محمد بن المثنى وبندار عن غندر عن شعبة ثلاثتهم عن منصور به. وهذا اسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجه واحد منهما لكن
روى مسلم من طريق أبى خيثمة زهير بن معاوية عن أبى الزبير عن جابر قال غزونا مع رسول الله ﷺ قوما من جهينة فقاتلوا قتالا شديدا فلما أن صلّى الظهر قال المشركون لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم فأخبر جبريل رسول الله ﷺ بذلك وذكر لنا رسول الله ﷺ قال: «وقالوا انه ستأتيهم صلاة هي أحب اليهم من الأولاد» فذكر الحديث كنحو ما تقدم وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا هشام عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: «صلى رسول الله ﷺ بأصحابه الظهر بنخل فهمّ به المشركون ثم قالوا دعوهم فان لهم صلاة بعد هذه الصلاة هي أحب اليهم من أبنائهم، قال فنزل جبريل على رسول الله ﷺ فأخبره فصلى بأصحابه صلاة العصر فصفهم صفين بين أيديهم رسول الله والعدو بين يدي رسول الله ﷺ فكبّر وكبروا جميعا وركعوا جميعا ثم سجد الذين يلونهم والآخرون قيام فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون ثم تقدم هؤلاء وتأخر هؤلاء فكبروا جميعا وركعوا جميعا ثم سجد الذين يلونه والآخرون قيام فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون، وقد استشهد البخاري في صحيحه برواية هشام هذه عن أبى الزبير عن جابر وقال الامام أحمد حدّثنا عبد الصمد حدثنا سعيد بن عبيد الهنائى حدثنا عبد الله بن شقيق حدثنا أبو هريرة أن رسول الله ﷺ نزل بين ضجنان وعسفان فقال المشركون إن لهؤلاء صلاة هي أحب اليهم من أبنائهم وأبكارهم وهي العصر فأجمعوا أمركم فميلوا عليهم ميلة واحدة. وإن جبريل أتى رسول الله ﷺ وأمره أن يقيم أصحابه شطرين فيصلي ببعضهم ويقدم الطائفة الأخرى وراءهم وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ثم تأتى الأخرى فيصلون معه ويأخذ هؤلاء حذرهم وأسلحتهم ليكون لهم ركعة ركعة مع رسول الله ﷺ ولرسول الله ركعتان. ورواه الترمذي والنسائي من حديث عبد الصمد به وقال الترمذي حسن صحيح. قلت إن كان أبو هريرة شهد هذا فهو بعد خبير وإلا فهو من مرسلات الصحابي ولا يضر ذلك عند الجمهور والله أعلم. ولم يذكر في سياق حديث جابر عند مسلم ولا عند أبى داود الطيالسي أمر عسفان ولا خالد بن الوليد لكن الظاهر أنها واحدة. بقي الشأن في أن غزوة عسفان قبل الخندق أو بعدها، فان من العلماء منهم الشافعيّ من يزعم أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد يوم الخندق فإنهم أخّروا الصلاة يومئذ عن ميقاتها لعذر القتال ولو كانت صلاة الخوف مشروعة إذ ذاك لفعلوها ولم يؤخروها، ولهذا قال بعض أهل المغازي: إن غزوة بنى لحيان التي صلى فيها صلاة الخوف بعسفان كانت بعد بنى قريظة. وقد ذكر الواقدي بإسناده عن خالد بن الوليد قال: لما خرج رسول الله ﷺ الى الحديبيّة لقيته بعسفان فوقفت بإزائه وتعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا فهممنا أن نغير عليه ثم لم يعزم لنا فأطلعه الله على
стр. 1122
ما في أنفسنا من الهمّ به فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف. قلت: وعمرة الحديبيّة كانت في ذي القعدة سنة ست بعد الخندق وبنى قريظة كما سيأتي. وفي سياق حديث أبى عياش الزرقيّ ما يقتضي أن آية صلاة الخوف نزلت في هذه الغزوة يوم عسفان فاقتضى ذلك أنها أول صلاة خوف صلاها والله أعلم. وسنذكر إن شاء الله تعالى كيفية صلاة الخوف واختلاف الروايات فيها في كتاب الأحكام الكبير إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان
غزوة ذات الرقاع
قال ابن إسحاق ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد غزوة بنى النضير شهري ربيع وبعض جمادى ثم غزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة من غطفان واستعمل على المدينة أبا ذر. قال ابن هشام: ويقال عثمان بن عفان، قال ابن إسحاق فسار حتى نزل نخلا وهي غزوة ذات الرقاع. قال ابن هشام لانهم رقّعوا فيها راياتهم، ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع، وقال الواقدي بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض. وفي حديث أبى موسى: انما سميت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق من شدة الحر. قال ابن إسحاق: فلقى بها جمعا من غطفان فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب وقد خاف الناس بعضهم بعضا حتى صلّى رسول الله ﷺ بالناس صلاة الخوف، وقد أسند ابن هشام حديث صلاة الخوف هاهنا عن عبد الوارث بن سعيد التنوري عن يونس بن عبيد عن الحسن عن جابر بن عبد الله وعن عبد الوارث عن أيوب عن أبى الزبير عن جابر وعن عبد الوارث عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجد ولا ذات الرقاع ولم يتعرض لزمان ولا مكان وفي كون غزوة ذات الرقاع التي كانت بنجد لقتال بنى محارب وبنى ثعلبة بن غطفان قبل الخندق نظر. وقد ذهب البخاري الى أن ذلك كان بعد خيبر واستدل على ذلك بأن أبا موسى الأشعري شهدها كما سيأتي وقدومه انما كان ليالي خيبر صحبة جعفر وأصحابه وكذلك أبو هريرة وقد قال صليت مع رسول الله ﷺ في غزوة نجد صلاة الخوف، ومما يدل على أنها بعد الخندق أن ابن عمر انما أجازه رسول الله ﷺ في القتال أول ما أجازه يوم الخندق.
وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال: غزوت مع رسول الله ﷺ قبل نجد فذكر صلاة الخوف، وقول الواقدي انه ﵇ خرج الى ذات الرقاع في أربعمائة ويقال سبعمائة من أصحابه ليلة السبت لعشر خلون من المحرم سنة خمس فيه نظر، ثم لا يحصل به نجاة من أن صلاة الخوف انما شرعت بعد الخندق لان الخندق كان في شوال سنة خمس على المشهور، وقيل في شوال سنة أربع، فتحصل على هذا القول مخلص من حديث ابن عمر، فأما حديث أبى موسى وأبى هريرة فلا
стр. 1123
قصة غورث بن الحارث
قال ابن إسحاق في هذه الغزوة: حدّثنى عمرو بن عبيد عن الحسن عن جابر بن عبد الله أن رجلا من بنى محارب يقال له غورث قال لقومه من غطفان ومحارب: ألا أقتل لكم محمدا؟ قالوا بلى وكيف تقتله؟ قال: أفتك به. قال: فأقبل الى رسول الله ﷺ وهو جالس، وسيف رسول الله ﷺ في حجره. فقال يا محمد، انظر الى سيفك هذا؟ قال: نعم، فأخذه ثم جعل يهزه ويهم، فكبته الله. ثم قال: يا محمد، أما تخافنى؟ قال: لا، ما أخاف منك؟ قال: أما تخافنى وفي يدي السيف. قال: لا، يمنعني الله منك. ثم عمد الى سيف النبي ﷺ فرده عليه فأنزل الله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاِتَّقُوا اللهَ وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. قال ابن إسحاق: وحدّثنى يزيد بن رومان أنها انما أنزلت في عمرو بن جحاش أخى بنى النضير وما همّ به. هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورث هذا عن عمرو بن عبيد القدري رأس الفرقة الضالة وهو وان كان لا يتهم بتعمد الكذب في الحديث إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروى عنه لبدعته ودعائه اليها، وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه ولله الحمد. فقد أورد الحافظ البيهقي هاهنا طرقا لهذا الحديث من عدة أماكن، وهي ثابتة
في الصحيحين من حديث الزهري عن سنان بن أبى سنان وأبى سلمة عن جابر أنه غزا مع رسول الله ﷺ غزوة نجد فلما قفل رسول الله ﷺ أدركته القائلة في واد كثير العضاة فتفرق الناس يستظلون بالشجر وكان رسول الله ﷺ تحت ظل شجرة فعلق بها سيفه. قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا فأجبناه وإذا عنده أعرابي جالس فقال رسول الله ﷺ : ان هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتا فقال من يمنعك منى؟ قلت: الله. فقال من يمنعك منى؟ قلت الله. فشام السيف وجلس ولم يعاقبه رسول الله ﷺ وقد فعل ذلك، وقد
رواه مسلم أيضا عن أبى بكر بن أبى شيبة عن عفان عن أبان عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة عن جابر قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله ﷺ فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله ﷺ معلق بشجرة، فأخذ سيف رسول الله فاخترطه وقال لرسول الله ﷺ تخافنى؟ قال: لا. قال فمن يمنعك منى؟ قال: الله يمنعني منك قال: فهدده أصحاب رسول الله ﷺ فأغمد السيف وعلقه. قال: ونودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا وصلّى بالطائفة الأخرى ركعتين قال: فكانت لرسول الله ﷺ أربع ركعات وللقوم ركعتان وقد علقه البخاري بصيغة الجزم عن أبان به. قال البخاري وقال مسدد
стр. 1124
عن أبى عوانة عن أبى بشر أن اسم الرجل غورث بن الحارث. وأسند البيهقي من طريق أبى عوانة عن أبى بشر عن سليمان بن قيس عن جابر قال: قاتل رسول الله ﷺ محارب وغطفان بنخل فرأوا من المسلمين غره فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث حتى قام على رأس رسول الله ﷺ بالسيف وقال من يمنعك من قال الله فسقط السيف من يده فأخذ رسول الله ﷺ السيف وقال من يمنعك منى فقال كن خير آخذ. قال: تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: لا ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله فأتى أصحابه وقال: جئتكم من عند خير الناس. ثم ذكر صلاة الخوف وانه صلّى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين. وقد أورد البيهقي هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع عن صالح بن خوات بن جبير عن سهل بن أبى حثمة، وحديث الزهري عن سالم عن أبيه في صلاة الخوف بنجد وموضع ذلك كتاب الأحكام. والله أعلم
قصة الّذي أصيبت امرأته في هذه الغزوة
قال محمد بن إسحاق حدّثنى عمى صدقة بن يسار عن عقيل بن جابر عن جابر بن عبد الله قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة ذات الرقاع من نخل فأصاب رجل امرأة رجل من المشركين فلما انصرف رسول الله ﷺ قافلا، أتى زوجها وكان غائبا، فلما أخبر الخبر حلف لا ينتهي حتى يهريق في أصحاب محمد دما فخرج يتبع إثر رسول الله ﷺ فنزل رسول الله ﷺ منزلا فقال من رجل يكلؤنا ليلتنا فانتدب رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار. فقالا: نحن يا رسول الله، قال: فكونا بفم الشعب من الوادي، وهما عمار بن ياسر وعباد بن بشر فلما خرجا الى فم الشعب قال الأنصاري للمهاجرى: أي الليل تحب أن أكفيكه أوله أم آخره؟ قال: بل اكفني أوله، فاضطجع المهاجري فنام وقام الأنصاري يصلى، قال: وأتى الرجل فلما رأى شخص الرجل عرف أنه ربيئة القوم فرمى بسهم فوضعه فيه فانتزعه ووضعه وثبت قائما قال: ثم رمى بسهم آخر فوضعه فيه فنزعه فوضعه وثبت قائما قال ثم عاد له بالثالث فوضعه فيه فنزعه فوضعه ثم ركع وسجد ثم أهبّ صاحبه فقال: اجلس فقد أثبت قال: فوثب الرجل فلما رآهما عرف أنه قد نذرا به فهرب قال: ولما رأى المهاجري ما بالأنصاري من الدماء قال سبحان الله أفلا أهببتنى أول ما رماك قال كنت في سورة أقرؤها فلم أحب أن أقطعها حتى أنفذها فلما تابع على الرمي ركعت فآذنتك وأيم الله لولا أن أضيع ثعرا أمرنى رسول الله ﷺ بحفظه لقطع نفسي قبل أن أقطعها أو أنفذها. هكذا ذكره ابن إسحاق في المغازي وقد رواه أبو داود عن أبى توبة عن عبد الله بن المبارك عن ابن إسحاق به. وقد ذكر الواقدي عن عبد الله العمرى عن أخيه عبيد الله عن القاسم بن محمد عن صالح بن خوات عن أبيه حديث صلاة
стр. 1125
الخوف بطوله قال وكان رسول الله ﷺ قد أصاب في محالهم نسوة، وكان في السبي جارية وضيئة وكان زوجها يحبها فحلف ليطلبن محمدا ولا يرجع حتى يصيب دما أو يخلص صاحبته ثم ذكر من السياق نحو ما أورده محمد بن إسحاق.
قال الواقدي وكان جابر بن عبد الله يقول بينا أنا مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل من أصحابه بفرخ طائر ورسول الله ﷺ ينظر اليه فأقبل اليه أبواه أو أحدهما حتى طرح نفسه في يدي الّذي أخذ فرخه فرأيت أن الناس عجبوا من ذلك فقال رسول الله ﷺ أتعجبون من هذا الطائر أخذتم فرخه فطرح نفسه رحمة لفرخه فو الله لربكم أرحم بكم من هذا الطائر بفرخه
قصة جمل جابر في هذه الغزوة
قال محمد بن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان عن جابر بن عبد الله قال: خرجت مع رسول الله ﷺ الى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف فلما قفل رسول الله ﷺ جعلت الرفاق تمضى وجعلت أتخلف حتى أدركنى رسول الله ﷺ فقال: مالك يا جابر؟ قلت يا رسول الله أبطأ بى جملي هذا. قال: أنخه، قال فأنخته وأناخ رسول الله ﷺ ثم قال: أعطنى هذه العصا من يدك أو اقطع عصا من شجرة ففعلت فأخذها رسول الله ﷺ فنخسه بها نخسات ثم قال: اركب فركبت فخرج والّذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة. قال: وتحدثت مع رسول الله ﷺ فقال:
أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قال: قلت بل أهبه لك قال: لا ولكن بعنيه، قال: قلت فسمنيه، قال: قد أخذته بدرهم، قال قلت: لا إذا تغبننى يا رسول الله، قال: فبدرهمين، قال: قلت لا، قال: فلم يزل يرفع لي رسول الله ﷺ حتى بلغ الاوقية، قال فقلت: أفقد رضيت؟ قال: نعم، قلت فهو لك، قال: قد أخذته ثم قال: يا جابر هل تزوجت بعد، قال قلت: نعم يا رسول الله، قال:
أثيبا أم بكرا، قال: قلت بل ثيبا، قال: أفلا جارية تلاعبها وتلاعبك، قال: قلت يا رسول الله ان أبى أصيب يوم أحد وترك بنات له سبعا فنكحت امرأة جامعة تجمع رءوسهن فتقوم عليهنّ.
قال: أصبت ان شاء الله، أما انا لو جئنا صرارا أمرنا بجزور فنحرت فأقمنا عليها يومنا ذلك وسمعت بنا فنفضت نمارقها، قال: فقلت والله يا رسول الله ما لنا نمارق، قال: انها ستكون فإذا أنت قدمت فاعمل عملا كيسا، قال: فلما جئنا صرارا أمر رسول الله ﷺ بجزور فنحرت وأقمنا عليها ذلك اليوم، فلما أمسى رسول الله ﷺ دخل ودخلنا. قال: فحدثت المرأة الحديث وما قال لي رسول الله ﷺ ، قالت: فدونك فسمع وطاعة فلما أصبحت أخذت برأس الجمل فأقبلت به حتى أنخته على باب رسول الله ﷺ ثم جلست في المسجد قريبا منه، قال: وخرج رسول الله ﷺ
стр. 1126
فرأى الجمل فقال: ما هذا، قالوا: يا رسول الله هذا جمل جاء به جابر، قال: فأين جابر، فدعيت له، قال فقال: يا ابن أخى خذ برأس جملك فهو لك، قال: ودعا بلالا فقال: اذهب بجابر فأعطه أوقية، قال: فذهبت معه فأعطانى أوقية وزادني شيئا يسيرا، قال: فو الله ما زال ينمى عندي ويرى مكانه من بيننا حتى أصيب أمس فيما أصيب لنا. يعنى يوم الحرة. وقد أخرجه صاحب الصحيح من حديث عبيد الله بن عمر العمرى عن وهب بن كيسان عن جابر بنحوه. قال السهيليّ:
في هذا الحديث اشارة الى ما كان أخبر به رسول الله ﷺ جابر بن عبد الله أن الله أحياء والده وكلمه فقال له تمنّ عليّ. وذلك أنه شهيد وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ اِشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ﴾ وزادهم على ذلك في قوله ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ ثم جمع لهم بين العوض والمعوض فرد عليهم أرواحهم التي اشتراها منهم فقال ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ والروح للإنسان بمنزلة المطية كما قال ذلك عمر بن عبد العزيز.
قال: فلذلك اشترى رسول الله ﷺ من جابر جمله وهو مطيته فأعطاه ثمنه ثم رده عليه وزاده مع ذلك. قال ففيه تحقيق لما كان أخبره به عن أبيه. وهذا الّذي سلكه السهيليّ هاهنا اشارة غريبة وتخيّل بديع والله أعلم. وقد ترجم الحافظ البيهقي في كتابه (دلائل النبوة) على هذا الحديث في هذه الغزوة فقال: باب ما كان ظهر في غزاته هذه من بركاته وآياته في جمل جابر بن عبد الله ﵁. وهذا الحديث له طرق عن جابر وألفاظ كثيرة وفيه اختلاف كثير في كمية ثمن الجمل وكيفية ما اشترط في البيع. وتحرير ذلك واستقصاؤه لائق بكتاب البيع من الأحكام والله أعلم. وقد جاء تقييده بهذه الغزوة وجاء تقييده بغيرها كما سيأتي ومستبعد تعداد ذلك والله أعلم
غزوة بدر الآخرة
وهي بدر الموعد التي تواعدوا اليها من أحد كما تقدم. قال ابن إسحاق: ولما رجع رسول الله ﷺ الى المدينة من غزوة ذات الرقاع أقام بها بقية جمادى الاولى وجمادى الآخرة ورجبا ثم خرج في شعبان الى بدر لميعاد أبى سفيان. قال ابن هشام: واستعمل على المدينة عبد الله بن عبد الله بن أبى بن سلول. قال ابن إسحاق فنزل رسول الله ﷺ بدرا وأقام عليه ثمانيا ينتظر أبا سفيان.
وخرج أبو سفيان في أهل مكة حتى نزل مجنة من ناحية الظهران. وبعض الناس يقول قد بلغ عسفان ثم بدا له في الرجوع فقال: يا معشر قريش انه لا يصلحكم إلا عام خصيب ترعون فيه الشجر وتشربون فيه اللبن، فان عامكم هذا عام جدب وانى راجع فارجعوا. فرجع الناس فسماهم أهل مكة
стр. 1127
جيش السويق يقولون انما خرجتم تشربون السويق.
قال وأتى مخشى بن عمرو الضمريّ وقد كان وادع النبي ﷺ في غزوة ودان على بنى ضمرة فقال: يا محمد أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ قال:
نعم يا أخا بنى ضمرة وان شئت رددنا إليك ما كان بيننا وبينك وجالدناك حتى يحكم الله بيننا وبينك. قال: لا والله يا محمد ما لنا بذلك من حاجة. ثم رجع رسول الله ﷺ الى المدينة ولم يلق كيدا. قال ابن إسحاق وقد قال عبد الله بن رواحة يعنى في انتظارهم أبا سفيان ورجوعه بقريش عامه ذلك قال ابن هشام وقد أنشدنيها أبو زيد لكعب بن مالك:
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم نجد … لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو لاقيتنا فلقيتنا … لابت ذميما وافتقدت المواليا
تركنا به أوصال عتبة وابنه … وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
عصيتم رسول الله اف لدينكم … وأمركم السيّئ الّذي كان غاويا
فانى وان عنفتموني لقائل … فدى لرسول الله أهلي وماليا
أطعناه لم نعدله فينا بغيره … شهابا لنا في ظلمة الليل هاديا
قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في ذلك:
دعوا فلجات الشام قد حال دونها … جلاد كأفواه المخاض الاوارك
بأيدي رجال هاجروا نحو ربهم … وأنصاره حقا وأيدي الملائك
إذا سلكت للغور من بطن عالج … فقولا لها ليس الطريق هنالك
أقمنا على الرسّ النزوع ثمانيا … بارعن جرار عريض المبارك
بكل كميت جوزه نصف خلقه … وقب طوال مشرفات الحوارك
ترى العرفج العامي تذرى أصوله … مناسم أخفاف المطي الرواتك
فان تلق في تطوافنا والتماسنا … فرات بن حيان يكن رهن هالك
وان تلق قيس بن امرئ القيس بعده … يزد في سواد لونه لون حالك
فأبلغ أبا سفيان عنى رسالة … فإنك من غرّ الرجال الصعالك
قال: فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وقد أسلم فيما بعد ذلك:
أحسان لما يا ابن آكلة الفغا … وجدك نغتال الخروق كذلك
خرجنا وما تنجو اليعافير بيننا … ولو وألت منا بشد مدارك
إذا ما انبعثنا من مناخ حسبته … مدمّن أهل الموسم المتعارك
أقمت على الرس النزوع تريدنا … وتتركنا في النخل عند المدارك
стр. 1128
على الزرع تمشى خيلنا وركابنا … فما وطئت ألصقنه بالدكادك
أقمنا ثلاثا بين سلع وفارع … بجرد الجياد والمطي الرواتك
حسبتم جلاد القوم عند فنائكم … كمأخذكم بالعين أرطال آنك
فلا تبعث الخيل الجياد وقل لها … على نحو قول المعصم المتماسك
سعدتم بها وغيركم كان أهلها … فوارس من أبناء فهر بن مالك
فإنك لا في هجرة إن ذكرتها … ولا حرمات دينها أنت ناسك
قال ابن هشام: تركنا منها أبياتا لاختلاف قوافيها، وقد ذكر موسى بن عقبة عن الزهري وابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ استنفر الناس لموعد أبى سفيان وانبعث المنافقون في الناس يثبطونهم فسلم الله أولياءه، وخرج المسلمون صحبة رسول الله ﷺ الى بدر وأخذوا معهم بضائع وقالوا إن وجدنا أبا سفيان وإلا اشترينا من بضائع موسم بدر ثم ذكر نحو سياق ابن إسحاق في خروج أبى سفيان الى مجنة ورجوعه وفي مقاولة الضمريّ، وعرض النبي ﷺ المنابذة فأبى ذلك. قال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ اليها في ألف وخمسمائة من أصحابه واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة. وكان خروجه اليها في مستهل ذي القعدة يعنى سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان لكن قال في سنة ثلاث وهذا وهم فان هذه تواعدوا اليها من أحد وكانت أحد في شوال سنة ثلاث كما تقدم والله أعلم. قال الواقدي: فأقاموا ببدر مدة الموسم الّذي كان يعقد فيها ثمانية أيام فرجعوا وقد ربحوا من الدرهم درهمين. وقال غيره:
فانقلبوا كما قال الله : ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاِتَّبَعُوا رِضْوانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾
فصل في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة
قال ابن جرير: وفي جمادى الأولى من هذه السنة مات عبد الله بن عثمان بن عفان ﵁ يعنى من رقية بنت رسول الله ﷺ وهو ابن ست سنين فصلى عليه رسول الله ﷺ ونزل في حفرته والده عثمان بن عفان ﵁. قلت: وفيه توفى أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي وأمه برّة بنت عبد المطلب عمة رسول الله
стр. 1129
ﷺ وكان رضيع رسول الله ﷺ ارتضعا من ثويبة مولاة أبى لهب. وكان إسلام أبى سلّم وأبى عبيدة وعثمان بن عفان والأرقم بن أبى الأرقم قديما في يوم واحد، وقد هاجر هو وزوجته أم سلمة الى أرض الحبشة ثم عاد الى مكة وقد ولد لهما بالحبشة أولاد، ثم هاجر من مكة الى المدينة وتبعته أم سلمة الى المدينة كما تقدم، وشهد بدرا وأحدا ومات من آثار جرح جرحه بأحد ﵁ وأرضاه، له حديث واحد في الاسترجاع عند المصيبة سيأتي في سياق تزويج رسول الله ﷺ بأم سلمة قريبا. قال ابن جرير: وفي ليال خلون من شعبان منها ولد الحسين بن على من فاطمة بنت رسول الله ﷺ ورضى الله عنهم. قال وفي شهر رمضان من هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث بن عبد الله بن عمرو بن عبد مناف بن هلال بن عامر بن صعصعة الهلالية. وقد حكى أبو عمر بن عبد البر عن على بن عبد العزيز الجرجاني انه قال: كانت أخت ميمونة بنت الحارث. ثم استغربه وقال لم أره لغيره. وهي التي يقال لها أم المساكين لكثرة صدقاتها عليهم وبرها لهم وإحسانها اليهم. وأصدقها ثنتى عشرة أوقية ونشا ودخل بها في رمضان وكانت قبله عند الطفيل بن الحارث فطلقها. قال أبو عمر بن عبد البر عن على بن عبد العزيز الجرجاني: ثم خلف عليها أخوه عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف. قال ابن الأثير في الغابة: وقيل كانت تحت عبد الله بن جحش فقتل عنها يوم أحد.
قال أبو عمر: ولا خلاف انها ماتت في حياة رسول الله ﷺ ، وقيل لم تلبث عنده إلا شهرين أو ثلاثة حتى توفيت ﵂، وقال الواقدي في شوال من هذه السنة تزوج رسول الله ﷺ أم سلمة بنت أبى أمية. قلت: وكانت قبله عند زوجها أبى أولادها أبى سلمة بن عبد الأسد وقد كان شهد أحدا كما تقدم، وجرح يوم أحد فداوى جرحه شهرا حتى بريء، ثم خرج في سرية فغنم منها نعما ومغنما جيدا، ثم أقام بعد ذلك سبعة عشر يوما ثم انتقض عليه جرحه فمات لثلاث بقين من جمادى الاولى من هذه السنة، فلما حلت في شوال خطبها رسول الله ﷺ الى نفسها بنفسه الكريمة وبعث اليها عمر بن الخطاب في ذلك مررا فتذكر أنها امرأة غيري أي شديدة الغيرة وانها مصبية أي لها صبيان يشغلونها عنه ويحتاجون الى مؤنة تحتاج معها أن تعمل لهم في قوتهم، فقال: أما الصبية فإلى الله والى رسوله أي نفقتهم ليس إليك، وأما الغيرة فادعو الله فيذهبها، فأذنت في ذلك وقالت لعمر آخر ما قالت له: قم فزوّج النبي ﷺ تعنى قد رضيت وأذنت. فتوهم بعض العلماء انها تقول لابنها عمر بن أبى سلمة وقد كان إذ ذاك صغيرا لا يلي مثله العقد، وقد جمعت في ذلك جزءا مفردا بينت فيه الصواب في ذلك ولله الحمد والمنة. وان الّذي ولى عقدها عليه ابنها سلمة بن أبى سلمة وهو أكبر ولدها وساغ هذا لان أباه ابن عمها فللابن ولاية أمه إذا كان
стр. 1130
سببا لها من غير جهة البنوة بالإجماع. وكذا إذا كان معتقا أو حاكما، فأما محض البنوة فلا يلي بها عقد النكاح عند الشافعيّ وحده وخالفه الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد ﵏. ولبسط هذا موضع آخر يذكر فيه وهو كتاب النكاح من الأحكام الكبير إن شاء الله
قال الامام أحمد: حدّثنا يونس حدثنا ليث يعنى ابن سعد عن يزيد بن عبد الله بن أسامة ابن الهاد عن عمرو بن أبى عمرو عن المطلب عن أم سلمة قالت: أتانى أبو سلمة يوما من عند رسول الله ﷺ فقال: لقد سمعت من رسول الله ﷺ قولا سررت به، قال: «لا يصيب أحدا من المسلمين مصيبة فيسترجع عند مصيبته ثم يقول اللهمّ آجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا فعل به». قالت أم سلمة: فحفظت ذلك منه، فلما توفى أبو سلمة استرجعت وقلت: اللهمّ آجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرا منها - ثم رجعت الى نفسي فقلت: من أين لي خير من أبى سلمة؟ فلما انقضت عدتى استأذن عليّ رسول الله ﷺ وأنا أدبغ إهابا لي فغسلت يدي من القرظ وأذنت له فوضعت له وسادة أدم حشوها ليف فقعد عليها فحطبنى الى نفسي، فلما فرغ من مقالته قلت: يا رسول الله ما بى أن لا تكون بك الراغبة، ولكنى امرأة بى غيرة شديدة فأخاف أن ترى منى شيئا يعذبني الله به، وأنا امرأة قد دخلت في السن وأنا ذات عيال. فقال: أما ما ذكرت من الغيرة فسيذهبها الله عنك، وأما ما ذكرت من السن فقد أصابنى مثل الّذي أصابك، وأما ما ذكرت من العيال فإنما عيالك عيالي، فقالت: فقد سلمت لرسول الله ﷺ . فقالت أم سلمة:
فقد أبدلني الله بأبي سلمة خيرا منه رسول الله ﷺ . وقد رواه الترمذي والنسائي من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن عمر بن أبى سلمة عن أمه أم سلمة عن أبى سلمة به. وقال الترمذي حسن غريب. وفي رواية النسائي عن ثابت عن ابن عمر بن أبى سلمة عن أبيه. ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون عن عبد الملك بن قدامة الجمحيّ عن أبيه عن عمر بن أبى سلمة به.
وقال ابن إسحاق: ثم انصرف رسول الله ﷺ يعنى من بدر الموعد - راجعا الى المدينة فأقام بها حتى مضى ذو الحجة وولى تلك الحجة المشركون وهي سنة أربع. وقال الواقدي: وفي هذه السنة يعنى سنة أربع أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب يهود. قلت: فثبت عنه في الصحيح أنه قال تعلمته في خمسة عشر يوما والله أعلم
стр. 1131
سنة خمس من الهجرة النبويّة
غزوة دومة الجندل في ربيع الأول منها
قال ابن إسحاق: ثم غزا رسول الله ﷺ دومة الجندل. قال ابن هشام في ربيع الأول، - يعنى من سنة خمس - واستعمل على المدينة سباع بن عرفطة الغفاريّ. قال ابن إسحاق: ثم رجع الى المدينة قبل أن يصل اليها ولم يلق كيدا، فأقام بالمدينة بقية سنته. هكذا قال ابن إسحاق. وقد قال محمد بن عمر الواقدي باسناده عن شيوخه عن جماعة من السلف قالوا: أراد رسول الله ﷺ أن يدنو الى أدانى الشام، وقيل له ان ذلك مما يفزع قيصر، وذكر له أن بدومة الجندل جمعا كبيرا وأنهم يظلمون من مرّ بهم، وكان لها سوق عظيم وهم يريدون أن يدنوا من المدينة. فندب رسول الله ﷺ الناس فخرج في ألف من المسلمين، فكان يسير الليل ويمكن النهار ومعه دليل له من بنى عذرة يقال له مذكور هاد خريت. فلما دنا من دومة الجندل أخبره دليله بسوائم بنى تميم، فسار حتى هجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب في كل وجه، وجاء الخبر أهل دومة الجندل فتفرقوا، فنزل رسول الله ﷺ بساحتهم فلم يجد فيها أحدا، فأقام بها أياما، وبث السرايا ثم رجعوا وأخذ محمد بن سلمة رجلا منهم فأتى به رسول الله ﷺ ، فسأله عن أصحابه فقال هربوا أمس، فعرض عليه رسول الله ﷺ الإسلام فأسلم، ورجع رسول الله ﷺ الى المدينة. قال الواقدي: وكان خروجه ﵇ الى دومة الجندل في ربيع الآخر (١) سنة خمس. قال: وفيه توفيت أم سعد بن عبادة وابنها مع رسول الله ﷺ في هذه الغزوة وقد قال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدّثنا محمد بن بشار حدّثنا يحيى بن سعيد عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب أن أم سعد ماتت والنبي ﷺ غائب، فلما قدم صلى عليها وقد مضى لذلك شهر وهذا مرسل جيد، وهو يقتضي أنه ﵇ غاب في هذه الغزوة شهرا فما فوقه على ما ذكره الواقدي ﵀
غزوة الخندق وهي غزوة الأحزاب
وقد أنزل الله تعالى فيها صدر سورة الأحزاب فقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ *
стр. 1132
﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا، * هُنالِكَ اُبْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً شَدِيداً * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً * وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً * وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْها وَما تَلَبَّثُوا بِها إِلاّ يَسِيراً * وَلَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبارَ وَكانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤُلاً * قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلاّ قَلِيلاً * قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللهِ إِنْ أَرادَ بِكُمْ سُوءاً أَوْ أَرادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً * قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلاّ قَلِيلاً * أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيراً * يَحْسَبُونَ الْأَحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ يَسْئَلُونَ عَنْ أَنْبائِكُمْ وَلَوْ كانُوا فِيكُمْ ما قاتَلُوا إِلاّ قَلِيلاً * لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً * وَلَمّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً * مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلاً * لِيَجْزِيَ اللهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً * وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ وقد تكلمنا على كل من هذه الآيات الكريمات في التفسير ولله الحمد والمنة، ولنذكر هاهنا ما يتعلق بالقصة إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق وعروة ابن الزبير وقتادة والبيهقي وغير واحد من العلماء سلفا وخلفا وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري أنه قال: ثم كانت وقعة الأحزاب في شوال سنة أربع. وكذلك قال الامام مالك بن أنس فيما رواه احمد بن حنبل عن موسى بن داود عنه. قال البيهقي: ولا اختلاف بينهم في الحقيقة لان مرادهم ان ذلك بعد مضى أربع سنين وقبل استكمال خمس، ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد وأعدوا المسلمين الى بدر العام القابل، فذهب النبي ﷺ وأصحابه كما تقدم في شعبان سنة أربع
стр. 1133
ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام فلم يكونوا ليأتوا الى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال من سنة خمس والله أعلم. وقد صرح الزهري بان الخندق كانت بعد أحد بسنتين ولا خلاف أن أحدا في شوال سنة ثلاث الا على قول من ذهب الى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول الى آخرها كما حكاه البيهقي. وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي وقد صرح بان بدرا في الاولى، وأحدا في سنة ثنتين، وبدر الموعد في شعبان سنة ثلاث، والخندق في شوال سنة أربع. وهذا مخالف لقول الجمهور فان المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعن مالك من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة والله أعلم. والصحيح قول الجمهور أن أحدا في شوال سنة ثلاث، وأن الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة والله أعلم.
فاما الحديث المتفق عليه في الصحيحين من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنه قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزنى، وعرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقد أجاب عنها جماعة من العلماء منهم البيهقي بانه عرض يوم أحد في أول الرابعة عشرة، ويوم الأحزاب في أواخر الخامسة عشرة. قلت: ويحتمل أنه أراد أنه لما عرض عليه في يوم الأحزاب كان قد استكمل خمس عشرة سنة التي يجاز لمثلها الغلمان، فلا يبقى على هذا زيادة عليها. ولهذا لما بلّغ نافع عمر بن عبد العزيز هذا الحديث قال: ان هذا الفرق بين الصغير والكبير. ثم كتب به الى الآفاق واعتمد على ذلك جمهور العلماء والله أعلم وهذا سياق القصة مما ذكره ابن إسحاق وغيره. قال ابن إسحاق: ثم كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس. فحدثني يزيد بن رومان عن عروة ومن لا أتهم عن عبيد الله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظي والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر وغيرهم من علمائنا وبعضهم يحدث ما لا يحدث بعض. قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفرا من اليهود منهم إسلام بن أبى الحقيق النضري وحيي بن أخطب النضري وكنانة بن الربيع بن أبى الحقيق وهوذة بن قيس الوائلى وأبو عمار الوائلى في نفر من بنى النضير ونفر من بنى وائل وهم الذين حزّبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، خرجوا حتى قدموا على قريش بمكة فدعوهم الى حرب رسول الله ﷺ وقالوا إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله، فقالت لهم قريش: يا معشر يهود انكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟ قالوا بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ﴾
стр. 1134
آمَنُوا سَبِيلاً، * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً الآيات. فلما قالوا ذلك لقريش سرهم ونشطوا لما دعوهم اليه من حرب رسول الله ﷺ ، فاجتمعوا لذلك واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان فدعوهم الى حرب النبي ﷺ وأخبروهم أنهم يكونون معهم عليه وأن قريشا قد تابعوهم على ذلك واجتمعوا معهم فيه، فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان، وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في بنى فزارة، والحارث بن عوف بن أبى حارثة المري في بنى مرة ومسعر بن رخيلة بن نويرة ابن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم رسول الله ﷺ وما أجمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة قال ابن هشام: يقال ان الّذي أشار به سلمان. قال الطبري والسهيليّ: أول من حفر الخنادق منوشهر بن إيرج بن أفريدون وكان في زمن موسى ﵇. قال ابن إسحاق: فعمل فيه رسول الله ﷺ ترغيبا للمسلمين في الأجر، وعمل معه المسلمون، وتخلف طائفة من المنافقين يعتذرون بالضعف، ومنهم من ينسلّ خفية بغير اذنه ولا علمه ﵊. وقد أنزل الله تعالى في ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اِسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاِسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللهَ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً قَدْ يَعْلَمُ اللهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِواذاً فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ، * أَلا إِنَّ لِلّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ قال ابن إسحاق: فعمل المسلمون فيه حتى أحكموه، وارتجزوا فيه برجل من المسلمين يقال له جعيل سماه رسول الله ﷺ عمرا، فقالوا فيما يقولون:
سماه من بعد جعيل عمرا … وكان للبائس يوما ظهرا
وكانوا إذا قالوا عمرا قال معهم رسول الله ﷺ عمرا، وإذا قالوا ظهرا قال لهم ظهرا. وقد
قال البخاري: حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا معاوية بن عمرو حدثنا أبو إسحاق عن حميد سمعت أنسا قال: خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال: «اللهمّ ان العيش عيش الآخرة، فأغفر الأنصار والمهاجرة» فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الجهاد ما بقينا أبدا
стр. 1135
وفي الصحيحين من حديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أنس نحوه. وقد رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت وحميد عن أنس بنحوه.
وقال البخاري حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث عن عبد العزيز عن أنس قال: جعل المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق حول المدينة وينقلون التراب على متونهم ويقولون:
نحن الذين بايعوا محمدا … على الإسلام ما بقينا أبدا
قال يقول النبي ﷺ مجيبا لهم «اللهمّ انه لا خير الا خير الآخرة، فبارك في الأنصار والمهاجرة» قال يؤتون بملء كفى من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع، وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن.
وقال البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا عبد العزيز بن أبى حازم عن سهل بن سعد قال: كنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا، فقال رسول الله ﷺ : «اللهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين والأنصار». ورواه مسلم عن القعنبي عن عبد العزيز به.
وقال البخاري: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا شعبة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق حتى أغمر بطنه أو اغبرّ بطنه يقول:
والله لولا الله ما اهتدينا … ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبت الاقدام إن لاقينا
إن الألى قد بغوا علينا … إذا أرادوا فتنة أبينا
ورفع بها صوته: أبينا، أبينا. ورواه مسلم من حديث شعبة به. ثم
قال البخاري: حدثنا أحمد بن عثمان حدثنا شريح بن مسلمة حدثني إبراهيم بن يوسف حدثني أبى عن أبى إسحاق عن البراء يحدث قال: لما كان يوم الأحزاب وخندق رسول الله ﷺ رأيته ينقل من تراب الخندق حتى وارى عنى التراب جلدة بطنه، وكان كثير الشعر، فسمعته يرتجز بكلمات عبد الله بن رواحة وهو ينقل من التراب يقول:
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا … ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا … وثبت الاقدام ان لاقينا
ان الألى قد بغوا علينا … وان أرادوا فتنة أبينا
ثم يمد صوته بآخرها.
وقال البيهقي في الدلائل: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان أخبرنا أحمد ابن عبيد الصفار حدثنا إسماعيل بن الفضل البجلي حدثنا إبراهيم بن يوسف البلخي حدثنا المسيب ابن شريك عن زياد بن أبى عثمان عن سلمان ان رسول الله ﷺ ضرب في
стр. 1136
الخندق وقال:
بسم الله وبه هدينا … ولو عبدنا غيره شقينا
يا حبذا ربّا وحبّ دينا
وهذا حديث غريب من هذا الوجه.
وقال الامام أحمد حدثنا سليمان حدثنا شعبة عن معاوية ابن قرة عن أنس ان رسول الله ﷺ قال وهم يحفرون الخندق: «اللهمّ لا خير الا خير الآخرة، فأصلح الأنصار والمهاجرة» وأخرجاه في الصحيحين من حديث غندر عن شعبة قال ابن إسحاق وقد كان في حفر الخندق أحاديث بلغني من الله فيها عبرة في تصديق رسول الله ﷺ وتحقيق نبوته، عاين ذلك المسلمون. فمن ذلك ان جابر بن عبد الله كان يحدث انه اشتدت عليهم في بعض الخندق كدية، فشكوها الى رسول الله ﷺ فدعا بإناء من ماء فتفل فيه ثم دعا بما شاء الله أن يدعو به، ثم نضح الماء على تلك الكدية، فيقول من حضرها: فو الّذي بعثه بالحق لا نهالت حتى عادت كالكثيب ما تردّ فأسا ولا مسحاة. هكذا ذكره ابن إسحاق منقطعا عن جابر بن عبد الله ﵁. وقد
قال البخاري ﵀ حدثنا خلاّد بن يحيى حدثنا عبد الواحد ابن أيمن عن أبيه قال: أتيت جابرا فقال انا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاءوا النبي ﷺ فقالوا هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل. ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا فأخذ النبي ﷺ المعول فضرب فعاد كثيبا أهيل أو أهيم فقلت يا رسول الله ائذن لي الى البيت، فقلت لامرأتى رأيت بالنبيّ ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر فعندك شيء؟ قالت عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي ﷺ والعجين قد انكسر والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج فقلت طعيّم لي فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان. قال كم هو؟ فذكرت له، فقال كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتى، فقال قوموا فقام المهاجرون والأنصار. فلما دخل على امرأته قال ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت هل سألك؟ قلت نعم فقال ادخلوا ولا تضاغطوا، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويخمّر البرمة والتنور إذا أخذ منه ويقرّب الى أصحابه، ثم ينزع فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية قال: كلى هذا وأهدى، فان الناس أصابتهم مجاعة. تفرد به البخاري. وقد رواه الامام أحمد عن وكيع عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه أيمن الحبشي مولى بنى مخزوم عن جابر بقصة الكدية وربط الحجر على بطنه الكريم.
ورواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر بقصة الكدية والطعام وطوله أتم من رواية البخاري قال فيه: لما علم النبي ﷺ بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعا قوموا الى جابر فقاموا، قال فلقيت من
стр. 1137
الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت جاءنا بخلق على صاع من شعير وعناق. ودخلت على امرأتي أقول:
افتضحت جاءك رسول الله ﷺ بالخندق أجمعين، فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت:
نعم. فقالت الله ورسوله أعلم. قال فكشفت عنى غما شديدا، قال فدخل رسول الله ﷺ فقال خدمي ودعينى من اللحم. وجعل رسول الله ﷺ يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا فما زال يقرب الى الناس حتى شبعوا أجمعين ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، ثم قال رسول الله ﷺ كلى واهدى فلم تزل تأكل وتهدى يومها. وقد رواه كذلك أبو بكر بن أبى شيبة عن عبد الرحمن بن محمد المحاربي عن عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر به وأبسط أيضا، وقال في آخره: وأخبرنى أنهم كانوا ثمانمائة أو قال ثلاثمائة. وقال يونس بن بكير عن هشام بن سعد عن أبى الزبير عن جابر. فذكر القصة بطولها في الطعام فقط وقال وكانوا ثلاثمائة. ثم
قال البخاري:
حدّثنا عمرو بن على حدثنا أبو عاصم حدثنا حنظلة بن أبى سفيان عن أبى الزبير حدثنا ابن ميناء سمعت جابر بن عبد الله قال: لما حفر الخندق رأيت من النبي ﷺ خمصا فانكفأت الى امرأتي فقلت هل عندك شيء فإنّي رأيت برسول الله ﷺ خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن فذبحتها فطحنت ففرغت الى فراغي وقطعتها في برمتها ثم وليت الى رسول الله ﷺ فقالت لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته فساررته فقلت يا رسول الله ذبحت بهيمة لنا وطحنت صاعا من شعير كان عندنا، فتعال أنت ونفر معك. فصاح رسول الله ﷺ فقال:
يا أهل الخندق ان جابرا قد صنع سؤرا فحيهلا بكم، فقال رسول الله ﷺ لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء. فجئت وجاء رسول الله ﷺ يقدم الناس حتى جئت امرأتي فقالت بك وبك. فقلت قد فعلت الّذي قلت. فأخرجت لنا عجينا فبسق فيه وبارك ثم عمد الى برمتنا فبسق وبارك ثم قال: ادع خبازة فلتخبز معك واقدحى من برمتك ولا تنزلوها وهم ألف فأقسم بالله لا كلوا حتى تركوه وانحرفوا وان برمتنا لتغط كما هي وان عجيننا كما هو. ورواه مسلم عن حجاج بن الشاعر عن أبى عاصم به نحوه. وقد
روى محمد بن إسحاق هذا الحديث وفي سياقه غرابة من بعض الوجوه فقال حدثني سعيد بن ميناء عن جابر بن عبد الله قال: عملنا مع رسول الله ﷺ في الخندق وكانت عند شويهة غير جد سمينة قال فقلت والله لو صنعناها لرسول الله ﷺ قال وأمرت امرأتي فطحنت لنا شيئا من شعير فصنعت لنا منه خبزا وذبحت تلك الشاة فشويناها لرسول الله ﷺ فلما أمسينا وأراد رسول الله ﷺ الانصراف عن الخندق قال وكنا نعمل فيه نهارا فإذا أمسينا رجعنا الى أهالينا فقلت يا رسول الله انى قد صنعت لك شويهة كانت عندنا وصنعنا معها شيئا من خبز هذا الشعير فانا أحب أن تنصرف معى الى منزلي قال وانما أريد أن ينصرف معى رسول الله ﷺ وحده. قال فلما أن قلت ذلك قال نعم ثم أمر صارخا فصرخ أن
стр. 1138
انصرفوا مع رسول الله ﷺ الى بيت جابر بن عبد الله. قال قلت ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. قال فاقبل رسول الله ﷺ وأقبل الناس معه فجلس وأخرجناها اليه قال فبرّك وسمى الله تعالى ثم أكل وتواردها الناس كلما فرغ قوم قاموا وجاء ناس حتى صدر أهل الخندق عنها. والعجب أن الامام احمد انما رواه من طريق سعيد بن ميناء عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق عنه عن جابر مثله سواء.
قال محمد بن إسحاق وحدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد أخت النعمان بن بشير قالت دعتني أمى عمرة بنت رواحة فأعطتني حفنة من تمر في ثوبي ثم قالت أي بنية اذهبي الى أبيك وخالك عبد الله بن رواحة بغدائهما. قالت فأخذتها وانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبى وخالي فقال تعالى يا بنية ما هذا معك قالت قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمي الى أبى بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغدّيانه. فقال هاتيه قالت فصببته في كفى رسول الله ﷺ فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دحا بالتمر عليه فتبدد فوق الثوب ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم الى الغداء. فاجتمع أهل الخندق عليه فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وانه ليسقط من أطراف الثوب. هكذا رواه ابن إسحاق وفيه انقطاع، وهكذا رواه الحافظ البيهقي من طريقه ولم يزد.
قال ابن إسحاق: وحدثت عن سلمان الفارسي أنه قال: ضربت في ناحية من الخندق فغلظت عليّ صخرة ورسول الله ﷺ قريب منى فلما رآني أضرب ورأى شدة المكان عليّ نزل فأخذ المعول من يدي فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة ثم ضرب به ضربة أخرى فلمعت تحته برقة أخرى قال ثم ضرب به الثالثة فلمعت برقة أخرى قال قلت بأبي أنت وأمى يا رسول الله ما هذا الّذي رأيت لمع تحت المعول وأنت تضرب؟ قال: أوقد رأيت ذلك يا سلمان؟ قال قلت: نعم. قال: أما الاولى فان الله فتح عليّ باب اليمن وأما الثانية فان الله فتح عليّ باب الشام والمغرب وأما الثالثة فان الله فتح على بها المشرق. قال البيهقي: وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق قد ذكره موسى بن عقبة في مغازيه، وذكره أبو الأسود عن عروة ثم روى البيهقي من طريق محمد بن يونس الكديمي وفي حديثه نظر. لكن
رواه ابن جرير في تاريخه عن محمد بن بشار وبندار (١) كلاهما عن محمد بن خالد بن عثمة عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده فذكر حديثا فيه أن رسول الله ﷺ خطّ الخندق بين كل عشرة أربعين ذراعا قال: واحتقّ المهاجرون والأنصار في سلمان فقال رسول الله ﷺ سلمان منا أهل البيت قال عمرو بن عوف فكنت أنا وسلمان وحذيفة والنعمان بن مقرّن وستة من الأنصار في أربعين ذراعا فحفرنا حتى إذا بلغنا الندى ظهرت لنا صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا، فذهب سلمان الى رسول الله ﷺ وهو في قبة تركية، فأخبره عنها فجاء
стр. 1139
فاخذ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها - يعنى المدينة - حتى كأنها مصباح في جوف ليل مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثانية فكذلك، ثم الثالثة فكذلك. وذكر ذلك سلمان والمسلمون لرسول الله ﷺ وسألوه عن ذلك النور، فقال: لقد أضاء لي من الاولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتى ظاهرة عليها. ومن الثانية أضاءت القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة عليها. ومن الثالثة أضاءت قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة عليها فابشروا، واستبشر المسلمون وقالوا الحمد لله موعود صادق. قال: ولما طلعت الأحزاب قال المؤمنون: ﴿هذا ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَما زادَهُمْ إِلاّ إِيماناً وَتَسْلِيماً﴾. وقال المنافقون: يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وانها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق لا تستطيعون أن تبرزوا فنزل فيهم ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً﴾ وهذا حديث غريب.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني حدّثنا هارون بن ملول حدّثنا أبو عبد الرحمن حدّثنا عبد الرحمن بن زياد عن عبد الله بن يزيد عن عبد الله بن عمرو قال لما أمر رسول الله ﷺ بالخندق فخندق على المدينة قالوا يا رسول الله انا وجدنا صفاة لا نستطيع حفرها فقام النبي ﷺ وقمنا معه فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدّة لم أسمع مثلها قطّ فقال فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدّة لم أسمع مثلها قطّ فقال فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدّة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارا. وهذا أيضا غريب من هذا الوجه وعبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي فيه ضعف فالله أعلم.
وقال الطبراني أيضا: حدّثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدّثنى سعيد بن محمد الجرمي حدّثنا أبو نميلة حدّثنا نعيم بن سعيد الغري أن عكرمة حدث عن ابن عباس قال: احتفر رسول الله ﷺ الخندق، وأصحابه قد شدوا الحجارة على بطونهم من الجوع فلما رأى ذلك رسول الله ﷺ قال: هل دللتم على رجل يطعمنا أكلة؟ قال رجل نعم. قال أما لا فتقدّم فدلنا عليه.
فانطلقوا الى [بيت] الرجل فإذا هو في الخندق يعالج نصيبه منه فأرسلت امرأته أن جيء فان رسول الله ﷺ قد أتانا فجاء الرجل يسعى وقال: بأبي وأمى وله معزة ومعها جديها فوثب اليها فقال النبي ﷺ الجدي من ورائها فذبح الجدي وعمدت المرأة الى طحينة لها فعجنتها وخبزت فأدركت القدر فثردت قصعتها فقربتها الى رسول الله ﷺ وأصحابه فوضع رسول الله ﷺ إصبعه فيها وقال بسم الله اللهمّ بارك فيها أطعموا فأكلوا منها حتى صدروا ولم يأكلوا منها إلا ثلثها وبقي ثلثاها فسرح أولئك العشرة الذين كانوا معه أن اذهبوا وسرحوا إلينا بعدتكم فذهبوا
стр. 1140
فجاء أولئك العشرة فأكلوا منها حتى شبعوا ثم قام ودعا لربة البيت وسمت عليها وعلى أهل بيتها، ثم مشوا الى الخندق فقال: اذهبوا بنا الى سلمان، وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال رسول الله ﷺ : دعوني فأكون أول من ضربها. فقال: بسم الله. فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون: نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم، ثم
قال الحافظ البيهقي: أخبرنا على بن احمد بن عبدان أخبرنا أحمد بن عبيد الصفار حدثنا محمد بن غالب بن حرب حدثنا هوذة حدثنا عوف عن ميمون بن استاذ الزهري حدثني البراء بن عازب الأنصاري قال لما كان حين أمرنا رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول فشكوا ذلك الى رسول الله ﷺ فلما رآها أخذ المعول وقال بسم الله وضرب ضربة فكسر ثلثها وقال الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله انى لأبصر قصورها الحمران شاء الله، ثم ضرب الثانية فقطع ثلثا آخر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله انى لا بصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة فقال بسم الله فقطع بقية الحجر فقال الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله انى لا بصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة.
وهذا حديث غريب أيضا تفرد به ميمون بن استاذ هذا وهو بصرى روى عن البراء وعبد الله بن عمرو وعنه حميد الطويل والجريريّ وعوف الأعرابي قال أبو حاتم عن إسحاق بن منصور عن ابن معين كان ثقة وقال على بن المديني كان يحيى بن سعيد القطان لا يحدث عنه.
وقال النسائي حدثنا عيسى بن يونس حدثنا ضمرة عن أبى زرعة السيبانى عن أبى سكينة رجل من البحرين عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال لما أمر رسول الله ﷺ بحفر الخندق عرضت لهم صخرة حالت بينهم وبين الحفر فقام النبي ﷺ وأخذ المعول ووضع رداءه ناحية الخندق وقال ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فندر ثلث الحجر وسلمان الفارسي قائم ينظر فبرق مع ضربة رسول الله ﷺ برقة ثم ضرب الثانية وقال ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فندر الثلث الآخر وبرقت برقة فرآها سلمان ثم ضرب الثالثة وقال ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فندر الثلث الباقي وخرج رسول الله ﷺ فأخذ رداءه وجلس فقال سلمان يا رسول الله رأيتك حين ضربت لا تضرب ضربة الا كانت معها برقة قال رسول الله ﷺ يا سلمان رأيت ذلك؟ قال أي والّذي بعثك بالحق يا رسول الله قال فانى حين ضربت الضربة الاولى رفعت لي مدائن كسرى وما حولها ومدائن كثيرة حتى رأيتها بعيني فقال له من حضره من أصحابه يا رسول الله ادع أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم
стр. 1141
ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا بذلك قال ثم ضربت الضربة الثانية فرفعت لي مدائن قيصر وما حولها حتى رأيتها بعيني قالوا يا رسول الله ادع الله أن يفتحها علينا ويغنمنا ذراريهم ونخرب بأيدينا بلادهم فدعا ثم قال ثم ضربت الضربة الثالثة فرفعت لي مدائن الحبشة وما حلوها من القرى حتى رأيتها بعيني. ثم قال رسول الله ﷺ «دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم» هكذا رواه النسائي مطولا وانما روى منه أبو داود دعوا الحبشة ما ودعوكم واتركوا الترك ما تركوكم عن عيسى بن محمد الرمليّ عن ضمرة بن ربيعة عن أبى زرعة يحيى بن أبى عمرو السيبانى به ثم قال ابن إسحاق وحدثني من لا أتهم عن أبى هريرة انه كان يقول حين فتحت هذه الأمصار في زمان عمر وزمان عثمان وما بعده افتتحوا ما بدا لكم فو الّذي نفس أبى هريرة بيده ما افتتحتم من مدينة ولا تفتحونها الى يوم القيامة الا وقد أعطى الله محمدا ﷺ مفاتيحها قبل ذلك. وهذا من هذا الوجه منقطع أيضا وقد وصل من غير وجه ولله الحمد
فقال الامام أحمد حدثنا حجاج حدثنا ليث حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول بعثت بجوامع الكلم ونصرت بالرعب وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي. وقد رواه البخاري منفردا به عن يحيى بن بكير وسعد بن عفير كلاهما عن الليث به وعنده قال أبو هريرة فذهب رسول الله ﷺ وأنتم تنتثلونها
وقال الامام أحمد حدثنا يزيد حدثنا محمد ابن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ نصرت بالرعب وأوتيت جوامع الكلم وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلت في يدي. وهذا اسناد جيد قوى على شرط مسلم ولم يخرجوه.
وفي الصحيحين إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله.
وفي الحديث الصحيح ان الله زوى لي الأرض مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها
فصل
قال ابن إسحاق: ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الاسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بنى كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمى الى جانب أحد وخرج رسول الله ﷺ والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم الى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين فضرب هنالك عسكره والخندق بينه وبين القوم وأمر بالذراري والنساء فجعلوا فوق الآطام. قال ابن
стр. 1142
هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم. قلت وهذا معنى قوله تعالى ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللهِ الظُّنُونَا﴾ قال البخاري:
حدّثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا عبيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﴿إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ﴾ قالت ذلك يوم الخندق. قال موسى بن عقبة ولما نزل الأحزاب حول المدينة أغلق بنو قريظة حصنهم دونهم. قال ابن إسحاق وخرج حيي بن اخطب النضري حتى أتى كعب بن أسد القرظي صاحب عقدهم وعهدهم فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دون حيي فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه ويحك يا كعب افتح لي. قال ويحك يا حيي انك امرؤ مشئوم واين قد عاهدت محمدا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاء وصدقا. قال ويحك افتح لي أكلمك. قال ما أنا بفاعل. قال والله ان أعلقت دوني الا خوفا على جشيشتك ان آكل معك منها. فأحفظ الرجل ففتح له فقال ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر وبحر طام قال وما ذاك قال جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الاسيال من رومة وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى الى جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدونى على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. فقال كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام قد هراق ماؤه يرعد ويبرق وليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فانى لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة ذكرهم ميثاق رسول الله ﷺ وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوه. قال ابن إسحاق فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له - يعنى في نقض عهد رسول الله ﷺ وفي محاربته مع الأحزاب - على أن أعطاه حيي عهد الله وميثاقه لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن ادخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك. فنقض كعب بن أسد العهد وبريء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حيي بن أخطب أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم ان هم رجعوا ولم يناجزوا محمدا، قالوا:
وتكون الرهائن تسعين رجلا من أشرافهم. فنازلهم حيي على ذلك. فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد الا بنى سعنة أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا الى رسول الله ﷺ .
قال ابن إسحاق: فلما انتهى الخبر الى رسول الله ﷺ الله والى المسلمين بعث سعد بن معاذ وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير قال انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فان كان حقا فالحنوا لي لحنا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وان كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس. قال فخرجوا حتى أتوهم. قال موسى
стр. 1143
ابن عقبة فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم الى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا: الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم (يريدون بنى النضير) ونالوا من رسول الله ﷺ فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ انا والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة. ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال انكم قد علمتم الّذي بيننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرّ منه.
فقالوا اكلت أير أبيك. فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن.
وقال ابن إسحاق: نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد. فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكان رجلا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم لما بيننا وبينهم أربى من المشاتمة. ثم أقبل السعدان ومن معهما الى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدرهم بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر ابشروا يا معشر المسلمين. قال موسى بن عقبة ثم تقنع رسول الله ﷺ بثوبه حين جاءه الخبر عن بنى قريظة فاضطجع ومكث طويلا فاشتد على الناس البلاء والخوف حين رأوه اضطجع وعرفوا انه لم يأته عن بنى قريظة خير. ثم انه رفع رأسه وقال ابشروا بفتح الله ونصره. فلما أن أصبحوا دنا القوم بعضهم من بعض وكان بينهم رمى بالنبل والحجارة
قال سعيد بن المسيب قال رسول الله ﷺ : اللهمّ انى أسألك عهدك ووعدك اللهمّ ان تشأ لا تعبد.
قال ابن إسحاق وعظم عند ذلك البلاء واشتد الخوف وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم حتى ظن المؤمنون كل ظن وتجم النفاق حتى قال معتب بن قشير أخو بنى عمرو بن عوف: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن على نفسه أن يذهب الى الغائط. وحتى قال أوس بن قيظى:
يا رسول الله ان بيوتنا عورة من العدو، وذلك عن ملأ من رجال قومه فأذن لنا أن نرجع الى دارنا فإنها خارج من المدينة. قلت: هؤلاء وأمثالهم المرادون بقوله تعالى ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاّ غُرُوراً * وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِراراً﴾
قال ابن إسحاق: فأقام رسول الله ﷺ مرابطا وأقام المشركون يحاصرونه بضعا وعشرين ليلة قريبا من شهر ولم يكن بينهم حرب إلا الرميا بالنبل، فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن الزهري الى عيينة بن حصن والحارث بن عوف المري وهما قائدا غطفان وأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل ذلك بعث الى السعدين فذكر لهما ذلك واستشار هما فيه، فقالا: يا رسول الله أمرا تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به، أم شيئا تصنعه لنا؟ فقال: بل
стр. 1144
شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لانى رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة وكالبوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم الى أمر مّا. فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة واحدة إلا قرى أو بيعا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف، حتى يحكم الله بيننا وبينهم. فقال النبي ﷺ : أنت وذاك. فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال:
ليجهدوا علينا. قال فأقام النبي ﷺ وأصحابه محاصرين ولم يكن بينهم وبين عدوهم قتال إلا أن فوارس من قريش - منهم عمرو بن عبد ودّ بن أبى قيس أحد بنى عامر بن لؤيّ، وعكرمة بن أبى جهل، وهبيرة بن أبى وهب المخزوميان، وضرار بن الخطاب بن مرداس أحد بنى محارب بن فهر - تلبسوا للقتال ثم خرجوا على خيلهم حتى مروا بمنازل بنى كنانة فقالوا تهيئوا يا بنى كنانة للحرب فستعلمون من الفرسان اليوم، ثم أقبلوا تعنق بهم خيلهم حتى وقفوا على الخندق فلما رأوه قالوا والله ان هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها. ثم تيمموا مكانا من الخندق ضيقا فضربوا خيلهم فاقتحمت منه فجالت بهم في السبخة بين الخندق وسلع، وخرج عليّ بن أبى طالب في نفر معه من المسلمين حتى أخذوا عليه الثغرة التي أقحموا منها خيلهم وأقبلت الفرسان تعنق نحوهم، وكان عمرو بن عبد ودّ قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة فلم يشهد يوم أحد، فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه، فلما خرج هو وخيله قال: من يبارز؟ فبرز له عليّ بن أبى طالب ﵁، فقال له:
يا عمرو انك كنت عاهدت الله لا يدعوك رجل من قريش الى احدى خلتين الا أخذتها منه، قال أجل. قال له عليّ: فانى أدعوك الى الله والى رسوله وإلى الإسلام. قال: لا حاجة لي بذلك.
قال: فانى أدعوك الى النزال. قال له: لم يا ابن أخى فو الله ما أحب أن أقتلك. قال له عليّ: لكنى والله أحب أن أقتلك. فحمى عمرو عند ذلك فاقتحم عن فرسه فعقره وضرب وجهه ثم أقبل على عليّ فتنازلا وتجاولا فقتله عليّ ﵁ وخرجت خيلهم منهزمة حتى اقتحمت من الخندق هاربة. قال ابن إسحاق وقال عليّ بن أبى طالب في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه … ونصرت رب محمد بصواب
فصدرت حين تركته متجدلا … كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو اننى … كنت المقطر بزّنى أثوابى
لا تحسبن الله خاذل دينه … ونبيه يا معشر الأحزاب
قال ابن هشام: وأكثر أهل العلم بالشعر يشك فيها لعلىّ. قال ابن هشام: وألقى عكرمة
стр. 1145
رمحه يومئذ وهو منهزم عن عمرو فقال في ذلك حسان بن ثابت:
فرّ وألقى لنا رمحه … لعلك عكرم لم تفعل
وولّيت تعدو كعدو الظليم … ما ان يحور عن المعدل
ولم تلو ظهرك مستأنسا … كأن قفاك قفا فرعل
قال ابن هشام: الفراعل صغار الضباع.
وذكر الحافظ البيهقي في دلائل النبوة عن ابن إسحاق في موضع آخر من السيرة قال: خرج عمرو بن عبد ودّ وهو مقنع بالحديد فنادى: من يبارز؟ فقام عليّ بن أبى طالب فقال: أنا لها يا نبي الله. فقال: إنه عمرو، اجلس. ثم نادى عمرو: ألا رجل يبرز؟ فجعل يؤنبهم ويقول: أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها أفلا تبرزون إليّ رجلا؟ فقام عليّ فقال: أنا يا رسول الله؟ فقال: اجلس. ثم نادى الثالثة فقال:
ولقد بححت من النداء … لجمعهم هل من مبارز
ووقفت إذ جبن المشجع … موقف القرن المناجز
ولذاك إني لم أزل … متسرعا قبل الهزاهز
ان الشجاعة في الفتى … والجود من خير الغرائز
قال فقام عليّ ﵁ فقال: يا رسول الله أنا. فقال: انه عمرو، فقال وان كان عمرا.
فأذن له رسول الله ﷺ فمشى اليه حتى أتى وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتاك … مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة … والصدق منجى كل فائز
إني لأرجو أن أقيم … عليك نائحة الجنائز
من ضربة نجلاء … يبقى ذكرها عند الهزاهز
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا عليّ، قال: ابن عبد مناف؟ قال: أنا عليّ بن أبى طالب.
فقال: يا ابن أخى من أعمامك من هو أسن منك فانى أكره أن أهريق دمك؟ فقال له عليّ: لكنى والله لا أكره أن أهريق دمك، فغضب فنزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا واستقبله عليّ بدرقته فضربه عمرو في درقته فقدّها وأثبت فيها السيف وأصاب رأسه فشجه، وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وثار العجاج وسمع رسول الله ﷺ التكبير فعرفنا أن عليا قد قتله. فثمّ يقول على:
أعلىّ تقتحم الفوارس هكذا … عنى وعنهم أخروا أصحابى
اليوم يمنعني الفرار حفيظتي … ومصمم في الرأس ليس بنابي
стр. 1146
الى أن قال:
عبد الحجارة من سفاهة رأيه … وعبدت ربّ محمد بصواب
الى آخرها. قال ثم أقبل عليّ نحو رسول الله ﷺ ووجهه يتهلل، فقال له عمر بن الخطاب:
هلاّ استلبته درعه فإنه ليس للعرب درع خير منها؟ فقال: ضربته فاتقانى بسوءته فاستحييت ابن عمى أن أسلبه، قال وخرجت خيوله منهزمة حتى اقتحمت من الخندق وذكر ابن إسحاق فيما حكاه عن البيهقي أن عليا طعنه في ترقوته حتى أخرجها من مراقة فمات في الخندق، وبعث المشركون الى رسول الله ﷺ يشترون جيفته بعشرة آلاف، فقال هو لكم لا نأكل ثمن الموتى.
وقال الامام أحمد حدّثنا نصر بن باب حدثنا حجاج عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس أنه قال: قتل المسلمون يوم الخندق رجلا من المشركين فأعطوا بجيفته مالا، فقال رسول الله ﷺ ادفعوا اليهم جيفته فإنه خبيث الجيفة خبيث الدية، فلم يقبل منهم شيئا. وقد
رواه البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن حجاج وهو ابن ارطاة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس:
أن رجلا من المشركين قتل يوم الأحزاب فبعثوا الى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا بجسده ونعطيهم اثنى عشر ألفا فقال رسول الله ﷺ «لا خير في جسده ولا في ثمنه». وقد رواه الترمذي من حديث سفيان الثوري عن ابن أبى ليلى عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس وقال غريب.
وقد
ذكر موسى بن عقبة أن المشركين انما بعثوا يطلبون جسد نوفل بن عبد الله المخزومي حين قتل وعرضوا عليه الدية فقال: «انه خبيث خبيث الدية فلعنه الله ولعن ديته. فلا أرب لنا في ديته ولسنا نمنعكم أن تدفنوه» وذكر يونس بن بكير عن ابن إسحاق قال: وخرج نوفل بن عبد الله بن المغيرة المخزومي فسأل المبارزة فخرج اليه الزبير بن العوام فضربه فشقه باثنتين حتى فلّ في سيفه فلاّ وانصرف وهو يقول:
انى امرؤ أحمى وأحتمى (١) … عن النبي المصطفى الأمّي
وقد ذكر ابن جرير أن نوفلا لما تورط في الخندق رماه الناس بالحجارة فجعل يقول: قتلة أحسن من هذه يا معشر العرب. فنزل اليه عليّ فقتله وطلب المشركون رمته من رسول الله ﷺ بالثمن فأبى عليهم أن يأخذ منهم شيئا ومكنهم من أخذه اليهم وهذا غريب من وجهين. وقد روى البيهقي من طريق حماد بن يزيد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير قال جعلت يوم الخندق مع النساء والصبيان في الأطم ومعى عمر بن أبى سلمة فجعل يطأطئ لي فاصعد على ظهره فأنظر قال فنظرت الى أبى وهو يحمل مرّة هاهنا ومرة هاهنا فما يرتفع له شيء الا أتاه فلما أمسى جاءنا الى الأطم قلت يا أبة رأيتك اليوم وما تصنع قال ورأيتني يا بنى قلت نعم قال فدى لك أبى
стр. 1147
وأمى. قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل بن عبد الرحمن بن سهل الأنصاري أخو بنى حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بنى حارثة يوم الخندق وكان من أحرز حصون المدينة قال وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن. قالت عائشة وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب. قالت فمر سعد وعليه درع مقلصة قد خرجت منها ذراعه كلها وفي يده حربته يرفل بها ويقول:
لبّث قليلا يشهد الهيجا جمل … لا بأس بالموت إذا حان الأجل
فقالت له أمه الحق بنى فقد والله أخرت. قالت عائشة فقلت لها يا أم سعد والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي. قالت وخفت عليه حيث أصاب السهم منه. فرمى سعد بن معاذ بسهم فقطع منه الأكحل. قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال رماه حيان بن قيس بن العرقة أحد بنى عامر بن لؤيّ فلما أصابه قال خذها منى وأنا ابن العرقة، فقال له سعد عرق الله وجهك في النار اللهمّ ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقنى لها فإنه لا قوم أحب الى أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه. اللهمّ وان كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فاجعلها لي شهادة ولا تمتنى حتى تقر عيني من بنى قريظة. قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك انه كان يقول ما أصاب سعدا يومئذ الا أبو أسامة الجشمي حليف بنى مخزوم، وقد قال أبو أسامة في ذلك شعرا قاله لعكرمة بن أبى جهل:
أعكرم هلا لمتنى إذ تقول لي … فداك بآطام المدينة خالد
ألست الّذي ألزمت سعدا مريشة … لها بين أثناء المرافق عاند
قضى نحبه منها سعيد فأعولت … عليه مع الشمط العذارى النواهد
وأنت الّذي دافعت عنه وقد دعا … عبيدة جمعا منهم إذ يكابد
على حين ما هم جائر عن طريقه … وآخر مرعوب عن القصد قاصد
قال ابن إسحاق والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن هشام ويقال ان الّذي رمى سعدا خفاجة بن عاصم بن حبان قلت وقد استجاب الله دعوة وليه سعد بن معاذ في بنى قريظة أقر الله عينه فحكم فيهم بقدرته وتيسيره وجعلهم هم الذين يطلبون ذلك كما سيأتي بيانه فحكم بقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم حتى قال له رسول الله ﷺ لقد حكمت فيهم بحكم الله فوق سبع أرقعة. قال ابن إسحاق وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت وكان حسان معنا فيه مع النساء والصبيان فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله ﷺ وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا
стр. 1148
ورسول الله ﷺ والمسلمون في نحور عدوهم لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إذ أتانا آت فقلت يا حسان ان هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن وانى والله ما آمنه أن يدل على عورتنا من وراءنا من يهود وقد شغل رسول الله ﷺ وأصحابه فانزل اليه فأقتله. قال يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت فلما قال لي ذلك ولم أر عنده شيئا احتجزت ثم أخذت عمودا ثم نزلت من الحصن اليه فضربته بالعمود حتى قتلته فلما فرغت منه رجعت الى الحصن فقلت يا حسان انزل فاستلبه فإنه لم يمنعني من سلبه الا انه رجل. قال ما لي بسلبه حاجة يا ابنة عبد المطلب.
قال موسى بن عقبة وأحاط المشركون بالمسلمين حتى جعلوهم في مثل الحصن من كتائبهم فحاصروهم قريبا من عشرين ليلة وأخذوا بكل ناحية حتى لا يدرى أتم أم لا قال ووجهوا نحو منزل رسول الله ﷺ كتيبة غليظة فقاتلوهم يوما الى الليل فلما حانت صلاة العصر دنت الكتيبة فلم يقدر النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا ان رسول الله ﷺ قال شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقلوبهم وفي رواية وقبورهم نارا. فلما اشتد البلاء نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح فلما رأى رسول الله ﷺ ما بالناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم
ويقول «والّذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة وانى لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنا وأن يدفع الله الىّ مفاتيح الكعبة وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله» وقد
قال البخاري: حدّثنا إسحاق حدّثنا روح حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن عليّ عن النبي ﷺ أنه قال يوم الخندق «ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس» وهكذا رواه بقية الجماعة إلا ابن ماجة من طرق عن هشام بن حسان عن محمد ابن سيرين عن عبيدة عن على به ورواه مسلم والترمذي من طريق سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى حسان الأعرج عن عبيدة عن على به وقال الترمذي حسن صحيح. ثم
قال البخاري حدثنا المكىّ بن إبراهيم حدثنا هشام عن يحيى عن أبى سلمة عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس فجعل يسب كفار قريش وقال: يا رسول الله ما كدت أن أصلى حتى كادت الشمس أن تغرب قال النبي ﷺ والله ما صليتها فنزلنا مع رسول الله ﷺ بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها فصلى العصر بعد ما غربت الشمس ثم صلّى بعدها المغرب. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والترمذي والنسائي من طرق عن يحيى بن أبى كثير عن أبى سلمة به
وقال الامام احمد حدثنا عبد الصمد حدثنا ثابت حدثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس قال قاتل النبي ﷺ عدوا فلم يفرغ منهم حتى أخر العصر عن وقتها فلما رأى ذلك قال «اللهمّ من حبسنا عن الصلاة
стр. 1149
الوسطى فاملأ بيوتهم نارا واملأ قبورهم نارا» ونحو ذلك تفرد به احمد وهو من رواية هلال بن خباب العبديّ الكوفي وهو ثقة يصحح له الترمذي وغيره. وقد استدل طائفة من العلماء بهذه الأحاديث على كون الصلاة الوسطى هي صلاة العصر كما هو منصوص عليه في هذه الأحاديث وألزم القاضي الماوردي مذهب الشافعيّ بهذا لصحة الحديث وقد حررنا ذلك نقلا واستدلالا عند قوله تعالى:
﴿حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾. وقد استدل طائفة بهذا الصنيع على جواز تأخير الصلاة لعذر القتال كما هو مذهب مكحول والأوزاعي وقد بوب البخاري ذلك واستدل بهذا الحديث
وبقوله ﷺ يوم أمرهم بالذهاب الى بنى قريظة - كما سيأتي - «لا يصلينّ أحد العصر إلا في بنى قريظة» وكان من الناس من صلّى العصر في الطريق ومنهم من لم يصلّ إلا في بنى قريظة بعد الغروب ولم يعنف واحدا من الفريقين واستدل بما ذكره عن الصحابة ومن معهم في حصار تستر سنة عشرين في زمن عمر حيث صلوا الصبح بعد طلوع الشمس لعذر القتال واقتراب فتح الحصن.
وقال آخرون من العلماء وهم الجمهور منهم الشافعيّ هذا الصنيع يوم الخندق منسوخ بشرعية صلاة الخوف بعد ذلك فإنها لم تكن مشروعة إذ ذاك فلهذا أخروها يومئذ وهو مشكل قال ابن إسحاق وجماعة ذهبوا الى أن النبي ﷺ صلّى صلاة الخوف بعسفان وقد ذكرها ابن إسحاق وهو امام في المغازي قبل الخندق وكذلك ذات الرقاع ذكرها قبل الخندق فالله أعلم. وأما الذين قالوا ان تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسيانا كما حكاه شراح مسلم عن بعض الناس فهو مشكل إذ يبعد أن يقع هذا من جمع كبير مع شدة حرصهم على محافظة الصلاة كيف وقد روى أنهم تركوا يومئذ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء من رواية أبى هريرة وأبى سعيد قال الامام حدّثنا يزيد وحجاج قالا حدثنا ابن أبى ذئب عن المقبري عن عبد الرحمن بن أبى سعيد الخدريّ عن أبيه قال حبسنا يوم الخندق حتى ذهب هويّ من الليل حتى كفينا وذلك قوله ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ قال فدعا رسول الله ﷺ بلالا فأمره فأقام فصلى الظهر كما كان يصليها في وقتها ثم أقام العصر فصلاها كذلك ثم أقام المغرب فصلاها كذلك ثم أقام العشاء فصلاها كذلك وذلك قبل أن ينزل. قال حجاج في صلاة الخوف فان خفتم فرجالا أو ركبانا وقد رواه النسائي عن الفلاّس عن يحيى القطان عن ابن أبى ذئب به قال شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس فذكره. وقال أحمد حدثنا هشيم حدثنا أبو الزبير عن نافع بن جبير عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن المشركين شغلوا رسول الله ﷺ يوم الخندق عن أربع صلوات حتى ذهب من الليل ما شاء الله قال فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء.
وقال الحافظ أبو بكر البزار حدّثنا محمد بن معمر حدثنا مؤمل يعنى ابن إسماعيل حدثنا حماد يعنى ابن سلمة عن عبد الكريم يعنى ابن أبى المخارق
стр. 1150
عن مجاهد عن جابر بن عبد الله ان النبي ﷺ شغل يوم الخندق عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأمر بلالا فأذن وأقام فصلى الظهر ثم أمره فأذن وأقام فصلى العصر ثم أمره فأذن وأقام فصلى المغرب ثم أمره فأذن وأقام فصلى العشاء ثم قال «ما على وجه الأرض قوم يذكرون الله في هذه الساعة غيركم» تفرد به البزار وقال لا نعرفه الا من هذا الوجه وقد رواه بعضهم عن عبد الكريم عن مجاهد عن أبى عبيدة عن عبد الله
فصل في دعائه ﵇ على الأحزاب
وكيف صرفهم الله بحوله وقوته استحبابا لرسوله ﷺ وصيانة لحوزته الشريفة فزلزل قلوبهم ثم أرسل عليهم الريح الشديدة فزلزل أبدانهم
قال الامام أحمد: حدّثنا أبو عامر حدثنا الزبير - يعنى ابن عبد الله - حدثنا ربيح بن أبى سعيد الخدريّ عن أبيه قال: قلنا يوم الخندق يا رسول الله هل من شيء نقوله فقد بلغت القلوب الحناجر، قال «نعم، اللهمّ استر عوراتنا وآمن روعاتنا» قال فضرب الله وجوه أعدائه بالريح. وقد رواه ابن أبى حاتم في تفسيره عن أبيه عن أبى عامر - وهو العقدي - عن الزبير بن عبد الله مولى عثمان بن عفان عن ربيح بن عبد الرحمن بن أبى سعيد عن أبيه عن أبى سعيد فذكره وهذا هو الصواب. وقال الامام أحمد حدّثنا حسين عن ابن أبى ذئب عن رجل من بنى سلمة عن جابر ابن عبد الله ان النبي ﷺ أتى مسجد الأحزاب فوضع رداءه وقام ورفع يديه مدّا يدعو عليهم ولم يصلّ قال ثم جاء ودعا عليهم وصلّى. وثبت
في الصحيحين من حديث إسماعيل بن أبى خالد عن عبد الله بن أبى أوفى قال: دعا رسول الله ﷺ على الأحزاب فقال «اللهمّ منزل الكتاب سريع الحساب اهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم. وفي رواية اللهمّ اهزمهم وانصرنا عليهم.
وروى البخاري عن قتيبة عن الليث عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة ان رسول الله ﷺ كان يقول «لا إله إلا الله وحده أعز جنده ونصر عبده وغلب الأحزاب وحده فلا شيء بعده»
وقال ابن إسحاق وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه فيما وصف الله من الخوف والشدة لتظاهر عدوهم عليهم وإتيانهم إياهم من فوقهم ومن أسفل منهم. قال ثم ان نعيم بن مسعود ابن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ بن هلال بن خلاوه بن أشجع ابن ريث بن غطفان أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله انى قد أسلمت وان قومي لم يعلموا بإسلامي فمرني بما شئت فقال رسول الله ﷺ «انما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنا ان استطعت، فان الحرب خدعة» فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بنى قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية فقال: يا بنى
стр. 1151
قريظة قد عرفتم ودى إياكم وخاصة ما بيني وبينكم. قالوا صدقت لست عندنا بمتهم. فقال لهم ان قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم لا تقدرون على أن تتحولوا منه الى غيره وان قريشا وغطفان قد جاءوا لحرب محمد وأصحابه وقد ظاهرتموهم عليه وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره فليسوا كأنتم فان رأوا نهزة أصابوها وان كان غير ذلك لحقوا ببلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم ولا طاقة لكم به ان خلا بكم فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم يكونون بأيديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه. قالوا لقد أشرت بالرأي. ثم خرج حتى أتى قريشا فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودى لكم وفراقي محمدا، وانه قد بلغني أمر قد رأيت عليّ حقا أن أبلغكموه نصحا لكم فاكتموا عنى. قالوا نفعل قال تعلموا ان معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد وقد أرسلوا اليه انا قد ندمنا على ما فعلنا فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم فنعطيكهم فتضرب أعناقهم ثم نكون معك على من بقي منهم حتى تستأصلهم. فأرسل اليهم ان نعم. فان بعثت إليكم يهود يلتمسون منكم رهنا من رجالكم فلا تدفعوا اليهم منكم رجلا واحدا. ثم خرج حتى أتى غطفان فقال يا معشر غطفان انكم أصلى وعشيرتي وأحبّ الناس الى ولا أراكم تتهموني. قالوا صدقت ما أنت عندنا بمتهم قال فاكتموا عنى قالوا نفعل. ثم قال لهم مثل ما قال لقريش وحذرهم ما حذرهم. فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس وكان من صنيع الله تعالى لرسوله ﷺ أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورءوس غطفان الى بنى قريظة عكرمة بن أبى جهل في نفر من قريش وغطفان فقال لهم انا لسنابدار مقام هلك الخف والحافر فاعدّوا للقتال حتى نناجز محمدا ونفرغ مما بيننا وبينه. فأرسلوا اليهم: ان اليوم يوم السبت وهو يوم لا نعمل فيه شيئا وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا فأصابهم ما لم يخف عليكم ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم يكونون بأيدينا ثقة لنا حتى نناجز محمدا فانا نخشى ان ضرستكم الحرب واشتد عليكم القتال ان تنشمروا الى بلادكم وتتركونا والرجل في بلادنا ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت اليهم الرسل بما قالت بنو قريظة قالت قريش وغطفان: والله أن الّذي حدثكم نعيم بن مسعود لحقّ. فأرسلوا الى بنى قريظة: انا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فان كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا فقالت بنو قريظة حين انتهت اليهم الرسل بهذا ان الّذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحقّ، ما يريد القوم الا أن تقاتلوا فان رأوا فرصة انتهزوها وان كان غير ذلك انشمروا الى بلادهم وخلوا بينكم وبين الرجل في بلدكم. فأرسلوا الى قريش وغطفان انا والله ما نقاتل معكم حتى تعطونا رهنا فأبوا عليهم وخذل الله بينهم وبعث الله الريح في ليلة شاتية شديدة البرد فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح آنيتهم
стр. 1152
وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق من قصة نعيم بن مسعود أحسن مما ذكره موسى بن عقبة.
وقد أورده عنه البيهقي في الدلائل فإنه ذكر ما حاصله أن نعيم بن مسعود كان يذيع ما يسمعه من الحديث، فاتفق أنه مرّ برسول الله ﷺ ذات يوم عشاء، فأشار اليه أن تعال، فجاء فقال:
ما وراءك؟ فقال: انه قد بعثت قريش وغطفان الى بنى قريظة يطلبون منهم أن يخرجوا اليهم فيناجزوك، فقالت قريظة نعم فأرسلوا إلينا بالرهن. وقد ذكر فيما تقدم: أنهم انما نقضوا العهد على يدي حيي بن أخطب بشرط أن يأتيهم برهائن تكون عندهم توثقة، قال فقال له رسول الله ﷺ : إني مسرّ إليك شيئا فلا تذكره، قال: انهم قد أرسلوا إليّ يدعونني الى الصلح وأردّ بنى النضير الى دورهم وأموالهم، فخرج نعيم بن مسعود عامدا الى غطفان. وقال رسول الله ﷺ «الحرب خدعة وعسى أن يصنع الله لنا» فأتى نعيم غطفان وقريشا فأعلمهم، فبادر القوم وأرسلوا الى بنى قريظة عكرمة وجماعة معه واتفق ذلك ليلة السبت يطلبون منهم أن يخرجوا للقتال معهم فاعتلّت اليهود بالسبت، ثم أيضا طلبوا الرهن توثقة فأوقع الله بينهم واختلفوا. قلت: وقد يحتمل أن تكون قريظة لما يئسوا من انتظام أمرهم مع قريش وغطفان بعثوا الى رسول الله ﷺ يريدون منه الصلح على أن يرد بنى النضير الى المدينة والله أعلم قال ابن إسحاق: فلما انتهى الى رسول الله ﷺ ما اختلف من أمرهم وما فرّق الله من جمعهم دعا حذيفة بن اليمان فبعثه اليهم لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله أرأيتم رسول الله ﷺ وصحبتموه؟ قال: نعم يا ابن أخى، قال فكيف كنتم تصنعون؟ قال والله لقد كنا نجتهد، قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشى على الأرض ولحملناه على أعناقنا، قال فقال حذيفة: يا ابن أخى والله لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بالخندق وصلّى رسول الله ﷺ هويّا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - فشرط له رسول الله ﷺ الرجعة - أسأل الله أن يكون رفيقي في الجنة، فما قام رجل من شدة الخوف وشدة الجوع والبرد، فلما لم يقم أحد دعاني، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني، فقال: يا حذيفة اذهب فادخل في القوم فانظر ماذا يفعلون ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا، قال فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل لا تقرّ لهم قدرا ولا نارا ولا بناء، فقام أبو سفيان فقال: يا معشر قريش لينظر امرؤ من جليسه. قال حذيفة فأخذت بيد الرجل الّذي كان الى جنبي فقلت من أنت؟ قال فلان ابن فلان، ثم قال: يا معشر قريش انكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف وأخلفتنا بنو قريظة وبلغنا عنهم الّذي نكره ولقينا من شدة الريح ما ترون ما تطمئن لنا قدر ولا تقوم لنا نار ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فانى مرتحل، ثم قام الى جمله وهو معقول فجلس عليه ثم ضربه فوثب به
стр. 1153
على ثلاث فما أطلق عقاله إلا وهو قائم ولولا عهد رسول الله ﷺ إليّ لا تحدث شيئا حتى تأتينى لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت الى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلى في مرط لبعض نسائه مرحّل فلما رآني أدخلنى الى رجليه وطرح عليّ طرف المرط ثم ركع وسجد وانى لفيه، فلما سلّم أخبرته الخبر. وسمعت غطفان بما فعلت قريش فانشمروا راجعين الى بلادهم، وهذا منقطع من هذا الوجه. وقد
روى هذا الحديث مسلم بن الحجاج في صحيحه من حديث الأعمش عن إبراهيم ابن يزيد التيمي عن أبيه قال: كنا عند حذيفة فقال له رجل: لو أدركت رسول الله ﷺ قاتلت معه وأبليت، فقال له حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ ليلة الأحزاب في ليلة ذات ريح شديدة وقر، فقال رسول الله ﷺ ألا رجل يأتينى بخبر القوم يكون معى يوم القيامة؟ فلم يجبه منا أحد، ثم الثانية ثم الثالثة مثله. ثم قال: يا حذيفة قم فأتنا بخبر القوم، فلم أجد بدّا إذ دعاني باسمي أن أقوم، فقال ائتني بخبر القوم ولا تذعرهم عليّ. قال فمضيت كأنما أمشى في حمّام حتى أتيتهم فإذا أبو سفيان يصلّى ظهره بالنار فوضعت سهما في كبد قوسى وأردت أن أرميه ثم ذكرت قول رسول الله ﷺ : لا تذعرهم عليّ، ولو رميته لأصبته، فرجعت كأنما أمشى في حمام فأتيت رسول الله ﷺ فأصابنى البرد حين رجعت وقررت فأخبرت رسول الله ﷺ وألبسنى من فضل عباءة كانت عليه يصلى فيها فلم أبرح نائما حتى الصبح، فلما أن أصبحت قال رسول الله ﷺ : قم يا نومان! وقد
روى الحاكم والحافظ البيهقي في الدلائل هذا الحديث مبسوطا من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز ابن أخى حذيفة قال: ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: أما والله لو كنا شهدنا ذلك لكنا فعلنا وفعلنا فقال حذيفة لا تمنّوا ذلك لقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافّون قعود وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحا منها في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا إصبعه فجعل المنافقون يستأذنون النبي ﷺ ويقولون ان بيوتنا عورة وما هي بعورة فما يستأذنه أحد منهم إلا أذن له ويأذن لهم ويتسللون ونحن ثلاثمائة ونحو ذلك إذ استقبلنا رسول الله ﷺ رجلا رجلا حتى أتى عليّ وما عليّ جنة من العدو ولا من البرد إلا مرط لامرأتى ما يجاوز ركبتي قال: فأتانى وأنا جاث على ركبتي فقال: من هذا؟ فقلت حذيفة فقال حذيفة! فتقاصرت للأرض فقلت: بلى يا رسول الله كراهية أن أقوم فقمت فقال انه كائن في القوم خبر فأتنى بخبر القوم. قال: وأنا من أشد الناس فزعا وأشدهم قرا قال: فخرجت فقال رسول الله ﷺ «اللهمّ احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته» قال فو الله
стр. 1154
ما خلق الله فزعا ولا قرا في جوفي إلا خرج من جوفي فما أجد فيه شيئا. قال فلما وليت قال: يا حذيفة لا تحدثن في القوم شيئا حتى تأتينى. قال: فخرجت حتى إذا دنوت من عسكر القوم نظرت ضوء نار لهم توقد وإذا رجل أدهم ضخم يقول بيديه على النار ويمسح خاصرته ويقول: الرحيل الرحيل ولم أكن أعرف أبا سفيان قبل ذلك فانتزعت سهما من كنانتي أبيض الريش فأضعه في كبد قوسى لأرميه به في ضوء النار فذكرت قول رسول الله ﷺ لا تحدثن فيهم شيئا حتى تأتينى فأمسكت ورددت سهمي الى كنانتي ثم انى شجعت نفسي حتى دخلت العسكر فإذا أدنى الناس منى بنو عامر يقولون: يا آل عامر الرجيل الرحيل لا مقام لكم. وإذا الريح في عسكرهم ما تجاوز عسكرهم شبرا فو الله انى لأسمع صوت الحجارة في رحالهم وفرشهم الريح تضرب بها ثم انى خرجت نحو رسول الله ﷺ فلما انتصفت بى الطريق أو نحو من ذلك إذا أنا بنحو من عشرين فارسا أو نحو ذلك معتمين فقالوا: أخبر صاحبك أن الله قد كفاه. قال فرجعت الى رسول الله ﷺ وهو مشتمل في شملة يصلى فو الله ما عدا أن رجعت راجعني القر وجعلت أقرقف فأومأ الىّ رسول الله ﷺ بيده وهو يصلى فدنوت منه فأسبل عليّ شملته، وكان رسول الله ﷺ إذا حزبه أمر صلّى. فأخبرته خبر القوم، أخبرته أنى تركتهم يرحلون قال وأنزل الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَجُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَكانَ اللهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ يعنى الآيات كلها الى قوله ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ أي صرف الله عنهم عدوهم بالريح التي أرسلها عليهم والجنود من الملائكة وغيرهم التي بعثها الله اليهم وكفى الله المؤمنين القتال أي لم يحتاجوا الى منازلتهم ومبارزتهم بل صرفهم القوى العزيز بحوله وقوته. لهذا ثبت
في الصحيحين عن أبى هريرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول:
لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده.
وفي قوله ﴿وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ﴾ اشارة الى وضع الحرب بينهم وبينهم وهكذا وقع ولم ترجع قريش بعدها الى حرب المسلمين كما
قال محمد بن إسحاق ﵀، فلما انصرف أهل الخندق عن الخندق قال رسول الله ﷺ فيما بلغنا: لن تغزوكم قريش بعد عامكم ولكنكم تغزونهم. قال: فلم تغز قريش بعد ذلك وكان يغزوهم بعد ذلك حتى فتح الله عليه مكة وهذا بلاغ من ابن إسحاق.
وقد
قال الامام أحمد حدّثنا يحيى عن سفيان حدّثنى أبو إسحاق سمعت سليمان بن صرد رضى الله يقول قال رسول الله ﷺ : الآن نغزوهم ولا يغزوننا. وهكذا رواه البخاري من حديث إسرائيل وسفيان الثوري كلاهما عن أبى إسحاق السبيعي عن سليمان بن صرد به قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم الخندق ثلاثة من بنى عبد الأشهل وهم سعد بن معاذ - وستأتي وفاته مبسوطة -
стр. 1155
وأنس بن أوس بن عتيك بن عمرو وعبد الله بن سهل والطفيل بن النعمان وثعلبة بن غنمة الجشميان السلميان وكعب بن زيد النجاري أصابه سهم غرب فقتله قال: وقتل من المشركين ثلاثة وهم: منبه ابن عثمان بن عبيد بن السباق بن عبد الدار أصابه سهم فمات منه بمكة ونوفل بن عبد الله بن المغيرة اقتحم الخندق بفرسه فتورط فيه فقتل هناك وطلبوا جسده بثمن كبير كما تقدم وعمرو بن عبد ودّ العامري قتله على بن أبى طالب. قال ابن هشام: وحدّثنى الثقة أنه حدث عن الزهري أنه قال:
قتل عليّ يومئذ عمرو بن عبد ودّ وابنه حسل بن عمرو قال ابن هشام: ويقال عمرو بن عبد ودّ ويقال عمرو بن عبد
فصل في غزوة بنى قريظة
وما أحل الله تعالى بهم من البأس الشديد مع ما أعدّ الله لهم في الآخرة من العذاب الأليم وذلك لكفرهم ونقضهم العهود التي كانت بينهم وبين رسول الله ﷺ وممالأتهم الأحزاب عليه فما أجدى ذلك عنهم شيئا وباءوا بغضب من الله ورسوله والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وقد قال الله تعالى ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً * وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ صَياصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقاً تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقاً * وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيارَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ وَأَرْضاً لَمْ تَطَؤُها وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾.
قال البخاري حدّثنا محمد بن مقالت حدّثنا عبد الله حدّثنا موسى بن عقبة عن سالم ونافع عن عبد الله أن رسول الله ﷺ كان إذا قفل من الغزو والحج والعمرة يبدأ فيكبر ثم يقول «لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير آئبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده».
قال محمد بن إسحاق ﵀: ولما أصبح رسول الله ﷺ الله انصرف عن الخندق راجعا الى المدينة والمسلمون ووضعوا السلاح، فلما كانت الظهر أتى جبريل رسول الله ﷺ كما حدثني الزهري معتجرا بعمامة من استبرق على بغلة عليها رحالة عليها قطيفة من ديباج، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال نعم، فقال جبريل: ما وضعت الملائكة السلاح بعد وما رجعت الآن إلا من طلب القوم، ان الله يأمرك يا محمد بالمسير الى بنى قريظة، فأنى عامد اليهم فمزلزل بهم فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة.
قال ابن هشام: واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم
стр. 1156
وقال البخاري: حدثني عبد الله بن أبى شيبة حدثنا ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت:
لما رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه! فاخرج اليهم، قال فإلى أين؟ قال هاهنا وأشار الى بنى قريظة، فخرج النبي ﷺ .
وقال أحمد: وحدثنا حسن حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل وجاء جبريل فرأيته من خلل البيت قد عصّب رأسه الغبار، فقال: يا محمد أوضعتم أسلحتكم؟ فقال: وضعنا أسلحتنا فقال: إنا لم نضع أسلحتنا بعد انهد الى بنى قريظة، ثم قال البخاري: حدثنا موسى حدثنا جرير بن حازم عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك قال كأنى انظر الى الغبار ساطعا في زقاق بنى غنم موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ الى بنى قريظة. ثم
قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «لا يصلينّ أحد العصر إلا في بنى قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي العصر حتى نأتيها، وقال بعضهم:
بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فلم يعنف واحدا منهم. وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به. وقال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن خالد بن على حدثنا بشر بن حرب عن أبيه حدثنا الزهري أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عمه عبيد الله أخبره أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه الأمة واغتسل واستحم، فتبدّى له جبريل ﵇ فقال: عذيرك من محارب ألا أراك قد وضعت الأمة وما وضعناها بعد، قال فوثب النبي ﷺ فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بنى قريظة.
قال: فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بنى قريظة حتى غربت الشمس فاختصم الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: ان رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بنى قريظة فإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ فليس علينا اثم وصلّى طائفة من الناس احتسابا وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بنى قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين. ثم
روى البيهقي من طريق عبد الله العمرى عن أخيه عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله ﷺ فزعا وقمت في أثره فإذا بدحية الكلبي، فقال: هذا جبريل أمرنى أن أذهب الى بنى قريظة وقال: قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد وذلك حين رجع رسول الله ﷺ من الخندق فقام رسول الله ﷺ فزعا وقال لأصحابه: عزمت عليكم أن لا تصلوا
стр. 1157
صلاة العصر حتى تأتوا بنى قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: ان رسول الله ﷺ لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا، وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة رسول الله ﷺ وما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا وتركت طائفة ايمانا واحتسابا ولم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين. وخرج رسول الله ﷺ فمرّ بمجالس بينه وبين بنى قريظة فقال هل مرّ بكم أحد؟ فقالوا مرّ علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال:
ذلك جبريل أرسل الى بنى قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي ﷺ وأمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يسمع كلامهم، فناداهم يا اخوة القردة والخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشا، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم. ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخّروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بنى قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا. قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بنى قريظة ولو بعد أيام. وهذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الأخذ بالظاهر. وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون لانهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بنى قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخّروا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه. وأما على قول من يجوّز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخّر ولا على من قدّم أيضا والله أعلم ثم قال ابن إسحاق: وقدّم رسول الله ﷺ عليّ بن أبى طالب ومعه رايته وابتدرها الناس.
وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: فبينما رسول الله ﷺ في مغتسله كما يزعمون قد رجّل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لأمته حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز فخرج اليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك أو قد وضعت السلاح؟ قال نعم. فقال جبريل:
لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدوّ وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله - ويقولون ان على وجه جبريل لأثر الغبار - فقال له جبريل: ان الله قد أمرك بقتال بنى قريظة فأنا عامد اليهم بمن معي
стр. 1158
من الملائكة نزلزل بهم الحصون فاخرج بالناس، فخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل فمر على مجلس بنى غنم وهم ينتظرون رسول الله ﷺ فسألهم فقال: مرّ عليكم فارس آنفا؟ قالوا مرّ علينا دحية الكلبي على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه الأمة، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال: ذاك جبريل. وكان رسول الله ﷺ يشبّه دحية الكلبي بجبريل، فقال الحقونى ببني قريظة فصلوا فيهم العصر، فقاموا وما شاء الله من المسلمين فانطلقوا الى بنى قريظة فحانت صلاة العصر وهم بالطريق فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بنى قريظة. وقال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم وأخّرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل منهم الصلاة ومن أخرها فذكروا أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدا من الفريقين. قال فلما رأى عليّ بن أبى طالب رسول الله ﷺ مقبلا تلقاه وقال: ارجع يا رسول الله فان الله كافيك اليهود، وكان عليّ قد سمع منهم قولا سيئا لرسول الله ﷺ وأزواجه ﵅ فكره أن يسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : لم تأمرنى بالرجوع؟ فكتمه ما سمع منهم فقال: أظنك سمعت فىّ منهم أذى فامض فان أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت، فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم وكانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أجيبوا يا معشر يهود يا إخوة القردة قد نزل بكم خزي الله ، فحاصرهم رسول الله ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ورد الله حيي بن أخطب حتى دخل حصن بنى قريظة وقذف الله في قلوبهم الرعب واشتد عليهم الحصار فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر - وكانوا حلفاء الأنصار - فقال أبو لبابة لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ قد أذنت لك، فأتاهم أبو لبابة فبكوا اليه وقالوا: يا أبا لبابة ماذا ترى وماذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده الى حلقه وأمرّ عليه أصابعه، يريهم انما يراد بهم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة فقال والله لا انظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي، فرجع الى المدينة فربط يديه الى جذع من جذوع المسجد. وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة، فقال رسول الله ﷺ حين غاب عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه، فذكر له ما فعل؟ فقال: لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني لاستغفرت له وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضى الله فيه ما يشاء. وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ومثل رواية أبى الأسود عن عروة. قال ابن إسحاق ونزل رسول الله ﷺ على بئر من آبار بنى قريظة
стр. 1159
من ناحية أموالهم يقال لها بئر انى فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وانى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا بما شئتم منها. قالوا وما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال فإذا أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج الى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم؟ قال: فان أبيتم عليّ هذه فالليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عنك من المسخ فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما. ثم انهم بعثوا الى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ فلما رأوه قام اليه الرجال وجهش اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرقّ لهم وقالوا يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده الى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله.
ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد الى عمود من عمده وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على مما صنعت. وعاهد الله أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. قال ابن هشام وأنزل الله فيما قال سفيان بن عيينة عن إسماعيل ابن أبى خالد عن عبد الله بن أبى قتادة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن هشام: أقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ ويصلى ثم يرتبط حتى نزلت توبته في قوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقول موسى بن عقبة انه مكث عشرين ليلة مرتبطا به والله أعلم. وذكر ابن إسحاق أن الله أنزل توبته على رسوله من آخر الليل وهو في بيت أم سلمة فجعل يبتسم فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة الله على أبى لبابة فاستأذنته أن تبشره فاذن لها فخرجت فبشرته فثار الناس اليه يبشرونه وأرادوا أن يحلوه من
стр. 1160
رباطه فقال والله لا يحلني منه إلا رسول الله ﷺ فلما خرج رسول الله ﷺ الى صلاة الفجر حله من رباطه ﵁ وأرضاه. قال ابن إسحاق ثم ان ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا؟ قال أنا عمرو ابن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ وقال لا أغدر بمحمد أبدا -
فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرمني اقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب لم يدر أين توجه من الأرض الى يومه هذا فذكر شأنه لرسول الله ﷺ فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه. قال وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة فأصبحت رمته ملقاة ولم يدر أين ذهب فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله انهم كانوا موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت يعنون عفوه عن بنى قينقاع حين سأله فيهم عبد الله ابن أبىّ كما تقدم.
قال ابن إسحاق فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا بلى. قال فذلك الى سعد بن معاذ وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده وكانت تداوى الجرحى فلما حكمه في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما جميلا ثم أقبلوا معه الى رسول الله ﷺ وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فان رسول الله ﷺ انما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
فرجع بعض من كان معه من قومه الى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل اليهم سعد عن كلمته التي سمع منه
فلما انتهى سعد الى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ قوموا الى سيدكم فأما المهاجرون من قريش فيقولون انما أراد الأنصار واما الأنصار فيقولون قد عم رسول الله ﷺ المسلمين فقاموا اليه فقالوا يا أبا عمرو ان رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ان الحكم فيهم لما حكمت قالوا نعم قال وعلى من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له فقال رسول الله ﷺ نعم قال سعد فانى أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء.
قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص