← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

وقال البخاري: حدثني عبد الله بن أبى شيبة حدثنا ابن نمير عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: لما رجع النبي ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل أتاه جبريل فقال: قد وضعت السلاح والله ما وضعناه! فاخرج اليهم، قال فإلى أين؟ قال هاهنا وأشار الى بنى قريظة، فخرج النبي ﷺ . وقال أحمد: وحدثنا حسن حدثنا حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن رسول الله ﷺ لما فرغ من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل وجاء جبريل فرأيته من خلل البيت قد عصّب رأسه الغبار، فقال: يا محمد أوضعتم أسلحتكم؟ فقال: وضعنا أسلحتنا فقال: إنا لم نضع أسلحتنا بعد انهد الى بنى قريظة، ثم قال البخاري: حدثنا موسى حدثنا جرير بن حازم عن حميد بن هلال عن أنس بن مالك قال كأنى انظر الى الغبار ساطعا في زقاق بنى غنم موكب جبريل حين سار رسول الله ﷺ الى بنى قريظة. ثم قال البخاري حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب: «لا يصلينّ أحد العصر إلا في بنى قريظة» فأدرك بعضهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: لا نصلي العصر حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك. فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فلم يعنف واحدا منهم. وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد بن أسماء به. وقال الحافظ البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن خالد بن على حدثنا بشر بن حرب عن أبيه حدثنا الزهري أخبرنى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عمه عبيد الله أخبره أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه الأمة واغتسل واستحم، فتبدّى له جبريل ﵇ فقال: عذيرك من محارب ألا أراك قد وضعت الأمة وما وضعناها بعد، قال فوثب النبي ﷺ فزعا فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر إلا في بنى قريظة. قال: فلبس الناس السلاح فلم يأتوا بنى قريظة حتى غربت الشمس فاختصم الناس عند غروب الشمس، فقال بعضهم: ان رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بنى قريظة فإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ فليس علينا اثم وصلّى طائفة من الناس احتسابا وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس فصلوها حين جاءوا بنى قريظة احتسابا فلم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين. ثم روى البيهقي من طريق عبد الله العمرى عن أخيه عبيد الله عن القاسم بن محمد عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان عندها فسلم علينا رجل ونحن في البيت فقام رسول الله ﷺ فزعا وقمت في أثره فإذا بدحية الكلبي، فقال: هذا جبريل أمرنى أن أذهب الى بنى قريظة وقال: قد وضعتم السلاح لكنا لم نضع، طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد وذلك حين رجع رسول الله ﷺ من الخندق فقام رسول الله ﷺ فزعا وقال لأصحابه: عزمت عليكم أن لا تصلوا

стр. 1157

صلاة العصر حتى تأتوا بنى قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: ان رسول الله ﷺ لم يرد أن تدعوا الصلاة فصلوا، وقالت طائفة: والله إنا لفي عزيمة رسول الله ﷺ وما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانا واحتسابا وتركت طائفة ايمانا واحتسابا ولم يعنف رسول الله ﷺ واحدا من الفريقين. وخرج رسول الله ﷺ فمرّ بمجالس بينه وبين بنى قريظة فقال هل مرّ بكم أحد؟ فقالوا مرّ علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج، فقال: ذلك جبريل أرسل الى بنى قريظة ليزلزلهم ويقذف في قلوبهم الرعب فحاصرهم النبي ﷺ وأمر أصحابه أن يستروه بالجحف حتى يسمع كلامهم، فناداهم يا اخوة القردة والخنازير. فقالوا: يا أبا القاسم لم تكن فحاشا، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ وكانوا حلفاءه فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم ونساؤهم. ولهذا الحديث طرق جيدة عن عائشة وغيرها. وقد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور ومعذور غير معنف. فقالت طائفة من العلماء: الذين أخّروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بنى قريظة هم المصيبون، لان أمرهم يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا. قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: وعلم الله أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بنى قريظة ولو بعد أيام. وهذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الأخذ بالظاهر. وقالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا الصلاة في وقتها لما أدركتهم وهم في مسيرهم هم المصيبون لانهم فهموا أن المراد انما هو تعجيل السير الى بنى قريظة لا تأخير الصلاة فعملوا بمقتضى الادلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، ولهذا لم يعنفهم ولم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت اليه يومئذ كما يدعيه أولئك، وأما أولئك الذين أخّروا فعذروا بحسب ما فهموا، وأكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء وقد فعلوه. وأما على قول من يجوّز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البخاري حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا فلا إشكال على من أخّر ولا على من قدّم أيضا والله أعلم ثم قال ابن إسحاق: وقدّم رسول الله ﷺ عليّ بن أبى طالب ومعه رايته وابتدرها الناس. وقال موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري: فبينما رسول الله ﷺ في مغتسله كما يزعمون قد رجّل أحد شقيه أتاه جبريل على فرس عليه لأمته حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز فخرج اليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك أو قد وضعت السلاح؟ قال نعم. فقال جبريل: لكنا لم نضعه منذ نزل بك العدوّ وما زلت في طلبهم حتى هزمهم الله - ويقولون ان على وجه جبريل لأثر الغبار - فقال له جبريل: ان الله قد أمرك بقتال بنى قريظة فأنا عامد اليهم بمن معي

стр. 1158

من الملائكة نزلزل بهم الحصون فاخرج بالناس، فخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل فمر على مجلس بنى غنم وهم ينتظرون رسول الله ﷺ فسألهم فقال: مرّ عليكم فارس آنفا؟ قالوا مرّ علينا دحية الكلبي على فرس أبيض تحته نمط أو قطيفة ديباج عليه الأمة، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال: ذاك جبريل. وكان رسول الله ﷺ يشبّه دحية الكلبي بجبريل، فقال الحقونى ببني قريظة فصلوا فيهم العصر، فقاموا وما شاء الله من المسلمين فانطلقوا الى بنى قريظة فحانت صلاة العصر وهم بالطريق فذكروا الصلاة فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بنى قريظة. وقال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم وأخّرت طائفة الصلاة حتى صلوها في بنى قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجل منهم الصلاة ومن أخرها فذكروا أن رسول الله ﷺ لم يعنف واحدا من الفريقين. قال فلما رأى عليّ بن أبى طالب رسول الله ﷺ مقبلا تلقاه وقال: ارجع يا رسول الله فان الله كافيك اليهود، وكان عليّ قد سمع منهم قولا سيئا لرسول الله ﷺ وأزواجه ﵅ فكره أن يسمع ذلك رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : لم تأمرنى بالرجوع؟ فكتمه ما سمع منهم فقال: أظنك سمعت فىّ منهم أذى فامض فان أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئا مما سمعت، فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم وكانوا في أعلاه نادى بأعلى صوته نفرا من أشرافهم حتى أسمعهم فقال: أجيبوا يا معشر يهود يا إخوة القردة قد نزل بكم خزي الله ، فحاصرهم رسول الله ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة ورد الله حيي بن أخطب حتى دخل حصن بنى قريظة وقذف الله في قلوبهم الرعب واشتد عليهم الحصار فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر - وكانوا حلفاء الأنصار - فقال أبو لبابة لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ قد أذنت لك، فأتاهم أبو لبابة فبكوا اليه وقالوا: يا أبا لبابة ماذا ترى وماذا تأمرنا فإنه لا طاقة لنا بالقتال، فأشار أبو لبابة بيده الى حلقه وأمرّ عليه أصابعه، يريهم انما يراد بهم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة فقال والله لا انظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أحدث لله توبة نصوحا يعلمها الله من نفسي، فرجع الى المدينة فربط يديه الى جذع من جذوع المسجد. وزعموا أنه ارتبط قريبا من عشرين ليلة، فقال رسول الله ﷺ حين غاب عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه، فذكر له ما فعل؟ فقال: لقد أصابته بعدي فتنة ولو جاءني لاستغفرت له وإذ قد فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضى الله فيه ما يشاء. وهكذا رواه ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة وكذا ذكره محمد بن إسحاق في مغازيه في مثل سياق موسى بن عقبة عن الزهري ومثل رواية أبى الأسود عن عروة. قال ابن إسحاق ونزل رسول الله ﷺ على بئر من آبار بنى قريظة

стр. 1159

من ناحية أموالهم يقال لها بئر انى فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة حتى جهدهم الحصار وقذف في قلوبهم الرعب وقد كان حيي بن أخطب دخل معهم حصنهم حين رجعت عنهم قريش وغطفان وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه فلما أيقنوا أن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم قال كعب بن أسد: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون وانى عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا بما شئتم منها. قالوا وما هن؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون به على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره. قال فإذا أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج الى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف لم نترك وراءنا ثقلا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد فان نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه وان نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: أنقتل هؤلاء المساكين؟ فما خير العيش بعدهم؟ قال: فان أبيتم عليّ هذه فالليلة ليلة السبت وانه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنونا فيها فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا أنفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يحدث فيه من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عنك من المسخ فقال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة من الدهر حازما. ثم انهم بعثوا الى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة بن عبد المنذر أخا بنى عمرو بن عوف وكانوا حلفاء الأوس نستشيره في أمرنا. فأرسله رسول الله ﷺ فلما رأوه قام اليه الرجال وجهش اليه النساء والصبيان يبكون في وجهه فرقّ لهم وقالوا يا أبا لبابة أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال: نعم. وأشار بيده الى حلقه أنه الذبح قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماي من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله. ثم انطلق أبو لبابة على وجهه ولم يأت رسول الله ﷺ حتى ارتبط في المسجد الى عمود من عمده وقال: لا أبرح مكاني حتى يتوب الله على مما صنعت. وعاهد الله أن لا أطأ بنى قريظة أبدا ولا أرى في بلد خنت الله ورسوله فيه أبدا. قال ابن هشام وأنزل الله فيما قال سفيان بن عيينة عن إسماعيل ابن أبى خالد عن عبد الله بن أبى قتادة ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. قال ابن هشام: أقام مرتبطا ست ليال تأتيه امرأته في وقت كل صلاة فتحله حتى يتوضأ ويصلى ثم يرتبط حتى نزلت توبته في قوله تعالى ﴿وَآخَرُونَ اِعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وقول موسى بن عقبة انه مكث عشرين ليلة مرتبطا به والله أعلم. وذكر ابن إسحاق أن الله أنزل توبته على رسوله من آخر الليل وهو في بيت أم سلمة فجعل يبتسم فسألته أم سلمة فأخبرها بتوبة الله على أبى لبابة فاستأذنته أن تبشره فاذن لها فخرجت فبشرته فثار الناس اليه يبشرونه وأرادوا أن يحلوه من

стр. 1160

رباطه فقال والله لا يحلني منه إلا رسول الله ﷺ فلما خرج رسول الله ﷺ الى صلاة الفجر حله من رباطه ﵁ وأرضاه. قال ابن إسحاق ثم ان ثعلبة بن سعية وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد وهم نفر من بنى هدل ليسوا من بنى قريظة ولا النضير نسبهم فوق ذلك هم بنو عم القوم أسلموا في تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول الله ﷺ وخرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظي فمر بحرس رسول الله ﷺ وعليهم محمد بن مسلمة تلك الليلة فلما رآه قال من هذا؟ قال أنا عمرو ابن سعدى - وكان عمرو قد أبى أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول الله ﷺ وقال لا أغدر بمحمد أبدا - فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللهمّ لا تحرمني اقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله فخرج على وجهه حتى بات في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة تلك الليلة ثم ذهب لم يدر أين توجه من الأرض الى يومه هذا فذكر شأنه لرسول الله ﷺ فقال: ذاك رجل نجاه الله بوفائه. قال وبعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمة فيمن أوثق من بنى قريظة فأصبحت رمته ملقاة ولم يدر أين ذهب فقال رسول الله ﷺ فيه تلك المقالة والله أعلم أي ذلك كان. قال ابن إسحاق فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله ﷺ فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله انهم كانوا موالينا دون الخزرج وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت يعنون عفوه عن بنى قينقاع حين سأله فيهم عبد الله ابن أبىّ كما تقدم. قال ابن إسحاق فلما كلمته الأوس قال رسول الله ﷺ : يا معشر الأوس ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا بلى. قال فذلك الى سعد بن معاذ وكان رسول الله ﷺ قد جعل سعد بن معاذ في خيمة لامرأة من أسلم يقال لها رفيدة في مسجده وكانت تداوى الجرحى فلما حكمه في بنى قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم وكان رجلا جسيما جميلا ثم أقبلوا معه الى رسول الله ﷺ وهم يقولون يا أبا عمرو أحسن في مواليك فان رسول الله ﷺ انما ولاك ذلك لتحسن فيهم. فلما أكثروا عليه قال: قد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه الى دار بنى عبد الأشهل فنعى لهم رجال بنى قريظة قبل أن يصل اليهم سعد عن كلمته التي سمع منه فلما انتهى سعد الى رسول الله ﷺ والمسلمين قال رسول الله ﷺ قوموا الى سيدكم فأما المهاجرون من قريش فيقولون انما أراد الأنصار واما الأنصار فيقولون قد عم رسول الله ﷺ المسلمين فقاموا اليه فقالوا يا أبا عمرو ان رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم فقال سعد عليكم بذلك عهد الله وميثاقه ان الحكم فيهم لما حكمت قالوا نعم قال وعلى من هاهنا في الناحية التي فيها رسول الله ﷺ وهو معرض عن رسول الله ﷺ إجلالا له فقال رسول الله ﷺ نعم قال سعد فانى أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتقسم الأموال وتسبى الذراري والنساء. قال ابن إسحاق فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن عمر بن سعد بن معاذ عن علقمة بن وقاص

стр. 1161

الليثي قال قال رسول الله ﷺ لسعد لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبعة أرقعة. وقال ابن هشام حدثني من أثق به من أهل العلم ان على بن أبى طالب صاح وهم محاصرو بنى قريظة يا كتيبة الايمان وتقدم هو والزبير بن العوام وقال والله لأذوقن ما ذاق حمزة أو اقتحم حصنهم فقالوا يا محمد ننزل على حكم سعد بن معاذ. وقد قال الامام أحمد حدّثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعت أبا امامة بن سهل سمعت أبا سعيد الخدريّ قال نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ قال فأرسل رسول الله ﷺ الى سعد فأتاه على حمار فلما دنا قريبا من المسجد قال رسول الله ﷺ : قوموا لسيدكم أو خيركم. ثم قال ان هؤلاء نزلوا على حكمك قال نقتل مقاتلتهم ونسبي ذريتهم قال فقال رسول الله ﷺ قضيت بحكم الله. وربما قال قضيت بحكم الملك وفي رواية الملك. أخرجاه في الصحيحين من طرق عن شعبة وقال الامام أحمد حدّثنا حجين ويونس قالا حدثنا الليث بن سعد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله انه قال رمى يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطعوا أكحله فحسمه رسول الله ﷺ بالنار فانتفخت يده فنزفه فحسمه أخرى فانتفخت يده فنزفه فلما رأى ذلك قال اللهمّ لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بنى قريظة فاستمسك عرقه فما قطر قطرة حتى نزلوا على حكم سعد فأرسل اليه فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم يستعين بهم المسلمون فقال رسول الله ﷺ أصبت حكم الله فيهم وكانوا أربعمائة. فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه فمات. وقد رواه الترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن الليث به وقال الترمذي حسن صحيح. وقال الامام أحمد حدّثنا ابن نمير عن هشام أخبرنى أبى عن عائشة قالت لما رجع رسول الله ﷺ من الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وعلى رأسه الغبار فقال قد وضعت السلاح فو الله ما وضعتها أخرج اليهم. قال رسول الله ﷺ فأين قال هاهنا وأشار الى بنى قريظة فخرج رسول الله ﷺ اليهم. قال هشام فأخبرني أبى انهم نزلوا على حكم النبي ﷺ فرد الحكم فيهم الى سعد قال فانى أحكم أن تقتل المقاتلة وتسبى النساء والذرية وتقسم أموالهم. قال هشام قال أبى فأخبرت ان رسول الله ﷺ قال لقد حكمت فيهم بحكم الله. وقال البخاري حدّثنا زكريا بن يحيى حدثنا عبد الله بن نمير حدثنا هشام عن أبيه عن عائشة قالت أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل من قريش يقال له حبّان بن العرقة رماه في الأكحل فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق وضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار فقال قد وضعت السلاح والله ما وضعته أخرج اليهم. قال النبي ﷺ فأين فأشار الى بنى قريظة فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه فرد الحكم الى سعد قال فانى أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة وأن تسبى النساء والذرية وأن تقسم أموالهم قال هشام فأخبرني أبى عن عائشة أن سعدا قال اللهمّ انك تعلم انه

стр. 1162

ليس أحد أحب الىّ أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولك وأخرجوه اللهمّ فأنى أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم فان كان بقي من حرب قريش شيء فأبقنى له حتى أجاهدهم فيك وان كنت وضعت الحرب فافجرها واجعل موتى فيها. فانفجرت من لبته فلم يرعهم وفي المسجد خيمة من بنى غفار الا الدم يسيل اليهم فقالوا يا أهل الخيمة ما هذا الّذي يأتينا من قبلكم فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها. وهذا رواه مسلم من حديث عبد الله بن نمير به. قلت كان دعا أولا بهذا الدعاء قبل أن يحكم في بنى قريظة ولهذا قال فيه ولا تمتنى حتى تقر عيني من بنى قريظة فاستجاب الله له فلما حكم فيهم وأقر الله عينه أيّ قرار دعا ثانيا بهذا الدعاء فجعلها الله له شهادة ﵁ وأرضاه. وسيأتي ذكر وفاته قريبا ان شاء الله. وقد رواه الامام أحمد من وجه آخر عن عائشة مطولا جدا وفيه فوائد فقال حدّثنا يزيد أنبأنا محمد بن عمرو عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص قال أخبرتنى عائشة قالت خرجت يوم الخندق أقفو الناس فسمعت وئيد الأرض ورائي فإذا أنا بسعد بن معاذ ومعه ابن أخيه الحارث بن أوس يحمل مجنه، قالت فجلست انى الأرض فمر سعد وعليه درع من حديد قد خرجت منها أطرافه فانا أتخوف على أطراف سعد، قالت وكان سعد من أعظم الناس وأطولهم فمر وهو يرتجز ويقول: لبّث قليلا يدرك الهيجا جمل … ما أحسن الموت إذا حان الأجل قالت: فقمت فاقتحمت حديقة فإذا نفر من المسلمين فإذا فيها عمر بن الخطاب وفيهم رجل عليه سبغة له تعنى المغفر فقال عمر: ما جاء بك والله انك لجريئة وما يؤمنك أن يكون بلاء أو يكون تحوّز فما زال يلومني حتى تمنيت أن الأرض فتحت ساعتئذ فدخلت فيها فرفع الرجل السبغة عن وجهه فإذا هو طلحة بن عبيد الله فقال: يا عمر ويحك انك قد أكثرت منذ اليوم وأين التحوز أو الفرار الا الى الله . قالت: ويرمي سعدا رجل من قريش يقال له ابن العرقة وقال خذها وأنا ابن العرقة فأصاب أكحله فقطعه فدعا الله سعد فقال: اللهمّ لا تمتنى حتى تقر عيني من بنى قريظة قالت وكانوا حلفاءه ومواليه في الجاهلية قالت فرقأ كلمه وبعث الله الريح على المشركين وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا. فلحق أبو سفيان ومن معه بتهامة، ولحق عيينة بن بدر ومن معه بنجد، ورجعت بنو قريظة فتحصنوا في صياصيهم ورجع رسول الله ﷺ الى المدينة وأمر بقبة من أدم فضربت على سعد في المسجد قالت: فجاء جبريل وان على ثناياه لنقع الغبار فقال: أقد وضعت السلاح لا والله ما وضعت الملائكة السلاح بعد، أخرج الى بنى قريظة فقاتلهم. قالت: فلبس رسول الله ﷺ لأمنه وأذّن في الناس بالرحيل أن يخرجوا فمر على بنى غنم، وهم جيران المسجد حوله فقال: من مرّ بكم؟ قالوا: مر بنا دحية الكلبي - وكان دحية الكلبي تشبه لحيته وسنه ووجهه

стр. 1163

جبريل ﵇ فأتاهم رسول الله ﷺ فحاصرهم خمسا وعشرين ليلة فلما اشتد حصرهم واشتد البلاء قيل لهم انزلوا على حكم رسول الله ﷺ فاستشاروا أبا لبابة بن عبد المنذر فاشار اليهم أنه الذبح قالوا ننزل على حكم سعد بن معاذ فقال رسول الله ﷺ انزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأتى به على حمار عليه اكاف من ليف قد حمل عليه وحف به قومه فقالوا يا أبا عمرو حلفاؤك ومواليك وأهل النكاية ومن قد علمت قالت ولا يرجع اليهم شيئا ولا يلتفت اليهم حتى إذا دنا من دورهم التفت الى قومه فقال: قد آن لي أن لا أبالى في الله لومة لائم. قالت: قال أبو سعيد: فلما طلع قال رسول الله ﷺ . قوموا الى سيدكم فأنزلوه قال عمر: سيدنا الله، قال: أنزلوه، فأنزلوه. قال رسول الله ﷺ : أحكم فيهم، فقال سعد: فأنى أحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم وتقسم أموالهم فقال رسول الله ﷺ : لقد حكمت فيهم بحكم الله وحكم رسوله ثم دعا سعد فقال: اللهمّ إن كنت أبقيت على نبيك من حرب قريش شيئا فأبقنى لها وان كنت قطعت الحرب بينه وبينهم فاقبضنى إليك قالت: فانفجر كلمه وكان قد بريء حتى لا يرى منه الا مثل الخرص ورجع الى قبته التي ضرب عليه رسول الله ﷺ قالت عائشة: فحضره رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر قالت: فو الّذي نفس محمد بيده أنى لأعرف بكاء عمر من بكاء أبى بكر وأنا في حجرتي وكانوا كما قال الله «رُحَماءُ بَيْنَهُمْ» قال علقمة: فقلت يا أمّة فكيف كان رسول الله ﷺ يصنع؟ قالت: كانت عينه لا تدمع على أحد ولكنه كان إذا وجد فإنما هو آخذ بلحيته. وهذا الحديث إسناده جيد وله شواهد من وجوه كثيرة، وفيه التصريح بدعاء سعد مرتين مرة قبل حكمه في بنى قريظة ومرة بعد ذلك كما قلناه أولا ولله الحمد والمنة وسنذكر كيفية وفاته ودفنه وفضله في ذلك ﵁ وأرضاه بعد فراغنا من القصة. قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا فحبسهم رسول الله ﷺ بالمدينة في دار بنت الحارث امرأة من بنى النجار قلت: هي نسيبة ابنة الحارث بن كرز بن حبيب بن عبد شمس وكانت تحت مسيلمة الكذاب ثم خلف عليها عبد الله بن عامر بن كريز، ثم خرج ﷺ الى سوق المدينة فخندق بها خنادق ثم بعث اليهم فضرب أعناقهم في تلك الخنادق فخرج بهم اليه إرسالا وفيهم عدو الله حيي بن أخطب وكعب بن أسد رأس القوم وهم ستمائة أو سبعمائة. والمكثر لهم يقول كانوا ما بين الثمانمائة والتسعمائة. قلت: وقد تقدم فيما رواه الليث عن أبى الزبير عن جابر أنه كانوا أربعمائة فالله أعلم. قال ابن إسحاق: وقد قالوا لكعب بن أسد وهم يذهب بهم الى رسول الله ﷺ إرسالا: يا كعب ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون ألا ترون الداعي لا ينزع ومن ذهب به منكم لا يرجع هو والله القتل. فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم وأتى بحيي بن أخطب وعليه حلة له فقاحية (١) قد شقها

стр. 1164

عليه من كل ناحية قدر أنملة لئلا يسلبها مجموعة يداه الى عنقه بحبل. فلما نظر الى رسول الله ﷺ قال أما والله ما لمت نفسي في عداوتك ولكنه من يخذل الله يخذل. ثم أقبل على الناس فقال: أيها الناس، انه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل. ثم جلس فضربت عنقه، فقال جبل بن جوال الثعلبي: لعمرك ما لام ابن أخطب نفسه … ولكنه من يخذل الله يخذل لجاهد حتى أبلغ النفس عذرها … وقلقل يبغى العز كل مقلقل وذكر ابن إسحاق قصة الزبير بن باطا وكان شيخا كبيرا قد عمى وكان قد منّ يوم بعاث على ثابت بن قيس بن شماس وجز ناصيته فلما كان هذا اليوم أراد أن يكافئه فجاءه فقال: هل تعرفني يا أبا عبد الرحمن؟ قال: وهل يجهل مثلي مثلك فقال له ثابت أريد أن أكافئك فقال: ان الكريم يجزى الكريم فذهب ثابت الى رسول الله ﷺ فاستطلقه فاطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال شيخ كبير لا أهل ولا ولد فما يصنع بالحياة فذهب الى رسول الله ﷺ فاستطلق له امرأته وولده فأطلقهم له ثم جاءه فقال أهل بيت بالحجاز لا مال لهم فما بقاؤهم على ذلك؟ فأتى ثابت الى رسول الله ﷺ فاستطلق مال الزبير بن باطا فأطلقه له ثم جاءه فأخبره فقال له يا ثابت ما فعل الّذي كان وجهه مرآة صينية تتراءى فيها عذارى حي كعب بن أسد؟ قال: قتل. قال: فما فعل سيد الحاضر والبادي حيي بن أخطب؟ قال قتل، قال: فما فعل مقدمتنا إذا شددنا وحاميتنا إذا فررنا: عزال بن شموال؟ قال: قتل. قال فما فعل المجلسان؟ - يعنى بنى كعب بن قريظة وبنى عمرو بن قريظة - قال: ذهبوا قتلوا، قال فانى أسألك يا ثابت بيدي عندك إلا ألحقتنى بالقوم فو الله ما في العيش بعد هؤلاء من خير فما أنا بصابر لله فيلة دلو ناضح حتى ألقى الأحبة، فقدمه ثابت فضربت عنقه، فلما بلغ أبا بكر الصديق قوله «ألقى الاحبة» قال «يلقاهم والله في نار جهنم خالدا فيها مخلدا» قال ابن إسحاق «فيلة» بالفاء والياء المثناة من أسفل وقال ابن هشام بالقاف والباء الموحدة. وقال ابن هشام: الناضح البعير الّذي يستقى عليه الماء لسقي النخل، وقال أبو عبيدة: معناه افراغة دلو قال ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ قد أمر بقتل كل من أنبت منهم. فحدثني شعبة بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي قال: كان رسول الله ﷺ قد أمر أن يقتل من بنى قريظة كل من أنبت منهم وكنت غلاما فوجدوني لم أنبت فخلوا سبيلي. ورواه أهل السنن الأربعة من حديث عبد الملك بن عمير عن عطية القرظي نحوه. وقد استدل به من ذهب من العلماء الى أن إنبات الشعر الخشن حول الفرج دليل على البلوغ بل هو بلوغ في أصح قولي الشافعيّ. ومن العلماء من يفرق بين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم دون غيرهم لان المسلم قد يتأذى بذلك

стр. 1165

لمقصد. وقد روى إسحاق عن أيوب بن عبد الرحمن أن سلمى بنت قيس أم المنذر استطلقت من رسول الله ﷺ رفاعة بن شموال، وكان قد بلغ فلاذ بها، وكان يعرفهم قبل ذلك فأطلقه لها، وكانت قالت: يا رسول الله ان رفاعة يزعم أنه سيصلى ويأكل لحم الجمل. فأجابها الى ذلك فأطلقه. قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: لم يقتل من نسائهم إلا امرأة واحدة، قالت والله انها لعندي تحدث معى تضحك ظهرا وبطنا ورسول الله ﷺ يقتل رجالها في السوق إذ هتف هاتف باسمها أين فلانة؟ قالت أنا والله، قالت قلت لها: ويلك مالك؟ قالت أقتل! قلت ولم؟ قالت: لحدث أحدثته، قالت فانطلق بها فضربت عنقها، وكانت عائشة تقول فو الله ما أنسى عجبا منها طيب نفسها وكثرة ضحكها وقد عرفت انها تقتل. وهكذا رواه الامام أحمد عن يعقوب بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن إسحاق به. قال ابن إسحاق: هي التي طرحت الرحا على خلاد بن سويد فقتلته، يعنى فقتلها رسول الله ﷺ به. قال ابن إسحاق: في موضع آخر وسماها نباتة امرأة الحكم القرظي. قال ابن إسحاق: ثم ان رسول الله ﷺ قسم أموال بنى قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين بعد ما أخرج الخمس، وقسم للفارس ثلاثة أسهم سهمين للفرس وسهما لراكبه وسهما للراجل، وكانت الخيل يومئذ ستا وثلاثين. قال وكان أول فيء وقعت فيه السهمان وخمّس. قال ابن إسحاق: وبعث رسول الله ﷺ سعيد بن زيد بسبايا من بنى قريظة الى نجد فابتاع بها خيلا وسلاحا. وكان رسول الله ﷺ قد اصطفى من نسائهم ريحانة بنت عمرو بن خنافة احدى نساء بنى عمرو بن قريظة وكان عليها حتى توفى عنها وهي في ملكه، وقد كان رسول الله ﷺ عرض عليها الإسلام فامتنعت ثم أسلمت بعد ذلك فسرّ رسول الله ﷺ بإسلامها وقد عرض عليها أن يعتقها ويتزوجها فاختارت أن تستمر على الرق ليكون أسهل عليها فلم تزل عنده حتى توفى ﵊، ثم تكلم ابن إسحاق على ما نزل من الآيات في قصة الخندق من أول سورة الأحزاب، وقد ذكرنا ذلك مستقصى في تفسيرها ولله الحمد والمنة. وقد قال ابن إسحاق: واستشهد من المسلمين يوم بنى قريظة خلاد بن سويد بن ثعلبة بن عمرو الخزرجي طرحت عليه رحى فشدخته شدخا شديدا فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إن له لأجر شهيدين. قلت: كان الّذي ألقى عليه الرحى تلك المرأة التي لم يقتل من بنى قريظة امرأة غيرها كما تقدم والله أعلم. قال ابن إسحاق: ومات أبو سنان بن محصن بن حرثان من بنى أسد بن خزيمة ورسول الله ﷺ محاصر بنى قريظة فدفن في مقبرتهم اليوم وفاة سعد بن معاذ ﵁ قد تقدم أن حبان بن العرقة لعنه الله رماه بسهم فأصاب أكحله، فحسمه رسول الله ﷺ كيا بالنار فاستمسك الجرح، وكان سعد قد دعا الله أن لا يميته حتى يقر عينه من بنى قريظة،

стр. 1166

وذلك حين نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهود والمواثيق والذمام ومالوا عليه مع الأحزاب، فلما ذهب الأحزاب وانقشعوا عن المدينة وباءت بنو قريظة بسواد الوجه والصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة وسار اليهم رسول الله ﷺ ليحاصرهم كما تقدم فلما ضيق عليهم وأخذهم من كل جانب أنابوا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ فيحكم فيهم بما أراه الله فرد الحكم فيهم الى رئيس الأوس وكانوا حلفاءهم في الجاهلية وهو سعد بن معاذ فرضوا بذلك ويقال بل نزلوا ابتداء على حكم سعد لما يرجون من حنوه عليهم وإحسانه وميله اليهم ولم يعلموا بأنهم أبغض اليه من أعدادهم من القردة والخنازير لشدة إيمانه وصديقيّته ﵁ وأرضاه، فبعث اليه رسول الله ﷺ وكان في خيمة في المسجد النبوي فجيء به على حمار تحته اكاف قد وطئ تحته لمرضه ولما قارب خيمة الرسول ﷺ أمر ﵇ من هناك بالقيام له قيل لينزل من شدة مرضه، وقيل توقيرا له بحضرة المحكوم عليهم ليكون أبلغ في نفوذ حكمه والله أعلم، فلما حكم فيهم بالقتل والسبي وأقرّ الله عينه وشفى صدره منهم وعاد الى خيمته من المسجد النبوي صحبة رسول الله ﷺ دعا الله أن تكون له شهادة واختار الله له ما عنده فانفجر جرحه من الليل فلم يزل يخرج منه الدم حتى مات ﵁. قال ابن إسحاق: فلما انقضى شأن بنى قريظة انفجر بسعد بن معاذ جرحه فمات منه شهيدا. حدثني معاذ بن رفاعة الزرقيّ قال حدثني من شئت من رجال قومي: أن جبريل أتى رسول الله ﷺ حين قبض سعد بن معاذ من جوف الليل معتجرا بعمامة من استبرق فقال: يا محمد من هذا الميت الّذي فتحت له أبواب السماء واهتز له العرش؟ قال فقام رسول الله ﷺ سريعا يجر ثوبه الى سعد فوجده قد مات ﵁، هكذا ذكره ابن إسحاق ﵀. وقد قال الحافظ البيهقي في الدلائل: حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب حدثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم حدثنا أبى وشعيب بن الليث قالا: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد عن معاذ بن رفاعة عن جابر بن عبد الله قال: جاء جبريل الى رسول الله ﷺ فقال: من هذا العبد الصالح الّذي مات فتحت له أبواب السماء وتحرك له العرش؟ قال فخرج رسول الله ﷺ فإذا سعد بن معاذ، قال فجلس رسول الله ﷺ على قبره وهو يدفن، فبينما هو جالس إذ قال «سبحان الله» مرتين، فسبح القوم، ثم قال «الله أكبر الله أكبر» فكبر القوم، ثم قال رسول الله: ﷺ «عجبت لهذا العبد الصالح شدد عليه في قبره حتى كان هذا حين فرج له» وروى الامام احمد والنسائي من طريق يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد ويحيى بن سعيد عن معاذ بن رفاعة عن جابر قال قال رسول الله ﷺ لسعد يوم مات وهو يدفن: سبحان الله لهذا

стр. 1167

الصالح الّذي تحرك له عرش الرحمن وفتحت له أبواب السماء شدد عليه ثم فرج الله عنه. وقال محمد بن إسحاق: حدثني معاذ بن رفاعة عن محمود بن عبد الرحمن بن عمرو بن الجموح عن جابر بن عبد الله قال: لما دفن سعد ونحن مع رسول الله ﷺ سبح رسول الله ﷺ فسبح الناس معه ثم كبر فكبر الناس معه فقالوا يا رسول الله مم سبحت؟ قال لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتى فرج الله عنه. وهكذا رواه الامام احمد عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن ابن إسحاق به قال ابن هشام ومجاز هذا الحديث قول عائشة قال رسول الله ﷺ ان للقبر ضمة لو كان أحد منها ناجيا لكان سعد بن معاذ. قلت: وهذا الحديث قد رواه الامام احمد حدّثنا يحيى عن شعبة عن سعد ابن إبراهيم عن نافع عن عائشة عن النبي ﷺ قال: ان للقبر ضغطة ولو كان أحد ناجيا منها لنجا سعد بن معاذ. وهذا الحديث سنده على شرط الصحيحين إلا أن الامام احمد رواه عن غندر عن شعبة عن سعد بن إبراهيم عن إنسان عن عائشة به ورواه الحافظ البزار عن نافع عن ابن عمر قال: حدّثنا عبد الأعلى بن حماد حدثنا داود عن عبد الرحمن حدثنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لقد هبط يوم مات سعد بن معاذ سبعون ألف ملك الى الأرض لم يهبطوا قبل ذلك ولقد ضمه القبر ضمة. ثم بكى نافع. وهذا اسناد جيد لكن قال البزار رواه غيره عن عبيد الله عن نافع مرسلا ثم رواه البزار عن سليمان بن سيف عن أبى عتاب عن سكين بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ لقد نزل لموت سعد ابن معاذ سبعون ألف ملك ما وطئوا الأرض قبلها وقال حين دفن سبحان الله لو انفلت أحد من ضغطة القبر لانفلت منها سعد وقال البزار حدّثنا إسماعيل بن حفص عن محمد بن فضيل حدثنا عطاء ابن السائب عن مجاهد عن ابن عمر قال اهتز العرش لحب لقاء الله سعد بن معاذ فقيل انما يعنى السرير ورفع أبويه على العرش قال تفتحت أعواده قال: ودخل رسول الله ﷺ قبره فاحتبس فلما خرج قيل له يا رسول الله ما حبسك قال ضم سعد في القبر ضمة فدعوت الله فكشف عنه قال البزار تفرد به عطاء بن السائب. قلت: وهو متكلم فيه. وقد ذكر البيهقي ﵀ بعد روايته ضمة سعد ﵁ في القبر أثرا غريبا فقال حدثنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أبو العباس حدثنا احمد ابن عبد الجبار حدثنا يونس عن ابن إسحاق حدّثنى أمية بن عبد الله أنه سأل بعض أهل سعد ما بلغكم من قول رسول الله ﷺ في هذا؟ فقالوا ذكر لنا أن رسول الله ﷺ سئل عن ذلك فقال: كان يقصّر في بعض الطهور من البول. وقال البخاري حدّثنا محمد بن المثنى حدثنا الفضل بن مساور حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. وعن الأعمش حدثنا أبو صالح عن جابر عن النبي ﷺ مثله فقال رجل لجابر فان البراء بن عازب يقول: اهتز السرير انه كان بين هذين الحيين ضغائن سمعت النبي ﷺ يقول

стр. 1168

اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ ورواه مسلم عن عمرو الناقد عن عبد الله بن إدريس وابن ماجة عن على بن محمد عن أبى معاوية كلاهما عن الأعمش به وليس عندهما زيادة قول الأعمش عن أبى صالح عن جابر وقال احمد حدثنا عبد الرزاق عن ابن جريج أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول وجنازة سعد بن معاذ بين أيديهم اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم عن عبد بن حميد والترمذي عن محمود بن غيلان كلاهما عن عبد الرزاق به وقال الامام احمد حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عوف حدثنا أبو نضرة سمعت أبا سعيد عن النبي ﷺ اهتز العرش لموت سعد بن معاذ. ورواه النسائي عن يعقوب بن إبراهيم عن يحيى به وقال احمد حدثنا عبد الوهاب عن سعيد قال قتادة حدّثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال وجنازته موضوعة اهتز لها عرش الرحمن ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله الأزدي عن عبد الوهاب به وقد روى البيهقي من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه عن الحسن البصري قال اهتز عرش الرحمن فرحا بروحه. وقال الحافظ البزار حدّثنا زهير بن محمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن قتادة عن أنس قال لما حملت جنازة سعد قال المنافقون ما أخف جنازته وذلك لحكمه في بنى قريظة فسئل رسول الله ﷺ فقال لا ولكن الملائكة تحملته اسناد جيد. وقال البخاري حدّثنا محمد بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن أبى إسحاق سمعت البراء بن عازب يقول أهديت للنّبيّ ﷺ حلة حرير فجعل أصحابه يمسونها ويعجبون من لينها فقال أتعجبون من لين هذه لمناديل سعد بن معاذ خير منها أو ألين ثم قال رواه قتادة والزهري سمعنا أنسا عن النبي ﷺ وقال احمد حدثنا عبد الوهاب عن سعيد هو ابن أبى عروبة عن قتادة عن أنس بن مالك أن أكيدر دومة أهدى الى رسول الله ﷺ جبة وذلك قبل أن ينهى عن الحرير فلبسها فعجب الناس منها فقال والّذي نفسي بيده لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذه. وهذا اسناد على شرط الشيخين ولم يخرجوه وانما ذكره البخاري تعليقا وقال احمد حدّثنا يزيد حدثنا محمد بن عمرو حدّثنى وأقد بن عمرو بن سعد بن معاذ قال محمد وكان واقد من أحسن الناس وأعظمهم وأطولهم قال دخلت على أنس بن مالك فقال لي من أنت؟ قلت أنا واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ فقال انك بسعد لشبيه ثم بكى وأكثر البكاء وقال رحمة الله على سعد كان من أعظم الناس وأطولهم ثم قال بعث رسول الله ﷺ جيشا الى أكيدر دومة فأرسل الى رسول الله ﷺ بجبة من ديباج منسوج فيها الذهب فلبسها رسول الله ﷺ فقام على المنبر وجلس فلم يتكلم ثم نزل فجعل الناس يلمسون الجبة وينظرون اليها فقال رسول الله ﷺ أتعجبون منها لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن مما ترون. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث محمد بن عمرو به وقال الترمذي حسن صحيح. قال ابن إسحاق بعد ذكر اهتزاز العرش لموت سعد

стр. 1169

ابن معاذ وفي ذلك يقول رجل من الأنصار: وما اهتز عرش الله من موت هالك … سمعنا به إلا لسعد أبى عمرو قال: وقالت أمه يعنى كبيشة بنت رافع بن معاوية بن عبيد بن ثعلبة الخدرية الخزرجية حين احتمل سعد على نعشه تندبه: ويل أم سعد سعدا … صرامة وحدّا وسؤددا ومجدا … وفارسا معدا سد به مسدا … يقدّها ما قدّا قال: يقول رسول الله ﷺ «كل نائحة تكذب إلا نائحة سعد بن معاذ» قلت: كانت وفاته بعد انصراف الأحزاب بنحو من خمس وعشرين ليلة، إذ كان قدوم الأحزاب في شوال سنة خمس كما تقدم فأقاموا قريبا من شهر ثم خرج رسول الله ﷺ لحصار بنى قريظة فأقام عليهم خمسا وعشرين ليلة، ثم نزلوا على حكم سعد فمات بعد حكمه عليهم بقليل فيكون ذلك في أواخر ذي القعدة أو أوائل ذي الحجة من سنة خمس والله أعلم. وهكذا قال محمد بن إسحاق: ان فتح بنى قريظة كان في ذي القعدة وصدر ذي الحجة قال: وولى تلك الحجة المشركون. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت يرثى سعد بن معاذ ﵁: لقد سجمت من دمع عيني عبرة … وحق لعيني أن تفيض على سعد قتيل ثوى في معرك فجعت به … عيون ذوارى الدمع دائمة الوجد على ملة الرحمن وارث جنة … مع الشهداء وفدها أكرم الوفد فان تك قد وعدتنا وتركتنا … وأمسيت في غبراء مظلمة اللحد فأنت الّذي يا سعد أبت بمشهد … كريم وأثواب المكارم والمجد بحكمك في حيي قريظة بالذي … قضى الله فيهم ما قضيت على عمد فوافق حكم الله حكمك فيهم … ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد فان كان ريب الدهر أمضاك في الألى … شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد فنعم مصير الصادقين إذا دعوا … الى الله يوما للوجاهة والقصد

стр. 1170

فصل فيما قيل من الاشعار في الخندق وبنى قريظة قال البخاري: حدّثنا حجاج بن منهال حدّثنا شعبة حدّثنا عدي بن ثابت أنه سمع البراء ابن عازب قال قال النبي ﷺ لحسان: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك. قال البخاري: وزاد إبراهيم بن طهمان عن الشيباني عن عدي بن ثابت عن البراء بن عازب قال قال النبي ﷺ يوم قريظة لحسان بن ثابت: أهج المشركين فان جبريل معك. وقد رواه البخاري أيضا ومسلم والنسائي من طرق عن شعبة بدون الزيادة التي ذكرها البخاري يوم بنى قريظة. قال ابن إسحاق ﵀: وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس أخو بنى محارب بن فهر في يوم الخندق (قلت: وذلك قبل إسلامه): ومشفقة تظن بنا الظنونا … وقد قدنا عرندسة طحونا كأن زهاءها أحد إذا ما … بدت أركانه للناظرينا ترى الأبدان فيها مسبغات … على الابطال واليلب الحصينا وجردا كالقداح مسوّمات … نؤمّ بها الغواة الخاطئينا كأنهم إذا صالوا وصلنا … بباب الخندقين مصافحونا أناس لا نرى فيهم رشيدا … وقد قالوا ألسنا راشدينا فأحجرنا هم شهرا كريتا … وكنا فوقهم كالقاهرينا نراوحهم ونغدو كل يوم … عليهم في السلاح مدجحينا بأيدينا صوارم مرهفات … نقدّ بها المفارق والشئونا كأنّ وميضهنّ معريات … إذا لاحت بأيدي مصلتينا وميض عقيقة لمعت بليل … ترى فيها العقائق مستبينا فلولا خندق كانوا لديه … لدمرنا عليهم أجمعينا ولكن حال دونهم وكانوا … به من خوفنا متعوذينا فان نرحل فانا قد تركنا … لدى أبياتكم سعدا رهينا إذا جن الظلام سمعت نوحا … على سعد يرجّعن الحنينا وسوف نزوركم عما قريب … كما زرناكم متوازرينا بجمع من كنانة غير عزل … كاسد الغاب إذ حمت العرينا

стр. 1171

قال: فأجابه كعب بن مالك أخو بنى سلمة ﵁ فقال: وسائلة تسائل ما لقينا … ولو شهدت رأتنا صابرينا صبرنا لا نرى لله عدلا … على ما نابنا متوكلينا وكان لنا النبي وزير صدق … به نعلو البرية أجمعينا نقاتل معشرا ظلموا وعقوا … وكانوا بالعداوة مرصدينا نعالجهم إذا نهضوا إلينا … بضرب يعجل المتسرعينا ترانا في فضافض سابغات … كغدران الملا متسربلينا وفي أيماننا بيض خفاف … بها نشفى مراح الشاغبينا بباب الخندقين كأن أسدا … شوابكهن يحمين العرينا فوارسنا إذا بكروا وراحوا … على الأعداء شوسا معلمينا لننصر أحمدا والله حتى … نكون عباد صدق مخلصينا ويعلم أهل مكة حين ساروا … وأحزاب أتوا متحزبينا بان الله ليس له شريك … وان الله مولى المؤمنينا فاما تقتلوا سعدا سفاها … فان الله خير القادرينا سيدخله جنانا طيبات … تكون مقامة للصالحينا كما قد ردكم فلاّ شريدا … بغيظكم خزايا خائبينا خزايا لم تنالوا ثم خيرا … وكدتم أن تكونوا دامرينا بريح عاصف هبت عليكم … فكنتم تحتها متكمهينا قال ابن إسحاق وقال عبد الله بن الزبعري السهمي في يوم الخندق (قلت وذلك قبل أن يسلم). حىّ الديار محا معارف رسمها … طول البلى وتراوح الاحقاب فكأنما كتب اليهود رسومها … الا الكنيف ومعقد الاطناب قفرا كأنك لم تكن تلهو بها … في نعمة بأوانس أتراب فاترك تذكر ما مضى من عيشة … ومحلة خلق المقام يباب واذكر بلاء معاشر واشكرهم … ساروا بأجمعهم من الأنصاب أنصاب مكة عامدين ليثرب … في ذي غياطل جحفل جبجاب يدع الحزون مناهجا معلومة … في كل نشز ظاهر وشعاب فيها الجياد شوازب مجنوبة … قب البطون لواحق الاقراب

стр. 1172

من كل سلهبة وأجرد سلهب … كالسيد بادر غفلة الرقاب جيش عيينة قاصد بلوائه … فيه وصخر قائد الأحزاب قرمان كالبدرين أصبح فيهما … غيث الفقير ومعقل الهراب حتى إذا وردوا المدينة وارتدوا … للموت كل مجرب قضّاب شهرا وعشرا قاهرين محمدا … وصحابه في الحرب خير صحاب نادوا برحلتهم صبيحة قلتم … كدنا نكون بها مع الخياب لولا الخنادق غادروا من جمعهم … قتلى لطير سغّب وذئاب قال فأجاب حسان بن ثابت ﵁ فقال: هل رسم دارسة المقام يباب … متكلم لمحاور بجواب قفر عفا رهم السحاب رسومه … وهبوب كل مطلة مرباب ولقد رأيت بها الحلول يزينهم … بيض الوجوه ثواقب الاحساب فدع الديار وذكر كل خريدة … بيضاء أنسة الحديث كعاب وأشك الهموم الى الإله وما ترى … من معشر ظلموا الرسول غضاب ساروا بأجمعهم اليه وألبوا … أهل القرى وبوادي الاعراب جيش عيينة وابن حرب فيهم … متخمطون بحلبة الأحزاب حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا … قتل الرسول ومغنم الاسلاب وغدوا علينا قادرين بأيدهم … ردوا بغيظهم على الأعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم … وجنود ربك سيد الأرباب فكفى الإله المؤمنين قتالهم … وأثابهم في الأجر خير ثواب من بعد ما قنطوا ففرق جمعهم … تنزيل نصر مليكنا الوهاب وأقر عين محمد وصحابه … وأذل كل مكذب مرتاب عاتى الفؤاد موقع ذي ريبة … في الكفر ليس بطاهر الأثواب علق الشقاء بقلبه ففؤاده … في الكفر آخر هذه الأحقاب قال وأجابه كعب بن مالك ﵁ أيضا فقال: أبقى لنا حدث الحروب بقية … من خير نحلة ربنا الوهاب بيضاء مشرفة الّذي ومعاطنا … حم الجذوع غزيرة الاحلاب كاللوب يبذل جمها وحفيلها … للجار وابن العم والمنتاب

стр. 1173

ونزائعا مثل السراج نمى بها … علف الشعير وجزة المقضاب عرى الشوى منها وأردف نحضها … جرد المنون وسائر الآراب قودا تراح الى الصباح إذا غدت … فعل الضراء تراح للكلاب وتحوط سائمة الديار وتارة … تردى العدي وتئوب بالاسلاب حوش الوحوش مطارة عند الوغى … عبس اللقاء مبينة الانجاب علفت على دعة فصارت بدّنا … دخس البضيع خفيفة الاقصاب يغدون بالزغف المضاعف شكه … وبمترصات في الثقاف صياب وصوارم نزع الصياقل علبها … وبكل أروع ماجد الأنساب يصل اليمين بمارن متقارب … وكلت وقيعته الى خباب وأغرّ أزرق في القناة كأنه … في طخية الظلماء ضوء شهاب وكتيبة ينفى القران قتيرها … وترد حد قواحز النشاب جأوى ململمة كأن رماحها … في كل مجمعة صريمة غاب تأوى الى ظل اللواء كأنه … في صعدة الخطي فيء عقاب أعيت أبا كرب وأعيت تبعا … وأبت بسالتها على الاعراب ومواعظ من ربنا نهدى بها … بلسان أزهر طيب الأثواب عرضت علينا فاشتهينا ذكرها … من بعد ما عرضت على الأحزاب حكما يراها المجرمون بزعمهم … حرجا ويفهمها ذوو الألباب جاءت سخينة كي تغالب ربها … فليغلبنّ مغالب الغلاّب قال ابن هشام: حدثني من أثق به حدثني عبد الملك بن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن رسول الله ﷺ قال له لما سمع منه هذا البيت: لقد شكرك الله يا كعب على قولك هذا. قلت ومراده بسخينة قريش وانما كانت العرب تسميهم بذلك لكثرة أكلهم الطعام السخن الّذي لا يتهيأ لغيرهم غالبا من أهل البوادي فالله أعلم. قال ابن إسحاق وقال كعب بن مالك أيضا: من سره ضرب يمعمع بعضه … بعضا كمعمعة الإناء المحرق فليأت مأسدة تسنّ سيوفها … بين المذاد وبين جذع الخندق دربوا بضرب المعلمين وأسلموا … مهجات أنفسهم لرب المشرق في عصبة نصر الإله نبيه … بهم وكان بعبده ذا مرفق في كل سابغة تخط فضولها … كالنهي هبت ريحه المترقرق

стр. 1174

بيضاء محكمة كأن قتيرها … حدق الجنادب ذات شكّ موثق جدلاء يحفرها نجاد مهند … صافى الحديدة صارم ذي رونق تلكم مع التقوى تكون لباسنا … يوم الهياج وكل ساعة مصدق نصل السيوف إذا قصرن بخطونا … قدما ونلحقها إذا لم تلحق فترى الجماجم ضاحيا هاماتها … بله الأكف كأنها لم تخلق نلقى العدوّ بفخمة ملمومة … تنفى الجموع كقصد رأس المشرق ونعدّ للاعداء كل مقلص … ورد ومحجول القوائم أبلق تردى بفرسان كان كماتهم … عند الهياج أسود طل ملثق صدق يعاطون الكماة حتوفهم … تحت العماية بالوشيج المزهق أمر الإله بربطها لعدوّه … في الحرب ان الله خير موفق لتكون غيظا للعدو وحيطا … للدار إن دلفت خيول النزق ويعيننا الله العزيز بقوّة … منه وصدق الصبر ساعة نلتقي ونطيع أمر نبينا ونجيبه … وإذا دعا لكريهة لم نسبق ومتى ينادى للشدائد نأتها … ومتى نرى الحومات فيها نعنق من يتّبع قول النبي فإنه … فينا مطاع الأمر حق مصدّق فبذاك ينصرنا ويظهر عزنا … ويصيبنا من نيل ذاك بمرفق إن الذين يكذبون محمدا … كفروا وضلوا عن سبيل المتقى قال ابن إسحاق: وقال كعب بن مالك أيضا: لقد علم الأحزاب حين تألّبوا … علينا وراموا ديننا ما نوادع أضاميم من قيس بن عيلان أصفقت … وخندف لم يدروا بما هو واقع يذودوننا عن ديننا ونذودهم … عن الكفر والرحمن راء وسامع إذا غايظونا في مقام أعاننا … على غيظهم نصر من الله واسع وذلك حفظ الله فينا وفضله … علينا ومن لم يحفظ الله ضائع هدانا لدين الحق واختاره لنا … ولله فوق الصانعين صانع قال ابن هشام: وهذه الأبيات في قصيدة له - يعنى طويلة - قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت في مقتل بنى قريظة: لقد لقيت قريظة ما ساءها … وما وجدت لذل من نصير

стр. 1175

أصابهم بلاء كان فيه … سوى ما قد أصاب بنى النضير غداة أتاهم يهوى اليهم … رسول الله كالقمر المنير له خيل مجنّبة تعادي … بفرسان عليها كالصقور تركناهم وما ظفروا بشيء … دماؤهم عليها كالعمير فهم صرعى تحوم الطير فيهم … كذاك يدان ذو العند الفجور فأنذر مثلها نصحا قريشا … من الرحمن ان قبلت نذيرى قال وقال حسان بن ثابت أيضا في بني قريظة: تعاقد معشر نصروا قريشا … وليس لهم ببلدتهم نصير هم أوتوا الكتاب فضيعوه … وهم عمى من التوراة بور كفرتم بالقرآن وقد أتيتم … بتصديق الّذي قال النذير فهان على سراة بنى لوى … حريق بالبويرة مستطير فأجابه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب فقال: ادام الله ذلك من صنيع … وحرق في طوائفها السعير ستعلم أينا منها بنزه … وتعلم أي أرضينا تضير فلو كان النخيل بها ركابا … لقالوا لا مقام لكم فسيروا قلت: وهذا قاله أبو سفيان بن الحارث قبل أن يسلم، وقد تقدم في صحيح البخاري بعض هذه الأبيات. وذكر ابن إسحاق جواب حسان في ذلك لجبل بن جوال الثعلبي تركناه قصدا. قال ابن إسحاق: وقال حسان بن ثابت أيضا يبكى سعدا وجماعة ممن استشهد يوم بنى قريظة: ألا يا لقومى هل لما حمّ دافع … وهل ما مضى من صالح العيش راجع تذكرت عصرا قد مضى فتهافتت … بنات الحشا وانهلّ منى المدامع صبابة وجد ذكرتني اخوة … وقتلى مضى فيها طفيل ورافع وسعد فاضحوا في الجنان وأوحشت … منازلهم فالأرض منهم بلاقع وفوا يوم بدر للرسول وفوقهم … ظلال المنايا والسيوف اللوامع دعا فأجابوه بحق وكلهم … مطيع له في كل أمر وسامع فما نكلوا حتى توالوا جماعة … ولا يقطع الآجال الا المصارع لانهم يرجون منه شفاعة … إذا لم يكن إلا النبيون شافع فذلك يا خير العباد بلاؤنا … اجابتنا لله والموت ناقع

стр. 1176

لنا القدم الاولى إليك وخلفنا … لأولنا في ملة الله تابع ونعلم أن الملك لله وحده … وان قضاء الله لا بد واقع مقتل أبى رافع سلام بن أبى الحقيق اليهودي لعنه الله في قصر له في أرض خيبر - وكان تاجرا مشهورا بأرض الحجاز قال ابن إسحاق: ولما انقضى شأن الخندق وأمر بنى قريظة وكان سلام بن أبى الحقيق - وهو أبو رافع - فيمن حزّب الأحزاب على رسول الله ﷺ وكانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف فاستأذن الخزرج رسول الله ﷺ في قتل سلام بن أبى الحقيق وهو بخيبر فأذن لهم. قال ابن إسحاق: فحدثني محمد بن مسلم الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك قال: وكان مما صنع الله لرسوله ﷺ أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله ﷺ تصاول الفحلين لا تصنع الأوس شيئا فيه غناء عن رسول الله ﷺ الا وقالت الخزرج والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا عند رسول الله ﷺ فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. قال: ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله ﷺ قالت الخزرج والله لا يذهبون بها فضلا علينا أبدا. قال: فتذاكروا من رجل لرسول الله ﷺ في العداوة كابن الأشرف فذكروا ابن أبى الحقيق وهو بخيبر فاستأذنوا الرسول ﷺ في قتله فأذن لهم فخرج من الخزرج من بنى سلمة خمسة نفر عبد الله بن عتيك ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس وأبو قتادة الحارث ابن ربعي وخزاعيّ بن أسود حليف لهم من أسلم فخرجوا وأمرّ عليهم رسول الله ﷺ عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة، فخرجوا حتى إذا قدموا خيبر أتوا دار ابن أبى الحقيق ليلا فلم يدعوا بيتا في الدار حتى أغلقوه عفى أهله قال: وكان في علية له اليها عجلة قال: فأسندوا اليها حتى قاموا على بابه فاستأذنوا فخرجت اليهم امرأته، فقالت: من أنتم؟ قالوا: أناس من العرب نلتمس الميرة. قالت: ذاكم صاحبكم فادخلوا عليه. فلما دخلنا أغلقنا علينا وعليه الحجرة تخوفا أن يكون دونه مجاولة تحول بيننا وبينه. قال: فصاحت امرأته فنوهت بنا فابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا فو الله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه كأنه قبطية ملقاة. قال: فلما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه ثم يذكر نهى رسول الله ﷺ فيكف يده ولولا ذلك لفرغنا منها بليل. قال فلما ضربناه بأسيافنا تحامل عليه عبد الله بن أنيس بسيفه في بطنه حتى أنفذه وهو يقول: قطنى قطنى أي حسبي حسبي. قال: وخرجنا وكان عبد الله بن عتيك سيئ البصر قال فوقع من الدرجة فوثبت يده وثبا شديدا وحملناه حتى نأتي به منهرا من عيونهم فندخل فيه فأوقدوا النيران واشتدّوا

стр. 1177

في كل وجه يطلبونا حتى إذا يئسوا رجعوا اليه فاكتنفوه وهو يقضى قال فقلنا: كيف لنا بأن نعلم بأن عدو الله قد مات؟ قال فقال رجل منا: أنا أذهب فأنظر لكم. فانطلق حتى دخل في الناس قال: فوجدتها - يعنى امرأته - ورجال يهود حوله وفي يدها المصباح تنظر في وجهه وتحدثهم وتقول: أما والله قد سمعت صوت ابن عتيك ثم أكذبت نفسي وقلت: أنى ابن عتيك بهذه البلاد. ثم أقبلت عليه تنظر في وجهه فقالت: فاظ وإله يهود، فما سمعت كلمة كانت ألذّ على نفسي منها. قال: ثم جاءنا فأخبرنا فاحتملنا صاحبنا وقدمنا على رسول الله ﷺ فأخبرناه بقتل عدوّ الله واختلفنا عنده في قتله كلنا يدّعيه. قال فقال: هاتوا أسيافكم. فجئنا بها فنظر اليها فقال لسيف عبد الله بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام. قال ابن إسحاق: فقال حسان بن ثابت في ذلك: لله در عصابة لاقيتهم … يا ابن الحقيق وأنت يا ابن الأشرف يسرون بالبيض الخفاف إليكم … مرحا كاسد في عرين مغرف حتى أتوكم في محل بلادكم … فسقوكم حتفا ببيض ذفّف مستبصرين لنصر دين نبيهم … مستصغرين لكل أمر مجحف هكذا أورد هذه القصة الامام محمد بن إسحاق ﵀. وقد قال الامام أبو عبد الله البخاري حدّثنا إسحاق بن نصر حدّثنا يحيى بن آدم حدّثنا ابن أبى زائدة عن أبيه عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: بعث النبي ﷺ رهطا الى أبى رافع فدخل عليه عبد الله بن عتيك بيته ليلا وهو نائم فقتله. قال البخاري: حدّثنا يوسف بن موسى حدّثنا عبد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء قال: بعث رسول الله ﷺ الى أبى رافع اليهودي رجالا من الأنصار وأمرّ عليهم عبد الله بن عتيك وكان أبو رافع يؤذى رسول الله ﷺ ويعين عليه وكان في حصن له بأرض الحجاز فلما دنوا منه وقد غربت الشمس وراح الناس بسرحهم قال عبد الله: اجلسوا مكانكم فانى منطلق متلطف للبواب لعلى أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضى حاجته وقد دخل الناس فهتف به البواب يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل فانى أريد أن أغلق الباب. فدخلت فكمنت فلما دخل الناس أغلق الباب ثم علق الأغاليق على ودّ قال: فقمت الى الأقاليد وأخذتها وفتحت الباب وكان أبو رافع يسمر عنده وكان في علالي له فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت اليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت عليّ من داخل فقلت ان القوم سدروا لي لم يخلصوا الىّ حتى أقتله. فانتهيت اليه فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدرى أين هو من البيت قلت أبا رافع. قال من هذا. فأهويت نحو الصوت فأضربه بالسيف ضربة وأنا دهش فما أغنيت شيئا وصاح فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت اليه فقلت ما هذا الصوت

стр. 1178

يا أبا رافع فقال لأمك الويل ان رجلا في البيت قتل بالسيف. قال فأضربه ضربة أثخنته ولم أقتله ثم وضعت صبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره فعرفت أنى قتلته فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت الى درجة له فوضعت رجلي وأنا أرى أنى قد انتهيت فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقى فعصبتها بعمامة حتى انطلقت حتى جلست على الباب فقلت لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته فلما صاح الديك قام الناعي على السور فقال أنعى أبا رافع ناصر أهل الحجاز فانطلقت الى أصحابى فقلت النجاء فقد قتل الله أبا رافع فانتهيت الى النبي ﷺ فحدثته فقال ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم اشتكها قط. قال البخاري حدّثنا أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي حدّثنا شريح حدّثنا إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبى إسحاق سمعت البراء قال بعث رسول الله ﷺ الى أبى رافع عبد الله بن عتيك وعبد الله بن عتيبة في ناس معهم فانطلقوا حتى دنوا من الحصن فقال لهم عبد الله ابن عتيك امكثوا أنتم حتى أنطلق أنا فانظر قال: فتلطفت حتى أدخل الحصن ففقدوا حمارا لهم فخرجوا بقبس يطلبونه قال: فخشيت أن أعرف قال: فغطيت رأسي وجلست كأني أقضى حاجة فقال: من أراد أن يدخل فليدخل قبل أن أغلقه. فدخلت ثم اختبأت في مربط حمار عند باب الحصن فتعشوا عند أبى رافع وتحدثوا حتى ذهب ساعة من الليل ثم رجعوا الى بيوتهم فلما هدأت الأصوات ولا أسمع حركة خرجت قال ورأيت صاحب الباب حيث وضع مفتاح الحصن في كوة فأخذته ففتحت به باب الحصن قال قلت ان نذر بى القوم انطلقت على مهل ثم عمدت الى أبواب بيوتهم فغلقتها عليهم من ظاهر ثم صعدت الى أبى رافع في سلّم فإذا البيت مظلم قد طفئ سراجه فلم أدر أين الرجل فقلت يا أبا رافع قال من هذا فعمدت نحو الصوت فاضربه وصاح فلم تغن شيئا قال ثم جئته كأني أغيثه فقلت مالك يا أبا رافع وغيرت صوتي قال لا أعجبك لأمك الويل دخل عليّ رجل فضربني بالسيف قال فعمدت اليه أيضا فأضربه اخرى فلم تغن شيئا فصاح وقام أهله ثم جئت وغيرت صوتي كهيئة المغيث فإذا هو مستلق على ظهره فأضع السيف في بطنه ثم انكفئ عليه حتى سمعت صوت العظم ثم خرجت دهشا حتى أتيت السلم أريد أن أنزل فاسقط منه فانخلعت رجلي فعصبتها ثم أتيت أصحابى أحجل فقلت انطلقوا فبشروا رسول الله ﷺ فانى لا أبرح حتى أسمع الناعية فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية فقال أنعى أبا رافع قال فقمت أمشى ما بى قلبه فأدركت أصحابى قبل أن يأتوا رسول الله ﷺ فبشرته. تفرد به البخاري بهذه السياقات من بين أصحاب الكتب الستة ثم قال: قال الزهري قال أبىّ بن كعب فقدموا على رسول الله ﷺ وهو على المنبر فقال أفلحت الوجوه قال أفلح وجهك يا رسول الله قال أفتكتموه قالوا نعم قال ناولني السيف فسله فقال أجل هذا طعامه في ذباب السيف. قلت يحتمل أن عبد الله بن عتيك

стр. 1179

لما سقط من تلك الدرجة انفكت قدمه وانكسرت ساقه ووثبت رجله فلما عصبها استكن ما به لما هو فيه من الأمر الباهر ولما أراد المشي أعين على ذلك لما هو فيه من الجهاد النافع ثم لما وصل الى رسول الله ﷺ واستقرت نفسه ثاوره الوجع في رجله فلما بسط رجله ومسح رسول الله ﷺ ذهب ما كان بها من بأس في الماضي ولم يبق بها وجع يتوقع حصوله في المستقبل جمعا بين هذه الرواية والتي تقدمت والله أعلم. هذا وقد ذكر موسى بن عقبة في مغازيه مثل سياق محمد بن إسحاق وسمى الجماعة الذين ذهبوا اليه كما ذكره ابن إسحاق وإبراهيم وأبو عبيد مقتل خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي ذكره الحافظ البيهقي في الدلائل تلو مقتل أبى رافع. قال الامام أحمد حدّثنا يعقوب حدثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن ابن عبد الله بن أنيس عن أبيه قال: دعاني رسول الله ﷺ فقال: انه قد بلغني ان خالد بن سفيان بن نبيح الهذلي يجمع لي الناس ليغزونى وهو بعرنة فائته فأقتله. قال قلت يا رسول الله انعته لي حتى أعرفه. قال إذا رأيته وجدت له قشعريرة قال فخرجت متوشحا سيفي حتى وقعت عليه وهو بعرنة مع عن يرتاد لهن منزلا وحين كان وقت العصر فلما رأيته وجدت ما وصف لي رسول الله ﷺ من القشعريرة فأقبلت نحوه وخشيت أن يكون بيني وبينه مجاولة تشغلني عن الصلاة فصليت وأنا أمشى نحوه أومئ برأسى للركوع والسجود فلما انتهيت اليه قال: من الرجل؟ قلت رجل من العرب سمع بك وبجمعك لهذا الرجل فجاءك لذلك. قال أجل انا في ذلك قال فمشيت معه شيئا حتى إذا أمكننى حملت عليه السيف حتى قتلته ثم خرجت وتركت ظعائنه مكبات عليه فلما قدمت على رسول الله ﷺ فرآني قال أفلح الوجه قال قلت قتلته يا رسول الله قال صدقت قال ثم قام معى رسول الله ﷺ فدخل في بيته فأعطانى عصا فقال: أمسك هذه عندك يا عبد الله بن أنيس. قال فخرجت بها على الناس فقالوا ما هذه العصا؟ قال قلت أعطانيها رسول الله ﷺ وأمرنى أن أمسكها قالوا أولا ترجع الى رسول الله ﷺ فتسأله عن ذلك. قال فرجعت الى رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله لم أعطيتنى هذه العصا؟ قال آية بيني وبينك يوم القيامة ان أقل الناس المنحصرون يومئذ. قال فقرنها عبد الله بسيفه فلم تزل معه حتى إذا مات أمر بها فضمت في كفنه ثم دفنا جميعا ثم رواه الامام احمد عن يحيى بن آدم عن عبد الله بن إدريس عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن بعض ولد عبد الله بن أنيس - أو قال عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس - عن عبد الله بن أنيس فذكر نحوه. وهكذا رواه أبو داود عن أبى معمر عن عبد الوارث عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبد الله بن أنيس عن أبيه فذكر نحوه

стр. 1180

ورواه الحافظ البيهقي من طريق محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبد الله بن عبد الله بن أنيس عن أبيه فذكره. وقد ذكر قصة عروة بن الزبير وموسى بن عقبة في مغازيهما مرسلة فالله أعلم. قال ابن هشام وقال عبد الله بن أنيس في قتله خالد بن سفيان: تركت ابن ثور كالحوار وحوله … نوائح تفري كل جيب معدد تناولته والظعن خلفي وخلفه … بأبيض من ماء الحديد المهند عجوم لهام الدارعين كأنه … شهاب غضى من ملهب متوقد أقول له والسيف يعجم رأسه … أنا ابن أنيس فارس غير قعدد أنا ابن الّذي لم ينزل الدهر قدره … رحيب فناء الدار غير مزند وقلت له خذها بضربة ماجد … خفيف على دين النبي محمد وكنت إذا همّ النبي بكافر … سبقت اليه باللسان وباليد قلت عبد الله بن أنيس بن حرام أبو يحيى الجهنيّ صحابى مشهور كبير القدر كان فيمن شهد العقبة وشهد أحدا والخندق وما بعد ذلك وتأخر موته بالشام الى سنة ثمانين على المشهور وقيل توفى سنة أربع وخمسين والله أعلم. وقد فرق على بن الزبير وخليفة بن خياط بينه وبين عبد الله بن أنيس ابى عيسى الأنصاري الّذي روى عن النبي ﷺ أنه دعا يوم أحد باداوة فيها ماء فحل فمها وشرب منها كما رواه أبو داود والترمذي من طريق عبد الله العمرى عن عيسى بن عبد الله بن أنيس عن أبيه ثم قال الترمذي وليس اسناده يصح وعبد الله العمرى ضعيف من قبل حفظه قصة عمرو بن العاص مع النجاشي بعد وقعة الخندق وإسلامه قال محمد بن إسحاق بعد مقتل أبى رافع وحدثني يزيد بن أبى حبيب عن راشد مولى حبيب ابن أوس الثقفي عن حبيب بن أوس حدثني عمرو بن العاص من فيه قال: لما انصرفنا يوم الأحزاب عن الخندق جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون منى فقلت لهم تعلمون والله أنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوا منكرا وانى لقد رأيت أمرا فما ترون فيه. قالوا وما رأيت قال رأيت أن نلحق بالنجاشي فنكون عنده فان ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي فانا ان نكن تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يدي محمد وان ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا فلن يأتينا منهم إلا خير. قالوا: ان هذا الرأى. قلت: فاجمعوا لنا ما نهدى له فكان أحب ما يهدى اليه من أرضنا الأدم فجمعنا له أدما كثيرا ثم خرجنا حتى قدمنا عليه فو الله انا لعنده إذ جاءه عمرو بن

стр. 1181

أمية الضمريّ وكان رسول الله ﷺ قد بعثه اليه في شأن جعفر وأصحابه. قال: فدخل عليه ثم خرج من عنده. قال فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية لو قد دخلت على النجاشي فسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه فإذا فعلت رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع. فقال: مرحبا بصديقى هل أهديت لي من بلادك شيئا؟ قال: قلت نعم أيها الملك قد أهديت لك أدما كثيرا. قال ثم قربته اليه فأعجبه واشتهاه. ثم قلت له أيها الملك انى قد رأيت رجلا خرج من عندك وهو رسول رجل عدو لنا فأعطنيه لأقتله فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال فغضب ثم مد يده فضرب بها أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره فلو انشقت الأرض لدخلت فيها فرقا. ثم قلت أيها الملك والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه. قال أتسألني أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الّذي كان يأتى موسى فقتله؟ قال قلت أيها الملك أكذاك هو؟ قال ويحك يا عمرو أطعنى واتبعه فإنه والله لعلى الحق وليظهرن على من خالفه كما ظهر موسى بن عمران على فرعون وجنوده قال قلت أفتبايعنى له على الإسلام قال نعم فبسط يده فبايعته على الإسلام ثم خرجت على أصحابى وقد حال رأيي عما كان عليه وكتمت أصحابى إسلامي ثم خرجت عامدا الى رسول الله ﷺ لأسلم فلقيت خالد بن الوليد وذلك قبيل الفتح وهو مقبل من مكة فقلت أين أبا سليمان؟ فقال والله لقد استقام الميسم وان الرجل لنبي أذهب والله أسلم فحتى متى؟ قال قلت والله ما جئت الا لأسلم. قال فقدمنا المدينة على النبي ﷺ فتقدم خالد بن الوليد فأسلم وبايع ثم دنوت فقلت يا رسول الله انى أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي ولا أذكر ما تأخر. قال فقال رسول الله ﷺ : يا عمرو بايع فان الإسلام يجبّ ما كان قبله وان الهجرة تجبّ ما كان قبلها. قال فبايعته ثم انصرفت. قال ابن إسحاق وقد حدثني من لا أتهم ان عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما، فقال عبد الله بن ابى الزبعري السهمي: أنشد عثمان بن طلحة خلفنا … وملقى نعال القوم عند المقبل وما عقد الآباء من كل حلفة … وما خالد من مثلها بمحلل أمفتاح بيت غير بيتك تبتغي … وما تبتغي من بيت مجد مؤثل فلا تأمننّ خالدا بعد هذه … وعثمان جاءا بالدهيم المعضل قلت كان إسلامهم بعد الحديبيّة وذلك ان خالد بن الوليد كان يومئذ في خيل المشركين كما سيأتي بيانه فكان ذكر هذا الفصل في إسلامهم بعد ذلك أنسب ولكن ذكرنا ذلك تبعا للإمام محمد بن إسحاق رحمه الله تعالى لأن أول ذهاب عمرو بن العاص الى النجاشي كان بعد وقعة الخندق الظاهر انه ذهب بقية سنة خمس. والله أعلم

стр. 1182

فصل في تزويج النبي ﷺ بأمّ حبيبة بنت أبى سفيان ذكر البيهقي بعد وقعة الخندق من طريق الكلبي عن أبى صالح عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ قال هو تزويج النبي ﷺ بأم حبيبة بنت أبى سفيان فصارت أم المؤمنين وصار معاوية خال المؤمنين. ثم قال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ حدثنا أحمد بن نجدة حدثنا يحيى بن عبد الحميد أنبأنا ابن المبارك عن معمر عن الزهري عن عروة عن أم حبيبة انها كانت عند عبد الله بن جحش وكان رحل الى النجاشي فمات وان رسول الله ﷺ تزوج بأمّ حبيبة وهي بأرض الحبشة وزوجها إياه النجاشي ومهرها أربعة آلاف درهم وبعث بها مع شرحبيل بن حسنة وجهزها من عنده وما بعث رسول الله ﷺ بشيء. قال وكان مهور أزواج النبي ﷺ أربعمائة. قلت والصحيح ان مهور أزواج النبي ﷺ كانت ثنتى عشرة أوقية ونشّا والوقية أربعون درهما والنش النصف وذلك يعدل خمسمائة درهم. ثم روى البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة ان عبيد الله بن جحش مات بالحبشة نصرانيا فخلف على زوجته أم حبيبة رسول الله ﷺ زوجها منه عثمان بن عفان ﵁ قلت أما تنصر عبيد الله بن جحش فقد تقدم بيانه وذلك على أثر ما هاجر مع المسلمين الى أرض الحبشة استزله الشيطان فزين له دين النصارى فصار اليه حتى مات عليه لعنة الله وكان يعير المسلمين فيقول لهم أبصرنا وصأصأتم وقد تقدم شرح ذلك في هجرة الحبشة. وأما قول عروة ان عثمان زوجها منه فغريب لأن عثمان كان قد رجع الى مكة قبل ذلك ثم هاجر الى المدينة وصحبته زوجته رقية كما تقدم والله أعلم. والصحيح ما ذكره يونس عن محمد بن إسحاق قال بلغني ان الّذي ولى نكاحها ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص. قلت وكان وكيل رسول الله ﷺ في قبول العقد أصحمة النجاشي ملك الحبشة كما قال يونس عن محمد بن إسحاق حدثني أبو جعفر محمد بن على بن الحسين قال بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمريّ الى النجاشي فزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان وساق عنه أربعمائة دينار وقال الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن زهير عن إسماعيل بن عمرو أن أم حبيبة بنت أبى سفيان قالت: ما شعرت وأنا بأرض الحبشة إلا برسول النجاشي جارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثيابه ووهنه فاستأذنت عليّ فأذنت لها فقالت: ان الملك يقول لك ان رسول الله ﷺ كتب إلى أن أزوجكه فقلت بشرك الله بالخير وقالت يقول لك

стр. 1183

الملك وكلى من يزوجك. قالت: فأرسلت الى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطيت أبرهة سوارين من فضة وخذمتين من فضة كانتا عليّ وخواتيم من فضة في كل أصابع رجلي سرورا بما بشرتني به. فلما أن كان من العشي أمر النجاشي جعفر بن أبى طالب ومن كان هناك من المسلمين أن يحضروا وخطب النجاشي وقال: الحمد لله الملك القدوس المؤمن العزيز الجبار وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأنه الّذي بشر به عيسى بن مريم. أما بعد فان رسول الله ﷺ طلب أن أزوجه أم حبيبة بنت أبى سفيان فأجبت الى ما دعا اليه رسول الله ﷺ وقد أصدقها أربعمائة دينار ثم سكب الدنانير بين يدي القوم. فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده واستغفره وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. أما بعد فقد أجبت الى ما دعا اليه رسول الله ﷺ وزوّجته أم حبيبة بنت أبى سفيان فبارك الله لرسول الله ﷺ ودفع النجاشي الدنانير الى خالد بن سعيد فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال: اجلسوا فان من سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج. فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا. قلت: فلعل عمرو بن العاص لما رأى عمرو بن أمية خارجا من عند النجاشي بعد الخندق انما كان في قضية أم حبيبة فالله أعلم. لكن قال الحافظ البيهقي ذكر أبو عبد الله ابن مندة أن تزويجه ﵇ بأمّ حبيبة كان في سنة ست وان تزويجه بأم سلمة كان في سنة أربع. قلت وكذا قال خليفة وأبو عبيد الله معمر بن المثنى وابن البرقي وان تزويج أم حبيبة كان في سنة ست وقال بعض الناس سنة سبع. قال البيهقي هو أشبه قلت قد تقدم تزويجه ﵇ بأمّ سلمة في أواخر سنة أربع وأما أم حبيبة فيحتمل أن يكون قبل ذلك ويحتمل أن يكون بعده وكونه بعد الخندق أشبه لما تقدم من ذكر عمرو بن العاص أنه رأى عمرو بن أمية عند النجاشي فهو في قضيتها والله أعلم. وقد حكى الحافظ ابن الأثير في الغابة عن قتادة أن أم حبيبة لما هاجرت من الحبشة الى المدينة خطبها رسول الله ﷺ وتزوجها. وحكى عن بعضهم أنه تزوجها بعد إسلام أبيها بعد الفتح واحتج هذا القائل بما رواه مسلم من طريق عكرمة بن عمار اليماني عن أبى زميل سماك بن الوليد عن ابن عباس أن ابا سفيان قال يا رسول الله ثلاث أعطنيهن. قال نعم. قال تؤمرنى على أن أقاتل الكفار كما كنت أقاتل المسلمين. قال نعم. قال ومعاوية تجعله كاتبا بين يديك. قال نعم. قال وعندي أحسن العرب وأجمله أم حبيبة بنت أبى سفيان أزوجكها. الحديث بتمامه. قال ابن الأثير وهذا الحديث مما أنكر على مسلم لان ابا سفيان لما جاء يجدد العقد قبل الفتح دخل على ابنته أم حبيبة فثنت عنه فراش النبي ﷺ فقال والله ما أدرى أرغبت بى عنه أو به عنى؟ قالت بل هذا فراش رسول الله ﷺ وأنت رجل مشرك. فقال والله لقد أصابك بعدي يا بنية شر

стр. 1184

وقال ابن حزم هذا الحديث وضعه عكرمة بن عمار وهذا القول منه لا يتابع عليه. وقال آخرون أراد ان يجدد العقد لما فيه بغير إذنه من الغضاضة عليه. وقال بعضهم لانه اعتقد انفساخ نكاح ابنته بإسلامه. وهذه كلها ضعيفة والأحسن في هذا أنه أراد ان يزوجه ابنته الأخرى عرة لما رأى في ذلك من الشرف له واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وانما وهم الراويّ في تسميته أم حبيبة وقد أوردنا لذلك خبرا مفردا. قال أبو عبيد القاسم بن سلام توفيت أم حبيبة سنة أربع وأربعين وقال أبو بكر بن أبى خيثمة توفيت قبل معاوية لسنة وكانت وفاة معاوية في رجب سنة ستين تزويجه ﵇ بزينب بنت جحش ابن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة الاسدية أم المؤمنين وهي بنت أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة ﵁ قال قتادة والواقدي وبعض أهل المدينة تزوجها ﵇ سنة خمس زاد بعضهم في ذي القعدة قال الحافظ البيهقي تزوجها بعد بنى قريظة وقال خليفة بن خياط وأبو عبيدة معمر بن المثنى وابن مندة تزوجها سنة ثلاث والأول أشهر وهو الّذي سلكه ابن جرير وغير واحد من أهل التاريخ وقد ذكر غير واحد من المفسرين والفقهاء وأهل التاريخ في سبب تزويجه إياها ﵇ حديثا ذكره احمد بن حنبل في مسندة تركنا إيراده قصدا لئلا يضعه من لا يفهم على غير موضعه وقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاِتَّقِ اللهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكانَ أَمْرُ اللهِ مَفْعُولاً﴾. ﴿ما كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللهُ لَهُ سُنَّةَ اللهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللهِ قَدَراً مَقْدُوراً﴾ وقد تكلمنا على ذلك في التفسير بما فيه كفاية فالمراد بالذي أنعم الله عليه هاهنا زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أنعم الله عليه بالإسلام وأنعم عليه رسول الله ﷺ بالعتق وزوجه بابنة عمه زينب بنت جحش. قال مقاتل بن حبان: وكان صداقه لها عشرة دنانير وستين درهما وخمارا وملحفة ودرعا وخمسين مدا وعشرة أمداد من تمر فمكثت عنده قريبا من سنة أو فوقها ثم وقع بينهما فجاء زوجها يشكو الى رسول الله ﷺ فكان ﷺ يقول له: اتّق الله وأمسك عليك زوجك. قال الله ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ قال على بن الحسين زين العابدين والسدي: كان الله قد علم أنها ستكون من أزواجه فهو الّذي كان في نفسه ﵇. وقد تكلم كثير من السلف هاهنا بآثار

стр. 1185

غريبة وبعضها فيه نظر تركناها. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَها﴾، ذلك أن زيدا طلقها فلما انقضت عدتها بعث اليها رسول الله ﷺ يخطبها الى نفسها ثم تزوجها وكان الّذي زوجها منه رب العالمين ﵎ كما ثبت في صحيح البخاري عن أنس بن مالك أن زينب بنت جحش كانت تفخر على أزواج النبي ﷺ فتقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات. وفي رواية من طريق عيسى بن طهمان عن أنس قال: كانت زينب تفخر على نساء النبي ﷺ وتقول: أنكحنى الله من السماء. وفيها أنزلت آية الحجاب ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ الآية. وروى البيهقي من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: جاء زيد يشكو زينب فجعل رسول الله ﷺ يقول: اتّق الله وأمسك عليك زوجك، قال أنس: فلو كان رسول الله ﷺ كاتما شيئا لكتم هذه فكانت تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات ثم قال: رواه البخاري عن أحمد عن محمد بن أبى بكر المقدمي عن حماد بن زيد، ثم روى البيهقي من طريق عفان عن حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: جاء زيد يشكو الى رسول الله ﷺ من زينب بنت جحش فقال النبي ﷺ : أمسك عليك أهلك فنزلت ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللهُ مُبْدِيهِ﴾ ثم قال البخاري عن محمد بن عبد الرحيم عن معلى بن منصور عن محمد مختصرا وقال ابن جرير حدّثنا ابن حميد حدّثنا جرير عن مغيرة عن الشعبي قال: كانت زينب تقول للنّبيّ ﷺ انى لأدل عليك بثلاث ما من نسائك امرأة تدل بهن ان جدي وجدك واحد تعنى عبد المطلب فإنه أبو أبى النبي ﷺ وأبو أمها أميمة بنت عبد المطلب وانى أنكحنيك الله من السماء وان السفير جبريل ﵇. وقال الامام أحمد حدّثنا هاشم - يعنى ابن القاسم - حدّثنا النضر حدّثنا سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال النبي ﷺ لزيد اذهب فاذكرها على فانطلق حتى أتاها وهي تخمر عجينها قال: فلما رأيتها عظمت في صدري حتى ما أستطيع أن انظر اليها ان رسول الله ﷺ ذكرها فوليتها ظهري ونكصت على عقبى. وقلت يا زينب أبشرى أرسلنى رسول الله ﷺ بذكرك قالت ما أنا بصانعة شيئا حتى أوامر ربى ثم قامت الى مسجدها ونزل القرآن وجاء رسول الله ﷺ فدخل عليها بغير إذن قال أنس: ولقد رأيتنا حين دخل عليها رسول الله ﷺ أطعمنا عليها الخبز واللحم فخرج الناس وبقي رجال يتحدثون في البيت بعد الطعام فخرج رسول الله ﷺ واتبعته فجعل يتبع حجر نسائه يسلم عليهنّ ويقلن: يا رسول الله كيف وجدت أهلك؟ فما أدرى أنا أخبرته والقوم قد خرجوا أو أخبر. قال فانطلق حتى دخل البيت فذهبت أدخل معه فألقى الستر بيني وبينه ونزل

стр. 1186

الحجاب ووعظ القوم بما وعظوا به ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ الآية، وكذا رواه مسلم والنسائي من طريق سليمان بن المغيرة ذكر نزول الحجاب صبيحة عرسها الّذي ولى الله عقد نكاحه فناسب نزول الحجاب في هذا العرس صيانة لها ولأخواتها من أمهات المؤمنين وذلك وفق الرأى العمرى. قال البخاري: حدّثنا محمد بن عبد الله الرقاش حدثنا معتمر بن سليمان سمعت أبى حدثنا أبو مجاز عن أنس بن مالك قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش دعا القوم فطعموا وجلسوا يتحدثون فإذا هو يتهيأ للقيام فلم يقوموا، فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر وجاء النبي ﷺ ليدخل فإذا القوم جلوس ثم انهم قاموا فانطلقوا، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا، فجاء حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب بيني وبينه فأنزل الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، وقد رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طرق عن معتمر. ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب عن أبى قلابة عن أنس نحوه. وقال البخاري: حدثنا أبو معمر حدثنا عبد الوارث حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك قال: بنى على النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم فأرسلت على الطعام داعيا فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون فدعوت حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله ما أجد أحدا أدعوه. قال: ارفعوا طعامكم، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق الى حجرة عائشة فقال: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، قالت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته كيف وجدت أهلك بارك الله لك؟ فتقرّى حجر نسائه كلهن ويقول لهن كما يقول لعائشة ويقلن له كما قالت عائشة ثم رجع النبي ﷺ فإذا رهط ثلاثة في البيت يتحدثون وكان النبي ﷺ شديد الحياء فخرج منطلقا نحو حجرة عائشة فما أدرى أخبرته أم أخبر أن القوم خرجوا فخرج حتى إذا وضع رجله في أسكفة الباب واخرى خارجة أرخى الستر بيني وبينه وأنزلت آية الحجاب، تفرد به البخاري من هذا الوجه. ثم رواه منفردا به أيضا عن إسحاق هو ابن نصر عن عبد الله بن بكير السهمي عن حميد بن أنس بنحو ذلك، وقال «رجلان» بدل ثلاثة فالله أعلم قال البخاري: وقال إبراهيم بن طهمان عن الجعد أبى عثمان عن أنس فذكر نحوه. وقد قال ابن أبى حاتم حدّثنا أبى حدثنا أبو المظفر حدثنا جعفر بن سليمان عن الجعد أبى عثمان اليشكري عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه فصنعت أم سليم حيسا ثم حطته في ثور فقالت اذهب الى رسول الله ﷺ وأخبره ان هذا منا له قليل قال أنس والناس يومئذ في

стр. 1187

جهد فجئت به فقلت يا رسول بعثت بهذا أم سليم إليك وهي تقرئك السلام وتقول ان هذا مناله قليل فنظر اليه ثم قال ضعه في ناحية البيت ثم قال اذهب فادع لي فلانا وفلانا فسمى رجالا كثيرا قال ومن لقيت من المسلمين فدعوت من قال لي ومن لقيت من المسلمين فجئت والبيت والصفة والحجرة ملاء من الناس. فقلت يا أبا عثمان كم كانوا قال كانوا رهاء ثلاثمائة. قال أنس فقال لي رسول الله ﷺ جيء فجئت به اليه فوضع يده عليه ودعا وقال ما شاء الله ثم قال ليتحلق عشرة عشرة ويسموا وليأكل كل إنسان مما يليه فجعلوا يسمون ويأكلون حتى أكلوا كلهم فقال لي رسول الله ﷺ ارفعه قال فجئت فأخذت الثور فنظرت فيه فلا أدرى أهو حين وضعته أكثر أم حين رفعته قال وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله ﷺ وزوج رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مولية وجهها الى الحائط فأطالوا الحديث فشقوا على رسول الله ﷺ وكان أشد الناس حياء ولو علموا كان ذلك عليهم عزيزا فقام رسول الله ﷺ فسلم على حجره وعلى نسائه فلما رأوه قد جاء ظنوا انهم قد ثقلوا عليه ابتدروا الباب فخرجوا وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر ودخل البيت وأنا في الحجرة فمكث رسول الله ﷺ في بيته يسيرا وأنزل الله القرآن فخرج وهو يقرأ هذه الآية ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ وَلكِنْ إِذا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذلِكُمْ كانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ ذلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللهِ عَظِيماً * إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ قال أنس فقرأهن عليّ قبل الناس وأنا أحدث الناس بهن عهدا. وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا عن قتيبة عن جعفر بن سليمان عن الجعد أبى عثمان به وقال الترمذي حسن صحيح ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق عن معمر عن الجعد أبى عثمان به وقد روى هذا الحديث البخاري والترمذي والنسائي من طرق عن أبى بشر الأحمسي الكوفي عن أنس بنحوه ورواه ابن أبى حاتم من حديث أبى نضرة العبديّ عن أنس بنحوه ولم يخرجوه. ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد ومن حديث الزهري عن أنس نحو ذلك. قلت: كانت زينب بنت جحش ﵂ من المهاجرات الأول وكانت كثيرة الخير والصدقة وكان اسمها أولا بره فسماها النبي ﷺ زينب وكانت تكنى بأم الحكم قالت عائشة ﵂ ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين من زينب وأتقى لله وأصدق حديثا وأوصل للرحم وأعظم أمانة وصدقة. وثبت في الصحيحين كما سيأتي في حديث الافك عن عائشة انها قالت وسأل رسول الله ﷺ عنى زينب بنت جحش

стр. 1188

وهي التي كانت تسامينى من نساء النبي ﷺ فعصمها الله بالورع فقالت يا رسول الله أحمي سمعي وبصرى، ما علمت الا خيرا. وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه حدّثنا محمود بن غيلان حدثنا الفضل بن موسى الشيباني حدثنا طلحة بن يحيى بن طلحة عن عائشة أم المؤمنين قالت قال رسول الله ﷺ أسرعكن لحوقا بى أطولكن يدا قالت فكنا نتطاول أينا أطول يدا قالت فكانت زينب أطولنا يدا لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق. انفرد به مسلم. قال الواقدي وغيره من أهل السير والمغازي والتواريخ توفيت سنة عشرين من الهجرة وصلى عليها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ ودفنت بالبقيع وهي أول امرأة صنع لها النعش سنة ست من الهجرة النبويّة قال البيهقي كان يقال في المحرم منها سريّة محمد بن مسلمة قبل نجد وأسروا فيها ثمامة بن أثال اليمامي قلت: لكن في سياق ابن إسحاق عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أنه شهد ذلك وهو انما هاجر بعد خيبر فيؤخر الى ما بعدها والله أعلم. وهي السنة التي كان في أوائلها غزوة بنى لحيان على الصحيح قال ابن إسحاق وكان فتح بنى قريظة في ذي القعدة وصدر من ذي الحجة وولى تلك الحجة المشركون يعنى في سنة خمس كما تقدم. قال ثم أقام رسول الله ﷺ بالمدينة ذا الحجة والمحرم وصفرا وشهري ربيع وخرج في جمادى الاولى على رأس ستة أشهر من فتح بنى قريظة الى بنى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع حبيب وأصحابه وأظهر انه يريد الشام ليصيب من القوم غرة قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم والمقصود انه ﵇ لما انتهى الى منازلهم هربوا من بين يديه فتحصنوا في رءوس الجبال فمال الى عسفان فلقى بها جمعا من المشركين وصلّى بها صلاة الخوف. وقد تقدم ذكر هذه الغزوة في سنة أربع وهنالك ذكرها البيهقي والأشبه ما ذكره ابن إسحاق انها كانت بعد الخندق وقد ثبت انه صلّى بعسفان يوم بنى لحيان فلتكتب هاهنا وتحول من هناك اتباع الامام أصحاب المغازي في زمانه وبعده كما قال الشافعيّ ﵀: من أراد المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق. وقد قال كعب بن مالك في غزوة بنى لحيان: لو ان بنى لحيان كانوا تناظروا … لقوا عصبا في دارهم ذات مصدق لقوا سرعانا يملأ السرب روعه … أمام طحون كالمجرة فيلق ولكنهم كانوا وبارا تتبعت … شعاب حجاز غير ذي متنفق

стр. 1189

غزوة ذي قرد قال ابن إسحاق: ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة فلم يقم بها إلا ليالي قلائل حتى أغار عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري في خيل من غطفان على لقاح النبي ﷺ بالغابة وفيها رجل من بنى غفار ومعه امرأته فقتلوا الرجل واحتملوا المرأة في اللقاح. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك - كل قد حدث في غزوة ذي قرد بعض الحديث - أنه كان أول من نذر بهم سلمة بن عمرو بن الأكوع الأسلمي غدا يريد الغابة متوشحا قوسه ونبله ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس له يقوده حتى إذا علا ثنية الوداع نظر الى بعض خيولهم فأشرف في ناحية سلع ثم صرخ: وا صباحاه! ثم خرج يشتد في آثار القوم وكان مثل السبع حتى لحق بالقوم فجعل يردهم بالنبل ويقول: خذها وانا ابن الأكوع … اليوم يوم الرضع فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا ثم عارضهم فإذا أمكنه الرمي رمى ثم قال: خذها وانا ابن الأكوع … اليوم يوم الرضع قال فيقول قائلهم: أويكعنا هو أول النهار. قال: وبلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع فصرخ بالمدينة: الفزع الفزع. فترامت الخيول الى رسول الله ﷺ فكان أول من انتهى اليه من الفرسان المقداد بن الأسود ثم عباد بن بشر وسعد بن زيد وأسيد بن ظهير - يشك فيه - وعكاشة بن محصن ومحرز بن نضلة أخو بنى أسد بن خزيمة وأبو قتادة الحارث بن ربعي أخو بنى سلمة وأبو عياش عبيد بن زيد بن صامت أخو بنى زريق قال: فلما اجتمعوا الى رسول الله ﷺ أمرّ عليهم سعد بن زيد ثم قال: أخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس وقد قال النبي ﷺ لأبي عياش فيما بلغني عن رجال من بنى زريق يا أبا عياش لو أعطيت هذا الفرس رجلا هو أفرس منك فلحق بالقوم قال أبو عياش: فقلت يا رسول الله أنا أفرس الناس. ثم ضربت الفرس فو الله ما جرى بى خمسين ذراعا حتى طرحنى فعجبت من ذلك، فزعم رجال من زريق أن رسول الله ﷺ أعطى فرس أبى عياش معاذ بن ماعص أو عائذ بن ماعص بن قيس بن خلدة وكان ثامنا قال وبعض الناس يعد سلمة بن الأكوع ثامنا ويطرح أسيد بن ظهير فالله أعلم أي ذلك كان. قال: ولم يكن سلمة بن الأكوع يومئذ فارسا قد كان أول من لحق بالقوم على رجليه. قال: فخرج الفرسان حتى تلاحقوا فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن أول فارس لحق بالقوم محرز بن نضلة وكان يقال له الاخرم ويقال له قمير وكانت الفرس التي تحته لمحمود بن مسلمة وكان يقال للفرس ذو اللمة

стр. 1190

فلما انتهى الى العدو قال لهم: قفوا معشر بنى اللكيعة حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من المهاجرين والأنصار قال: فحمل عليه رجل منهم فقتله وجال الفرس فلم يقدر عليه حتى وقف على أرية من بنى عبد الأشهل أي رجع الى مربطه الّذي كان فيه بالمدينة قال ابن إسحاق ولم يقتل يومئذ من المسلمين غيره قال ابن هشام وقد ذكر غير واحد من أهل العلم انه قد قتل معه أيضا وقاص بن مجزز المدلجي. قال ابن إسحاق وحدثني بعض من لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك أن محرزا كان على فرس لعكاشة بن محصن يقال لها الجناح فقتل محرز واستلب جناح فالله أعلم. قال ولما تلاحقت الخيل قتل أبو قتادة حبيب بن عيينة وغشاه برده ثم لحق بالناس وأقبل رسول الله ﷺ في المسلمين. قال ابن هشام واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فإذا حبيب مسجى ببرد أبى قتادة فاسترجع الناس وقالوا قتل أبو قتادة فقال رسول الله ﷺ ليس بابي قتادة ولكنه قتيل لأبي قتادة ووضع عليه برده لتعرفوا أنه صاحبه قال وأدرك عكاشة بن محصن اوبارا وابنه عمرو بن أوبار وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا واستنقذوا بعض اللقاح قال وسار رسول الله ﷺ حتى نزل بالجبل من ذي قرد وتلاحق به الناس فأقام عليه يوما وليلة وقال له سلمة بن الأكوع يا رسول الله لو سرحتنى في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم فقال رسول الله ﷺ فيما بلغني: انهم الآن ليغبقون في غطفان فقسم رسول الله ﷺ في أصحابه في كل مائة رجل جزورا وأقاموا عليها ثم رجع قافلا حتى قدم المدينة قال وأقبلت امرأة الغفاريّ على ناقة من إبل النبي ﷺ حتى قدمت عليه المدينة فأخبرته الخبر فلما فرغت قالت يا رسول الله انى قد نذرت الله أن أنحرها ان نجاني الله عليها قال فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال «بئسما جزيتيها أن حملك الله عليها ونجاك بها ثم تنحرينها انه لا نذر في معصية الله ولا فيما لا تملكين انما هي ناقة من ابلى فارجعى الى أهلك على بركة الله» قال ابن إسحاق والحديث في ذلك عن أبى الزبير المكيّ عن الحسن البصري. هكذا أورد ابن إسحاق هذه القصة بما ذكر من الاسناد والسياق. وقد قال البخاري ﵀ بعد قصة الحديبيّة وقبل خيبر غزوة ذي قرد وهي الغزوة التي أغاروا على لقاح النبي ﷺ قبل خيبر بثلاث حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا حاتم عن يزيد بن أبى عبيد سمعت سلمة بن الأكوع يقول خرجت قبل أن يؤذن بالأولى وكانت لقاح النبي ﷺ ترعى بذي قرد قال فلقيني غلام لعبد الرحمن بن عوف فقال أخذت لقاح النبي ﷺ فقلت من أخذها قال غطفان قال فصرخت ثلاث صرخات وا صباحاه قال فأسمعت ما بين لابتي المدينة ثم اندفعت على وجهي حتى أدركتهم وقد أخذوا يستقون من الماء فجعلت أرميهم بنبلى وكنت راميا وأقول أنا ابن الأكوع اليوم يوم الرضع وأرتجز حتى استنقذت اللقاح منهم واستلبت منهم ثلاثين بردة قال وجاء النبي ﷺ والناس فقلت يا رسول الله قد حميت

стр. 1191

القوم الماء وهم عطاش فابعث اليهم الساعة. فقال «يا ابن الأكوع، ملكت فأسجح» ثم رجعنا وردفنى رسول الله ﷺ على ناقته حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به ورواه البخاري عن أبى عاصم السهلي عن يزيد بن أبى عبيدة عن مولاه سلمة بنحوه وقال الامام أحمد حدّثنا هاشم بن القاسم حدثنا عكرمة بن عمار حدثني اياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: قدمنا المدينة زمن الحديبيّة مع رسول الله ﷺ فخرجت أنا ورباح غلام النبي ﷺ بظهر رسول الله ﷺ وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد الله أريد أن أنديه مع الإبل فلما كان بغلس أغار عبد الرحمن بن عيينة على إبل رسول الله ﷺ فقتل راعيها وخرج يطردها هو وأناس معه في خيل فقلت يا رباح اقعد على هذا الفرس فالحقه بطلحة وأخبر رسول الله ﷺ أنه قد أغير على سرحه. قال: وقمت على تل فجعلت وجهي من قبل المدينة ثم ناديت ثلاث مرات: يا صباحاه! قال: ثم اتبعت القوم معى سيفي ونبلى فجعلت أرميهم وأعقر بهم وذلك حين يكثر الشجر فإذا رجع إلى فارس جلست له في أصل شجرة ثم رميت فلا يقبل إلى فارس إلا عقرت به فجعلت أرميهم وأنا أقول: أنا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع قال: فالحق برجل منهم فارميه وهو على راحلته فيقع سهمي في الرجل حتى انتظم كتفه فقلت خذها وانا ابن الأكوع … واليوم يوم الرضع فإذا كنت في الشجر أحرقتهم بالنبل فإذا تضايقت الثنايا علوت الجبل فرديتهم بالحجارة فما زال ذاك شأنى وشأنهم اتبعهم وارتجز حتى ما خلق الله شيئا من ظهر رسول الله ﷺ إلا خلفته وراء ظهري فاستنقذته من أيديهم ثم لم أزل أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين رمحا وأكثر من ثلاثين بردة يستخفون منها ولا يلقون من ذلك شيئا إلا جعلت عليه حجارة وجمعته على طريق رسول الله ﷺ حتى إذا امتد الضحى أتاهم عيينة بن بدر الفزاري مددا لهم وهم في ثنيّة ضيقة ثم علوت الجبل فأنا فوقهم فقال عيينة ما هذا الّذي أرى؟ قالوا لقينا من هذا البرح ما فارقنا بسحر حتى الآن وأخذ كل شيء بأيدينا وجعله وراء ظهره. فقال عيينة لولا أن هذا يرى أن وراءه طلبا لقد ترككم، ليقم اليه نفر منكم. فقام اليه نفر منهم أربعة فصعدوا في الجبل فلما أسمعتهم الصوت قلت أتعرفونني قالوا ومن أنت قلت أنا ابن الأكوع والّذي كرم وجه محمد لا يطلبني رجل منكم فيدركنى ولا أطلبه فيفوتني. فقال رجال منهم ان أظن. قال فما برحت مقعدي ذلك حتى نظرت الى فوارس رسول الله ﷺ يخللون الشجر وإذا أولهم الاخرم الأسدي وعلى أثره ابو قتادة فارس رسول الله ﷺ وعلى أثره المقداد بن الأسود الكندي فولى المشركون مدبرين وأنزل من الجبل

стр. 1192

فأخذ عنان فرسه، فقلت: يا أخرم ائذن القوم - يعنى احذرهم - فانى لا آمن أن يقتطعوك فاتئد حتى يلحق رسول الله ﷺ وأصحابه. قال: يا سلمة ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلم أن الجنة حق والنار حق فلا تحل بيني وبين الشهادة. قال فخليت عنان فرسه فيلحق بعبد الرحمن ابن عيينة ويعطف عليه عبد الرحمن، فاختلفا طعنتين فعقر الاخرم بعبد الرحمن وطعنه عبد الرحمن فقتله فتحول عبد الرحمن على فرس الاخرم فيلحق أبو قتادة بعبد الرحمن فاختلفا طعنتين فعقر بأبي قتادة وقتله أبو قتادة وتحول أبو قتادة على فرس الاخرم. ثم انى خرجت أعدو في أثر القوم حتى ما أرى من غبار صحابة النبي ﷺ شيئا ويعرضون قبل غيبوبة الشمس الى شعب فيه ماء يقال له ذو قرد فأرادوا أن يشربوا منه فابصرونى أعدو وراءهم فعطفوا عنه وأسندوا في الثنية ثنية ذي بئر وغربت الشمس وألحق رجلا فارميه فقلت: خذها وأنا ابن الأكوع واليوم يوم الرضع. قال فقال يا ثكل أم أكوع بكرة. فقلت نعم أي عدو نفسه. وكان الّذي رميته بكرة وأتبعته سهما آخر فعلق به سهمان ويخلفون فرسين فجئت بهما أسوقهما الى رسول الله ﷺ وهو على الماء الّذي أجليتهم عنه ذو قرد وإذا بنبي الله ﷺ في خمسمائة وإذا بلال قد نحر جزورا مما خلفت فهو يشوى لرسول الله ﷺ من كبدها وسنامها فأتيت رسول الله ﷺ فقلت يا رسول الله خلنى فأنتخب من أصحابك مائة فآخذ على الكفار بالعشوة فلا يبقى منهم مخبر إلا قتلته. فقال أكنت فاعلا ذلك يا سلمة؟ قال قلت نعم والّذي أكرمك. فضحك رسول الله ﷺ حتى رأيت نواجذه في ضوء النار ثم قال: انهم يقرون الآن بأرض غطفان. فجاء رجل من غطفان فقال: مروا على فلان الغطفانيّ فنحر لهم جزورا فلما أخذوا يكشطون جلدها رأوا غبرة فتركوها وخرجوا هرابا فلما أصبحنا قال رسول الله ﷺ خير فرساننا أبو قتادة وخير رجالتنا سلمة، فأعطاني رسول الله ﷺ سهم الفارس والراجل جميعا ثم أردفنى وراءه على العضباء راجعين الى المدينة فلما كان بيننا وبينها قريب من ضحوة وفي القوم رجل من الأنصار كان لا يسبق جعل ينادى: هل من مسابق، ألا رجل يسابق الى المدينة؟ فأعاد ذلك مرارا وأنا وراء رسول الله ﷺ مردفى فقلت له: اما تكرم كريما ولا تهاب شريفا؟ قال: لا الا رسول الله ﷺ قال قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمى خلنى فلا سابق الرجل. قال: ان شئت. قلت أذهب إليك فطفر عن راحلته وثنيت رجلي فطفرت عن الناقة ثم انى ربطت عليه شرفا أو شرفين يعنى استبقيت من نفسي ثم انى عدوت حتى ألحقه فاصك بين كتفيه بيدي قلت سبقتك والله أو كلمة نحوها قال فضحك وقال: ان أظن. حتى قدمنا المدينة. وهكذا رواه مسلم من طرق عن عكرمة بن عمار بنحوه وعنده نسبقته الى المدينة فلم نلبث إلا ثلاثا حتى خرجنا الى خيبر. ولأحمد هذا السياق. ذكر البخاري والبيهقي هذه الغزوة بعد الحديبيّة وقبل خيبر وهو أشبه مما ذكره ابن إسحاق والله أعلم فينبغي

стр. 1193

تأخيرها الى أوائل سنة سبع من الهجرة فان خيبر كانت في صفر منها وأما قصة المرأة التي نجت على ناقة النبي ﷺ ونذرت نحرها لنجاتها عليها فقد أوردها ابن إسحاق بروايته عن أبى الزبير عن الحسن البصري مرسلا. وقد جاء متصلا من وجوه أخر وقال الامام احمد حدّثنا عفان حدثنا حماد بن زيد حدثنا أيوب عن ابى قلابة عن ابى المهلب عن عمران بن حصين قال: كانت العضباء لرجل من بنى عقيل وكانت من سوابق الحاج فأخذت العضباء معه. قال فمر به رسول الله ﷺ وهو في وثاق ورسول الله ﷺ على حمار عليه قطيفة فقال يا محمد علام تأخذونى وتأخذون سابقة الحاج؟ فقال رسول الله ﷺ نأخذك بجريرة حلفائك ثقيف. قال أو كانت ثقيف قد أسروا رجلين من أصحاب النبي ﷺ . وقال فيما قال مسلم فقال رسول الله ﷺ لو قتلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح قال ومضى رسول الله ﷺ فقال يا محمد انى جائع فأطعمني وانى ظمآن فاسقني فقال رسول الله ﷺ هذه حاجتك ثم فدى بالرجلين وحبس رسول الله ﷺ العضباء لرحله. قال ثم ان المشركين أغاروا على سرح المدينة فذهبوا به وكانت العضباء فيه وأسروا امرأة من المسلمين. قال وكانوا إذا نزلوا أراحوا ابله بأفنيتهم قال فقامت المرأة ذات ليلة بعد ما نوموا فجعلت كلما أتت على بعير رغا حتى أتت على العضباء فأتت على ناقة ذلول مجرسة فركبتها ثم وجهتها قبل المدينة قال ونذرت ان الله أنجاها عليها لتنحرنها فلما قدمت المدينة عرفت الناقة فقيل ناقة رسول الله ﷺ قال وأخبر رسول الله ﷺ بنذرها أو أتته فأخبرته فقال بئس ما جزيتيها أو بئس ما جزتها ان أنجاها الله عليها لتنحرنها. قال ثم قال رسول الله ﷺ لا وفاء لنذر في معصية الله ولا فيما لا يملك ابن آدم. ورواه مسلم عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد قال ابن إسحاق وكان مما قيل من الاشعار في غزوة ذي قرد قول حسان بن ثابت ﵁: لولا الّذي لاقت ومس نسورها … بجنوب ساية أمس في التقواد للقينكم يحملن كل مدجج … حامي الحقيقة ماجد الأجداد ولسر أولاد اللقيطة اننا … سلم غداة فوارس المقداد كنا ثمانية وكانوا جحفلا … لجبا فشكوا بالرماح بداد كنا من القوم الذين يلونهم … ويقدمون عنان كل جواد كلا ورب الراقصات الى منى … يقطعن عرض مخارم الأطواد حتى نبيل الخيل في عرصاتكم … ونئوب بالملكات والأولاد رهوا بكل مقلص وطمرّة … في كل معترك عطفن وواد

стр. 1194

أفنى دوابرها ولاح متونها … يوم تقاد به ويوم طراد فكذاك ان جيادنا ملبونة … والحرب مشعلة بريح غواد وسيوفنا بيض الحدائد تجتلى … جنن الحديد وهامة المرتاد أخذ الإله عليهم لحرامه … ولعزة الرحمن بالأسداد كانوا بدار ناعمين فبدلوا … أيام ذي قرد وجوه عناد قال ابن إسحاق فغضب سعد بن زيد أمير سرية الفوارس المتقدمين امام رسول الله ﷺ على حسان وحلف لا يكلمه أبدا وقال انطلق الى خيلى وفوارسى فجعلها للمقداد. فاعتذر اليه حسان بأنه وافق الروي اسم المقداد، ثم قال أبياتا يمدح بها سعد بن زيد: إذا أردتم الاشدّ الجلدا … أو ذا غناء فعليكم سعدا سعد بن زيد لا يهدّ هدّا قال فلم تقع منه بموقع. وقال حسان بن ثابت في يوم ذي قرد: أظنّ عيينة إذ زارها … بأن سوف يهدم فيها قصورا فأكذبت ما كنت صدقته … وقلتم سنغنم أمرا كبيرا فعفت المدينة إذ زرتها … وآنست للأسد فيها زئيرا وولوا سراعا كشد النعام … ولم يكشفوا عن ملط حصيرا أمير علينا رسول المليك … أحبب بذاك إلينا أميرا رسول يصدق ما جاءه … ويتلو كتابا مضيئا منيرا وقال كعب بن مالك في يوم ذي قرد يمدح الفرسان يومئذ من المسلمين: أيحسب أولاد اللقيطة اننا … على الخيل لسنا مثلهم في الفوارس وانا أناس لا نرى القتل سبة … ولا ننثنى عند الرماح المداعس وانا لنقرى الضيف من قمع الذرى … ونضرب رأس الأبلج المتشاوس نرد كماة المعلمين إذا انتحوا … بضرب يسلى نخوة المتقاعس بكل فتى حامي الحقيقة ماجد … كريم كسرحان العضاة مخالس يذودون عن أحسابهم وبلادهم … ببيض تقدّ الهام تحت القوانس فسائل بنى بدر إذا ما لقيتهم … بما فعل الاخوان يوم التمارس إذا ما خرجتم فاصدقوا من لقيتم … ولا تكتموا أخباركم في المجالس وقولوا زللنا عن مخالب خادر … به وحر في الصدر ما لم يمارس

стр. 1195

غزوة بنى المصطلق من خزاعة قال البخاري وهي غزوة المريسيع. قال محمد بن إسحاق وذلك في سنة ست. وقال موسى بن عقبة سنة أربع. وقال النعمان بن راشد عن الزهري كان حديث الافك في غزوة المريسيع هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة انها كانت في سنة أربع. والّذي حكاه عنه وعن عروة انها كانت في شعبان سنة خمس. وقال الواقدي كانت لليلتين من شعبان سنة خمس في سبعمائة من أصحابه. وقال محمد بن إسحاق بن يسار بعد ما أورد قصة ذي قرد فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجب ثم غزا بنى المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست. قال ابن هشام واستعمل على المدينة أبا ذر الغفاريّ ويقال نميلة بن عبد الله الليثي. قال ابن إسحاق حدثني عاصم بن عمرو بن قتادة وعبد الله بن أبى بكر ومحمد بن يحيى بن حبان كل قد حدثني بعض حديث بنى المصطلق قالوا: بلغ رسول الله ﷺ ان بنى المصطلق يجمعون له وقائدهم الحارث بن أبى ضرار أبو جويرية بنت الحارث التي تزوجها رسول الله ﷺ بعد هذا، فلما سمع بهم خرج اليهم حتى لقيهم على ماء من مياههم يقال له المريسيع من ناحية قديد الى الساحل فتزاحم الناس واقتتلوا فهزم الله بنى المصطلق وقتل من قتل منهم ونقل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم فأفاءهم عليه وقال الواقدي خرج رسول الله ﷺ لليلتين مضتا من شعبان سنة خمس من الهجرة في سبعمائة من أصحابه الى بنى المصطلق وكانوا حلفاء بنى مدلج فلما انتهى اليهم دفع راية المهاجرين الى أبى بكر الصديق ويقال الى عمار بن ياسر وراية الأنصار الى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين فحملوا حملة رجل واحد فما أفلت منهم رجل واحد وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم ولم يقتل من المسلمين الا رجل واحد. وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال كتبت الى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال فقال: قد أغار رسول الله ﷺ على بنى المصطلق وهم غارون في أنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم فأصاب يومئذ - أحسبه قال - جويرية بنت الحارث. وأخبرنى عبد الله بن عمر بذلك وكان بذلك الجيش. قال ابن إسحاق وقد أصيب رجل من المسلمين يقال له هشام بن صبابة أصابه رجل من الأنصار وهو يرى انه من العدو فقتله خطأ. وذكر ابن إسحاق أن أخاه مقيس بن صبابه قدم من مكة مظهرا للإسلام فطلب دية أخيه هشام من رسول الله ﷺ لانه قتل خطأ فأعطاه ديته ثم مكث يسيرا ثم عدا على قاتل أخيه فقتله ورجع
следующие страницы →