← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.

стр. 1051

وأوّلته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقرا يذبح فبقر والله خير» رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به. وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أنس مرفوعا قال: رأيت فيما يرى النائم كأنى مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أنى أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي. فقتل حمزة وقتل رسول الله ﷺ طلحة وكان صاحب اللواء. وقال موسى بن عقبة ﵀ ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر حتى نزلوا ببطن الوادي الّذي قبلىّ أحد وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا ثم ان رسول الله ﷺ أرى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم «رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته. أو قال: به فأول فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أنى في درع حصينة وأنى مردف كبشا». فلما أخبرهم رسول الله ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول الله، ماذا أولت رؤياك؟ قال: أولت البقر الّذي رأيت بقرا فينا وفي القوم وكرهت ما رأيت بسيفي. ويقول رجال كان الّذي رأى بسيفه الّذي أصاب وجهه فان العدو أصاب وجهه يومئذ وقصموا رباعيته وخرقوا شفته يزعمون أن الّذي رماه عتبة بن أبى وقاص وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ. وقال أوّلت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله وأوّلت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام فان دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى [صارت] كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرا: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير وقال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا؟ وقال رجال ماذا نمنع إذا لم تمنع الحرب بروع؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه منهم حمزة بن عبد المطلب قال: والّذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم. وقال نعيم بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بنى سالم: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة فو الّذي نفسي بيده لأدخلنها. فقال له رسول الله ﷺ : بم؟ قال: بأنى أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال له رسول الله ﷺ : صدقت. واستشهد يومئذ. وأبى كثير من الناس إلا الخروج الى العدو ولم يتناهوا الى قول رسول الله ﷺ ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا قد علموا الّذي سبق

стр. 1052

لأصحاب بدر من الفضيلة فلما صلّى رسول الله ﷺ الجمعة وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ثم انصرف من خطبته وصلاته فدعا بلأمته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء فقالوا يا رسول الله أمكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذن بالخروج الى العدو أن يرجع حتى يقاتل وقد دعوتكم الى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا. قال: فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم ألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف فمضى رسول الله ﷺ حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبىّ ابن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة قال البيهقي ﵀ هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وقيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فالله أعلم. قال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد وكان معهم مائة فرس وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة قال ولم يكن مع المسلمين فرس واحدة ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها ان شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق لما قص رسول الله ﷺ رؤياه عل أصحابه قال لهم ان رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشرّ مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأى عبد الله بن أبىّ ابن سلول مع رأى رسول الله ﷺ في أن لا يخرج اليهم فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول الله أخرج بنا الى أعدائنا لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا فقال عبد الله ابن أبىّ يا رسول الله لا تخرج اليهم فو الله ما خرجنا منها الى عدو قط الا أصاب منا ولا دخلها علينا الا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ حتى دخل فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من بنى النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم قالوا يا رسول الله ان شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبىّ بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم

стр. 1053

ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا الا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ﷺ . قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ يعنى انهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه وهم الذين أنزل الله فيهم ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ الآية وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم وقال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح. وذكر الزهري أن الأنصار استأذنوا حينئذ رسول الله ﷺ في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم. وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بنى سلمة وبنى حارثة لما رجع عبد الله بن أبىّ وأصحابه همتا ان تفشلا فثبتهما الله تعالى، ولهذا قال ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال جابر بن عبد الله ما أحب أنها لم تنزل والله يقول ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ كما ثبت في الصحيحين عنه. قال ابن إسحاق ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصلب كلاّب سيف فاستله فقال رسول الله ﷺ لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فانى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظى وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب ويقول ان كنت رسول الله فانى لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر اليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الأشهل قبل نهى رسول الله ﷺ فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وفي الجبل وجعل ظهره وعسكره الى أحد وقال لا يقاتلنّ أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب؟ وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال النضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ان كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك

стр. 1054

لا نؤتين من قبلك. وسيأتي شاهد هذا في الصحيحين ان شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يعنى لبس درعا فوق درع ودفع اللواء الى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار قلت وقد رد رسول الله ﷺ جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد الله بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال عرضت على النبي ﷺ يوم أحد فلم يجزنى وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازنى وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظى ذكره ابن قتيبة وأورده السهيليّ، وهو الّذي يقول فيه الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين ومنهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيليّ أيضا وأجازهم كلهم يوم الخندق وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول الله ان رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول الله فان سمرة يصرع رافعا فأجازه. قال ابن إسحاق ﵀ وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخليل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل بن هشام وقال رسول الله ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقه فقام اليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام اليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله؟ قال أن تضرب به في العدو حتى ينحنى. قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا. وقد قال الامام أحمد حدثنا يزيد وعفان قالا حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون اليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين ورواه مسلم عن أبى بكر عن عفان به. قال ابن إسحاق وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين قال: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بنى سلمة قال: قال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: انها لمشية يبغضها الله الا في مثل هذا الموطن. قال ابن إسحاق وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بنى عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وانما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فاما أن تكفونا لواءنا واما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقيا كيف نصنع. وذلك الّذي أراد أبو سفيان. قال فلما التقى الناس ودنا بعضهم من

стр. 1055

بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرصن على القتال فقالت هند فيما تقول: ويها بنى عبد الدار … ويها حماة الأدبار … ضربًا بكل بتار وتقول أيضا: ان تقبلوا نعانق … ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق … فراق غير وامق قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة وكان قد خرج إلى مكة مباعد الرسول الله ﷺ معه خمسون غلاما من الأوس وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله ﷺ الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق فأقبل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس قال ابن هشام وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت اليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له إذا تعصب فخرج وهو يقول: أنا الّذي عاهدني خليلي … ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول … أضرب بسيف الله والرسول وقال الأموي حدثني أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أن رجلا أتاه وهو يقاتل به فقال لعلك ان أعطيتك تقاتل في الكيول؟ قال لا. فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول: أنا الّذي عاهدني خليلي … ان لا أقوم الدهر في الكيول وهذا حديث يروى عن شعبة ورواه إسرائيل كلاهما عن أبى إسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفع الكيول يعنى مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم ولم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث. قال ابن هشام فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنوا من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين

стр. 1056

فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته فعضت بسيفه وضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة ثم عدل السيف عنها فقلت الله ورسوله أعلم. وقد رواه البيهقي في الدلائل من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير بن العوام بذلك. قال ابن إسحاق قال أبو دجانة رأيت إنسانا يحمس الناس حمسا شديدا فصمدت له فلما حملت عليه السيف ولول فإذا امرأة فأكرمت سيف رسول الله ﷺ أن أضرب به امرأة وذكر موسى بن عقبة أن رسول الله ﷺ لما عرضه طلبه منه عمر فأعرض عنه ثم طلبه منه الزبير فأعرض عنه فوجدا في أنفسهما من ذلك ثم عرضه الثالثة فطلبه أبو دجانة فدفعه اليه فأعطى السيف حقه قال فزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مثل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاورت فإذا رجل من المشركين جمع الأمة يجوز المسلمين وهو يقول: استوقوا كما استوسقت جزر الغنم. قال وإذا رجل من المسلمين ينتظره وعليه لأمته فمضيت حتى كنت من ورائه ثم قمت أقدّر المسلم والكافر ببصرى فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة. قال فلم أزل أنتظرهما حتى التقيا فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف فبلغت وركه وتفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه وقال: كيف ترى يا كعب؟ أنا أبو دجانة مقتل حمزة ﵁ قال ابن إسحاق وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أرطاة بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، وكذلك قتل عثمان بن ابى طلحة وهو حامل اللواء وهو يقول: ان على أهل اللواء حقا … أن يخضبوا الصعدة أو تندقا فحمل عليه حمزة فقتله ثم مر به سباع بن عبد العزّى الغبشانى وكان يكنى بأبي نيار فقال حمزة: هلم الىّ يا ابن مقطعة البظور وكانت أمه أم أنمار مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي وكانت ختانة بمكة فلما التقيا ضربه حمزة فقتله فقال وحشي غلام جبير بن مطعم والله انى لأنظر لحمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئا يمرّ به مثل الجمل الأورق إذ قد نقدمنى اليه سباع فقال حمزة هلم يا ابن مقطعة البظور فضربه ضربة فكأنما أخطأ رأسه وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنّته حتى خرجت من بين رجليه فأقبل نحوي فغلب فوقع وأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت الى العسكر ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. قال ابن إسحاق وحدثني عبد الله بن الفضل بن عياش بن ربيعة بن الحارث عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ

стр. 1057

قال: خرجت أنا وعبيد الله بن عدي بن الخيار أحد بنى نوفل بن عبد مناف في زمان معاوية فأدربنا مع الناس فلما مررنا بحمص وكان وحشي مولى جبير قد سكنها وأقام بها فلما قدمناها قال عبيد الله بن عدي: هل لك في أن نأتي وحشيا فنسأله عن قتل حمزة كيف قتله؟ قال قلت له: ان شئت. فخرجنا نسأل عنه بحمص فقال لنا رجل ونحن نسأل عنه انكما ستجدانه بفناء داره وهو رجل قد غلبت عليه الخمر فان تجداه صاحيا تجدا رجلا عربيا وتجدا عنده بعض ما تريدان وتصيبا عنده ما شئتما من حديث تسألانه عنه وان تجداه وبه بعض ما به فانصرفا عنه ودعاه. قال: فخرجنا نمشي حتى جئناه فإذا هو بفناء داره على طنفسة له وإذا شيخ كبير مثل البغاث، وإذا هو صاح لا بأس به، فلما انتهينا اليه سلمنا عليه، فرفع رأسه الى عبيد الله بن عدي فقال: ابن لعدي بن الخيار أنت؟ قال نعم. قال أما والله ما رأيتك منذ ناولتك أمك السعدية التي أرضعتك بذي طوى فإنّي ناولتكها وهي على بعيرها فأخذتك بعرضيك فلمعت لي قدماك حتى رفعتك اليها فو الله ما هو إلا أن وقفت عليّ فعرفتهما. قال فجلسنا اليه فقلنا: جئناك لتحدثنا عن قتل حمزة كيف قتلته؟ فقال: أما إني سأحدثكما كما حدثت رسول الله ﷺ حين سألني عن ذلك، كنت غلاما لجبير بن مطعم وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر، فلما سارت قريش الى أحد قال لي جبير: إن قتلت حمزة عم محمد بعمى فأنت عتيق. قال فخرجت مع الناس وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قل ما أخطئ بها شيئا، فلما التقى الناس خرجت انظر حمزة واتبصره حتى رأيته في عرض الناس كأنه الجمل الأورق يبهد الناس بسيفه هذا ما يقوم له شيء فو الله إني لأتهيأ له أريده وأستتر منه بشجرة أو بحجر ليدنو مني إذ تقدمني اليه سباع بن عبد العزى فلما رآه حمزة قال هلم إليّ يا ابن مقطعة البظور، قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه، قال وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت في ثنته حتى خرجت من بين رجليه وذهب لينوء نحوي فغلب وتركته وإياها حتى مات ثم أتيته فأخذت حربتي ثم رجعت الى العسكر وقعدت فيه ولم يكن لي بغيره حاجة إنما قتلته لأعتق، فلما قدمت مكة عتقت ثم أقمت حتى إذا افتتح رسول الله ﷺ مكة هربت الى الطائف فمكثت بها فلما خرج وفد الطائف الى رسول الله ﷺ ليسلموا تعيّت على المذاهب فقلت ألحق بالشام أو باليمن أو ببعض البلاد فو الله إني لفي ذلك من همي إذ قال لي رجل: ويحك انه والله لا يقتل أحدا من الناس دخل في دينه وشهد شهادة الحق، قال فلما قال لي ذلك خرجت حتى قدمت على رسول الله ﷺ المدينة فلم يرعه إلا بى قائما على رأسه أشهد شهادة الحق فلما رآني قال لي: أو حشى أنت؟ قلت نعم يا رسول الله. قال اقعد فحدثني كيف قتلت حمزة؟ قال فحدثته كما حدثتكما، فلما فرغت من حديثي قال ويحك غيّب عنى وجهك فلا أرينك، قال فكنت

стр. 1058

أتنكب برسول الله ﷺ حيث كان لئلا يراني حتى قبضه الله ، فلما خرج المسلمون الى مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة خرجت معهم وأخذت حربتي التي قتلت بها حمزة، فلما التقى الناس رأيت مسيلمة قائما وبيده السيف وما أعرفه فتهيأت له وتهيأ له رجل من الأنصار من الناحية الأخرى كلانا يريده فهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها عليه فوقعت فيه، وشدّ عليه الأنصاري بالسيف فربك أعلم أينا قتله، فان كنت قتلته فقد قتلت خير الناس بعد رسول الله ﷺ وقتلت شر الناس. قلت: الأنصاري هو أبو دجانة سماك بن خرشة كما سيأتي في مقتل أهل اليمامة. وقال الواقدي في الردة: هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني. وقال سيف بن عمرو: هو عدي ابن سهيل وهو القائل: ألم تر أنى ووحشيهم … قتلت مسيلمة المعين ويسأل الناس عن قتله … فقلت صربت وهذا طعن والمشهور أن وحشيا هو الّذي بدره بالضربة وذفف عليه أبو دجانة، لما روى ابن إسحاق عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن ابن عمر قال: سمعت صارخا يوم اليمامة يقول: قتله العبد الأسود. وقد روى البخاري قصة مقتل حمزة من طريق عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون عن عبد الله بن الفضل عن سليمان بن يسار عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ قال خرجت مع عبد الله بن عدي بن الخيار. فذكر القصة كما تقدم. وذكر أن عبيد الله بن عدي كان معتجرا عمامة لا يرى منه وحشي إلا عينيه ورجليه فذكر من معرفته له ما تقدم، وهذه قيافة عظيمة كما عرف مجزز المدلجي أقدام زيد وابنه أسامة مع اختلاف ألوانهما. وقال في سياقته: فلما أن صف الناس للقتال خرج سباع فقال هل من مبارز فخرج اليه حمزة بن عبد المطلب فقال له: يا سباع يا ابن أم أنمار مقطعة البظور أتحادّ الله ورسوله؟ ثم شد عليه فكان كأمس الذاهب، قال وكمنت لحمزة تحت صخرة فلما دنا منى رميته بحربتى فأضعها في ثنّته حتى خرجت من بين وركيه قال فكان ذلك آخر العهد به، الى أن قال: فلما قبض رسول الله ﷺ وخرج مسيلمة الكذاب قلت لأخرج الى مسيلمة لعلى أقتله فأكافئ به حمزة، قال فخرجت مع الناس فكان من أمره ما كان قال فإذا رجل قائم في ثلمة جدار كأنه جمل أورق ثائر الرأس، قال فرميته بحربتى فأضعها بين ثدييه حتى خرجت من كتفيه، قال ووثب اليه رجل من الأنصار فضربه بالسيف على هامته، قال عبد الله بن الفضل فأخبرني سليمان بن يسار أنه سمع عبد الله بن عمر يقول: فقالت جارية على ظهر البيت: وا أمير المؤمنيناه قتله العبد الأسود، قال ابن هشام فبلغني أن وحشيا لم يزل يحدّ في الخمر حتى خلع من الديوان فكان عمر بن الخطاب يقول: قد قلت إن الله لم يكن ليدع قاتل حمزة. قلت:

стр. 1059

وتوفى وحشي بن حرب أبو دسمة ويقال أبو حرب بحمص وكان أول من لبس الثياب المدلوكة. قال ابن إسحاق: وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله ﷺ حتى قتل وكان الّذي قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله ﷺ فرجع الى قريش فقال قتلت محمدا. قلت وذكر موسى بن عقبة في مغازيه عن سعيد بن المسيب أن الّذي قتل مصعبا هو أبىّ بن خلف فالله أعلم. قال ابن إسحاق فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله ﷺ اللواء عليّ بن أبى طالب. وقال يونس بن بكير عن ابن إسحاق: كان اللواء أولا مع على بن أبى طالب، فلما رأى رسول الله ﷺ لواء المشركين مع عبد الدار قال نحن أحق بالوفاء منهم أخذ اللواء من على بن أبى طالب فدفعه الى مصعب بن عمير، فلما قتل مصعب أعطى اللواء عليّ بن أبى طالب. قال ابن إسحاق: وقاتل على بن أبى طالب ورجال من المسلمين. قال ابن هشام وحدثني مسلمة بن علقمة المازني. قال: لما اشتد القتال يوم أحد جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار وأرسل الى على أن قدم الراية فقدم على وهو يقول: أنا أبو القصم فناداه أبو سعد بن أبى طلحة وهو صاحب لواء المشركين. هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال نعم فبرزا بين الصفين فاختلفا ضربتين فضربه على فصرعه ثم انصرف ولم يجهز عليه. فقال له بعض أصحابه: أفلا أجهزت عليه؟ فقال انه استقبلني بعورته فعطفتني عليه الرحم وعرفت أن الله قد قتله. وقد فعل ذلك على ﵁ يوم صفين مع بس ابن ابى أرطاة لما حمل عليه ليقتله أبدى له عورته فرجع عنه. وكذلك فعل عمرو بن العاص حين حمل عليه على في بعض أيام صفين أبدى عن عورته فرجع على أيضا. ففي ذلك يقول الحارث بن النضر: أتى كل يوم فارس غير منته … وعورته وسط العجاجة باديه يكف لها عنه عليّ سنانه … ويضحك منها في الخلاء معاوية وذكر يونس عن ابن إسحاق أن طلحة بن أبى طلحة العبدري حامل لواء المشركين يومئذ دعا الى البراز فأحجم عنه الناس نبرز اليه الزبير بن العوام فوثب حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض فألقاه عنه وذبحه بسيفه فأثنى عليه رسول الله ﷺ قال «ان لكل نبيّ حواريا وحوارىّ الزبير» وقال: لو لم يبرز اليه لبرزت أنا اليه لما رأيت من احجام الناس عنه. وقال ابن إسحاق قتل أبا سعد بن أبى طلحة سعد بن أبى وقاص وقاتل عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح فقتل نافع بن أبى طلحة وأخاه الحلاس كلاهما يشعره سهما فيأتى أمه سلافة فيضع رأسه في حجرها فتقول يا بنى من أصابك فيقول سمعت رجلا حين رماني يقول خذها وأنا ابن أبى الأقلح فنذرت ان أمكنها الله من رأى عاصم أن تشرب فيه الخمر وكان عاصم قد عاهد الله لا يمس مشركا أبدا ولا

стр. 1060

يمسه ولهذا حماه الله منه يوم الرجيع كما سيأتي. قال ابن إسحاق: والتقى حنظلة بن أبى عامر واسمه عمرو ويقال عبد عمرو بن صيفي وكان يقال لأبي عامر في الجاهلية الراهب لكثرة عبادته فسماه رسول الله ﷺ الفاسق لما خلف الحق وأهله وهرب من المدينة هربا من الإسلام ومخالفة للرسول ﵇ وحنظلة الّذي يعرف بحنظلة الغسيل لانه غسلته الملائكة كما سيأتي هو وأبو سفيان صخر بن حرب فلما علاه حنظلة رآه شداد بن الأوس وهو الّذي يقال له ابن شعوب فضربه شداد فقتله فقال رسول الله ﷺ «ان صاحبكم لتغسله الملائكة فاسألوا أهله ما شأنه» فسئلت صاحبته قال الواقدي: هي جميلة بنت أبى ابن سلول وكانت عروسا عليه تلك الليلة. فقالت خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة فقال رسول الله ﷺ : كذلك غسلته الملائكة. وقد ذكر موسى بن عقبة أن أباه ضرب برجله في صدره وقال ذنبان أصبتهما ولقد نهيتك عن مصرعك هذا، ولقد والله كنت وصولا الرحم برا بالوالد. قال ابن إسحاق وقال ابن شعوب في ذلك: لأحمين صاحبي ونفسي … بطعنة مثل شعاع الشمس وقال ابن شعوب: ولولا دفاعى يا ابن حرب ومشهدي … لألفيت يوم النعف غير مجيب ولولا مكري المهر بالنعف فرفرت … عليه ضباع أو ضراء كليب وقال أبو سفيان: ولو شئت نجتنى كميت طمرّة … ولم أحمل النعماء لابن شعوب وما زال مهري مزجر الكلب منهم … لدن غدوة حتى دنت لغروب أقاتلهم وأدّعي يا لغالب … وأدفعهم عنى بركن صليب فبكى ولا ترعى مقالة عاذل … ولا تسأمى من عبرة ونحيب أباك وإخوانا له قد تتابعوا … وحق لهم من عبرة بنصيب وسلى الّذي قد كان في النفس اننى … قتلت من النجار كل نجيب ومن هاشم قرما كريما ومصعبا … وكان لدمى الهيجاء غير هيوب فلو أننى لم أشف نفسي منهم … لكانت شجى في القلب ذات ندوب فآبوا وقد أودى الجلابيب منهم … بهم خدب من مغبط وكئيب أصابهم من لم يكن لدمائهم … كفاء ولا في خطة بضريب فأجابه حسان بن ثابت: ذكرت القروم الصيد من آل هاشم … ولست لزور قلته بمصيب

стр. 1061

أتعجب أن اقصدت حمرة منهم … نجيبا وقد سميته بنجيب ألم يقتلوا عمرا وعتبة وابنه … وشيبة والحجاج وابن حبيب غداة دعا العاصي عليا فراعه … بضربة عضب بله بخضيب فصل قال ابن إسحاق: ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن العسكر وكانت الهزيمة لا شك فيها. وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال: والله لقد رأيتني انظر الى خدم هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير إذ مالت الرماة على العسكر حين كشفنا القوم عنه وخلوا ظهورنا للخيل فأتينا من خلفنا وصرخ صارخ ألا ان محمدا قد قتل فانكفأنا وانكفأ القوم علينا بعد أن أصبنا أصحاب اللواء حتى ما يدنو منه أحد منهم، فحدثني بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعا حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية فرفعته لقريش فلاثوا به وكان اللواء مع صواب غلام لبني أبى طلحة حبشي وكان آخر من أخذه منهم فقاتل به حتى قطعت يداه ثم برك عليه فاخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهمّ هل أعزرت - يعنى اللهمّ هل أعذرت - فقال حسان بن ثابت في ذلك: فخرتم باللواء وشر فخر … لواء حين رد الى صواب جعلتم فخركم فيه لعبد … وألأم من يطا عفر التراب ظننتم والسفيه له ظنون … وما ان ذاك من أمر الصواب بأن جلادنا يوم التقينا … بمكة بيعكم حمر العياب أقر العين ان عصبت يداه … وما ان تعصبان على خضاب وقال حسان أيضا في رفع عمرة بنت علقمة اللواء لهم: إذا عضل سيقت إلينا كأنها … جداية شرك معلمات الحواجب أقمنا لهم طعنا مبيرا منكلا … وحزناهم بالضرب من كل جانب فلولا لواء الخارثية أصبحوا … يباعون في الأسواق بيع الجلائب قال ابن إسحاق فانكشف المسلمون وأصاب منهم العدو وكان يوم بلاء وتمحيص أكرم الله فيه من أكرم بالشهادة حتى خلص العدو الى رسول الله ﷺ فذبّ بالحجارة حتى وقع لشقه فأصيبت رباعيته وشج في وجهه وكلمت شفته وكان الّذي أصابه عتبة بن أبى وقاص فحدثني حميد الطويل عن

стр. 1062

أنس بن مالك قال كسرت رباعية النبي ﷺ يوم أحد وشج في وجيه فجعل يمسح الدم ويقول كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم الى الله فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾ قال ابن جرير في تاريخه حدثنا محمد بن الحسين حدثنا أحمد ابن الفضل حدثنا أسباط عن السدي قال أتى ابن قمئة الحارثي فرمى رسول الله ﷺ بحجر فكسر أنفه ورباعيته وشجه في وجهه فأثقله وتفرق عنه أصحابه ودخل بعضهم المدينة وانطلق طائفة فوق الجبل الى الصخرة وجعل رسول الله ﷺ يدعو الناس: الىّ عباد الله، الىّ عباد الله فاجتمع اليه ثلاثون رجلا فجعلوا يسيرون بين يديه فلم يقف أحد الا طلحة وسهل بن حنيف فحماه طلحة فرمى بسهم في يده فيبست يده وأقبل أبىّ بن خلف الجمحيّ وقد حلف ليقتلن النبي ﷺ فقال بل أنا أقتله فقال يا كذاب أين تفر فحمل عليه فطعنه النبي ﷺ في جيب الدرع فجرح جرحا خفيفا فوقع يخور خوار الثور فاحتملوه وقالوا ليس بك جراحة فما يجزعك؟ قال: أليس قال لأقتلنك لو كانت تجتمع ربيعة ومضر لقتلهم. فلم يلبث إلا يوما أو بعض يوم حتى مات من ذلك الجرح وفشا في الناس أن رسول الله ﷺ قد قتل فقال بعض أصحاب الصخرة ليت لنا رسولا الى عبد الله بن أبىّ فيأخذ لنا أمنة من أبى سفيان، يا قوم ان محمدا قد قتل فارجعوا الى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فقال أنس ابن النضر يا قوم ان كان محمد قد قتل فان رب محمد لم يقتل فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد ﷺ اللهمّ انى أعتذر إليك مما يقول هؤلاء وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل وانطلق رسول الله ﷺ يدعو الناس حتى انتهى الى أصحاب الصخرة فلما رأوه وضع رجل سهما في قوسه يرميه فقال أنا رسول الله ففرحوا بذلك حين وجدوا رسول الله ﷺ وفرح رسول الله ﷺ حين رأى أن في أصحابه من يمتنع به، فلما اجتمعوا وفيهم رسول الله ﷺ ذهب عنهم الحزن فأقبلوا يذكرون الفتح وما فاتهم منه ويذكرون أصحابهم الذين قتلوا، فقال الله في الذين قالوا ان محمدا قد قتل فارجعوا الى قومكم: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية فأقبل ابو سفيان حتى أشرف عليهم فلما نظروا اليه نسوا ذلك الّذي كانوا عليه وهمهم أبو سفيان فقال رسول الله ﷺ «ليس لهم أن يعلونا، اللهمّ ان تقتل هذه العصابة لا تعبد في الأرض». ثم ندب أصحابه فرموهم بالحجارة حتى أنزلوهم فقال أبو سفيان يومئذ: أعل هبل حنظلة بحنظلة ويوم أحد بيوم بدر. وذكر تمام القصة. وهذا غريب جدا وفيه نكارة. قال ابن هشام: وزعم ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى سعيد أن عتبة بن أبى وقاص رمى رسول الله ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السفلى وجرح شفته السفلى وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجه في جبهته وان عبد الله بن قمئة جرح وجنته فدخلت حلقتان من حلق المغفر في وجنته ووقع رسول الله ﷺ في حفرة

стр. 1063

من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأخذ على بن أبى طالب بيده ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما ومص مالك بن سنان أبو أبى سعيد الدم من وجه رسول الله ﷺ ثم ازدرده فقال من مس دمه دمي لم تمسه النار قلت وذكر قتادة أن رسول الله ﷺ لما وقع لشقه أغمى عليه فمر به سالم مولى أبى حذيفة فأجلسه ومسح الدم عن وجهه فأفاق وهو يقول كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى الله فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية رواه ابن جرير وهو مرسل وسيأتي بسط هذا في فصل وحده قلت: كان أول النهار للمسلمين على الكفار كما قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ وَتَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما أَراكُمْ ما تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ * إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الآية قال الامام أحمد حدثنا [عبد الله حدثني أبى حدثني] سليمان بن داود أخبرنا عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله عن ابن عباس أنه قال: ما نصر الله في موطن كما نصر يوم أحد قال فأنكرنا ذلك فقال بيني وبين من أنكر ذلك كتاب الله ان الله يقول في يوم أحد ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ يقول ابن عباس والحسّ القتل ﴿حَتّى إِذا فَشِلْتُمْ﴾ الى قوله ﴿وَلَقَدْ عَفا عَنْكُمْ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وانما عنى بهذا الرماة وذلك أن النبي ﷺ أقامهم في موضع ثم قال احموا ظهورنا فان رأيتمونا نقتل فلا تنصرونا وان رأيتمونا نغنم فلا تشركونا. فلما غنم النبي ﷺ وأباحوا عسكر المشركين أكب الرماة جميعا فدخلوا في العسكر ينهبون وقد التقت صفوف أصحاب رسول الله ﷺ فهم هكذا (وشبك بين أصابع يديه) والتبسوا فلما أخلّ الرماة تلك الخلة التي كانوا فيها دخلت الخيل من ذلك الموضع على أصحاب النبي ﷺ فضرب بعضهم بعضا فالتبسوا وقتل من المسلمين ناس كثير وقد كان لرسول الله وأصحابه أول النهار حتى قتل من أصحاب لواء المشركين سبعة أو تسعة وجال المسلمون جولة نحو الجبل ولم يبلغوا حيث يقول الناس الغار انما كان تحت المهراس، وصاح الشيطان: قتل محمد! فلم يشك فيه أنه حق، فما زلنا كذلك ما نشك أنه حق حتى طلع رسول الله ﷺ بين السعدين نعرفه بتكفّيه إذا مشى قال ففرحنا كأنه لم يصبنا ما أصابنا قال فرقى نحونا وهو يقول اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله. ويقول مرة أخرى اللهمّ انه ليس لهم أن يعلونا حتى انتهى إلينا فمكث ساعة فإذا أبو سفيان يصيح في أسفل الجبل: أعل هبل أعل هبل، مرتين (يعنى آلهته)، أين ابن ابى كبشة أين ابن ابى قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر بن الخطاب ألا أجيبه؟ قال بلى قال فلما قال أعل هبل قال: الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان يا ابن الخطاب قد أنعمت

стр. 1064

عينها، فعاد عنها - أو فعال عنها - فقال أين ابن أبى كبشة أين ابن أبى قحافة أين ابن الخطاب؟ فقال عمر: هذا رسول الله ﷺ وهذا أبو بكر وها انا ذا عمر، قال فقال أبو سفيان يوم بيوم بدر، الأيام دول وان الحرب سجال. قال فقال عمر: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. قال انكم لتزعمون ذلك، لقد خبنا اذن وخسرنا. ثم قال أبو سفيان: اما انكم سوف تجدون في قتلاكم مثلة ولم يكن ذلك عن رأى سراتنا. قال ثم أدركته حمية الجاهلية فقال اما انه ان كان ذلك لم نكرهه. وقد رواه ابن ابى حاتم والحاكم في مستدركه والبيهقي في الدلائل من حديث سليمان بن داود الهاشمي به وهذا حديث غريب وهو من مرسلات ابن عباس وله شواهد من وجوه كثيرة سنذكر منها ما تيسر إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وهو المستعان. قال البخاري حدثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال: لقينا المشركين يومئذ وأجلس النبي ﷺ جيشا من الرماة وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال: لا تبرحوا، إن رأيتمونا ظهرنا عليهم فلا تبرحوا، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا. فلما لقينا هربوا حتى رأيت النساء يشتددن في الجبل رفعن عن سوقهن قد بدت خلاخلهن فأخذوا يقولون: الغنيمة الغنيمة! فقال عبد الله: عهد إليّ النبي ﷺ أن لا تبرحوا. فأبوا، فلما أبوا صرفت وجوههم فأصيب سبعون قتيلا وأشرف أبو سفيان فقال: أفي القوم محمد؟ فقال لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن أبى قحافة؟ فقال لا تجيبوه. فقال أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال إن هؤلاء قتلوا فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدوّ الله، أبقى الله عليك ما يحزنك. فقال أبو سفيان: أعل هبل. فقال النبي ﷺ : أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجلّ. فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم. فقال النبي ﷺ أجيبوه، قالوا ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم آمر بها ولم تسؤنى. وهذا من افراد البخاري دون مسلم. وقال الامام أحمد: حدثني موسى حدثنا زهير حدثنا أبو إسحاق أن البراء بن عازب قال: جعل رسول الله ﷺ على الرماة يوم أحد - وكانوا خمسين رجلا - عبد الله بن جبير، قال ووضعهم موضعا وقال: إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، وإن رأيتمونا ظهرنا على العدوّ وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم، قال فهزموهم، قال فأنا والله رأيت النساء يشتددن على الجبل وقد بدت أسوقهن وخلاخلهن رافعات ثيابهن، فقال أصحاب عبد الله بن جبير: الغنيمة، أي قوم، الغنيمة. ظهر أصحابكم، فما تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ ؟ قالوا: إنّا والله لنأتينّ الناس فلنصيبنّ من الغنيمة! فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين فذلك الّذي يدعوهم الرسول في أخراهم، فلم يبق مع رسول الله ﷺ غير اثنى عشر رجلا فأصابوا

стр. 1065

منا سبعين رجلا، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة: سبعين أسيرا وسبعين قتيلا، فقال أبو سفيان: أفي القوم محمد، أفي القوم محمد، أفي القوم محمد؟ ثلاثا، فنهاهم رسول الله ﷺ أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبى قحافة، أفي القوم ابن أبى قحافة؟ أفي القوم ابن الخطاب، أفي القوم ابن الخطاب؟ ثم أقبل على أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا وقد كفيتموهم، فما ملك عمر نفسه أن قال: كذبت والله يا عدوّ الله، إن الذين عددت لأحياء كلهم وقد بقي لك ما يسؤك. فقال: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، انكم ستجدون في القوم مثلة لم آمر بها ولم تسؤنى. ثم أخذ يرتجز: أعل هبل أعل هبل. فقال رسول الله ﷺ : ألا تجيبونه قالوا يا رسول الله وما نقول؟ قال قولوا: الله أعلى وأجلّ. قال: إن العزّى لنا ولا عزّى لكم؟ قال رسول الله ﷺ ألا تجيبونه؟ قالوا: يا رسول الله ما نقول؟ قال قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ورواه البخاري من حديث زهير وهو ابن معاوية مختصرا وقد تقدم روايته له مطولة من طريق إسرائيل عن أبى إسحاق. وقال الامام أحمد: حدّثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا ثابت وعليّ ابن زيد عن أنس بن مالك أن المشركين لما رهقوا النبي ﷺ وهو في سبعة من الأنصار ورجل من قريش، قال: من يردّهم عنا وهو رفيقي في الجنة؟ فجاء رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل. فلما رهقوه أيضا قال: من يردّهم عنا وهو رفيقي في الحنة، حتى قتل السبعة، فقال رسول الله ﷺ ما أنصفنا أصحابنا. ورواه مسلم عن هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة به. وقال البيهقي في الدلائل: باسناده عن عمارة بن غزية عن أبى الزبير عن جابر قال: انهزم الناس عن رسول الله ﷺ يوم أحد وبقي معه أحد عشر رجلا من الأنصار وطلحة بن عبيد الله وهو يصعد في الجبل فلحقهم المشركون فقال: ألا أحد لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا يا رسول الله. فقال: كما أنت يا طلحة، فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل عنه، وصعد رسول الله ﷺ ومن بقي معه، ثم قتل الأنصاري فلحقوه، فقال: ألا رجل لهؤلاء؟ فقال طلحة مثل قوله، فقال رسول الله ﷺ مثل قوله. فقال رجل من الأنصار: فأنا يا رسول الله، فقاتل وأصحابه يصعدون ثم قتل فلحقوه، فلم يزل يقول مثل قوله الأول ويقول طلحة أنا يا رسول فيحبسه فيستأذنه رجل من الأنصار للقتال فيأذن له فيقاتل مثل من كان قبله حتى لم يبق معه إلا طلحة فغشوهما، فقال رسول الله ﷺ : من لهؤلاء؟ فقال طلحة أنا، فقاتل مثل قتال جميع من كان قبله وأصيبت أنامله فقال حس، فقال لو قلت بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون إليك حتى تلج بك في جو السماء. ثم صعد رسول الله ﷺ الى أصحابه وهم مجتمعون. وروى البخاري عن عبد الله بن أبى شيبة عن وكيع عن إسماعيل عن قيس بن أبى حازم قال: رأيت يد طلحة شلاّء وقى بها النبي ﷺ يوم أحد. وفي الصحيحين من حديث موسى بن إسماعيل عن

стр. 1066

معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبى عثمان النهدي قال: لم يبق مع النبي ﷺ في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة وسعد عن حديثهما. وقال الحسن بن عرفة حدثنا مروان بن معاوية عن هاشم بن هاشم السعدي سمعت سعيد بن المسيب يقول سمعت سعد بن أبى وقاص يقول: نثل لي رسول الله ﷺ كنانته يوم أحد وقال: ارم فداك أبى وأمى. وأخرجه البخاري عن عبد الله بن محمد عن مروان به. وفي صحيح البخاري من حديث عبد الله بن شداد عن على بن أبى طالب قال ما سمعت النبي ﷺ جمع أبويه لأحد الا لسعد بن مالك فانى سمعته يقول يوم أحد: يا سعد ارم فداك أبى وأمى. قال محمد بن إسحاق حدثني صالح بن كيسان عن بعض آل سعد عن سعد بن أبى وقاص أنه رمى يوم أحد دون رسول الله ﷺ . قال سعد فلقد رأيت رسول الله ﷺ يناولني النبل ويقول: ارم فداك أبى وأمى. حتى انه ليناولني السهم ليس له نصل فأرمى به. وثبت في الصحيحين من حديث إبراهيم بن سعد عن أبيه عن جده عن سعد بن أبى وقاص قال: رأيت يوم أحد عن يمين النبي ﷺ وعن يساره رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان أشد القتال ما رأيتهما قبل ذلك ولا بعده. يعنى جبريل وميكائيل ﵉. وقال أحمد حدثنا عفان أخبرنا ثابت عن أنس أن أبا طلحة كان يرمى بين يدي النبي ﷺ يوم أحد والنبي ﷺ خلفه يترس به وكان راميا وكان إذا رمى رفع رسول الله ﷺ شخصه ينظر أين يقع سهمه، ويرفع أبو طلحة صدره ويقول هكذا بأبي أنت وأمى يا رسول الله لا يصيبك سهم، نحري دون نحرك. وكان أبو طلحة يسوّر نفسه بين يدي رسول الله ﷺ ويقول: انى جلد يا رسول الله، فوجهني في حوائجك ومرني بما شئت. وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز عن أنس قال: لما كان يوم أحد انهزم الناس عن النبي ﷺ وأبو طلحة بين يدي رسول الله ﷺ مجوّب عليه بجحفة له وكان أبو طلحة رجلا راميا شديد النزع كسر يومئذ قوسين أو ثلاثا، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل فيقول: انثرها لأبي طلحة. قال ويشرف النبي ﷺ ينظر الى القوم فيقول أبو طلحة بأبي أنت وأمى لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. ولقد رأيت عائشة بنت أبى بكر وأم سليم وانهما لمشمرتان أرى خدم سوقهما تنقزان القرب على متونهما تفرغانه في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم. ولقد وقع السيف من يدي أبى طلحة إما مرتين وإما ثلاثا. قال البخاري وقال لي خليفة حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس عن أبى طلحة قال: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه ويسقط فآخذه. هكذا ذكره البخاري معلقا بصيغة الجزم ويشهد له قوله تعالى ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾

стр. 1067

يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ، قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا، قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللهُ ما فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ ما فِي قُلُوبِكُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ * إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ. قال البخاري: حدثنا عبدان أخبرنا أبو حمزة عن عثمان بن موهب قال جاء رجل حج البيت فرأى قوما جلوسا فقال من هؤلاء القعود قال هؤلاء قريش قال من الشيخ قالوا ابن عمر فأتاه فقال انى سائلك عن شيء أتحدّثنى. قال أنشدك بحرمة هذا البيت أتعلم ان عثمان بن عفان فر يوم أحد قال نعم. قال فتعلمه تغيب عن بدر فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال نعم. قال فكبر. قال ابن عمر: تعال لأخبرك ولأبين لك عما سألتني عنه: أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت النبي ﷺ وكانت مريضة فقال له رسول الله ﷺ ان لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مكانه فبعث عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان الى مكة فقال النبي ﷺ بيده اليمنى: هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان. اذهب بهذا الآن معك. وقد رواه البخاري أيضا في موضع آخر والترمذي من حديث أبى عوانة عن عثمان بن عبد الله بن موهب به. وقال الأموي في مغازيه عن ابن إسحاق حدثني يحيى بن عباد عن أبيه عن جده سمعت رسول الله ﷺ يقول، وقد كان الناس انهزموا عنه حتى بلغ بعضهم الى المتقى دون الأعوص، وفرّ عثمان بن عفان وسعد بن عثمان رجل من الأنصار حتى بلغوا الجلعب جبل بناحية المدينة مما يلي الأعوص فأقاموا ثلاثا ثم رجعوا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال لهم: لقد ذهبتم فيها عريضة. والمقصود أن أحدا وقع فيها أشياء مما وقع في بدر، منها حصول النعاس حل التحام الحرب وهذا دليل على طمأنينة القلوب بنصر الله وتأييده وتمام توكلها على خلقها وبارئها. وقد تقدم الكلام على قوله تعالى في غزوة بدر: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ الآية وقال هاهنا ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى طائِفَةً مِنْكُمْ﴾ يعنى المؤمنين الكمّل كما قال ابن مسعود وغيره من السلف: النعاس في الحرب من الايمان والنعاس في الصلاة من النفاق. ولهذا قال بعد هذا. ﴿وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية. ومن ذلك أن رسول الله ﷺ استنصر يوم أحد كما استنصر يوم بدر بقوله: «إن تشأ لا تعبد في الأرض» كما قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد وعفان قالا حدثنا حماد حدثنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يقول يوم أحد: «اللهمّ إنك ان تشأ لا تعبد في الأرض» ورواه مسلم

стр. 1068

عن حجاج بن الشاعر عن عبد الصمد عن حماد بن سلمة به. وقال البخاري: حدّثنا عبد الله ابن محمد حدثنا سفيان عن عمرو سمع جابر بن عبد الله قال: قال رجل للنّبيّ ﷺ يوم أحد: «أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل». ورواه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به، وهذا شبيه بقصة عمير بن الحمام التي تقدمت في غزوة بدر ﵄ وأرضاهما فصل فيما لقي النبي ﷺ يومئذ من المشركين قبحهم الله قال البخاري: ما أصاب النبي ﷺ من الجراح يوم أحد * حدّثنا إسحاق بن نصر حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه سمع أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - يشير الى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» ورواه مسلم من طريق عبد الرزاق حدثنا مخلد بن مالك حدثنا يحيى بن سعيد الأموي حدثنا ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: «اشتد غضب الله على من قتله النبي في سبيل الله، اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله» ﷺ . وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا حماد أخبرنا ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد وهو يسلت الدم عن وجهه وهو يقول: «كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته، وهو يدعو الى الله» فأنزل الله ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ﴾. ورواه مسلم عن القعنبي عن حماد بن سلمة به، ورواه الامام أحمد عن هشيم ويزيد بن هارون عن حميد عن أنس أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته وشجّ في وجهه حتى سال الدم على وجهه فقال: «كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم وهو يدعوهم الى ربهم» فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ وقال البخاري: حدثنا قتيبة حدثنا يعقوب عن أبى حازم انه سمع سهل بن سعد وهو يسأل. عن جرح النبي ﷺ فقال: أما والله انى لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله ﷺ ومن كان يسكب الماء وبما دووي، قال: كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تغسله وعليّ يسكب الماء بالمجن فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة أخذت قطعة من حصير فأحرقتها وألصقتها فاستمسك الدم وكسرت رباعيته يومئذ وجرح وجهه وكسرت البيضة على رأسه. وقال أبو داود الطيالسي في مسندة: حدثنا ابن المبارك عن إسحاق عن يحيى بن طلحة بن عبيد الله أخبرنى عيسى بن طلحة عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذاك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه وأراه قال حمية، قال فقلت كن طلحة حيث فاتنى ما فاتنى، فقلت يكون رجلا من قومي أحب الى، وبيني وبين المشركين رجل

стр. 1069

لا أعرفه وأنا أقرب الى رسول الله ﷺ منه وهو يخطف المشي خطفا لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة بن الجراح فانتهينا الى رسول الله ﷺ وقد كسرت رباعيته وشج في وجهه وقد دخل في وجنته حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله ﷺ «عليكما صاحبكما» يريد طلحة وقد نزف فلم نلتفت الى قوله قال: وذهبت لا نزع ذاك من وجهه، فقال: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها بيده فيؤذى رسول الله ﷺ فازم عليها بفيه فاستخرج احدى الحلقتين ووقعت ثنيته مع الحلقة وذهبت لا صنع ما صنع فقال أقسمت عليك بحقي لما تركتني. قال ففعل مثل ما فعل في المرة الاولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة فكان أبو عبيدة ﵁ من أحسن الناس هتما. فأصلحنا من شأن رسول الله ﷺ ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه. وذكر الواقدي عن ابن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة عن أبى فروة عن أبى الحويرث عن نافع بن جبير قال: سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت الى النبل تأتى من كل ناحية ورسول الله ﷺ وسطها كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول: دلوني على محمد لا نجوت ان نجا، ورسول الله ﷺ الى جنبه ما معه أحد فجاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية، فقال والله ما رايته، أحلف بالله انه منا ممنوع خرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص اليه. قال الواقدي: ثبت عندي أن الّذي رمى في وجنتي رسول الله ﷺ ابن قمئة، والّذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبى وقاص، وقد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا وان الرباعية التي كسرت له ﵇ هي اليمنى السفلى. قال ابن إسحاق: وحدّثنى صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبى وقاص قال: ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبى وقاص وان كان ما علمت لسيّئ الخلق مبغضا في قومه، ولقد كفاني فيه قول رسول الله ﷺ «اشتد غضب الله على من دمي وجه رسوله». وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الحررى عن مقسم أن رسول الله ﷺ دعا على عتبة بن أبى وقاص حين كسر رباعيته ودمي وجهه فقال «اللهمّ لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا» فما حال عليه الحول حتى مات كافرا الى النار. وقال أبو سلمان الجوزجاني حدثنا محمد بن الحسن حدثني إبراهيم بن محمد حدثني ابن عبد الله بن محمد بن أبى بكر بن حرب عن أبيه عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف أن رسول الله ﷺ داوى وجهه يوم أحد بعظم بال. هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموى في وقعة أحد. ولما نال عبد الله بن قمئة من رسول الله ﷺ ما نال رجع وهو يقول: قتلت محمدا. وصرخ الشيطان أزبّ العقبة يومئذ بأبعد صوت: ألا ان محمدا قد قتل! فحصل بهتة عظيمة في المسلمين واعتقد كثير من الناس ذلك وصمموا على القتال عن حوزة الإسلام حتى يموتوا على

стр. 1070

ما مات عليه رسول الله ﷺ ، منهم أنس بن النضر وغيره ممن سيأتي ذكره، وقد أنزل الله تعالى التسلية في ذلك على تقدير وقوعه فقال تعالى ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ، وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللهُ الشّاكِرِينَ * وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها، وَمَنْ يُرِدْ ثَوابَ الْآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْها، وَسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ * وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اِسْتَكانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصّابِرِينَ * وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ * فَآتاهُمُ اللهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ * بَلِ اللهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ * سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِما أَشْرَكُوا بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً وَمَأْواهُمُ النّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظّالِمِينَ﴾. وقد تكلمنا على ذلك مستقصى في كتابنا التفسير ولله الحمد. وقد خطب الصديق ﵁ في أول مقام قامه بعد وفاة رسول الله ﷺ فقال: أيها الناس، من كان يعبد محمدا فان محمدا قد مات، ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت. ثم تلا هذه الآية ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآية. قال: فكأنّ الناس لم يسمعوها قبل ذلك، فما من الناس أحد الا يتلوها. وروى البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن أبى نجيح عن أبيه قال: مرّ رجل من المهاجرين يوم أحد على رجل من الأنصار وهو يتشحط في دمه. فقال له: يا فلان، أشعرت أن محمدا قد قتل. فقال الأنصاري: ان كان محمد ﷺ قد قتل فقد بلغ الرسالة فقاتلوا عن دينكم، فنزل ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية. ولعل هذا الأنصاري هو أنس بن النضر ﵁ وهو عم أنس بن مالك. قال الامام أحمد حدّثنا يزيد حدّثنا حميد عن أنس أن عمه غاب عن قتال بدر، فقال غبت عن أول قتال قاتله النبي ﷺ للمشركين، لئن الله أشهدنى قتالا للمشركين ليرينّ ما أصنع. فلما كان يوم أحد انكشف المسلمون، فقال: اللهمّ انى أعتذر إليك عما صنع هؤلاء - يعنى أصحابه - وابرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعنى المشركين - ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ دون أحد فقال سعد: أنا معك. قال سعد: فلم أستطع أصنع ما صنع، فوجد فيه بضع وثمانون من بين ضربة بسيف وطعنة برمح ورمية بسهم، قال: فكنا نقول: فيه وفي أصحابه نزلت ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾. ورواه الترمذي عن عبد بن حميد والنسائي عن إسحاق بن راهويه كلاهما عن يزيد بن هارون به وقال الترمذي: حسن، قلت: بل على شرط الصحيحين من هذا الوجه. وقال أحمد حدثنا بهز وحدثنا هاشم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت قال قال

стр. 1071

أنس: عمى (قال هاشم: أنس بن النضر) سميت به ولم يشهد مع رسول الله ﷺ يوم بدر. قال فشق عليه وقال: أول مشهد شهده رسول الله ﷺ غبت عنه، ولئن أرانى الله مشهدا فيما بعد مع رسول الله ﷺ ليرينّ الله ما أصنع. قال فهاب أن يقول غيرها، فشهد مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال فاستقبل سعد بن معاذ فقال له أنس: يا أبا عمرو أين؟ واها لريح الجنة أجده دون أحد. قال فقاتلهم حتى قتل فوجد في جسده بضع وثمانون من ضربة وطعنة ورمية. قال فقالت أخته عمتي الربيع بنت النضر: فما عرفت أخى إلا ببنانه. ونزلت هذه الآية ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ، وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾ قال فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه. ورواه مسلم عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن المبارك وزاد النسائي وابو داود وحماد بن سلمة أربعتهم عن سليمان بن المغيرة به. وقال الترمذي حسن صحيح. وقال أبو الأسود عن عروة بن الزبير قال كان أبىّ بن خلف أخو بنى جمح قد حلف وهو بمكة ليقتلن رسول الله ﷺ . فلما بلغت رسول الله ﷺ حلفته قال: بل أنا أقتله ان شاء الله. فلما كان يوم أحد أقبل أبى في الحديد مقنعا وهو يقول: لا نجوت إن نجا محمد. فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير أخو بنى عبد الدار يقي رسول الله ﷺ بنفسه فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أبىّ بن خلف من فرجة بين سابغة الدرع والبيضة فطعنه فيها بالحربة فوقع الى الأرض عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أجزعك؟ انما هو خدش. فذكر لهم قول رسول الله ﷺ أنا أقتل أبيا، ثم قال والّذي نفسي بيده لو كان هذا الّذي بى بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون فمات الى النار فسحقا لأصحاب السعير. وقد رواه موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري عن سعيد بن المسيّب نجوة. وقال ابن إسحاق لما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبىّ بن خلف وهو يقول: لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبىّ بن خلف وهو يقول: لا نجوت ان نجوت. فقال القوم: يا رسول الله يعطف عليه رجل منا؟ فقال رسول الله ﷺ : دعوه! فلما دنا منه تناول رسول الله ﷺ الحربة من الحارث بن الصمة فقال بعض القوم كما ذكر لي فلما أخذها رسول الله ﷺ انتفض انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشعر عن ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله رسول الله ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا. ذكر الواقدي عن يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه نحو ذلك. قال الواقدي وكان ابن عمر يقول: مات أبىّ بن خلف ببطن رابغ، فانى لاسير ببطن رابغ بعد هوى من الليل إذا أنا بنار تأججت فهبتها وإذا برجل يخرج منها بسلسلة يجذبها يهيجه العطش فإذا رجل يقول: لا تسقه، فإنه قتيل رسول الله ﷺ ، هذا أبىّ بن خلف. وقد ثبت في الصحيحين كما تقدم من طريق عبد الرزّاق عن معمر عن همام عن

стр. 1072

أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله» ورواه البخاري من طريق ابن جريج عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس «اشتد غضب الله على من قتله رسول الله بيده في سبيل الله» وقال البخاري وقال أبو الوليد عن شعبة عن ابن المنكدر سمعت جابرا قال: لما قتل أبى جعلت أبكى وأكشف الثوب عن وجهه، فجعل أصحاب النبي ﷺ ينهونني والنبي ﷺ لم ينه، وقال النبي ﷺ لا تبكه أو ما تبكيه ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها حتى رفع. هكذا ذكر هذا الحديث هاهنا معلقا وقد أسنده في الجنائز عن بندار عن غندر عن شعبة. ورواه مسلم والنسائي من طرق عن شعبة به وقال البخاري حدثنا عبدان أخبرنا عبد الله بن المبارك عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم أن عبد الرحمن ابن عوف أتى بطعام وكان صائما فقال قتل مصعب بن عمير وهو خير منى كفن في بردة إن غطى رأسه بدت رجلاه وإن غطى رجلاه بدا رأسه، وأراه قال وقتل حمزة هو خير منى ثم بسط لنا من الدنيا ما بسط (أو قال أعطينا من الدنيا ما أعطينا) وقد خشينا أن تكون حسناتنا عجلت لنا. ثم جعل يبكى حتى برد الطعام. انفرد به البخاري وقال البخاري حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا الأعمش عن شقيق عن خباب بن الأرت قال: هاجرنا مع النبي ﷺ نبتغى وجه الله فوجب أجرنا على الله فمنا من مضى أو ذهب لم يأكل من أجره شيئا كان منهم مصعب بن عمير قتل يوم أحد لم يترك إلا نمرة كنا إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه وإذا غطى بها رجلاه خرج رأسه فقال لنا النبي ﷺ غطوا بها رأسه واجعلوا على رجله الإذخر. ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهد بها. وأخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن الأعمش به. وقال البخاري حدثنا عبيد الله بن سعيد حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون فصرخ إبليس لعنة الله عليه: أي عباد الله أخراكم. فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم فبصر حذيفة فإذا هو بأبيه اليمان فقال: أي عباد الله أبى أبى. قال قالت فو الله ما احتجزوا حتى قتلوه. فقال حذيفة يغفر الله لكم. قال عروة: فو الله ما زال في حذيفة بقية خير حتى لقي الله . قلت كان سبب ذلك أن اليمان وثابت بن وقش كانا في الآطام مع النساء لكبرهما وضعفهما فقالا انه لم يبق من آجالنا إلا ظمء حمار فنزلا ليجضرا الحرب فجاء طريقهما ناحية المشركين فأما ثابت فقتله المشركون وأما اليمان فقتله المسلمون خطأ. وتصدق حذيفة بدية أبيه على المسلمين ولم يعاتب أحدا منهم لظهور العذر في ذلك فصل قال ابن إسحاق: وأصيب يومئذ عين قتادة بن النعمان حتى. سقطت على وجنته فردها رسول الله ﷺ بيده فكانت أحسن عينيه وأحدّهما. وفي الحديث عن جابر بن عبد الله

стр. 1073

أن قتادة بن النعمان أصيبت عينه يوم أحد حتى سالت على خده فردها رسول الله ﷺ مكانها فكانت أحسن عينيه وأحدهما وكانت لا تريد إذا رمدت الأخرى. وروى الدارقطنيّ باسناد غريب عن مالك عن محمد بن عبد الله بن أبى صعصعة عن أبيه عن أبى سعيد عن أخيه قتادة ابن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي فأتيت بهما رسول الله ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان. والمشهور الأول أنه أصيبت عينه الواحدة. ولهذا لما وفد ولده على عمر بن عبد العزيز قال له: من أنت؟ فقال له مرتجلا: أنا ابن الّذي سالت على الخد عينه … فردت بكف المصطفى أحسن الرد فعادت كما كانت لأول أمرها … فيا حسنها عينا ويا حسن ما خد فقال عمر بن عبد العزيز عند ذلك: تلك المكارم لا قعبان من لبن … شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ثم وصله فأحسن جائزته ﵁ فصل قال ابن هشام: وقاتلت أم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية يوم أحد فذكر سعيد ابن أبى زيد الأنصاري أن أم سعد بنت سعد بن الربيع كانت تقول دخلت على أم عمارة فقلت لها يا خالة أخبرينى خبرك فقالت خرجت أول النهار انظر ما يصنع الناس ومعى سقاء فيه ماء فانتهيت الى رسول الله ﷺ وهو في أصحابه والدولة والريح للمسلمين فلما انهزم المسلمون انحزت الى رسول الله ﷺ فقمت أباشر القتال وأذبّ عنه بالسيف وأرمى عن القوس حتى خلصت الجراح الى. قالت فرأيت على عاتقها جرحا أجوف له غور فقلت لها من أصابك بهذا قالت ابن قمئة أقمأه الله، لما ولى الناس عن رسول الله ﷺ أقبل يقول دلوني على محمد لا نجوت ان نجا فاعترضت له أنا ومصعب بن عمير وأناس ممن ثبت مع رسول الله ﷺ فضربني هذه الضربة. ولقد ضربته على ذلك ضربات ولكن عدو الله كانت عليه درعان. قال ابن إسحاق وترس أبو دجانة دون رسول الله ﷺ بنفسه يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثر فيه النبل. قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان رسول الله ﷺ رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده. قال ابن إسحاق وحدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع أخو بنى عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر عم أنس بن مالك الى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله في رجال من المهاجرين والأنصار وقد ألقوا بأيديهم فقال فما يجلسكم قالوا قتل رسول الله ﷺ قال فما تصنعون بالحياة بعده قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله ﷺ . ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل وبه سمى أنس بن مالك. فحدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة فما عرفه

стр. 1074

الا أخته، عرفته ببنانه. قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم ان عبد الرحمن بن عوف أصيب فوه يومئذ فهتم وجرح عشرين جراحة أو أكثر أصابه بعضها في رجله فعرج فصل قال ابن إسحاق: وكان أول من عرف رسول الله ﷺ بعد الهزيمة وقول الناس قتل رسول الله ﷺ كما ذكر لي الزهري - كعب بن مالك قال: رأيت عينيه تزهران من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول الله ﷺ . فأشار رسول الله ﷺ أن أنصت. قال ابن إسحاق فلما عرف المسلمون رسول الله ﷺ نهضوا به ونهض معهم نحو الشعب معه أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام والحارث بن الصمة ورهط من المسلمين فلما أسند رسول الله ﷺ في الشعب أدركه أبىّ بن خلف (فذكر قتله ﵇ أبيا كما تقدم) قال ابن إسحاق: وكان ابىّ بن خلف كما حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف يلقى رسول الله ﷺ بمكة فيقول: يا محمد ان عندي العود - فرسا - أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليه. فيقول رسول الله ﷺ : بل أنا أقتلك ان شاء الله. فلما رجع الى قريش وقد خدشه في عنقه خدشا غير كبير فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد. فقالوا له ذهب والله فؤادك، والله ان بك بأس. قال انه قد كان قال لي بمكة: أنا أقتلك. فو الله لو بصق عليّ لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به الى مكة. قال ابن إسحاق فقال حسان بن ثابت في ذلك: لقد ورث الضلالة عن أبيه … أبىّ يوم بارزه الرسول أتيت اليه تحمل رم عظم … وتوعده وأنت به جهول وقد قتلت بنو النجار منكم … أمية إذ يغوّث يا عقيل وتبّ ابنا ربيعة إذ أطاعا … أبا جهل لأمهما الهبول وأفلت حارث لما شغلنا … بأسر القوم أسرته فليل وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا من مبلغ عنى أبيا … فقد ألقيت في سحق السعير منى بالضلالة من بعيد … وتقسم ان قدرت مع النذور تمنيك الأماني من بعيد … وقول الكفر يرجع في غرور فقد لاقتك طعنة ذي حفاظ … كريم البيت ليس بذي فجور له فضل على الأحياء طرا … إذا نابت ملمات الأمور قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله ﷺ الى فم الشعب خرج على بن أبى طالب حتى ملأ درقته ماء من المهراس فجاء بها الى رسول الله ﷺ ليشرب منه فوجد له ريحا فعافه ولم يشرب منه وغسل

стр. 1075

عن وجهه الدم وصب على رأسه وهو يقول «اشتد غضب الله على من دمي وجه نبيه» وقد تقدم شواهد ذلك من الأحاديث الصحيحة بما فيه الكفاية. قال ابن إسحاق: فبينا رسول الله ﷺ في الشعب معه أولئك النفر من أصحابه إذ علت عالية من قريش الجبل قال ابن هشام فيهم خالد بن الوليد قال ابن إسحاق فقال رسول الله ﷺ اللهمّ انه لا ينبغي لهم أن يعلونا. فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل ونهض النبي ﷺ الى صخرة من الجبل ليعلوها وقد كان بدن رسول الله ﷺ وظاهر بين درعين فلما ذهب لينهض لم يستطع فجلس تحته طلحة بن عبيد الله فنهض به حتى استوى عليها فحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عن عبد الله بن الزبير عن الزبير قال سمعت رسول الله ﷺ يقول يومئذ «أوجب طلحة» حين صنع برسول الله ﷺ يومئذ ما صنع. قال ابن هشام وذكر عمر مولى عفرة ان رسول الله ﷺ صلّى الظهر يوم أحد قاعدا من الجراح التي أصابته وصلّى المسلمون خلفه قعودا. قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتىّ لا يدرى من هو يقال له قزمان فكان رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر «انه لمن أهل النار» قال فلما كان يوم أحد قاتل قتالا شديدا فقتل هو وحده ثمانية أو سبعة من المشركين وكان ذا بأس فأثبتته الجراحة فاحتمل الى دار بنى ظفر قال فجعل رجال من المسلمين يقولون له: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان فأبشر. قال بماذا أبشر فو الله ان قاتلت الا عن أحساب قومي ولولا ذلك ما قاتلت. قال فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهما من كنانته فقتل به نفسه. وقد ورد مثل قصة هذا في غزوة خيبر كما سيأتي ان شاء الله. قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن المسيب عن أبى هريرة قال شهدنا مع رسول الله ﷺ خيبر فقال لرجل ممن يدّعى الإسلام «هذا من أهل النار» فلما حضر القتال قاتل الرجل قتالا شديدا فأصابته جراحة فقيل يا رسول الله الرجل الّذي قلت انه من أهل النار قاتل اليوم قتالا شديدا وقد مات فقال النبي ﷺ «الى النار» فكاد بعض القوم يرتاب فبينما هم على ذلك إذ قيل فإنه لم يمت ولكن به جراح شديدة فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال الله أكبر، أشهد أنى عبد الله ورسوله» ثم أمر بلالا فنادى في الناس «انه لا يدخل الجنة الا نفس مسلمة وان الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». وأخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الرزاق به قال ابن إسحاق وكان ممن قتل يوم أحد مخيريق وكان أحد بنى ثعلبة بن الغيطون فلما كان يوم أحد قال يا معشر يهود والله لقد علمتم أن نصر محمد عليكم لحق. قالوا ان اليوم يوم السبت. قال لا سبت لكم. فأخذ سيفه وعدته وقال ان أصبت فمالي لمحمد يصنع فيه ما شاء. ثم غدا الى رسول الله ﷺ فقاتل معه حتى قتل. فقال رسول الله ﷺ فيما بلغنا «مخيريق خير يهود» قال السهيليّ فجعل

стр. 1076

رسول الله ﷺ أموال مخيريق - وكانت سبع حوائط - أوقافا بالمدينة لله قال محمد بن كعب القرظي وكانت أول وقف بالمدينة. وقال ابن إسحاق وحدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن أبى سفيان مولى ابن أبى أحمد عن أبى هريرة أنه كان يقول حدثوني عن رجل دخل الجنة لم يصلّ قط فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو فيقول اصيرم بنى عبد الأشهل عمرو بن ثابت ابن وقش قال الحصين فقلت لمحمود بن أسد كيف كان شأن الاصيرم؟ قال كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد بدا له فأسلم ثم أخذ سيفه فغدا حتى دخل في عرض الناس فقاتل حتى أثبتته الجراحة قال فبينما رجال من بنى عبد الأشهل يتمسون قتلاهم في المعركة إذا هم به فقالوا والله ان هذا للاصيرم ما جاء به لقد تركناه وانه لمنكر لهذا الحديث فسألوه فقالوا [ما جاء بك يا عمرو] أحدب على قومك أم رغبة في الإسلام فقال بل رغبة في الإسلام آمنت بالله وبرسوله وأسلمت ثم أخذت سيفي وغدوت مع رسول الله ﷺ فقاتلت حتى أصابنى ما أصابنى. فلم يلبث أن مات في أيديهم فذكروه لرسول الله ﷺ فقال «انه من أهل الجنة». قال ابن إسحاق وحدثني أبى عن أشياخ من بنى سلمة قالوا كان عمرو بن الجموح رجلا أعرج شديد العرج وكان له بنون أربعة مثل الأسد يشهدون مع رسول الله ﷺ المشاهد، فلما كان يوم أحد أرادوا حبسه وقالوا ان الله قد عذرك فأتى رسول الله ﷺ وقال ان بنى يزيدون أن يحبسوني عن هذا الوجه والخروج معك فيه فو الله انى لأرجو أن أطأ بعرجتي هذه الجنة فقال رسول الله ﷺ «اما أنت فقد عذرك الله فلا جهاد عليك» وقال لبنيه «ما عليكم أن لا تمنعوه لعل الله أن يرزقه الشهادة» فخرج معه فقتل يوم أحد ﵁. قال ابن إسحاق: ووقعت هند بنت عتبة - كما حدثني صالح بن كيسان - والنسوة اللائي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله ﷺ يجد عن الآذان ولا نوف حتى اتخذت هند من آذان الرجل وأنوفهم خدما وقلائد وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا. وبقرت عن كبد حمزة فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها. وذكر موسى ابن عقبة ان الّذي بقر عن كبد حمزة وحشي فحملها الى هند فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فالله أعلم. قال ابن إسحاق ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها فقالت: نحن جزينا كم بيوم بدر … والحرب بعد الحرب ذات سعر ما كان لي عن عتبة من صبر … ولا أخى وعمه وبكر شفيت نفسي وقضيت نذرى … شفيت وحشيّ غليل صدري فشكر وحشي عليّ عمري … حتى ترمّ أعظمى في قبري قال فأجابتها هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب فقالت:

стр. 1077

خزيت في بدر وبعد بدر … يا بنت وقّاع عظيم الكفر صبّحك الله غداة الفجر … م الهاشميين الطوال الزهر بكل قطاع حسام يفرى … حمزة ليثى وعلى صقرى إذ رام شيب وأبوك غدرى … فخضّبا منه ضواحي النحر ونذرك السوء فشرّ نذر قال ابن إسحاق وكان الحليس بن زيان أخو بنى الحارث بن عبد مناة - وهو يومئذ سيد الأحابيش - مر بأبي سفيان وهو يضرب في شدق حمزة بن عبد المطلب بزج الرمح ويقول: ذق عقق. فقال الحليس يا بنى كنانة هذا سيد قريش يصنع بابن عمه ما ترون لحما. فقال: ويحك اكتمها عنى فإنها كانت زلة. قال ابن إسحاق: ثم ان أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف على الجبل ثم صرخ بأعلى صوته: أنعمت، ان الحرب سجال، يوم بيوم بدر، أعلى هبل (أي ظهر دينك). فقال رسول الله ﷺ لعمر «قم يا عمر فأجبه فقال: الله أعلى وأجل، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» فقال له أبو سفيان: هلم الى يا عمر. فقال رسول الله ﷺ لعمر: ائته فانظر ما شأنه. فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله عمر أقتلنا محمدا؟ فقال عمر: اللهمّ لا وانه ليسمع كلامك الآن. قال أنت عندي أصدق من ابن قمئة وأبر. قال ابن إسحاق: ثم نادى أبو سفيان: انه قد كان في قتلا كم مثل، والله ما رضيت وما سخطت، وما نهيت ولا أمرت. قال: ولما انصرف أبو سفيان نادى: ان موعدكم بدر العام المقبل. فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: قل نعم هو بيننا وبينك موعد. قال ابن إسحاق ثم بعث رسول الله ﷺ على بن أبى طالب فقال: أخرج في آثار القوم وانظر ماذا يصنعون وما يريدون، فان كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وان ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة. والّذي نفسي بيده إن أرادوها لأسيرن اليهم فيها ثم لا ناجزنهم. قال على: فخرجت في أثرهم انظر ماذا يصنعون، فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا الى مكة ذكر دعاء النبي ﷺ بعد الوقعة يوم أحد قال الامام احمد حدثنا مروان بن معاوية الفزاري حدثنا عبد الواحد بن أيمن المكيّ عن ابن رفاعة الزرقيّ عن أبيه قال: لما كان يوم أحد وانكفأ المشركون قال رسول الله ﷺ «استووا حتى أثنى على ربى » فصاروا خلفه صفوفا فقال «اللهمّ لك الحمد كله، اللهمّ لا قابض لما بسطت ولا باسط لما قبضت ولا هادي لمن أضللت ولا مضلّ لمن هديت ولا معطي لما منعت

стр. 1078

ولا مانع لما أعطيت ولا مقرّب لما باعدت ولا مبعد لما قربت. اللهمّ ابسط علينا من بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك. اللهمّ انى أسألك النعيم المقيم الّذي لا يحول ولا يزول. اللهمّ أنى أسألك النعيم يوم العيلة والأمن يوم الخوف. اللهمّ أنى عائذ بك من شرما أعطيتنا وشر ما منعتنا. اللهمّ حبب إلينا الايمان وزينه في قلوبنا، وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين. اللهمّ توفنا مسلمين وأحينا مسلمين وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين. اللهمّ قاتل الكفرة الذين يكذّبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك. اللهمّ قاتل الكفرة الذين أوتوا الكتاب إله الحق» ورواه النسائي في اليوم والليلة عن زياد بن أيوب عن مروان بن معاوية عن عبد الواحد بن أيمن عن عبيد بن رفاعة عن أبيه به. فصل. قال ابن إسحاق وفرغ الناس لقتلاهم فحدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أبى صعصعة المازني أخو بنى النجار أن رسول الله ﷺ قال: من رجل ينظر لي ما فعل سعد ابن الربيع أفي الاحياء هو أم في الأموات؟ فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق، قال فقال له: ان رسول الله ﷺ أمرنى أن انظر أفي الاحياء أنت أم في الأموات فقال: أنا في الأموات فأبلغ رسول الله ﷺ سلامي وقل له: ان سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته. وأبلغ قومك عنى السلام وقل لهم: ان سعد بن الربيع يقول لكم: انه لا عذر لكم عند الله ان خلص الى نبيكم وفيكم عين تطرف. قال ثم لم أبرح حتى مات وجئت النبي ﷺ فأخبرته خبره قلت: كان الرجل الّذي التمس سعدا في القتلى محمد بن سلمة فيما ذكره محمد بن عمر الواقدي وذكر أنه ناداه مرتين فلم يجبه فلما قال ان رسول الله أمرنى أن انظر خبرك أجابه بصوت ضعيف وذكره. وقال الشيخ أبو عمر في الاستيعاب كان الرجل الّذي التمس سعدا أبىّ كعب فالله أعلم. وكان سعد بن الربيع من النقباء ليلة العقبة ﵁ وهو الّذي آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الرحمن بن عوف. قال ابن إسحاق: وخرج رسول الله ﷺ فيما بلغني يلتمس حمزة بن عبد المطلب فوجده ببطن الوادي قد بقر بطنه عن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فحدثني محمد ابن جعفر بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال حين رأى ما رأى: «لولا أن تحزن صفية وتكون سنة من بعدي لتركته حتى يكون في بطون السباع وحواصل الطير، ولئن أظهرنى الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلنّ بثلاثين رجلا منهم» فلما رأى المسلمون حزن رسول الله ﷺ وغيظه على

стр. 1079

من فعل بعمه ما فعل، قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب. قال ابن إسحاق فحدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب، وحدثني من لا أتهم عن ابن عباس أن الله أنزل في ذلك ﴿وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾ الآية. قال: فعفا رسول الله ﷺ وصبر ونهى عن المثلة. قلت: هذه الآية مكية وقصة أحد بعد الهجرة بثلاث سنين فكيف يلتئم هذا فالله أعلم. قال وحدثني حميد الطويل عن الحسن عن سمرة قال: ما قام رسول الله ﷺ في مقام قط ففارقه حتى يأمر بالصدقة وينهى عن المثلة. وقال ابن هشام: ولما وقف النبي ﷺ على حمزة قال «لن أصاب بمثلك أبدا، وما وقفت قط موقفا أغيظ إليّ من هذا» ثم قال «جاءني جبريل فأخبرني أن حمزة مكتوب في السماوات السبع حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله» قال ابن هشام: وكان حمزة وأبو سلمة بن عبد الأسد أخو رسول الله ﷺ من الرضاعة أرضعتهم ثلاثتهم ثويبة مولاة أبى لهب ذكر الصلاة على حمزة وقتلى أحد وقال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن مقسم عن ابن عباس قال: «أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسجى ببردة ثم صلّى عليه فكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى يوضعون الى حمزة فصلى عليهم وعليه معهم حتى صلّى عليه ثنتين وسبعين صلاة» وهذا غريب وسنده ضعيف. قال السهيليّ: ولم يقل به أحد من علماء الأمصار. وقد قال الامام أحمد: حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب عن الشعبي عن ابن مسعود قال: إن النساء كن يوم أحد خلف المسلمين يجهزن على جرحى المشركين فلو حلفت يومئذ رجوت أن أبرّ أنا ليس أحد منا يريد الدنيا حتى أنزل الله ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ فلما خلف أصحاب رسول الله ﷺ وعصوا ما أمروا به أفرد رسول الله ﷺ في تسعة - سبعة من الأنصار واثنين من قريش وهو عاشرهم - فلما رهقوه قال: رحم الله رجلا ردّهم عنا … فلم يزل يقول ذا حتى قتل السبعة فقال رسول الله ﷺ لصاحبيه: ما أنصفنا أصحابنا، فجاء أبو سفيان فقال: أعل هبل! فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله أعلى وأجلّ، فقالوا الله أعلى وأجل. فقال أبو سفيان: لنا العزّى ولا عزّى لكم، فقال رسول الله ﷺ : قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، يوم لنا ويوم علينا، ويوم نساء ويوم نسر، حنظلة بحنظلة، وفلان بفلان، فقال رسول الله ﷺ : لا سواء، أما قتلانا فأحياء يرزقون وقتلاكم في النار يعذبون. قال أبو سفيان: قد كانت في القوم مثلة وإن كانت لعن غير ملأ منا، ما أمرت ولا نهيت ولا أحببت ولا كرهت،

стр. 1080

ولا ساءني ولا سرني، قال فنظروا فإذا حمزة قد بقر بطنه وأخذت هند كبده فلاكتها فلم تستطع أن تأكلها فقال رسول الله ﷺ : أأكلت شيئا؟ قالوا لا، قال ما كان الله ليدخل شيئا من حمزة في النار، قال فوضع رسول الله ﷺ حمزة فصلى عليه وجيء برجل من الأنصار فوضع الى جنبه فصلى عليه فرفع الأنصاري وترك حمزة وجيء بآخر فوضعه الى جنب حمزة فصلى عليه ثم رفع وترك حمزة حتى صلّى عليه يومئذ سبعين صلاة» تفرد به أحمد وهذا اسناد فيه ضعف أيضا من جهة عطاء بن السائب فالله أعلم. والّذي رواه البخاري أثبت حيث قال: حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن جابر بن عبد الله أخبره أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: أيهم أكثر أخذا لقرآن؟ فإذا أشير له الى أحدهما قدمه في اللحد وقال أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة. وأمر بدفنهم بدمائهم ولم يصل عليهم ولم يغسلوا تفرد به البخاري دون مسلم. ورواه أهل السنن من حديث الليث بن سعد به وقال أحمد حدثنا محمد يعنى ابن جعفر حدثنا شعبة سمعت عبد ربه يحدث عن الزهري عن ابن جابر عن جابر ابن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال في قتلى أحد: فان كل جرح أو كل دم يفوح مسكا يوم القيامة ولم يصلّ عليهم وثبت أنه صلّى عليهم بعد ذلك بسنين عديدة قبل وفاته بيسير كما قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا زكريا بن عدي أخبرنا المبارك عن حيوة عن يزيد بن أبى حبيب عن أبى الخير عن عقبة بن عامر قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودّع للاحياء والأموات، ثم طلع المنبر فقال: انى بين أيديكم فرط وأنا عليكم شهيد وان موعدكم الحوض وانى لأنظر اليه من مقامي هذا وانى لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكنى أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها. قال: فكان آخر نظرة نظرتها الى رسول الله ﷺ . ورواه البخاري في مواضع أخر ومسلم وأبو داود والنسائي من حديث يزيد بن أبى حبيب به نحوه. وقال الأموي حدثني أبى حدثنا الحسن بن عمارة عن حبيب بن أبى ثابت قال: قالت عائشة: خرجنا من السحر مخرج رسول الله ﷺ الى أحد نستطلع الخبر حتى إذا طلع الفجر إذا رجل محتجر يشتد ويقول: لبّث قليلا يشهد الهيجا حمل قال: فنظرنا فإذا أسيد بن حضير، ثم مكثنا بعد ذلك فإذا بعير قد أقبل، عليه امرأة بين وسقين قالت فدنونا منها فإذا هي امرأة عمرو بن الجموح فقلنا لها ما الخبر قالت دفع الله عن رسول الله ﷺ واتخذ من المؤمنين شهداء ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. ثم قالت لبعيرها: حل. ثم نزلت، فقلنا لها: ما هذا؟ قالت: أخى وزوجي. وقال ابن إسحاق: وقد أقبلت صفية بنت عبد المطلب لتنظر اليه وكان

стр. 1081

أخاها لأبيها وأمها فقال رسول الله ﷺ لابنها الزبير بن العوام: القها فارجعها لا ترى ما بأخيها فقال لها: يا أمه ان رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعى. قالت ولم وقد بلغني انه مثل بأخي وذلك في الله فما أرضانا ما كان من ذلك لأحتسبن ولأصبرن ان شاء الله. فلما جاء الزبير الى رسول الله ﷺ وأخبره بذلك قال خل سبيلها، فأتته فنظرت اليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت. قال ابن إسحاق: ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن ودفن معه ابن أخته عبد الله بن جحش وأمه أميمة بنت عبد المطلب وكان قد مثل به غير انه لم ينقر عن كبده ﵄. قال السهيليّ: وكان يقال له المجدع في الله قال وذكر سعد انه هو وعبد الله بن جحش دعيا بدعوة فاستجيبت لهما فدعا سعد أن يلقى فارسا من المشركين فيقتله ويستلبه فكان ذلك ودعا عبد الله بن جحش أن يلقاه فارس فيقتله ويجدع أنفه في الله فكان ذلك وذكر الزبير بن بكار ان سيفه يومئذ انقطع فأعطاه رسول الله ﷺ عرجونا فصار في يد عبد الله بن جحش سيفا يقاتل به ثم بيع في تركه بعض ولده بمائتي دينار وهذا كما تقدم لعكاشة في يوم بدر. وقد تقدم في صحيح البخاري أيضا ان رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين والثلاثة في القبر الواحد بل في الكفن الواحد وانما أرخص لهم في ذلك لما بالمسلمين من الجراح التي يشق معها أن يحفروا الكل واحد واحد ويقدم في اللحد أكثرهما أخذا للقرآن وكان يجمع بين الرجلين المتصاحبين في اللحد الواحد كما جمع بين عبد الله بن عمرو بن حرام والد جابر وبين عمرو بن الجموح لأنهما كانا متصاحبين ولم يغسلوا بل تركهم بجراحهم ودمائهم كما روى ابن إسحاق عن الزهري عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير أن رسول الله ﷺ لما انصرف عن القتلى يوم أحد قال: أنا شهيد على هؤلاء انه ما من جريح يجرح في سبيل الله إلا والله يبعثه يوم القيامة يدمي جرحه اللون لون دم والريح ريح مسك. قال وحدثني عمى موسى بن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول: قال أبو القاسم ﷺ ما من جريح يجرح في الله إلا والله يبعثه يوم القيامة وجرحه يدمي اللون لون الدم والريح ريح المسك وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه. وقال الامام احمد حدثنا على بن عاصم عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أمر رسول الله ﷺ يوم أحد بالشهداء أن ينزع عنهم الحديد والجلود وقال ادفنوهم بدمائهم وثيابهم. رواه أبو داود وابن ماجة من حديث على بن عاصم به. وقال الامام أبو داود في سننه: حدثنا القعنبي أن سليمان بن المغيرة حدثهم عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر أنه قال: جاءت الأنصار الى رسول الله ﷺ يوم أحد فقالوا قد أصابنا قرح وجهد فكيف تأمر فقال: احفروا وأوسعوا واجعلوا الرجلين والثلاثة في القبر الواحد. قيل: يا رسول الله فأيهم يقدم؟ قال: أكثرهم قرآنا. ثم رواه من حديث الثوري عن أيوب عن حميد بن هلال عن هشام بن عامر فذكره وزاد واعمقوا. قال ابن إسحاق: وقد

стр. 1082

احتمل ناس من المسلمين قتلاهم الى المدينة فدفنوهم بها ثم نهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال: ادفنوهم حيث صرعوا. وقد قال الامام احمد حدثنا على بن إسحاق حدثنا عبد الله وعتاب حدثنا عبد الله حدثنا عمر بن سلمة بن أبى يزيد المديني حدثني أبى سمعت جابر بن عبد الله يقول: استشهد أبى بأحد فأرسلني أخواتي اليه بناضح لهن فقلن: اذهب فاحتمل أباك على هذا الجمل فادفنه في مقبرة بنى سلمة. فقال فجئته وأعوان لي فبلغ ذلك نبي الله وهو جالس بأحد فدعاني فقال: والّذي نفسي بيده لا يدفن إلا مع اخوته فدفن مع أصحابه بأحد. تفرد به احمد. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن الأسود بن قيس عن نبيح عن جابر بن عبد الله أن قتلى أحد حملوا من مكانهم فنادى منادى النبي ﷺ أن ردوا القتلى الى مضاجعهم. وقد رواه أبو داود والنسائي من حديث الثوري والترمذيّ من حديث شعبة والنسائي أيضا وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلهم عن الأسود بن قيس عن نبيح العنزي عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ من المدينة الى المشركين يقاتلهم وقال لي أبى عبد الله يا جابر لا عليك أن تكون في نظارى أهل المدينة حتى تعلم الى ما مصير أمرنا فانى والله لولا أنى أترك بنات لي بعدي لا حببت أن تقتل بين يدي. قال: فبينا أنا في النظارين إذ جاءت عمتي بابي وخالي عادلتهما على ناضح فدخلت بهما المدينة لتدفنهما في مقابرنا إذ لحق رجل ينادى: ألا أن النبي ﷺ يأمركم أن ترجعوا بالقتلى فتدفنوها في مصارعها حيث قتلت فرجعنا بهما فدفناهما حيث قتلا فبينا أنا في خلافة معاوية بن أبى سفيان إذ جاءني رجل فقال يا جابر بن عبد الله والله لقد أثار أباك عمال معاوية فبدا فخرج طائفة منه. فأتيته فوجدته على النحو الّذي دفنته لم يتغير إلا ما لم يدع القتل أو القتيل، ثم ساق الامام قصة وفائه دين أبيه كما هو ثابت في الصحيحين. وروى البيهقي من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لما أجرى معاوية العين عند قتلى أحد بعد أربعين سنة استصرخناهم اليهم فأتيناهم فأخرجناهم فأصابت المسحاة قدم حمزة فانبعث دما. وفي رواية ابن إسحاق عن جابر قال: فأخرجناهم كأنما دفنوا بالأمس. وذكر الواقدي أن معاوية لما أراد أن يجرى العين نادى مناديه من كان له قتيل بأحد فليشهد، قال جابر فحفرنا عنهم فوجدت أبى في قبره كأنما هو نائم على هيئته ووجدنا جاره في قبره عمرو بن الجموح ويده على جرحه فازيلت عنه فانبعث جرحه دما، ويقال انه فاح من قبورهم مثل ريح المسك ﵃ أجمعين وذلك بعد ست وأربعين سنة من يوم دفنوا. وقد قال البخاري حدثنا مسدد حدثنا بشر بن المفضل حدثنا حسين المعلم عن عطاء عن جابر قال: لما حضر أحد دعاني أبى من الليل فقال لي ما أرانى إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ وانى لا أترك بعدي أعز عليّ منك غير نفس رسول الله ﷺ وأن عليّ دينا فاقض

стр. 1083

واستوص بأخواتك خيرا، فأصبحنا وكان أول قتيل فدفنت معه آخر في قبره ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع آخر فاستخرجته بعد ستة أشهر فإذا هو كيوم وضعته هيئة غير أذنه. وثبت في الصحيحين من حديث شعبة عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه لما قتل أبوه جعل يكشف عن الثوب ويبكى فنهاه الناس فقال رسول الله تبكيه أو لا تبكيه، لم تزل الملائكة تظله حتى رفعتموه. وفي رواية أن عمته هي الباكية. وقال البيهقي حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا فيض بن وثيق البصري حدثنا أبو عبادة الأنصاري عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ لجابر «يا جابر ألا أبشرك؟ قال بلى بشرك الله بالخير، فقال: أشعرت أن الله أحيا أباك فقال تمنّ عليّ عبدي ما شئت أعطكه. قال يا رب عبدتك حق عبادتك أتمنّى عليك أن تردّنى الى الدنيا فأقتل مع نبيك وأقتل فيك مرة أخرى، قال: إنه سلف منى أنه اليها لا يرجع». وقال البيهقي حدثنا أبو الحسن محمد ابن أبى المعروف الأسفراييني حدثنا أبو سهل بشر بن أحمد حدثنا أحمد بن الحسين بن نصر حدثنا على بن المديني حدثنا موسى بن إبراهيم بن كثير بن بشير بن الفاكه الأنصاري قال: سمعت طلحة بن خراش بن عبد الرحمن بن خراش بن الصمة الأنصاري ثم السلمي قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: نظر إلى رسول الله ﷺ فقال «ما لي أراك مهتما؟ قال: قلت يا رسول الله قتل أبى وترك دينا وعيالا، فقال: ألا أخبرك ما لكم الله أحدا إلا من وراء حجاب وإنه كلم أباك كفاحا وقال له يا عبدي سلني أعطك. فقال: أسألك أن تردني الى الدنيا فأقتل فيك ثانية، فقال: إنه قد سبق منى القول: انهم اليها لا يرجعون. قال يا رب: فأبلغ من ورائي. فأنزل الله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآية. وقال ابن إسحاق: وحدثني بعض أصحابنا عن عبد الله بن محمد بن عقيل سمعت جابرا يقول: قال رسول الله ﷺ «ألا أبشرك يا جابر؟ قلت بلى، قال: إن أباك حيث أصيب بأحد أحياه الله ثم قال له: ما تحب يا عبد الله ما تحب أن أفعل بك؟ قال: أي رب أحب أن تردني الى الدنيا فأقاتل فيك فأقتل مرة أخرى» وقد رواه أحمد عن على بن المديني عن سفيان بن عيينة عن محمد بن على بن ربيعة السلمي عن ابن عقيل عن جابر، وزاد: فقال الله إني قضيت أنهم اليها لا يرجعون. وقال أحمد: حدثنا يعقوب حدثنا أبى عن ابن إسحاق حدّثنى عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن عبد الله عن جابر بن عبد الله قال سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا ذكر أصحاب أحد «أما والله لوددت أنى غودرت مع أصحابه بحضن الجبل» يعنى سفح الجبل، تفرد به أحمد. وقد روى البيهقي من حديث عبد الأعلى بن عبد الله بن أبى فروة عن قطن بن وهب عن عبيد بن عمير عن أبى هريرة

стр. 1084

أن رسول الله ﷺ حين انصرف من أحد مرّ على مصعب بن عمير وهو مقتول على طريقة فوقف عليه فدعا له ثم قرأ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ﴾. الآية قال «أشهد أن هؤلاء شهداء عند الله يوم القيامة فأتوهم وزوروهم والّذي نفسي بيده لا يسلم عليهم أحد الى يوم القيامة إلا ردّوا عليه» وهذا حديث غريب، وروى عن عبيد بن عمير مرسلا. وروى البيهقي من حديث موسى بن يعقوب عن عباد بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: كان النبي ﷺ يأتى قبور الشهداء فإذا أتى فرضة الشعب قال «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» ثم كان أبو بكر بعد النبي ﷺ يفعله وكان عمر بعد أبى بكر يفعله وكان عثمان بعد عمر يفعله. قال الواقدي: كان النبي ﷺ يزورهم كل حول فإذا بلغ نقرة الشعب يقول «السلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار» ثم كان أبو بكر يفعل ذلك كل حول ثم عمر ثم عثمان، وكانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تأتيهم فتبكى عندهم وتدعو لهم، وكان سعد يسلم ثم يقبل على أصحابه فيقول: ألا تسلمون على قوم يردّون عليكم. ثم حكى زيارتهم عن أبى سعيد وأبى هريرة وعبد الله بن عمر وأم سلمة ﵃. وقال ابن أبى الدنيا حدثني إبراهيم حدثني الحكم بن نافع حدثنا العطاف بن خالد حدثتني خالتي قالت: ركبت يوما الى قبور الشهداء - وكانت لا تزال تأتيهم - فنزلت عند حمزة فصليت ما شاء الله ان أصلى وما في الوادي داع ولا مجيب إلا غلاما قائما آخذا برأس دابتي فلما فرغت من صلاتي قلت هكذا بيدي «السلام عليكم» قالت فسمعت ردّ السلام عليّ يخرج من تحت الأرض أعرفه كما أعرف أن الله خلقني وكما أعرف الليل والنهار فاقشعرّت كل شعرة منى. وقال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أمية عن أبى الزبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ «لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوى الى قناديل من ذهب معلقة في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم قالوا من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد. فقال الله : أنا أبلغهم عنكم فأنزل الله في الكتاب قوله تعالى ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾. وروى مسلم والبيهقي من حديث أبى معاوية عن الأعمش عن عبد الله بن مرّة عن مسروق قال: سألنا عبد الله بن مسعود عن هذه الآية ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون. فقال: اما إنا قد سألنا عن ذلك رسول الله ﷺ فقال «أرواحهم في جوف طير خضر تسرح في ايها شاءت ثم تأوى الى قناديل معلقة بالعرش، قال فبينما هم كذلك إذ اطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: اسألونى ما شئتم. فقالوا يا ربنا وما نسألك ونحن نسرح في الجنة في أيها شئنا،

стр. 1085

ففعل ذلك بهم ثلاث مرات، فلما رأوا أن لن يتركوا من أن يسألوا قالوا: نسألك أن ترد أرواحنا الى أجسادنا في الدنيا نقتل في سبيلك مرة أخرى. قال: فلما رأى أنهم لا يسألون إلا هذا تركوا فصل في عدد الشهداء. قال موسى بن عقبة جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والأنصار تسعة وأربعون رجلا وقد ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلا فالله أعلم. وقال قتادة عن أنس قتل من الأنصار يوم أحد سبعون ويوم بئر معونة سبعون ويوم اليمامة سبعون. وقال حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس انه كان يقول قارب السبعين يوم أحد ويوم بئر معونة ويوم مؤتة ويوم اليمامة. وقال مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب قتل من الأنصار يوم أحد ويوم اليمامة سبعون ويوم جسر أبى عبيد سبعون وهكذا قال عكرمة وعروة والزهري ومحمد بن إسحاق في قتلى أحد ويشهد له قوله تعالى ﴿أَوَلَمّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنّى هذا﴾ يعنى أنهم قتلوا يوم بدر سبعين وأسروا سبعين وعن ابن إسحاق قتل من الأنصار - لعله من المسلمين - يوم أحد خمسة وستون أربعة من المهاجرين حمزة وعبد الله بن جحش ومصعب بن عمير وشماس بن عثمان والباقون من الأنصار وسرد أسماءهم على قبائلهم وقد استدرك عليه ابن هشام زيادة على ذلك خمسة آخرين فصاروا سبعين على قول ابن هشام وسرد ابن إسحاق أسماء الذين قتلوا من المشركين وهم اثنان وعشرون رجلا. وعن عروة كان الشهداء يوم أحد أربعة أو قال سبعة وأربعين وقال موسى بن عقبة تسعة وأربعون وقتل من المشركين يومئذ ستة عشر رجلا وقال عروة تسعة عشر وقال ابن إسحاق اثنان وعشرون وقال الربيع عن الشافعيّ ولم يؤسر من المشركين سوى أبى عزّة الجمحيّ وقد كان في الأسارى يوم بدر فمن عليه رسول الله ﷺ بلا فدية واشترط عليه ألا يقاتله فلما أسر يوم أحد قال يا محمد امنن على لبناتي وأعاهد أن لا أقاتلك فقال له رسول الله ﷺ لا أدعك تمسح عارضيك بمكة وتقول خدعت محمدا مرتين ثم أمر به فضربت عنقه. وذكر بعضهم أنه يومئذ قال رسول الله ﷺ «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين». فصل قال ابن إسحاق ثم انصرف رسول الله ﷺ الى المدينة فلقيته حمنة بنت جحش كما ذكر لي فلما لقيت الناس نعى اليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له ثم نعى لها زوجها مصعب بن عمير فصاحت وولولت فقال رسول الله ﷺ «ان زوج المرأة منها لبمكان» لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها وصياحها على زوجها. وقد قال ابن ماجة: حدثنا محمد بن يحيى حدثنا إسحاق بن محمد الفروى حدثنا عبد الله بن عمر عن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن جحش عن أبيه عن حمنة بنت جحش انه

стр. 1086

قيل لها: قتل أخوك. فقالت: ﵀ وانا لله وانا اليه راجعون. فقالوا: قتل زوجك قالت: وا حزناه. فقال رسول الله ﷺ : «ان للزوج من المرأة لشعبة ما هي لشيء» قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الواحد بن أبى عون عن إسماعيل عن محمد عن سعد بن أبى وقاص قال: مرّ رسول الله ﷺ بامرأة من بنى دينار وقد أصيب زوجها وأخوها وأبوها مع رسول الله ﷺ بأحد فلما نعوا لها قالت: ما فعل رسول الله ﷺ ؟ قالوا: خيرا يا أم فلان هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى انظر اليه، قال: فأشير لها اليه حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل. قال ابن هشام: الجلل يكون من القليل والكثير وهو هاهنا القبيل. قال امرؤ القيس: لقتل بنى أسد ربهم … ألا كل شيء خلاه جلل أي صغير وقليل. قال ابن إسحاق: فلما انتهى رسول الله ﷺ الى أهله ناول سيفه ابنته فاطمة فقال: «اغسلي عن هذا دمه يا بنيّة، فو الله لقد صدقنى في هذا اليوم» وناولها على بن أبى طالب سيفه فقال: وهذا فاغسلي عنه دمه فو الله لقد صدقنى اليوم. فقال رسول الله ﷺ : «لئن كنت صدقت القتال لقد صدقه معك سهل بن حنيف وأبو دجانة» وقال موسى بن عقبة في موضع آخر: ولما رأى رسول الله ﷺ سيف على مخضبا بالدماء قال: «لئن كنت أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبى الأقلح والحارث بن الصمة وسهل بن حنيف» وروى البيهقي عن سفيان ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس قال: جاء على بن أبى طالب بسيفه يوم أحد قد انحنى فقال لفاطمة: هاك السيف حميدا فإنها قد شفتي، فقال رسول الله ﷺ : «لئن كنت أجدت الضرب بسيفك لقد أجاده سهل بن حنيف وأبو دجانة وعاصم بن ثابت والحارث ابن الصمة» قال ابن هشام: وسيف رسول الله ﷺ هذا هو ذو الفقار، قال: وحدثني بعض أهل العلم عن ابن أبى نجيح قال: نادى مناد يوم أحد لا سيف الا ذو الفقار، قال: وحدثني بعض أهل العلم ان رسول الله ﷺ قال لعلى: «لا يصيب المشركون منا مثلها حتى يفتح الله علينا» قال ابن إسحاق: ومرّ رسول الله ﷺ بدار بنى عبد الأشهل فسمع البكاء والنوائح على قتلاهم فذرفت عينا رسول الله ﷺ ثم قال: «لكن حمزة لا بواكي له» فلما رجع سعد بن معاذ وأسيد بن الحضير الى دار بنى عبد الأشهل أمرا نساءهن أن يتحزمن ثم يذهبن فيبكين على عم رسول الله ﷺ . فحدثني حكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف عن بعض رجال بنى عبد الأشهل قال: لما سمع رسول الله ﷺ بكاءهن على حمزة خرج عليهنّ وهن في باب المسجد يبكين فقال: «ارجعن يرحمكن الله فقد آسيتن بأنفسكن» قال: ونهى رسول الله ﷺ يومئذ عن النوح فيما قال ابن هشام، وهذا الّذي ذكره منقطع ومنه مرسل وقد أسنده الامام أحمد فقال: حدثنا زيد بن الحباب حدثني أسامة بن

стр. 1087

زيد حدثني نافع عن ابن عمر ان رسول الله ﷺ لما رجع من أحد فجعل نساء الأنصار يبكين على من قتل من أزواجهن قال: فقال رسول الله ﷺ : «ولكن حمزة لا بواكي له» قال: ثم نام فاستنبه وهن يبكين قال: «فهن اليوم إذا يبكين يندبن حمزة» وهذا على شرط مسلم. وقد رواه ابن ماجة عن هارون بن سعيد عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ مرّ بنساء بنى عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد فقال رسول الله ﷺ : «لكن حمزة لا بواكي له» فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول الله ﷺ فقال: «ويحهن ما انقابن بعد مرورهن فلينقلين ولا يبكين على هالك بعد اليوم» وقال موسى بن عقبة: ولما دخل رسول الله ﷺ أزقة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور قال: «ما هذا» قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهم فقال: «لكن حمزة لا بواكي له» واستغفر له فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة فمشوا الى دورهم فجمعوا كل نائحة باكية كانت بالمدينة فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم النبي ﷺ فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة. وزعموا ان الّذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة فلما سمع رسول الله ﷺ قال: «ما هذا» فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم فاستغفر لهم وقال لهم خيرا وقال: «ما هذا أردت، وما أحب البكاء» ونهى عنه. وهكذا ذكر ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير سواء. قال موسى بن عقبة: وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المسلمين وظهر غش اليهود وفأرت المدينة بالنفاق فور المرجل وقالت اليهود: لو كان نبيا ما ظهروا عليه ولا أصيب منه ما أصيب ولكنه طالب ملك تكون له الدولة وعليه، وقال المنافقون مثل قولهم وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابكم الذين أصابوا منكم فأنزل الله القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين يغلي فيمن قتل منهم فقال: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الآيات كلها كما تكلمنا على ذلك في التفسير ولله الحمد والمنة ذكر خروج النبي ﷺ بأصحابه على ملهم من القرح والجراح في أثر أبى سفيان إرهابا له ولأصحابه حتى بلغ حمراء الأسد وهي على ثمانية أميال من المدينة قال موسى بن عقبة بعد اقتصاصه وقعة أحد وذكره رجوعه ﵇ الى المدينة: وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله ﷺ فسأله عن أبى سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون ويقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا أصبتهم شوكة القوم وحدّهم ثم تركتموهم ولم

стр. 1088

تبتروهم فقد بقي منهم رءوس يجمعون لكم، فأمر رسول الله ﷺ وبهم أشد القرح - بطلب العدوّ ليسمعوا بذلك وقال: لا ينطلقنّ معى إلا من شهد القتال. فقال عبد الله بن أبىّ: أنا راكب معك. فقال لا، فاستجابوا لله ولرسوله على الّذي بهم من البلاء فانطلقوا. فقال الله في كتابه: ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قال وأذن رسول الله ﷺ لجابر حين ذكر أن أباه أمره بالمقام في المدينة على أخواته، قال وطلب رسول الله ﷺ العدو حتى بلغ حمراء الأسد. وهكذا روى ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة ابن الزبير سواء. وقال محمد بن إسحاق في مغازيه: وكان يوم أحد يوم السبت النصف من شوال فلما كان الغد من يوم الأحد لست عشرة ليلة مضت من شوال أذّن مؤذن رسول الله ﷺ في الناس بطلب العدوّ وأذّن مؤذنه ألاّ يخرجنّ أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، فكلمه جابر بن عبد الله فأذن له. قال ابن إسحاق: وإنما خرج رسول الله ﷺ مرهبا للعدوّ ليبلغهم أنه خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وأن الّذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوّهم. قال ابن إسحاق ﵀: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبى السائب مولى عائشة بنت عثمان أن رجلا من بنى عبد الأشهل قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي فرجعنا جريحين، فلما أذّن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج في طلب العدو قلت لأخى وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله ﷺ ؟ والله ما لنا من دابة نركبها وما منّا إلا جريح ثقيل، فخرجنا مع رسول الله ﷺ وكنت أيسر جرحا منه، فكان إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة حتى انتهينا الى ما انتهى اليه المسلمون. قال ابن إسحاق: فخرج رسول الله ﷺ حتى انتهى الى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع الى المدينة. قال ابن هشام: وقد كان استعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبى بكر معبد بن أبى معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله ﷺ بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئا كان بها، ومعبد يومئذ مشرك مرّ برسول الله ﷺ وهو مقيم بحمراء الأسد فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله عافاك فيهم، ثم خرج من عند رسول الله ﷺ بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان ابن حرب ومن معه بالروحاء وقد أجمعوا الرجعة الى رسول الله ﷺ وأصحابه وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم لنكرّن على بقيتهم فلنفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال ويلك ما تقول؟ قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال فو الله لقد أجمعنا الكرّة عليهم لنستأصل شأفتهم، قال فانى أنهاك عن ذلك، والله لقد

стр. 1089

حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتا من شعر. قال وما قلت؟ قال قلت: كادت تهدّ من الأصوات راحلتي … إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل تردى بأسد كرام لا تنابلة … عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوا أظن الأرض مائلة … لما سموا برئيس غير مخذول فقلت ويل ابن حرب من لقائكم … إذا تغطمطت البطحاء بالجيل إني نذير لأهل البسل ضاحية … لكل ذي اربة منهم ومعقول من جيش أحمد لا وخش قنابله … وليس يوصف ما أنذرت بالقيل قال فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومرّ به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا المدينة، قال: ولم؟ قالوا نريد الميرة؟ قال: فهل أنتم مبلغون عنى محمدا رسالة أرسلكم بها اليه واحمل لكم ابلكم هذه غدا زبيبا بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا وافيتموه فأخبروه انا قد أجمعنا السير اليه والى أصحابه لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله ﷺ وهو بحمراء الأسد فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال: ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. وكذا قال الحسن البصري. وقد قال البخاري حدثنا أحمد بن يونس أراه قال حدثنا أبو بكر عن أبى حصين عن أبى الضحى عن ابن عباس: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم ﵇ حين ألقى في النار وقالها محمد ﷺ حين قالوا ان الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. تفرد بروايته البخاري وقد قال البخاري: حدثنا محمد بن سلام حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂ ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ قالت لعروة: يا ابن أختى كان أبواك منهم الزبير وأبو بكر ﵄ لما أصاب رسول الله ﷺ ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا فقال من يذهب في أثرهم. فانتدب منهم سبعون رجلا فيهم أبو بكر والزبير. هكذا رواه البخاري وقد رواه مسلم مختصرا من وجه عن هشام وهكذا رواه سعيد بن منصور وأبو بكر الحميدي جميعا عن سفيان بن عيينة. وأخرجه ابن ماجة من طريقه عن هشام بن عروة به. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق أبى سعيد عن هشام ابن عروة به ورواه من حديث السدي عن عروة وقال في كل منهما صحيح ولم يخرجاه. كذا قال. وهذا السياق غريب جدا فان المشهور عند أصحاب المغازي ان الذين خرجوا مع رسول الله ﷺ الى حمراء الأسد كل من شهد أحدا وكانوا سبعمائة كما تقدم قتل منهم سبعون وبقي الباقون. وقد روى ابن جرير من طريق العوفيّ عن ابن عباس قال: ان الله قذف في قلب أبى سفيان الرعب يوم أحد بعد الّذي كان منه فرجع الى مكة وكانت وقعة أحد في شوال وكان التجار يقدمون في ذي القعدة المدينة فينزلون ببدر الصغرى في كل سنة مرة وانهم قدموا بعد وقعة أحد وكان أصاب المسلمين

стр. 1090

القرح واشتكوا ذلك الى رسول الله ﷺ واشتد عليهم الّذي أصابهم وإن رسول الله ﷺ ندب الناس لينطلقوا بهم ويتبعوا ما كانوا متبعين وقال لنا ترتحلون الآن فتأتون الحج ولا يقدرون على مثلها حتى عام قابل فجاء الشيطان يخوف أولياءه فقال ان الناس قد جمعوا لكم فأبى عليه الناس أن يتبعوه فقال أنى ذاهب وإن لم يتبعني أحد فانتدب معه أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وعبد الرحمن بن عوف وأبو عبيدة وابن مسعود وحذيفة في سبعين رجلا فساروا في طلب أبى سفيان حتى بلغوا الصفراء فأنزل الله ﴿الَّذِينَ اِسْتَجابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاِتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ وهذا غريب أيضا وقال ابن هشام: حدّثنا أبو عبيدة أن أبا سفيان بن حرب لما انصرف يوم أحد أراد الرجوع الى المدينة فقال لهم صفوان بن أمية لا تفعلوا فان القوم قد حربوا وقد خشينا أن يكون لهم قتال غير الّذي كان فارجعوا فرجعوا فقال النبي ﷺ وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة «والّذي نفسي بيده لقد سوّمت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب» قال: وأخذ رسول الله ﷺ في وجهه ذلك قبل رجوعه المدينة معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس جد عبد الملك بن مروان لامه عائشة بنت معاوية وأبا عزّة الجمحيّ وكان رسول الله ﷺ قد أسره ببدر ثم منّ عليه فقال يا رسول الله أقلنى، فقال: لا والله لا تمسح عارضيك بمكة تقول خدعت محمدا مرتين، اضرب عنقه يا زبير، فضرب عنقه. قال ابن هشام: وبلغني عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ «ان المؤمن لا يلدغ من جحر مرتين، اضرب عنقه يا عاصم بن ثابت، فضرب عنقه» وذكر ابن هشام أن معاوية بن المغيرة بن أبى العاص استأمن له عثمان على أن لا يقيم بعد ثلاث فبعث رسول الله ﷺ بعدها زيد بن حارثة وعمار بن ياسر وقال: ستجدانه في مكان كذا وكذا فاقتلاه ففعلا ﵄. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله ﷺ الى المدينة كان عبد الله بن أبىّ كما حدثني الزهري له مقام يقومه كل جمعة لا ينكر له شرفا في نفسه وفي قومه وكان فيهم شريفا إذا جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة وهو يخطب الناس قام فقال: أيها الناس، هذا رسول الله بين أظهركم أكرمكم الله به وأعزكم به فانصروه وعززوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم يجلس حتى إذا صنع يوم أحد ما صنع ورجع الناس قام يفعل ذلك كما كان يفعله فأخذ المسلمون بثيابه من نواحيه وقالوا اجلس أي عدو الله والله لست لذلك بأهل وقد صنعت ما صنعت فخرج يتخطّى رقاب الناس وهو يقول والله لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. فلقيه رجال من الأنصار بباب المسجد فقالوا: ويلك مالك؟ قال: قمت أشدد أمره فوثب الى رجال من أصحابه يجبذوننى ويعنفوننى لكأنما قلت بجرا أن قمت أشدد أمره. قالوا ويلك ارجع يستغفر لك رسول الله ﷺ . قال: والله ما أبغى
следующие страницы →