← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

بدل عمرو، عمرو بن طلق بن زيد بن أمية بن سنان بن كعب بن غنم وهو في بنى حرام، عمرو بن الجموح بن حرام الأنصاري، عمرو بن قيس بن زيد بن سواد بن مالك بن غنم ذكره الواقدي والأموي، عمرو بن قيس بن مالك بن عدي بن خنساء بن عمرو بن مالك بن عدي بن عامر أبو خارجة ولم يذكره موسى بن عقبة (١)، عمرو بن عامر بن الحارث الفهري ذكره موسى بن عقبة، عمرو ابن معبد بن الأزعر الأوسي، عمرو بن معاذ الأوسي أخو سعد بن معاذ، عمير بن الحارث بن ثعلبة ويقال عمرو بن الحارث بن لبدة بن ثعلبة السلمي، عمير بن حرام بن الجموح السلمي ذكره ابن عائذ والواقدي، عمير بن الحمام بن الجموح بن عم الّذي قبله قتل يومئذ شهيدا، عمير بن عامر بن مالك ابن الخنساء بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن أبو داود المازني، عمير بن عوف مولى سهيل بن عمرو وسماه الأموي وغيره عمرو بن عوف وكذا وقع في الصحيحين في حديث بعث أبى عبيدة إلى البحرين، عمير بن مالك بن أهيب الزهري أخو سعد بن أبى وقاص قتل يومئذ شهيدا، عنترة مولى بنى سليم وقيل إنه منهم فالله أعلم، عوف بن الحارث بن رفاعة بن الحارث النجاري وهو ابن عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجارية قتل يومئذ شهيدا، عويم بن ساعدة الأنصاري من بنى أمية ابن زيد، عياض بن غنم الفهري من المهاجرين الأولين ﵃ أجمعين. حرف الغين غنام بن أوس الخزرجي ذكره الواقدي وليس بمجمع عليه. حرف الفاء الفاكه بن بشر بن الفاكه الخزرجي، فروة بن عمرو بن ودفة (٢) الخزرجي. حرف القاف قتادة بن النعمان الأوسي، قدامة بن مظعون الجمحيّ من المهاجرين أخو عثمان وعبد الله، قطبة ابن عامر بن حديدة السلمي. قيس بن السكن النجاري، قيس بن أبى صعصعة عمرو بن زيد المازني كان على الساقة يوم بدر. قيس بن محصن بن خالد الخزرجي، قيس بن مخلد بن ثعلبة النجاري. حرف الكاف كعب بن حمان ويقال جمار ويقال جماز وقال ابن هشام كعب بن عبشان ويقال كعب بن مالك

стр. 1017

ابن ثعلبة بن جماز وقال الأموي كعب بن ثعلبة بن حبالة بن غنم الغساني من حلفاء بنى الخزرج بن ساعدة، كعب بن زيد بن قيس النجاري، كعب بن عمرو أبو اليسر السلمي، كلفة بن ثعلبة أحد البكاءين ذكره موسى بن عقبة، كناز بن حصين بن يربوع أبو مرثد الغنوي من المهاجرين الأولين حرف الميم مالك بن الدخشم ويقال ابن الدخشن الخزرجي، مالك بن أبى خولى الجعفي حليف بنى عدي، مالك بن ربيعة أبو أسيد الساعدي، مالك بن قدامة الأوسي، مالك بن عمرو أخو ثقف بن عمرو وكلاهما مهاجري وهما من حلفاء بنى تميم بن دودان بن أسد، مالك بن قدامة الأوسي، مالك بن مسعود الخزرجي، مالك بن ثابت بن نميلة المزني حليف لبني عمرو بن عوف، مبشر بن عبد المنذر ابن زنير الأوسي أخو أبى لبابة ورفاعة قتل يومئذ شهيدا، المجذر بن زياد البلوى مهاجري، محرز ابن عامر النجاري، محرز بن نضلة الأسدي حليف بنى عبد شمس مهاجري، محمد بن مسلمة حليف بنى عبد الأشهل، مدلج ويقال مدلاج بن عمرو أخو ثقف بن عمرو مهاجري، مرثد بن أبى مرثد الغنوي، مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف من المهاجرين الأولين وقيل اسمه عوف، مسعود بن أوس الأنصاري النجاري، مسعود بن خلدة الخزرجي، مسعود بن ربيعة القاري حليف بنى زهرة مهاجري، مسعود بن سعد ويقال ابن عبد سعد بن عامر بن عدي بن جشم بن مجدعة بن حارثة بن الحارث، مسعود بن سعد بن قيس الخزرجي، مصعب بن عمير العبدري مهاجري كان معه اللواء يومئذ، معاذ بن جبل الخزرجي، معاذ بن الحارث النجاري وهذا هو ابن عفراء أخو عوف ومعوذ، معاذ بن عمرو بن الجموح الخزرجي، معاذ بن ما عض الخزرجي أخو عائذ، معبد بن عباد بن قشير بن الفدم بن سالم بن غنم ويقال معبد بن عبادة بن قيس وقال الواقدي قشعر بدل قشير وقال ابن هشام قشعر أبو خميصة، معبد بن قيس بن صخر السلمي أخو عبد الله بن قيس، معتب بن عبيد بن إياس البلوى القضاعي، معتب بن عوف الخزاعي حليف بنى مخزوم من المهاجرين، معتب بن قشير الأوسي، معقل بن المنذر السلمي، معمر بن الحارث الجمحيّ من المهاجرين، معن بن عدي الأوسي، معوذ بن الحارث الجمحيّ وهو ابن عفراء أخو معاذ بن عوف، معوذ بن عمرو بن الجموح السلمي لعله أخو معاذ بن عمرو، المقداد بن عمرو البهراني وهو المقداد بن الأسود من المهاجرين الأولين وهو ذو المقال المحمود ابن المتقدم ذكره وكان أحد الفرسان يومئذ، مليل بن وبرة الخزرجي، المنذر بن عمرو بن خنيس الساعدي، المنذر بن قدامة بن عرفجة الخزرجي، المنذر ابن محمد بن عقبة الأنصاري من بنى جحجبى، مهجع مولى عمر بن الخطاب أصله من اليمن وكان أول قتيل من المسلمين يومئذ.

стр. 1018

حرف النون نصر بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر بن كعب، نعمان بن عبد عمرو النجاري وهو أخو الضحاك، نعمان بن عمرو بن رفاعة النجاري، نعمان بن عصر بن الحارث حليف لبني الأوس، نعمان ابن مالك بن ثعلبة الخزرجي ويقال له قوقل، نعمان بن يسار مولى لبني عبيد ويقال نعمان بن سنان، نوفل بن عبيد الله بن نضلة الخزرجي حرف الهاء هانئ بن نيار أبو بردة البلوى خال البراء بن عارب، هلال بن أمية الواقفي وقع ذكره في أهل بدر في الصحيحين في قصة كعب بن مالك ولم يذكره أحد من أصحاب المغازي، هلال بن المعلى الخزرجي أخو رافع بن المعلى. حرف الواو واقد بن عبد الله التميمي حليف بنى عدي من المهاجرين، وديعة بن عمرو بن جراد الجهنيّ ذكره الواقدي وابن عائذ، ورقة بن إياس بن عمرو الخزرجي أخو ربيع بن إياس، وهب بن سعد ابن أبى سرح ذكره موسى بن عقبة وابن عائذ والواقدي في بنى عامر بن لؤيّ ولم يذكره ابن إسحاق. حرف الياء يزيد بن الأخنس بن جناب بن حبيب بن جرة السلمي قال السهيليّ شهد هو وأبوه وابنه يعنى بدرا ولا يعرف لهم نظير في الصحابة ولم يذكرهم ابن إسحاق والأكثرون لكن شهدوا معه بيعة الرضوان، يزيد بن الحارث بن قيس الخزرجي وهو الّذي يقال له ابن قسحم وهي أمه قتل يومئذ شهيدا ببدر، يزيد بن عامر بن حديدة أبو المنذر السلمي، يزيد بن المنذر بن سرح السلمي وهو أخو معقل بن المنذر. باب الكنى أبو أسيد مالك بن ربيعة تقدم، أبو الأعور بن الحارث بن ظالم النجاري. وقال ابن هشام أبو الأعور الحارث بن ظالم وقال الواقدي أبو الأعور كعب بن الحارث بن جندب بن ظالم، أبو بكر الصديق عبد الله بن عثمان تقدم، أبو حبة بن عمرو بن ثابت أحد بنى ثعلبة بن عمرو بن عوف الأنصاري، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة من المهاجرين وقيل اسمه مهشم، أبو الحمراء مولى الحارث

стр. 1019

ابن رفاعة بن عفراء، أبو خزيمة بن أوس بن أصرم النجاري، أبو سبرة مولى أبى رهم بن عبد العزى من المهاجرين، أبو سنان بن محصن بن حرثان أخو عكاشة ومعه ابنه سنان من المهاجرين، أبو الصياح ابن النعمان وقيل عمير بن ثابت بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس بن ثعلبة رجع من الطريق وقتل يوم خيبر رجع لجرح أصابه من حجر فضرب له بسهمه، أبو عرفجة من حلفاء بنى جحجبى، أبو كبشة مولى رسول الله ﷺ ، أبو لبابة بشير بن عبد المنذر تقدم، أبو مرثد الغنوي كناز بن حصين تقدم، أبو مسعود البدري عقبة بن عمرو تقدم، أبو مليل بن الأزعر بن زيد الأوسي. فصل فكان جملة من شهد بدرا من المسلمين ثلاثمائة وأربعة عشر رجلا منهم رسول الله ﷺ كما قال البخاري حدثنا عمرو بن خالد ثنا زهير ثنا أبو إسحاق سمعت البراء بن عازب يقول حدثني أصحاب محمد ﷺ ورضى عنهم ممن شهد بدرا أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر بضعة عشر وثلاثمائة. قال البراء: لا والله ما جاوز معه النهر إلا مؤمن. ثم رواه البخاري من طريق إسرائيل وسفيان الثوري عن أبى إسحاق عن البراء نحوه. قال ابن جرير: وهذا قول عامة السلف إنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا وقال أيضا حدثنا محمود ثنا وهب عن شعبة عن أبى إسحاق عن البراء. قال استصغرت أنا وابن عمر يوم بدر وكان المهاجرون يوم بدر نيفا على ستين والأنصار نيفا وأربعين ومائتين. هكذا وقع في هذه الرواية وقال ابن جرير حدثني محمد بن عبيد المحاربي ثنا أبو مالك الجبنّيّ عن الحجاج - وهو ابن أرطاة - عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس قال: كان المهاجرون يوم بدر سبعين رجلا. وكان الأنصار مائتين وستة وثلاثين رجلا. وكان حامل راية النبي ﷺ على بن أبى طالب. وحامل راية الأنصار سعد بن عبادة. وهذا يقتضي أنهم كانوا ثلاثمائة وستة رجال. قال ابن جرير: وقيل كانوا ثلاثمائة وسبعة رجال. قلت: وقد يكون هذا عد معهم النبي ﷺ والأول عدهم بدونه فالله أعلم. وقد تقدم عن ابن إسحاق أن المهاجرين كانوا ثلاثة وثمانين رجلا. وأن الأوس أحد وستون رجلا. والخزرج مائة وسبعون رجلا وسردهم. وهذا مخالف لما ذكره البخاري ولما روى عن ابن عباس فالله أعلم. وفي الصحيح عن أنس أنه قيل له شهدت بدرا. فقال وأين أغيب؟ وفي سنن أبى داود عن سعيد بن منصور عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان طلحة بن نافع عن جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام أنه قال: كنت أميح (١) الاصحابى الماء يوم بدر وهذان لم يذكرهما البخاري ولا الضياء فالله أعلم.

стр. 1020

قلت: وفي الذين عدهم ابن إسحاق في أهل بدر من ضرب له بسهم في مغنمها وأنه لم يحضرها تخلف عنها لعذر أذن له في التخلف بسببها وكانوا ثمانية أو تسعة وهم، عثمان بن عفان تخلف على رقية بنت رسول الله ﷺ يمرضها حتى ماتت فضرب له بسهمه وأجره، وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل كان بالشام فضرب له بسهمه وأجره، وطلحة بن عبيد الله كان بالشام أيضا فضرب له بسهمه وأجره وأبو لبابة بشير بن عبد المنذر رده رسول الله ﷺ من الروحاء حين بلغه خروج النفير من مكة فاستعمله على المدينة وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن حاطب بن عبيد بن أمية رده رسول الله ﷺ أيضا من الطريق وضرب له بسهمه وأجره، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء فرجع فضرب له بسهمه زاد الواقدي: وأجره، وخوات بن جبير لم يحضر الوقعة وضرب له بسهمه وأجره، وأبو الصياح بن ثابت خرج مع رسول الله ﷺ فأصاب ساقه فصيل حجر فرجع وضرب له بسهمه وأجره قال الواقدي وسعد أبو مالك تجهز ليخرج فمات وقيل إنه مات بالروحاء فضرب له بسهمه وأجره. وكان الذين استشهدوا من المسلمين يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين ستة وهم، عبيدة بن الحارث ابن المطلب قطعت رجله فمات بالصفراء ﵀، وعمير بن أبى وقاص أخو سعد بن أبى وقاص الزهري قتله العاص بن سعيد وهو ابن ست عشرة سنة ويقال إنه كان قد أمره رسول الله ﷺ بالرجوع لصغره فبكى فأذن له في الذهاب فقتل ﵁، وحليفهم ذو الشمالين بن عبد عمرو الخزاعي، وصفوان بن بيضاء، وعاقل بن البكير الليثي حليف بنى عدي، ومهجع مولى عمر بن الخطاب وكان أول قتيل قتل من المسلمين يومئذ، ومن الأنصار ثمانية وهم، حارثة بن سراقة رماه حبان بن العرقة بسهم فأصاب حنجرته فمات، ومعوذ وعوف ابنا عفراء، ويزيد بن الحارث - ويقال ابن قسحم - وعمير بن الحمام، ورافع بن المعلى بن لوذان، وسعد بن خيثمة، ومبشر بن عبد المنذر رضى الله عن جميعهم، وكان مع المسلمين سبعون بعيرا كما تقدم. قال ابن إسحاق: وكان معهم فرسان على أحدهما المقداد بن الأسود واسمها بغرجة - ويقال ستجة - وعلى الأخرى الزبير بن العوام واسمها اليعسوب. وكان معهم لواء يحمله مصعب بن عمير، ورايتان يحمل إحداهما للمهاجرين على بن أبى طالب، والتي للأنصار يحملها سعد بن عبادة، وكان رأس مشورة المهاجرين أبو بكر الصديق، ورأس مشورة الأنصار سعد بن معاذ. وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم إنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الالف وقد نص عروة وقتادة أنهم كانوا تسعمائة وخمسين رجلا. وقال الواقدي كانوا تسعمائة وثلاثين رجلا وهذا التحديد يحتاج إلى دليل وقد تقدم في بعض الأحاديث أنهم كانوا أزيد من ألف فلعله عدد أتباعهم معهم والله أعلم. وقد تقدم الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنه قتل منهم سبعون وأسر

стр. 1021

سبعون وهذا قول الجمهور، ولهذا قال كعب بن مالك في قصيدة له: فأقام بالعطن المعطن منهم … سبعون عتبة منهم والأسود وقد حكى الواقدي الإجماع على ذلك وفيما قاله نظر، فان موسى بن عقبة وعروة بن الزبير قالا خلاف ذلك وهما من أئمة هذا الشان فلا يمكن حكاية الاتفاق بدون قولهما وإن كان قولهما مرجوحا بالنسبة إلى الحديث الصحيح والله أعلم. وقد سرد أسماء القتلى والأسارى ابن إسحاق وغيره وحرر ذلك الحافظ الضياء في أحكامه جيدا وقد تقدم في غضون سياقات القصة ذكر أول من قتل منهم وهو الأسود بن عبد الأسد المخزومي، وأول من فر وهو خالد بن الأعلم الخزاعي - أو العقيلي - حليف بنى مخزوم وما أفاده ذلك فإنه أسر وهو القائل في شعره: ولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا … ولكن على أقدامنا يقطر الدم فما صدق في ذلك، وأول من أسروا عقبة بن أبى معيط والنضر بن الحارث قتلا صبرا بين يدي رسول الله ﷺ من بين الأسارى، وقد اختلف في أيهما قتل أولا على قولين وأنه ﵇ أطلق جماعة من الأسارى مجانا بلا فداء منهم أبو العاص بن الربيع الأموي، والمطلب بن حنطب ابن الحارث المخزومي، وصيفي بن أبى رفاعة كما تقدم، وأبو عزة الشاعر، ووهب بن عمير بن وهب الجمحيّ كما تقدم، وفادى بقيتهم حتى عمه العباس أخذ منه أكثر مما أخذ من سائر الأسرى لئلا يحابيه لكونه عمه مع أنه قد سأله الذين أسروه من الأنصار أن يتركوا له فداءه فأبى عليهم ذلك، وقال لا تتركوا منه درهما، وقد كان فداؤهم متفاوتا فأقل ما أخذ أربعمائة، ومنهم من أخذ منه أربعون أوقية من ذهب. قال موسى بن عقبة وأخذ من العباس مائة أوقية من ذهب، ومنهم من استؤجر على عمل بمقدار فدائه كما قال الامام احمد حدثنا على بن عاصم قال قال داود ثنا عكرمة عن ابن عباس قال: كان ناس من الأسرى يوم بدر لم يكن لهم فداء فجعل رسول الله ﷺ فداءهم أن يعلموا أولاد الأنصار الكتابة، قال فجاء غلام يوما يبكى إلى أمه فقالت ما شأنك؟ فقال ضربني معلمي فقالت الخبيث يطلب بدخل بدر والله لا تأتيه أبدا. انفرد به احمد وهو على شرط السنن وتقدم بسط ذلك كله والله الحمد والمنة. فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين قال البخاري في هذا الباب حدثنا عبد الله بن محمد ثنا معاوية بن عمرو ثنا أبو إسحاق عن حميد سمعت أنسا يقول: أصيب حارثة يوم بدر فجاءت أمه إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله قد عرفت منزلة حارثة منى فان يك في الجنة أصبر وأحتسب، وإن تكن الأخرى فترى ما أصنع فقال «ويحك أوهبلت أو جنة واحدة هي؟ إنها جنان كثيرة وإنه في جنة الفردوس» تفرد به

стр. 1022

البخاري من هذا الوجه. وقد روى من غير هذا الوجه من حديث ثابت وقتادة عن أنس وأن حارثة كان في النظارة وفيه «أن ابنك أصاب الفردوس الأعلى» وفي هذا تنبيه عظيم على فضل أهل بدر فان هذا الّذي لم يكن في بحيحة القتال ولا في حومة الوغى بل كان من النظارة من بعيد وانما أصابه سهم غرب وهو يشرب من الحوض ومع هذا أصاب بهذا الموقف الفردوس التي هي أعلى الجنان وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة التي أمر الشارع أمته إذا سألوا الله الجنة أن يسألوه إياها فإذا كان هذا حال هذا فما ظنك بمن كان واقفا في نحر العدو وعدوهم على ثلاثة أضعافهم عددا وعددا ثم روى البخاري ومسلم جميعا عن إسحاق بن راهويه عن عبد الله بن إدريس عن حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن أبى عبد الرحمن السلمي عن على بن أبى طالب قصة حاطب بن أبى بلتعة وبعثه الكتاب إلى أهل مكة عام الفتح، وأن عمر استأذن رسول الله ﷺ في ضرب عنقه فإنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين. فقال رسول الله ﷺ «قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة - أو قد غفرت لكم -» فدمعت عينا عمر وقال الله ورسوله أعلم. وروى مسلم عن قتيبة عن الليث عن أبى الزبير عن جابر أن عبدا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبا قال يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ «كذبت لا يدخلها إنه شهد بدرا والحديبيّة» وقال الامام احمد حدثنا سليمان بن داود حدثنا أبو بكر بن عياش حدثني الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال قال رسول الله ﷺ «لن يدخل النار رجل شهد بدرا أو الحديبيّة» تفرد به احمد وهو على شرط مسلم. وقال الامام احمد حدثنا يزيد أنبأنا حماد بن سلمة عن عاصم بن أبى النجود عن أبى صالح عن أبى هريرة عن النبي ﷺ «قال إن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». ورواه أبو داود عن احمد بن سنان وموسى بن إسماعيل كلاهما عن يزيد بن هارون به. وروى البزار في مسندة ثنا محمد بن مرزوق ثنا أبو حذيفة ثنا عكرمة عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ «إني لأرجو أن لا يدخل النار من شهد بدرا إن شاء الله» ثم قال لا نعلمه يروى عن أبى هريرة إلا من هذا الوجه. قلت: وقد تفرد البزار بهذا الحديث ولم يخرجوه وهو على شرط الصحيح والله أعلم. وقال البخاري في باب شهود الملائكة بدرا حدثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا جرير عن يحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقيّ عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر - قال جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال وكذلك من شهد بدرا من الملائكة انفرد به البخاري.

стр. 1023

فصل في قدوم زينب بنت رسول الله ﷺ مهاجرة من مكة إلى المدينة بعد وقعة بدر بشهر بمقتضى ما كان شرط زوجها أبو العاص للنّبيّ ﷺ كما تقدم قال ابن إسحاق: ولما رجع أبو العاص إلى مكة وقد خلى سبيله - يعنى كما تقدم - بعث رسول ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار مكانه فقال كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحباها فتأتيانى بها، فخرجا مكانهما وذلك بعد بدر بشهر - أو شيعه (١) - فلما قدم أبو العاص مكة أمرها باللحوق بأبيها فخرجت تجهز: قال ابن إسحاق فحدثني عبد الله بن أبى بكر قال حدثت عن زينب أنها قالت بينا أنا أتجهز لقيتني هند بنت عتبة فقالت يا ابنة محمد ألم يبلغني أنك تريدين اللحوق بأبيك قالت فقلت ما أردت ذلك، فقالت أي ابنة عم لا تفعلي إن كان لك حاجة بمتاع مما يرفق بك في سفرك أو بمال تتبلغين به إلى أبيك فان عندي حاجتك فلا تضطني منى فإنه لا يدخل بين النساء ما بين الرجال، قالت والله ما أراها قالت ذلك إلا لتفعل، قالت ولكنى خفتها فأنكرت أن أكون أريد ذلك. قال ابن إسحاق فتجهزت فلما فرغت من جهازها قدّم اليها أخو زوجها كنانة بن الربيع بعيرا فركبته وأخذ قوسه وكنانته ثم خرج بها نهارا يقود بها وهي في هودج لها وتحدث بذلك رجال من قريش فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى وكان أول من سبق اليها هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى الفهري فروعها هبار بالرمح وهي في الهودج وكانت حاملا فيما يزعمون فطرحت وبرك حموها كنانة ونثر كنانته ثم قال والله لا يدنو منى رجل إلا وضعت فيه سهما فتكركر الناس عنه وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال يا أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك، فكف فاقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال إنك لم تصب خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذ خرجت بابنته اليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا إن ذلك عن ذلك أصابنا وإن ذلك ضعف منا ووهن ولعمري ما لنا بحبسها من أبيها من حاجة وما لنا من ثورة. ولكن ارجع بالمرأة حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث الناس أن قد رددناها فسلها سرا وألحقها بأبيها، قال ففعل. وقد ذكر ابن إسحاق أن أولئك النفر الذين ردوا زينب لما رجعوا إلى مكة قالت هند تذمهم على ذلك: أفي السلم أعيار جفاء وغلظة … وفي الحرب أشباه النساء العوارك وقد قيل إنها قالت ذلك للذين رجعوا من بدر بعد ما قتل منهم الذين قتلوا. قال ابن إسحاق: فأقامت ليال حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه فقدما بها ليلا على رسول الله ﷺ . وقد روى البيهقي في الدلائل من طريق عمر بن عبد الله بن عروة

стр. 1024

ابن الزبير عن عروة عن عائشة فذكر قصة خروجها وردهم لها ووضعها ما في بطنها وإن رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة وأعطاه خاتمه لتجيء معه فتلطف زيد فأعطاه راعيا من مكة فاعطى الخاتم لزينب فلما رأته عرفته فقالت من دفع إليك هذا؟ قال رجل في ظاهر مكة فخرجت زينب ليلا فركبت وراءه حتى قدم بها المدينة. قال فكان رسول الله ﷺ يقول «هي أفضل بناتي أصيبت فىّ» قال فبلغ ذلك على بن الحسين بن زين العابدين فأتى عروة فقال ما حديث بلغني أنك تحدثته؟ فقال عروة والله ما أحب أن لي ما بين المشرق والمغرب وانى انتقص فاطمة حقا هو لها وأما بعد ذلك أن لا أحدث به أبدا. قال ابن إسحاق فقال في ذلك عبد الله بن رواحة أو أبو خيثمة أخو بنى سالم ابن عوف. قال ابن هشام هي لأبي خيثمة: أنانى الّذي لا يقدر الناس قدره … لزينب فيهم من عقوق ومأثم وإخراجها لم يخز فيها محمد … على مأقط وبيننا عطر منشم وأمسى أبو سفيان من حلف ضمضم … ومن حربنا في رغم أنف ومندم قرنا ابنه عمرا ومولى يمينه … بذي حلق جلد الصلاصل محكم فأقسمت لا تنفك منا كتائب … سراة خميس من لهام مسوم نروع قريش الكفر حتى نعلّها … بخاطمة فوق الأنوف بميسم ننزلهم أكناف نجد ونخلة … وإن يتهموا بالخيل والرجل نتهم يدي الدهر حتى لا يعوّج سربنا … ونلحقهم آثار عاد وجرهم ويندم قوم لم يطيعوا محمدا … على أمرهم وأيّ حين تندم فأبلغ أبا سفيان إما لقيته … لئن أنت لم تخلص سجودا وتسلم فأبشر بخزي في الحياة معجّل … وسر بال قار خالدا في جهنم قال ابن إسحاق: ومولى يمين أبى سفيان الّذي عناه الشاعر هو عامر بن الحضرميّ. وقال ابن هشام إنما هو عقبة بن عبد الحارث بن الحضرميّ فاما عامر بن الحضرميّ فإنه قتل يوم بدر. قال ابن إسحاق وقد حدثني يزيد بن أبى حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن سليمان بن يسار عن أبى إسحاق الدوسيّ عن أبى هريرة. قال: بعث النبي ﷺ سرية أنا فيها فقال «إن ظفرتم بهبار بن الأسود والرجل الّذي سبق معه إلى زينب فحرقوهما بالنار» فلما كان الغد بعث إلينا فقال «إني قد كنت أمرتكم بتحريق هذين الرجلين إن أخذتموها، ثم رأيت أنه لا ينبغي لأحد أن يحرق بالنار إلا الله ، فان ظفرتم بهما فاقتلوهما» تفرد به ابن إسحاق وهو على شرط السنن (١) ولم يخرجوه

стр. 1025

وقال البخاري حدثنا قتيبة ثنا الليث عن بكير عن سليمان بن يسار عن أبى هريرة أنه قال بعثنا رسول لله ﷺ في بعث فقال «إن وجدتم فلانا وفلانا فاحرقوهما بالنار» ثم قال حين أردنا الخروج «إني أمرتكم أن تحرقوا فلانا وفلانا وأن النار لا يعذب بها إلا الله، فان وجدتموها فاقتلوهما» وقد ذكر ابن إسحاق أن أبا العاص أقام بمكة على كفره واستمرت زينب عند أبيها بالمدينة حتى إذا كان قبيل الفتح خرج أبو العاص في تجارة لقريش، فلما قفل من الشام لقيته سرية فأخذوا ما معه وأعجزهم هربا وجاء تحت الليل إلى زوجته زينب فاستجار بها فأجارته، فلما خرج رسول الله ﷺ لصلاة الصبح وكبر وكبر الناس صرخت من صفة النساء أيها الناس إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع فلما سلّم رسول الله ﷺ أقبل على الناس فقال «أيها الناس هل سمعتم الّذي سمعت» قالوا نعم! قال «أما والّذي نفس محمد بيده ما علمت بشيء حتى سمعت ما سمعتم وإنه بجير على المسلمين أدناهم» ثم انصرف رسول الله ﷺ فدخل على ابنته زينب فقال «أي بنية أكرمى مثواه ولا يخلصن إليك فإنك لا تحلين له» قال وبعث رسول الله ﷺ فحثهم على رد ما كان معه فردوه بأسره لا يفقد منه شيئا فأخذه أبو العاص فرجع به إلى مكة فاعطى كل إنسان ما كان له ثم قال: يا معشر قريش هل بقي لأحد منكم عندي مال لم يأخذه؟ قالوا لا فجزاك الله خيرا فقد وجدناك وفيا كريما، قال فانى أشهد إنما لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، والله ما منعني عن الإسلام عنده ألا تخوف أن تظنوا أنى إنما أدرت أن آكل أموالكم فلما أداها الله إليكم وفرغت منها أسلمت. ثم خرج حتى قدم على رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال رد عليه رسول الله ﷺ زينب على النكاح الأول ولم يحدث شيئا، وهذا الحديث قد رواه الامام احمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن إسحاق، وقال الترمذي ليس باسناده بأس ولكن لا نعرف وجه هذا الحديث ولعله قد جاء من قبل حفظ داود بن الحصين. وقال السهيليّ لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت وفي لفظ ردها عليه رسول الله ﷺ بعد ست سنين، وفي رواية بعد سنتين بالنكاح الأول رواه ابن جرير وفي رواية لم يحدث نكاحا وهذا الحديث قد أشكل على كثير من العلماء فان القاعدة عندهم أن المرأة إذا أسلمت وزوجها كافر فان كان قبل الدخول تعجلت الفرقة وإن كان بعده انتظر إلى انقضاء العدة فان أسلم فيها استمر على نكاحها وإن انقضت ولم يسلم انفسخ نكاحها وزينب ﵂ أسلمت حين بعث رسول الله ﷺ وهاجرت بعد بدر بشهر وحرم المسلمات على المشركين عام الحديبيّة سنة ست، وأسلم أبو العاص قبل الفتح سنة ثمان فمن قال ردها عليه بعد ست سنين أي من حين هجرتها فهو صحيح ومن قال بعد سنتين أي من حين حرمت المسلمات على المشركين فهو صحيح أيضا، وعلى كل تقدير فالظاهر انقضاء عدتها في

стр. 1026

هذه المدة التي أقلها سنتان من حين التحريم أو قريب منها فكيف ردها عليه بالنكاح الأول؟ فقال قائلون يحتمل أن عدتها لم تنقض وهذه قصة يمين يتطرق اليها الاحتمال، وعارض آخرون هذا الحديث بالحديث الأول الّذي رواه احمد والترمذي وابن ماجة من حديث الحجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد بنته على أبى العاص بن الربيع بمهر جديد ونكاح جديد. قال الامام احمد هذا حديث ضعيف واه ولم يسمعه الحجاج من عمرو بن شعيب إنما سمعه من محمد بن عبيد الله العرزميّ والعرزميّ لا يساوى حديثه شيئا والحديث الصحيح الّذي روى أن النبي ﷺ أقرها على النكاح الأول. وهكذا قال الدارقطنيّ لا يثبت هذا الحديث والصواب حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ ردها بالنكاح الأول وقال الترمذي هذا الحديث في اسناده مقال والعمل عليه عند أهل العلم أن المرأة إذا أسلمت قبل زوجها ثم أسلم زوجها أنه أحق بها ما كانت في العدة وهو قول مالك والأوزاعي والشافعيّ واحمد وإسحاق. وقال آخرون بل الظاهر انقضاء عدتها، ومن روى أنه جدد لها نكاحا فضعيف ففي قضية زينب والحالة هذه دليل على أن المرأة إذا أسلمت وتأخر إسلام زوجها حتى انقضت عدتها فنكاحها لا ينفسخ بمجرد ذلك بل يبقى بالخيار إن شاءت تزوجت غيره وإن شاءت تربصت وانتظرت إسلام زوجها أي وقت كان وهي امرأته ما لم تتزوج وهذا القول فيه قوة وله حظ من جهة الفقه والله أعلم. ويستشهد لذلك بما ذكره البخاري حيث قال نكاح من أسلم من المشركات وعدتهن حدثنا إبراهيم بن موسى ثنا هشام عن ابن جريح عن عطاء عن ابن عباس كان المشركون على منزلتين من رسول الله ﷺ والمؤمنين، كانوا مشركي أهل الحرب يقاتلونهم ويقاتلونه، ومشركي أهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه، فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر فإذا طهرت حل لها النكاح، فان هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت إليه وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران ولهما ما للمهاجرين ثم ذكر من أهل العهد مثل حديث مجاهد هذا لفظه بحروفه، فقوله فكان إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض وتطهر يقتضي أنها كانت تستبرئ بحيضة لا تعتد بثلاثة قروء، وقد ذهب قوم إلى هذا وقوله فان هاجر زوجها قبل أن تنكح ردت اليه يقتضي أنه وإن هاجر بعد انقضاء مدة الاستبراء والعدة أنها ترد إلى زوجها الأول ما لم تنكح زوجا غيره كما هو الظاهر من قصة زينب بنت النبي ﷺ وكما ذهب اليه من ذهب من العلماء والله أعلم. فصل فيما قيل من الاشعار في غزوة بدر العظمى فمن ذلك ما ذكره ابن إسحاق عن حمزة بن عبد المطلب وأنكرها ابن هشام: ألم تر أمرا كان من عجب الدهر … وللحين أسباب مبينة الأمر

стр. 1027

وما ذاك الا أن قوما أفادهم … فخافوا تواص بالعقوق وبالكفر عشية راحوا نحو بدر بجمعهم … وكانوا رهونا للركية من بدر وكنا طلبنا العير لم نبغ غيرها … فساروا إلينا فالتقينا على قدر فلما التقينا لم تكن مثنوية … لنا غير طعن بالمثقفة السمر وضرب ببيض يختلى الهام حدها … مشهرة الألوان بينّة الأثر ونحن تركنا عتبة الغي ثاويا … وشيبة في قتلى تجرجم في الجفر وعمرو ثوى فيمن ثوى من حماتهم … فشقت جيوب النائحات على عمرو جيوب نساء من لؤيّ بن غالب … كرام تفرعن الذوائب من فهر أولئك قوم قتّلوا في ضلالهم … وخلوا لواء غير محتضر النصر لواء ضلال قاد إبليس أهله … فخاس بهم إن الخبيث إلى غدر وقال لهم إذ عاين الأمر واضحا … برئت إليكم ما بيّ اليوم من صبر فانى أرى ما لا ترون وإنني … أخاف عقاب الله والله ذو قسر فقدّمهم للحين حتى تورطوا … وكان بما لم يخبر القوم ذا خبر فكانوا غداة البئر الفا وجمعنا … ثلاث مئين كالمسدمة الزهر وفينا جنود الله حين يمدنا … بهم في مقام ثمّ مستوضح الذكر فشد بهم جبريل تحت لوائنا … لدا مأزق فيه مناياهم تجرى وقد ذكر ابن إسحاق جوابها من الحارث بن هشام تركناها عمدا. وقال على بن أبى طالب وأنكرها ابن هشام: ألم تر أن الله أبلى رسوله … بلاء عزيز ذي اقتدار وذي فضل بما أنزل الكفار دار مذلة … فلاقوا هوانا من أسار ومن قتل فأمسى رسول الله قد عز نصره … وكان رسول الله أرسل بالعدل فجاء بفرقان من الله منزل … مبينة آياته لذوي العقل فآمن أقوام بذلك وأيقنوا … فامسوا بحمد الله مجتمعي الشمل وأنكر أقوام فزاغت قلوبهم … فزادهم ذو العرش خبلا على خبل وأمكن منهم يوم بدر رسوله … وقوما غضابا فعلهم أحسن الفعل بأيديهم بيض خفاف عصوا بها … وقد حادثوها بالجلاء وبالصقل فكم تركوا من ناشئ ذو حمية … صريعا ومن ذي نجدة منهم كهل

стр. 1028

تبيت عيون النائحات عليهم … تجود باسبال الرشاش وبالوبل. نوائح تنعى عتبة الغيّ وابنه … وشيبة تنعاه وتنعى أبا جهل وذا الرجل تنعى وابن جدعان فيهم … مسلبة حرى مبيّنة الثكل ثوى منهم في بئر بدر عصابة … ذوو نجدات في الحروب وفي المحل دعا الغي منهم من دعا فأجابه … وللغي أسباب مرمقة الوصل فاضحوا لدى دار الجحيم بمعزل … عن الشغب والعدوان في أسفل السفل (١) وقد ذكر ابن إسحاق نقيضها من الحارث أيضا تركناها قصدا وقال كعب بن مالك: عجبت لأمر. الله والله قادر … على ما أراد ليس لله قاهر قضى يوم بدر أن نلاقى معشرا … بغوا وسبيل البغي بالناس جائر وقد حشدوا واستنفروا من يليهم … من الناس حتى جمعهم متكاثر وسارت إلينا لا تحاول غيرنا … بأجمعها كعب جميعا وعامر وفينا رسول الله والأوس حوله … له معقل منهم عزيز وناصر وجمع بنى النجار تحت لوائه … يمشون في الماذي والنقع ثائر فلما لقيناهم وكل مجاهد … لأصحابه مستبسل النفس صابر شهدنا بأنّ الله لا رب غيره … وأنّ رسول الله بالحق ظاهر وقد عريت بيض خفاف كأنها … مقاييس يزهيها لعينيك شاهر بهنّ أبدنا جمعهم فتبددوا … وكان يلاقى الحين من هو فاجر فكب أبو جهل صريعا لوجهه … وعتبة قد غادرته وهو عاثر وشيبة والتيمي غادرت في الوغى … وما منهم إلا بذي العرش كافر فامسوا وقود النار في مستقرها … وكل كفور في جهنم صائر تلظى عليهم وهي قد شب حميها … بزبر الحديد والحجارة ساجر وكان رسول الله قد قال أقبلوا … فولوا وقالوا إنما أنت ساحر لأمر أراد الله أن يهلكوا به … وليس لأمر حمّه الله زاجر وقال كعب في يوم بدر: ألا هل أتى غسان في نأى دارها … وأخبر شيء بالأمور عليمها بان قد رمتنا عن قسى عداوة … معدّ معا جهالها وحليمها

стр. 1029

لأنا عبدنا الله لم نرج غيره … رجاء الجنان إذ أتانا زعيمها نبي له في قومه إرث عزة … وأعراق صدق هذبتها أرومها فساروا وسرنا فالتقينا كأننا … أسود لقاء لا يرجى كليمها ضربناهم حتى هوى في مكرّنا … لمنخر سوء من لؤيّ عظيمها فولوا ودسناهم ببيض صوارم … سواء علينا حلفها وصميمها وقال كعب أيضا: لعمر أبيكما يا ابني لؤيّ … على زهو لديكم وانتخاء لما حامت فوارسكم ببدر … ولا صبروا به عند اللقاء وردناه ونور الله يجلو … دجى الظلماء عنّا والغطاء رسول الله يقدمنا بأمر … من أمر الله أحكم بالقضاء فما ظفرت فوارسكم ببدر … وما رجعوا إليكم بالسواء فلا تعجل أبا سفيان وارقب … جياد الخيل تطلع من كداء بنصر الله روح القدس فيها … وميكال فيا طيب الملاء وقال حسان بن ثابت قال ابن هشام ويقال هي لعبد الله بن الحارث السهمي: مستشعرى حلق الماذي يقدمهم … جلد النحيزة ماض غير رعديد أعنى رسول إله الخلق فضله … على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بان تحموا ذماركم … وماء بدر زعمتم غير مورود (١) مستعصمين بحبل غير منجذم … مستحكم من حبال الله ممدود فينا الرسول وفينا الحق نتبعه … حتى الممات ونصر غير محدود واف وماض شهاب يستضاء به … بدر أنار على كل الأماجيد وقال حسان بن ثابت أيضا: ألا ليت شعرى هل أتى أهل مكة … إبادتنا الكفّار في ساعة العسر قتلنا سراة القوم عند مجالنا … فلم يرجعوا إلا بقاصمة الظهر قتلنا أبا جهل وعتبة قبله … وشيبة يكبو لليدين وللنحر قتلنا سويدا ثم عتبة بعده … وطعمة أيضا عند ثائرة القتر

стр. 1030

فكم قد قتلنا من كريم مسودا … له حسب في قومه نابه الذكر تركنا هموا للعاويات ينبنهم (١) … ويصلون نارا بعد حامية القعر لعمرك ما حامت فوارس مالك … وأشياعهم يوم التقينا على بدر وقال عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب في يوم بدر في قطع رجله في مبارزته هو وحمزة وعلى مع عتبة وشيبة والوليد بن عتبة وأنكرها ابن هشام: ستبلغ عنا أهل مكة وقعة … يهب لها من كان عن ذاك نائيا بعتبة إذ ولى وشيبة بعده … وما كان فيها بكر عتبة راضيا فان تقطعوا رجلي فإنّي مسلم … أرجى بها عيشا من الله دانيا مع الحور أمثال التماثيل أخلصت … من الجنة العليا لمن كان عاليا وبعث بها عيشا تعرفت صفوه … وعاجلته حتى فقدت الأدانيا فأكرمني الرحمن من فضل منّه … بثوب من الإسلام غطى المساويا وما كان مكروها إليّ قتالهم … غداة دعا الأكفاء من كان داعيا ولم يبغ إذ سألوا النبي سواءنا … ثلاثتنا حتى حضرنا المناديا لقيناهم كالأسد تخطر بالقنا … نقاتل في الرحمن من كان عاصيا فما برحت أقدامنا من مقامنا … ثلاثتنا حتى أزيروا المنائيا (٢) وقال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يذم الحارث بن هشام على فراره يوم بدر وتركه قومه لا يقاتل دونهم: تبلت فؤادك في المنام خريدة … تشفى الضجيع ببارد بسّام كالمسك تخلطه بماء سحابة … أو عاتق كدم الذبيح مدام نفج الحقيبة بوصها متنضد … بلهاء غير وشيكة الأقسام بنيت على قطن أجم كأنه … فضلا إذا قعدت مداك رخام وتكاد تكسل أن تجيء فراشها … في جسم خرعبة وحسن قوام أما النهار فلا أفتر أذكرها … والليل توزعني بها أحلامى أقسمت أنساها وأترك ذكرها … حتى تغيّب في الضريح عظامي بل من لعاذلة تلوم سفاهة … ولقد عصيت على الهوى لوامى

стр. 1031

بكرت إليّ بسحرة بعد الكرى … وتقارب من حادث الأيام زعمت بأن المرء معديكرب عمره … عدم لمعتكر من الاصرام إن كنت كاذبة الّذي حدثتني … فنجوت منجى الحارث بن هشام ترك الأحبة أن يقاتل دونهم … ونجا برأس طمرّة ولجام يذر العناجيج الجياد بقفرة … مر الذمول بمحصد ورجام ملأت به الفرجين فارمدّت به … وثوى أحبته بشر مقام وبنو أبيه ورهطه في معرك … نصر الآله به ذوى الإسلام طحنتهم والله ينفذ أمره … حرب يشب سعيرها بضرام لولا الآله وجريها لتركنه … جزر السباع ودسنه بحوام من بين مأسور يشد وثاقه … صقر إذا لاقى الأسنة حام ومجدل لا يستجب الدعوة … حتى تزول شوامخ الأعلام بالعار والذل المبين إذا رأى … بيض السيوف تسوق كل همام بيدي أغر إذا انتمى لم يخزه … نسب القصار سميدع مقدام بيض إذا لاقت حديدا صمّمت … كالبرق تحت ظلال كل غمام قال ابن هشام تركنا في آخرها ثلاث أبيات أقذع فيها. قال ابن هشام فأجابه الحارث بن هشام أخو أبى جهل عمرو بن هشام فقال: القوم (١) أعلم ما تركت قتالهم … حتى رموا فرسي (٢) بأشقر مزبد وعرفت أنى إن أقاتل واحدا … أقتل ولا ينكى عدوى مشهدي فصددت عنهم والأحبة فيهم … طمعا لهم بعقاب يوم مفسد وقال حسان أيضا: يا حار قد عولت غير معول … عند الهياج وساعة الاحساب إذ تمتطى سرح اليدين نجيبة … مرطى الجراء طويلة الاقراب والقوم خلفك قد تركت قتالهم … ترجو النجاء وليس حين ذهاب ألا عطفت على ابن أمك إذ ثوى … قعص الاسنة ضائع الاسلاب عجل المليك له فأهلك جمعه … بشنار مخزية وسوء عذاب

стр. 1032

وقال حسان أيضا: لقد علمت قريش يوم بدر … غداة الأسر والقتل الشديد بأنّا حين تشتجر العوالي … حماة الحرب يوم أبى الوليد قتلنا ابني ربيعة يوم سارا … إلينا في مضاعفة الحديد وفر بها حكيم يوم جالت … بنو النجار تخطر كالأسود وولت عند ذاك جموع فهر … وأسلمها الحويرث من بعيد لتمد لاقيتموا ذلا وقتلا … جهيزا نافذا تحت الوريد وكل القوم قد ولوا جميعا … ولم يلووا على الحسب التليد وقالت هند بنت أثاثة بن عباد بن المطلب ترثى عبيدة بن الحارث بن المطلب: لقد ضمّن الصفراء مجدا وسؤددا … وحلما أصيلا وافر اللب والعقل عبيدة فابكيه لأضياف غربة … وأرملة تهوى لاشعث كالجذل وبكيه للأقوام في كل شتوة … إذا احمر آفاق السماء من المحل وبكيه للأيتام والريح زفزف … وتشبيب قدر طالما أزبدت تغلي فان تصبح النيران قد مات ضوؤها … فقد كان يذكيهن بالحطب الجزل لطارق ليل أو لملتمس القرى … ومستنبح أضحى لديه على رسل وقال الأموي في مغازيه حدثني سعيد بن قطن قال قالت عاتكة بنت عبد المطلب في رؤياها التي رأت وتذكر بدرا: ألمّا تكن رؤياي حقا ويأتكم … بتأويلها فلّ من القوم هارب رأى فأتاكم باليقين الّذي رأى … بعينيه ما تفري السيوف القواضب فقلتم ولم أكذب عليكم وإنما … يكذبني بالصدق من هو كاذب وما جاء إلا رهبة الموت هاربا … حكيم وقد أعيت عليه المذاهب أقامت سيوف الهند دون رءوسكم … وخطية فيها الشبا والتغالب كأنّ حريق النار لمع ظباتها … إذا ما تعاطتها الليوث المشاغب ألا بأبي يوم اللقاء محمدا … إذا عض من عون الحروب الغوارب مري بالسيوف المرهفات نفوسكم … كفاحا كما تمرى السحاب الجنائب فكم بردت أسيافه من مليكة … وزعزع ورد بعد ذلك صالب فما بال قتلى في القليب ومثلهم … لدى ابن أخى أسرى له ما يضارب

стр. 1033

فكانوا نساء أم أتى لنفوسهم … من الله حين ساق والحين حالب فكيف رأى عند اللقاء محمدا … بنو عمه والحرب فيها التجارب ألم يغشكم ضربا يحار لوقعه … الجبان وتبدو بالنهار الكواكب حلفت لئن عادوا لنصطلينهم … بحارا تردى تجربتها المقانب كأنّ ضياء الشمس لمع ظباتها … لها من شعاع النور قرن وحاجب وقالت عاتكة أيضا فيما نقله الأموي: هلاّ صبرتم للنّبيّ محمد … ببدر ومن يغشى الوغى حق صابر ولم ترجعوا عن مرهفات كأنها … حريق بأيدي المؤمنين بواتر ولم تصبروا للبيض حتى أخذتموا … قليلا بأيدي المؤمنين المشاعر ووليتموا نفرا وما البطل الّذي … يقاتل من وقع السلاح بنافر أتاكم بما جاء النبيون قبله … وما ابن أخى البر الصدوق بشاعر سيكفى الّذي ضيعتموا من نبيكم … وينصره الحيان عمرو وعامر وقال طالب بن أبى طالب يمدح رسول الله ﷺ ويرثى أصحاب القليب من قريش الذين قتلوا يومئذ من قومه وهو بعد على دين قومه إذ ذاك: ألا إن عيني أنفذت دمعها سكبا … تبكّى على كعب وما إن ترى كعبا ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا … وأرداهموا ذا الدهر واجترحوا ذنبا وعامر تبكى للملمات غدوة … فيا ليت شعرى هل أرى لهم قربا (١) فيا أخوينا عبد شمس ونوفل … فدى لكما لا تبعثوا بيننا حربا ولا تصبحوا من بعدود وألفة … أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا ألم تعلموا ما كان في حرب داحس … وحرب أبى يكسوم إذ ملئوا الشعبا (٢) فلولا دفاع الله لا شيء غيره … لأصبحتموا لا تمنعون لكم سربا فما إن جنينا في قريش عظيمة … سوى أن حمينا خير من وطئ التربا أخا ثقة في النائبات مرزءا … كريما ثناه لا بخيلا ولا ذربا يطيف به العافون يغشون بابه … يؤمون نهرا لا نزورا ولا صربا

стр. 1034

فو الله لا تنفك نفسي حزينة … تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا فصل وقد ذكر ابن إسحاق اشعارا من جهة المشركين قوية الصنعة يرثون بها قتلاهم يوم بدر فمن ذلك قول ضرار بن الخطاب بن مرداس أخى بنى محارب بن فهر وقد أسلم بعد ذلك، والسهيليّ في روضه يتكلم على أشعار من أسلم منهم بعد ذلك: عجبت لفخر الأوس والحين دائر … عليهم غدا والدهر فيه بصائر وفخر بنى النجار إن كان معشر … أصيبوا ببدر كلهم ثمّ صائر فان تك قتلى غودرت من رجالنا … فانّا رجالا بعدهم سنغادر وتردى بنا الجرد العناجيج وسطكم … بنى الأوس حتى يشفى النفس ثائر ووسط بنى النجار سوف نكرها … لها بالقنا والدار عين زوافر فنترك صرعى تعصب الطير حولهم … وليس لهم إلا الأماني ناصر وتبكيهم من أرض يثرب نسوة … لهنّ بها ليل عن النوم ساهر وذلك أنا لا تزال سيوفنا … بهنّ دم ممن يحار بن مائر فان تظفروا في يوم بدر فإنما … بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر وبالنفر الأخيار هم أولياؤه … يحامون في اللأواء والموت حاضر يعد أبو بكر وحمزة فيهم … ويدعى عليّ وسط من أنت ذاكر أولئك لا من نتّجت من ديارها … بنو الأوس والنجار حين تفاخر ولكن أبوهم من لؤيّ بن غالب … إذا عدت الأنساب كعب وعامر هم الطاعنون الخيل في كل معرك … غداة الهياج الأطيبون الأكابر فأجابه كعب بن مالك بقصيدته التي أسلفناها وهي قوله: عجبت لأمر الله والله قادر … على ما أراد ليس لله قاهر قال ابن إسحاق: وقال أبو بكر واسمه شداد بن الأسود بن شعوب. قلت: وقد ذكر البخاري أنه خلف على امرأة أبى بكر الصديق حين طلقها الصديق وذلك لما حرم الله المشركات على المسلمين واسمها أم بكر: تحيى بالسلامة أم بكر … وهل لي بعد قومي من سلام فماذا بالقليب قليب بدر … من القينات والشرب الكرام

стр. 1035

وماذا بالقليب قليب بدر … من الشيزى تكلل بالسنام وكم لك بالطوي طوى بدر … من الحومات والنعم المسام وكم لك بالطوي طوى بدر … من الغايات والدسع العظام وأصحاب الكريم أبى على … أخى الكأس الكريمة والندام وانك لو رأيت أبا عقيل … وأصحاب الثنية من نعام إذا لظللت من وجد عليهم … كأم السقب جائلة المرام يخبرنا الرسول لسوف نحيا … وكيف حياة أصداء وهام قلت وقد أورد البخاري بعضها في صحيحه ليعرف به حال قائلها. قال ابن إسحاق وقال أمية بن أبى الصلت يرثى من قتل من قريش يوم بدر: ألاّ بكيت على الكرام … بنى الكرام أولى الممادح كبكا الحمام على فروع … الأيك في الغصن الجوانح يبكين حرا مستكينات … يرحن مع الروائح أمثالهن الباكيات … المعولات من النوائح من يبكهم يبكى على … حزن ويصدق كل مادح ماذا ببدر والعقنقل … من مرازبة جحاجح فمدافع البرقين … فالحنان من طرف الاواشح شمط وشبان بها … ليل مغاوير وحاوح ألاّ ترون لما أرى … ولقد أبان لكل لامح أن قد تغير بطن مكة … فهى موحشة الأباطح من كل بطريق لبطريق … نقى الود واضح دعموص أبواب الملوك … وجائب للخرق فاتح ومن السراطمة الخلاجمة … الملاوثة المناجح القائلين الفاعلين … الآمرين بكل صالح المطعمين الشحم فو … ق الخبز شحما كالانافح نقل الجفان مع الجفان … إلى جفان كالمناضح ليست بأصفار لمن … يعفو ولا رح رحارح للضيف ثم الضيف … بعد الضيف والبسط السلاطح

стр. 1036

وهب المئين من المئين … إلى المئين من اللواقح سوق المؤبل للمؤبل … صادرات عن بلادح لكرامهم فوق الكرام … مزية وزن الرواجح كمثاقل الأرطال بالقسطاس … بالأيدي الموانح خذلتهموا فئة وهم … يحمون عورات الفضائح الضاربين التقدمية … بالمهندة الصفائح ولقد عناني صوتهم … من بين مستسق وصائح لله در بنى علي … أيّم منهم وناكح إن لم يغيروا غارة … شعواء تحجر كل نابح بالمقربات المبعدات … الطامحات مع الطوامح مردا على جرد إلى … أسد مكالبة كوالح ويلاق قرن قرنه … مشى المصافح للمصافح بزهاء ألف ثم ألف … بين ذي بدن ورامح قال ابن هشام: تركنا منها بيتين نال فيهما من أصحاب رسول الله ﷺ (١) قلت: هذا شعر المخذول المعكوس المنكوس الّذي حمله كثرة جهله وقلة عقله على أن مدح المشركين وذم المؤمنين واستوحش بمكة من أبى جهل بن هشام وأضرابه من الكفرة اللئام والجهلة الطغام ولم يستوحش بها من عبد الله ورسوله وحبيبه وخليله فخر البشر ومن وجهه أنور من القمر ذي العلم الا كمل والعقل الاشمل ومن صاحبه الصديق المبادر إلى التصديق والسابق إلى الخيرات وفعل المكرمات وبذل الألوف والمئات في طاعة رب الأرض والسموات، وكذلك بقية أصحابه الغر الكرام الذين هاجروا من دار الكفر والجهل إلى دار العلم والإسلام رضى الله عن جميعهم ما اختلط الضياء والظلام، وما تعاقبت الليالي والأيام. وقد تركنا أشعارا كثيرة أوردها ابن إسحاق ﵀ خوف الاطالة وخشية الملالة وفيما أوردنا كفاية والله الحمد والمنة. وقد قال الأموي في مغازية سمعت أبى حدثنا سليمان بن أرقم عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ عفا عن شعر الجاهلية. قال سليمان فذكر ذلك الزهري فقال: عفا عنه إلا قصيدتين، كلمة أمية التي ذكر فيها أهل بدر، وكلمة الأعشى التي يذكر فيها الاخوص. وهذا حديث غريب وسليمان بن أرقم هذا متروك والله أعلم.

стр. 1037

فصل في غزوة بنى سليم في سنة ثنتين من الهجرة النبويّة قال ابن إسحاق: وكان فراغ رسول الله ﷺ من بدر في عقب شهر رمضان - أو في شوال - ولما قدم المدينة لم يقم بها إلا سبع ليال حتى غزا بنفسه يريد بنى سليم، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ - أو ابن أم مكتوم الأعمى - قال ابن إسحاق: فبلغ ماء من مياههم يقال له الكدر فأقام عليه ثلاث ليال ثم رجع إلى المدينة ولم يلق كيدا فأقام بها بقية شوال وذا العقدة وأفدى في إقامته تلك جل الأسارى من قريش. فصل غزوة السويق في ذي الحجة منها وهي غزوة قرقرة الكدر قال السهيليّ: والقرقرة الأرض الملساء، والكدر طير في ألوانها كدرة. قال ابن إسحاق: وكان أبو سفيان كما حدثني محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان من أعلم الأنصار - حين رجع إلى مكة ورجع فل قريش من بدر نذر أن لا يمس رأسه ماء من جنابة حتى يغزو محمدا، فخرج في مائتي راكب من قريش لتبر يمينه فسلك النجدية حتى نزل بصدر قناة إلى جبل يقال له نيب من المدينة على بريد أو نحوه، ثم خرج من الليل حتى أتى بنى النضير تحت الليل فأتى حيي بن أخطب فضرب عليه بابه فأبى أن يفتح له وخافه فانصرف عنه إلى سلام بن مشكم وكان سيد بنى النضير في زمانه ذلك وصاحب كنزهم، فاستأذن عليه فأذن له فقراه وسقاه وبطن له من خبر الناس ثم خرج في عقب ليلته حتى أتى أصحابه فبعث رجالا من قريش فأتوا ناحية منها يقال لها العريض فحرقوا في أصوار من نخل بها ووجدوا رجلا من الأنصار وحليفا له في حرث لهما فقتلوهما وانصرفوا راجعين، فنذر بهم الناس فخرج رسول الله ﷺ في طلبهم. قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا لبابة بشير بن عبد المنذر، قال ابن إسحاق: فبلغ قرقرة الكدر ثم انصرف راجعا وقد فاته أبو سفيان وأصحابه ووجد أصحاب رسول الله ﷺ أزوادا كثيرة قد ألقاها المشركون يتخففون منها وعامتها سويق، فسميت غزوة السويق. قال المسلمون: يا رسول الله أنطمع أن تكون هذه لنا غزوة؟ قال نعم. قال ابن إسحاق وقال أبو سفيان فيما كان من أمره هذا ويمدح سلام بن مشكم اليهودي: وإني تخيرت المدينة واحدا … لحلف فلم أندم ولم أتلوم سقاني فروّاني كميتا مدامة … على عجل منى سلام بن مشكم ولما تولى الجيش قلت ولم أكن … لافرجه أبشر بعز ومغنم

стр. 1038

تأمل فإن القوم سر وإنهم … صريح لؤيّ لا شماطيط جرهم وما كان إلا بعض ليلة راكب … أتى ساعيا من غير خلة معدم فصل في دخول على بن أبى طالب ﵁ على زوجته فاطمة بنت رسول الله ﷺ وذلك في سنة ثنتين بعد وقعة بدر لما رواه البخاري ومسلم من طريق الزهري عن على بن الحسين عن أبيه الحسين بن على عن على بن أبى طالب قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطانى شارفا مما أفاء الله من الخمس يومئذ فلما أردت ابتنى فاطمة بنت النبي ﷺ وأعدت رجلا صوّاغا من بنى قينقاع أن يرتحل معى فنأتى بإذخر فأردت أن أبيعه من الصواغين فاستعين به في وليمة عرسي فبينا أنا أجمع لشارفيّ من الاقتاب والغرائر والحبال وشارفاى مناختان إلى جنب حجرة رجل من الأنصار حتى جمعت ما جمعت، فإذا أنا بشار في قد أجبت أسنمتهما وبقرت خواصرهما وأخذ من أكبادهما، فلم أملك عيني حين رأت المنظر فقلت من فعل هذا؟ قالوا فعله حمزة بن عبد المطلب وهو في هذا البيت وهو في شرب من الأنصار وعنده قينته وأصحابه، فقالت في غنائها: ألا يا حمز للشّرف النواء فوثب حمزة إلى السيف فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وأخذ من أكبادهما، قال على فانطلقت حتى أدخل على النبي ﷺ وعنده زيد بن حارثة فعرف النبي ﷺ الّذي لقيت فقال مالك؟ فقلت يا رسول الله ما رأيت كاليوم عدا حمزة على ناقتي فأجب أسنمتهما وبقر خواصرهما وها هو ذا في البيت معه شرب فدعا النبي ﷺ بردائه فارتداه ثم انطلق يمشى واتبعته أنا وزيد بن حارثة حتى جاء البيت الّذي فيه حمزة فاستأذن عليه فاذن له فطفق النبي ﷺ يلوم حمزة فيما فعل فإذا حمزة ثمل محمرة عيناه فنظر حمزة إلى النبي ﷺ ثم صعد النظر فنظر إلى ركبتيه ثم صعد النظر فنظر الى وجهه ثم قال حمزة: وهل أنتم الا عبيدا لأبي فعرف النبي ﷺ أنه ثمل فنكص رسول الله ﷺ على عقبيه القهقرى فخرج وخرجنا معه. هذا لفظ البخاري في كتاب المغازي وقد رواه في أماكن أخر من صحيحه بألفاظ كثيرة وفي هذا دليل على ما قدمناه من أن غنائم بدر قد خمست لا كما زعمه أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الأموال من أن الخمس انما نزل بعد قسمتها وقد خالفه في ذلك جماعة منهم البخاري وابن جرير وبينا غلطه في ذلك في التفسير وفيما تقدم والله أعلم. وكان هذا الصنع من حمزة وأصحابه ﵃ قبل أن تحرم الخمر بل قد قتل حمزة يوم أحد كما سيأتي وذلك

стр. 1039

قبل تحريم الخمر والله أعلم وقد يستدل بهذا الحديث من يرى أن عبادة السكران مسلوبة لا تأثير لها لا في طلاق ولا إقرار ولا غير ذلك كما ذهب اليه من ذهب من العلماء كما هو مقرر في كتاب الأحكام وقال الامام احمد حدثنا سفيان عن ابن أبى نجيح عن أبيه عن رجل سمع عليا يقول: أردت أن أخطب الى رسول الله ﷺ ابنته فقلت ما لي من شيء ثم ذكرت عائدته وصلته فخطبتها اليه فقال «هل لك من شيء؟» قلت لا قال «فأين درعك الخطمية التي أعطيتك يوم كذا وكذا؟ قال هي عندي قال فأعطنيها قال فأعطيتها إياه. هكذا رواه احمد في مسندة وفيه رجل مبهم وقد قال أبو داود حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقانيّ ثنا عبدة ثنا سعيد عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: لما تزوج على فاطمة ﵄ قال له رسول الله ﷺ أعطها شيئا قال ما عندي شيء. قال أين درعك الخطمية؟ ورواه النسائي عن هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان عن سعيد بن أبى عروبة عن أيوب السختياني به. وقال أبو داود حدثنا كثير بن عبيد الحمصي ثنا أبو حيوة عن شعيب بن أبى حمزة حدثني غيلان بن أنس من أهل حمص حدثني محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن رجل من أصحاب النبي ﷺ أن عليا لما تزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ أراد أن يدخل بها فمنعه رسول الله ﷺ حتى يعطيها شيئا فقال يا رسول الله ليس لي شيء فقال له النبي ﷺ «أعطها درعك» فأعطاها درعه ثم دخل بها. وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ثنا احمد بن عبد الجبار ثنا يونس بن بكير عن ابن إسحاق حدثني عبد الله بن أبى نجيح عن مجاهد عن على قال: خطبت فاطمة إلى رسول الله ﷺ فقالت مولاة لي هل علمت أن فاطمة قد خطبت إلى رسول الله ﷺ قلت لا، قالت فقد خطبت فما يمنعك أن تأتى رسول الله ﷺ فيزوجك، فقلت وعندي شيء أتزوج به؟ فقالت انك إن جئت رسول الله ﷺ زوجك، قال فو الله ما زالت ترجيني حتى دخلت على رسول الله ﷺ فلما أن قعدت بين يديه أفحمت فو الله ما استطعت أن أتكلم جلالة وهيبة فقال رسول الله ﷺ «ما جاء بك ألك حاجة؟» فسكت فقال لعلك جئت تخطب فاطمة، فقلت نعم! فقال «وهل عندك من شيء تستحلها به» فقلت لا والله يا رسول الله فقال «ما فعلت درع سلحتكها» فو الّذي نفس على بيده أنها لخطمية ما قيمتها أربعة دراهم فقلت عندي. فقال قد زوجتكها فابعث إليها بها فاستحلها بها، فان كانت لصداق فاطمة بنت رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: فولدت فاطمة لعلى حسنا وحسينا ومحسنا - مات صغيرا - وأم كلثوم وزينب ثم روى البيهقي من طريق عطاء بن السائب عن أبيه عن على قال جهز رسول الله ﷺ فاطمة في خميل وقربة ووسادة أدم حشوها اذخر. ونقل البيهقي عن كتاب المعرفة لأبي عبد الله بن مندة أن عليا تزوج فاطمة بعد سنة من الهجرة وابتنى بها بعد ذلك بسنة أخرى.

стр. 1040

قلت فعلى هذا يكون دخوله بها في أوائل السنة الثالثة من الهجرة فظاهر سياق حديث الشارفين يقتضي أن ذلك عقب وقعة بدر بيسير فيكون ذلك كما ذكرناه في أواخر السنة الثانية والله أعلم. فصل في ذكر جمل من الحوادث في سنة ثنتين من الهجرة تقدم ما ذكرناه من تزويجه ﵇ بعائشة أم المؤمنين ﵂ وذكرنا ما سلف من الغزوات المشهورة وقد تضمن ذلك وفيات أعيان من المشاهير من المؤمنين والمشركين، فكان ممن توفى فيها الشهداء يوم بدر وهم أربعة عشر ما بين مهاجري وأنصارى تقدم تسميتهم، والرؤساء من مشركي قريش وقد كانوا سبعين رجلا على المشهور، وتوفى بعد الوقعة بيسير أبو لهب عبد العزى ابن عبد المطلب لعنه الله كما تقدم، ولما جاءت البشارة إلى المؤمنين من أهل المدينة مع زيد حارثة وعبد الله بن رواحة بما أحل الله بالمشركين وبما فتح على المؤمنين وجدوا رقية بنت رسول الله ﷺ قد توفيت وساووا عليها التراب، وكان زوجها عثمان بن عفان قد أقام عندها يمرضها بأمر النبي ﷺ له بذلك. ولهذا ضرب له بسهمه في مغانم بدر وأجره عند الله يوم القيامة، ثم زوجه بأختها الأخرى أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ ولهذا كان يقال لعثمان بن عفان ذو النورين ويقال إنه لم يغلق أحد على ابنتي نبي واحدة بعد الأخرى غيره ﵁ وأرضاه. وفيها حولت القبلة كما تقدم وزيد في صلاة الحضر على ما سلف، وفيها فرض الصيام صيام رمضان كما تقدم وفيها فرضت الزكاة ذات النصب وفرضت زكاة الفطر وفيها خضع المشركون من أهل المدينة واليهود الذين هم بها من بنى قينقاع وبنى النضير وبنى قريظة ويهود بنى حارثة وصانعوا المسلمين وأظهر الإسلام طائفة كثيرة من المشركين واليهود وهم في الباطن منافقون منهم من هو على ما كان عليه ومنهم من انحل بالكلية فبقي مذبذبا لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء كما وصفهم الله في كتابه. قال ابن جرير وفيها كتب رسول الله ﷺ المعاقل وكانت معلقة بسيفه قال ابن جرير وقيل إن الحسن بن على ولد فيها، قال وأما الواقدي فإنه زعم أن ابن أبى سبرة حدثه عن إسحاق بن عبد الله عن أبى جعفر أن على بن أبى طالب بنى بفاطمة في ذي الحجة منها قال فان كانت هذه الرواية صحيحه فالقول الأول باطل ثم الجزء الثالث من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الرابع وأوله سنة ثلاث من الهجرة

стр. 1041

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ سنة ثلاث من الهجرة في أولها كانت غزوة نجد ويقال لها غزوة ذي أمر. قال ابن إسحاق: فلما رجع رسول الله ﷺ من غزوة السويق أقام بالمدينة بقية ذي الحجة أو قريبا منها ثم غزا نجدا يريد غطفان وهي غزوة ذي أمر. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عثمان بن عفان. قال ابن إسحاق: فأقام بنجد صفرا كله أو قريبا من ذلك ثم رجع ولم يلق كيدا. وقال الواقدي: بلغ رسول الله ﷺ أن جمعا من غطفان من بنى ثعلبة بن محارب تجمعوا بذي أمر يريدون حربه، فخرج اليهم من المدينة يوم الخميس لثنتى عشرة خلت من ربيع الأول سنة ثلاث واستعمل على المدينة عثمان بن عفان فغاب أحد عشر يوما وكان معه أربعمائة وخمسون رجلا، وهربت منه الاعراب في رءوس الجبال حتى بلغ ماء يقال له ذو أمر فعسكر به وأصابهم مطر كثير فابتلت ثياب رسول الله ﷺ فنزل تحت شجرة هناك ونشر ثيابه لتجف وذلك بمرأى من المشركين، واشتغل المشركون في شئونهم، فبعث المشركون رجلا شجاعا منهم يقال له غورث بن الحارث أو دعثور بن الحارث فقالوا: قد أمكنك الله من قتل محمد، فذهب ذلك الرجل ومعه سيف صقيل حتى قام على رسول الله ﷺ بالسيف مشهورا، فقال: يا محمد من يمنعك من اليوم؟ قال: الله. ودفع جبريل في صدره فوقع السيف من يده، فأخذه رسول الله ﷺ ، فقال: من يمنعك منى؟ قال لا أحد وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أكثر عليك جمعا أبدا. فأعطاه رسول الله ﷺ سيفه فلما رجع الى أصحابه فقالوا: ويلك، مالك؟ فقال: نظرت الى رجل طويل فدفع في صدري فوقعت لظهري فعرفت أنه ملك وشهدت أن محمدا رسول الله والله لا أكثر عليه جمعا،

стр. 1042

وجعل يدعو قومه الى الإسلام. قال: ونزل في ذلك قوله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ الآية. قال البيهقي: وسيأتي في غزوة ذات الرقاع قصة تشبه هذه فلعلهما قصتان، قلت: ان كانت هذه محفوظة فهي غيرها قطعا لأن ذلك الرجل اسمه غورث بن الحارث أيضا لم يسلم بل استمر على دينه ولم يكن عاهد النبي ﷺ أن لا يقاتله. والله أعلم غزوة الفرع من بحران قال ابن إسحاق: فأقام بالمدينة ربيعا الأول كله أو إلا قليلا منه ثم غدا يريد قريشا، قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قال ابن إسحاق: حتى بلغ بحران وهو معدن بالحجاز من ناحية الفرع. وقال الواقدي: انما كانت غيبته ﵇ عن المدينة عشرة أيام. فالله أعلم خبر يهود بنى قينقاع من أهل المدينة وقد زعم الواقدي انها كانت في يوم السبت النصف من شوال سنة ثنتين من الهجرة فالله أعلم وهم المرادون بقوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيباً ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ قال ابن إسحاق: وقد كان فيما بين ذلك من غزو رسول الله ﷺ أمر بنى قينقاع. قال وكان من حديثهم ان رسول الله ﷺ جمعهم في سوقهم ثم قال: يا معشر يهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا فإنكم قد عرفتم أنى نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم. فقالوا: يا محمد انك ترى انا قومك لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة أما والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس. قال ابن إسحاق: فحدثني مولى لزيد بن ثابت عن سعيد بن جبير وعن عكرمة عن ابن عباس قال: ما نزلت هؤلاء الآيات الا فيهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ * قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ اِلْتَقَتا﴾ يعنى أصحاب بدر من أصحاب رسول الله ﷺ وقريش ﴿فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ﴾ قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان بنى قينقاع كانوا أول يهود نقضوا العهد وحاربوا فيما بين بدر وأحد. قال ابن هشام فذكر عبد الله بن جعفر [بن عبد الرحمن] بن المسور بن مخرمة عن أبى عون قال كان أمر بنى قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بحلب لها فباعته بسوق بنى قينقاع وجلست الى صائغ هناك منهم فجعلوا

стр. 1043

يريدونها على كشف وجهها فأبت فعمد الصائغ الى طرف ثوبها فعقده الى ظهرها فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا بها فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله وكان يهوديا فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود فأغضب المسلمون فوقع الشر بينهم وبين بنى قينقاع. قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه فقام اليه عبد الله بن أبىّ ابن سلول حين أمكنه الله منهم فقال: يا محمد أحسن في موالىّ وكانوا حلفاء الخزرج قال فأبطأ عليه رسول الله ﷺ فقال يا محمد أحسن في موالي فأعرض عنه قال فأدخل يده في جيب درع النبي ﷺ قال ابن هشام وكان يقال لها ذات الفضول فقال له رسول الله ﷺ أرسلنى وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه طللا ثم قال ويحك أرسلنى قال لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالىّ أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعونى من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة انى والله امرؤ أخشى الدوائر. قال فقال له رسول الله ﷺ هم لك. قال ابن هشام واستعمل رسول الله ﷺ في محاصرته إياهم أبا لبابة بشير بن عبد المنذر وكانت محاصرته إياهم خمس عشرة ليلة. قال ابن إسحاق وحدثني أبى عن عبادة بن الوليد عن عبادة بن الصامت قال لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث بأمرهم عبد الله بن أبىّ وقام دونهم ومشى عبادة بن الصامت الى رسول الله ﷺ وكان من بنى عوف له من حلفهم مثل الّذي لهم من عبد الله بن أبى فخلعهم الى رسول الله ﷺ وتبرأ الى الله والى رسوله من حلفهم وقال يا رسول الله أتولى الله ورسوله والمؤمنين وابرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم قال وفيه وفي عبد الله بن أبى نزلت الآيات من المائدة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ الآيات حتى قوله ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ يعنى عبد الله ابن أبىّ الى قوله ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغالِبُونَ﴾ يعنى عبادة بن الصامت. وقد تكلمنا على ذلك في التفسير سرية زيد بن حارثة الى عير قريش صحبة أبى سفيان أيضا وقيل صحبة صفوان * قال يونس عن بكير عن ابن إسحاق وكانت بعد وقعة بدر بستة أشهر. قال ابن إسحاق وكان من حديثها أن قريشا خافوا طريقهم التي كانوا يسلكون الى الشام حين كان من وقعة بدر ما كان فسلكوا طريق العراق فخرج منهم تجار فيهم أبو سفيان ومعه فضة كثيرة وهي عظم تجارتهم واستأجروا رجلا من بكر ابن وائل يقال له فرات بن حيان يعنى العجليّ حليف بنى سهم ليدلهم على تلك الطريق. قال ابن

стр. 1044

إسحاق فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة فلقيهم على ماء يقال له القردة فأصاب تلك العير وما فيها وأعجزه الرجال فقدم بها على رسول الله ﷺ فقال في ذلك حسان بن ثابت: دعوا فلجات الشام قد حال دونها … جلاد كأفواه المخاض الاوارك بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم … وأنصاره حقا وأيدي الملائك إذا سلكت للغور من بطن عالج … فقولا لها ليس الطريق هنالك قال ابن هشام وهذه القصيدة في أبيات لحسان وقد أجابه فيها أبو سفيان بن الحارث. وقال الواقدي كان خروج زيد بن حارثة في هذه السرية مستهل جمادى الأولى على رأس ثمانية وعشرين شهرا من الهجرة وكان رئيس هذه العير صفوان بن أمية وكان سبب بعثه زيد بن حارثة أن نعيم ابن مسعود قدم المدينة ومعه خبر هذه العير وهو على دين قومه واجتمع بكنانة بن أبى الحقيق في بنى النضير ومعهم سليط بن النعمان من أسلم فشربوا وكان ذلك قبل أن تحرم الخمر فتحدث بقضية العير نعيم بن مسعود وخروج صفوان بن أمية فيها وما معه من الأموال فخرج سليط من ساعته فأعلم رسول الله ﷺ فبعث من وقته زيد بن حارثة فلقوهم فأخذوا الأموال وأعجزهم الرجال وإنما أسروا رجلا أو رجلين وقدموا بالعير فخمسها رسول الله ﷺ فبلغ خمسها عشرين ألفا وقسم أربعة أخماسها على السرية وكان فيمن أسر الدليل فرات بن حيان فأسلم ﵁. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أن في ربيع من هذه السنة تزوج عثمان بن عفان أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ وادخلت عليه في جمادى الآخرة منها مقتل كعب بن الأشرف اليهودي وكان من بنى طيِّئ ثم أحد بنى نبهان ولكن أمه من بنى النضير. هكذا ذكره ابن إسحاق قبل جلاء بنى النضير وذكره البخاري والبيهقي بعد قصة بنى النضير والصحيح ما ذكره ابن إسحاق لما سيأتي فان بنى النضير انما كان أمرها بعد وقعة أحد وفي محاصرتهم حرمت الخمر كما سنبينه بطريقة ان شاء الله. قال البخاري في صحيحه قتل كعب بن الأشرف حدثنا على بن عبد الله حدثنا سفيان قال عمرو سمعت جابر بن عبد الله يقول: قال رسول الله ﷺ من لكعب بن الأشرف فإنه قد أذى الله ورسوله فقام محمد بن مسلمة فقال يا رسول الله أتحب أن أقتله؟ قال نعم. قال فأذن لي أن أقول شيئا قال قل. فأتاه محمد بن مسلمة فقال ان هذا الرجل قد سألنا صدقة وانه قد عنّانا وانى قد أتيتك أستسلفك. قال وأيضا والله لتملّنه. قال إنا قد اتبعناه فلا نحبّ أن ندعه حتى ننظر الى أي شيء يصير شأنه وقد أردنا أن تسلفنا قال نعم ارهنونى قلت أي شيء تريد قال ارهنونى

стр. 1045

نساءكم فقالوا كيف نرهنك نساءنا وأنت أجمل العرب قال فارهنونى أبناءكم قالوا كيف نرهنك أبناءنا فيسب أحدهم فيقال رهن بوسق أو وسقين هذا عار علينا ولكن نرهنك اللأمة. قال سفيان يعنى السلاح. فواعده أن يأتيه ليلا فجاءه ليلا ومعه أبو نائلة وهو أخو كعب من الرضاعة فدعاهم الى الحصن فنزل اليهم فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ وقال غير عمرو قالت أسمع صوتا كأنه يقطر منه الدم. قال انما هو أخي محمد بن مسلمة ورضيعي أبو نائلة. ان الكريم لو دعي الى طعنة بليل لأجاب قال ويدخل محمد بن مسلمة معه رجلين فقال إذا ما جاء فانى مائل بشعره فأشمه فإذا رأيتموني استمكنت من رأسه فدونكم فاضربوه وقال مرة ثم أشمكم فنزل اليهم متوشحا وهو ينفح منه ريح الطيب فقال ما رأيت كاليوم ريحا أي أطيب وقال غير عمرو قال عندي أعطر نساء العرب وأجمل العرب قال عمرو فقال أتأذن لي أن أشم رأسك؟ قال نعم. فشمه ثم أشم أصحابه ثم قال أتأذن لي؟ قال نعم. فلما استمكن منه قال دونكم فقتلوه ثم أتوا النبي ﷺ فأخبروه. وقال محمد ابن إسحاق كان من حديث كعب بن الأشرف وكان رجلا من طيِّئ ثم أحد بنى نبهان وأمه من بنى النضير أنه لما بلغه الخبر عن مقتل أهل بدر حين قدم زيد بن حارثة وعبد الله بن رواحة قال والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها. فلما تيقن عدو الله الخبر خرج الى مكة فنزل على المطلب بن أبى وداعة بن صبيرة السهمي وعنده عاتكة بنت ابى العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف فأنزلته وأكرمته وجعل يحرض على قتال رسول الله ﷺ وينشد الأشعار ويندب من قتل من المشركين يوم بدر فذكر ابن إسحاق قصيدته التي أولها: طحنت رحى بدر لمهلك أهله … ولمثل بدر تستهل وتدمع وذكر جوابها من حسان بن ثابت ﵁ ومن غيره. ثم عاد الى المدينة فجعل يشبب بنساء المسلمين ويهجو النبي ﷺ وأصحابه. وقال موسى بن عقبة: وكان كعب بن الأشرف أحد بنى النضير أو فيهم قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء وركب الى قريش فاستغواهم، وقال له أبو سفيان وهو بمكة: أناشدك أديننا أحب الى الله أم دين محمد وأصحابه، وأينا أهدى في رأيك وأقرب الى الحق؟ إنا نطعم الجزور الكوماء ونسقي اللبن على الماء ونطعم ما هبّت الشمال. فقال له كعب بن الأشرف: أنتم أهدى منهم سبيلا. قال فأنزل الله على رسوله ﷺ : ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً﴾ وما بعدها. قال موسى ومحمد بن إسحاق: وقدم المدينة يعلن بالعداوة ويحرّض الناس على الحرب ولم يخرج من مكة حتى أجمع أمرهم على قتال رسول الله ﷺ وجعل يشبب بأم الفضل بن الحارث وبغيرها من

стр. 1046

نساء المسلمين. قال ابن إسحاق: فقال رسول الله ﷺ كما حدثني عبد الله بن المغيث بن أبى بردة من لابن الأشرف؟ فقال له محمد بن مسلمة أخو بنى عبد الأشهل: أنا لك به يا رسول الله أنا أقتله، قال فافعل إن قدرت على ذلك، قال فرجع محمد بن مسلمة فمكث ثلاثا لا يأكل ولا يشرب إلا ما يعلق نفسه، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فدعاه فقال له: لم تركت الطعام والشراب؟ فقال يا رسول الله قلت لك قولا لا أدرى هل أفي لك به أم لا. قال: إنما عليك الجهد. قال: يا رسول الله، إنه لا بد لنا أن نقول، قال: فقولوا ما بدا لكم فأنتم في حل من ذلك. قال: فاجتمع في قتله محمد بن مسلمة وسلكان بن سلامة بن وقش وهو أبو نائلة أحد بنى عبد الأشهل. وكان أخا كعب بن الأشرف من الرضاعة وعباد بن بشر بن وقش أحد بنى عبد الأشهل والحارث بن أوس بن معاذ أحد بنى عبد الأشهل وأبو عبس بن جبر أخو بنى حارثة، قال فقدموا بين أيديهم الى عدو الله كعب سلكان ابن سلامة أبا نائلة فجاءه فتحدث معه ساعة فتناشدا شعرا - وكان أبو نائلة يقول الشعر - ثم قال: ويحك يا ابن الأشرف أنى قد جئتك لحاجة أريد ذكرها لك فأكتم عنى، قال أفعل. قال كان قدوم هذا الرجل علينا بلاء، عادتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة وقطعت عنا السبيل حتى ضاع العيال وجهدت الأنفس وأصبحنا قد جهدنا وجهد عيالنا. فقال كعب: أنا ابن الأشرف أما والله لقد كنت أخبرك يا ابن سلامة أن الأمر يصير الى ما أقول، فقال له سلكان: انى قد أردت أن تبيعنا طعاما ونرهنك ونوثق لك وتحسن في ذلك، قال ترهنونى أبناءكم؟ قال لقد أردت أن تفضحنا، إن معى أصحابا لي على مثل رأيي وقد أردت أن آتيك بهم فتبيعهم وتحسن في ذلك ونرهنك من الحلقة ما فيه وفاء، وأراد سلكان أن لا ينكر السلاح إذا جاءوا بها. فقال: ان في الحلقة لوفاء. قال: فرجع سلكان إلى أصحابه فأخبرهم خبره، وأمرهم ان يأخذوا السلاح ثم ينطلقوا فيجتمعوا اليه، فاجتمعوا عند رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق فحدثني ثور بن زيد عن عكرمة عن ابن عباس قال: مشى معهم رسول الله ﷺ الى بقيع الغرقد ثم وجههم وقال: «انطلقوا على اسم الله. اللهمّ أعنهم» ثم رجع رسول الله ﷺ الى بيته وهو في ليلة مقمرة، فانطلقوا حتى انتهوا الى حصنه، فهتف به أبو نائلة وكان حديث عهد بعرس فوثب في ملحفته، فأخذت امرأته بناحيتها وقالت: أنت امرؤ محارب وان أصحاب الحرب لا ينزلون في هذه الساعة، قال انه أبو نائلة لو وجدني نائما ما أيقظني. فقالت: والله أنى لأعرف في صوته الشر. قال: بقول لها كعب لو دعي الفتى لطعنة أجاب، فنزل فتحدث معهم ساعة وتحدثوا معه ثم قالوا: هل لك يا ابن الأشرف أن نتماشى الى شعب العجوز فنتحدث به بقية ليلتنا هذه؟ قال إن شئتم. فخرجوا فمشوا ساعة. ثم إن أبا نائلة شام يده في فود رأسه ثم شم يده فقال ما رأيت كالليلة طيبا أعطر قط، ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها حتى اطمأن ثم مشى ساعة ثم عاد لمثلها فأخذ بفودي رأسه ثم قال: اضربوا عدو الله! فاختلفت

стр. 1047

عليه أسيافهم فلم تغن شيئا. قال محمد بن مسلمة فذكرت مغولا في سيفي فأخذته وقد صاح عدو الله صيحة لم يبق حولنا حصن إلاّ أو قدت عليه نار، قال فوضعته في ثنته ثم تحاملت عليه حتى بلغت عانته فوقع عدوّ الله وقد أصيب الحارث بن أوس يجرح في رجله أو في رأسه اصابه بعض سيوفنا، قال فخرجنا حتى سلكنا على بنى أمية بن زيد ثم على بنى قريظة ثم على بعاث حتى أسندنا في حرة العريض وقد أبطأ علينا صاحبنا الحارث بن أوس ونزفه الدم فوقفنا له ساعة ثم أتانا يتبع آثارنا فاحتملناه فجئنا به رسول الله ﷺ آخر الليل وهو قائم يصلى فسلمنا عليه فخرج إلينا فأخبرناه بقتل عدوّ الله وتفل رسول الله ﷺ على جرح صاحبنا ورجعنا الى أهلنا فأصبحنا وقد خافت يهود بوقعتنا بعدو الله فليس بها يهودي إلا وهو خائف على نفسه. قال ابن جرير: وزعم الواقدي أنهم جاءوا برأس كعب بن الأشرف الى رسول الله ﷺ . قال ابن إسحاق: وفي ذلك يقول كعب بن مالك: فغودر منهم كعب صريعا … فذلت بعد مصرعه النضير على الكفين ثم وقد علته … بأيدينا مشهرة ذكور بأمر محمد إذ دس ليلا … الى كعب أخا كعب يسير فماكره فأنزله بمكر … ومحمود أخو ثقة جسور قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له في يوم بنى النضير ستأتي. قلت: كان قتل كعب ابن الأشرف على يدي الأوس بعد وقعة بدر، ثم ان الخزرج قتلوا أبا رافع بن أبى الحقيق بعد وقعة أحد كما سيأتي بيانه ان شاء الله وبه الثقة. وقد أورد ابن إسحاق شعر حسان بن ثابت: لله درّ عصابة لاقيتهم … يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم … مرحا كأسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم … فسقوكم حتفا ببيض ذفف مستبصرين لنصر دين نبيهم … مستصغرين لكل أمر مجحف قال محمد بن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ «من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه» فوثب عند ذلك محيصة بن مسعود الأوسي على ابن سنينة - رجل من تجار يهود كان يلابسهم ويبايعهم - فقتله، وكان أخوه حويصة بن مسعود أسن منه ولم يسلم بعد، فلما قتله جعل حويصة يضربه ويقول: أي عدوّ الله أقتلته؟ أما والله لرب شحم في بطنك من ماله. قال محيصة: فقلت والله لقد أمرنى بقتله من لو أمرنى بقتلك لضربت عنقك، قال فو الله إن كان لأول إسلام حويصة وقال والله لو أمرك محمد بقتلى لتقتلني؟ قال: نعم، والله لو أمرنى بضرب عنقك لضربتها. قال: فو الله ان دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. قال ابن إسحاق: حدثني بهذا الحديث مولى لبني

стр. 1048

حارثة عن ابنة محيصة عن أبيها. وقال في ذلك محيصة، يلوم ابن أم لو أمرت بقتله … لطبقت ذفراه بأبيض قارب حسام كلون الملح أخلص صقله … متى ما أصوّبه فليس بكاذب وما سرني أنى قتلتك طائعا … وأن لنا ما بين بصرى ومارب وحكى ابن هشام عن أبى عبيدة عن أبى عمرو المدني أن هذه القصة كانت بعد مقتل بنى قريظة فان المقتول كان كعب بن يهوذا فلما قتله محيصة عن أمر رسول الله ﷺ يوم بنى قريظة قال له أخوه حويصة ما قال فرد عليه محيصة بما نقدم فأسلم حويصة يومئذ. فالله أعلم تنبيه: ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بنى النضير قبل وقعة أحد والصواب إيرادها بعد ذلك كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بنى النضير وثبت في الصحيح انه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدا فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالا وانما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بنى النضير بعد وقعة أحد. والله أعلم تنبيه آخر: خبر يهود بنى قينقاع بعد وقعة بدر كما تقدم وكذلك قتل كعب بن الأشرف اليهودي على يدي الأوس وخبر بنى النضير بعد وقعة أحد كما سيأتي وكذلك مقتل أبى رافع اليهودي تاجر أهل الحجاز على يدي الخزرج وخبر يهود بنى قريظة بعد يوم الأحزاب وقصة الخندق كما سيأتي غزوة أحد في شوال سنة ثلاث فائدة ذكرها المؤلف في تسمية أحد قال سمى أحد أحدا لتوحده من بين تلك الجبال وفي الصحيح «أحد جبل يحبنا ونحبه» قيل معناه أهله وقيل لأنه كان يبشره بقرب أهله إذا رجع من سفره كما يفعل المحب وقيل على ظاهره كقوله ﴿وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ﴾ وفي الحديث عن أبى عبس بن جبر «أحد يحبنا ونحبه وهو على باب الجنة، وعير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار» قال السهيليّ مقويا لهذا الحديث وقد ثبت أنه ﵇ قال «المرء مع من أحب» وهذا من غريب صنع السهيليّ فان هذا الحديث انما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرأ. وكانت هذه الغزوة في شوال سنة ثلاث قاله الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ومحمد بن إسحاق ومالك قال ابن إسحاق للنصف من شوال وقال قتادة يوم السبت الحاري عشر منه قال مالك وكانت الوقعة في أول النهار وهي على المشهور التي أنزل الله فيها قوله تعالى ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ﴾

стр. 1049

الْمُؤْمِنُونَ * وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ * بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ الآيات وما بعدها الى قوله ﴿ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَما كانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ وقد تكلمنا على تفاصيل ذلك كله في كتاب التفسير بما فيه كفاية ولله الحمد والمنة. ولنذكر هاهنا ملخص الوقعة مما ساقه محمد بن إسحاق وغيره من علماء هذا الشأن ﵏ وكان من حديث أحد كما حدثني محمد ابن مسلم الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو ابن سعد بن معاذ وغيرهم من علماءنا كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث عن يوم أحد وقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت. قالوا أو من قال منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب ورجع فلهم الى مكة ورجع أبو سفيان بعيره مشى عبد الله بن أبى ربيعة وعكرمة بن أبى جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر فكلموا أبا سفيان ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة. فقالوا: يا معشر قريش، ان محمدا قد وتركم وقتل خياركم فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا، ففعلوا. قال ابن إسحاق: ففيهم كما ذكر لي بعض أهل العلم أنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ﴾ قالوا: فاجتمعت قريش لحرب رسول الله ﷺ حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحيّ قد منّ عليه رسول الله ﷺ يوم بدر، وكان فقيرا ذا عيال وحاجة وكان في الأسارى، فقال له صفوان بن أمية: يا أبا عزة، انك امرؤ شاعر فأعنّا بلسانك واخرج معنا فقال: ان محمدا قد منّ عليّ فلا أريد أن أظاهر عليه. قال: بلى، فأعنا بنفسك فلك الله ان رجعت أن أغنيك وان قتلت أن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بنى كنانة ويقول: أيا بنى عبد مناة الرزام … أنتم حماة وأبوكم حام لا يعدوني نصركم بعد العام … لا تسلموني لا يحل إسلام قال: وخرج نافع بن عبد مناف بن وهب بن حذافة بن جمح الى بنى مالك بن كنانة يحرضهم ويقول: يا مال مال الحسب المقدم … أنشد ذا القربى وذا التذمم من كان ذا رحم ومن لم يرحم … الحلف وسط البلد المحرم عند حطيم الكعبة المعظم

стр. 1050

قال: ودعا جبير بن مطعم غلاما له حبشيا يقال له وحشي يقذف بحربة له قذف الحبشة قلما يخطئ بها فقال له: أخرج مع الناس، فان أنت قتلت حمزة عم محمد بعمى طعيمة بن عدي فأنت عتيق. قال فخرجت قريش بحدها وحديدها وجدها وأحابيشها ومن تابعها من بنى كنانة وأهل تهامة وخرجوا معهم بالظعن التماس الحفيظة وأن لا يفروا، وخرج أبو سفيان صخر بن حرب وهو قائد الناس ومعه زوجته هند بنت عتبة بن ربيعة وخرج عكرمة بن أبى جهل بزوجته ابنة عمه أم حكيم بنت الحارث بن هشام بن المغيرة وخرج عمه الحارث بن هشام بزوجته فاطمة بنت الوليد ابن المغيرة وخرج صفوان بن أمية ببرزة بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية وخرج عمرو بن العاص بريطة بنت منبه بن الحجاج وهي أم ابنه عبد الله بن عمرو وذكر غيرهم ممن خرج بامرأته قال: وكان وحشي كلما مر بهند بنت عتبة أو مرت به تقول ويها أبا دسمة اشف واشتف. يعنى تحرضه على قتل حمزة بن عبد المطلب. قال: فاقبلوا حتى نزلوا بعينين بجبل ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مقابل المدينة، فلما سمع بهم رسول الله ﷺ والمسلمون قال لهم قد رأيت والله خيرا رأيت بقرا تذبح ورأيت في ذباب سيفي ثلما ورأيت أنى أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها المدينة. وهذا الحديث رواه البخاري ومسلم جميعا عن أبى كريب عن أبى أسامة عن بريد بن عبد الله بن أبى بردة عن أبى بردة عن أبى موسى الأشعري عن النبي ﷺ قال «رأيت في المنام أنى أهاجر من مكة الى أرض بها نخل فذهب وهلى الى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب ورأيت في رؤياي هذه أنى هززت سيفا فانقطع صدره فإذا هو ما أصيب من المؤمنين يوم أحد، ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو ما جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها أيضا بقرا والله خير فإذا هم النفر من المؤمنين يوم أحد وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الّذي أتانا بعد يوم بدر» وقال البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا الأصم أخبرنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم أخبرنا ابن وهب أخبرنى ابن أبى الزناد عن أبيه عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: تعقل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر قال ابن عباس وهو الّذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد وذلك ان رسول الله ﷺ لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأيه أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا نخرج يا رسول الله اليهم نقاتلهم بأحد ورجوا أن يصيبهم من الفضيلة ما أصاب أهل بدر فما زالوا برسول الله ﷺ حتى لبس أداته ثم ندموا وقالوا يا رسول الله أقم فالرأي رأيك. فقال لهم ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد ما لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه. قال وكان قال لهم يومئذ قبل أن يلبس الاداة انى رأيت أنى في درع حصينة فأولتها المدينة وأنى مردف كبشا

стр. 1051

وأوّلته كبش الكتيبة ورأيت أن سيفي ذا الفقار فل فأولته فلا فيكم ورأيت بقرا يذبح فبقر والله خير» رواه الترمذي وابن ماجة من حديث عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه به. وروى البيهقي من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أنس مرفوعا قال: رأيت فيما يرى النائم كأنى مردف كبشا وكأن ضبة سيفي انكسرت فأولت أنى أقتل كبش القوم وأولت كسر ضبة سيفي قتل رجل من عترتي. فقتل حمزة وقتل رسول الله ﷺ طلحة وكان صاحب اللواء. وقال موسى بن عقبة ﵀ ورجعت قريش فاستجلبوا من أطاعهم من مشركي العرب وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من السنة المقبلة من وقعة بدر حتى نزلوا ببطن الوادي الّذي قبلىّ أحد وكان رجال من المسلمين لم يشهدوا بدرا قد ندموا على ما فاتهم من السابقة وتمنوا لقاء العدو ليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أحد فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرا بقدوم العدو عليهم وقالوا: قد ساق الله علينا أمنيتنا ثم ان رسول الله ﷺ أرى ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه فقال لهم «رأيت البارحة في منامي بقرا تذبح والله خير ورأيت سيفي ذا الفقار انقصم من عند ظبته. أو قال: به فأول فكرهته وهما مصيبتان ورأيت أنى في درع حصينة وأنى مردف كبشا». فلما أخبرهم رسول الله ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول الله، ماذا أولت رؤياك؟ قال: أولت البقر الّذي رأيت بقرا فينا وفي القوم وكرهت ما رأيت بسيفي. ويقول رجال كان الّذي رأى بسيفه الّذي أصاب وجهه فان العدو أصاب وجهه يومئذ وقصموا رباعيته وخرقوا شفته يزعمون أن الّذي رماه عتبة بن أبى وقاص وكان البقر من قتل من المسلمين يومئذ. وقال أوّلت الكبش أنه كبش كتيبة العدو يقتله الله وأوّلت الدرع الحصينة المدينة فامكثوا واجعلوا الذراري في الآطام فان دخل علينا القوم في الازقة قاتلناهم ورموا من فوق البيوت وكانوا قد سكوا أزقة المدينة بالبنيان حتى [صارت] كالحصن. فقال الذين لم يشهدوا بدرا: كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله فقد ساقه الله إلينا وقرب المسير وقال رجل من الأنصار: متى نقاتلهم يا رسول الله إذا لم نقاتلهم عند شعبنا؟ وقال رجال ماذا نمنع إذا لم تمنع الحرب بروع؟ وقال رجال قولا صدقوا به ومضوا عليه منهم حمزة بن عبد المطلب قال: والّذي أنزل عليك الكتاب لنجادلنهم. وقال نعيم بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بنى سالم: يا نبي الله لا تحرمنا الجنة فو الّذي نفسي بيده لأدخلنها. فقال له رسول الله ﷺ : بم؟ قال: بأنى أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف. فقال له رسول الله ﷺ : صدقت. واستشهد يومئذ. وأبى كثير من الناس إلا الخروج الى العدو ولم يتناهوا الى قول رسول الله ﷺ ورأيه ولو رضوا بالذي أمرهم كان ذلك ولكن غلب القضاء والقدر وعامة من أشار عليه بالخروج رجال لم يشهدوا بدرا قد علموا الّذي سبق

стр. 1052

لأصحاب بدر من الفضيلة فلما صلّى رسول الله ﷺ الجمعة وعظ الناس وذكرهم وأمرهم بالجد والجهاد ثم انصرف من خطبته وصلاته فدعا بلأمته فلبسها ثم أذن في الناس بالخروج فلما رأى ذلك رجال من ذوى الرأى قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمكث بالمدينة وهو أعلم بالله وما يريد ويأتيه الوحي من السماء فقالوا يا رسول الله أمكث كما أمرتنا فقال: ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وأذن بالخروج الى العدو أن يرجع حتى يقاتل وقد دعوتكم الى هذا الحديث فأبيتم إلا الخروج فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدو وانظروا ماذا أمركم الله به فافعلوا. قال: فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون فسلكوا على البدائع وهم ألف رجل والمشركون ثلاثة آلاف فمضى رسول الله ﷺ حتى نزل بأحد ورجع عنه عبد الله بن أبىّ ابن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة قال البيهقي ﵀ هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة مقاتل قال والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل كذلك رواه يعقوب بن سفيان عن أصبغ عن ابن وهب عن يونس عن الزهري وقيل عنه بهذا الاسناد سبعمائة فالله أعلم. قال موسى بن عقبة وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد وكان معهم مائة فرس وكان لواؤه مع عثمان بن طلحة قال ولم يكن مع المسلمين فرس واحدة ثم ذكر الوقعة كما سيأتي تفصيلها ان شاء الله تعالى. وقال محمد بن إسحاق لما قص رسول الله ﷺ رؤياه عل أصحابه قال لهم ان رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فان أقاموا أقاموا بشرّ مقام وان هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها وكان رأى عبد الله بن أبىّ ابن سلول مع رأى رسول الله ﷺ في أن لا يخرج اليهم فقال رجال من المسلمين ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيرهم ممن كان فاته بدر: يا رسول الله أخرج بنا الى أعدائنا لا يرون أنّا جبنّا عنهم وضعفنا فقال عبد الله ابن أبىّ يا رسول الله لا تخرج اليهم فو الله ما خرجنا منها الى عدو قط الا أصاب منا ولا دخلها علينا الا أصبنا منه. فلم يزل الناس برسول الله ﷺ حتى دخل فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ من الصلاة وقد مات في ذلك اليوم رجل من بنى النجار يقال له مالك بن عمرو فصلى عليه ثم خرج عليهم وقد ندم الناس وقالوا استكرهنا رسول الله ﷺ ولم يكن لنا ذلك فلما خرج عليهم قالوا يا رسول الله ان شئت فاقعد فقال ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل. فخرج رسول الله ﷺ في ألف من أصحابه. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم قال ابن إسحاق حتى إذا كان بالشوط بين المدينة وأحد انخزل عنه عبد الله بن أبىّ بثلث الناس وقال أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا هاهنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام السلمي والد جابر بن عبد الله فقال: يا قوم أذكركم الله أن لا تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم. قالوا لو نعلم انكم تقاتلون ما أسلمناكم

стр. 1053

ولكنا لا نرى أن يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا الا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه ﷺ . قلت: وهؤلاء القوم هم المرادون بقوله تعالى ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَوِ اِدْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالاً لاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ﴾ يعنى انهم كاذبون في قولهم لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وذلك لأن وقوع القتال أمره ظاهر بين واضح لا خفاء ولا شك فيه وهم الذين أنزل الله فيهم ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا﴾ الآية وذلك أن طائفة قالت نقاتلهم وقال آخرون لا نقاتلهم كما ثبت وبين في الصحيح. وذكر الزهري أن الأنصار استأذنوا حينئذ رسول الله ﷺ في الاستعانة بحلفائهم من يهود المدينة فقال لا حاجة لنا فيهم. وذكر عروة بن موسى بن عقبة أن بنى سلمة وبنى حارثة لما رجع عبد الله بن أبىّ وأصحابه همتا ان تفشلا فثبتهما الله تعالى، ولهذا قال ﴿إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللهُ وَلِيُّهُما وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال جابر بن عبد الله ما أحب أنها لم تنزل والله يقول ﴿وَاللهُ وَلِيُّهُما﴾ كما ثبت في الصحيحين عنه. قال ابن إسحاق ومضى رسول الله ﷺ حتى سلك في حرة بنى حارثة فذب فرس بذنبه فأصلب كلاّب سيف فاستله فقال رسول الله ﷺ لصاحب السيف شم سيفك أي أغمده فانى أرى السيوف ستسل اليوم. ثم قال النبي ﷺ لأصحابه: من رجل يخرج بنا على القوم من كثب (أي من قريب) من طريق لا يمر بنا عليهم فقال أبو خيثمة أخو بنى حارثة بن الحارث أنا يا رسول الله فنفذ به في حرة بنى حارثة وبين أموالهم حتى سلك به في مال لمربع بن قيظى وكان رجلا منافقا ضرير البصر فلما سمع حس رسول الله ومن معه من المسلمين قام يحثى في وجوههم التراب ويقول ان كنت رسول الله فانى لا أحل لك أن تدخل في حائطي. قال ابن إسحاق وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من التراب في يده ثم قال والله لو أعلم أنى لا أصيب بها غيرك يا محمد لضربت بها وجهك فابتدره القوم ليقتلوه فقال رسول الله ﷺ لا تقتلوه، فهذا الأعمى أعمى القلب أعمى البصر، وقد بدر اليه سعد بن زيد أخو بنى عبد الأشهل قبل نهى رسول الله ﷺ فضربه بالقوس في رأسه فشجه ومضى رسول الله ﷺ حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي وفي الجبل وجعل ظهره وعسكره الى أحد وقال لا يقاتلنّ أحد حتى آمره بالقتال وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمغة من قناة كانت للمسلمين فقال رجل من الأنصار حين نهى رسول الله ﷺ عن القتال أترعى زروع بنى قيلة ولما نضارب؟ وتعبأ رسول الله ﷺ للقتال وهو في سبعمائة رجل وأمر على الرماة يومئذ عبد الله بن جبير أخا بنى عمرو بن عوف وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا فقال النضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا ان كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك

стр. 1054

لا نؤتين من قبلك. وسيأتي شاهد هذا في الصحيحين ان شاء الله تعالى. قال ابن إسحاق وظاهر رسول الله ﷺ بين درعين يعنى لبس درعا فوق درع ودفع اللواء الى مصعب بن عمير أخى بنى عبد الدار قلت وقد رد رسول الله ﷺ جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم منهم عبد الله بن عمر كما ثبت في الصحيحين قال عرضت على النبي ﷺ يوم أحد فلم يجزنى وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازنى وكذلك رد يومئذ أسامة بن زيد وزيد بن ثابت والبراء بن عازب وأسيد بن ظهير وعرابة بن أوس بن قيظى ذكره ابن قتيبة وأورده السهيليّ، وهو الّذي يقول فيه الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد … تلقاها عرابة باليمين ومنهم ابن سعيد بن خيثمة ذكره السهيليّ أيضا وأجازهم كلهم يوم الخندق وكان قد رد يومئذ سمرة بن جندب ورافع بن خديج وهما ابنا خمس عشرة سنة فقيل يا رسول الله ان رافعا رام فأجازه فقيل يا رسول الله فان سمرة يصرع رافعا فأجازه. قال ابن إسحاق ﵀ وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف ومعهم مائتا فرس قد جنبوها فجعلوا على ميمنة الخليل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبى جهل بن هشام وقال رسول الله ﷺ : من يأخذ هذا السيف بحقه فقام اليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام اليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بنى ساعدة فقال وما حقه يا رسول الله؟ قال أن تضرب به في العدو حتى ينحنى. قال أنا آخذه يا رسول الله بحقه فأعطاه إياه. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا. وقد قال الامام أحمد حدثنا يزيد وعفان قالا حدثنا حماد هو ابن سلمة أخبرنا ثابت عن النبي أن رسول الله ﷺ أخذ سيفا يوم أحد فقال من يأخذ هذا السيف فأخذ قوم فجعلوا ينظرون اليه فقال من يأخذه بحقه فأحجم القوم فقال أبو دجانة سماك: أنا آخذه بحقه. فأخذه ففلق به هام المشركين ورواه مسلم عن أبى بكر عن عفان به. قال ابن إسحاق وكان أبو دجانة رجلا شجاعا يختال عند الحرب وكان له عصابة حمراء يعلم بها عند الحرب يعتصب بها فيعلم أنه سيقاتل، قال فلما أخذ السيف من يد رسول الله ﷺ أخرج عصابته تلك فاعتصب بها ثم جعل يتبختر بين الصفين قال: فحدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب عن رجل من الأنصار من بنى سلمة قال: قال رسول الله ﷺ حين رأى أبا دجانة يتبختر: انها لمشية يبغضها الله الا في مثل هذا الموطن. قال ابن إسحاق وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بنى عبد الدار يحرضهم على القتال: يا بنى عبد الدار قد وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم وانما يؤتى الناس من قبل راياتهم إذا زالت زالوا فاما أن تكفونا لواءنا واما أن تخلوا بيننا وبينه فنكفيكموه فهموا به وتواعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا! ستعلم غدا إذا التقيا كيف نصنع. وذلك الّذي أراد أبو سفيان. قال فلما التقى الناس ودنا بعضهم من

стр. 1055

بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللاتي معها وأخذن الدفوف يضربن بها خلف الرجال ويحرصن على القتال فقالت هند فيما تقول: ويها بنى عبد الدار … ويها حماة الأدبار … ضربًا بكل بتار وتقول أيضا: ان تقبلوا نعانق … ونفرش النمارق أو تدبروا نفارق … فراق غير وامق قال ابن إسحاق وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة ان أبا عامر عبد عمرو بن صيفي بن مالك بن النعمان أحد بنى ضبيعة وكان قد خرج إلى مكة مباعد الرسول الله ﷺ معه خمسون غلاما من الأوس وبعض الناس يقول كانوا خمسة عشر وكان يعد قريشا أن لو قد لقي قومه لم يختلف عليه منهم رجلان، فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة فنادى: يا معشر الأوس أنا أبو عامر قالوا: فلا أنعم الله بك عينا يا فاسق. وكان يسمى في الجاهلية الراهب فسماه رسول الله ﷺ الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال لقد أصاب قومي بعدي شر ثم قاتلهم قتالا شديدا ثم أرضخهم بالحجارة. قال ابن إسحاق فأقبل الناس حتى حميت الحرب وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس قال ابن هشام وحدثني غير واحد من أهل العلم أن الزبير بن العوام قال وجدت في نفسي حين سألت رسول الله ﷺ السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة وقلت أنا ابن صفية عمته ومن قريش وقد قمت اليه وسألته إياه قبله فأعطاه أبا دجانة وتركني والله لأنظرن ما يصنع فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء فعصب بها رأسه فقالت الأنصار أخرج أبو دجانة عصابة الموت وهكذا كانت تقول له إذا تعصب فخرج وهو يقول: أنا الّذي عاهدني خليلي … ونحن بالسفح لدى النخيل أن لا أقوم الدهر في الكيول … أضرب بسيف الله والرسول وقال الأموي حدثني أبو عبيد في حديث النبي ﷺ أن رجلا أتاه وهو يقاتل به فقال لعلك ان أعطيتك تقاتل في الكيول؟ قال لا. فأعطاه سيفا فجعل يرتجز ويقول: أنا الّذي عاهدني خليلي … ان لا أقوم الدهر في الكيول وهذا حديث يروى عن شعبة ورواه إسرائيل كلاهما عن أبى إسحاق عن هند بنت خالد أو غيره يرفع الكيول يعنى مؤخر الصفوف سمعته من عدة من أهل العلم ولم أسمع هذا الحرف إلا في هذا الحديث. قال ابن هشام فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله وكان في المشركين رجل لا يدع جريحا إلا ذفف عليه فجعل كل منهما يدنوا من صاحبه فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا فاختلفا ضربتين
следующие страницы →