ثم كتبت له:
لن أناقشك صديقي بعد الآن، إذ لا سبيل لبيان الحق بيننا.
إذا تدخلت في العلم الطائفية صار هدف العالم الدفاع عن طائفته لا الدفاع عن العلم والحقيقة العلمية.
كثيراً ما يكتب المُأطِّرون للبحث العلمي عن الموضوعية في البحث العلمي، وعند قراءة نتاج الباحثين تجد عدم العناية بالموضوعية والنزاهة في الكتابة.
стр. 61
مأساة التعليم
لا بد أنك نذكر أخي القارئ الكريم صراخ المعلم في غرفة الصف، وتذكر جيدا خروجه من الصف متعباً بائساً بعد طول العناء في التدريس وعدم استقبال الطلاب للمعلومة، وليس المعلم في المدرسة وحده بل المدرس في الجامعة والمعهد والكلية كلهم يبذلون جهدهم في التعلم وفي بعض المواقف يصابون باليأس والشعور بالفشل لكثرة مشكلات الطلاب وعدم احترامهم وعدم تقديرهم لجهود المعلم.
وأكثر من يشعر باليأس والتعب من المعلمين والمربين والمدرسين الأذكياء منهم؛ فمن الملاحظات التي كنت أسجلها على بعض المعلمين أن المعلم الذكي صاحب أعلى المعدلات والنتائج يواجه صعوبات في إيصال المعلومة للناس، وما ذاك إلا لأنه ذكي يحصل على المعلومة بسرعة، فهو غير متمرس على كثرة التكرار والمراجعة بل يتميز بقوة الحافظة.
أما بالنسبة للمعلم صاحب التحصيل الأقل في الدراسة فهو يُتقن التدريس أكثر من غيره لأن حصوله على المعلومة يحتاج وقتاً أكثر من غيره، ثم عندما يصبح
стр. 62
مدرسا يراعي حالة الطلاب الذين يعانون من بطء الفهم والحفظ.
وجميع ما تقدم استنتاج لاستقراء شخصي، ومع تقديرنا لجميع المدرسين والمربين.
стр. 63
العلم والشهادات الدراسية
دخلت مؤسسة تُعنى بالبحث والدراسة، زرت صديقا تربطني به علاقة أخويه منذ سنوات طوال، جلست مع صديقي وأثناء جلوسنا كان يتردد على مكتبه شاب يعمل في ذات المؤسسة يحضر أوراقاً ويأخذ أوراقاً أخرى، يسأل بعض الأسئلة العلمية الدقيقة التي أفهم بعضها والكثير منها مما لا أعرفه.
سألت صديقي من هذا الشاب؟
وكانت حالته رثه وأثوابه شبه بالية ....
ولا يُرى عليه كما أرى الموظفين في تلك المؤسسة فالكل يرتدي أحلى وأغلى الثياب ....
أجاب صديقي: هذا الشاب الذي ترى موظف بسيط جداً يعمل ضمن الفئة الثالثة والتي تشمل الوظائف الحرفية والمهنية والخدمات المساعدة، لكن لا تصدق إن قلت لك أن كل الدراسات والأبحاث التي تجريها المؤسسة هي نتاج هذا الشاب البسيط .... لا يحمل شهادة علميه لكنه عالم من العلماء المتميزين، لا أبالغ حين أطلق عليه هذا اللقب.
стр. 64
قصة أخرى يرويها لي أحد الفضلاء من الباحثين، يقول الباحث:
سألني بعض الإخوة من حملة شهادات الدكتوراه أن أكتب له بحثاً مُحكَّماً للمشاركة في مسابقة دوليه تُعنى بالقضايا السياسية والمجتمعية، فأجبته راغباً في الكتابة وأهديته هذا العمل الذي كلفني من الوقت أزيد من شهرين ولم يعرض علي أي بدل أو مقابل مع أني كنت أحب أن أسمع منه كلمة شكر أو ثناء أو أن يعرض علي مبلغاً من المال فأقول له هذا الجهد هدية للأخ الفاضل .... مع العلم أن هذا العمل يكلف مئات الدنانير عند غيري.
وبعد مدةٍ من الزمان زُرت صديقي بعد أن شارك في البحث العلمي وحقق أعلى النتائج والحمد لله، جلست عند صديقي في المكتب وهو مكتب يليق بصاحب منصب ورياسه وشهادة مثله، ودخل إليه أحد الزملاء وسأله عن البحث فهو يريد نسخه منه نظرا لقيمته العلمية، فأعطاه صديقي نسخة من البحث، ثم أخذ يمازحه صديقه ويقول من كتب لك هذا البحث؟!!
стр. 65
فأقسم صديقي أقساماً متتالية أنه هو من كتب البحث وأنه سهر الليالي ذوات العدد وهو يكتب ويبحث ويؤلف ويقول صديقي الباحث:
لا أملك في مثل هذه المواقف إلا جوهرتين:
جوهرةٌ سالت من عيني اليمين وجوهرة أخرى من عيني اليسرى ....
في المثالين السابقين دلالة واضحة على أن الكثير من الباحثين لا تتيسر له أمور الدراسة الجامعية لكنه باحثٌ وعالمٌ يمضي وقته بل حياته بحثاً ودراسة وعلماً ولكن عدم امتلاكه للشهادة ثبطه عن الإنتاج لنفسه فهناك فرق بين أن يقال الدكتور فلان قدم جديداً للعلم والمعرفة، وبين أن يقال فلان قدم جديداً للعلم والمعرفة.
وقد سمعت مرةً رجلاً حاز المناصب العالية يقول: أنا أريد الحصول على شهادة الدكتوراه في أي علم من العلوم، لكن أريد أن يقول الناس الدكتور فلان، وقال هذا بحضرة اثنين من أصحاب الرياسة والمناصب العلية، وكانا يحملات شهادة الدكتوراه، فقالا:
كلانا درس حتى يقال الدكتور فلان.
وهذه آفة كبيرة في المجتمع وخلل واضح فيه.
стр. 66
البحث العلمي واقع وآلام
البحث العلمي لا يعرف الخجل، البحث العلمي لا يوجه إلى طائفه، أو رأي محدد، البحث العلمي له قيمته وشرفه ومنزلته لا دخل له بالسياسة ولا بالرياسة.
وهذه القاعدة ليست ضرباً من التنظير فقط بل هو ما يجب أن يكون عليه البحث، لكن في النفس غصصٌ، فواقع البحث مرير غزته جهات كثيرة لا تريد إلا توجيه الأقلام حسب ما تريد وتوجيه النتائج وفق ما ترغب بعض الساسة أو التجار.
وإن أصعب ما عرفت البشرية من مآسي وآلام تلك النتائج البحثية للعلوم المسمومة، علوم صناعة السلاح وعلوم تصنيع الأسلحة الوبائية والأسلحة الفتاكة القائمة على نشر الأمراض بالغازات وغيرها.
حار الفكر إذ بيعت الأقلام
حار الفكر إذ سيست الأبحاث
حار الفكر إذ انقلبت نتائج العلم
العلم خادم للبشرية
لكن العلم صار أداة قتل في أيدٍ لا تعرف الرحمة لا رحمة الفكر ولا رحمة الحياة.
стр. 67
واقع مرير ومستقبل مقيد.
عملت مع بعض المراكز البحثية مدةً من الزمان وأكثر ما كان يؤلمني كلمات ما زال وقعها في نفسي يقرر واقعاً مؤلماً للبحث العلمي ....
كان يقال لي قبل البدء بالكتابة:
لا تذكر اسم فلان ...
إذا نقلت عنه فلا تذكر اسمه ...
المركز يريد أن تكون النتيجة كذا ....
هذا البحث لإثبات كذا وكذا .......
المركز يريد والمركز لا يريد، أما الحقيقة العلمية فهي تابعة لإرادة المركز وسياساته، وهذا هو الداء العضال الذي أوقع الأمة في غيابات الجب ولن تخرج منه حتى تتحقق لفكرها الحرية.
стр. 68
البحث العلمي في الجامعات
لو سألنا: ما هي مجريات ونفقات دول العالم الثالث على البحث العلمي؟
ستكون الإجابة صادمة إذا اطلعت على الأرقام القليلة لتغطية نفقات الدول على البحث العلمي في عالمنا الثالث.
ثم إنك إن دققت النظر وبحثت عن هذه المبالغ التي ترصدها الجامعات للبحث العلمي أين تصرف وفيم تنفق، ستجد نفسك في حيره أكبر وأكثر.
بعض الجامعات تجد فسحةً في الإنفاق على البحث العلمي؛ فتصرف المال في غير وجه حق، وتنفق المال فيما لا طائل منه؛ حيث تقرر لجنة علميه إرسال باحث إلى دوله متقدمة فتنفق عليه المال الكثير، ولكن ما هو النفع الذي عاد على البلد والجامعة والمواطن ....
لا نكذب القول إن جزمنا بسوء التدبير في هذا المقام.
وحاصل ما تقدم أن الإنفاق على البحث العلمي في بلادنا قليل جداً، ثم إن هذا القليل لا يسلم من سوء التصرف والتدبير، ولا شك أننا نحتاج إلى تقييم ودراسات
стр. 69
ومحاسبات حول هذا الموضوع، مع احترامنا وتقديرنا للملتزمين والقائمين بحقوق العمل.
وسيأتي الحديث لاحقا حول ذات الموضوع في القسم الثاني من الكتاب بإذن الله تعالى.
стр. 70
هجرة العقول والكفاءات
التقيت قبل عشر سنوات تقريباً بعالم عربي يعمل في مجال الهندسة والإلكترونيات، أخبرني أنه من أوائل الذين أدخلوا هذا التخصص إلى بلده، وقد عُرض عليه أضعاف مرتبه خارج بلده لكنه آثر القلة في مقابل خدمة بلده، وبقي صامدا حتى في السنوات العجاف لم يترك وطنه، وما ترك العمل والتدريس والإنتاج.
ربما تكون هذه الحالة نادرة بعض الشيء لأن هذا الرجل الفاضل وهذا العالم الجليل يعطينا مثلاً عظيماً في التضحيات، لا شك أن بلده يحتاج مثله، ولا شك أنه يحتاج المال لتدبير أمور عيشه.
стр. 71
بيع الكتب
كان يقول أحد مشايخنا الكرام:
"لا يوجد أشقى ممن باع كتبه".
وقد شهدنا بعض طلاب العلم افتقر فباع كتبه فشقي بعد ذلك شقاءً ما بعده شقاء.
ومما شهدنا من مصائب العراق أن عالماً عراقياً ينادي في سوق المتنبي يدلل على كتبه لينفق على نفسه وعلى عياله يبيع وينادي عليها وهو يبكي ويقول بحرقه:
"العالم العراقي باع كل شيء ... ، ولما لم يبقَ عنده إلا الكتب ... باعها أيضا".
بيع الكتب بسبب الفقر يورث الهم والغم والحسرة والندامة يعيش العالم عيشةً ملؤها الحسرة لأنه باع أغلى ما يملك.
وقد سجل لنا التاريخ حادثة من أجل ما يبرهن به على ما تقدم فقد قال ابن خلكان ﵀:
"حكى الخطيب أبو زكريا يحيى بن علي التبريزي اللغوي: أن أبا الحسن علي بن أحمد بن علي بن سلك الفالي الأديب كانت له نسخة بكتاب "الجمهرة"؛ لابن دريد في غاية الجودة، فدعَتْه الحاجةُ إلى بيعها، فباعَها واشتراها
стр. 72
الشريفُ المرتضى أبو القاسم بستين دينارًا، وتصفَّحها، فوجد بها أبياتًا بخطِّ بائعها أبي الحسن الفالي"، وهي:
أنِسْتُ بها عِشرينَ حولاً وَبِعْتُها ... لقد طالَ وَجْدي بعدَها وحنيني
وما كان ظَنِّي أَنَّني سأَبيعها ... ولو خلَّدتْني في السجون ديوني ...
ولكن لضعفٍ وافتقارٍ وصِبْيَةٍ ... صِغارٍ عليهم تَسْتَهِلُّ شُؤوني
فقلتُ ولم أَمْلِكْ سوابقَ عَبْرةٍ ... مقالةَ مكويِّ الفؤادِ حَزِين
وقد تُخرِجُ الحاجاتُ يا أمَّ مالكٍ ... كرائمَ من ربٍّ بهنَّ ضنين
(وفيات الأعيان)
وهذا الأمر شائع بين العلماء وهو أشد عليهم من وقع الحسام المهند، وأصعب مرارة من تجرع السم الفاتك كيف لا وكتب العلماء فيها لذاذة الحياة وسعادة العيش.
ومن المآسي والهموم المتعلقة ببيع الكتب سوء تصرف الورثة بالكتب فبعضهم يحرقها وغيرهم يبعها بسعر زهيد جداً وبعضهم يتركها في مكانٍ حتى تصاب بالتلف وغير ذلك الكثير .... مما نشاهد ونطالع أيامنا الحاضرة.
стр. 73
سرقة الجهود العلمية
تقدمت طالبة في جامعة من الجامعات بفكرةٍ إبداعية تخدم الجامعة وتخدم الطلاب، ثم كان من أمر الطالبة أنها اضطرت لترك الجامعة والانتقال إلى جامعة أخرى أقرب إلى مكان سكنها، ولا شك أن الطالبة تريد تقليص النفقات فهي من أهل العلم، وهناك جفوه بين العلم والمال كما تقدم.
وبعد انتقال الطالبة إلى الجامعة الجديدة تقرر الطالبة المفكرة زيارة جامعتها القديمة، والسؤال عن مشروعها وفكرتها الإبداعية حيث تقدم الجامعة لمثل هذا العمل مكافأة ماليه.
تتفاجأ الطالبة أن المشروع تم استثناؤه ليحل مشروع آخر مكانه ... ، ولكن ما هو المشروع الجديد؟ تنظر في المشروع الجديد لتجده نفس مشروعها هي، وتقدم شكوى أن جهدها سُرق وأُعطي لموظف من موظفي الجامعة، لكن للأسف تخرج نتيجة التحقيق ضد الطالبة الفقيرة.
فبعد التدقيق والتحقيق ظهر أن:
стр. 74
المشروع الجديد أضاف إلى المشروع القديم تغيراً جديداً يزيد على ١٥% من المشروع القديم لذلك لا أحقيه للطالبه برفع الشكوى والمطالبة بالحقوق المالية.
قصه أخرى حدثت مع شيخ جليل القدر نذر كل مؤلفاته في سبيل الله لا يريد عليها أجراً من أحد من الناس تزيد مؤلفاته عن خمسين كتاباً، وقد اعتزل الناس أكثر من عشرين سنه وانقطع للتدريس في المسجد والتأليف متخصص في علم القراءات القرآنية والتجويد.
جلست معه مرةً في المسجد فأخبرني أنه وَثِق بطالب من طلابه وأعطاه الملفات المنضدة على الحاسب الآلي والتي حوت جميع مؤلفاته وكتبه، ولكن الطالب خان أستاذه وقدَّم هذه الكتب لدار نشر في دوله مجاورة، وقامت دار النشر بطباعة بعض الكتب مع تغير بسيط جداً، ومما يدل على هذا أن الشيخ الجليل استدرك الأخطاء المطبعية في الطبيعة الأولى، أما السارق فلم يستدرك الأخطاء، وجلست مع الشيخ أتتبع الأخطاء القديمة فوجدها كما هي.
جهود كبيره تأخذ من المؤلفين سنوات من الإعداد والتأليف والجمع والتنقيح والتدقيق والتحقيق، لكن
стр. 75
وللأسف تُسرق في وضح النهار ويعاد تدويرها مرةً أخرى.
قصص كثيرةٌ عن السرقات العلمية لا تستطيع الأوراق حملها، وتستحي من بعضها الأقلام، حيث بعض السرقات تصدر من أصحاب الصدارة العلمية.
следующие страницы →