وذلك دليل على كونها مربوبة مصنوعة مسخرة مقهورة ولهذا قال تعالى ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ وثبت
في الصحيحين في صلاة الكسوف من حديث ابن عمر وابن عباس وعائشة وغيرهم من الصحابة أن رسول الله ﷺ قال في خطبته يومئذ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله وإنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته».
وقال البخاري في بدء الخلق حدثنا مسدد حدثنا عبد العزيز بن المختار حدثنا عبد الله الداناج حدثني أبو سلمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال الشمس والقمر مكوران يوم القيامة انفرد به البخاري * وقد
رواه الحافظ أبو بكر البزار بأبسط من هذا السياق، فقال حدثنا إبراهيم بن زياد البغدادي حدثنا يونس بن محمد حدثنا عبد العزيز بن المختار عن عبد الله الداناج سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن زمن خالد بن عبد الله القسري في هذا المسجد مسجد الكوفة وجاء الحسن فجلس اليه فحدث قال حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ قال «إن الشمس والقمر ثوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما دينهما فقال أحدثك عن رسول الله ﷺ وتقول وما دينهما ثم قال البزار لا يروى عن أبى هريرة الا من هذا الوجه ولم يرو عبد الله الداناج عن ابى سلمة سوى هذا الحديث *
وروى الحافظ أبو يعلى الموصلي من طريق يزيد الرقاشيّ وهو ضعيف عن أنس قال قال رسول الله ﷺ الشمس والقمر ثوران عقيران في النار. وقال ابن ابى حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج وعمر بن عبد الله الأزدي حدثنا أبو أسامة عن مجالد عن شيخ من بجيلة عن ابن عباس ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾. قال يكور الله الشمس والقمر والنجوم يوم القيامة في البحر ويبعث الله ريحا دبورا فتضرمها نارا. فدلت هذه الآثار على أن الشمس والقمر من مخلوقات الله خلقها الله لما أراد * ثم يفعل فيها ما يشاء، وله الحجة الدافعة والحكمة البالغة فلا يسأل عما يفعل لعلمه وحكمته وقدرته ومشيئته النافذة وحكمه الّذي لا يرد ولا يمانع ولا يغالب * وما أحسن ما أورده الامام محمد بن إسحاق بن يسار في أول كتاب السيرة من الشعر لزيد بن عمرو بن نفيل في خلق السماء والأرض والشمس والقمر وغير ذلك * قال ابن هشام هي لامية ابن أبى الصلت
الى الله اهدى مدحتي وثنائيا … وقولا رضيا (١) لا ينى الدهر باقيا
الى الملك الأعلى الّذي ليس فوقه … إله ولا رب يكون مدانيا
ألا ايها الإنسان إياك والردى … فإنك لا تخفى من الله خافيا
وإياك لا تجعل مع الله غيره … فان سبيل الرشد أصبح باديا
стр. 37
حنانيك إن الجن كانت رجاءهم … وأنت إلهي ربنا ورجائيا
رضيت بك اللهمّ ربا فلن أرى … أدين إلها غيرك الله ثانيا
وأنت الّذي من فضل منّ ورحمة … بعثت الى موسى رسولا مناديا
فقلت له اذهب وهارون فادعوا … إلى الله فرعون الّذي كان طاغيا
وقولا له أأنت سويت هذه … بلا وتد حتى اطمأنت كما هيا
وقولا له أأنت رفعت هذه … بلا عمد ارفق إذا بك بانيا
وقولا له أنت سويت وسطها … منيرا إذا ما جنه الليل هاديا
وقولا له من يرسل الشمس غدوة … فيصبح ما مست من الأرض ضاحيا
وقولا له من ينبت الحب في الثرى … فيصبح منه البقل يهتز رابيا
ويخرج منه حبه في رءوسه … وفي ذاك آيات لمن كان واعيا
وأنت بفضل منك نجيت يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وإني لو سبحت باسمك ربنا … لاكثر الا ما غفرت خطائيا (١)
فرب ألق سيبا ورحمة … على وبارك في بنىّ وماليا
فإذا علم هذا فالكواكب التي في السماء من الثوابت والسيارات الجميع مخلوقة خلقها الله تعالى كما قال ﴿وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ وأما ما يذكره كثير من المفسرين في قصة هاروت وماروت من أن الزهرة كانت امرأة فراوداها على نفسها فأبت الا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فرفعت كوكبا الى السماء فهذا أظنه من وضع الإسرائيليين وإن كان قد أخرجه كعب الأحبار وتلقاه عنه طائفة من السلف فذكروه على سبيل الحكاية والتحديث عن بنى إسرائيل. وقد روى الامام احمد وابن حبان في صحيحه في ذلك حديثا رواه احمد عن يحيى ابن بكير عن زهير بن محمد عن موسى بن جبير عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ وذكر القصة بطولها * وفيه فمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر فجاءتهما فسألاها نفسها وذكر القصة. وقد رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن كعب
стр. 38
الأحبار به. وهذا أصح وأثبت. وقد روى الحاكم في مستدركه وابن أبى حاتم في تفسيره عن ابن عباس فذكره وقال فيه وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب وذكر تمامه * وهذا أحسن لفظ روى في هذه القصة والله أعلم * وهكذا الحديث الّذي
رواه الحافظ أبو بكر البزار حدثنا محمد بن عبد الملك الواسطي حدثنا يزيد ابن هارون حدثنا مبشر بن عبيد عن يزيد بن أسلم عن ابن عمر عن النبي ﷺ . وحدثنا عمرو بن عيسى حدثنا عبد الأعلى حدثنا إبراهيم بن يزيد عن عمرو بن دينار عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ ذكر سهيلا فقال كان عشارا ظلوما فمسخه الله شهابا ثم قال لم يروه عن زيد بن أسلم الا مبشر بن عبيد وهو ضعيف الحديث ولا عن عمرو بن دينار الا إبراهيم بن يزيد وهو لين الحديث * وانما ذكرناه على ما فيه من علة لأنا لم نحفظه الا من هذين الوجهين (قلت) أما مبشر بن عبيد القرشي فهو أبو حفص الحمصي وأصله من الكوفة. فقد ضعفه الجميع وقال فيه الامام أحمد والدارقطنيّ كان يضع الحديث ويكذب وأما إبراهيم بن يزيد فهو الخوزي وهو ضعيف باتفاقهم * قال فيه احمد والنسائي متروك.
وقال ابن معين ليس بثقة وليس بشيء * وقال البخاري سكتوا عنه. وقال أبو حاتم وأبو زرعة منكر الحديث ضعيف الحديث. ومثل هذا الاسناد لا يثبت به شيء بالكلية. وإذا أحسنا الظن قلنا هذا من أخبار بنى إسرائيل كما تقدم من رواية بن عمر عن كعب الأحبار. ويكون من خرافاتهم التي لا يعول عليها والله أعلم *
الكلام على المجرة وقوس قزح
قال أبو القاسم الطبراني حدثنا على بن عبد العزيز حدثنا عارم ابو النعمان حدثنا أبو عوانة عن أبى بشر عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس أن هرقل كتب الى معاوية وقال إن كان بقي فيهم شيء من النبوة فسيخبرني عما أسألهم عنه. قال فكتب اليه يسأله عن المجرة وعن القوس وعن بقعة لم تصبها الشمس الا ساعة واجدة * قال فلما أتى معاوية الكتاب والرسول قال إن هذا الشيء ما كنت آبه له أن أسأل عنه الى يومى هذا من لهذا؟ قيل ابن عباس فطوى معاوية كتاب هرقل فبعث به الى ابن عباس فكتب اليه «أن القوس أمان لأهل الأرض من الغرق. والمجرة باب السماء الّذي تنشق منه الأرض.
وأما البقعة التي لم تصبها الشمس الا ساعة من النهار فالبحر الّذي أفرج عن بنى إسرائيل وهذا اسناد صحيح الى ابن عباس ﵁ * فاما الحديث الّذي
رواه الطبراني حدثنا ابو الزنباع روح بن الفرج
стр. 39
حدثنا إبراهيم بن مخلد حدثنا الفضل بن المختار عن محمد بن مسلم الطائفي عن ابن أبى يحيى (١) عن مجاهد عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ «يا معاذ إني مرسلك الى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل هي لعاب حية تحت العرش» فإنه حديث منكر جدا بل الأشبه أنه موضوع وراويه الفضل بن المختار هذا أبو سهل البصري * ثم انتقل الى مصر قال فيه أبو حاتم الرازيّ هو مجهول حدث بالأباطيل. وقال الحافظ أبو الفتح الأزدي منكر الحديث جدا. وقال ابن عدي لا يتابع على أحاديثه لا متنا ولا اسنادا * وقال الله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنْشِئُ السَّحابَ الثِّقالَ * وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّواعِقَ فَيُصِيبُ بِها مَنْ يَشاءُ وَهُمْ يُجادِلُونَ فِي اللهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاِخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النّاسَ وَما أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
وروى الإمام احمد عن يزيد بن هارون عن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن شيخ من بنى غفار قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إن الله ينشئ السحاب فينطق أحسن النطق ويضحك أحسن الضحك وروى موسى بن عبيدة بن سعد بن إبراهيم أنه قال إن نطقه الرعد وضحكه البرق. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا هشام عن عبيد الله الرازيّ عن محمد بن مسلم قال بلغنا أن البرق ملك له أربعة وجوه وجه إنسان ووجه ثور ووجه نسر ووجه أسد فإذا مصع بذنبه فذاك البرق * وقد
روى الامام احمد والترمذي والنسائي والبخاري في كتاب الأدب والحاكم في مستدركه من حديث الحجاج بن أرطاة حدثني ابن مطر عن سالم عن أبيه قال كان رسول الله إذا سمع الرعد والصواعق قال اللهم لا تقتلنا بغضبك ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك *
وروى ابن جرير من حديث ليث عن رجل عن أبى هريرة رفعه كان إذا سمع الرعد قال سبحان من يسبح الرعد بحمده
وعن على أنه كان يقول سبحان من سبحت له وكذا عن ابن عباس والأسود بن يزيد وطاوس وغيرهم * وروى مالك عن عبد الله ابن عمر أنه كان إذا سمع الرعد ترك الحديث وقال سبحان من يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويقول (إن هذا وعيد شديد لأهل الأرض *
وروى الامام احمد عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال قال ربكم لو أن عبيدي أطاعونى لأسقيتهم المطر بالليل وأطلعت عليهم الشمس بالنهار ولما أسمعتهم صوت الرعد فاذكروا الله فإنه لا يصيب ذاكرا * وكل هذا مبسوط في التفسير ولله الحمد والمنة *
стр. 40
باب ذكر خلق الملائكة وصفاتهم ﵈
قال الله تعالى ﴿وَقالُوا اِتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ * لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ * يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلاّ لِمَنِ اِرْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ * وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلا إِنَّ اللهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿فَإِنِ اِسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ﴾ * وقال ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ. عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا وَما بَيْنَ ذلِكَ وَما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ وقال تعالى ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِما صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدّارِ﴾ وقال تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً * الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً﴾ وقال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اِسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً﴾ وقال تعالى ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ والآيات في ذكر الملائكة كثيرة جدا يصفهم تعالى بالقوة في العبادة وفي الخلق وحسن المنظر وعظمة الأشكال وقوة الشكل في الصور المتعددة كما قال تعالى ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾ الآيات فذكرنا في التفسير ما ذكره غير واحد من العلماء من أن الملائكة تبدو لهم في صورة شباب حسان امتحانا واختبارا حتى قامت على قوم لوط الحجة وأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر * وكذلك كان جبريل يأتى الى
стр. 41
النبي ﷺ في صفات متعددة فتارة يأتى في صورة دحية بن خليفة الكلبي وتارة في صورة أعرابى وتارة في صورته التي خلق عليها. له ستمائة جناح ما بين كل جناحين كما بين المشرق والمغرب كما رآه على هذه الصفة مرتين. مرة منهبطا من السماء الى الأرض. وتارة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى. وهو قوله تعالى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى * وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى * ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ أي جبريل كما ذكرناه عن غير واحد من الصحابة * منهم ابن مسعود وأبو هريرة وأبو ذر وعائشة ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى * فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى﴾ أي الى عبد الله محمد ﷺ ثم قال ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى * عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى * ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى﴾ وقد ذكرنا في أحاديث الاسراء في سورة سبحان أن سدرة المنتهى في السماء السابعة * وفي رواية في السادسة أي أصلها وفروعها في السابعة فلما غشيها من أمر الله ما غشيها * قيل غشيها نور الرب ﷻ * وقيل غشيها فراش من ذهب * وقيل غشيها ألوان متعددة كثيرة غير منحصرة * وقيل غشيها الملائكة مثل الغربان * وقيل غشيها من نور الله تعالى فلا يستطيع أحد أن ينعتها * أي من حسنها وبهائها.
ولا منافاة بين هذه الأقوال إذ الجميع ممكن حصوله في حال واحدة * وذكرنا
أن رسول الله ﷺ قال. ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها كالقلال * وفي رواية كقلال هجر وإذا ورقها كآذان الفيلة وإذا يخرج من أصلها نهران باطنان ونهران ظاهران. فأما الباطنان ففي الجنة. وأما الظاهران فالنيل والفرات * وتقدم الكلام على هذا في ذكر خلق الأرض وما فيها من البحار والأنهار * وفيه ثم رفع لي البيت المعمور وإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف مالك ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم * وذكر أنه وجد إبراهيم الخليل ﵇ مستندا ظهره الى البيت المعمور. وذكرنا وجه المناسبة في هذا أن البيت المعمور هو في السماء السابعة بمنزلة الكعبة في الأرض *
وقد روى سفيان الثوري وشعبة وأبو الأحوص عن سماك بن حرب عن خالد بن عرعرة أن ابن الكواء سأل على بن أبى طالب عن البيت المعمور فقال هو مسجد في السماء يقال له الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها. حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض يصلى فيه كل يوم سبعون الفا من الملائكة لا يعودون اليه أبدا * وهكذا روى على بن ربيعة وأبو الطفيل عن على مثله *
وقال الطبراني أنبانا الحسن بن علوية القطان حدثنا إسماعيل بن عيسى العطار حدثنا إسحاق بن بشر أبو حذيفة حدثنا ابن جريج عن صفوان بن سليم عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل البيت الحرام بحياله لو سقط لسقط عليه يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يرونه قط فان له في السماء حرمة على قدر حرمة مكة. يعنى في الأرض وهكذا قال العوفيّ عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة والربيع بن أنس والسدي وغير واحد *
وقال قتادة ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال
стр. 42
يوما لأصحابه هل تدرون ما البيت المعمور قالوا الله ورسوله أعلم * قال قال مسجد في السماء بحيال الكعبة لو خر لخر عليها يصلى فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم * وزعم الضحاك أنه تعمره طائفة من الملائكة يقال لهم الجن من قبيلة إبليس لعنه الله كان يقول سدنته وخدامه منهم والله أعلم * وقال آخرون. في كل سماء بيت يعمره ملائكته بالعبادة فيه ويفدون اليه بالنوبة والبدل كما يعمر أهل الأرض البيت العتيق بالحج في كل عام والاعتمار في كل وقت والطواف والصلاة في كل آن * قال سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في أوائل كتابه المغازي * حدثنا أبو عبيد في حديث مجاهد «أن الحرم حرم مناه (يعنى قدره) من السموات السبع والأرضين السبع وأنه رابع أربعة عشر بيتا في كل سماء بيت وفي كل أرض بيت لو سقطت سقط بعضها على بعض» ثم روى مجاهد قال مناه أي مقابله وهو حرف مقصور. ثم قال حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبى سليمان مؤذن الحجاج سمعت عبد الله بن عمرو يقول «إن الحرم محرم في السموات السبع مقداره من الأرض - وإن بيت المقدس مقدس في السموات السبع مقداره من الأرض كما قال بعض الشعراء
إن الّذي سمك السماء بنى لها … بيتا دعائمه أشد وأطول
واسم البيت الّذي في السماء بيت العزة * واسم الملك الّذي هو مقدم الملائكة فيها إسماعيل * فعلى هذا يكون السبعون ألفا من الملائكة الذين يدخلون في كل يوم الى البيت المعمور ثم لا يعودون اليه.
آخر ما عليهم (أي لا يحصل لهم نوبة فيه إلى آخر الدهر) يكونون من سكان السماء السابعة وحدها.
ولهذا قال تعالى ﴿وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾
وقال الامام أحمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن مجاهد عن مورق عن أبى ذر قال قال رسول الله ﷺ «إني أرى ما لا ترون وأسمع ما لا تسمعون أطّت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا عليه ملك ساجد لو علمتم ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله » فقال أبو ذر (والله لوددت أنى شجرة تعضد) ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث إسرائيل فقال الترمذي حسن غريب ويروى عن أبى ذر موقوفا *
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا حسين بن عرفة المصري حدثنا عروة بن عمران الرقى حدثنا عبيد الله بن عمرو عن عبد الكريم ابن مالك عن عطاء بن أبى رباح عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو ملك ساجد أو ملك راكع فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعا ما عبدناك حق عبادتك إلا أنا لا نشرك بك شيئا فدل هذان الحديثان على أنه ما من موضع في السموات السبع إلا وهو مشغول بالملائكة وهم في صنوف من العبادة. منهم من هو قائم أبدا. ومنهم
стр. 43
من هو راكع أبدا ومنهم من هو ساجد أبدا ومنهم من هو في صنوف أخر والله أعلم بها. وهم دائمون في عبادتهم وتسبيحهم وأذكارهم وأعمالهم التي أمرهم الله بها، ولهم منازل عند ربهم كما قال تعالى ﴿وَما مِنّا إِلاّ لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ * وَإِنّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ * وَإِنّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ﴾ *
وقال ﷺ ألا تصفّون كما تصف الملائكة عند ربها * قالوا وكيف يصفون عند ربهم قال يكملون الصف الأول ويتراصون في الصف *
وقال فضلنا على الناس بثلاث * جعلت لنا الأرض مسجدا وتربتها لنا طهورا وجعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وكذلك يأتون يوم القيامة بين يدي الرب ﷻ صفوفا كما قال تعالى ﴿وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ ويقفون صفوفا بين يدي ربهم يوم القيامة كما قال تعالى ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلاّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَقالَ صَواباً﴾ * والمراد بالروح هاهنا بنو آدم قاله ابن عباس والحسن وقتادة * وقيل ضرب من الملائكة يشبهون بنى آدم في الشكل * قاله ابن عباس ومجاهد وأبو صالح والأعمش * وقيل جبريل * قاله الشعبي وسعيد بن جبير والضحاك * وقيل ملك يقال له الروح بقدر جميع المخلوقات * قال على بن أبى طلحة عن ابن عباس قوله يوم يقوم الروح قال هو ملك من أعظم الملائكة خلقا * وقال ابن جرير حدثني محمد بن خلف العسقلاني حدثنا داود ابن الجراح عن أبى حمزة عن الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود قال الروح في السماء الرابعة هو أعظم السموات والجبال ومن الملائكة يسبح كل يوم اثنى عشر ألف تسبيحة يخلق الله من كل تسبيحة ملكا من الملائكة يحيى يوم القيامة صفا وحده * وهذا غريب جدا *
وقال الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكيم المصري حدثنا ابن وهب بن رزق أبو هبيرة حدثنا بشر بن بكر حدثنا الأوزاعي حدثني عطاء عن عبد الله بن عباس قال سمعت رسول الله ﷺ يقول «إن لله ملكا لو قيل له التقم السموات والأرضين بلقمة واحدة لفعل. تسبيحه سبحانك حيث كنت» وهذا أيضا حديث غريب جدا * وقد يكون موقوفا * وذكرنا في صفة حملة العرش
عن جابر بن عبد الله قال رسول الله ﷺ «أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله من حملة العرش إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام» رواه أبو داود وابن أبى حاتم ولفظه مخفق الطير سبعمائة عام * وقد ورد في صفة جبريل ﵇ أمر عظيم قال الله تعالى ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى﴾ قالوا كان من شدة قوته أنه رفع مدائن قوم لوط وكن سبعا بمن فيها من الأمم وكانوا قريبا من أربعمائة ألف وما معهم من الدواب والحيوانات وما لتلك المدن من الأراضي والمعتملات والعمارات وغير ذلك * رفع ذلك كله على طرف جناحه حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب وصياح ديكتهم ثم قلبها فجعل عاليها سافلها فهذا هو شديد القوى. وقوله ذو مرة أي خلق حسن وبهاء وسناء كما قال في الآية الأخرى ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ أي جبريل رسول من الله كريم أي حسن المنظر
стр. 44
ذي قوة أي له قوة وبأس شديد عند ذي العرش مكين أي له مكانه ومنزلة عالية رفيعة عند الله ذي العرش المجيد مطاع ثم أي مطاع في الملأ الأعلى أمين أي ذي أمانة عظيمة ولهذا كان هو السفير بين الله وبين أنبيائه ﵈ الّذي ينزل عليهم بالوحي. فيه الأخبار الصادقة والشرائع العادلة * وقد كان يأتى الى رسول الله ﷺ وينزل عليه في صفات متعددة كما قدمنا. وقد رآه على صفته التي خلقه الله عليها مرتين * له ستمائة جناح كما روى البخاري عن طلق بن غنام عن زائدة الشيباني قال سألت زرّا عن قوله فكان قاب قوسين أو أدنى فأوحى إلى عبده ما أوحى * قال حدثنا عبد الله يعنى ابن مسعود أن محمدا ﷺ رأى جبريل له ستمائة جناح * وقال الامام أحمد حدثنا يحيى ابن آدم حدثنا شريك عن جامع بن راشد عن أبى وائل عن عبد الله قال رأى رسول الله ﷺ جبريل في صورته وله ستمائة جناح كل جناح منها قد سد الأفق يسقط من جناحه التهاويل (١) من الدر والياقوت ما الله به عليم.
وقال أحمد أيضا حدثنا حسن بن موسى حدثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن زر بن حبيش عن ابن مسعود في هذه الآية ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى﴾ قال قال رسول الله ﷺ رأيت جبريل وله ستمائة جناح ينتشر من ريشه التهاويل الدر والياقوت *
وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثنا الحسين (٢) حدثني عاصم ابن بهدلة سمعت شقيق بن سلمة يقول سمعت ابن مسعود يقول قال رسول الله ﷺ وسلم رأيت جبريل على السدرة المنتهى وله ستمائة جناح فسألت عاصما عن الأجنحة فأبى أن يخبرني قال فأخبرني بعض أصحابه أن الجناح ما بين المشرق والمغرب * وهذه أسانيد جيدة قوية انفرد بها أحمد *
وقال أحمد حدثنا زيد بن الحباب حدثني حسين حدثني حصين حدثني شقيق سمعت ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ أتانى جبريل في خضر (٣) تعلق به الدر * إسناده صحيح * وقال ابن جرير حدثنا ابن بزيع البغدادي قال حدثنا إسحاق بن منصور قال حدثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن ابن يزيد عن عبد الله (ما كذب الفؤاد ما رأى) قال رأى رسول الله ﷺ جبريل عليه حلتا رفرف قد ملأ ما بين السماء والأرض * إسناد جيد قوى *
وفي الصحيحين من حديث عامر الشعبي عن مسروق قال كنت عند عائشة فقلت أليس الله يقول «﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾» فقالت أنا أول هذه الأمة سأل رسول الله ﷺ عنها فقال إنما ذاك جبريل لم يره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين
стр. 45
رآه منهبطا من السماء إلى الأرض سادا عظم خلقه ما بين السماء والأرض *
وقال البخاري حدثنا أبو نعيم حدثنا عمر بن ذر (ح) وحدثني يحيى بن جعفر حدثنا وكيع عن عمر ابن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ لجبريل ألا تزورنا أكثر مما تزورنا قال فنزلت ﴿وَما نَتَنَزَّلُ إِلاّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَما خَلْفَنا﴾ الآية * وروى البخاري من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة *
وقال البخاري (١) حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب أن عمر بن عبد العزيز أخر العصر شيئا فقال له عروة أما إن جبريل قد نزل فصلى أمام رسول الله ﷺ فقال عمر أعلم ما تقول يا عروة قال سمعت بشير بن أبى مسعود يقول سمعت أبا مسعود يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول نزل جبريل فأمنى فصليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه ثم صليت معه يحسب بأصابعه خمس صلوات * ومن صفة إسرافيل ﵇ وهو أحد حملة العرش وهو الّذي ينفخ في الصور بأمر ربه نفخات ثلاثة * أولاهن نفخة الفزع والثانية نفخة الصعق والثالثة نفخة البعث كما سيأتي بيانه في موضعه من كتابنا هذا بحول الله وقوته وحسن توفيقه * والصور قرن ينفخ فيه. كل دارة منه كما بين السماء والأرض. وفيه موضع أرواح العباد حين يأمره الله بالنفخ للبعث فإذا نفخ تخرج الأرواح تتوهج فيقول الرب ﷻ وعزتي وجلالي لترجعن كل روح إلى البدن الّذي كانت تعمره في الدنيا فتدخل على الأجساد في قبورها فتدب فيها كما يدب السم في اللديغ فتحيى الأجساد وتنشق عنهم الأجداث فيخرجون منها سراعا إلى مقام المحشر كما سيأتي تفصيله في موضعه ولهذا
قال رسول الله ﷺ «كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته وانتظر أن يؤذن له * قالوا كيف نقول يا رسول الله قال قولوا ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. على الله توكلنا * رواه أحمد والترمذي من حديث عطية العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ *
وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن سعد الطائي عن عطية العوفيّ عن أبى سعيد قال ذكر رسول الله ﷺ صاحب الصور فقال عن يمينه جبريل وعن يساره ميكائيل ﵈.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ حدثنا محمد بن عمر أن ابن أبى ليلى حدثني عن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس * قال بينا رسول الله ﷺ ومعه جبريل بناحية إذا انشق أفق السماء فأقبل
стр. 46
إسرافيل يدنو من الأرض ويتمايل فإذا ملك قد مثل بين يدي النبي ﷺ فقال يا محمد إن الله يأمرك أن تختار بين نبي عبد أو ملك نبي قال فأشار جبريل إلى بيده (أن تواضع) فعرفت أنه لي ناصح فقلت عبد نبي فعرج ذلك الملك إلى السماء فقلت يا جبريل قد كنت أردت أن أسألك عن هذا فرأيت من حالك ما شغلني عن المسألة فمن هذا يا جبريل؟ فقال هذا إسرافيل ﵇ خلقه الله يوم خلقه بين يديه صافا قدميه لا يرفع طرفه بينه وبين الرب سبعون نورا ما منها من نور يكاد يدنو منه إلا احترق بين يديه لوح فإذا أذن الله في شيء من السماء أو في الأرض ارتفع ذلك اللوح فضرب جبهته فينظر فان كان من عملي أمرنى به وإن كان من عمل ميكائيل أمره به وإن كان من عمل ملك الموت أمره به * قلت يا جبريل وعلى أي شيء أنت قال على الريح والجنود * قلت وعلى أي شيء ميكائيل قال على النبات والقطر قلت وعلى أي شيء ملك الموت قال على قبض الأنفس وما ظننت أنه نزل إلا لقيام الساعة وما الّذي رأيت منى إلا خوفا من قيام الساعة * هذا حديث غريب من هذا الوجه *
وفي صحيح مسلم عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلى يقول اللهمّ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدى من تشاء إلى صراط مستقيم * وفي حديث الصور أن إسرافيل أول من يبعثه الله بعد الصعق لينفخ في الصور * وذكر محمد بن الحسن النقاش أن إسرافيل أول من سجد من الملائكة فجوزي بولاية اللوح المحفوظ * حكاه أبو القاسم السهيليّ في كتابه (التعريف والأعلام. بما أبهم في القرآن من الأعلام) * وقال تعالى ﴿مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ﴾ عطفهما على الملائكة لشرفهما فجبريل ملك عظيم قد تقدم ذكره * وأما ميكائيل فموكل بالقطر والنبات وهو ذو مكانة من ربه ومن أشراف الملائكة المقربين * وقد
قال الامام أحمد حدثنا أبو اليمان حدثا ابن عباس عن عمارة بن غزنة الأنصاري أنه سمع حميد بن عبيد مولى بنى المعلى يقول سمعت ثابتا البناني يحدث عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ أنه قال لجبريل ما لي لم أر ميكائيل ضاحكا قط فقال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار * فهؤلاء الملائكة المصرح بذكرهم في القرآن وفي الصحاح هم المذكورون
في الدعاء النبوي «اللهمّ رب جبريل وميكائيل وإسرافيل * فجبريل ينزل بالهدى على الرسل لتبليغ الأمم. وميكائيل موكل بالقطر والنبات اللذين يخلق منهما الأرزاق في هذه الدار * وله أعوان يفعلون ما يأمرهم به بأمر ربه. يصرفون الرياح والسحاب كما يشاء الرب ﷻ .
وقد روينا أنه ما من قطرة تنزل من السماء إلا ومعها ملك يقررها في موضعها من الأرض «وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور للقيام من القبور. والحضور يوم البعث والنشور ليفوز الشكور. ويجازى الكفور. فذاك ذنبه مغفور. وسعيه مشكور * وهذا قد صار عمله كالهباء المنثور. وهو يدعو بالويل والثبور «فجبريل ﵇
стр. 47
يحصل بما ينزل به الهدى * وميكائيل يحصل بما هو موكل به الرزق. وإسرافيل يحصل بما هو موكل به النصر والجزاء * وأما ملك الموت فليس بمصرح باسمه في القرآن ولا في الأحاديث الصحاح. وقد جاء تسميته في بعض الآثار بعزرائيل والله أعلم * وقد قال الله تعالى ﴿قُلْ يَتَوَفّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ وله أعوان يستخرجون روح العبد من جثته حتى تبلغ الحلقوم فيتناولها ملك الموت بيده فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذوها منه فيلقوها في أكفان تليق بها كما قد بسط عند قوله «يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ» ثم يصعدون بها فان كانت صالحة فتحت لها أبواب السماء وإلا غلقت دونها وألقى بها إلى الأرض قال الله تعالى ﴿وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَهُمْ لا يُفَرِّطُونَ * ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحاسِبِينَ﴾ وعن ابن عباس ومجاهد وغير واحد أنهم قالوا إن الأرض بين يدي ملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث يشاء وقد ذكرنا أن ملائكة الموت يأتون الإنسان على حسب عمله إن كان مؤمنا أتاه ملائكة بيض الوجوه بيض الثياب طيبة الأرواح. وإن كان كافرا فبالضد من ذلك * عياذا بالله العظيم من ذلك * وقد
قال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا يحيى بن أبى يحيى المقري حدثنا عمرو بن شمر قال سمعت جعفر بن محمد قال سمعت أبى يقول نظر رسول الله ﷺ الى ملك الموت عند رأس رجل من الأنصار فقال له النبي ﷺ يا ملك الموت ارفق بصاحبي فإنه مؤمن فقال ملك الموت يا محمد طب نفسا وقر عينا فانى بكل مؤمن رفيق * واعلم أن ما في الأرض بيت مدر ولا شعر في بر ولا بحر إلا وأنا أتفحصهم في كل يوم خمس مرات حتى إني أعرف بصغيرهم وكبيرهم بأنفسهم والله يا محمد لو أنى أردت أن أقبض روح بعوضة ما قدرت على ذلك حتى يكون الله هو الآمر بقبضها.
قال جعفر بن محمد أبى هو الصادق بلغني بتفحصهم عند مواقيت الصلاة فإذا حضر عند الموت فإذا كان ممن يحافظ على الصلاة دنا منه الملك ودفع عنه الشيطان ولقنه الملك (لا إله إلا الله محمد رسول الله) في تلك الحال العظيمة. هذا حديث مرسل وفيه نظر وذكرنا
في حديث الصور من طريق إسماعيل بن رافع المدني القاصّ عن محمد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ (الحديث) بطوله. وفيه ويأمر الله إسرافيل بنفخة الصعق فينفخ نفحة الصعق فيصعق أهل السموات وأهل الأرض إلا من شاء الله فإذا هم قد خمدوا جاء ملك الموت إلى الجبار فيقول يا رب قد مات أهل السموات والأرض إلا من شئت * فيقول الله وهو أعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الّذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقي جبريل وميكائيل * فيقول ليمت جبريل وميكائيل فينطق الله العرش فيقول يا رب يموت جبريل
стр. 48
وميكائيل فيقول اسكت فانى كتبت الموت على كل من كان تحت عرشي فيموتان «ثم يأتى ملك الموت الى الجبار فيقول يا رب قد مات جبريل وميكائيل فيقول الله وهو أعلم بمن بقي فمن بقي؟ فيقول بقيت أنت الحي الّذي لا يموت وبقيت حملة عرشك وبقيت أنا فيقول الله لتمت حملة عرشي. فتموت.
ويأمر الله العرش فيقبض الصور من إسرافيل ثم يأتى ملك الموت فيقول يا رب قد مات حملت عرشك فيقول الله وهو اعلم بمن بقي (فمن بقي) فيقول بقيت أنت الحي الّذي لا يموت وبقيت أنا فيقول الله أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت فيموت فإذا لم يبق إلا الله الواحد القهار الأحد الصمد الّذي ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ * كان آخرا كما كان أولا * وذكر تمام الحديث بطوله رواه الطبراني وابن جرير والبيهقي ورواه الحافظ أبو موسى المديني في كتاب (الطوالات) (١) وعنده زيادة غريبة وهي قوله فيقول الله له أنت خلق من خلقي خلقتك لما أردت فمت موتا لا تحيى بعده أبداه ومن الملائكة المنصوص على أسمائهم في القرآن هاروت وماروت في قول جماعة كثيرة من السلف * وقد ورد في قصتهما وما كان من أمرهما آثار كثيرة غالبها إسرائيليات * وروى الامام أحمد حديثا مرفوعا عن ابن عمر وصححه ابن حبان في تقاسيمه. وفي صحته عندي نظر والأشبه أنه موقوف على عبد الله بن عمر ويكون مما تلقاه عن كعب الأحبار كما سيأتي بيانه والله أعلم * وفيه أنه تمثلت لهما الزهرة امرأة من أحسن البشر * وعن على وابن عباس وابن عمر أيضا ان الزهرة كانت امرأة وأنهما لما طلبا منها ما ذكر أبت إلا أن يعلماها الاسم الأعظم فعلماها فقالته فارتفعت إلى السماء فصارت كوكبا * وروى الحاكم في مستدركه عن ابن عباس قال وفي ذلك الزمان امرأة حسنها في النساء كحسن الزهرة في سائر الكواكب. وهذا اللفظ أحسن ما ورد في شأن الزهرة * ثم قيل كان أمرهما وقصتهما في زمان إدريس * وقيل في زمان سليمان بن داود كما حررنا ذلك في التفسير * وبالجملة فهو خبر إسرائيلي مرجعه الى كعب الأحبار كما رواه عبد الرزاق في تفسيره عن الثوري عن موسى بن عقبة عن سالم عن ابن عمر عن كعب الأحبار بالقصة * وهذا أصح إسنادا وأثبت رجالا والله أعلم * ثم قد قيل إن المراد بقوله ﴿وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ﴾ قبيلان من الجان قاله ابن حزم وهذا غريب وبعيد من اللفظ * ومن الناس من قرأ وما أنزل على الملكين بالكسر ويجعلهما علجين من أهل فارس. قاله الضحاك. ومن الناس من يقول هما ملكان من السماء ولكن
стр. 49
سبق في قدر الله لهما ما ذكره من أمرهما إن صح به الخبر ويكون حكمهما كحكم إبليس إن قيل إنه من الملائكة لكن الصحيح أنه من الجن كما سيأتي تقريره * ومن الملائكة المسمين في الحديث منكر ونكير ﵉. وقد استفاض في الأحاديث ذكرهما في سؤال القبر. وقد أوردناها عند قوله تعالى ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ ما يَشاءُ﴾ وهما فتانا القبر موكلان بسؤال الميت في قبره عن ربه ودينه ونبيه ويمتحنان البر والفاجر وهما أزرقان افرقان لهما أنياب وأشكال مزعجة وأصوات مفزعة أجارنا الله من عذاب القبر وثبتنا بالقول الثابت آمين *
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف حدثنا ابن وهب حدثني يونس عن ابن شهاب حدثني عروة أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أنها قالت للنّبيّ ﷺ (هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد. قال لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا به عليك وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم على ثم قال يا محمد فقال ذلك فما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الاخشبين فقال النبي ﷺ بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا * ورواه مسلم من حديث ابن وهب به *
فصل
ثم الملائكة ﵈ بالنسبة الى ما هيأهم الله له أقسام * فمنهم حملة العرش كما تقدم ذكرهم ومنهم الكروبيون الذين هم حول العرش وهم أشرف الملائكة مع حملة العرش. وهم الملائكة المقربون كما قال تعالى ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ ومنهم جبريل وميكائيل ﵉. وقد ذكر الله عنهم أنهم يستغفرون للمؤمنين بظهر الغيب كما قال تعالى ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَاِتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ * رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ. وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ولما كانت سجاياهم هذه السجية الطاهرة كانوا يحبون من اتصف بهذه الصفة فثبت
في الحديث عن الصادق المصدوق أنه قال «إذا دعا العبد لأخيه بظهر الغيب قال الملك آمين ولك بمثل * ومنهم سكان السموات السبع يعمرونها عبادة دائبة ليلا ونهارا صباحا ومساء كما قال «يُسَبِّحُونَ﴾
стр. 50
اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ * فمنهم الراكع دائما والقائم دائما والساجد دائما * ومنهم الذين يتعاقبون زمرة بعد زمرة الى البيت المعمور كل يوم سبعون الفا لا يعودون اليه آخر ما عليهم * ومنهم الموكلون بالجنان وإعداد الكرامة لأهلها وتهيئة الضيافة لساكنيها من ملابس ومصاغ ومساكن ومآكل ومشارب وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر * وخازن الجنة ملك يقال له رضوان جاء مصرحا به في بعض الأحاديث * ومنهم الموكلون بالنار وهم الزبانية * ومقدموهم تسعة عشر وخازنها مالك وهو مقدم على جميع الخزنة. وهم المذكورون في قوله تعالى ﴿وَقالَ الَّذِينَ فِي النّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ اُدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنّا يَوْماً مِنَ الْعَذابِ﴾ الآية. وقال تعالى ﴿وَنادَوْا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ. قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ * لَقَدْ جِئْناكُمْ بِالْحَقِّ وَلكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ * وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النّارِ إِلاّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللهُ بِهذا مَثَلاً * كَذلِكَ يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ * وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاّ هُوَ﴾ وهم الموكلون بحفظ بنى آدم كما قال تعالى ﴿سَواءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ. وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسارِبٌ بِالنَّهارِ * * لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوْءاً فَلا مَرَدَّ لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ﴾ قال الوالبي عن ابن عباس (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله) وهي الملائكة وقال عكرمة عن ابن عباس يحفظونه من أمر الله * قال ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه فإذا جاء قدر الله خلوا عنه وقال مجاهد ما من عبد الا وملك موكل بحفظه في نومه ويقظته من الجن والانس والهوام. وليس شيء يأتيه يريده الا قال وراءك الا شيء يأذن الله فيه فيصيبه. وقال أبو اسامة (١) (ما من آدمي الا ومعه ملك يذود عنه حتى يسلمه للذي قدر له.
وقال أبو مجاز جاء رجل الى على فقال ان نفرا من مراد يريدون قتلك فقال ان مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر فإذا جاء القدر خليا بينه وبينه ان الأجل جنة حصينة.
ومنهم الموكلون بحفظ أعمال العباد كما قال تعالى ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ *
قال الحافظ أبو محمد
стр. 51
عبد الرحمن بن أبى حاتم الرازيّ في تفسيره حدثنا أبى حدثنا على بن محمد الطنافسي حدثنا وكيع حدثنا سفيان ومسعر عن علقمة بن يزيد عن مجاهد قال قال رسول الله ﷺ أكرموا الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم الا عند احدى حالتين الجنابة والغائط فإذا اغتسل أحدكم فليستتر بجذم حائط أو بعيره أو يستره أخوه * هذا مرسل من هذا الوجه
وقد وصله البزار في مسندة من طريق جعفر بن سليمان * وفيه كلام عن علقمة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ان الله ينهاكم عن التعري فاستحيوا من الله والذين معكم الكرام الكاتبين الذين لا يفارقونكم الا عند احدى ثلاث حالات الغائط والجنابة والغسل. فإذا اغتسل أحدكم بالعراء فليستر بثوبه أو بجذم حائط أو بعيره.
ومعنى إكرامهم أن يستحى منهم فلا يملى عليهم الأعمال القبيحة التي يكتبونها فان الله خلقهم كراما في خلقهم وأخلاقهم * ومن كرمهم أنه قد ثبت
في الحديث المروي في الصحاح والسنن والمسانيد من حديث جماعة من الصحابة عن رسول الله ﷺ أنه قال لا يدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا كلب ولا جنب. وفي رواية عن عاصم بن ضمرة عن عليّ (ولا بول) وفي رواية رافع عن أبى سعيد مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا تمثال. وفي رواية مجاهد عن أبى هريرة مرفوعا لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو تمثال.
وفي رواية ذكوان أبى صالح السماك عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لا تصحب الملائكة رفقة معهم كلب أو جرس. ورواه زرارة بن أوفى عنه لا تصحب الملائكة رفقة معهم جرس *
وقال البزار حدثنا إسحاق بن سليمان البغدادي المعروف بالقلوس. حدثنا بيان بن حمران حدثنا سلام عن منصور بن زاذان عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان ملائكة الله يعرفون بنى آدم (وأحسبه قال) ويعرفون. أعمالهم فإذا نظروا الى عبد يعمل بطاعة الله ذكروه بينهم وسموه وقالوا أفلح الليلة فلان نجا الليلة فلان. وإذا نظروا الى عبد يعمل بمعصية الله ذكروه بينهم وسموه. وقالوا هلك فلان الليلة * ثم قال سلاّم أحسبه سلام المدائني وهو الين الحديث. وقد
قال البخاري حدثنا ابو اليمان حدثنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ الملائكة يتعاقبون ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر. ثم يعرج اليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم فيقول كيف تركتم عبادي فيقولون تركناهم وهم يصلون. وأتيناهم وهم يصلون * هذا اللفظ في كتاب بدء الخلق بهذا السياق وهذا اللفظ تفرد به دون مسلم من هذا الوجه * وقد أخرجاه في الصحيحين في البدء من حديث مالك عن أبى الزناد به *
وقال البزار حدثنا زياد بن أيوب حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي حدثنا تمام بن نجيح عن الحسن يعنى البصري عن أنس قال قال رسول الله ﷺ ما من حافظين يرفعان إلى الله ما حفظا في يوم فيرى في أول الصحيفة وفي آخرها استغفارا الا قال الله غفرت لعبدي ما بين طرفي الصحيفة * ثم قال تفرد به تمام بن نجيح
стр. 52
وهو صالح الحديث * قلت وقد وثقه ابن معين وضعفه البخاري وأبو حاتم وأبو زرعة والنسائي وابن عدي ورماه ابن حبان بالوضع وقال الامام أحمد لا أعرف حقيقة أمره والمقصود أن كل إنسان له حافظان ملكان اثنان واحد من بين يديه وآخر من خلفه يحفظانه من أمر الله بأمر الله * وملكان كاتبان عن يمينه وعن شماله وكاتب اليمين أمير على كاتب الشمال. كما ذكرنا ذلك عند قوله تعالى ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ فأما
الحديث الّذي رواه الامام أحمد حدثنا أسود ابن عامر * حدثنا سفيان. حدثنا منصور عن سالم بن أبى الجعد عن أبيه عن عبد الله هو ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ . ما منكم من أحد الا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعاننى عليه فلا يأمرني الا بخير. انفرد بإخراجه مسلم من حديث منصور به فيحتمل أن هذا القرين من الملائكة غير القرين بحفظ الإنسان وانما هو موكل به ليهديه ويرشده باذن ربه الى سبيل الخير وطريق الرشاد كما أنه قد وكل به القرين من الشياطين لا يألوه جهدا في الخبال والإضلال. والمعصوم من عصمه الله وبالله المستعان *
وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا إبراهيم بن سعد حدثنا ابن شهاب عن أبى سلمة بن عبد الرحمن والأغر عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد ملائكة يكتبون الأول فالأوّل فإذا جلس الامام طووا الصحف وجاءوا يسمعون الذكر وهكذا رواه منفردا به من هذا الوجه وهو في الصحيحين من وجه آخر * وقد قال الله تعالى ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ *
وقال الامام أحمد حدثنا أسباط حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن ابن مسعود عن النبي ﷺ * وحدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي ﷺ في قوله ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾ قال تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار * ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من حديث أسباط * وقال الترمذي حسن صحيح * قلت وهو منقطع *
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة وسعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي ﷺ * قال فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة. ويجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. يقول أبو هريرة اقرءوا ان شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً﴾
وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت فبات غضبان لعنتها الملائكة حتى تصبح * تابعه شعبة وأبو حمزة وأبو داود وأبو معاوية عن
стр. 53
الأعمش. وثبت
في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال إذا أمن الامام فأمنوا فان من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه * وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل بلفظ إذا قال الامام آمين فان الملائكة تقول في السماء آمين فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه *
وفي صحيح البخاري حدثنا إسماعيل حدثني مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال إذا قال الامام سمع الله لمن حمده فقولوا (اللهمّ ربنا ولك الحمد) فان من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه. ورواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من حديث مالك *
وقال الامام احمد حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة أو عن أبى سعيد هو شك (يعنى الأعمش) قال قال رسول الله ﷺ ان لله ملائكة سياحين في الأرض فضلا عن كتاب الناس فإذا وجدوا أقواما يذكرون الله فنادوا هلموا الى بغيتكم فيجيئون بهم الى السماء الدنيا فيقول الله أي شيء تركتم عبادي يصنعون فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك فيقول وهل رأوني فيقولون لا فيقول كيف لو رأوني فيقولون لو رأوك لكانوا أشد تحميدا وتمجيدا وذكرا * قال فيقول فأى شيء يطلبون فيقولون يطلبون الجنة فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول وكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها لكانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا قال فيقول من أي يتعوذون فيقولون من النار فيقول وهل رأوها فيقولون لا فيقول فكيف لو رأوها فيقولون لو رأوها كانوا أشد منها هربا وأشد منها خوفا. قال فيقول أشهدكم أنى قد غفرت لهم.
قال فيقول ان فيهم فلانا الخطاء لم يردهم إنما جاء لحاجة فيقول هم القوم لا يشقى بهم جليسهم * وهكذا رواه البخاري عن قتيبة عن جرير بن عبد الحميد عن الأعمش به. وقال رواه شعبة عن الأعمش ولم يرفعه. ورفعه سهيل عن أبيه. وقد رواه أحمد عن عفان عن وهيب عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه كما ذكره البخاري معلقا عن سهيل. ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد عن وهب به. وقد رواه الامام أحمد أيضا عن غندر عن شعبة عن سليمان (هو الأعمش) عن أبى صالح عن ابى هريرة كما أشار اليه البخاري ﵀ *
وقال الامام أحمد حدثنا أبو معاوية. حدثنا الأعمش وابن نمير * أخبرنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة * ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه. ومن سلك طريقا يلتمس به علما سهل الله له به طريقا الى الجنة وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم الا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده * ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» * وكذا رواه مسلم من حديث أبى معاوية *
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أبى إسحاق عن الأغر (أبى مسلم) عن
стр. 54
أبى هريرة وأبى سعيد عن رسول الله ﷺ . قال ما اجتمع قوم يذكرون الله الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده * وكذا رواه أيضا من حديث إسرائيل وسفيان الثوري وشعبة عن أبى إسحاق به نحوه * ورواه مسلم من حديث شعبة والترمذي من حديث الثوري وقال حسن صحيح * ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن ابى شيبة عن يحيى بن آدم عن عمار بن زريق عن أبى إسحاق باسناد نحوه * وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة * وفي مسند الامام أحمد والسنن عن أبى الدرداء مرفوعا (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع) أي تتواضع له كما قال تعالى ﴿وَاِخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ وقال تعالى ﴿وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله ابن مسعود أن رسول الله ﷺ قال إن لله ملائكة سياحين في الأرض ليبلغونى عن أمتي السلام * وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري وسليمان الأعمش كلاهما عن عبد الله بن السائب به *
وقال الامام أحمد. حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم * وهكذا رواه مسلم عن محمد بن رافع وعبدة بن حميد كلاهما عن عبد الرزاق به.
والأحاديث في ذكر الملائكة كثيرة جدا * وقد ذكرنا ما يسره الله تعالى وله الحمد *
فصل
وقد اختلف الناس في تفضيل الملائكة على البشر على أقوال. فأكثر ما توجد هذه المسألة في كتب المتكلمين والخلاف فيها مع المعتزلة ومن وافقهم وأقدم كلام رأيته في هذه المسألة ما ذكره الحافظ بن عساكر في تاريخه في ترجمة أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص انه حضر مجلسا لعمر بن عبد العزيز وعنده جماعة فقال عمر ما أحد أكرم على الله من كريم بنى آدم. واستدل بقوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ ووافقه على ذلك أمية بن عمرو بن سعيد فقال عراك ابن مالك ما أحد أكرم على الله من ملائكته هم خدمة داريه ورسله الى أنبيائه. واستدل بقوله تعالى ﴿ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاّ أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ﴾ فقال عمر بن عبد العزيز لمحمد بن كعب القرظي ما تقول أنت يا أبا حمزة * فقال قد أكرم الله آدم فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة وجعل من ذريته الأنبياء والرسل ومن يزوره الملائكة * فوافق عمر بن عبد العزيز في الحكم واستدل بغير دليله * وأضعف دلالة ما صرح به من الآية وهو قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ مضمونه أنها ليست بخاصة بالبشر * فان الله قد وصف الملائكة بالايمان في
стр. 55
قوله «وَيُؤْمِنُونَ بِهِ» وكذلك الجان «وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ» «وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ» قلت وأحسن ما يستدل به في هذه المسألة ما رواه عثمان بن سعيد الدارميّ عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وهو أصح قال لما خلق الله الجنة قالت الملائكة يا ربنا اجعل لنا هذه نأكل منها ونشرب فإنك خلقت الدنيا لبني آدم فقال الله لن أجعل صالح ذرية من خلقت بيدي كمن قلت له كن فكان *
باب ذكر خلق الجان وقصة الشيطان
قال الله تعالى ﴿خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخّارِ * وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ * فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ وقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وغير واحد ﴿مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ﴾ قالوا من طرف اللهب وفي رواية من خالصة وأحسنه * وقد ذكرنا آنفا
من طريق الزهري عن عروة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من نار وخلق آدم مما وصف لكم رواه مسلم * قال كثير من علماء التفسير خلقت الجن قبل آدم ﵇ وكان قبلهم في الأرض الحن والبن فسلط الله الجن عليهم فقتلوهم وأجلوهم عنها وأبادوهم منها وسكنوها بعدهم. وذكر السدي في تفسيره عن أبى مالك عن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ لما فرغ الله من خلق ما أحب استوى على العرش فجعل إبليس على ملك الدنيا وكان من قبيلة من الملائكة يقال لهم الجن وانما سموا الجن لانهم خزان الجنة. وكان إبليس مع ملكه خازنا فوقع في صدره انما أعطانى الله هذا لمزية لي على الملائكة. وذكر الضحاك عن ابن عباس أن الجن لما أفسدوا في الأرض وسفكوا الدماء بعث الله اليهم إبليس ومعه جند من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم عن الأرض الى جزائر البحور * وقال محمد بن إسحاق عن خلاد عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يرتكب المعصية عزازيل. وكان من سكان الأرض ومن أشد الملائكة اجتهادا وأكثرهم علما وكان من حي يقال لهم الجن * وروى ابن أبى حاتم عن سعيد بن جبير عنه كان اسمه عزازيل وكان من أشرف الملائكة من أولى الاجنحة الأربعة * وقد أسند عن حجاج عن ابن جريج قال ابن عباس كان إبليس من أشرف الملائكة وأكرمهم قبيلة * وكان خازنا على الجنان وكان له سلطان سماء الدنيا. وكان له سلطان الأرض * وقال صالح مولى التوأمة عن ابن عباس كان يسوس ما بين السماء والأرض رواه ابن جرير وقال قتادة عن سعيد بن المسيب كان إبليس رئيس ملائكة سماء الدنيا * وقال الحسن البصري لم يكن من الملائكة طرفة عين وانه لأصل الجن كما أن آدم أصل البشر * وقال شهر ابن حوشب وغيره كان إبليس من الجن الذين طردوهم الملائكة فأسره بعضهم وذهب به الى السماء. رواه ابن جرير * قالوا فلما
стр. 56
أراد الله خلق آدم ليكون في الأرض هو وذريته من بعده وصور جثته منها جعل إبليس وهو رئيس الجان وأكثرهم عبادة إذ ذاك وكان اسمه عزازيل يطيف به فلما رآه أجوف عرف أنه خلق لا يتمالك * وقال أما لئن سلطت عليك لاهلكنك ولئن سلطت عليّ لأعصينك فلما أن نفخ الله في آدم من روحه كما سيأتي وأمر الملائكة بالسجود له دخل إبليس منه حسد عظيم وامتنع من السجود له و ﴿قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ فخالف الأمر واعترض على الرب وأخطأ في قوله وابتعد من رحمة ربه وأنزل من مرتبته التي كان قد نالها بعبادته وكان قد تشبه بالملائكة ولم يكن من جنسهم لانه مخلوق من نار وهم من نور فخانه طبعه في أحوج ما كان اليه ورجع الى أصله الناري ﴿فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ فأهبط إبليس من الملأ الأعلى وحرم عليه قدر أن يسكنه فنزل الى الأرض حقيرا ذليلا مذءوما حورا متوعدا بالنار هو ومن اتبعه من الجن والانس الا انه مع ذلك جاهد كل الجهد على إضلال بنى ادم بكل طريق وبكل مرصد كما قال ﴿أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً * قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً * وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ وسنذكر القصة مستفاضة عند ذكر خلق آدم ﵇ * والمقصود أن الجان خلقوا من النار وهم كبني آدم يأكلون ويشربون ويتناسلون * ومنهم المؤمنون ومنهم الكافرون كما أخبر تعالى عنهم في صورة الجن في قوله تعالى ﴿وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قالُوا يا قَوْمَنا إِنّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اِسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً * وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اِتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً * وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللهِ شَطَطاً * وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللهِ كَذِباً * وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً * وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللهُ أَحَداً * وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً﴾
стр. 57
رَصَداً * وَأَنّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً * وَأَنّا مِنَّا الصّالِحُونَ وَمِنّا دُونَ ذلِكَ كُنّا طَرائِقَ قِدَداً * وَأَنّا ظَنَنّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً * وَأَنّا لَمّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً * وَأَنّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ. فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً * وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً * وَأَنْ لَوِ اِسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ. وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً * وقد ذكرنا تفسير هذه السورة وتمام القصة في آخر سورة الأحقاف * وذكرنا الأحاديث المتعلقة بذلك هنالك *
وأن هؤلاء النفر كانوا من جن (نصيبين) وفي بعض الآثار من جن (بصرى) وأنهم مروا برسول الله ﷺ وهو قائم يصلى بأصحابه ببطن نخلة من أرض مكة فوقفوا فاستمعوا لقراءته. ثم اجتمع بهم النبي ﷺ ليلة كاملة فسألوه عن أشياء أمرهم بها ونهاهم عنها وسألوه الزاد فقال لهم (كل عظم ذكر اسم الله عليه تجدونه أوفر ما يكون لحما وكل روثة علف لدوابكم) ونهى النبي ﷺ أن يستنجى بهما وقال (إنهما زاد إخوانكم) الجن.
ونهى عن البول في السرب لأنها مساكن الجن. وقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة الرحمن فما جعل يمر فيها بآية ﴿فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ الا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد.
وقد أثنى عليهم النبي ﷺ في ذلك لما قرأ هذه السورة على الناس فسكتوا. فقال (الجن كانوا أحسن منكم ردا ما قرأت عليهم فبأي آلاء ربكما تكذبان الا قالوا ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد). رواه الترمذي عن جبير وابن جرير والبزار عن ابن عمر * وقد اختلف في مؤمني الجن هل يدخلون الجنة أو يكون جزاء طائعهم ان لا يعذب بالنار فقط. على قولين الصحيح أنهم يدخلون الجنة لعموم القرآن * ولعموم قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾.
﴿* فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ﴾ فامتن تعالى عليهم بذلك فلولا أنهم ينالونه لما ذكره وعده عليهم من النعم * وهذا وحده دليل مستقل كاف في المسألة وحده والله أعلم *
وقال البخاري حدثنا قتيبة عن مالك عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى صعصعة عن أبيه أن أبا سعيد الخدريّ قال له (إني أراك تحب الغنم والبادية فإذا كنت في غنمك وباديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء الا شهد له يوم القيامة) * قال أبو سعيد سمعته من رسول الله ﷺ * انفرد به البخاري دون مسلم * وأما كافر والجن فمنهم الشياطين ومقدمهم الأكبر إبليس عدو آدم أبى البشر وقد سلطه هو وذريته على آدم وذريته. وتكفل الله بعصمة من آمن به وصدق رسله واتبع شرعه منهم.
كما قال ﴿إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلاّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها﴾
стр. 58
فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ وقال تعالى ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُما لِباسَهُما لِيُرِيَهُما سَوْآتِهِما إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إِنّا جَعَلْنَا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقال ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾.
﴿* قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قالَ رَبِّ بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قالَ هذا صِراطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ إِلاّ مَنِ اِتَّبَعَكَ مِنَ الْغاوِينَ * وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَها سَبْعَةُ أَبْوابٍ لِكُلِّ بابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ﴾ وقد ذكر تعالى هذه القصة في سورة البقرة وفي الأعراف وهاهنا وفي سورة سبحان وفي سورة طه وفي سورة ص * وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه في كتابنا التفسير ولله الحمد * وسنوردها في قصة آدم إن شاء الله * والمقصود أن إبليس أنظره الله الى يوم القيامة محنة لعباده واختبارا منه لهم كما قال تعالى ﴿وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْها فِي شَكٍّ﴾.
﴿وَرَبُّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ * وقال تعالى ﴿وَقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلاّ أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ﴾ * فإبليس لعنه الله حي الآن منظر الى يوم القيامة بنص القرآن * وله عرش على وجه البحر وهو جالس عليه ويبعث سراياه يلقون بين الناس الشر والفتن * وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً﴾ وكان اسمه قبل معصيته العظيمة عزازيل * قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) ولهذا لما
قال النبي ﷺ لابن صياد ما ترى قال أرى عرشا على الماء. فقال له النبي ﷺ (اخسأ فلن تعدو قدرك) فعرف أن مادة مكاشفته التي كاشفه بها شيطانية مستمدة من إبليس الّذي هو يشاهد عرشه على البحر * ولهذا قال له اخسأ فلن تعدو قدرك أي لن تجاوز قيمتك الدنية الخسيسة الحقيرة * والدليل على أن عرش إبليس على البحر الّذي
رواه الامام احمد حدثنا أبو المغيرة حدثنا صفوان حدثني معاذ التميمي عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ (عرش إبليس في البحر يبعث
стр. 59
سراياه في كل يوم يفتنون الناس فأعظمهم عنده منزلة أعظمهم فتنة للناس» ورواه (١)
وقال أحمد حدثنا روح حدثنا ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول (عرش إبليس على البحر يبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) تفرد به من هذا الوجه *
وقال أحمد حدثنا مؤمل حدثنا حماد حدثنا على بن زيد عن ابى نضرة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ لابن صائد (ما ترى. قال أرى عرشا على الماء أو قال على البحر حوله حيات) قال ﷺ ذاك عرش إبليس * هكذا رواه في مسند جابر *
وقال في مسند أبى سعيد حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أنبأنا على بن زيد عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ قال لابن صائد (ما ترى قال أرى عرشا على البحر حوله الحيات) فقال رسول الله ﷺ صدق ذاك عرش إبليس *
وروى الإمام أحمد من طريق معاذ التميمي وأبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ إن الشيطان قد يئس أن يعبده المصلون ولكن في التحريش (٢) بينهم *
وروى الامام مسلم من حديث الأعمش عن أبى سفيان طلحة بن نافع عن جابر عن النبي ﷺ قال «إن الشيطان يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة. يجيء أحدهم فيقول ما زلت بفلان حتى تركته وهو يقول كذا وكذا. فيقول إبليس لا والله ما صنعت شيئا. ويجيء أحدهم فيقول ما تركته حتى فرقت بينه وبين أهله. قال فيقربه ويدنيه ويقول نعم أنت. يروى بفتح النون بمعنى نعم أنت ذاك الّذي تستحق الاكرام. وبكسرها أي نعم منك * وقد استدل به بعض النحاة على جواز كون فاعل نعم مضمرا وهو قليل * واختار شيخنا الحافظ أبو الحجاج الأول ورجحه ووجهه بما ذكرناه والله اعلم وقد أوردنا هذا الحديث عند قوله تعالى ﴿ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ يعنى أن السحر المتلقى عن الشياطين من الانس والجن يتوصل به الى التفرقة بين المتآلفين غاية التآلف المتوادين المتحابين ولهذا يشكر إبليس سعى من كان السبب في ذلك. فالذي ذمه الله يمدحه والّذي يغضب الله يرضيه عليه لعنة الله * وقد أنزل الله سورتي المعوذتين مطردة لأنواع الشر وأسبابه وغاياته. ولا سيما سورة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النّاسِ * مَلِكِ النّاسِ * إِلهِ النّاسِ * مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنّاسِ * الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النّاسِ * مِنَ الْجِنَّةِ وَالنّاسِ﴾. وثبت
في الصحيحين عن أنس. وفي صحيح البخاري عن صفية بنت حسين أن رسول الله ﷺ قال «إن الشيطان يجرى من ابن آدم مجرى الدم» *
стр. 60
وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي حدثنا محمد بن جبير حدثنا عدي بن أبى عمارة حدثنا زياد النميري عن أنس قال قال رسول الله ﷺ «إن الشيطان واضع خطمه على قلب ابن آدم فان ذكر الله خنس وإن نسي التقم قلبه فذلك الوسواس الخناس * ولما كان ذكر الله مطردة للشيطان عن القلب كان فيه تذكار للناس كما قال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ «وقال صاحب موسى «وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ وقال تعالى ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ يعنى الساقي لما قال له يوسف اذكرني عند ربك نسي الساقي أن يذكره لربه يعنى مولاه الملك. وكان هذا النسيان من الشيطان فلبث يوسف في السجن بضع سنين * ولهذا قال بعده ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي مدة * وقرئ بعد أمة أي نسيان. وهذا الّذي قلنا من أن الناسي هو الساقي هو الصواب من القولين كما قررناه في التفسير والله أعلم
وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن عاصم سمعت أبا تميمة يحدث عن رديف رسول الله ﷺ قال عثر بالنبيّ ﷺ حماره فقلت نفس الشيطان فقال النبي ﷺ (لا تقل نفس الشيطان فإنك إذا قلت نفس الشيطان تعاظم وقال بقوتي صرعته وإذا قلت بسم الله تصاغر حتى يصير مثل الذباب) * تفرد به أحمد وهو إسناد جيد *
وقال أحمد حدثنا أبو بكر الحنفي حدثنا الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (إن أحدكم إذا كان في المسجد جاء الشيطان فأيس به كما يئس الرجل بدابته فإذا سكن له زنقه أو ألجمه * قال أبو هريرة وأنتم ترون ذلك. أما المزنوق فتراه مائلا كذا لا يذكر الا الله * وأما الملجم ففاتح فاه لا يذكر الله تفرد به أحمد *
وقال الامام أحمد حدثنا ابن نمير حدثنا ثور يعنى ابن يزيد عن مكحول عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «العين حق ويحضرها الشيطان وحسد ابن آدم» *
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور عن ذر بن عبد الله الهمدانيّ عن عبد الله بن شداد عن ابن عباس قال (جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله إني أحدث نفسي بالشيء لأن أخر من السماء أحب الى من أن أتكلم به) فقال النبي ﷺ «الله أكبر الحمد لله الّذي رد كيده الى الوسوسة» * ورواه أبو داود والنسائي من حديث منصور زاد النسائي والأعمش كلاهما عن أبى ذر به *
وقال البخاري حدثنا يحى بن بكير حدثنا الليث عن عقيل عن ابن شهاب قال أخبرنى عروة قال قال أبو هريرة قال رسول الله ﷺ «يأتى الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا من خلق كذا حتى يقول من خلق ربك فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته * وهكذا رواه مسلم من حديث الليث ومن حديث الزهري وهشام بن عروة كلاهما عن عروة به * وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزاتِ الشَّياطِينِ * وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِمّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ وقال تعالى
стр. 61
﴿فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ * إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾.
وروى الامام أحمد وأهل السنن من حديث أبى المتوكل عن أبى سعيد قال كان رسول الله ﷺ يقول (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه). وجاء مثله من رواية جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود وابى أسامة الباهلي. وتفسيره في الحديث (فهمزه الموتة وهو الخنق الّذي هو الصرع. ونفخه الكبر. ونفثه الشعر) وثبت
في الصحيحين عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا دخل الخلاء قال «أعوذ بالله من الخبث والخبائث» قال كثير من العلماء استعاذ من ذكران الشياطين وإناثهم *
وروى الامام أحمد عن شريح عن عيسى بن يونس عن ثور عن الحسين عن ابن سعد الخير وكان من أصحاب عمر عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (ومن أتى الغائط فليستتر فان لم يجد الا أن يجمع كثيبا فليستدبره فان الشيطان يلعب بمقاعد بنى آدم من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج) * ورواه أبو داود وابن ماجة من حديث ثور بن يزيد به.
وقال البخاري حدثنا عثمان بن ابى شيبة حدثنا جرير عن الأعمش عن عدي بن ثابت قال قال سليمان بن صرد استب رجلان عند النبي ﷺ ونحن عنده جلوس فأحدهما يسب صاحبه مغضبا قد احمر وجهه فقال النبي ﷺ (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عنه ما يجد. لو قال أعوذ بالله من الشيطان الرجيم) فقالوا للرجل ألا تسمع ما يقول النبي ﷺ فقال إني لست بمجنون. ورواه أيضا مسلم وأبو داود والنسائي من طرق عن الأعمش *
وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن عبيد حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال (لا يأكل أحدكم بشماله ولا يشرب بشماله فان الشيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله) * وهذا على شرط الصحيحين بهذا الاسناد وهو في الصحيح من غير هذا الوجه *
وروى الامام أحمد من حديث إسماعيل بن أبى حكيم عن عروة عن عائشة عن رسول الله ﷺ أنه قال (من أكل بشماله أكل معه الشيطان ومن شرب بشماله شرب معه الشيطان) *
وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن جعفر أنبأنا شعبة عن أبى زياد الطحان سمعت أبا هريرة يقول عن النبي ﷺ أنه رأى رجلا يشرب قائما فقال له (قه) قال لم. قال (أيسرك أن يشرب معك الهر. قال لا قال (فإنه قد شرب معك من هو شر منه الشيطان * تفرد به احمد من هذا الوجه.
وقال أيضا حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن رجل عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ (لو يعلم الّذي يشرب وهو قائم ما في بطنه لاستقاء) قال وحدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بمثل حديث الزهري *
وقال الامام أحمد حدثنا موسى حدثنا ابن لهيعة عن ابن الزبير أنه سأل جابرا
стр. 62
سمعت النبي (١) ﷺ قال (إذا دخل الرجل بيته فذكر اسم الله حين يدخل وحين يطعم قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء هاهنا. وان دخل ولم يذكر اسم الله عند دخوله قال أدركتم المبيت. وان لم يذكر اسم الله عند طعامه قال أدركتم المبيت والعشاء. قال نعم *
وقال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبدة حدثنا محمد عن هشام بن عروة عن أبيه عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ «إذا طلع حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يبرز وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى يغيب ولا تحينوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني الشيطان» أو (الشياطين) لا أدرى اى ذلك قال هشام * ورواه مسلم والنسائي من حديث هشام به *
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال رأيت رسول الله ﷺ يشير الى المشرق فقال «ها إن الفتنة هاهنا إن الفتنة هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان» * هكذا رواه البخاري منفردا به من هذا الوجه *
وفي السنن أن رسول الله ﷺ نهى أن يجلس بين الشمس والظل. وقال إنه مجلس الشيطان» وقد ذكروا في هذا معاني. من أحسنها أنه لما كان الجلوس في مثل هذا الموضع فيه تشويه بالخلقة فيما يرى كان يحبه الشيطان لان خلقته في نفسه مشوه وهذا مستقر في الأذهان. ولهذا قال تعالى ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ الصحيح أنهم الشياطين لا ضرب من الحيات كما زعمه من زعمه من المفسرين والله أعلم * فان النفوس مغروز فيها قبح الشياطين وحسن خلق الملائكة وان لم يشاؤا. ولهذا قال تعالى ﴿طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ﴾ وقال النسوة لما شاهدن جمال يوسف ﴿حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾.
وقال البخاري حدثنا يحيى بن جعفر حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري حدثنا ابن جريج أخبرني عطاء عن جابر عن النبي ﷺ قال (إذا استجنح) أو (كان جنح الليل) فكفوا صبيانكم فان الشياطين تنتشر حينئذ فإذا ذهب ساعة من العشاء فحلوهم (٢) وأغلق بابك واذكر اسم الله وأطفئ مصباحك واذكر اسم الله وأوك سقاءك واذكر اسم الله وخمر إناءك واذكر اسم الله ولو تعرض عليه شيئا» ورواه أحمد عن يحيى عن ابن جريج وعنده فان الشيطان لا يفتح مغلقا.
وقال الامام احمد حدثنا وكيع عن قط (٣) عن أبى الزبير عن جابر قال قال رسول الله ﷺ «أغلقوا أبوابكم وخمروا آنيتكم وأوكوا أسقيتكم وأطفئوا سرجكم فان الشيطان لا يفتح بابا مغلقا ولا يكشف غطاء ولا يحل وكاء وان الفويسقة تضرم البيت على أهله يعنى الفأرة.
وقال البخاري حدثنا آدم حدثنا شعبة (٤) عن منصور عن سالم بن ابى الجعد عن كريب عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ «لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتى
стр. 63
أهله قال اللهمّ جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتني فان كان بينهما ولد لم يضره الشيطان ولم يسلط عليه». وحدثنا الأعمش عن سالم عن كريب عن ابن عباس مثله *
ورواه أيضا عن موسى بن إسماعيل عن همام عن منصور عن سالم عن كريب عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال (أما لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال بسم الله اللهمّ جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا فرزقا ولدا لم يضره الشيطان) *
وقال البخاري حدثنا إسماعيل حدثنا أخى عن سليمان عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد. يضرب على كل عقدة مكانها» عليك ليل طويل فارقد «فان استيقظ فذكر الله انحلت عقدة. فان توضأ انحلت عقدة. فان صلّى انحلت عقده كلها فأصبح نشيطا طيب النفس وإلا أصبح خبيث النفس كسلان» هكذا رواه منفردا به من هذا الوجه.
وقال البخاري حدثنا إبراهيم عن حمزة حدثني ابن ابى حازم عن يزيد يعنى ابن الهادي عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فان الشيطان يبيت على خيشومه) ورواه مسلم عن بشر بن الحكم عن الدراوَرْديّ. والنسائي عن محمد بن زنبور عن عبد العزيز بن أبى حازم كلاهما عن يزيد بن الهادي به *
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن منصور عن أبى وائل عن عبد الله قال «ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليله ثم أصبح قال ذاك رجل بال الشيطان في أذنيه» أو قال (في أذنه) * ورواه مسلم عن عثمان وإسحاق كلاهما عن جرير به. وأخرجه البخاري أيضا والنسائي وابن ماجة من حديث منصور بن المعتمر به.
وقال البخاري حدثنا محمد بن يوسف أنبأنا الأوزاعي عن يحيى ابن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «إذا نودي بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط فإذا قضى اقبل فإذا ثوب بها أدبر فإذا قضى اقبل حتى يخطر بين الإنسان وقلبه. فيقول اذكر كذا وكذا حتى لا يدرى أثلاثا صلّى أم أربعا فإذا لم يدر أثلاثا صلّى أم أربعا سجد سجدتي السهو» هكذا رواه منفردا به من هذا الوجه.
وقال احمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا جعفر يعنى الأحمر عن عطاء بن السائب عن أنس قال قال رسول الله ﷺ «راصوا الصفوف فان الشيطان يقوم في الخلل»
وقال أحمد حدثنا ابان حدثنا قتادة عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان يقول راصوا الصفوف وقاربوا بينها وحاذوا بين الأعناق فو الّذي نفس محمد بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنه الحذف *
وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا يونس عن حميد بن هلال عن أبى صالح عن أبى سعيد قال قال رسول الله ﷺ «إذا مر بين يدي أحدكم شيء فليمنعه فان أبى فليمنعه فان أبى فليقاتله فإنما هو شيطان» ورواه أيضا مسلم وأبو داود من حديث سليمان بن المغيرة عن
стр. 64
حميد بن هلال به * وقال الامام أحمد حدثنا أبو أحمد حدثنا بشير بن معبد حدثنا أبو عبيد حاجب سليمان قال رأيت عطاء بن يزيد الليثي قائما يصلى فذهبت أمرّ بين يديه فردني * ثم
قال حدثني أبو سعيد الخدريّ أن رسول الله ﷺ قام يصلى صلاة الصبح وهو خلفه يقرأ فالتبست عليه القراءة فلما فرغ من صلاته قال «لو رأيتموني وإبليس فأهويت بيدي فما زلت أخنقه حتى وجدت برد لعابه بين إصبعي هاتين الإبهام والتي تليها ولولا دعوة أخى سليمان لأصبح مربوطا بسارية من سواري المسجد يتلاعب به صبيان المدينة فمن استطاع منكم أن لا يحول بينه وبين القبلة أحد فليفعل * وروى أبو داود منه فمن استطاع الى آخره عن أحمد بن أبى سريج عن أبى أحمد محمد بن عبد الله بن محمد بن الزبير به.
وقال البخاري حدثنا محمود حدثنا شبابة حدثنا شعبة عن محمد بن زياد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ «أنه صلّى صلاة فقال ان الشيطان عرض لي فسد عليّ لقطع الصلاة على فأمكنني الله منه» فذكر الحديث * وقد رواه مسلم والنسائي من حديث شعبة به مطولا * ولفظ البخاري عند تفسير قوله تعالى اخبارا عن سليمان ﵇ أنه قال ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾
من حديث روح وغندر عن شعبة عن محمد ابن زياد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (إن عفريتا من الجن تفلت عليّ البارحة) أو كلمة نحوها ليقطع عليّ الصلاة فأمكننى الله منه فأردت أن أربطه الى سارية من سواري المسجد حتى تصبحوا وتنظروا اليه كلكم فذكرت قول أخى سليمان ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ﴾ قال روح فرده خاسئا *
وروى مسلم من حديث أبى إدريس عن أبى الدرداء قال قام رسول الله ﷺ يصلى فسمعناه يقول (أعوذ بالله منك) ثم قال (العنك بلعنة الله ثلاثا وبسط يده كأنه يتناول شيئا فلما فرغ من الصلاة قلنا يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئا لم نسمعك تقوله قبل ذلك ورأيناك بسطت يدك فقال إن عدوّ الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجمله في وجهي فقلت أعوذ بالله منك ثلاث مرات. ثم قلت العنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة. وقال تعالى ﴿فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾ يعنى الشيطان وقال تعالى ﴿إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ﴾ فالشيطان لا يألو الإنسان خبالا جهده وطاقته في جميع أحواله وحركاته وسكناته كما صنف الحافظ أبو بكر بن أبى الدنيا كتابا في ذلك سماه (مصائد الشيطان) وفيه فوائد جمة
وفي سنن أبى داود إن رسول الله ﷺ كان يقول في دعائه. وأعوذ بك ان يتخبطني الشيطان عند الموت. وروينا في بعض الاخبار أنه قال (يا رب وعزك وجلالك لا أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الله تعالى وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفرونى) وقال الله تعالى ﴿الشَّيْطانُ﴾
стр. 65
يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ فوعد الله هو الحق المصدق ووعد الشيطان هو الباطل. وقد
روى الترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه وابن أبى حاتم في تفسيره من حديث عطاء بن السائب عن مرة الهمدانيّ عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ان للشيطان للمة بابن آدم وللملك لمة. فأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق. وأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق. فمن وجد ذلك فليعلم انه من الله فليحمد الله. ومن وجد الأخرى فليتعوذ من الشيطان ثم قرأ ﴿الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ﴾ * وقد ذكرنا في فضل سورة البقرة أن الشيطان يفر من البيت الّذي تقرأ فيه. وذكرنا في فضل آية الكرسي أن من قرأها في ليلة لا يقربه الشيطان حتى يصبح.
وقال البخاري حدثنا عبد الله بن يوسف أنبأنا مالك عن سمى عن أبى صالح عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال (من قال لا إله الا الله وحده لا شريك له. له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير مائة مرة كانت له عدل عشر رقاب وكتبت له مائة حسنة ومحيت عنه مائة سيئة وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسى ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به الا رجل عمل أكثر من ذلك. وأخرجه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث مالك. وقال الترمذي حسن صحيح.
وقال البخاري انبأنا أبو اليمان أنبأنا شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال ﷺ كل ابن آدم يطعن الشيطان في جنبيه بإصبعه حين يولد غير عيسى بن مريم ذهب يطعن فطعن في الحجاب. تفرد به من هذا الوجه.
وقال البخاري حدثنا عاصم بن على حدثنا بن أبى ذئب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال «التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع فان أحدكم إذا قال (ها) ضحك الشيطان». ورواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه النسائي من حديث ابن أبى ذئب به * وفي لفظ (إذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع فان الشيطان يدخل)
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبأنا سفيان عن محمد بن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «إن الله يحب العطاس ويبغض أو يكره التثاؤب فإذا قال أحدكم هاها فإنما ذلك الشيطان يضحك من جوفه. ورواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عجلان به.
وقال البخاري حدثنا الحسن بن الربيع حدثنا أبو الأحوص عن أشعث عن أبيه عن مسروق قال قالت عائشة سألت النبي ﷺ عن التفات الرجل في الصلاة فقال هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة أحدكم. وكذا رواه أبو داود والنسائي من رواية أشعث بن أبى الشعثاء سليم بن أسود المحاربي عن أبيه عن مسروق به *
وروى البخاري من حديث الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير حدثني عبد الله بن أبى قتادة عن
стр. 66
أبيه قال قال رسول الله ﷺ «الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم حلما بخافه فليبصق عن يساره وليتعوذ بالله من شرها فإنها لا تضره».
وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «لا يشيرن أحدكم الى أخيه بالسلاح فإنه لا يدرى أحدكم لعل الشيطان أن ينزع في يده فيقع في حفرة من النار». أخرجاه من حديث عبد الرزاق.
وقال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ﴾ وقال ﴿إِنّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ * وَحِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ * لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ * دُحُوراً وَلَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ * إِلاّ مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنا فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَزَيَّنّاها لِلنّاظِرِينَ * وَحَفِظْناها مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ رَجِيمٍ * إِلاّ مَنِ اِسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ * وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ وقال تعالى اخبارا عن الجان «وَأَنّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً * وَأَنّا كُنّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً»
وقال البخاري وقال الليث حدثني خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال ان أبا الأسود أخبره عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ قال الملائكة تحدث في العنان (والعنان الغمام) بالأمر يكون في الأرض فتسمع الشياطين الكلمة فتقرها في اذن الكاهن كما تقر القارورة فيزيدون معها مائة كلمة (١). هكذا رواه في صفة إبليس معلقا عن الليث به. ورواه في صفة الملائكة عن سعيد بن أبى مريم عن الليث عن عبيد الله بن أبى جعفر عن محمد بن عبد الرحمن ابى الأسود عن عروة عن عائشة بنحوه * تفرد بهذين الطريقين دون مسلم *
وروى البخاري في موضع آخر ومسلم من حديث الزهري عن يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه قال «قالت عائشة سأل ناس النبي ﷺ عن الكهان فقال «انهم ليسوا بشيء» * فقالوا يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحيانا بشيء فيكون حقا فقال ﷺ تلك الكلمة من الحق يخطفها من الجنى فيقرقرها في اذن وليه كقرقرة الدجاجة فيخلطون معها مائه كذبة * هذا لفظ البخاري *
وقال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمرو قال سمعت عكرمة يقول سمعت أبا هريرة يقول إن نبي الله ﷺ قال «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله كأنه سلسلة على صفوان. فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا للذي قال. الحق وهو العلى الكبير. فيسمعها مسترق السمع. ومسترق السمع هكذا بعضه فوق بعض. ووصف سفيان بكفه فحرفها وبدد بين أصابعه. فيسمع الكلمة فيلقيها الى من تحته ثم يلقيها الآخر الى من تحته حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. فربما أدرك الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها قبل أن يدركه فيكذب معها مائة
стр. 67
كذبة فيقال أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا. فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء انفرد به البخاري * وروى مسلم من حديث الزهري عن على بن الحسين زين العابدين عن ابن عباس عن رجال من الأنصار عن النبي ﷺ نحو هذا. وقال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ * حَتّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾ وقال تعالى ﴿وَقَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ﴾ الآية وقال تعالى ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أَطْغَيْتُهُ وَلكِنْ كانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ * قالَ لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * ما يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَما أَنَا بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وقال تعالى ﴿وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً. وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ * وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ﴾ وقد قدمنا في صفة الملائكة ما
رواه أحمد ومسلم من طريق منصور عن سالم بن أبى الجعد عن أبيه واسمه رافع عن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ ما منكم من أحد الا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة قالوا وإياك يا رسول الله قال وإياي ولكن الله أعاننى عليه فلا يأمرني الا بخير *
وقال الامام أحمد حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن قابوس عن أبيه واسمه حصين بن جندب وهو أبو ظبيان الجنبي عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ ليس منكم من أحد الا وقد وكل به قرينه من الشياطين قالوا وأنت يا رسول الله قال نعم ولكن الله أعاننى عليه فأسلم * تفرد به أحمد وهو على شرط الصحيح.
وقال الامام أحمد حدثنا هارون حدثنا عبد الله بن وهب أخبرنى ابو صخر عن يزيد بن قسيط حدثه أن عروة بن الزبير حدثه أن عائشة زوج النبي ﷺ حدثته أن رسول الله ﷺ «خرج من عندها ليلا قالت فغرت عليه قالت فجاء فرأى ما أصنع فقال مالك يا عائشة أغرت قالت فقلت وما لي أن لا يغار مثلي على مثلك فقال رسول الله ﷺ «أفأخذك شيطانك قالت يا رسول الله أومعى شيطان. قال نعم. قلت ومع كل إنسان. قال نعم. قلت ومعك يا رسول الله قال نعم ولكن ربى أعاننى عليه حتى أسلم * وهكذا رواه مسلم عن هارون وهو ابن سعيد الأيلي باسناده نحوه.
وقال الامام أحمد حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن موسى بن وردان عن ابى هريرة أن النبي ﷺ قال «ان المؤمن لينصى شيطانه كما ينصى أحدكم بعيره في السفر» تفرد به أحمد من هذا الوجه ومعنى لينصى شيطانه ليأخذ بناصيته فيغلبه ويقهره كما يفعل بالبعير إذا شرد ثم غلبه. وقوله تعالى إخبارا عن إبليس ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ *
стр. 68
قال الامام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل هو عبد الله بن عقيل الثقفي حدثنا موسى ابن المسيب عن سالم بن أبى الجعد عن سبرة بن أبى فاكه قال سمعت رسول الله ﷺ قال «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقة فقعد له بطريق الإسلام فقال أتسلم وتذر دينك ودين آبائك. قال فعصاه وأسلم قال وقعد له بطريق الهجرة فقال أتهاجر وتذر أرضك وسماءك وانما مثل المهاجر كالفرس في الطول فعصاه وهاجر. ثم قعد له بطريق الجهاد وهو جهد النفس والمال فقال أتقاتل فتقتل فتنكح المرأة ويقسم المال قال فعصاه وجاهد» قال رسول الله ﷺ «فمن فعل ذلك منهم كان حقا على الله أن يدخله الجنة. وان قتل كان حقا على الله أن يدخله الجنة وان كان غرق كان حقا على الله أن يدخله الجنة وان وقصته دابته كان حقا على الله أن يدخله الجنة.
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا عبادة بن مسلم الفزاري حدثني جبير بن ابى سليمان ابن جبير بن مطعم سمعت عبد الله بن عمر يقول لم يكن رسول الله ﷺ يدع هذه الدعوات حين يصبح وحين يمسى «اللهمّ انى أسألك العافية في الدنيا والآخرة اللهمّ انى أسألك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي اللهمّ استر عوراتي وآمن روعاتي اللهمّ احفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقى وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتى» قال وكيع يعنى الخسف ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وابن حبان والحاكم من حديث عبادة بن مسلم به. وقال الحاكم صحيح الاسناد *
ذكر آدم ﵇
باب ما ورد في خلق آدم ﵇
قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ * وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾.
﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ. فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ * قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ. أَبى وَاِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ. وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما. وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ * فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمّا كانا فِيهِ. وَقُلْنَا اِهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ. وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ * فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ. فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ * قُلْنَا اِهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً. فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا﴾
جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً * وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) وقال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ. فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ. أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلاً﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً * وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى * فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى * إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى * فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطانُ. قالَ يا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلى * فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾.
﴿وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى * ثُمَّ اِجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى * قالَ اِهْبِطا مِنْها جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾.
﴿فَإِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اِتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى * قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً * قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى﴾. وقال تعالى ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ * ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ * إِنْ يُوحى إِلَيَّ إِلاّ أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ * قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ * قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ * إِنْ هُوَ إِلاّ ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾) * فهذا ذكر هذه القصة من مواضع متفرقة من القرآن * وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير * ولنذكر هاهنا مضمون ما دلت عليه هذه الآيات الكريمات وما يتعلق بها من الأحاديث الواردة في ذلك عن رسول الله ﷺ * والله المستعان * فأخبر تعالى أنه خاطب الملائكة قائلا لهم ﴿إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ أعلم بما يريد أن يخلق من آدم وذريته الذين يخلف بعضهم بعضا كما قال ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ﴾ الأرض فأخبرهم بذلك على سبيل التنويه بخلق آدم وذريته كما يخبر بالأمر العظيم قبل كونه فقالت الملائكة سائلين على وجه الاستكشاف والاستعلام عن وجه الحكمة لا على وجه الاعتراض والتنقص لبني آدم والحسد لهم كما قد يتوهمه بعض
стр. 71
جهلة المفسرين * قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ﴾ قيل علموا ان ذلك كائن بما رأوا ممن كان قبل آدم من الجن والبن قاله قتادة * وقال عبد الله بن عمر كانت الجن قبل آدم بألفي عام فسفكوا الدماء فبعث الله اليهم جندا من الملائكة فطردوهم الى جزائر البحور * وعن ابن عباس نحوه. وعن الحسن ألهموا ذلك * وقيل لما اطلعوا عليه من اللوح المحفوظ فقيل أطلعهم عليه هاروت وماروت عن ملك فوقهما يقال له الشجل.
رواه بن أبى حاتم عن ابى جعفر الباقر * وقيل لانهم علموا ان الأرض لا يخلق منها الا من يكون بهذه المثابة غالبا ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ اى نعبدك دائما لا يعصيك منا أحد * فان كان المراد بخلق هؤلاء ان يعبدوك فها نحن لا نفتر ليلا ولا نهارا ﴿قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ أي أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هؤلاء ما لا تعلمون أي سيوجد منهم الأنبياء والمرسلون والصديقون والشهداء ثم بين لهم شرف آدم عليهم في العلم فقال ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها﴾ * قال ابن عباس هي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسان ودابة وأرض وسهل وبحر وجبل وجمل وحمار وأشباه ذلك من الأمم وغيرها * وفي رواية علمه اسم الصحفة والقدر حتى الفسوة والفسية * وقال مجاهد علمه اسم كل دابة وكل طير وكل شيء * وكذا قال سعيد بن جبير وقتادة وغير واحد * وقال الربيع علمه أسماء الملائكة «وقال عبد الرحمن ابن زيد علمه أسماء ذريته والصحيح أنه علمه أسماء الذوات وافعالها مكبرها ومصغرها كما أشار اليه ابن عباس ﵄ *
وذكر البخاري هنا ما رواه هو ومسلم من طريق سعيد وهشام عن قتادة عن أنس بن مالك عن رسول الله ﷺ قال (يجتمع المؤمنون يوم القيامة فيقولون لو استشفعنا الى ربنا فيأتون آدم فيقولون أنت أبو البشر خلقك الله بيده وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء) وذكر تمام الحديث * ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ قال الحسن البصري (لما أراد الله خلق آدم قالت الملائكة لا يخلق ربنا خلقا الا كنا أعلم منه فابتلوا بهذا) وذلك قوله ﴿إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ وقيل غير ذلك كما بسطناه في التفسير قالوا ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي سبحانك أن يحيط أحد بشيء من علمك من غير تعليمك كما قال ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاّ بِما شاءَ﴾) ﴿قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ اى أعلم السر كما اعلم العلانية * وقيل إن المراد بقوله ﴿وَأَعْلَمُ ما تُبْدُونَ﴾ ما قالوا ﴿أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها﴾ وبقوله ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ المراد بهذا الكلام إبليس حين أسر الكبر والتخيرة على آدم ﵇ قاله سعيد بن جبير ومجاهد والسدي والضحاك والثوري واختاره ابن جرير * وقال ابو العالية والربيع والحسن وقتادة ﴿وَما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قولهم لن يخلق ربنا خلقا الا كنا أعلم منه وأكرم عليه منه * قوله ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾
стр. 72
إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى وَاِسْتَكْبَرَ) هذا إكرام عظيم من الله تعالى لآدم حين خلقه بيده ونفخ فيه من روحه كما قال ﴿فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ﴾ فهذه أربع تشريفات خلقه له بيده الكريمة ونفخه فيه من روحه. وأمره الملائكة بالسجود له وتعليمه أسماء الأشياء ولهذا قال له موسى الكليم حين اجتمع هو وإياه في الملأ الأعلى وتناظرا كما سيأتي (أنت آدم أبو البشر الّذي خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه وأسجد لك ملائكته وعلمك أسماء كل شيء. وهكذا يقول أهل المحشر يوم القيامة كما تقدم وكما سيأتي ان شاء الله تعالى وقال في الآية الأخرى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السّاجِدِينَ * قالَ ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ * قال الحسن البصري قاس إبليس وهو أول من قاس * وقال محمد بن سيرين أول من قاس إبليس وما عبدت الشمس ولا القمر الا بالمقاييس * رواهما ابن جرير ومعنى هذا انه نظر نفسه بطريق المقايسة بينه وبين آدم فرأى نفسه أشرف من آدم فامتنع من السجود له مع وجود الأمر له ولسائر الملائكة بالسجود.
والقياس إذا كان مقابلا بالنص كان فاسد الاعتبار * ثم هو فاسد في نفسه فان الطين أنفع وخير من النار فان الطين فيه الرزانة والحلم والأناة والنمو والنار فيها الطيش والخفة والسرعة والإحراق * ثم آدم شرفه الله بخلقه له بيده ونفخه فيه من روحه * ولهذا أمر الملائكة بالسجود له * كما قال ﴿إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما لَكَ أَلاّ تَكُونَ مَعَ السّاجِدِينَ * قالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ استحق هذا من الله تعالى لانه استلزم تنقصه لآدم وازدراؤه به وترفعه عليه مخالفة الأمر الإلهي ومعاندة الحق في النص على آدم على التعيين وشرع في الاعتذار بما لا يجدي عنه شيئا - وكان اعتذاره أشد من ذنبه كما قال تعالى في سورة سبحان ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً * قالَ أَرَأَيْتَكَ هذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاّ قَلِيلاً * قالَ اِذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً * وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاّ غُرُوراً * إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ وَكَفى بِرَبِّكَ وَكِيلاً﴾ وقال في سورة الكهف ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج عن طاعة الله عمدا وعنادا واستكبارا عن امتثال أمره وما ذاك الا لأنه خانه طبعه ومادته الخبيثة أحوج ما كان اليها فإنه مخلوق من نار كما قال وكما قدرنا
في
стр. 73
صحيح مسلم عن عائشة عن رسول الله ﷺ قال (خلق الملائكة من نور وخلقت الجان من مارج من نار وخلق آدم مما وصف لكم) * قال الحسن البصري. لم يكن إبليس من الملائكة طرفة عين قط. وقال شهر بن حوشب. كان من الجن فلما أفسدوا في الأرض بعث الله اليهم جندا من الملائكة فقتلوهم وأجلوهم الى جزائر البحار وكان إبليس ممن أسر فأخذوه معهم الى السماء فكان هناك. فلما أمرت الملائكة بالسجود امتنع إبليس منه. وقال ابن مسعود وابن عباس وجماعة من الصحابة وسعيد بن المسيب وآخرون. كان إبليس رئيس الملائكة بالسماء الدنيا. قال ابن عباس وكان اسمه عزازيل: وفي رواية عن الحارث قال النقاش وكنيته (أبو كردوس) قال بن عباس. وكان من حي من الملائكة يقال لهم الجن وكانوا خزان الجنان وكان من أشرفهم وأكثرهم علما وعبادة وكان من أولى الاجنحة الأربعة فمسخه الله شيطانا رجيما. وقال في سورة ص «إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ * فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ * إِلاّ إِبْلِيسَ اِسْتَكْبَرَ وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ * قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ * قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ * قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ * قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ * إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ * قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ * قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ * لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقال في سورة الأعراف ﴿قالَ فَبِما أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمانِهِمْ وَعَنْ شَمائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكِرِينَ﴾ أي بسبب إغوائك إياي لأقعدن لهم كل مرصد ولآتينهم من كل جهة منهم فالسعيد من خالفه والشقي من اتبعه *
وقال الامام أحمد حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا أبو عقيل (هو عبد الله بن عقيل الثقفي) حدثنا موسى بن المسيب عن سالم بن أبى الجعد عن سبرة بن أبى الفاكه قال سمعت رسول الله ﷺ قال (ان الشيطان يقعد لابن آدم بأطرقة) وذكر الحديث كما قدمناه في صفة إبليس * وقد اختلف المفسرون في الملائكة المأمورين بالسجود لآدم. أهم جميع الملائكة كما دل عليه عموم الآيات وهو قول الجمهور. أو المراد بهم ملائكة الأرض. كما رواه ابن جرير من طريق الضحاك عن ابن عباس. وفيه انقطاع. وفي السياق نكارة وان كان بعض المتأخرين قد رجحه ولكن الا ظهر من السياقات الأول ويدل عليه الحديث وأسجد له ملائكته وهذا عموم أيضا والله أعلم. وقوله تعالى لإبليس ﴿فَاهْبِطْ مِنْها﴾ و ﴿اُخْرُجْ مِنْها﴾ دليل على أنه كان في السماء فأمر بالهبوط منها والخروج من المنزلة والمكانة التي كان قد نالها بعبادته وتشبهه بالملائكة في الطاعة والعبادة ثم سلب ذلك بكبره وحسده
стр. 74
ومخالفته لربه فأهبط الى الأرض مذءوما مدحورا. وأمر الله آدم ﵇ أن يسكن هو وزوجته الجنة فقال ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقال في الأعراف ﴿قالَ اُخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ * وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلا مِنْ حَيْثُ شِئْتُما وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظّالِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاّ إِبْلِيسَ أَبى * فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى * إِنَّ لَكَ أَلاّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى﴾ وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة لقوله ﴿وَيا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وهذا قد صرح به إسحاق ابن بشار وهو ظاهر هذه الآيات ولكن حكى السدي عن ابى صالح وأبى مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة أنهم قالوا اخرج إبليس من الجنة واسكن آدم الجنة فكان يمشى فيها وحشي ليس له فيها زوج يسكن اليها فنام نومة فاستيقظ وعند رأسه امرأة قاعدة. خلقها الله من ضلعه. فسألها من أنت قالت امرأة قال ولما خلقت قالت لستكن الى فقالت له الملائكة ينظرون ما بلغ من علمه (ما اسمها يا آدم) قال حواء قالوا ولم كانت حواء قال لأنها خلقت من شيء حي. وذكر محمد ابن إسحاق عن ابن عباس أنها خلقت من ضلعه الأقصر الأيسر وهو نائم ولأم مكانه لحما ومصداق هذا في قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا النّاسُ اِتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالاً كَثِيراً وَنِساءً﴾ الآية وفي قوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها لِيَسْكُنَ إِلَيْها فَلَمّا تَغَشّاها حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ﴾ الآية وسنتكلم عليها فيما بعد ان شاء الله تعالى *
وفي الصحيحين من حديث زائدة عن ميسرة الأشجعي عن أبى حازم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (استوصوا بالنساء خيرا - فان المرأة خلقت من ضلع وان أعوج شيء في الضلع أعلاه فان ذهبت تقيمه كسرته وان تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيرا) لفظ البخاري وقد اختلف المفسرون في قوله تعالى ﴿وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ فقيل هي الكرم وروى عن ابن عباس وسعيد بن جبير والشعبي وجعدة بن هبيرة ومحمد بن قيس والسدي في رواية عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة قال وتزعم يهود أنها الحنطة. وهذا مروى عن ابن عباس والحسن البصري ووهب بن منبه وعطية العوفيّ وأبى مالك ومحارب بن دثار وعبد الرحمن بن أبى ليلى * قال وهب والحبة منه ألين من الزبد وأحلى من العسل * وقال الثوري عن ابى حصين عن أبى مالك ولا تقربا هذه الشجرة هي النخلة * وقال ابن جريج عن مجاهد هي التينة وبه قال قتادة وابن جريج وقال أبو العالية كانت شجرة من أكل منها أحدث ولا ينبغي في الجنة حدث *
стр. 75
وهذا الخلاف قريب * وقد أبهم الله ذكرها وتعيينها * ولو كان في ذكرها مصلحة تعود إلينا لعينها لنا كما في غيرها من المحال التي تبهم في القرآن * وانما الخلاف الّذي ذكروه في ان هذه الجنة التي دخلها آدم هل هي في السماء أو في الأرض هو الخلاف الّذي ينبغي فصله والخروج منه والجمهور على انها هي التي في السماء وهي جنة المأوى لظاهر الآيات والأحاديث كقوله تعالى ﴿وَقُلْنا يا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ والالف واللام ليست للعموم ولا لمعهود لفظي وانما تعود على معهود ذهني وهو المستقر شرعا من جنة المأوى وكقول موسى ﵇ لآدم ﵇ (علام أخرجتنا ونفسك من الجنة) الحديث كما سيأتي الكلام عليه *
وروى مسلم في صحيحه من حديث أبى مالك الأشجعي واسمه سعد بن طارق عن أبى حازم سلمة بن دينار عن أبى هريرة * وأبو مالك عن ربعي عن حذيفة قالا قال رسول الله ﷺ (يجمع الله الناس فيقوم المؤمنون حين تزلف لهم الجنة فيأتون آدم فيقولون يا أبانا استفتح لنا الجنة فيقول وهل أخرجكم من الجنة الا خطيئة أبيكم) وذكر الحديث بطوله * وهذا فيه قوة جيدة ظاهرة في الدلالة على انها جنة المأوى وليست تخلو عن نظر * وقال آخرون بل الجنة التي أسكنها آدم لم تكن جنة الخلد لانه كلف فيها ان لا يأكل من تلك الشجرة ولانه نام فيها وأخرج منها ودخل عليه إبليس فيها وهذا مما ينافي أن تكون جنة المأوى. وهذا القول محكي عن أبى بن كعب وعبد الله بن عباس ووهب بن منبه وسفيان بن عيينة واختاره ابن قتيبة في المعارف والقاضي منذر بن سعيد البلوطي في تفسيره وأفرد له مصنفا على حدة. وحكاه عن أبى حنيفة الامام وأصحابه ﵏. ونقله أبو عبد الله محمد بن عمر الرازيّ بن خطيب الرىّ في تفسيره عن أبى القاسم البلخي وأبى مسلم الأصبهاني. ونقله القرطبي في تفسيره عن المعتزلة والقدرية * وهذا القول هو نص التوراة التي بأيدي أهل الكتاب * وممن حكى الخلاف في هذه المسألة أبو محمد بن حزم في الملل والنحل وأبو محمد بن عطية في تفسيره وابو عيسى الرماني في تفسيره * وحكى عن الجمهور الأول. وابو القاسم الراغب والقاضي الماوردي في تفسيره فقال واختلف في الجنة التي أسكناها يعنى آدم وحواء على قولين * أحدهما انها جنة الخلد * الثاني جنة أعدها الله لهما وجعلها دار ابتلاء وليست جنة الخلد التي جعلها دار جزاء. ومن قال بهذا اختلفوا على قولين * أحدهما انها في السماء لانه أهبطهما منها وهذا قول الحسن * والثاني أنها في الأرض لانه امتحنهما فيها بالنهى عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار. وهكذا قول ابن يحيى وكان ذلك بعد أن أمر إبليس بالسجود لآدم والله أعلم بالصواب من ذلك * هذا كلامه. فقد تضمن كلامه حكاية أقوال ثلاثة وأشعر كلامه أنه متوقف في المسألة. ولقد حكى