← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الجُزْءُ الأوَّلُ من البِدَايةِ والنِّهَايَةِ (في التاريخ) للإمام الكبير والمؤرخ الشهير الحافظ عماد الدين أبي الفدا إسماعيل بن عمر القرشي الدمشقي المعروف (بابن كثير) المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (الطبعة الأولى سنة ١٣٤٨ هـ) (بمعرفة الفقير إلى ربه) فرج الله ذكي الكُردي صاحب (مطبعة كردستان العلمية) لنشر الكتب العالية الإسلامية (بمصر المحمية) حقوق الطبع محفوظة لناشره المذكور

стр. 2

قال في كشف الظنون: (البداية والنهاية) في التاريخ: للإمام الحافظ عماد الدين أبي الفدا إسماعيل بن عمر المعروف (بابن كثير الدمشقى) المؤرخ المتوفى سنة ٧٧٤، وهو كتاب مبسوط في عشرة مجلدات. اعتمد في نقله على النص من الكتاب والسنة وقائع الألوف السالفة وميز بين الصحيح والسقيم، والخبر الإسرائيلي وغيره، ورتب ما بعد الهجرة على السنوات إلى آخر عصره عصره (راجعه)

стр. 3

(تنبيه) قد طبعنا هذا الكتاب الجليل بعد المقابلة على عدة نسخ، وأهمها النسخة العظيمة المحفوظة بدار الكتب المصرية العامرة المأخوذة بالفطوغراف من مكتبة ولى الدين بالآستانة العلمية، ومعظمها بخط الفاضل الشيخ مصطفى أحمد حجازى المقرى (أحد أفاضل عصره). وكتب في آخر المجلد الأول منها ما نصه على يد الفقير إلى الله تعالى مصطفى أحمد حجازى المقرى نفعه الله بالعلم، ووفقه للعمل، ولمن دعا له بالمغفرة آمين، وذلك في يوم السبت المبارك خامس عشر شهر رجب من شهور سنة ١١٢٣ هـ وصلى الله على محمد وآله وكتب في أول هذا المجلد بخطه أيضا ما صورته: (البداية والنهاية) تأليف الشيخ الإمام العمدة الهمام العالم العامل، الولى الواصل، الفقيه المتقن المحدث المفسر المفنن، الحجة الثبت الحافظ المفيد البارع "عماد الدين أبو الفدا إسماعيل" بن عمر بن كثير البصري الأصل، ثم الدمشقي تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسكنه أعلى غرف جنانه، ونفعنا والمسلمين ببركاته بمحمد وآله آمين والحمد لله رب العالمين. وفي آخر المجلد الأخير ما نصه: وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب المبارك ليلة الاثنين المبارك نصف الليل سابع عشر رجب المبارك من شهور سنة ١١٢٣ هلالية هجرية أحسن الله عاقبتها. وذلك على يد العبد الفقير إلى ربه القدير المذنب المقصر راجي عفو ربه ورحمته (موسى المنشاوي) الأزهري الشافعي عفى الله عنه ولمن طالع في هذه النسخة ودعا له بالمغفرة آمين أفٍّ لرزق الكتبة … أفٍّ له ما أضيعه أفٍّ لرزق نازل … من شق تلك العقبة الخ الخ

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الأول الآخر، الباطن الظاهر، الّذي هو بكل شيء عليم، الأول فليس قبله شيء، الآخر فليس بعده شيء، الظاهر فليس فوقه شيء الباطن، فليس دونه شيء، الأزلي القديم الّذي لم يزل موجودا بصفات الكمال، ولا يزال دائما مستمرا باقيا سرمديا بلا انقضاء ولا انفصال ولا زوال. يعلم دبيب النملة السوداء، على الصخرة الصماء، في الليلة الظلماء، وعدد الرمال. وهو العلى الكبير المتعال، العلى العظيم الّذي خلق كل شيء فقدره تقديرا. ورفع السموات بغير عمد، وزينها بالكواكب الزاهرات، وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا. وسوى فوقهن سريرا، شرجعا (١) عاليا منيفا متسعا مقبيا مستديرا - وهو العرش العظيم - له قوائم عظام، تحمله الملائكة الكرام، وتحفه الكروبيون عليهم الصلاة والسلام، ولهم زجل بالتقديس والتعظيم. وكذا أرجاء السموات مشحونة بالملائكة، ويفد منهم في كل يوم سبعون ألفا الى البيت المعمور بالسماء الرابعة لا يعودون اليه، آخر ما عليهم (٢) في تهليل وتحميد وتكبير وصلاة وتسليم. ووضع الأرض للأنام على تيار الماء. وجعل فيها روسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها

стр. 5

في أربعة أيام قبل خلق السماء، وأنبت فيها من كل زوجين اثنين، دلالة للالباء من جميع ما يحتاج العباد اليه في شتائهم وصيفهم، ولكل ما يحتاجون اليه ويملكونه من حيوان بهيم * وبدأ خلق الإنسان من طين، وجعل نسله من سلالة من ماء مهين، في قرار مكين. فجعله سميعا بصيرا، بعد ان لم يكن شيئا مذكورا. وشرفه بالعلم والتعليم. خلق بيده الكريمة آدم أبا البشر، وصور جثته ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وخلق منه زوجه حواء أم البشر فأنّس بها وحدته، وأسكنهما جنته، وأسبغ عليهما نعمته. ثم أهبطهما الى الأرض لما سبق في ذلك من حكمة الحكيم. وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، وقسمهم بقدره العظيم ملوكا ورعاة، وفقراء وأغنياء، وأحرارا وعبيدا، وحرائر وإماء. وأسكنهم أرجاء الأرض، طولها والعرض، وجعلهم خلائف فيها يخلف البعض منهم البعض، الى يوم الحساب والعرض على العليم الحكيم. وسخر لهم الأنهار من سائر الأقطار، تشق الأقاليم الى الأمصار، ما بين صغار وكبار، على مقدار الحاجات والأوطار، وأنبع لهم العيون والآبار. وأرسل عليهم السحائب بالامطار، فأنبت لهم سائر صنوف الزرع والثمار. وآتاهم من كل ما سألوه بلسان حالهم وقالهم: «وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار»: فسبحان الكريم العظيم الحليم * وكان من أعظم نعمه عليهم. وإحسانه اليهم، بعد أن خلقهم ورزقهم ويسر لهم السبيل وأنطقهم، أن أرسل رسله اليهم، وأنزل كتبه عليهم: مبينة حلاله وحرامه، وأخباره وأحكامه، وتفصيل كل شيء في المبدإ والمعاد الى يوم القيامة * فالسعيد من قابل الاخبار بالتصديق والتسليم، والأوامر بالانقياد والنواهي بالتعظيم. ففاز بالنعيم المقيم، وزحزح عن مقام المكذبين في الجحيم ذات الزقوم والحميم، والعذاب الأليم * أحمده حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه يملأ أرجاء السموات والأرضين، دائما أبد الآبدين، ودهر الداهرين، الى يوم الدين، في كل ساعة وآن ووقت وحين، كما ينبغي لجلاله العظيم، وسلطانه القديم ووجهه الكريم * وأشهد أن لا إله الا الله وحده لا شريك له، ولا ولد له ولا والد له، ولا صاحبة له، ولا نظير ولا وزير له ولا مشير له، ولا عديد ولا نديد ولا قسيم * وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وحبيبه وخليله، المصطفى من خلاصة العرب العرباء من الصميم، خاتم الأنبياء، وصاحب الحوض الأكبر الرواء، صاحب الشفاعة العظمى يوم القيامة، وحامل اللواء الّذي يبعثه الله المقام المحمود الّذي يرغب اليه فيه الخلق كلهم حتى الخليل إبراهيم صلى الله عليه وعلى سائر إخوانه من النبيين والمرسلين، وسلم وشرف وكرم أزكى صلاة وتسليم، وأعلى تشريف وتكريم. ورضى الله عن جميع أصحابه الغرّ الكرام، السادة النجباء الأعلام، خلاصة العالم بعد الأنبياء. ما اختلط الظلام بالضياء، وأعلن الداعي بالنداء وما نسخ النهار ظلام الليل البهيم *

стр. 6

(أما بعد) فهذا كتاب أذكر فيه بعون الله وحسن توفيقه ما يسره الله تعالى بحوله وقوته من ذكر مبدإ المخلوقات: من خلق العرش والكرسي والسموات، والأرضين وما فيهن وما بينهن من الملائكة والجان والشياطين، وكيفية خلق آدم ﵇، وقصص النبيين، وما جرى مجرى ذلك الى أيام بنى إسرائيل وأيام الجاهلية حتى تنتهي النبوة الى أيام نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه. فنذكر سيرته كما ينبغي فتشفى الصدور والغليل، وتزيح الداء عن العليل * ثم نذكر ما بعد ذلك الى زماننا، ونذكر الفتن والملاحم وأشراط الساعة. ثم البعث والنشور وأهوال القيامة، ثم صفة ذلك وما في ذلك اليوم، وما يقع فيه من الأمور الهائلة. ثم صفة النار، ثم صفة الجنان وما فيها من الخيرات الحسان، وغير ذلك وما يتعلق به، وما ورد في ذلك من الكتاب والسنة والآثار والأخبار المنقولة المقبولة عند العلماء وورثة الأنبياء، الآخذين من مشكاة النبوة المصطفوية المحمدية على من جاء بها أفضل الصلاة والسلام. ولسنا نذكر من الإسرائيليات الا ما أذن الشارع في نقله مما لا يخالف كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ . وهو القسم الّذي لا يصدق ولا يكذب، مما فيه بسط لمختصر عندنا، أو تسمية لمبهم ورد به شرعنا مما لا فائدة في تعيينه لنا فنذكره على سبيل التحلي به لا على سبيل الاحتياج اليه والاعتماد عليه. وانما الاعتماد والاستناد على كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، ما صح نقله أو حسن وما كان فيه ضعف نبينه. وبالله المستعان وعليه التكلان. ولا حول ولا قوة الا بالله العزيز الحكيم العلى العظيم * فقد قال الله تعالى في كتابه ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً﴾ وقد قص الله على نبيه ﷺ خبر ما مضى من خلق المخلوقات، وذكر الأمم الماضين، وكيف فعل بأوليائه، وماذا أحل بأعدائه. وبين ذلك رسول الله ﷺ لأمته بيانا شافيا، سنورد عند كل فصل ما وصل إلينا عنه، صلوات الله وسلامه عليه. من ذلك تلو الآيات الواردات (١) في ذلك فأخبرنا بما نحتاج اليه من ذلك، وترك ما لا فائدة فيه مما قد يتزاحم على علمه ويتراجم في فهمه طوائف من علماء أهل الكتاب مما لا فائدة فيه لكثير من الناس اليه (٢) وقد يستوعب نقله طائفة من علمائنا ولسنا نحذو حذوهم ولا ننحو نحوهم ولا نذكر منها الا القليل على سبيل الاختصار. ونبين ما فيه حق مما وافق ما عندنا، وما خالفه فوقع فيه الإنكار * فأما الحديث الّذي رواه البخاري ﵀ في صحيحه عن عمرو بن العاص ﵁ أن رسول الله ﷺ قال «بلغوا عنى ولو آية، وحدثوا عن بنى إسرائيل ولا حرج، وحدثوا عنى ولا تكذبوا عليّ ومن كذب عليّ متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار» فهو محمول على الإسرائيليات المسكوت عنها

стр. 7

عندنا. فليس عندنا ما يصدقها ولا ما يكذبها، فيجوز روايتها للاعتبار. وهذا هو الّذي نستعمله في كتابنا هذا * فأما ما شهد له شرعنا بالصدق فلا حاجة بنا اليه استغناء بما عندنا. وما شهد له شرعنا منها بالبطلان فذاك مردود لا يجوز حكايته، الا على سبيل الإنكار والإبطال * فإذا كان الله، سبحانه وله الحمد، قد أغنانا برسولنا محمد، ﷺ عن سائر الشرائع، وبكتابه عن سائر الكتب، فلسنا نترامى على ما بأيديهم مما وقع فيه خبط وخلط، وكذب ووضع، وتحريف وتبديل، وبعد ذلك كله نسخ وتغيير * فالمحتاج اليه قد بينه لنا رسولنا، وشرحه وأوضحه. عرفه من عرفه، وجهله من جهله. كما قال على بن أبي طالب «كتاب الله فيه خبر ما قبلكم ونبأ ما بعدكم، وحكم ما بينكم وهو الفصل ليس بالهزل. من تركه من جبار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله» وقال أبو ذر، ﵁: «لقد توفى رسول الله ﷺ وما طائر يطير بجناحيه الا أذكرنا منه علما» وقال البخاري في كتاب بدء الخلق، وروى عن عيسى بن موسى غنجار عن رقية عن قيس بن مسلم عن طارق بن شهاب قال «سمعت عمر بن الخطاب يقول قام فينا رسول الله ﷺ مقاما فأخبرنا عن بدء الخلق حتى دخل أهل الجنة منازلهم. وأهل النار منازلهم» حفظ ذلك من حفظه ونسيه من نسيه» قال أبو مسعود الدمشقيّ في اطرافه هكذا قال البخاري، وانما رواه عيسى غنجار عن أبى حمزة عن رقية، وقال الامام أحمد بن حنبل ﵀ في مسندة: حدثنا أبو عاصم (١) حدثنا عزرة بن ثابت، حدثنا علباء بن أحمر اليشكري: حدثنا أبو زيد الأنصاري، قال قال: صلى بنا رسول الله ﷺ «صلاة الصبح، ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت الظهر، ثم نزل فصلى الظهر. ثم صعد المنبر، فخطبنا حتى حضرت العصر، ثم نزل فصلى العصر ثم صعد المنبر فخطبنا حتى غابت الشمس فحدثنا بما كان، وما هو كائن فأعلمنا أحفظنا» انفرد بإخراجه مسلم فرواه في كتاب الفتن من صحيحه عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي وحجاج بن الشاعر، جميعا عن أبى عاصم الضحاك بن مخلد النبيل عن عزرة عن علباء عن أبى زيد عمرو بن أخطب بن رفاعة الأنصاري ﵁ عن النبي ﷺ بنحوه

стр. 8

فصل قال الله تعالى في كتابه العزيز «اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ» فكل ما سواه تعالى فهو مخلوق له، مربوب مدبّر، مكوّن بعد أن لم يكن محدث بعد عدمه. فالعرش الّذي هو سقف المخلوقات الى ما تحت الثرى، وما بين ذلك من جامد وناطق الجميع خلقه، وملكه وعبيده وتحت قهره وقدرته، وتحت تصريفه ومشيئته «خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾. ﴿ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ. يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ، وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها، وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» وقد أجمع العلماء قاطبة لا يشك في ذلك مسلم أن الله خلق السموات والأرض، وما بينهما في ستة أيام كما دل عليه القرآن الكريم. فاختلفوا في هذه الأيام أهي كأيامنا هذه أو كل يوم كألف سنة مما تعدون؟ على قولين كما بينا ذلك في التفسير، وسنتعرض لإيراده في موضعه. واختلفوا هل كان قبل خلق السموات والأرض شيء مخلوق قبلهما. فذهب طوائف من المتكلمين الى انه لم يكن قبلهما شيء وأنهما خلقتا من العدم المحض. وقال آخرون بل كان قبل السموات والأرض مخلوقات أخر لقوله «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ» الآية. وفي حديث عمران ابن حصين كما سيأتي «كان الله ولم يكن قبله شيء وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السموات والأرض» وقال الامام أحمد بن حنبل حدثنا بهز حدثنا حماد بن سلمة حدثنا أبو يعلى ابن عطاء عن وكيع بن حدس عن عمه أبى رزين لقيط بن عامر العقيلي أنه قال «يا رسول الله أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق عرشه على الماء» ورواه عن يزيد بن هارون عن حماد بن سلمة به. ولفظه أين كان ربنا قبل أن يخلق خلقه؟ وباقيه سواء وأخرجه الترمذي عن أحمد بن منيع وابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة ومحمد بن الصباح ثلاثتهم عن يزيد بن هارون، وقال الترمذي حسن. واختلف هؤلاء في أيها خلق أولا؟ فقال قائلون خلق القلم قبل هذه الأشياء كلها، وهذا هو اختيار ابن جرير، وابن الجوزي، وغيرهما قال ابن جرير، وبعد القلم السحاب الرقيق. واحتجوا بالحديث الّذي رواه الامام أحمد، وأبو داود والترمذي عن عبادة بن الصامت ﵁: قال قال رسول الله ﷺ «إن أول ما خلق الله القلم. ثم قال له اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن الى يوم القيامة» لفظ أحمد. وقال الترمذي حسن صحيح غريب. والّذي عليه الجمهور فيما نقله الحافظ أبو العلاء الهمدانيّ وغيره (أن العرش مخلوق قبل ذلك) وهذا هو الّذي رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس كما دل على ذلك الحديث الّذي رواه

стр. 9

مسلم في صحيحه. حيث قال: حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرنى أبو هانئ الخولانيّ عن أبى عبد الرحمن الجيلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة، قال وعرشه على الماء.» قالوا فهذا التقدير هو كتابته بالقلم المقادير. وقد دل هذا الحديث أن ذلك بعد خلق العرش فثبت تقديم العرش على القلم الّذي كتب به المقادير كما ذهب الى ذلك الجماهير. ويحمل حديث القلم على أنه أول المخلوقات من هذا العالم. ويؤيد هذا ما رواه البخاري عن عمران بن حصين: قال قال أهل اليمن لرسول الله ﷺ «جئناك لنتفقه في الدين ولنسألك عن أول هذا الأمر فقال كان الله ولم يكن شيء قبله وفي رواية معه، وفي رواية غيره «وكان عرشه على الماء. وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض» وفي لفظ: ثم خلق السموات والأرض. فسألوه عن ابتداء خلق السموات والأرض. ولهذا قالوا جئناك نسألك عن أول هذا الأمر فأجابهم عما سألوا فقط. ولهذا لم يخبرهم بخلق العرش كما أخبر به في حديث أبى رزين المتقدم. قال ابن جرير وقال آخرون «بل خلق الله الماء قبل العرش» رواه السدي عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ : قالوا «إن الله كان عرشه على الماء، ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء» وحكى ابن جرير عن محمد بن إسحاق أنه قال «أول ما خلق الله النور والظلمة ثم ميز بينهما فجعل الظلمة ليلا أسود مظلما، وجعل النور نهارا مضيئا مبصرا» قال ابن جرير وقد قيل «ان الّذي خلق ربنا بعد القلم الكرسي. ثم خلق بعد الكرسي العرش. ثم خلق بعد ذلك الهواء والظلمة. ثم خلق الماء فوضع عرشه على الماء» والله أعلم. فصل فيما ورد في صفة خلق العرش والكرسي. قال الله تعالى «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ» وقال تعالى «فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ» وقال الله «لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ» وقال «وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ» وقال تعالى «الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اِسْتَوى» وقال «ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» في غير ما آية من القرآن، وقال تعالى «الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً»

стр. 10

وقال تعالى «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» وقال تعالى «وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ» وفي الدعاء المروي في الصحيح في دعاء الكرب «لا إله إلا الله العظيم الحليم. لا إله إلا الله رب العرش الكريم. لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض رب العرش الكريم». وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا يحيى بن العلاء عن عمه شعيب بن خالد حدثني سماك بن حرب عن عبد الله بن عميرة عن الأحنف ابن قيس عن عباس بن عبد المطلب قال كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ بالبطحاء فمرت سحابة فقال رسول الله ﷺ «أتدرون ما هذا قال قلنا السحاب قال والمزن قال قلنا والمزن قال والعنان قال فسكتنا فقال هل تدرون كم بين السماء والأرض قال قلنا الله ورسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة سنة ومن كل سماء الى سماء مسيرة خمسمائة سنة، وكشف كل سماء (١) مسيرة خمسمائة سنة وفوق السماء السابعة بحر بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض. ثم فوق ذلك ثمانية أوعال بين ركبهن وأظلافهن كما بين السماء والأرض ثم على ظهورهم العرش بين أسفله وأعلاه كما بين السماء والأرض والله فوق ذلك وليس يخفى عليه من أعمال بنى آدم شيء». هذا لفظ الامام أحمد. ورواه أبو داود وابن ماجة والترمذي من حديث سماك باسناده نحوه. وقال الترمذي هذا حديث حسن، وروى شريك بعض هذا الحديث عن سماك ووقفه ولفظ أبى داود «وهل تدرون بعد ما بين السماء والأرض؟ قالوا لا ندري» قال «بعد ما بينهما إما واحدة أو اثنتين أو ثلاثة وسبعون سنة» والباقي نحوه. وقال أبو داود حدثنا عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن المثنى ومحمد بن بشار، وأحمد بن سعيد الرباطي قالوا حدثنا وهب بن جرير. قال أحمد كتبناه من نسخته وهذا لفظه. قال حدثنا أبى قال سمعت محمد بن إسحاق يحدث عن يعقوب بن عقبة عن جبير بن محمد بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن جده قال أتى رسول الله ﷺ أعرابي فقال يا رسول الله جهدت الأنفس وجاعت العيال (٢) ونهكت الأموال وهلكت الأنعام. فاستسق الله لنا فانا نستشفع بك على الله ونستشفع بالله عليك» قال رسول الله ﷺ «ويحك أتدري ما تقول» وسبح رسول الله ﷺ فما زال يسبح حتى عرف ذلك في وجوه أصحابه. ثم قال «ويحك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه شأن الله أعظم من ذلك ويحك أتدري ما الله إن عرشه على سماواته لهكذا» وقال بأصابعه مثل القبة عليه وإنه ليئط به أطيط الرحل بالراكب. قال ابن بشار في

стр. 11

حديثه «ان الله فوق عرشه وعرشه فوق سماواته» وساق الحديث. وقال عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار عن يعقوب بن عقبة وجبير بن محمد بن جبير عن أبيه عن جده، قال أبو داود والحديث باسناد أحمد بن سعيد وهو الصحيح. وافقه عليه جماعة منهم يحيى بن معين وعلى بن المديني ورواه جماعة منهم عن ابن إسحاق كما قال احمد أيضا، وكان سماع عبد الأعلى وابن المثنى وابن بشار في نسخة واحدة فيما بلغني. تفرد بإخراجها أبو داود، وقد صنف الحافظ أبو القاسم بن عساكر الدمشقيّ جزءا في الرد على هذا الحديث. سماه (ببيان الوهم والتخليط الواقع في حديث الأطيط) واستفرغ وسعه في الطعن على محمد بن إسحاق بن بشار راويه. وذكر كلام الناس فيه، ولكن قد روى هذا اللفظ من طريق أخرى عن غير محمد بن إسحاق، فرواه عبد بن حميد وابن جرير في تفسيريهما، وابن أبى عاصم والطبراني في كتابي السنة لهما، والبزار في مسندة والحافظ الضياء المقدسي في مختارته من طريق أبى إسحاق السبيعي عن عبد الله بن خليفة عن عمر بن الخطاب ﵁ قال «أتت امرأة الى رسول الله ﷺ فقالت ادع الله أن يدخلني الجنة قال فعظم الرب ﵎ وقال «ان كرسيه وسع السموات والأرض وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد من ثقله. عبد الله بن خليفة هذا ليس بذاك المشهور. وفي سماعه من عمر نظر. ثم منهم من يرويه موقوفا ومرسلا، ومنهم من يزيد فيه زيادة غريبة والله أعلم * وثبت في صحيح البخاري عن رسول الله ﷺ أنه قال «إذا سألتم الله الجنة فسلوه الفردوس فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة وفوقه عرش الرحمن». يروى وفوقه بالفتح على الظرفية، وبالضم. قال شيخنا الحافظ المزي وهو أحسن، أي وأعلاها عرش الرحمن. وقد جاء في بعض الآثار (أن أهل الفردوس يسمعون أطيط العرش وهو تسبيحه وتعظيمه) وما ذاك الا لقربهم منه. وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال «لقد اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ. وذكر الحافظ بن الحافظ محمد ابن عثمان بن أبي شيبة في كتاب صفة العرش عن بعض السلف «أن العرش مخلوق من ياقوتة حمراء بعد ما بين قطريه مسيرة خمسين ألف سنة» وذكرنا عند قوله تعالى «تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» أنه بعد ما بين العرش الى الأرض السابعة مسيرة خمسين ألف سنة واتساعه خمسون ألف سنة. وقد ذهب طائفة من أهل الكلام الى أن العرش فلك مستدير من جميع جوانبه محيط بالعالم من كل جهة ولذا سموه الفلك التاسع والفلك الأطلس والأثير. وهذا ليس بجيد لانه قد ثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة، والفلك لا يكون له قوائم ولا يحمل، وأيضا فإنه فوق الجنة والجنة فوق السموات وفيها مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض فالبعد الّذي بينه وبين الكرسي ليس هو نسبة فلك الى فلك. وأيضا فان العرش في اللغة عبارة عن السرير

стр. 12

الّذي للملك كما قال تعالى ﴿وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. وليس هو فلكا ولا تفهم منه العرب ذلك. والقرآن انما نزل بلغة العرب فهو سرير ذو قوائم تحمله الملائكة، وهو كالقبة على العالم وهو سقف المخلوقات. قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ وقد تقدم في حديث الأوعال أنهم ثمانية، وفوق ظهورهن العرش، وقال تعالى ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ﴾ وقال شهر بن حوشب «حملة العرش ثمانية أربعة منهم يقولون سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على حلمك بعد علمك» وأربعة يقولون «سبحانك اللهمّ وبحمدك لك الحمد على عفوك بعد قدرتك» فأما الحديث الّذي رواه الامام احمد حدثنا عبد الله بن محمد هو أبو بكر ابن أبى شيبة، حدثنا عبدة بن سليمان عن محمد بن إسحاق عن يعقوب بن عقبة عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ صدق أمية يعنى ابن أبى الصلت في بيتين من شعره فقال رجل وثور تحت رجل يمينه … والنسر للأخرى وليث مرصد فقال رسول الله ﷺ صدق. فقال والشمس تطلع كل آخر ليلة … حمراء مطلع لونها متورد تأبى فلا تبدو لنا في رسلها … الا معذبة والا تجلد فقال رسول الله ﷺ «صدق» فإنه حديث صحيح الاسناد رجاله ثقات. وهو يقتضي أن حملة العرش اليوم أربعة، فيعارضه حديث الأوعال. اللهمّ الا أن يقال إن إثبات هؤلاء الأربعة على هذه الصفات لا ينفى ما عداهم. والله أعلم. ومن شعر أمية بن أبى الصلت في العرش قوله مجدوا الله فهو للمجد أهل … ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء العالي الّذي بهر الناس … وسوى فوق السماء سريرا شرجعا لا يناله بصر العين … ترى حوله الملائك صورا صور جمع أصور وهو المائل العنق لنظره الى العلو (١) والشرجع هو العالي المنيف. والسرير هو العرش في اللغة. ومن شعر عبد الله بن رواحة ﵁ الّذي عرض به عن القراءة لامرأته حين اتهمته بجاريته شهدت بان وعد الله حق … وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف … وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة كرام … ملائكة الإله مسومينا ذكره ابن عبد البر وغير واحد من الأئمة وقال أبو داود حدثنا أحمد بن حفص بن عبد الله حدثني أبى حدثنا إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله

стр. 13

أن النبي ﷺ قال «اذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش أن ما بين شحمة أذنه الى عاتقه مسيرة سبعمائة عام. ورواه ابن أبى عاصم (١) ولفظه محقق الطير (٢) مسيرة سبعمائة عام وأما الكرسي فروى ابن جرير من طريق جويبر وهو ضعيف عن الحسن البصري انه كان يقول الكرسي هو العرش وهذا لا يصح عن الحسن بل الصحيح عنه وعن غيره من الصحابة والتابعين أنه غيره وعن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا في قوله تعالى ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ﴾ أي علمه والمحفوظ عن ابن عباس كما رواه الحاكم في مستدركه. وقال إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه من طريق سفيان الثوري عن عمار الدهني عن مسلم البطين عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال الكرسي موضع القدمين والعرش لا يقدر قدره الا الله . وقد رواه شجاع بن مخلد الفلاس في تفسيره عن أبى عاصم النبيل عن الثوري فجعله مرفوعا والصواب أنه موقوف على ابن عباس وحكاه ابن جرير عن أبى موسى الأشعري والضحاك بن مزاحم وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير ومسلم البطين وقال السدي عن أبى مالك «الكرسي تحت العرش. وقال السدي السموات والأرض في جوف الكرسي والكرسي بين يدي العرش» وروى ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس أنه قال «لو أن السموات السبع والأرضين السبع بسطن ثم وصلن بعضهن الى بعض ما كن في سعة الكرسي الا بمنزلة الحلقة في المفازة» وقال ابن جرير حدثني يونس حدثنا ابن وهب قال قال ابن زيد حدثني أبى قال قال رسول الله ﷺ «ما السموات السبع في الكرسي الا كدراهم سبعة ألقيت في ترس» قال وقال أبو ذر سمعت رسول الله ﷺ يقول «ما الكرسي في العرش الا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض» أول الحديث مرسل. وعن أبى ذر منقطع. وقد روى عنه من طريق أخرى موصولا فقال الحافظ أبو بكر بن مردويه في تفسيره أخبرنا سليمان بن أحمد الطبراني أنبأنا عبد الله ابن وهيب المغربي أنبأنا محمد بن أبى سرى العسقلاني أنبأنا محمد بن عبد الله التميمي عن القاسم بن محمد الثقفي عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى ذر الغفاريّ أنه سأل رسول الله ﷺ عن الكرسي فقال رسول الله ﷺ «والّذي نفسي بيده ما السموات السبع والأرضون السبع عند الكرسي الا كحلقة ملقاة بأرض فلاة وإن فضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على تلك الحلقة * وقال ابن جرير في تاريخه حدثنا ابن وكيع قال حدثنا أبى عن سفيان عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير قال

стр. 14

سئل ابن عباس عن قوله ﴿وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ على أي شيء كان الماء قال على متن الريح قال والسموات والأرضون وكل ما فيهن من شيء تحيط بها البحار ويحيط بذلك كله الهيكل ويحيط بالهيكل فيما قيل الكرسي. وروى (١) عن وهب ابن منبه نحوه. وفسر وهب الهيكل فقال شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط * وقد زعم بعض من ينتسب الى علم الهيئة أن الكرسي عبارة عن الفلك الثامن الّذي يسمونه فلك الكواكب الثوابت. وفيما زعموه نظر لأنه قد ثبت أنه أعظم من السموات السبع بشيء كثير ورد الحديث المتقدم (٢) بان نسبتها اليه كنسبة حلقة ملقاة بأرض فلاة وهذا ليس نسبة فلك الى فلك. فان قال قائلهم فنحن نعترف بذلك ونسميه مع ذلك فلكا فنقول الكرسي ليس في اللغة عبارة عن الفلك وانما هو كما قال غير واحد من السلف بين يدي العرش كالمرقاة اليه. ومثل هذا لا يكون فلكا. وزعم أن الكواكب الثوابت مرضعة فيه لا دليل لهم عليه. هذا مع اختلافهم في ذلك أيضا كما هو مقرر في كتبهم والله أعلم ذكر اللوح المحفوظ قال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة حدثنا منجاب بن الحارث حدثنا إبراهيم بن يوسف حدثنا زياد بن عبد الله عن ليث عن عبد الملك بن سعيد بن جبير عن أبيه عن ابن عباس أن نبي الله ﷺ قال «ان الله خلق لوحا محفوظا من درة بيضاء صفحاتها من ياقوتة حمراء، قلمه نور وكتابه نور لله فيه في كل يوم ستون وثلاثمائة لحظة يخلق ويرزق ويميت ويحيى ويعز ويذل ويفعل ما يشاء» وقال إسحاق بن بشر أخبرنى مقاتل وابن جريج عن مجاهد عن ابن عباس قال «إن في صدر اللوح لا إله الا الله وحده دينه الإسلام ومحمد عبده ورسوله. فمن آمن بالله وصدق بوعده (٣) واتبع رسله أدخله الجنة» قال «واللوح المحفوظ لوح من درة بيضاء. طوله ما بين السماء والأرض، وعرضه ما بين المشرق والمغرب، وحافتاه الدر والياقوت، ودفتاه ياقوتة حمراء، وقلمه نور، وكلامه معقود بالعرش، وأصله في حجر ملك» وقال أنس بن مالك، وغيره من السلف «اللوح المحفوظ في جبهة إسرافيل» وقال مقاتل هو عن يمين العرش *

стр. 15

باب ما ورد في خلق السموات والأرض وما بينهما قال الله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ، وَجَعَلَ الظُّلُماتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ في غير ما آية من القرآن وقد اختلف المفسرون في مقدار هذه الستة الأيام على قولين. فالجمهور على أنها كايامنا هذه. وعن ابن عباس، ومجاهد والضحاك، وكعب الأحبار: ان كل يوم منها كالف سنة مما تعدون. رواهن ابن جرير، وابن أبى حاتم. واختار هذا القول الامام أحمد ابن حنبل في كتابه الّذي رد فيه على الجهمية، وابن جرير وطائفة من المتأخرين والله أعلم. وسيأتي ما يدل على هذا القول. وروى ابن جرير عن الضحاك بن مزاحم، وغيره أن أسماء الأيام الستة «أبجد هوز حطي كلمن سعفص قرشت» وحكى ابن جرير في أول الأيام ثلاثة أقوال، فروى عن محمد بن إسحاق أنه قال «يقول أهل التوراة ابتدأ الله الخلق يوم الأحد، ويقول أهل الإنجيل: ابتدأ الله الخلق يوم الاثنين، ونقول نحن المسلمون فيما انتهى إلينا عن رسول الله ﷺ ابتدأ الله الخلق يوم السبت» وهذا القول الّذي حكاه ابن إسحاق عن المسلمين مال اليه طائفة من الفقهاء من الشافعية، وغيرهم. وسيأتي فيه حديث أبى هريرة (خلق الله التربة يوم السبت) والقول بانه الأحد رواه ابن جرير عن السدي عن أبى مالك، وأبى صالح عن ابن عباس، وعن مرة عن ابن مسعود، وعن جماعة من الصحابة ورواه أيضا عن عبد الله ابن سلام، واختاره ابن جرير. وهو نص التوراة، ومال اليه طائفة آخرون من الفقهاء. وهو أشبه بلفظ الأحد ولهذا كمل الخلق في ستة أيام فكان آخرهن الجمعة فاتخذه المسلمون عيدهم في الأسبوع وهو اليوم الّذي أضل الله عنه أهل الكتاب قبلنا كما سيأتي بيانه ان شاء الله. وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ * ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ، وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ، وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فهذا يدل على أن الأرض خلقت قبل السماء لأنها كالأساس للبناء كما قال تعالى ﴿اللهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَالسَّماءَ بِناءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ ذلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ قال تعالى ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً * وَالْجِبالَ أَوْتاداً﴾ الى ان قال ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ وقال ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما وَجَعَلْنا﴾

стр. 16

مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ أي فصلنا ما بين السماء والأرض حتى هبت الرياح ونزلت الأمطار وجرت العيون، والأنهار وانتعش الحيوان. ثم قال ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ﴾ أي عما خلق فيها من الكواكب الثوابت، والسيارات والنجوم الزاهرات والاجرام النيرات، وما في ذلك من الدلالات على حكمة خالق الأرض والسموات كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ * وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ فأما قوله تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها * وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها * أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها، * وَالْجِبالَ أَرْساها * مَتاعاً لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ فقد تمسك بعض الناس بهذه الآية على تقدم خلق السماء على خلق الأرض. فخالفوا صريح الآيتين المتقدمتين ولم يفهموا هذه الآية الكريمة فان مقتضى هذه الآية أن دحى الأرض وإخراج الماء والمرعى منها بالفعل بعد خلق السماء. وقد كان ذلك مقدرا فيها بالقوة كما قال تعالى ﴿وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها﴾ أي هيأ أماكن الزرع ومواضع العيون والأنهار ثم لما أكمل خلق صورة العالم السفلى والعلويّ دحى الأرض فأخرج منها ما كان مودعا فيها فخرجت العيون وجرت الأنهار، ونبت الزرع والثمار ولهذا فسر الدحى بإخراج الماء والمرعى منها وإرساء الجبال فقال ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها * أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها﴾ وقوله ﴿وَالْجِبالَ أَرْساها﴾ أي قررها في أماكنها التي وضعها فيها وثبتها وأكدها وأطدها وقوله ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ، * وَالْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ، * وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ بأيد أي بقوة. وأنا لموسعون، وذلك أن كل ما علا اتسع فكل سماء أعلى من التي تحتها فهي أوسع منها. ولهذا كان الكرسي أعلى من السموات. وهو أوسع منهن كلهن، والعرش أعظم من ذلك كله بكثير. وقوله بعد هذا ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْناها﴾ أي بسطناها وجعلناها مهدا أي قارة ساكنة غير مضطربة ولا مائدة بكم. ولهذا قال ﴿فَنِعْمَ الْماهِدُونَ﴾ والواو لا تقتضي الترتيب في الوقوع. وإنما يقتضي الاخبار المطلق في اللغة والله أعلم * وقال البخاري حدثنا عمر بن جعفر بن غياث حدثنا أبى حدثنا الأعمش حدثنا جامع بن شداد عن صفوان بن محرز أنه حدثه عن عمران بن حصين قال «دخلت على النبي صلّى الله وعليه وسلّم وعقلت ناقتي بالباب فأتاه ناس من بنى تميم فقال أقبلوا البشرى يا بنى تميم» قالوا قد بشرتنا فأعطنا مرتين ثم دخل عليه ناس من اليمن فقال «أقبلوا البشرى يا أهل اليمن ان لم يقبلها بنو تميم» قالوا قد قبلنا يا رسول الله قالوا جئناك نسألك عن هذا الأمر. قال «كان الله ولم يكن شيء غيره وكان عرشه على الماء وكتب في الذكر كل شيء وخلق السموات والأرض» فنادى مناد ذهبت ناقتك يا ابن الحصين فانطلقت فإذا هي تقطع دونها السراب فو الله لوددت انى كنت تركتها» هكذا رواه هاهنا وقد رواه في كتاب المغازي

стр. 17

وكتاب التوحيد وفي بعض ألفاظه «ثم خلق السموات والأرض» وهو لفظ النسائي أيضا. وقال الامام أحمد بن حنبل حدثنا حجاج حدثني ابن جريج أخبرنى إسماعيل بن أمية عن أيوب بن خالد عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة عن ابى هريرة قال «أخذ رسول الله ﷺ بيدي فقال خلق الله التربة يوم السبت وخلق الجبال يوم الأحد وخلق الشجر يوم الاثنين وخلق المكروه يوم الثلاث وخلق النور يوم الأربعاء وبث الدواب يوم الخميس وخلق آدم بعد العصر يوم الجمعة آخر خلق خلق في آخر ساعة من ساعات الجمعة فيما بين العصر الى الليل» وهكذا رواه مسلم عن سريج بن يونس وهارون بن عبد الله والنسائي عن هارون ويوسف بن سعيد ثلاثتهم عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور عن ابن جريج به مثله سواء. وقد رواه النسائي في التفسير عن إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني عن محمد ابن الصباح عن أبى عبيدة الحداد عن الأخضر بن عجلان عن ابن جريج عن عطاء بن أبى رباح عن أبى هريرة «ان رسول الله ﷺ أخذ بيدي فقال يا أبا هريرة «ان الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش يوم السابع، وخلق التربة يوم السبت» وذكر تمامه بنحوه فقد اختلف فيه على ابن جريج وقد تكلم في هذا الحديث على ابن المديني والبخاري والبيهقي وغيرهم من الحفاظ قال البخاري في التأريخ، وقال بعضهم عن كعب وهو أصح يعنى أن هذا الحديث مما سمعه أبو هريرة وتلقاه من كعب الأحبار فإنهما كانا يصطحبان ويتجالسان للحديث، فهذا يحدثه عن صحفه، وهذا يحدثه بما يصدقه عن النبي ﷺ ، فكان هذا الحديث مما تلقاه أبو هريرة عن كعب عن صحفه، فوهم بعض الرواة فجعله مرفوعا الى النبي ﷺ ، وأكد رفعه بقوله «أخذ رسول الله ﷺ بيدي» ثم في متنه غرابة شديدة. فمن ذلك أنه ليس فيه ذكر خلق السموات، وفيه ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام. وهذا خلاف القرآن لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين من دخان. وهو بخار الماء الّذي ارتفع حين اضطرب الماء العظيم الّذي خلق من ربذة الأرض بالقدرة العظيمة البالغة كما قال إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير في خبر ذكره عن أبى مالك، وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ﴾ قال ان الله ﴿كانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ ولم يخلق شيئا مما خلق قبل الماء فلما أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء فسما عليه فسماه سماء * ثم أيبس الماء فجعله أرضا واحدة ثم فتقها فجعل سبع أرضين في يومين (الأحد والاثنين) وخلق الأرض على حوت وهو النون الّذي قال الله تعالى ﴿ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ﴾ والحوت في الماء والماء على صفات والصفات على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح. وهي الصخرة التي ذكرها لقمان ليست في السماء ولا في الأرض فتحرك الحوت فاضطرب

стр. 18

فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال فقرت. وخلق الله يوم الثلاثاء الجبال وما فيهن من المنافع، وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران الخراب وفتق السماء وكانت رتقا فجعلها سبع سماوات في يومين الخميس والجمعة. وانما سمى يوم الجمعة لأنه جمع فيه خلق السموات والأرض وأوحى في كل سماء أمرها. ثم قال خلق في كل سماء خلقها من الملائكة والبحار وجبال البرد وما لا يعلمه غيره. ثم زين السماء بالكواكب فجعلها زينة وحفظا يحفظ من الشياطين، فلما فرغ من خلق ما أحب استوى على العرش. هذا الاسناد يذكر به السدي أشياء كثيرة فيها غرابة وكان كثير منها متلقى من الإسرائيليات. فان كعب الأحبار لما أسلم في زمن عمر كان يتحدث بين يدي عمر بن الخطاب ﵁ بأشياء من علوم أهل الكتاب فيستمع له عمر تأليفا له، وتعجبا مما عنده مما يوافق كثير منه الحق الّذي ورد به الشرع المطهر فاستجاز كثير من الناس نقل ما يورده كعب الأحبار لهذا، ولما جاء من الاذن في التحديث عن بنى إسرائيل لكن كثيرا ما يقع مما يرويه غلط كبير وخطأ كثير * وقد روى البخاري في صحيحه (١) عن معاوية أنه كان يقول في كعب الأحبار (وإن كنا مع ذلك لنبلو عليه الكذب) أي فيما ينقله لا أنه يتعمد ذلك والله أعلم * ونحن نورد ما نورده من الّذي يسوقه كثير من كبار الأئمة المتقدمين عنهم. ثم نتبع ذلك من الأحاديث بما يشهد له بالصحة أو يكذبه ويبقى الباقي مما لا يصدق ولا يكذب وبه المستعان وعليه التكلان قال البخاري حدثنا قتيبة حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبى زناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «لما قضى الله الخلق كتب في كتابه فهو عنده فوق العرش ان رحمتي غلبت غضبى» وكذا رواه مسلم والنسائي عن قتيبة به. ثم قال البخاري باب ما جاء في سبع أرضين وقوله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ ثم قال حدثنا على بن عبد الله أخبرنا ابن علية عن على بن المبارك حدثنا يحيى بن أبى كثير عن محمد بن إبراهيم بن الحارث عن أبى سلمة بن عبد الرحمن وكانت بينه وبين ناس خصومة في أرض فدخل على عائشة فذكر لها ذلك. فقالت يا أبا سلمة

стр. 19

اجتنب الأرض فان رسول الله ﷺ قال «من ظلم قيد شبر طوقه من سبع أرضين» ورواه أيضا في كتاب المظالم ومسلم من طرق عن يحيى بن كثير به * ورواه احمد من حديث محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة به، ورواه أيضا عن يونس عن ابان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن عائشة بمثله. ثم قال البخاري حدثنا بشر بن محمد قال أخبرنا عبد الله عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال قال النبي ﷺ «من أخذ شيئا من الأرض بغير حقه خسف به يوم القيامة الى سبع أرضين» ورواه في المظالم أيضا عن مسلم بن إبراهيم عن عبد الله هو ابن المبارك عن موسى بن عقبة به وهو من افراده، وذكر البخاري هاهنا حديث محمد بن سيرين عن عبد الرحمن بن أبى بكرة عن أبيه، قال قال رسول الله ﷺ «الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنى عشر شهرا» الحديث ومراده والله أعلم تقرير قوله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ﴾ أي في العدد كما أن عدة الشهور الآن اثنى عشر مطابقة لعدة الشهور عند الله في كتابه الأول فهذه مطابقة في الزمان كما أن تلك مطابقة في المكان. ثم قال البخاري حدثنا عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة عن هشام عن أبيه عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل أنه خاصمته أروى (١) في حق زعمت أنه انتقصه لها الى مروان فقال سعيد ﵁ انا انتقص من حقها شيئا؟ أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول «من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين» ورواه (٢) وقال الامام أحمد حدثنا حسن وأبو سعيد مولى بنى هاشم حدثنا عبد الله ابن لهيعة حدثنا عبد الله ابن أبى جعفر عن أبى عبد الرحمن عن ابن مسعود قال «قلت يا رسول الله أي الظلم أعظم قال ذراع من الأرض ينتقصه المرء المسلم من حق أخيه فليس حصاة من الأرض يأخذها أحد الا طوقها يوم القيامة الى قعر الأرض، ولا يعلم قعرها الا الّذي خلقها» تفرد به أحمد، وهذا اسناد لا بأس به. وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا وهيب حدثنا سهيل عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «من أخذ شبرا من الأرض بغير حقه طوقه من سبع أرضين» تفرد به من هذا الوجه وهو على شرط مسلم. وقال أحمد حدثنا يحيى عن ابن عجلان حدثني أبى عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ

стр. 20

قال «من اقتطع شبرا من الأرض بغير حقه طوقه الى سبع أرضين» تفرد به أيضا وهو على شرط مسلم. وقال أحمد أيضا حدثنا عفان حدثنا أبو عوانة عن عمر بن أبى سلمة عن أبيه عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال «من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه طوقه من سبع أرضين» تفرد به أيضا وقد رواه الطبراني من حديث معاوية بن قرة عن ابن عباس مرفوعا مثله * فهذه الأحاديث كالمتواترة في إثبات سبع أرضين والمراد بذلك أن كل واحدة فوق الأخرى والتي تحتها في وسطها عند أهل الهيئة حتى ينتهى الأمر الى السابعة وهي صماء لا جوف لها، وفي وسطها المركز وهي نقطة مقدرة متوهمة. وهو محط الأثقال، اليه ينتهى ما يهبط من كل جانب إذا لم يعاوقه مانع. واختلفوا هل هن متراكمات بلا تفاصل أو بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. والظاهر ان بين كل واحدة والتي تليها خلاء على قولين. وهذا الخلاف جار في الأفلاك أيضا. والظاهر أن بين كل واحدة منهن وبين الأخرى مسافة لظاهر قوله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ الآية وقال الامام أحمد حدثنا شريح حدثنا الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة قال «بينا نحن عند رسول الله ﷺ إذ مرت سحابة فقال «أتدرون ما هذه قلنا الله ورسوله أعلم قال العنان وزوايا الأرض تسوقه الى من لا يشكرونه من عباده ولا يدعونه أتدرون ما هذه فوقكم: قلنا الله ورسوله أعلم قال الرفيع موج مكفوف وسقف محفوظ أتدرون كم بينكم وبينها قلنا الله ورسوله أعلم. قال مسيرة خمسمائة سنة. ثم قال أتدرون ما الّذي فوقها قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام حتى عد سبع سماوات * ثم قال أتدرون ما فوق ذلك قلنا الله ورسوله أعلم قال العرش أتدرون كم بينه وبين السماء السابعة قلنا الله ورسوله أعلم قال مسيرة خمسمائة عام. ثم قال أتدرون ما هذه تحتكم قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أتدرون ما تحتها قلنا الله ورسوله أعلم قال أرض أخرى أتدرون كم بينهما قلنا الله ورسوله اعلم. قال مسيرة سبعمائة عام حتى عد سبع أرضين ثم قال وأيم الله لو دليتم أحدكم الى الأرض السفلى السابعة لهبط. ثم قرأ ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ورواه الترمذي عن عبد بن حميد، وغير واحد عن يونس بن محمد المؤدب عن شيبان بن عبد الرحمن عن قتادة، قال حدث الحسن عن أبى هريرة وذكره الا انه ذكر أن بعد ما بين كل أرضين خمسمائة عام وذكر في آخره كلمة (١) ذكرناها عند تفسير هذه الآية من سورة الحديد ثم قال الترمذي هذا حديث غريب من هذا الوجه قال ويروى عن أيوب ويونس بن عبيد وعلى بن زيد

стр. 21

أنهم قالوا لم يسمع الحسن من أبى هريرة * ورواه ابو محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم في تفسيره من حديث أبى جعفر الرازيّ عن قتادة عن الحسن عن أبى هريرة فذكر مثل لفظ الترمذي سواء بدون زيادة في آخره ورواه ابن جرير في تفسيره عن بشر عن يزيد عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة مرسلا. وقد يكون هذا أشبه والله أعلم. ورواه الحافظ أبو بكر البزار والبيهقي من حديث أبى ذر الغفاريّ عن النبي ﷺ ولكن لا يصح اسناده والله أعلم * وقد تقدم عند صفة العرش من حديث الأوعال ما يخالف هذا في ارتفاع العرش عن السماء السابعة وما يشهد له. وفيه وبعد ما بين كل سماءين خمسمائة عام، وكثفها أي سمكها خمسمائة عام * وأما ما ذهب اليه بعض المتكلمين على حديث (طوقه من سبع أرضين) انها سبعة أقاليم. فهو قول يخالف ظاهر الآية والحديث الصحيح وصريح كثير من ألفاظه مما يعتمد من الحديث الّذي أوردناه من طريق الحسن عن أبى هريرة. ثم انه حمل الحديث والآية على خلاف ظاهرهما بلا مستند ولا دليل والله أعلم. وهكذا ما يذكره كثير من أهل الكتاب وتلقاه عنهم طائفة من علمائنا من أن هذه الأرض من تراب والتي تحتها من حديد والأخرى من حجارة من كبريت والأخرى من كذا فكل هذا إذا لم يخبر به ويصح سنده الى معصوم فهو مردود على قائله. وهكذا الأثر المروي عن ابن عباس انه قال في كل أرض من الخلق مثل ما في هذه حتى آدم كآدمكم وإبراهيم كابراهيمكم فهذا ذكره ابن جرير مختصرا واستقصاه البيهقي في الأسماء والصفات وهو محمول ان صح نقله عنه على أنه أخذه ابن عباس ﵁ عن الإسرائيليات والله أعلم * وقال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام بن حوشب عن سليمان بن أبى سليمان عن أنس بن مالك عن النبي ﷺ قال لما خلق الله الأرض جعلت تميد فخلق الجبال فألقاها عليها فاستقرت فتعجبت الملائكة من خلق الجبال فقالت يا رب هل من خلقك شيء أشد من الجبال قال نعم الحديد. قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الحديد قال نعم النار. قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من النار قال نعم الريح. قالت يا رب فهل من خلقك شيء أشد من الريح قال نعم ابن آدم يتصدق بيمينه يخفيها من شماله تفرد به أحمد * وقد ذكر أصحاب الهيئة اعداد جبال الأرض في سائر بقاعها شرقا وغربا، وذكروا طولها وبعد امتدادها وارتفاعها وأوسعوا القول في ذلك بما يطول شرحه هنا. وقد قال الله تعالى ﴿وَمِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ﴾ قال ابن عباس وغير واحد الجدد الطرائق وقال عكرمة وغيره الغرايب الجبال الطوال السود. وهذا هو الشاهد من الجبال في سائر الأرض تختلف باختلاف بقاعها وألوانها. وقد ذكر الله تعالى في كتابه الجودي على التعيين وهو جبل عظيم شرقى

стр. 22

جزيرة ابن عمر الى جانب دجلة. عند الموصل امتداده من الجنوب الى الشمال مسيرة ثلاثة أيام وارتفاعه مسيرة نصف يوم وهو أخضر لأن فيه شجرا من البلوط والى جانبه قرية يقال لها قرية الثمانين لسكنى الذين نجوا في السفينة مع نوح ﵇ في موضعها فيما ذكره غير واحد من المفسرين والله أعلم. فصل في البحار والأنهار قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلاً لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلاماتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَواخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقال تعالى ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ * بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ فالمراد بالبحرين البحر الملح المر وهو الأجاج والبحر العذب هو هذه الأنهار السارحة بين أقطار الأمصار لمصالح العباد قاله ابن جريج وغير واحد من الأئمة. وقال تعالى ﴿وَمِنْ آياتِهِ الْجَوارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَواكِدَ عَلى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ * أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِما كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ﴾ وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبّارٍ شَكُورٍ * وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمّا نَجّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاّ كُلُّ خَتّارٍ كَفُورٍ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فامتن تعالى على عباده بما خلق لهم من البحار والأنهار فالبحر المحيط بسائر أرجاء الأرض وما ينبت منه في جوانبها الجميع مالح الطعم مر وفي هذا حكمة عظيمة لصحة الهواء إذ لو كان حلوا لأنتن الجو وفسد الهواء بسبب ما يموت فيه من الحيوانات فكان يؤدى الى تفانى بنى آدم ولكن اقتضت الحكمة البالغة أن يكون على هذه الصفة لهذه المصلحة. ولهذا لما سئل رسول الله ﷺ عن البحر قال هو الطهور ماؤه الحل ميتته * وأما الأنهار فماؤها حلو عذب فرات سائغ شرابها لمن أراد ذلك. وجعلها جارية سارحة ينبعها

стр. 23

تعالى في أرض ويسوقها الى أخرى رزقا للعباد. ومنها كبار ومنها صغار بحسب الحاجة والمصلحة. وقد تكلم أصحاب علم الهيئة والتفسير على تعداد البحار والأنهار الكبار وأصول منابعها والى اين ينتهى سيرها بكلام فيه حكم ودلالات على قدرة الخالق تعالى، وأنه فاعل بالاختيار والحكمة - وقوله تعالى ﴿وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ﴾ فيه قولان أحدهما ان المراد به البحر الّذي تحت العرش المذكور في حديث الأوعال. وانه فوق السموات السبع بين أسفله وأعلاه كما بين سماء الى سماء، وهو الّذي ينزل منه المطر قبل البعث فتحيا منه الأجساد من قبورها. وهذا القول هو اختيار الربيع بن أنس. والثاني أن البحر اسم جنس يعم سائر البحار التي في الأرض وهو قول الجمهور * واختلفوا في معنى البحر المسجور فقيل المملوء وقيل يصير يوم القيامة نارا تؤجج فيحيط بأهل الموقف كما ذكرناه في التفسير عن على وابن عباس وسعيد بن جبير وابن مجاهد وغيرهم. وقيل المراد به الممنوع المكفوف المحروس عن أن يطغى فيغمر الأرض ومن عليها فيغرقوا. رواه الوالبي عن ابن عباس وهو قول السدي وغيره ويؤيده الحديث الّذي رواه الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا العوام حدثني شيخ كان مرابطا بالساحل قال «لقيت أبا صالح مولى عمر بن الخطاب فقال حدثنا عمر بن الخطاب عن رسول الله ﷺ قال «ليس من ليلة الا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله » ورواه إسحاق بن راهويه عن يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب حدثني شيخ مرابط قال «خرجت ليلة لمحرس لم يخرج أحد من المحرس غيري فأتيت الميناء فصعدت فجعل يخيل إلى ان البحر يشرف يحاذي برءوس الجبال فعل ذلك مرارا وانا مستيقظ فلقيت أبا صالح فقال حدثنا عمر بن الخطاب ان رسول الله ﷺ قال «ما من ليلة الا والبحر يشرف ثلاث مرات يستأذن الله أن يتفصح عليهم فيكفه الله في اسناده رجل مبهم (١) والله أعلم وهذا من نعمه تعالى على عباده ان كف شر البحر عن أن يطغى عليهم وسخره لهم يحمل مراكبهم ليبلغوا عليها الى الأقاليم النائية بالتجارات وغيرها وهداهم فيه بما خلقه في السماء والأرض من النجوم والجبال التي جعلها لهم علامات يهتدون بها في سيرهم وبما خلق لهم فيه من اللآلئ والجواهر النفيسة العزيزة الحسنة الثمينة التي لا توجد الا فيه وبما خلق فيه من الدواب الغريبة وأحلها لهم حتى ميتتها كما قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعامُهُ﴾ وقال النبي ﷺ «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وفي الحديث الآخر «أحلت لنا ميتتان ودمان السمك والجراد والكبد والطحال» رواه أحمد وابن ماجة وفي اسناده نظر *

стр. 24

وقد قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة «وجدت في كتاب عن محمد بن معاوية البغدادي حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة رفعه قال «كلم الله هذا البحر الغربي وكلم البحر الشرقي فقال للغربى انى حامل فيك عبادا من عبادي فكيف أنت صانع بهم قال أغرقهم. قال بأسك في نواحيك وحرمه الحلية والصيد، وكلم هذا البحر الشرقي فقال إنى حامل فيك عبادا من عبادي فما أنت صانع بهم قال أحملهم على يدي، وأكون لهم كالوالدة لولدها فأثابه الحلية والصيد * ثم قال لا تعلم أحدا. ما رواه عن سهيل الا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر وهو منكر الحديث. قال وقد رواه سهيل عن عبد الرحمن بن ابى عياش عن عبد الله بن عمرو موقوفا. قلت الموقوف على عبد الله بن عمرو بن العاص أشبه فإنه قد كان وجد يوم اليرموك زاملتين مملوءتين كتبا من علوم أهل الكتاب فكان يحدث منهما بأشياء كثيرة من الإسرائيليات منها المعروف والمشهور والمنكور والمردود. فأما المعروف فتفرد به عبد الرحمن بن عبد الله بن عمرو بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب أبو القاسم المدني قاضيها. قال فيه الامام أحمد ليس بشيء وقد سمعته منه * ثم مزقت حديثه كان كذابا وأحاديثه مناكير * وكذا ضعفه بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والجوزجاني والبخاري وأبو داود والنسائي وقال ابن عدي عامة أحاديثه مناكير وأفظعها حديث البحر * قال علماء التفسير المتكلمون على العروض والاطوال والبحار والأنهار والجبال والمساحات وما في الأرض من المدن والخراب والعمارات والأقاليم السبعة الحقيقية في اصطلاحهم والأقاليم المتعددة العرفية وما في البلدان والأقاليم من الخواص والنباتات وما يوجد في كل قطر من صنوف المعادن والتجارات قالوا الأرض مغمورة بالماء العظيم الا مقدار الربع منها وهو تسعون درجة والعناية الإلهية اقتضت انحسار الماء عن هذا القدر منها لتعيش الحيوانات عليها وتنبت الزرع والثمار منها كما قال تعالى ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ * فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ * وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ قالوا المعمور من هذا البادي منها قريب الثلثين منه أو أكثر قليلا. وهو خمس وتسعون درجة. قالوا فالبحر المحيط الغربي ويقال له أوقيانوس وهو الّذي يتاخم بلاد المغرب وفيه الجزائر الخالدات وبينها وبين ساحله عشر درج مسافة شهر تقريبا وهو بحر لا يمكن سلوكه ولا ركوبه لكثرة موجه واختلاف ما فيه من الرياح والأمواج وليس فيه صيد ولا يستخرج منه شيء ولا يسافر فيه لمتجر ولا لغيره وهو آخذ في ناحية الجنوب حتى يسامت الجبال القمر (١) ويقال جبال القمر التي منها أصل منبع نيل مصر ويتجاوز خط الاستواء *

стр. 25

ثم يمتد شرقا ويصير جنوبي الأرض. وفيه هناك جزائر الزابج وعلى سواحله خراب كثير * ثم يمتد شرقا وشمالا حتى يتصل ببحر الصين والهند * ثم يمتد شرقا حتى يسامت نهاية الأرض الشرقية المكشوفة. وهناك بلاد الصين. ثم ينعطف في شرق الصين الى جهة الشمال حتى يجاوز بلاد الصين ويسامت سد يأجوج ومأجوج. ثم ينعطف ويستدير على أراضى غير معلومة الأحوال * ثم يمتد مغربا في شمال الأرض ويسامت بلاد الروس ويتجاوزها ويعطف مغربا وجنوبا ويستدير على الأرض ويعود الى جهة الغرب وينبثق من الغربي الى متن الأرض الزقاق الّذي ينتهى أقصاه الى اطراف الشام من الغرب * ثم يأخذ في بلاد الروم حتى يتصل بالقسطنطينية وغيرها من بلادهم وينبعث من المحيط الشرقي بحار أخر فيها جزائر كثيرة، حتى إنه يقال ان في بحر الهند ألف جزيرة وسبعمائة جزيرة فيها مدن وعمارات سوى الجزائر العاطلة ويقال لها البحر الأخضر فشرقيه بحر الصين وغربيه بحر اليمن وشماله بحر الهند وجنوبيه غير معلوم * وذكروا أن بين بحر الهند وبحر الصين جبالا فاصلة بينهما وفيها فجاج يسلك المراكب بينها يسيرها لهم الّذي خلقها كما جعل مثلها في البر أيضا قال الله تعالى «وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بكم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلكم تهتدون» وقد ذكر بطليموس أحد ملوك الهند في كتابه المسمى بالمجسطى الّذي عرب في زمان المأمون، وهو أصل هذه العلوم أن البحار المتفجرة من المحيط الغربي والشرقي والجنوبي والشمالي كثيرة جدا. فمنها ما هو واحد، ولكن يسمى بحسب البلاد المتاخمة له. فمن ذلك بحر القلزم. والقلزم قرية على ساحله قريب من أيلة. وبحر فارس وبحر الخزر وبحر ورنك وبحر الروم وبحر بنطش وبحر الأزرق، مدينة على ساحله وهو بحر القرم أيضا ويتضايق حتى يصب في بحر الروم عند جنوبي القسطنطينية وهو خليج القسطنطينية، ولهذا تسرع المراكب في سيرها من القرم الى بحر الروم وتبطئ إذا جاءت من الاسكندرية الى القرم لاستقبالها جريان الماء. وهذا من العجائب في الدنيا فان كل ماء جار فهو حلو الا هذا وكل بحر راكد فهو ملح أجاج الا ما يذكر عن بحر الخزر وهو بحر جرجان وبحر طبرستان أن فيه قطعة كبيرة ماء حلوا فراتا على ما أخبر به المسافرون عنه. قال أهل الهيئة وهو بحر مستدير الشكل الى الطول ما هو * وقيل إنه مثلث كالقلع وليس هو متصلا بشيء من البحر المحيط بل منفرد وحده، وطوله ثمانمائة ميل وعرضه ستمائة وقيل أكثر من ذلك والله أعلم. ومن ذلك البحر الّذي يخرج منه المد والجزر عند البصرة وفي بلاد المغرب نظيره أيضا يتزايد الماء من أول الشهر ولا يزال في زيادة الى تمام الليلة الرابعة عشر منه وهو المد * ثم يشرع في النقص وهو الجزر الى آخر الشهر * وقد ذكروا تحديد هذه البحار ومبتدأها ومنتهاها وذكروا ما في الأرض

стр. 26

من البحيرات المجتمعة من الأنهار وغيرها من السيول وهي البطائح * وذكروا ما في الأرض من الأنهار المشهورة الكبار، وذكروا ابتداءها وانتهاءها ولسنا بصدد بسط ذلك والتطويل فيه وانما نتكلم على ما يتعلق بالأنهار الوارد ذكرها في الحديث. وقد قال الله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ * وَآتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ ففي الصحيحين من طريق قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن رسول الله ﷺ لما ذكر سدرة المنتهى قال فإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران. فاما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهر ان فالنيل والفرات * وفي لفظ في البخاري وعنصرهما أي مادتهما أو شكلهما وعلى صفتهما ونعتهما وليس في الدنيا مما في الجنة الا سماوية (١) وفي صحيح مسلم من حديث عبيد الله بن عمر عن خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة» وقال الامام أحمد حدثنا ابن نمير ويزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال رسول ﷺ «فجرت أربعة أنهار من الجنة الفرات والنيل وسيحان وجيحان» وهذا اسناد صحيح على شرط مسلم. وكأن المراد والله أعلم من هذا ان هذه الأنهار تشبه انهار الجنة في صفائها وعذوبتها وجريانها ومن جنس تلك في هذه الصفات ونحوها كما قال في الحديث الآخر الّذي رواه الترمذي وصححه من طريق سعيد بن عامر عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «العجوة من الجنة وفيها شفاء من السمّ» اى تشبه ثمر الجنة لا أنها مجتناة من الجنة، فان الحس يشهد بخلاف ذلك فتعين أن المراد غيره وكذا قوله ﷺ «الحمى من فيح جهنم فأبرودها بالماء» وكذا قوله «إذا اشتد الحمى فأبردوها بالماء فان شدة الحر من فيح جهنم» * وهكذا هذه الأنهار أصل منبعها مشاهد من الأرض * أما النيل. وهو النهر الّذي ليس في أنهار الدنيا له نظير في خفته ولطافته وبعد مسراه فيما بين مبتدئه الى منتهاه فمبتداه من الجبال القمر (٢) أي البيض ومنهم من يقول جبال القمر بالإضافة الى الكوكب وهي في غربي الأرض وراء خط الاستواء الى الجانب الجنوبي. ويقال انها حمر ينبع من بينها عيون * ثم يجتمع من عشر مسيلات متباعدة. ثم يجتمع كل خمسة منها في بحر. ثم يخرج منها أنهار ستة. ثم يجتمع كلها في بحيرة أخرى. ثم يخرج منها نهر واحد هو النيل فيمر على بلاد السودان

стр. 27

لحبشه ثم على النوبة ومدينتها العظمى دمقلة (١) ثم على أسوان ثم يفد على ديار مصر. وقد تحمل اليها من بلاد الحبشة زيادات أمطارها واجترف من ترابها وهي محتاجة اليهما معا لان مطرها قليل لا يكفى زروعها وأشجارها. وتربتها رمال لا تنبت شيئا حتى يجيء النيل بزيادته وطينه فينبت فيه ما يحتاجون اليه وهي من أحق الأراضي بدخولها في قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ﴾ ثم يجاوز النيل مصر قليلا فيفترق شطرين عند قرية على شاطئه يقال لها شطنوف فيمر الغربي على رشيد ويصب في البحر المالح * واما الشرقي فتفترق أيضا عند جوجر فرقتين تمر الغربية منهما على دمياط من غربيها ويصب في البحر والشرقية منهما تمر على أشمون (٢) طناح فيصب هناك في بحيرة شرقى دمياط. يقال لها بحيرة تنيس وبحيرة دمياط. وهذا بعد عظيم فيما بين مبتدئه الى منتهاه. ولهذا كان ألطف المياه * قال ابن سينا له خصوصيات دون مياه سائر الأرض * فمنها انه أبعدها مسافة من مجراه الى أقصاه. ومنها أنه يجرى على صخور ورمال ليس فيه خز ولا طحلب ولا أوحال ومنها أنه لا يخضر فيه حجر ولا حصاة وما ذاك الا لصحة مزاجه وحلاوته ولطافته. ومنها ان زيادته في أيام نقصان سائر الأنهار. ونقصانه في أيام زيادتها وكثرتها وأما ما يذكره بعضهم من أن أصل منبع النيل من مكان مرتفع اطلع عليه بعض الناس فرأى هناك هولا عظيما وجواري حسانا وأشياء غريبة وأن الّذي اطلع على ذلك لا يمكنه الكلام بعد هذا فهو من خرافات المؤرخين وهذيانات الأفاكين * وقد قال عبد الله بن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال «لما فتح عمرو بن عاص مصر أتى أهلها اليه حين دخل شهر بؤنة من أشهر العجم (القبطية) فقالوا (أيها الأمير إن لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها فقال لهم وما ذاك قالوا إذا كان لثنتى عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا الى جارية بكر بين أبويها فارضينا أبويها وجعلنا عليها من الحلي والثياب أفضل ما يكون ثم ألقيناها في هذا النيل، فقال لهم عمرو ان هذا لا يكون في الإسلام وان الإسلام يهدم ما قبله فأقاموا بؤنة والنيل لا يجرى لا قليلا ولا كثيرا * وفي رواية فأقاموا بؤنة وأبيب ومسرى وهو لا يجرى حتى هموا بالجلاء. فكتب عمرو الى عمر بن الخطاب بذلك فكتب اليه عمر إنك قد أصبت بالذي فعلت وانى قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي هذا فألقها في النيل فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة ففتحها فإذا فيها «من عبد الله عمر أمير المؤمنين الى نيل مصر (أما بعد) فان كنت تجرى من قبلك فلا تجر وان كان الله الواحد القهار هو الّذي يجريك فنسأل الله أن يجريك (٣) فالقى عمرو البطاقة في النيل فأصبح يوم السبت وقد أجرى الله النيل ستة عشر ذراعا

стр. 28

في ليلة واحدة وقطع الله تلك السنة عن أهل مصر الى اليوم * وأما الفرات فأصلها من شمالي أرزن الروم فتمر الى قرب ملطيه ثم تمر على شميشاط. ثم على البيرة قبليها ثم تشرق الى بالس (١) وقلعة جعبر ثم الرقة ثم الى الرحبة شماليها ثم الى عانة ثم الى هيت ثم الى الكوفة ثم تخرج الى فضاء العراق ويصب في بطائح كبار اى بحيرات وترد اليها ويخرج منها أنهار كبار معروفة وأما سيحان ويقال له سيحون أيضا فأوله من بلاد الروم ويجرى من الشمال والغرب الى الجنوب والشرق وهو غربي مجرى جيحان ودونه في القدر وهو ببلاد الأرض التي تعرف اليوم ببلاد سيس وقد كانت في أول الدولة الإسلامية في أيدي المسلمين * فلما تغلب الفاطميون على الديار المصرية وملكوا الشام وأعمالها عجزوا عن صونها عن الأعداء فتغلب تقفور الأرمني على هذه البلاد أعنى بلاد سيس في حدود الثلاثمائة والى يومنا هذا. والله المسئول عودها إلينا بحوله وقوته. ثم يجتمع سيحان وجيحان عند اذنه فيصيران نهرا واحدا. ثم يصبان في بحر الروم بين إياس وطرسوس * وأما جيحان ويقال له جيحون أيضا وتسميه العامة جاهان. وأصله في بلاد الروم ويسير في بلاد سيس من الشمال الى الجنوب وهو يقارب الفرات في القدر * ثم يجتمع هو وسيحان عند اذنة فيصيران نهرا واحدا * ثم يصبان في البحر عند اياس وطرسوس والله أعلم * فصل قال الله تعالى ﴿اللهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ * * وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * * وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَجَنّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوانٌ وَغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ * أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَجَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَجَعَلَ لَها رَواسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَإِلهٌ مَعَ اللهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى

стр. 29

﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فذكر تعالى ما خلق في الأرض من الجبال والأشجار والثمار والسهول والاوعار وما خلق من صنوف المخلوقات من الجمادات والحيوانات في البراري والقفار والبر والبحار ما يدل على عظمته وقدرته وحكمته ورحمته بخلقه وما سهل لكل دابة من الرزق الّذي هي محتاجة اليه في ليلها ونهارها وصيفها وشتائها وصباحها ومسائها كما قال تعالى ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلاّ عَلَى اللهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ﴾ وقد روى الحافظ أبو يعلى عن محمد بن المثنى عن عبيد بن واقد عن محمد بن عيسى بن كيسان عن محمد بن المنكدر عن جابر عن عمر بن الخطاب قال سمعت رسول الله ﷺ يقول خلق الله ألف امة منها ستمائة في البحر وأربعمائة في البر. وأول شيء يهلك من هذه الأمم الجراد فإذا هلك تتابعت مثل النظام إذا قطع سلكه. (عبيد بن واقد) أبو عباد البصري ضعفه أبو حاتم وقال بن عدي عامة ما يرويه لا يتابع عليه وشيخه أضعف منه. قال الفلاس والبخاري منكر الحديث، وقال أبو زرعة لا ينبغي أن يحدث عنه. وضعفه ابن حبان والدارقطنيّ وأنكر عليه ابن عدي هذا الحديث بعينه وغيره والله أعلم * وقال تعالى ﴿وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ * باب ذكر ما يتعلق بخلق السموات وما فيهن من الآيات قد قدمنا ان خلق الأرض قبل خلق السماء كما قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ سَواءً لِلسّائِلِينَ * ثُمَّ اِسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها * رَفَعَ سَمْكَها فَسَوّاها * وَأَغْطَشَ لَيْلَها وَأَخْرَجَ ضُحاها * وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها﴾ فان الدحى غير الخلق وهو بعد خلق السماء * وقال تعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ * الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ﴾

стр. 30

الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ * وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ وقال تعالى ﴿وَبَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً * وَجَعَلْنا سِراجاً وَهّاجاً﴾ وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللهُ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً﴾ وقال تعالى ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وقال تعالى ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ وقال تعالى ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ * إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ * وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنّا لَمُوسِعُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ * وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهارَ فَإِذا هُمْ مُظْلِمُونَ * وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾. ﴿* وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿فالِقُ الْإِصْباحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَناً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْباناً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ والآيات في هذا كثيرة جدا وقد تكلمنا على كل منها في التفسير * والمقصود أنه تعالى يخبر عن خلق السموات وعظمة اتساعها وارتفاعها وأنها في غاية الحسن والبهاء والكمال والسناء كما قال تعالى ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ﴾ أي الخلق الحسن وقال تعالى ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ اِرْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ﴾ اى خاسئا عن ان يرى فيها نقصا أو خللا وهو حسير اى كليل ضعيف ولو نظر حتى يعى ويكل ويضعف لما اطلع على نقص فيها ولا عيب لانه تعالى قد أحكم خلقها وزين بالكواكب افقها كما قال ﴿وَالسَّماءِ ذاتِ الْبُرُوجِ﴾ أي النجوم * وقيل محال الحرس التي يرمى منها بالشهب لمسترق السمع ولا منافاة بين القولين وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ * وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ﴾ فذكر انه زين منظرها بالكواكب الثوابت والسيارات (الشمس والقمر والنجوم الزاهرات) وأنه صان حوزتها عن حلول

стр. 31

الشياطين بها وهذا زينة معنى * فقال وحفظناها من كل شيطان رجيم كما قال ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى﴾. قال البخاري في كتاب بدء الخلق وقال قتادة ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ﴾ خلق هذه النجوم الثلاث جعلها زينة للسماء ورجوما للشياطين وعلامات يهتدى بها فمن تأول بغير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به * وهذا الّذي قاله قتادة مصرح به في قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ﴾ وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِها فِي ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ فمن تكلف غير هذه الثلاث أي من علم أحكام ما تدل عليه حركاتها ومقارناتها في سيرها وأن ذلك يدل على حوادث أرضيه فقد أخطأ. وذلك أن أكثر كلامهم في هذا الباب ليس فيه إلا حدس وظنون كاذبة ودعاوى باطلة. وذكر تعالى أنه ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً﴾ أي واحدة فوق واحدة * واختلف أصحاب الهيئة هل هن متراكمات أو متفاصلات بينهن خلاء على قولين. والصحيح الثاني لما قدمنا من حديث عبد الله بن عميرة عن الأحنف عن العباس في حديث الأوعال أن رسول الله ﷺ قال أتدرون كم بين السماء والأرض قلنا الله ورسوله أعلم. قال بينهما مسيرة خمسمائة عام. ومن كل سماء إلى سماء خمسمائة سنة وكثف كل سماء خمسمائة سنة * الحديث بتمامه رواه احمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وحسنه * وفي الصحيحين من حديث أنس في حديث الاسراء قال فيه ووجد في السماء الدنيا آدم فقال له جبريل هذا أبوك آدم فسلم عليه فرد عليه¬ السلام. وقال مرحبا وأهلا بابني نعم الابن أنت الى أن قال ثم عرج الى السماء الثانية * وكذا ذكر في الثالثة والرابعة والخامسة والسادسة والسابعة فدل على التفاصل بينها لقوله ثم عرج بنا حتى أتينا السماء الثانية فاستفتح فقيل من هذا الحديث * وهذا يدل على ما قلناه والله أعلم. وقد حكى ابن حزم وابن المنير وأبو الفرج ابن الجوزي وغير واحد من العلماء الإجماع على أن السموات كرة مستديرة * واستدل على ذلك بقوله ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾. قال الحسن يدورون، وقال ابن عباس في فلكة مثل فلكة المغزل. قالوا ويدل على ذلك أن الشمس تغرب كل ليلة من المغرب ثم تطلع في آخرها من المشرق كما قال أمية ابن أبى الصلت. والشمس تطلع كل آخر ليلة * حمراء مطلع لونها متورد * تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * الا معذبه والا تجلد فاما الحديث الّذي رواه البخاري حيث قال حدثنا محمد ابن يوسف حدثنا سفيان عن الأعمش عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن ابى ذر قال قال رسول الله ﷺ لأبي ذر حين غربت الشمس تدري أين تذهب قلت الله ورسوله أعلم قال فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش فتستأذن فيؤذن لها ويوشك أن تسجد فلا يقبل منها وتستأذن فلا يؤذن لها. يقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فذلك

стр. 32

قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ هذا لفظه في بدء الخلق ورواه في التفسير * وفي التوحيد من حديث الأعمش أيضا ورواه مسلم في الايمان من طريق الأعمش ومن طريق يونس بن عبيد وأبو داود من طريق الحكم بن عتبة كلهم عن إبراهيم بن يزيد بن شريك عن أبيه عن أبى ذر به نحوه. وقال الترمذي حسن صحيح * إذا علم هذا فإنه حديث لا يعارض ما ذكرناه من استدارة الأفلاك التي هي السموات على أشهر القولين ولا يدل على كرية العرش كما زعمه زاعمون. قد أبطلنا قولهم فيما سلف ولا يدل على أنها تصعد الى فوق السموات من جهتنا حتى تسجد تحت العرش بل هي تغرب عن أعيننا وهي مستمرة في فلكها الّذي هي فيه وهو الرابع فيما قاله غير واحد من علماء التفسير. وليس في الشرع ما ينفيه بل في الحس وهو الكسوفات ما يدل عليه ويقتضيه فإذا ذهبت فيه حتى تتوسطه وهو وقت نصف الليل مثلا في اعتدال الزمان بحيث يكون بين القطبين الجنوبي والشمالي فإنها تكون أبعد ما يكون من العرش لانه مقبب من جهة وجه العالم وهذا محل سجودها كما يناسبها كما أنها أقرب ما تكون من العرش وقت الزوال من جهتنا فإذا كانت في محل سجودها استأذنت الرب ﷻ في طلوعها من الشرق فيؤذن لها فتبدو من جهة الشرق وهي مع ذلك كارهة لعصاة بنى آدم أن تطلع عليهم ولهذا قال أمية تأبى فلا تبدو لنا في رسلها * الا معذبة والا تجلد * فإذا كان الوقت الّذي يريد الله طلوعها من جهة مغربها تسجد على عادتها وتستأذن في الطلوع من عادتها فلا يؤذن لها فجاء أنها تسجد أيضا ثم تستأذن فلا يؤذن لها ثم تسجد فلا يؤذن لها وتطول تلك الليلة كما ذكرنا في التفسير، فتقول يا رب ان الفجر قد اقترب وان المدى بعيد فيقال لها ارجعي من حيث جئت فتطلع من مغربها فإذا رآها الناس آمنوا جميعا وذلك حين لا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا، وفسروا بذلك قوله تعالى ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها﴾ قيل لوقتها الّذي تؤمر فيه تطلع من مغربها * وقيل مستقرها موضعها الّذي تسجد فيه تحت العرش * وقيل منتهى سيرها وهو آخر الدنيا. وعن ابن عباس أنه قرأ «والشمس تجرى لا مستقر لها» أي ليست تستقر فعلى هذا تسجد وهي سائرة. ولهذا قال تعالى ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ أي لا تدرك الشمس القمر فتطلع في سلطانه ودولته ولا هو أيضا ولا الليل سابق النهار اى ليس سابقه بمسافة يتأخر ذاك عنه فيها بل إذا ذهب النهار جاء الليل في اثره متعقبا له كما قال في الآية الأخرى ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً﴾ أي يخلف هذا لهذا وهذا لهذا كما قال رسول الله ﷺ «إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت

стр. 33

الشمس فقد أفطر الصائم» فالزمان المحقق ينقسم الى ليل ونهار وليس بينهما غيرهما * ولهذا قال تعالى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ فيولج من هذا في هذا، أي يأخذ من طول هذا في قصر هذا فيعتدلان كما في أول فصل الربيع يكون الليل قبل ذلك طويلا والنهار قصيرا فلا يزال الليل ينقص والنهار يتزايد حتى يعتدلا وهو أول الربيع * ثم يشرع النهار يطول ويتزايد والليل يتناقص حتى يعتدلا أيضا في أول فصل الخريف * ثم يشرع الليل يطول ويقصر النهار الى آخر فصل الخريف * ثم يترجح النهار قليلا قليلا ويتناقص الليل شيئا فشيئا حتى يعتدلا في أول فصل الربيع كما قدمنا، وهكذا في كل عام. ولهذا قال تعالى ﴿وَلَهُ اِخْتِلافُ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ﴾ أي هو المتصرف في ذلك كله الحاكم الّذي لا يخالف ولا يمانع ولهذا يقول في ثلاث آيات عند ذكر السموات والنجوم والليل والنهار ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ أي العزيز الّذي قد قهر كل شيء ودان له كل شيء فلا يمانع ولا يغالب العليم بكل شيء فقدر كل شيء تقديرا على نظام لا يختلف ولا يضطرب. وقد ثبت في الصحيحين من حديث سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «قال الله يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار» وفي رواية فانا الدهر أقلب ليله ونهاره * قال العلماء كالشافعي وأبى عبيد القاسم بن سلام وغيرهما يسب الدهر أي يقول فعل بنا الدهر كذا يا خيبة الدهر، أيتم الأولاد، أرمل النساء. قال الله تعالى (وأنا الدهر) أي انا الدهر الّذي يعنيه فإنه فاعل ذلك الّذي أسنده الى الدهر والدهر مخلوق، وانما فعل هذا هو الله فهو يسب فاعل ذلك ويعتقده الدهر. والله هو الفاعل لذلك الخالق لكل شيء المتصرف في كل شيء كما قال وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب ليله ونهاره وكما قال تعالى ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وقال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ. ما خَلَقَ اللهُ ذلِكَ إِلاّ بِالْحَقِّ﴾. ﴿يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * إِنَّ فِي اِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَما خَلَقَ اللهُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ﴾ أي فاوت بين الشمس والقمر في نورهما وفي شكلهما وفي وقتهما وفي سيرهما فجعل هذا ضياء وهو شعاع الشمس برهان ساطع وضوء باهر والقمر نورا أي أضعف من برهان الشمس وجعله مستفادا من ضوئها وقدره منازل أي يطلع أول ليلة من الشهر صغيرا ضئيلا قليل النور لقربه من الشمس وقلة مقابلته لها فبقدر مقابلته لها يكون نوره ولهذا في الليلة الثانية يكون أبعد منها بضعف ما كان في الليلة الأولى فيكون نوره بضعف النور أول ليلة * ثم كلما بعد ازداد نوره حتى يتكامل إبداره ليلة

стр. 34

مقابلته إياها من المشرق وذلك ليلة أربع عشرة من الشهر * ثم يشرع في النقص لاقترابه اليها من الجهة الأخرى الى آخر الشهر فيستتر حتى يعود كما بدا في أول الشهر الثاني. فبه تعرف الشهور وبالشمس تعرف الليالي والأيام وبذلك تعرف السنين والأعوام ولهذا قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ﴾ وقال تعالى ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْناهُ تَفْصِيلاً﴾ وقال تعالى ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وقد بسطنا القول على هذا كله في التفسير. فالكواكب التي في السماء منها سيارات وهي المتحيرة في اصطلاح علماء التفسير وهو علم غالبة صحيح بخلاف علم الأحكام فان غالبة باطل ودعوى ما لا دليل عليه وهي سبعة. القمر في سماء الدنيا وعطارد في الثانية والزهرة في الثالثة والشمس في الرابعة والمريخ في الخامسة والمشترى في السادسة وزحل في السابعة. وبقية الكواكب يسمونها الثوابت وهي عندهم في الفلك الثامن وهو الكرسي في اصطلاح كثير من المتأخرين. وقال آخرون بل الكواكب كلها في السماء الدنيا ولا مانع من كون بعضها فوق بعض * وقد يستدل على هذا بقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ *﴾ وبقوله ﴿فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ فخص سماء الدنيا من بينهن بزينة الكواكب فان دل هذا على كونها مرصعة فيها فذاك والا فلا مانع مما قاله الآخرون والله أعلم. وعندهم أن الأفلاك السبعة بل الثمانية تدور بما فيها من الكواكب الثوابت والسيارات تدور على خلاف فلكه من المغرب الى المشرق. فالقمر يقطع فلكه في شهر والشمس تقطع فلكها وهو الرابع في سنة. فإذا كان السيران ليس بينهما تفاوت وحركاتهما متقاربة كان قدر السماء الرابعة بقدر السماء الدنيا ثنتى عشرة مرة وزحل يقطع فلكه وهو السابع في ثلاثين سنة فعلى هذا يكون بقدر السماء الدنيا ثلاثمائة وستين مرة * وقد تكلموا على مقادير أجرام هذه الكواكب وسيرها وحركاتها وتوسعوا في هذه الأشياء حتى تعدوا الى علم الأحكام وما يترتب على ذلك من الحوادث الأرضية ومما لا علم لكثير منهم به. وقد كان اليونانيون الذين كانوا يسكنون الشام قبل زمن المسيح ﵇ بدهور لهم في هذا كلام كثير يطول بسطه، وهم الذين بنوا مدينة دمشق وجعلوا لها أبوابا سبعة وجعلوا على رأس كل باب هيكلا على صفة الكواكب السبعة. يعبدون كل واحد في هيكله، ويدعونه بدعاء يأثره عنهم غير واحد من أهل التواريخ وغيرهم. وذكره صاحب السر المكتوم في مخاطبة الشمس والقمر والنجوم

стр. 35

وغيره من علماء الحرنانيين (١) (فلاسفة حران في قديم الزمان). وقد كانوا مشركين يعبدون الكواكب السبعة وهم طائفة من الصابئين * ولهذا قال الله تعالى ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وقال تعالى إخبارا عن الهدهد أنه قال لسليمان ﵇ مخبرا عن بلقيس وجنودها ملكة سبإ في اليمن وما والاها ﴿إِنِّي وَجَدْتُ اِمْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ * أَلاّ يَسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ ما تُخْفُونَ وَما تُعْلِنُونَ * اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ وقال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ وَمَنْ يُهِنِ اللهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ وقال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلى ما خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ سُجَّداً لِلّهِ وَهُمْ داخِرُونَ * * وَلِلّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلِلّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ﴾ وقال تعالى ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ والآيات في هذا كثيرة جدا ولما كان أشرف الأجرام المشاهدة في السموات والأرض هي الكواكب وأشرفهن منظرا وأشرفهن معتبرا الشمس والقمر استدل الخليل على بطلان إلهية شيء منهن. وذلك في قوله تعالى ﴿فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ أي الغائبين ﴿فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ * فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ فبين بطريق البرهان القطعي أن هذه الاجرام المشاهدات من الكواكب والقمر والشمس لا يصلح شيء منها للالهية لأنها كلها مخلوقة مربوبة مدبرة مسخرة في سيرها لا تحيد عما خلقت له ولا تزيغ عنه الا بتقدير متقن محرر لا تضطرب ولا تختلف *

стр. 36

وذلك دليل على كونها مربوبة مصنوعة مسخرة مقهورة ولهذا قال تعالى ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وثبت في الصحيحين في صلاة الكسوف من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته». وقال البخاري في بدء الخلق حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج حدثني أبو سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال الشمس والقمر مكوران يوم القيامة انفرد به البخاري * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق، فقال حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس اليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما دينهما فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول وما دينهما ثم قال البزار لا يروى عن أبى هريرة الا من هذا الوجه ولم يرو عبد الله الداناج عن ابى سلمة سوى هذا الحديث * وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق يزيد الرقاشيّ وهو ضعيف عن أنس قال قال رسول الله ﷺ الشمس والقمر ثوران عقيران في النار. وقال ابن ابى حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج وعمر بن عبد الله الأزدي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا. فدلت هذه الآثار على أن الشمس والقمر من مخلوقات الله خلقها الله لما أراد * ثم يفعل فيها ما يشاء، وله الحجة الدافعة والحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الّذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب * وما أحسن ما أورده الامام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب السيرة من الشعر لزيد بن عمرو بن نفيل في خلق السماء والأرض والشمس والقمر وغير ذلك * قال ابن هشام هي لامية ابن أبى الصلت الى الله اهدى مدحتي وثنائيا … وقولا رضيا (١) لا ينى الدهر باقيا الى الملك الأعلى الّذي ليس فوقه … إله ولا رب يكون مدانيا ألا ايها الإنسان إياك والردى … فإنك لا تخفى من الله خافيا وإياك لا تجعل مع الله غيره … فان سبيل الرشد أصبح باديا

стр. 37

حنانيك إن الجن كانت رجاءهم … وأنت إلهي ربنا ورجائيا رضيت بك اللهمّ ربا فلن أرى … أدين إلها غيرك الله ثانيا وأنت الّذي من فضل منّ ورحمة … بعثت الى موسى رسولا مناديا فقلت له اذهب وهارون فادعوا … إلى الله فرعون الّذي كان طاغيا وقولا له أأنت سويت هذه … بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا وقولا له أأنت رفعت هذه … بلا عمد ارفق إذا بك بانيا وقولا له أنت سويت وسطها … منيرا إذا ما جنه الليل هاديا وقولا له من يرسل الشمس غدوة … فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا وقولا له من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا ويخرج منه حبه في رءوسه … وفي ذاك آيات لمن كان واعيا وأنت بفضل منك نجيت يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا وإني لو سبحت باسمك ربنا … لاكثر الا ما غفرت خطائيا (١) فرب ألق سيبا ورحمة … على وبارك في بنىّ وماليا فإذا علم هذا فالكواكب التي في السماء من الثوابت والسيارات الجميع مخلوقة خلقها الله تعالى كما قال ﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت الا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا الى السماء فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بنى إسرائيل. وقد روى الامام احمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا رواه احمد عن يحيى ابن بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وذكر القصة بطولها * وفيه فمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها وذكر القصة. وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن كعب

стр. 38

الأحبار به. وهذا أصح وأثبت. وقد روى الحاكم في مستدركه وابن أبى حاتم في تفسيره عن ابن عباس فذكره وقال فيه وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وذكر تمامه * وهذا أحسن لفظ روى في هذه القصة والله أعلم * وهكذا الحديث الّذي رواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي حدثنا يزيد ابن هارون حدثنا مبشر بن عبيد عن يزيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وحدثنا عمرو بن عيسى حدثنا عبد الأعلى حدثنا إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر سهيلا فقال كان عشارا ظلوما فمسخه الله شهابا ثم قال لم يروه عن زيد بن أسلم الا مبشر بن عبيد وهو ضعيف الحديث ولا عن عمرو بن دينار الا إبراهيم بن يزيد وهو لين الحديث * وانما ذكرناه على ما فيه من علة لأنا لم نحفظه الا من هذين الوجهين (قلت) أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي وأصله من الكوفة. فقد ضعفه الجميع وقال فيه الامام أحمد والدارقطنيّ كان يضع الحديث ويكذب وأما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي وهو ضعيف باتفاقهم * قال فيه احمد والنسائي متروك. وقال ابن معين ليس بثقة وليس بشيء * وقال البخاري سكتوا عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث. ومثل هذا الاسناد لا يثبت به شيء بالكلية. وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بنى إسرائيل كما تقدم من رواية بن عمر عن كعب الأحبار. ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها والله أعلم * الكلام على المجرة وقوس قزح قال أبو القاسم الطبراني حدثنا على بن عبد العزيز حدثنا عارم ابو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب الى معاوية وقال إن كان بقي فيهم شيء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه. قال فكتب اليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس الا ساعة واجدة * قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال إن هذا الشيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه الى يومى هذا من لهذا؟ قيل ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به الى ابن عباس فكتب اليه «أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق. والمجرة باب السماء الّذي تنشق منه الأرض. وأما البقعة التي لم تصبها الشمس الا ساعة من النهار فالبحر الّذي أفرج عن بنى إسرائيل وهذا اسناد صحيح الى ابن عباس ﵁ * فاما الحديث الّذي رواه الطبراني حدثنا ابو الزنباع روح بن الفرج

стр. 39

حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبى يحيى (١) عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ «يا معاذ إني مرسلك الى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش» فإنه حديث منكر جدا بل الأشبه أنه موضوع وراويه الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري * ثم انتقل الى مصر قال فيه أبو حاتم الرازيّ هو مجهول حدث بالأباطيل. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث جدا. وقال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا ولا اسنادا * وقال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وروى الإمام احمد عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بنى غفار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك وروى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبراهيم أنه قال إن نطقه الرعد وضحكه البرق. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا هشام عن عبيد الله الرازيّ عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق * وقد روى الامام احمد والترمذي والنسائي والبخاري في كتاب الأدب والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك * وروى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبى هريرة رفعه كان إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده وعن على أنه كان يقول سبحان من سبحت له وكذا عن ابن عباس والأسود بن يزيد وطاوس وغيرهم * وروى مالك عن عبد الله ابن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول (إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض * وروى الامام احمد عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال قال ربكم لو أن عبيدي أطاعونى لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا * وكل هذا مبسوط في التفسير ولله الحمد والمنة *

стр. 40

باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم ﵈ قال الله تعالى ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ * وقال ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ. عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ وقال تعالى ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وقال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقال تعالى ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الأشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدو لهم في صورة شباب حسان امتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر * وكذلك كان جبريل يأتى الى
следующие страницы →