﴿قَبْلِكُمْ وَما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾.
﴿* قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ. إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ وَلِقائِهِ أُولئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اُقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللهُ مِنَ النّارِ. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ * فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ. وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ ثم ذكر تعالى مناظرته لأبيه وقومه كما سنذكره ان شاء الله تعالى. وكان أول دعوته لأبيه وكان أبوه ممن يعبد الأصنام لأنه أحق الناس بإخلاص النصيحة له كما قال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِبْراهِيمَ إِنَّهُ كانَ صِدِّيقاً نَبِيًّا * إِذْ قالَ لِأَبِيهِ. يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً * يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا * يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا * يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا * قالَ أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا * قالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. فذكر تعالى ما كان بينه وبين أبيه من المحاورة والمجادلة وكيف دعا أباه الى الحق بألطف عبارة. وأحسن اشارة بين له بطلان ما هو عليه من عبادة الأوثان التي لا تسمع دعاء عابدها ولا تبصر مكانه فكيف تغني عنه شيئا أو تفعل به خيرا من رزق أو نصر * ثم قال منبها على ما أعطاه الله من الهدى والعلم النافع وإن كان أصغر سنا من أبيه ﴿يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا﴾ أي مستقيما واضحا سهلا حنيفا يفضي بك الى الخير في دنياك وأخراك فلما عرض هذا الرشد عليه وأهدى هذه النصيحة اليه لم يقبلها منه ولا أخذها عنه بل تهدده وتوعده قال ﴿أَراغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ قيل بالمقال وقيل بالفعال ﴿وَاُهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ أي وأقطعني وأطل هجرانى فعندها قال له إبراهيم ﴿سَلامٌ عَلَيْكَ﴾ أي لا يصلك منى مكروه ولا ينالك منى أذى بل أنت سالم من ناحيتي وزاده خيرا فقال ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ * قال ابن عباس وغيره أي لطيفا يعنى في أن هداني لعبادته والإخلاص له ولهذا قال ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾. وقد استغفر له إبراهيم ﵇ كما وعده في أدعيته. فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه كما قال تعالى ﴿وَما كانَ اِسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلاّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيّاهُ فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ﴾
стр. 142
أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوّاهٌ حَلِيمٌ
وقال البخاري حدثنا إسماعيل ابن عبد الله حدثني أخي عبد الحميد عن ابن أبى ذئب عن سعيد المقبري عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (يلقى إبراهيم أباه آزر يوم القيامة وعلى وجه آزر قترة وغيرة فيقول له إبراهيم ألم أقل لك لا تعصني فيقول له أبوه فاليوم لا أعصيك فيقول إبراهيم يا رب انك وعدتني أن لا تخزني يوم يبعثون وأيّ خزي أخزى من أبى الأبعد فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين. ثم يقال يا إبراهيم ما تحت رجليك فينظر فإذا هو بذبح متلطخ فيؤخذ بقوائمه فيلقى في النار هكذا رواه في قصة إبراهيم منفردا * وقال في التفسير وقال إبراهيم بن طهمان عن ابن أبى ذؤيب عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبى هريرة * وهكذا رواه النسائي عن احمد بن حفص بن عبد الله عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان به. وقد رواه البزار من حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه. وفي سياقه غرابة. ورواه أيضا من حديث قتادة عن عقبة بن عبد الغافر عن أبى سعيد عن النبي ﷺ بنحوه وقال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً إِنِّي أَراكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ هذا يدل على أن اسم أبى إبراهيم آزر وجمهور أهل النسب منهم ابن عباس على أن اسم أبيه تارح وأهل الكتاب يقولون تارخ بالخاء المعجمة فقيل إنه لقب بصنم كان يعبده اسمه آزر * وقال ابن جرير والصواب أن اسمه آزر ولعل له اسمان علمان أو أحدهما لقب والآخر علم. وهذا الّذي قاله محتمل والله أعلم * ثم قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ * فَلَمّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هذا رَبِّي فَلَمّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضّالِّينَ * فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ * وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾. وهذا المقام مقام مناظرة لقومه وبيان لهم أن هذه الاجرام المشاهدة من الكواكب النيرة لا تصلح للألوهية ولا أن تعبد مع الله لأنها مخلوقة مربوبة مصنوعة مدبرة مسخرة تطلع تارة وتأفل أخرى فتغيب عن هذا العالم والرب تعالى لا يغيب عنه شيء ولا تخفى عليه خافية بل هو الدائم الباقي بلا زوال لا إله الا هو ولا رب سواه فبين لهم أولا عدم
стр. 143
صلاحية الكواكب. قيل هو الزهرة لذلك ثم ترقى منها الى القمر الّذي هو أضوأ منها وأبهى من حسنها.
ثم ترقى الى الشمس التي هي أشد الاجرام المشاهدة ضياء وسناء وبهاء فبين انها مسخرة مسيرة مقدرة مربوبة كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاُسْجُدُوا لِلّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ولهذا قال ﴿فَلَمّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً﴾ أي طالعة ﴿قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ فَلَمّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ * وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئاً﴾. أي لست أبالى في هذه الآلهة التي تعبدونها من دون الله فإنها لا تنفع شيئا ولا تسمع ولا تعقل بل هي مربوبة مسخرة كالكواكب ونحوها أو مصنوعة منحوتة منجورة * والظاهر ان موعظته هذه في الكواكب لأهل حران فإنهم كانوا يعبدونها وهذا يرد قول من زعم أنه قال هذا حين خرج من السرب لما كان صغيرا كما ذكره ابن إسحاق وغيره وهو مستند الى أخبار إسرائيلية لا يوثق بها ولا سيما إذا خالفت الحق * وأما أهل بابل فكانوا يعبدون الأصنام وهم الذين ناظرهم في عبادتها وكسرها عليهم وأهانها وبين بطلانها كما قال تعالى ﴿وَقالَ إِنَّمَا اِتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللهِ أَوْثاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا. ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً. وَمَأْواكُمُ النّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ﴾ وقال في سورة الأنبياء ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنّا بِهِ عالِمِينَ * إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ * قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ * قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ * قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ * وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ * قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ * قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ * قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ. لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ * قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ وقال في سورة الشعراء ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْراهِيمَ * إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ * قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ * قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ * قالَ أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ * الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ * وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ * وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ * وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ * وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾
стр. 144
* رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ. وقال تعالى في سورة الصافات ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ * إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ * إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ * فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ * فَتَوَلَّوْا عَنْهُ مُدْبِرِينَ * فَراغَ إِلى آلِهَتِهِمْ فَقالَ أَلا تَأْكُلُونَ * ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ * فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ * فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ * قالَ أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ * وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ * قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾ يخبر الله تعالى عن إبراهيم خليله ﵇ انه أنكر على قومه عبادة الأوثان وحقرها عندهم وصغرها وتنقصها فقال ﴿ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ أي معتكفون عندها وخاضعون لها قالوا ﴿وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ﴾ ما كان حجتهم إلا صنيع الآباء والأجداد وما كانوا عليه من عبادة الأنداد ﴿قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ. أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ كما قال تعالى ﴿إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ماذا تَعْبُدُونَ * أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللهِ تُرِيدُونَ * فَما ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾ قال قتادة فما ظنكم به أنه فاعل بكم إذا لقيتموه وقد عبدتم غيره وقال لهم ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ سلموا له أنها لا تسمع داعيا ولا تنفع ولا تضر شيئا وانما الحامل لهم على عبادتها الاقتداء بأسلافهم ومن هو مثلهم في الضلال من الآباء الجهال ولهذا قال لهم ﴿أَفَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ * فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاّ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ وهذا برهان قاطع على بطلان آلهية ما ادعوه من الأصنام لأنه تبرأ منها وتنقص بها فلو كانت تضر لضرته أو تؤثر لأثرت فيه ﴿قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاّعِبِينَ﴾ يقولون هذا الكلام الّذي تقوله لنا وتتنقص به آلهتنا وتطعن بسببه في آبائنا تقوله محقا جادا فيه أم لاعبا ﴿قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ يعنى بل أقول لكم ذلك جادا محقا وإنما إلهكم الله الّذي لا إله الا هو ربكم ورب كل شيء فاطر السموات والأرض الخالق لهما على غير مثال سبق فهو المستحق للعبادة وحده لا شريك له وأنا على ذلكم من الشاهدين. وقوله ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ أقسم ليكيدن هذه الأصنام التي يعبدونها بعد أن تولوا مدبرين الى عيدهم. قيل إنه قال هذا خفية في نفسه وقال ابن مسعود سمعه بعضهم وكان لهم عيد يذهبون اليه في كل عام مرة الى ظاهر البلد فدعاه أبوه ليحضره فقال إني سقيم كما قال تعالى ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ * فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾.
عرض لهم في الكلام حتى توصل الى مقصوده من إهانة أصنامهم ونصرة دين الله الحق في بطلان ما هم عليه من عبادة الأصنام التي تستحق أن تكسر وأن تهان غاية الإهانة * فلما خرجوا الى عيدهم واستقر هو في بلدهم راغ ﴿إِلى آلِهَتِهِمْ﴾ أي ذهب اليها مسرعا مستخفيا فوجدها في بهو عظيم وقد وضعوا بين أيديها أنواعا من الاطعمة قربانا اليها (فقال) لها على سبيل التهكم والازدراء ﴿أَلا تَأْكُلُونَ * ما لَكُمْ لا تَنْطِقُونَ * فَراغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً بِالْيَمِينِ﴾ لأنها أقوى وأبطش وأسرع وأقهر فكسرها بقدوم في يده كما قال
стр. 145
تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً﴾ أي حطاما كسرها كلها ﴿إِلاّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ قيل إنه وضع القدوم في يد الكبير إشارة الى أنه غار أن تعبد معه هذه الصغار. فلما رجعوا من عيدهم ووجدوا ما حل بمعبودهم ﴿قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ وهذا فيه دليل ظاهر لهم لو كانوا يعقلون وهو ماحل بآلهتهم التي كانوا يعبدونها فلو كانت آلهة لدفعت عن أنفسها من أرادها بسوء لكنهم قالوا من جهلهم وقلة عقلهم وكثرة ضلالهم وخبالهم ﴿مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظّالِمِينَ * قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ﴾ أي يذكرها بالعيب والتنقص لها والازدراء بها فهو المقيم عليها والكاسر لها. وعلى قول ابن مسعود أي يذكرهم بقوله وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ﴿قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ أي في الملأ الأكبر على رءوس الاشهاد لعلهم يشهدون مقالته ويسمعون كلامه ويعاينون ما يحل به من الاقتصاص منه وكان هذا أكبر مقاصد الخليل ﵇ أن يجتمع الناس كلهم فيقيم على جميع عباد الأصنام الحجة على بطلان ما هم عليه كما قال موسى ﵇ لفرعون ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ فلما اجتمعوا وجاءوا به كما ذكروا ﴿قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ * قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ قيل معناه هو الحامل لي على تكسيرها وإنما عرض لهم في القول ﴿فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ﴾ وانما أراد بقوله هذا أن يبادروا الى القول بأن هذه لا تنطق فيعترفوا بأنها جماد كسائر الجمادات ﴿فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي فعادوا على أنفسهم بالملامة ﴿فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي في تركها لا حافظ لها ولا حارس عندها ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ﴾ قال السدي أي ثم رجعوا الى الفتنة فعلى هذا يكون قوله ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّالِمُونَ﴾ أي في عبادتها * وقال قتادة أدركت القوم حيرة سوء أي فاطرقوا ثم قالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾ أي لقد علمت يا إبراهيم أن هذه لا تنطق فكيف تأمرنا بسؤالها فعند ذلك قال لهم الخليل ﵇ ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ﴾.
﴿* أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ كما قال ﴿فَأَقْبَلُوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ قال مجاهد يسرعون * قال ﴿أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ﴾ أي كيف تعبدون أصناما أنتم تنحتونها من الخشب والحجارة وتصورونها وتشكلونها كما تريدون ﴿وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ﴾ وسواء كانت ما مصدرية أو بمعنى الّذي فمقتضى الكلام أنكم مخلوقون وهذه الأصنام مخلوقة فكيف يعبد مخلوق لمخلوق مثله فإنه ليس عبادتكم لها بأولى من عبادتها لكم وهذا باطل فالآخر باطل للتحكم إذ ليست العبادة تصلح ولا تجب إلا للخالق وحده لا شريك له ﴿قالُوا اِبْنُوا لَهُ بُنْياناً فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ * فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ﴾. عدلوا عن الجدال والمناظرة لما انقطعوا وغلبوا ولم تبق لهم حجة ولا شبهة الى استعمال قوتهم وسلطانهم لينصروا ما هم عليه من سفههم وطغيانهم فكادهم الرب ﷻ وأعلى كلمته ودينه وبرهانه كما قال
стр. 146
تعالى ﴿قالُوا حَرِّقُوهُ وَاُنْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ * وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾. وذلك أنهم شرعوا يجمعون حطبا من جميع ما يمكنهم من الأماكن فمكثوا مدة يجمعون له حتى أن المرأة منهم كانت إذا مرضت تنذر لئن عوفيت لتحملن حطبا لحريق إبراهيم * ثم عمدوا الى جوبة عظيمة فوضعوا فيها ذلك الحطب وأطلقوا فيه النار فاضطرمت وتأججت والتهبت وعلالها شرر لم ير مثله قط * ثم وضعوا إبراهيم ﵇ في كفة منجنيق صنعه لهم رجل من الأكراد يقال له هزن وكان أول من صنع المجانيق فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها الى يوم القيامة ثم أخذوا يقيدونه ويكتفونه وهو يقول لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك فلما وضع الخليل ﵇ في كفة المنجنيق مقيدا مكتوفا ثم ألقوه منه الى النار قال ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ كما روى البخاري عن ابن عباس أنه قال ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ قالها إبراهيم حين القى في النار وقالها محمد حين قيل له ﴿إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً. وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ الآية *
وقال أبو يعلى حدثنا أبو هشام الرفاعيّ حدثنا إسحاق بن سليمان عن أبى جعفر الرازيّ عن عاصم بن أبى النجود عن أبى صالح عن أبى هريرة قال قال ﷺ لما القى إبراهيم في النار قال اللهمّ إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك * وذكر بعض السلف أن جبريل عرض له في الهواء فقال ألك حاجة فقال أما إليك فلا * ويروى
عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه قال جعل ملك المطر يقول متى أومر فأرسل المطر فكان أمر الله أسرع ﴿قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ﴾ قال على بن أبى طالب أي لا تضريه وقال ابن عباس وأبو العالية لولا أن الله قال وسلاما على إبراهيم لأذى إبراهيم بردها * وقال كعب الأحبار لم ينتفع أهل الأرض يومئذ بنار ولم يحرق منه سوى وثاقه * وقال الضحاك يروى أن جبريل ﵇ كان معه يمسح العرق عن وجهه لم يصبه منها شيء غيره * وقال السدي كان معه أيضا ملك الظل. وصار إبراهيم ﵇ في ميل الجوبة حوله النار وهو في روضة خضراء والناس ينظرون اليه لا يقدرون على الوصول اليه ولا هو يخرج اليهم فعن أبى هريرة أنه قال أحسن كلمة قالها أبو إبراهيم إذ قال لما رأى ولده على تلك الحال نعم الرب ربك يا إبراهيم * وروى ابن عساكر عن عكرمة أن أم إبراهيم نظرت الى ابنها ﵇ فنادته يا بنى إني أريد أن أجيء إليك فادع الله أن ينجيني من حر النار حولك. فقال نعم فأقبلت اليه لا يمسها شيء من حر النار. فلما وصلت اليه اعتنقته وقبلته ثم عادت * وعن المنهال بن عمرو أنه قال أخبرت أن إبراهيم مكث هناك إما أربعين وإما خمسين يوما وأنه قال ما كنت أياما وليالي أطيب عيشا إذ كنت فيها ووددت أن عيشي وحياتي كلها مثل إذ كنت فيها صلوات الله وسلامه عليه
стр. 147
فأرادوا أن ينتصروا فخذلوا وأرادوا أن يرتفعوا فاتضعوا وأرادوا أن يغلبوا فغلبوا. قال الله تعالى ﴿وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ وفي الآية الأخرى ﴿الْأَسْفَلِينَ﴾ ففازوا بالخسارة والسفال هذا في الدنيا وأما في الآخرة فان نارهم لا تكون عليهم بردا ولا سلاما ولا يلقون فيها تحية ولا سلاما بل هي كما قال تعالى ﴿إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً﴾.
قال البخاري حدثنا عبد الله بن موسى أو ابن سلام عنه أنبأنا ابن جريج عن عبد الحميد بن جبير عن سعيد بن المسيب عن أم شريك أن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال وكان ينفخ على إبراهيم * ورواه مسلم من حديث ابن جريج * وأخرجاه والنسائي وابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة كلاهما عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة به *
وقال احمد حدثنا محمد بن بكر حدثنا ابن جريج أخبرنى عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى أمية أن نافعا مولى ابن عمر أخبره أن عائشة أخبرته أن رسول الله ﷺ قال اقتلوا الوزغ فإنه كان ينفخ النار على إبراهيم. قال فكانت عائشة تقتلهن *
وقال احمد حدثنا إسماعيل حدثنا أيوب عن نافع أن امرأة دخلت على عائشة فإذا رمح منصوب فقالت ما هذا الرمح فقالت نقتل به الأوزاغ. ثم حدثت عن رسول الله ﷺ أن إبراهيم لما ألقى في النار جعلت الدواب كلها تطفئ عنه إلا الوزغ فإنه جعل ينفخها عليه * تفرد به أحمد من هذين الوجهين *
وقال أحمد حدثنا عفان حدثنا جرير حدثنا نافع حدثتني سمامة مولاة الفاكه بن المغيرة قالت دخلت على عائشة فرأيت في بيتها رمحا موضوعا فقلت يا أم المؤمنين ما تصنعين بهذا الرمح قالت هذا لهذه الأوزاغ نقتلهن به فان رسول الله ﷺ حدثنا أن إبراهيم حين ألقى في النار لم يكن في الأرض دابة إلا تطفئ عنه النار غير الوزغ كان ينفخ عليه فأمرنا رسول الله ﷺ بقتله * ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يونس بن محمد عن جرير بن حازم به.
ذكر مناظرة إبراهيم الخليل مع من أراد ان ينازع العظيم الجليل في العظمة ورداء الكبرياء فادعي الربوبية وهو أحد العبيد الضعفاء
قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ. قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ. وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾. يذكر تعالى مناظرة خليله مع هذا الملك الجبار المتمرد
стр. 148
الّذي أدعى لنفسه الربوبية فأبطل الخليل ﵇ دليله وبين كثرة جهله وقلة عقله وألجمه الحجة وأوضح له طريق المحجة * قال المفسرون وغيرهم من علماء النسب والأخبار وهذا الملك هو ملك بابل واسمه النمرود ابن كنعان بن كوش بن سام بن نوح قاله مجاهد. وقال غيره نمرود بن فألح بن عابر بن صالح بن أرفخشذ ابن سام بن نوح قال مجاهد وغيره وكان أحد ملوك الدنيا فإنه قد ملك الدنيا فيما ذكروا أربعة مؤمنان وكافران. فالمؤمنان ذو القرنين وسليمان. والكافران النمرود وبخت نصّر وذكروا أن نمرود هذا استمر في ملكه أربعمائة سنة وكان قد طغا وبغا وتجبر وعتا وآثر الحياة الدنيا * ولما دعاه إبراهيم الخليل الى عبادة الله وحده لا شريك له حمله الجهل والضلال وطول الآمال على إنكار الصانع فحاج إبراهيم الخليل في ذلك وادعى لنفسه الربوبية. فلما قال الخليل ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ * قال قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق يعنى أنه إذا أتى بالرجلين قد تحتم قتلهما فإذا أمر بقتل أحدهما وعفا عن الآخر فكأنه قد أحيا هذا وأمات الآخر. وهذا ليس بمعارضة للخليل بل هو كلام خارجي عن مقام المناظرة ليس بمنع ولا بمعارضة بل هو تشغيب محض وهو انقطاع في الحقيقة فان الخليل استدل على وجود الصانع بحدوث هذه المشاهدات من إحياء الحيونات وموتها على وجود فاعل ذلك الّذي لا بد من استنادها الى وجوده ضرورة عدم قيامها بنفسها ولا بد من فاعل لهذه الحوادث المشاهدة من خلقها وتسخيرها وتسيير هذه الكواكب والرياح والسحاب والمطر وخلق هذه الحيونات التي توجد مشاهدة ثم إماتتها ولهذا ﴿قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ فقول هذا الملك الجاهل ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ إن عنى أنه الفاعل لهذه المشاهدات فقد كابر وعاند وإن عنى ما ذكره قتادة والسدي ومحمد بن إسحاق فلم يقل شيئا يتعلق بكلام الخليل إذ لم يمنع مقدمة ولا عارض الدليل * ولما كان انقطاع مناظرة هذا الملك قد تخفى على كثير من الناس ممن حضره وغيرهم ذكر دليلا آخر بين وجود الصانع وبطلان ما ادعاه النمرود وانقطاعه جهرة (قال ﴿فَإِنَّ اللهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ أي هذه الشمس مسخرة كل يوم تطلع من المشرق كما سخرها خالقها ومسيرها وقاهرها. وهو الله الّذي لا إله إلا هو خالق كل شيء * فان كنت كما زعمت من أنك الّذي تحيى وتميت فات بهذه الشمس من المغرب فان الّذي يحيى ويميت هو الّذي يفعل ما يشاء ولا يمانع ولا يغالب بل قد قهر كل شيء ودان له كل شيء فان كنت كما تزعم فافعل هذا فان لم تفعله فلست كما زعمت وأنت تعلم وكل أحد أنك لا تقدر على شيء من هذا بل أنت أعجز وأقل من أن تخلق بعوضة أو تنصر منها فبين ضلاله وجهله وكذبه فيما ادعاه وبطلان ما سلكه وتبجح به عند جهلة قومه ولم يبق له كلام يجيب الخليل
стр. 149
به بل انقطع وسكت ولهذا قال ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ﴾ * وقد ذكر السدي أن هذه المناظرة كانت بين إبراهيم وبين النمرود يوم خرج من النار ولم يكن اجتمع به يومئذ فكانت بينهما هذه المناظرة * وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم أن النمرود كان عنده طعام وكان الناس يفدون اليه للميرة فوفد إبراهيم في جملة من وفد للميرة فكان بينهما هذه المناظرة ولم يعط إبراهيم من الطعام كما أعطى الناس بل خرج وليس معه شيء من الطعام * فلما قرب من أهله عمد الى كثيب من التراب فملأ منه عدليه وقال أشغل أهلي إذا قدمت عليهم فلما قدم وضع رحاله وجاء فاتكأ فنام فقامت امرأته سارة الى العدلين فوجدتهما ملآنين طعاما طيبا فعملت منه طعاما * فلما استيقظ إبراهيم وجد الّذي قد أصلحوه فقال أنى لكم هذا قالت من الّذي جئت به فعرف أنه رزق رزقهموه الله * قال زيد بن أسلم وبعث الله الى ذلك الملك الجبار ملكا يأمره بالايمان بالله فأبى عليه. ثم دعاه الثانية فأبى عليه. ثم الثالثة فأبى عليه. وقال اجمع جموعك وأجمع جموعي فجمع النمرود جيشه وجنوده وقت طلوع الشمس فأرسل الله عليه ذبابا من البعوض بحيث لم يروا عين الشمس وسلطها الله عليهم فأكلت لحومهم ودمائهم وتركتهم عظاما بادية ودخلت واحدة منها في منخر الملك فمكثت في منخرها أربعمائة سنة عذبه الله تعالى بها فكان يضرب رأسه بالمزارب في هذه المدة كلها حتى أهلكه الله بها
ذكر هجرة الخليل ﵇ الى بلاد الشام ودخوله الديار المصرية واستقراره في الأرض المقدسة
قال الله ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقالَ إِنِّي مُهاجِرٌ إِلى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ * وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ * وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ * وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ﴾ لما هجر قومه في الله وهاجر من بين أظهرهم وكانت امرأته عاقرا لا يولد لها ولم يكن له من الولد أحد بل معه ابن أخيه لوط بن هاران بن آزر وهبه الله تعالى بعد ذلك الأولاد الصالحين وجعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي بعث بعده فهو من ذريته وكل كتاب نزل من السماء على نبي من الأنبياء من بعده فعلى أحد نسله وعقبه خلعة من الله وكرامة له حين ترك بلاده وأهله وأقرباءه وهاجر الى بلد يتمكن
стр. 150
فيها من عبادة ربه ودعوة الخلق اليه والأرض التي قصدها بالهجرة أرض الشام وهي التي قال الله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ قاله أبى بن كعب وأبو العالية وقتادة وغيرهم * وروى العوفيّ عن ابن عباس قوله ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ﴾ مكة ألم تسمع الى قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ﴾.
وزعم كعب الأحبار أنها حران * وقد قدمنا عن نقل أهل الكتاب أنه خرج من أرض بابل هو وابن أخيه لوط وأخوه ناحور وامرأة إبراهيم سارة وامرأة أخيه ملكا فنزلوا حران فمات تارح أبو إبراهيم بها وقال السدي انطلق إبراهيم ولوط قبل الشام فلقى إبراهيم سارة وهي ابنة ملك حران وقد طعنت على قومها في دينهم فتزوجها على أن لا يغيرها رواه ابن جرير وهو غريب * والمشهور أنها ابنة عمه هاران الّذي تنسب اليه حران ومن زعم أنها ابنة أخيه هاران أخت لوط كما حكاه السهيليّ عن القتيبي والنقاش فقد أبعد النجعة وقال بلا علم وادعى ان تزويج بنت الأخ كان إذ ذاك مشروعا فليس له على ذلك دليل. ولو فرض ان هذا كان مشروعا في وقت كما هو منقول عن الربانيين من اليهود فان الأنبياء لا تتعاطاه والله أعلم * ثم المشهور ان إبراهيم ﵇ لما هاجر من بابل خرج بسارة مهاجرا من بلاده كما تقدم والله أعلم. وذكر أهل الكتاب أنه لما قدم الشام أوحى الله اليه إني جاعل هذه الأرض لخلفك من بعدك فابتنى إبراهيم مذبحا لله شكرا على هذه النعمة وضرب قبته شرقى بيت المقدس ثم انطلق مرتحلا الى التيمن وأنه كان جوع أي قحط وشدة وغلاء فارتحلوا الى مصر وذكروا قصة سارة مع ملكها وان إبراهيم قال لها قولي أنا أخته وذكروا خدام الملك إياها هاجر. ثم أخرجهم منها فرجعوا الى بلاد التيمن يعنى أرض بيت المقدس وما والاها ومعه دواب وعبيد وأموال * وقد قال البخاري حدثنا محمد بن محبوب حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن محمد عن أبى هريرة قال لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات ثنتان منهن في ذات الله قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقال بينا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبار من الجبابرة فقيل له هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس فأرسل اليه وسأله عنها فقال من هذه قال أختى فأتى سارة فقال يا سارة ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك وإن هذا سألني فأخبرته أنك أختى فلا تكذبيني فأرسل اليها فلما دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعت الله فأطلق ثم تناولها الثانية فأخذ مثلها أو أشد فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعا بعض حجبته فقال إنك لم تأتنى بإنسان وانما أتيتنى بشيطان فأخدمها هاجر فأتته وهو قائم يصلى فأومأ بيده مهيم فقالت رد الله كيد الكافر أو الفاجر في نحره وأخدم هاجر * قال أبو هريرة فتلك أمكم يا بنى ماء السماء. تفرد به من هذا الوجه موقوفا * وقد رواه الحافظ أبو بكر البزار عن عمرو بن على الفلاس عن عبد الوهاب الثقفي عن هشام بن حسان عن محمد
стр. 151
ابن سيرين عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال إن إبراهيم لم يكذب قط الا ثلاث كذبات كل ذلك في ذات الله قوله ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وبينما هو يسير في أرض جبار من الجبابرة إذ نزل منزلا فأتى الجبار فقيل له إنه قد نزل هاهنا رجل معه امرأة من أحسن الناس. فأرسل اليه فسأله عنها فقال إنها أختى فلما رجع اليها قال ان هذا سألني عنك فقلت إنك أختى وإنه ليس اليوم مسلم غيري وغيرك وانك أختى فلا تكذبيني عنده فأنطلق بها فلما ذهب يتناولها أخذ فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعت له فأرسل فذهب يتناولها فأخذ مثلها أو أشد منها. فقال ادعى الله لي ولا أضرك فدعت فأرسل ثلاث مرات فدعا أدنى حشمه فقال إنك لم تأتنى بإنسان ولكن أتيتنى بشيطان أخرجها وأعطها هاجر فجاءت وإبراهيم قائم يصلى فلما أحس بها انصرف فقال مهيم فقالت كفى الله كيد الظالم وأخدمنى هاجر وأخرجاه من حديث هشام * ثم قال البزار لا نعلم أسنده عن محمد عن أبى هريرة الا هشام ورواه غيره موقوفا * وقال الامام احمد حدثنا على بن حفص عن ورقاء هو ابن عمر اليشكري عن ابى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ لم يكذب إبراهيم الا ثلاث كذبات قوله حين دعي الى آلهتهم فقال ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقوله ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا﴾ وقوله لسارة (انها أختى) قال ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل دخل إبراهيم الليلة بامرأة من أحسن الناس قال فأرسل اليه الملك أو الجبار من هذه معك قال أختى قال فأسل بها قال فأرسل بها اليه وقال لا تكذبى قولي فانى قد أخبرته أنك أختى إن على الأرض مؤمن غيري وغيرك فلما دخلت عليه قام اليها فأقبلت توضأ وتصلى وتقول اللهمّ ان كنت تعلم انى آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي الا على زوجي فلا تسلط على الكافر قال فغط حتى ركض برجله * قال أبو الزناد قال أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبى هريرة إنها قالت اللهمّ ان يمت يقال هي قتلته قال فأرسل قال ثم قام اليها قال فقامت توضأ وتصلى وتقول (اللهمّ ان كنت تعلم أنى آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط على الكافر) قال فغط حتى ركض برجله قال أبو الزناد وقال أبو سلمة عن أبى هريرة انها قالت اللهمّ ان يمت يقل هي قتلته قال فأرسل قال فقال في الثالثة أو الرابعة ما أرسلتم الىّ الا شيطانا ارجعوها الى إبراهيم وأعطوها هاجر قال فرجعت فقالت لإبراهيم أشعرت ان الله رد كيد الكافرين وأخدم وليدة * تفرد به احمد من هذا الوجه وهو على شرط الصحيح * وقد رواه البخاري عن أبى اليمان عن شعيب بن أبى حمزة عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ به مختصرا *
وقال ابن أبى حاتم حدثنا ابى حدثنا سفيان عن على بن زيد ابن جدعان عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال قال رسول الله ﷺ في كلمات إبراهيم الثلاث التي قال ما منها كلمة الا ما حل بها عن دين الله ﴿فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ﴾ وقال بل فعله كبيرهم هذا وقال للملك حين أراد امرأته هي أختى فقوله في الحديث هي أختى أي في دين الله وقوله لها إنه ليس على وجه الأرض مؤمن
стр. 152
غيري وغيرك يعنى زوجين مؤمنين غيري وغيرك ويتعين حمله على هذا لان لوطا كان معهم وهو نبي ﵇ وقوله لها لما رجعت اليه مهيم معناه ما الخبر فقالت ان الله رد كيد الكافرين. وفي رواية الفاجر وهو الملك وأخدم جارية وكان إبراهيم ﵇ من وقت ذهب بها الى الملك قام يصلى لله ويسأله أن يدفع عن أهله وأن يرد بأس هذا الّذي أراد اهله بسوء وهكذا فعلت هي أيضا فلما أراد عدو الله ان ينال منها أمرا قامت الى وضوئها وصلاتها ودعت الله بما تقدم من الدعاء العظيم ولهذا قال تعالى ﴿وَاِسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ فعصمها الله وصانها لعصمة عبده ورسوله وحبيبه وخليله إبراهيم ﵇ وقد ذهب بعض العلماء الى نبوة ثلاث نسوة سارة وأم موسى ومريم عليهنّ السلام * والّذي عليه الجمهور أنهن صديقات ﵅ وارضاهن * ورأيت في بعض الآثار أن الله كشف الحجاب فيما بين إبراهيم ﵇ وبينها فلم يزل يراها منذ خرجت من عنده الى أن رجعت اليه وكان مشاهدا لها وهي عند الملك وكيف عصمها الله منه ليكون ذلك أطيب لقلبه وأقر لعينه وأشد لطمأنينته فإنه كان يحبها حبا شديدا لدينها وقرابتها منه وحسنها الباهر فإنه قد قيل إنه لم تكن امرأة بعد حواء الى زمانها أحسن منها ﵂ * ولله الحمد والمنة * وذكر بعض أهل التواريخ أن فرعون مصر هذا كان أخا للضحاك الملك المشهور بالظلم وكان عاملا لأخيه على مصر * ويقال كان اسمه سنان بن علوان بن عبيد بن عويج بن عملاق بن لاود بن سام ابن نوح. وذكر ابن هشام في التيجان أن الّذي أرادها عمرو بن امرئ القيس بن مايلون (١) بن سبإ وكان على مصر نقله السهيليّ فالله أعلم * ثم إن الخليل ﵇ رجع من بلاد مصر الى أرض التيمن وهي الأرض المقدسة التي كان فيها ومعه أنعام وعبيد ومال جزيل وصحبتهم هاجر القبطية المصرية ثم إن لوطا ﵇ نزح بماله من الأموال الجزيلة بأمر الخليل له في ذلك الى أرض الغور المعروف بغور زغر فنزل بمدينة سدوم وهي أم تلك البلاد في ذلك الزمان وكان أهلها أشرارا كفارا فجارا وأوحى الله تعالى الى إبراهيم الخليل فأمره أن يمد بصره وينظر شمالا وجنوبا وشرقا وغربا وبشره بان هذه الأرض كلها سأجعلها لك ولخلفك الى آخر الدهر وسأكثر ذريتك حتى يصيروا بعدد تراب الأرض * وهذه البشارة اتصلت بهذه الأمة بل ما كملت ولا كانت أعظم منها في هذه الأمة المحمدية * يؤيد ذلك
قول رسول الله ﷺ ان الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وسيبلغ ملك أمتى ما زوى لي منها. قالوا ثم أن طائفة من الجبارين تسلطوا على لوط ﵇ فأسروه وأخذوا أمواله واستاقوا انعامه فلما بلغ
стр. 153
أمواله وقتل من أعداء الله ورسوله خلقا كثيرا وهزمهم وساق في آثارهم حتى وصل الى شرقى دمشق وعسكر بظاهرها عند برزة وأظن مقام إبراهيم انما سمى لأنه كان موقف جيش الخليل والله أعلم.
ثم رجع مؤيدا منصورا الى بلاده وتلقاه ملوك بلاد بيت المقدس معظمين له مكرمين خاضعين واستقر ببلاده صلوات الله وسلامه عليه *
ذكر مولد إسماعيل ﵇ من هاجر
قال أهل الكتاب إن إبراهيم ﵇ سأل الله ذرية طيبة وأن الله بشره بذلك وأنه لما كان لإبراهيم ببلاد بيت المقدس عشرون سنة قالت سارة لإبراهيم ﵇ إن الرب قد أحرمنى الولد فادخل على أمتى هذه لعل الله يرزقني منها ولدا فلما وهبتها له دخل بها إبراهيم ﵇ فحين دخل بها حملت منه قالوا فلما حملت ارتفعت نفسها وتعاظمت على سيدتها فغارت منها سارة فشكت ذلك الى إبراهيم فقال لها افعلي بها ما شئت فخافت هاجر فهربت فنزلت عند عين هناك فقال لها ملك من الملائكة لا تخافي فان الله جاعل من هذا الغلام الّذي حملت خيرا وأمرها بالرجوع وبشرها أنها ستلد ابنا وتسميه إسماعيل ويكون وحش الناس يده على الكل ويد الكل به ويملك جميع بلاد إخوته فشكرت الله على ذلك. وهذه البشارة إنما انطبقت على ولده محمد صلوات الله وسلامه عليه فإنه الّذي سادت به العرب وملكت جميع البلاد غربا وشرقا وأتاها الله من العلم النافع والعمل الصالح ما لم تؤت أمة من الأمم قبلهم وما ذاك إلا بشرف رسولها على سائر الرسل وبركة رسالته ويمن بشارته وكماله فيما جاء به وعموم بعثته لجميع أهل الأرض. ولما رجعت هاجر وضعت إسماعيل ﵇ قالوا وولدته ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة قبل مولد إسحاق بثلاث عشرة سنة * ولما ولد إسماعيل أوحى الله الى إبراهيم يبشره بإسحاق من سارة فخر لله ساجدا وقال له قد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكثرته ونميته جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما * وأجعله رئيسا لشعب عظيم وهذه أيضا بشارة بهذه الأمة العظيمة وهؤلاء الاثنا عشر عظيما هم الخلفاء الراشدون الاثنا عشر المبشر بهم
في حديث عبد الملك بن عمير عن جابر بن سمرة عن النبي ﷺ قال (يكون اثنا عشر أميرا) ثم قال كلمة لم افهمها فسألت أبى ما قال قال (كلهم من قريش) أخرجاه في الصحيحين. وفي رواية لا يزال هذا الأمر قائما وفي رواية عزيزا حتى يكون اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. فهؤلاء منهم الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلى. ومنهم عمر بن عبد العزيز أيضا. ومنهم بعض بنى العباس وليس المراد أنهم يكونون اثنى عشر نسقا بل لا بد من وجودهم وليس المراد الأئمة الاثني عشر الذين يعتقد فيهم الرافضة الذين أولهم على بن أبى طالب وآخرهم المنتظر بسرداب سامرا وهو محمد ابن الحسن العسكري فيما يزعمون فان أولئك لم يكن فيهم أنفع من
стр. 154
على وابنه الحسن بن على حين ترك القتال وسلم الأمر لمعاوية وأحمد نار الفتنة وسكن رحى الحروب بين المسلمين والباقون من جملة الرعايا لم يكن لهم حكم على الأمة في أمر من الأمور * وأما ما يعتقدونه بسرداب سامرا فذاك هوس في الرءوس وهذيان في النفوس لا حقيقة له ولا عين ولا أثر * والمقصود أن هاجر ﵍ لما ولد لها إسماعيل اشتدت غيرة سارة منها وطلبت من الخليل أن يغيب وجهها عنها فذهب بها وبولدها فسار بهما حتى وضعهما حيث مكة اليوم ويقال إن ولدها كان إذ ذاك رضيعا فلما تركهما هناك وولى ظهره عنهما قامت اليه هاجر وتعلقت بثيابه وقالت يا إبراهيم أين تذهب وتدعنا هاهنا وليس معنا ما يكفينا فلم يجبها فلما ألحت عليه وهو لا يجيبها قالت له الله أمرك بهذا قال نعم قالت فإذا لا يضيعنا * وقد ذكر الشيخ أبو محمد بن أبى زيد ﵀ في كتاب النوادر أن سارة تغضبت على هاجر فحلفت لتقطعن ثلاثة أعضاء منها فأمرها الخليل أن تثقب أذنيها وأن تخفضها فتبر قسمها * قال السهيليّ فكانت أول من اختتن من النساء وأول من ثقبت أذنها منهن وأول من طولت ذيلها *
ذكر مهاجرة إبراهيم بابنه إسماعيل وامه هاجر الى جبال فاران وهي أرض مكة وبنائه البيت العتيق
قال البخاري قال عبد الله بن محمد هو أبو بكر بن أبى شيبة حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن أيوب السختياني وكثير بن كثير بن المطلب بن أبى وداعة يزيد أحدهما على الآخر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال أول ما اتخذ النساء المنطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقا لتعفى أثرها على سارة ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر وسقاء فيه ماء ثم قفى إبراهيم منطلقا فتبعته أم إسماعيل فقالت يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الّذي ليس به انس ولا شيء فقالت له ذلك مرارا وجعل لا يلتفت اليها فقالت له الله أمرك بهذا قال نعم قالت إذا لا يضيعنا. ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال ﴿رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ﴾
стр. 155
بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ. رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها وجعلت تنظر اليه يلتوى أو قال يتلبط فانطلقت كراهية أن تنظر اليه فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدا فلم تر أحدا فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف ذراعها ثم سعت سعى الإنسان المجهود حتى إذا جاوزت الوادي ثم أتت المروة فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدا فلم تر أحدا ففعلت ذلك سبع مرات *
قال ابن عباس قال النبي ﷺ فلذلك سعى الناس بينهما. فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا فقالت صه تريد نفسها.
ثم تسمعت فسمعت أيضا فقالت قد أسمعت إن كان عندك غواث فإذا هي بالملك عند موضع زمزم فبحث بعقبه أو قال بجناحه حتى ظهر الماء فجعلت تخوضه وتقول بيدها هكذا وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهي تفور بعد ما تغرف *
قال ابن عباس قال النبي ﷺ (يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم) أو قال (لو لم تغرف من الماء لكانت زمزم عينا معينا) فشربت وأرضعت ولدها فقال لها الملك لا تخافي الضيعة فان هاهنا بيت الله يبنى هذا الغلام وأبوه وان الله لا يضيع أهله وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله فكانت كذلك حتى مرت بهم رفقة من جرهم أو أهل بيت من جرهم مقبلين من طريق كذا فنزلوا في أسفل مكة فرأوا طائرا عائفا فقالوا ان هذا الطائر ليدور على الماء لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء فأرسلوا جريا أو جريين فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فاقبلوا قال وأم إسماعيل عند الماء فقالوا تأذنين لنا ان ننزل عندك قالت نعم ولكن لا حق لكم في الماء قالوا نعم *
قال عبد الله بن عباس قال النبي ﷺ فالقى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الانس فنزلوا وأرسلوا الى أهليهم فنزلوا معهم حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم وشب الغلام وتعلم العربية منهم وأنفسهم وأعجبهم حين شب فلما أدرك زوجوه امرأة منهم وماتت أم إسماعيل فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته فلم يجد إسماعيل فسأل امرأته فقالت خرج يبتغى لنا. ثم سألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بشر في ضيق وشدة وشكت اليه * قال فإذا جاء زوجك اقرئى عليه¬ السلام وقولي له يغير عتبة بابه فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئا فقال هل جاءكم من أحد فقالت نعم جاءنا شيخ كذا وكذا فسألنا عنك فأخبرته وسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال فهل أوصاك بشيء قالت نعم أمرنى أن أقرأ عليك السلام ويقول لك غير عتبة بابك قال ذاك أبى وأمرنى أن أفارقك فالحقى بأهلك فطلقها وتزوج منهم أخرى ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله * ثم أتاهم بعد فلم يجده فدخل على امرأته فسألها عنه فقالت خرج يبتغى لنا قال كيف أنتم وسألها عن عيشهم وهيئتهم فقالت نحن بخير وسعة وأثنت على الله فقال ما طعامكم قالت اللحم قال فما شرابكم قالت الماء. قال اللهمّ بارك لهم في اللحم والماء.
стр. 156
قال النبي ﷺ ولم يكن لهم يومئذ حب. ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه فهما لا يخلو عليهما أحد (١) بعين مكة الا لم يوافقاه قال فإذا جاء زوجك فاقرئى عليه¬ السلام ومريه يثبت عتبة بابه فلما جاء إسماعيل قال هل أتاكم من أحد قالت نعم أتانا شيخ حسن الهيئة وأثنت عليه فسألني عنك فأخبرته فسألني كيف عيشنا فأخبرته أنا بخير قال فأوصاك بشيء قالت نعم هو يقرأ عليك السلام ويأمرك أن تثبت عتبة بابك قال ذاك أبى وأمرنى أن أمسك * ثم لبث عنهم ما شاء الله ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلا له تحت دوحة قريبا من زمزم فلما رآه قام اليه فصنعا كما يصنع الولد بالوالد والوالد بالولد * ثم قال يا إسماعيل إن الله أمرنى بأمر قال فاصنع ما أمرك به ربك قال وتعينني قال وأعينك قال فان الله أمرنى ان أبنى هاهنا بيتا وأشار الى أكمة مرتفعة على ما حولها قال فعند ذلك رفعا القواعد من البيت فجعل إسماعيل يأتى بالحجارة وإبراهيم يبنى حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام عليه وهو يبنى وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ قال وجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ثم قال حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا أبو عامر عبد الملك ابن عمرو حدثنا إبراهيم بن نافع عن كثير بن كثير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال لما كان من إبراهيم وأهله ما كان خرج بإسماعيل وأم إسماعيل ومعهم شنة فيها ماء وذكر تمامه بنحو ما تقدم وهذا الحديث من كلام ابن عباس وموشح برفع بعضه وفي بعضه غرابة وكأنه مما تلقاه ابن عباس عن الإسرائيليات * وفيه أن إسماعيل كان رضيعا إذ ذاك * وعند أهل التوراة أن إبراهيم أمره الله بان يختن ولده إسماعيل وكل من عنده من العبيد وغيرهم فختنهم وذلك بعد مضى تسع وتسعين سنة من عمره فيكون عمر إسماعيل يومئذ ثلاث عشرة سنة وهذا امتثال لأمر الله في أهله فيدل على أنه فعله على وجه الوجوب ولهذا كان الصحيح من أقوال العلماء انه واجب على الرجال كما هو مقرر في موضعه وقد ثبت في الحديث الّذي
رواه البخاري حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا مغيرة بن عبد الرحمن القرشي عن أبى الزناد عن الأعرج عن ابى هريرة قال قال النبي ﷺ اختتن إبراهيم النبي ﵇ وهو ابن ثمانين سنة بالقدوم * تابعه عبد الرحمن بن إسحاق عن أبى الزناد وتابعه عجلان عن أبى هريرة ورواه محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة * وهكذا رواه مسلم عن قتيبة به * وفي بعض الألفاظ اختتن إبراهيم بعد ما أتت عليه ثمانون سنة واختتن بالقدوم والقدوم هو الآلة وقيل موضع وهذا
стр. 157
اللفظ لا ينافي الزيادة على الثمانين. والله أعلم لما سيأتي من الحديث عند ذكر وفاته
عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال اختتن إبراهيم وهو ابن مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة. رواه ابن حبان في صحيحه. وليس في هذا السياق ذكر قصة الذبيح وانه إسماعيل ولم يذكر في قدمات إبراهيم ﵇ الا ثلاث مرات أولاهن بعد أن تزوج إسماعيل بعد موت هاجر وكيف تركهم من حين صغر الولد على ما ذكر الى حين تزويجه لا ينظر في حالهم. وقد ذكر أن الأرض كانت تطوى له وقيل إنه كان يركب البراق إذا سار اليهم فكيف يتخلف عن مطالعة حالهم وهم في غاية الضرورة الشديدة والحاجة الأكيدة * وكان بعض هذا السياق متلقى من الإسرائيليات ومطرز بشيء من المرفوعات ولم يذكر فيه قصة الذبيح وقد دللنا على ان الذبيح هو إسماعيل على الصحيح في سورة الصافات
قصة الذبيح
قال الله تعالى ﴿وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصّالِحِينَ * فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ * فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ * كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ * وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ * وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾. يذكر تعالى عن خليله إبراهيم أنه لما هاجر من بلاد قومه سأل ربه ان يهب له ولدا صالحا فبشره الله تعالى بغلام حليم وهو إسماعيل ﵇ لانه أول من ولد له على رأس ست وثمانين سنة من عمر الخليل. وهذا ما لا خلاف فيه بين أهل الملل لأنه أول ولده وبكرة وقوله ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي شب وصار يسعى في مصالحه كأبيه قال مجاهد ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ أي شب وارتحل وأطاق ما يفعله أبوه من السعي والعمل. فلما كان هذا رئي إبراهيم ﵇ في المنام أنه يؤمر بذبح ولده * هذا. وفي الحديث عن ابن عباس مرفوعا رؤيا الأنبياء وحي * قاله عبيد ابن عمير أيضا وهذا اختبار من الله لخليله في أن يذبح هذا الولد العزيز الّذي جاءه على كبر وقد طعن في السن بعد ما أمر بان يسكنه هو وأمه في بلاد قفر وواد ليس به حسيس ولا أنيس ولا زرع ولا ضرع فامتثل أمر الله في ذلك وتركهما هناك ثقة بالله وتوكلا عليه فجعل الله لهما فرجا ومخرجا ورزقهما من حيث لا يحتسبان. ثم لما أمر بعد هذا كله بذبح ولده هذا الّذي قد أفرده عن امر ربه وهو بكرة ووحيده الّذي ليس له غيره أجاب ربه وامتثل أمره وسارع الى طاعته ثم عرض ذلك على ولده ليكون أطيب لقلبه وأهون عليه من أن يأخذه قسرا ويذبحه قهرا ﴿قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ﴾
стр. 158
ماذا تَرى فبادر الغلام الحليم سر والده الخليل إبراهيم ف ﴿قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ * وهذا الجواب في غاية السداد والطاعة للوالد ولرب العباد قال الله تعالى ﴿فَلَمّا أَسْلَما وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ قيل أسلما أي استسلما لأمر الله وعزما على ذلك. وقيل هذا من المقدم والمؤخر والمعنى تله للجبين أي ألقاه على وجهه. قيل أراد أن يذبحه من قفاه لئلا يشاهده في حال ذبحه قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك. وقيل بل أضجعه كما تضجع الذبائح وبقي طرف جبينه لاصقا بالأرض وأسلما أي سمى إبراهيم وكبر وتشهد الولد للموت * قال السدي وغيره أمر السكين على حلقه فلم تقطع شيئا ويقال جعل بينها وبين حلقه صفيحة من نحاس والله أعلم. فعند ذلك نودي من الله ﴿أَنْ يا إِبْراهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا﴾ أي قد حصل المقصود من اختبارك وطاعتك ومبادرتك الى أمر ربك وبذلك ولدك للقربان كما سمحت ببدنك للنيران وكما مالك مبذول للضيفان ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ﴾ أي الاختبار الظاهر البين وقوله ﴿وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ أي وجعلنا فداء ذبح ولده ما يسره الله تعالى له من العوض عنه والمشهور عن الجمهور أنه كبش أبيض أعين أقرن رآه مربوطا بسمرة في ثبير. قال الثوري عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كبش قد رعى في الجنة أربعين خريفا (١) وقال سعيد بن جبير كان يرتع في الجنة حتى تشقق عنه ثبير وكان عليه عهن أحمر.
وعن ابن عباس هبط عليه من ثبير كبش أعين أقرن له ثغاء فذبحه وهو الكبش الّذي قربه ابن آدم فتقبل منه. رواه ابن أبى حاتم * قال مجاهد فذبحه بمنى وقال عبيد بن عمير ذبحه بالمقام. فأما ما روى عن ابن عباس أنه كان وعلا وعن الحسن أنه كان تيسا من الأروى. واسمه جرير فلا يكاد يصح عنهما * ثم غالب ما هاهنا من الآثار مأخوذ من الإسرائيليات * وفي القرآن كفاية عما جرى من الأمر العظيم والاختبار الباهر وأنه فدى بذبح عظيم وقد ورد في الحديث أنه كان كبشا * قال الامام أحمد حدثنا سفيان حدثنا منصور عن خاله نافع عن صفية بنت شيبة قالت أخبرتنى امرأة من بنى سليم ولدت عامة أهل دارنا قالت أرسل رسول الله ﷺ الى عثمان بن طلحة وقال مرة إنها سألت عثمان لم دعاك رسول الله ﷺ قال إني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن آمرك أن تخمرهما فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في البيت شيء يشغل المصلى قال سفيان لم تزل قرنا الكبش في البيت حتى احترق البيت فاحترقا. وهذا روى عن ابن عباس أن رأس الكبش لم يزل معلقا عند ميزاب الكعبة قد يبس. وهذا وحده دليل على أن الذبيح إسماعيل لأنه كان هو المقيم بمكة. وإسحاق لا نعلم أنه قدمها في حال صغره والله أعلم.
وهذا هو الظاهر من القرآن بل كأنه نص على أن الذبيح هو إسماعيل لانه ذكر قصة الذبيح ثم قال
стр. 159
بعده ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ومن جعله حالا فقد تكلف ومستنده أنه إسحاق إنما هو إسرائيليات وكتابهم فيه تحريف ولا سيما هاهنا قطعا لا محيد عنه فان عندهم أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده وفي نسخة من المعربة بكرة إسحاق فلفظة إسحاق هاهنا مقحمة مكذوبة مفتراة لانه ليس هو الوحيد ولا البكر. ذاك إسماعيل. وانما حملهم على هذا حسد العرب فان إسماعيل أبو العرب الذين يسكنون الحجاز الذين منهم رسول الله ﷺ وإسحاق والد يعقوب وهو إسرائيل الذين ينتسبون اليه فأرادوا أن يجروا هذا الشرف اليهم فحرفوا كلام الله وزادوا فيه وهم قوم بهت ولم يقروا بان الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء. وقد قال بانه إسحاق طائفة كثيرة من السلف وغيرهم. وانما أخذوه والله أعلم من كعب الأحبار أو صحف أهل الكتاب وليس في ذلك حديث صحيح عن المعصوم حتى نترك لأجله ظاهر الكتاب العزيز ولا يفهم هذا من القرآن بل المفهوم بل المنطوق بل النص عند التأمل على أنه إسماعيل. وما أحسن ما استدل محمد بن كعب القرظي على أنه إسماعيل وليس بإسحاق من قوله فبشرناها بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب قال فكيف تقع البشارة بإسحاق وأنه سيولد له يعقوب ثم يؤمر بذبح إسحاق وهو صغير قبل أن يولد له هذا لا يكون لانه يناقض البشارة المتقدمة والله أعلم * وقد اعترض السهيليّ على هذا الاستدلال بما أصله أن قوله ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ﴾ جملة تامة وقوله ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ جملة أخرى ليست في حيز البشارة. قال لانه لا يجوز من حيث العربية أن يكون مخفوضا إلا أن يعاد معه حرف الجر فلا يجوز أن يقال مررت بزيد ومن بعده عمرو حتى يقال ومن بعده بعمر. وقال فقوله ﴿وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ منصوب بفعل مضمر تقديره ووهبنا لإسحاق يعقوب وفي هذا الّذي قاله نظر. ورجح أنه إسحاق واحتج بقوله ﴿فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ﴾ قال وإسماعيل لم يكن عنده انما كان في حال صغره هو وأمه بحيال مكة فكيف يبلغ معه السعي * وهذا أيضا فيه نظر لأنه قد روى أن الخليل كان يذهب في كثير من الأوقات راكبا البراق الى مكة يطلع على ولده وابنه ثم يرجع والله أعلم * فمن حكى القول عنه بأنه إسحاق كعب الأحبار * وروى عن عمر والعباس وعلى وابن مسعود ومسروق وعكرمة وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء والشعبي ومقاتل وعبيد بن عمر وأبى ميسرة وزيد بن أسلم وعبد الله بن شقيق والزهري والقاسم وابن أبى بردة ومكحول وعثمان بن حاضر والسدي والحسن وقتادة وأبى الهذيل وابن سابط وهو اختيار ابن جرير وهذا عجب منه وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس ولكن الصحيح عنه وعن أكثر هؤلاء أنه إسماعيل ﵇. قال مجاهد وسعيد والشعبي ويوسف بن مهران وعطاء وغير واحد عن ابن عباس هو إسماعيل ﵇ وقال ابن جرير حدثني يونس أنبأنا ابن وهب أخبرني عمرو بن قيس عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس أنه قال المفدى إسماعيل وزعمت اليهود أنه إسحاق وكذبت اليهود * وقال عبد الله بن الإمام احمد
стр. 160
عن أبيه هو إسماعيل * وقال ابن أبى حاتم سألت أبى عن الذبيح فقال الصحيح أنه إسماعيل ﵇ * قال ابن أبى حاتم وروى عن على وابن عمر وأبى هريرة وأبى الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد ابن جبير والحسن ومجاهد والشعبي ومحمد بن كعب وأبى جعفر محمد بن على وأبى صالح أنهم قالوا الذبيح هو إسماعيل ﵇ * وحكاه البغوي أيضا عن الربيع بن أنس والكلبي وأبى عمرو بن العلاء * قلت وروى عن معاوية وجاء عنه أن رجلا قال لرسول ﷺ يا ابن الذبيحين فضحك رسول الله ﷺ واليه ذهب عمر بن عبد العزيز ومحمد بن إسحاق بن يسار وكان الحسن البصري يقول لا شك في هذا وقال محمد بن إسحاق عن بريدة عن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب انه حدثهم أنه ذكر ذلك لعمر بن عبد العزيز وهو خليفة إذ كان معه بالشام يعنى استدلاله بقوله بعد العصمة فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب فقال له عمر إن هذا الشيء ما كنت انظر فيه وإني لأراه كما قلت ثم أرسل الى رجل كان عنده بالشام كان يهوديا فأسلم وحسن إسلامه وكان يرى انه من علمائهم قال فسأله عمر بن عبد العزيز أي ابني إبراهيم أمر بذبحه فقال إسماعيل والله يا أمير المؤمنين وإن اليهود لتعلم بذلك ولكنهم يحسدونكم معشر العرب على ان يكون أباكم الّذي كان من أمر الله فيه والفضل الّذي ذكره الله منه لصبره لما أمر به فهم يجحدون ذلك ويزعمون أنه إسحاق لأن إسحاق أبوهم * وقد ذكرنا هذه المسألة مستقصاة بأدلتها وآثارها في في كتابنا التفسير ولله الحمد والمنة
ذكر مولد إسحاق ﵇
قال الله تعالى ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ * وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ * وقد كانت البشارة به من الملائكة لإبراهيم وسارة لما مروا بهم مجتازين ذاهبين الى مدائن قوم لوط ليدمروا عليهم لكفرهم وفجورهم كما سيأتي بيانه في موضعه ان شاء الله تعالى قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ * وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا
стр. 161
تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ * قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ﴾ وقال تعالى ﴿هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَراغَ إِلى أَهْلِهِ فَجاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قالَ أَلا تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَها وَقالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قالُوا كَذلِكَ قالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ يذكر تعالى أن الملائكة قالوا وكانوا ثلاثة جبريل وميكائيل وإسرافيل لما وردوا على الخليل حسبهم أضيافا فعاملهم معاملة الضيوف شوى لهم عجلا سمينا من خيار بقرة فلما قربه اليهم وعرض عليهم لم ير لهم همة الى الأكل بالكلية وذلك لأن الملائكة ليس فيهم قوة الحاجة الى الطعام ﴿فنكرهم﴾ إبراهيم ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ﴾. أي لندمر عليهم فاستبشرت عند ذلك سارة غضبا لله عليهم وكانت قائمة على رءوس الأضياف كما جرت به عادة الناس من العرب وغيرهم فلما ضحكت استبشارا بذلك قال الله تعالى ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أي بشرتها الملائكة بذلك ﴿فَأَقْبَلَتِ اِمْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أي في صرخة ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَها﴾ أي كما يفعل النساء عند التعجب و ﴿قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً﴾ أي كيف يلد مثلي وأنا كبيرة وعقيم أيضا وهذا بعلي أي زوجي شيخا تعجبت من وجود ولد والحالة هذه ولهذا قالت ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ وكذلك تعجب إبراهيم ﵇ استبشارا بهذه البشارة وتثبيتا لها وفرحا بها ﴿قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ﴾ أكدوا الخبر بهذه البشارة وقرروه معه فبشروهما ﴿بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾. وهو إسحاق وأخوه إسماعيل غلام حليم مناسب لمقامه وصبره وهكذا وصفه ربه بصدق الوعد والصبر. وقال في الآية الأخرى ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ وهذا مما استدل به محمد بن كعب القرظي وغيره على أن الذبيح هو إسماعيل وأن إسحاق لا يجوز أن يؤمر بذبحه بعد أن وقعت البشارة بوجوده ووجود ولده يعقوب المشتق من العقب من بعده * وعند أهل الكتاب أنه أحضر مع العجل الحنيذ وهو المشوي رغيفا من مكة فيه ثلاثة اكيال وسمن ولبن. وعندهم أنهم أكلوا وهذا غلط محض * وقيل كانوا يودون أنهم يأكلون والطعام يتلاشى في الهواء. وعندهم أن الله تعالى قال لإبراهيم أما سارا امرأتك فلا يدعى اسمها سارا ولكن اسمها سارة وأبارك عليها وأعطيك منها ابنا وأباركه ويكون الشعوب وملوك الشعوب منه فخر إبراهيم على وجهه يعنى ساجدا وضحك قائلا في نفسه أبعد مائة سنة يولد لي غلام أو سارة تلد وقد أتت عليها تسعون سنة. وقال إبراهيم لله تعالى ليت إسماعيل يعيش قد أمك فقال الله لإبراهيم بحقي إن امرأتك سارة
стр. 162
تلد لك غلاما وتدعو اسمه إسحاق الى مثل هذا الحين (١) من قابل وأوثقه ميثاقي الى الدهر ولخلفه من بعده وقد استجبت لك في إسماعيل وباركت عليه وكبرته ونميته جدا كثيرا ويولد له اثنا عشر عظيما وأجعله رئيسا لشعب عظيم * وقد تكلمنا على هذا بما تقدم والله أعلم. فقوله تعالى ﴿فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ دليل على أنها تستمتع بوجود ولدها إسحاق ثم من بعده بولد ولده يعقوب أي يولد في حياتهما لتقر أعينهما به كما قرت بولده. ولو لم يرد هذا لم يكن لذكر يعقوب وتخصيص التنصيص عليه من دون سائر نسل إسحاق فائدة ولما عين بالذكر دل على انهما يتمتعان به ويسران بولده كما سرا بمولد أبيه من قبله وقال تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا﴾ وقال تعالى ﴿فَلَمَّا اِعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ وهذا ان شاء الله ظاهر قوى ويؤيده ما ثبت
في الصحيحين من حديث سليمان بن مهران الأعمش عن إبراهيم بن يزيد التيمي عن أبيه عن أبى ذر قال قلت يا رسول الله أي مسجد وضع أول قال المسجد الحرام قلت ثم أي قال المسجد الأقصى. قلت كم بينهما قال أربعون سنة قلت ثم أي قال ثم حيث أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد. وعند أهل الكتاب أن يعقوب ﵇ هو الّذي أسس المسجد الأقصى وهو مسجد إيليا بيت المقدس شرفه الله. وهذا متجه ويشهد له ما ذكرناه من الحديث فعلى هذا يكون بناء يعقوب وهو إسرائيل ﵇ بعد بناء الخليل وابنه إسماعيل المسجد الحرام بأربعين سنة سواء وقد كان بناؤهما ذلك بعد وجود إسحاق لأن إبراهيم ﵇ لما دعا قال في دعائه كما قال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاُجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ. رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَاُرْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ * رَبَّنا إِنَّكَ تَعْلَمُ ما نُخْفِي وَما نُعْلِنُ وَما يَخْفى عَلَى اللهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ * الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعاءِ * رَبِّ اِجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ * رَبَّنَا اِغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ﴾. وما جاء في الحديث من أن سليمان بن داود ﵉ لما بنى بيت المقدس سأل الله خلالا ثلاثا كما ذكرناه عند قوله ﴿رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ وكما سنورده في قصته فالمراد من ذلك والله أعلم أنه جدد بناءه كما تقدم من أن بينهما أربعين سنة ولم يقل أحد إن بين سليمان وإبراهيم أربعين سنة سوى ابن حبان في تقاسيمه وأنواعه وهذا القول لم يوافق عليه ولا سبق اليه
стр. 163
ذكر بناية البيت العتيق
قال الله تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالاً وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً. وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً. وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعالَمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ. قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ * وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وَأَمْناً وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اِجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَاُرْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ * وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنا وَاِبْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يذكر تعالى عن عبده ورسوله وصفيه وخليله إمام الحنفاء ووالد الأنبياء عليه أفضل صلاة وتسليم أنه بنى البيت العتيق الّذي هو أول مسجد وضع لعموم الناس يعبدون الله فيه وبوأه الله مكانه أي أرشده اليه ودله عليه * وقد روينا عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب وغيره أنه ارشد اليه بوحي من الله . وقد قدمنا في صفة خلق السموات أن الكعبة بحيال البيت المعمور بحيث أنه لو سقط لسقط عليها وكذلك معابد السموات السبع كما قال بعض السلف إن في كل سماء بيتا يعبد الله فيه أهل كل سماء وهو فيها كالكعبة لأهل الأرض فأمر الله تعالى إبراهيم ﵇ أن يبنى له بيتا يكون لأهل الأرض كتلك المعابد لملائكة السموات وأرشده الله الى مكان البيت المهيأ له المعين لذلك منذ خلق السموات والأرض كما ثبت في الصحيحين أن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض فهو حرام بحرمة الله الى يوم القيامة ولم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيا قبل الخليل ﵇ * ومن تمسك في هذا بقوله مكان البيت فليس بناهض ولا ظاهر لأن المراد مكانه المقدر في علم الله المقرر في قدرته المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم الى زمان إبراهيم * وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه قبة وأن الملائكة قالوا له قد طفنا قبلك بهذا البيت وأن السفينة طافت به أربعين يوما أو نحو ذلك ولكن كل هذه الاخبار عن بنى إسرائيل * وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها فأما إن ردها الحق فهي مردودة. وقد قال الله تعالى ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ﴾
стр. 164
لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ أي أول بيت وضع لعموم الناس للبركة والهدى البيت الّذي ببكة * قيل مكة وقيل محل الكعبة ﴿فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ﴾ أي على أنه بناء الخليل والد الأنبياء من بعده وإمام الحنفاء من ولده الذين يقتدون به ويتمسكون بسنته ولهذا قال ﴿مَقامِ إِبْراهِيمَ﴾ أي الحجر الّذي كان يقف عليه قائما لما ارتفع البناء عن قامته فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه لما تعالى البناء وعظم الفناء كما تقدم في حديث ابن عباس الطويل. وقد كان هذا الحجر ملصقا بحائط الكعبة على ما كان عليه من قديم الزمان الى أيام عمر بن الخطاب ﵁ فاخره عن البيت قليلا لئلا يشغل المصلين عنده الطائفين بالبيت واتبع عمر بن الخطاب ﵁ في هذا فإنه قد وافقه ربه في أشياء منها في قوله لرسوله ﷺ لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى فأنزل الله ﴿وَاِتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد كانت آثار قدمي الخليل باقية في الصخرة الى أول الإسلام وقد قال أبو طالب في قصيدته اللامية المشهورة.
وثور ومن أرسى ثبيرا مكانه … وراق لبر في حراء ونازل (١)
وبالبيت حق البيت من بطن مكة … وبالله إن الله ليس بغافل
وبالحجر المسود إذ يمسحونه … إذ اكتنفوه بالضحى والأصائل
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيا غير ناعل
يعنى أن رجله الكريمة غاصت في الصخرة فصارت على قدر قدمه حافية لا منتعلة ولهذا قال تعالى ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ﴾ أي في حال قولهما ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ فهما في غاية الإخلاص والطاعة لله وهما يسألان من الله السميع العليم أن يتقبل منهما ما هما فيه من الطاعة العظيمة والسعي المشكور ﴿رَبَّنا وَاِجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾
стр. 165
والمقصود أن الخليل بنى أشرف المساجد في أشرف البقاع في واد غير ذي زرع ودعا لأهلها بالبركة وأن يرزقوا من الثمرات مع قلة المياه وعدم الأشجار والزروع والثمار وأن يجعله حرما محرما وآمنا محتما فاستجاب الله وله الحمد له مسألته ولبى دعوته وأتاه طلبته فقال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ وقال تعالى ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنّا﴾ وسأل الله أن يبعث فيهم رسولا منهم أي من جنسهم وعلى لغتهم الفصيحة البليغة النصيحة لتتم عليهم النعمتان الدنيوية والدينية سعادة الأولى والأخرى. وقد استجاب الله له فبعث فيهم رسولا وأي رسول ختم به أنبياءه ورسله وأكمل له من الدين ما لم يؤت أحدا قبله وعم بدعوته أهل الأرض على اختلاف أجناسهم ولغاتهم وصفاتهم في سائر الأقطار والأمصار والأعصار الى يوم القيامة وكان هذا من خصائصه من بين سائر الأنبياء لشرفه في نفسه وكمال ما أرسل به وشرف بقعته وفصاحة لغته وكمال شفقته على أمته ولطفه ورحمته وكريم محتده وعظيم مولده وطيب مصدره ومورده ولهذا استحق إبراهيم الخليل ﵇ إذ كان باني الكعبة لأهل الأرض أن يكون منصبه ومحله وموضعه في منازل السموات ورفيع الدرجات عند البيت المعمور الّذي هو كعبة أهل السماء السابعة المبارك المبرور الّذي يدخله كل يوم سبعون الفا من الملائكة يتعبدون فيه. ثم لا يعودون اليه الى يوم البعث والنشور وقد ذكرنا في التفسير من سورة البقرة صفة بناية البيت وما ورد في ذلك من الأخبار والآثار بما فيه كفاية فمن أراده فليراجعه ثم ولله الحمد * فمن ذلك ما قال السدي لما أمر الله إبراهيم وإسماعيل أن يبنيا البيت ثم لم يدريا اين مكانه حتى بعث الله ريحا يقال له الخجوج لها جناحان ورأس في صورة حية فكنست لهما ما حول الكعبة عن أساس البيت الأول واتبعاها بالمعاول يحفران حتى وضعا الأساس وذلك حين يقول تعالى ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ﴾ فلما بلغا القواعد بنيا الركن قال إبراهيم لإسماعيل يا بنى اطلب لي الحجر الأسود من الهند وكان ابيض ياقوتة بيضاء مثل النعامة وكان آدم هبط به من الجنة فاسود من خطايا الناس فجاءه إسماعيل بحجر فوجده عند الركن. فقال يا أبتي من جاءك بهذا قال جاء به من هو انشط منك فبنيا وهما يدعوان الله ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وذكر ابن أبى حاتم أنه بناه من خمسة اجبل وأن ذا القرنين وكان ملك الأرض إذ ذاك مر بهما وهما يبنيانه فقال من أمركما بهذا فقال إبراهيم الله أمرنا به فقال وما يدريني بما تقول فشهدت خمسة اكبش انه أمره بذلك فآمن وصدق * وذكر الأزرقي أنه طاف مع الخليل بالبيت وقد كانت على بناء الخليل مدة طويلة ثم بعد ذلك بنتها قريش فقصرت بها عن قواعد إبراهيم من جهة الشمال مما يلي الشام على ما هي عليه اليوم *
وفي الصحيحين من حديث مالك عن ابن شهاب عن سالم أن عبد الله بن محمد بن أبى بكر أخبر بن عمر عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال ألم ترى الى قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم فقلت يا رسول
стр. 166
الله الا تردها على قواعد إبراهيم فقال لولا حدثان قومك وفي رواية لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية أو قال بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله ولجعلت بابها بالأرض ولأدخلت فيها الحجر * وقد بناها ابن الزبير ﵀ في أيامه على ما أشار اليه رسول الله ﷺ حسبما أخبرته خالته عائشة أم المؤمنين عنه فلما قتله الحجاج في سنة ثلاث وسبعين كتب الى عبد الملك بن مروان الخليفة إذ ذاك فاعتقدوا ان ابن الزبير انما صنع ذلك من تلقاء نفسه فامر بردها الى ما كانت عليه فنقضوا الحائط الشامي وأخرجوا منها الحجر ثم سدوا الحائط وردموا الأحجار في جوف الكعبة فارتفع بابها الشرقي وسدوا الغربي بالكلية كما هو مشاهد الى اليوم ثم لما بلغهم أن ابن الزبير انما فعل هذا لما أخبرته عائشة أم المؤمنين ندموا على ما فعلوا وتأسفوا أن لو كانوا تركوه وما تولى من ذلك * ثم لما كان في زمن المهدي بن المنصور استشار الامام مالك بن أنس في ردها على الصفة التي بناها ابن الزبير فقال له إني أخشى أن يتخذها الملوك لعبة يعنى كلما جاء ملك بناها على الصفة التي يريد فاستقر الأمر على ما هي عليه اليوم
ذكر ثناء الله ورسوله الكريم على عبده وخليله إبراهيم
قال الله ﴿وَإِذِ اِبْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قالَ إِنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إِماماً. قالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾. لما وفي ما أمره ربه به من التكاليف العظيمة جعله للناس اماما يقتدون به ويأتمون بهداه وسأل الله أن تكون هذه الإمامة متصلة بسببه وباقية في نسبه وخالدة في عقبه فأجيب الى ما سأل ورام. وسلمت اليه الإمامة بزمام واستثنى من نيلها الظالمون واختص بها من ذريته العلماء العاملون كما قال تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ. وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ. وَآتَيْناهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ﴾ * وقال تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنا وَنُوحاً هَدَيْنا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى وَإِلْياسَ كُلٌّ مِنَ الصّالِحِينَ * وَإِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكلاًّ فَضَّلْنا عَلَى الْعالَمِينَ * وَمِنْ آبائِهِمْ وَذُرِّيّاتِهِمْ وَإِخْوانِهِمْ وَاِجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فالضمير في قوله ومن ذريته عائد على إبراهيم على المشهور.
ولوط وان كان ابن أخيه الا أنه دخل في الذرية تغليبا. وهذا هو الحامل للقائل الآخر ان الضمير على نوح كما قدمنا في قصته والله أعلم. وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ﴾
стр. 167
الآية. فكل كتاب أنزل من السماء على نبي من الأنبياء بعد إبراهيم الخليل فمن ذريته وشيعته. وهذه خلعة سنية لا تضاهي ومرتبة عليه لا تباهي. وذلك أنه ولد له لصلبه ولدان ذكران عظيمان إسماعيل من هاجر ثم إسحاق من سارة وولد لهذا يعقوب وهو إسرائيل الّذي ينتسب اليه سائر أسباطهم فكانت فيهم النبوة وكثروا جدا بحيث لا يعلم عددهم الا الّذي بعثهم واختصهم بالرسالة والنبوة حتى ختموا بعيسى ابن مريم من بنى إسرائيل وأما إسماعيل ﵇ فكانت منه العرب على اختلاف قبائلها كما سنبينه فيما بعد ان شاء الله تعالى ولم يوجد من سلالته من الأنبياء سوى خاتمهم على الإطلاق وسيدهم وفخر بنى آدم في الدنيا والآخرة محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي المكيّ ثم المدني صلوات الله وسلامه عليه فلم يوجد من هذا الفرع الشريف والغصن المنيف سوى هذه الجوهرة الباهرة والدرة الزاهرة وواسطة العقد الفاخرة وهو السيد الّذي يفتخر به أهل الجمع ويغبطه الأولون والآخرون يوم القيامة. وقد ثبت عنه في صحيح مسلم كما سنورده أنه قال (سأقوم مقاما يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم) فمدح إبراهيم آباءه مدحة عظيمة في هذا السياق. ودل كلامه على أنه أفضل الخلائق بعده عند الخلاق في هذه الحياة الدنيا ويوم يكشف عن ساق *
وقال البخاري حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن منصور عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ يعوذ الحسن والحسين ويقول أن أباكما كان يعوذ بهما إسماعيل وإسحاق. أعوذ بكلمات الله التامة. من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة. ورواه أهل السنن من حديث منصور به وقال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اِجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ اُدْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً. وَاِعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ذكر المفسرون لهذا السؤال أسبابا بسطاناها في التفسير. وقررناها بأتم تقرير * والحاصل أن الله أجابه الى ما سأل فأمره أن يعمد الى أربعة من الطيور واختلفوا في تعينها على أقوال والمقصود حاصل على كل تقدير فأمره أن يمزق لحومهن وريشهن ويخلط ذلك بعضه في بعض ثم يقسمه قسما ويجعل على كل جبل منهن جزأ ففعل ما أمر به ثم أمر أن يدعوهن باذن ربهن فلما دعاهن جعل كل عضو يطير الى صاحبه وكل ريشة تأتى الى أختها حتى اجتمع بدن كل طائر على ما كان عليه وهو ينظر الى قدرة الّذي يقول للشيء كن فيكون فأتين اليه سعيا ليكون أبين له وأوضح لمشاهدته من أن يأتين طيرانا * ويقال إنه أمر أن يأخذ رءوسهن في يده فجعل كل طائر يأتى فيلقى رأسه فيتركب على جثته كما كان فلا إله الا الله وقد كان إبراهيم ﵇ يعلم قدرة الله تعالى على احياء الموتى علما يقينيا لا يحتمل النقيض ولكن أحب أن يشاهد ذلك عيانا ويترقى من علم اليقين الى عين اليقين فأجابه الله الى سؤاله وأعطاه غاية مأموله * وقال تعالى ﴿يا أَهْلَ الْكِتابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْراهِيمَ وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ﴾
стр. 168
وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ * ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ. فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ * ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ ينكر تعالى على أهل الكتاب من اليهود والنصارى في دعوى كل من الفريقين كون الخليل على ملتهم وطريقتهم فبرأه الله منهم وبين كثرة جهلهم وقلة عقلهم في قوله ﴿وَما أُنْزِلَتِ التَّوْراةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلاّ مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي فكيف يكون على دينكم وأنتم انما شرع لكم ما شرع بعده بمدد متطاولة ولهذا قال ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الى أن قال ﴿ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
فبين أنه كان على دين الله الحنيف وهو القصد الى الإخلاص والانحراف وعمدا عن الباطل الى الحق الّذي هو مخالف لليهودية والنصرانية والمشركية كما قال تعالى ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْراهِيمَ إِلاّ مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اِصْطَفَيْناهُ فِي الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾.
﴿* وَوَصّى بِها إِبْراهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يا بَنِيَّ إِنَّ اللهَ اِصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي. قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَها ما كَسَبَتْ وَلَكُمْ ما كَسَبْتُمْ وَلا تُسْئَلُونَ عَمّا كانُوا يَعْمَلُونَ * وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ * فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اِهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ * قُلْ أَتُحَاجُّونَنا فِي اللهِ وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ * أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾. فنزه الله خليله ﵇ عن أن يكون يهوديا أو نصرانيا وبين أنه انما كان حنيفا مسلما ولم يكن من المشركين ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اِتَّبَعُوهُ﴾ يعنى الذين كانوا على ملته من اتباعه في زمانه ومن تمسك بدينه من بعدهم ﴿وَهذَا النَّبِيُّ﴾ يعنى محمدا ﷺ فان الله شرع له الدين الحنيف الّذي شرعه للخليل وكمله الله تعالى له وأعطاه ما لم يعط نبيا ولا رسولا قبله كما قال تعالى ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ * لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِراً لِأَنْعُمِهِ اِجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَإِنَّهُ﴾
стр. 169
فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اِتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام عن معمر عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت ورأى إبراهيم وإسماعيل بأيديهما الأزلام فقال قاتلهم الله والله إن يستقسما بالأزلام قط (١) لم يخرجه مسلم * وفي بعض ألفاظ البخاري قاتلهم الله لقد علموا أن شيخنا لم يستقسم بها قط. فقوله (أمة) أي قدوة إماما مهتديا داعيا الى الخير يقتدى به فيه ﴿قانِتاً لِلّهِ﴾ أي خاشعا له في جميع حالاته وحركاته وسكناته ﴿حَنِيفاً﴾ أي مخلصا على بصيرة ﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شاكِراً لِأَنْعُمِهِ﴾ أي قائما بشكر ربه بجميع جوارحه من قلبه ولسانه وأعماله ﴿اِجْتَباهُ﴾ أي اختاره الله لنفسه واصطفاه لرسالته واتخذه خليلا وجمع له بين خيرى الدنيا والآخرة وقال تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاِتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاِتَّخَذَ اللهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً﴾ يرغب تعالى في اتباع إبراهيم ﵇ لأنه كان على الدين القويم والصراط المستقيم وقد قام بجميع ما أمره به ربه ومدحه تعالى بذلك فقال ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ ولهذا اتخذه الله خليلا والخلة هي غاية المحبة كما قال بعضهم
قد تخللت مسلك الروح منى … وبذا سمى الخليل خليلا
وهكذا نال هذه المنزلة خاتم الأنبياء وسيد الرسل محمد صلوات الله وسلامه عليه كما ثبت
في الصحيحين وغيرهما من حديث جندب البجلي وعبد الله بن عمرو وابن مسعود عن رسول الله ﷺ أنه قال أيها الناس إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا. وقال أيضا في آخر خطبة خطبها أيها الناس لو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صاحبكم خليل الله. أخرجاه من حديث أبى سعيد وثبت أيضا من حديث عبد الله بن الزبير وابن عباس وابن مسعود. وروى البخاري في صحيحه حدثنا سليمان بن حرب حدثنا شعبة عن حبيب بن أبى ثابت عن سعيد بن جبير عن عمرو بن ميمون قال إن معاذا لما قدم اليمن صلّى بهم الصبح فقرأ واتخذ الله إبراهيم خليلا. فقال رجل من القوم لقد قرت عين أم إبراهيم * وقال ابن مردويه حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم حدثنا إسماعيل بن أحمد ابن أسيد حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني بمكة حدثنا عبد الله الحنفي حدثنا زمعة بن صالح عن سلمة ابن وهرام عن عكرمة عن ابن عباس قال جلس ناس من أصحاب رسول الله ﷺ ينتظرونه فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم يتذاكرون فسمع حديثهم وإذا بعضهم يقول عجب أن الله اتخذ من خلقه خليلا فإبراهيم خليله * وقال آخر ماذا بأعجب من أن الله كلم موسى تكليما. وقال آخر فعيسى روح الله وكلمته.
وقال آخر آدم اصطفاه الله. فخرج عليهم فسلم وقال قد سمعت كلامكم وعجبكم أن إبراهيم خليل الله وهو
стр. 170
كذلك وموسى كليمه وهو كذلك وعيسى روحه وكلمته وهو كذلك وآدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا وإني حبيب الله ولا فخر ألا وإني أول شافع وأول مشفع ولا فخر وأنا أول من يحرك حلقة باب الجنة فيفتحه الله فيدخلنيها ومعى فقراء المؤمنين وأنا أكرم الأولين والآخرين يوم القيامة ولا فخر * هذا حديث غريب من هذا الوجه وله شواهد من وجوه أخر والله أعلم * وروى الحاكم في مستدركه من حديث قتادة عن عكرمة عن ابن عباس قال أتنكرون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا محمود بن خالد المسلمي حدثنا الوليد عن إسحاق بن بشار قال لما اتخذ الله إبراهيم خليلا القى في قلبه الوجل حتى أن كان خفقان قلبه ليسمع من بعد كما يسمع خفقان الطير في الهواء وقال عبيد بن عمير كان إبراهيم ﵇ يضيف الناس فخرج يوما يلتمس إنسانا يضيفه فلم يجد أحدا يضيفه فرجع الى داره فوجد فيها رجلا قائما فقال يا عبد الله ما أدخلك داري بغير إذني قال دخلتها بأذن ربها * قال ومن أنت قال أنا ملك الموت أرسلنى ربى الى عبد من عباده أبشره بان الله قد اتخذه خليلا قال من هو فو الله إن أخبرتنى به ثم كان باقي البلاد لآتينه ثم لا أبرح له جارا حتى يفرق بيننا الموت قال ذلك العبد أنت قال أنا قال نعم قال فبم اتخذني ربى خليلا قال بأنك تعطى الناس ولا تسألهم. رواه ابن أبى حاتم * وقد ذكره الله تعالى في القرآن كثيرا في غير ما موضع بالثناء عليه والمدح له فقيل إنه مذكور في خمسة وثلاثين موضعا منها خمسة عشر في البقرة وحدها وهو أحد أولى العزم الخمسة المنصوص على أسمائهم تخصيصا من بين سائر الأنبياء في آيتي الأحزاب والشورى وهما قوله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى اِبْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً﴾ وقوله ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ الآية. ثم هو أشرف أولى العزم بعد محمد ﷺ وهو الّذي وجده ﵇ في السماء السابعة مسندا ظهره بالبيت المعمور الّذي يدخله كل يوم سبعون الفا من الملائكة ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم. وما وقع في حديث شريك ابن أبى نمير عن انس في حديث الاسراء من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة فمما انتقد على شريك في هذا الحديث والصحيح الأول *
وقال احمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول ﷺ إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن.
تفرد به احمد.
ثم مما يدل على أن إبراهيم أفضل من موسى
الحديث الّذي قال فيه (وأخرت الثالثة ليوم يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم) رواه مسلم من حديث أبى بن كعب ﵁. وهذا هو المقام المحمود
стр. 171
الّذي
أخبر عنه صلوات الله وسلامه عليه بقوله (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) ثم ذكر استشفاع الناس بآدم ثم بنوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى فكلهم يحيد عنها حتى يأتوا محمدا ﷺ فيقول (أنا لها أنا لها) الحديث. وهكذا رواه البخاري في مواضع أخر ومسلم والنسائي من طريق عن يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمرى به *
قال البخاري حدثنا على بن عبد الله حدثنا يحيى بن سعيد حدثنا عبد الله حدثني سعيد عن أبيه عن أبى هريرة قال قيل يا رسول الله من أكرم الناس قال أتقاهم. قالوا ليس عن هذا نسألك قال فيوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله بن خليل الله. قالوا ليس عن هذا نسألك قال فعن معادن العرب تسألونى خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا * ثم قال البخاري قال أبو أسامة ومعتمر عن عبيد الله عن سعيد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قلت وقد أسنده في موضع آخر من حديثهما وحديث عبدة ابن سليمان والنسائي من حديث محمد بن بشر اربعتهم عن عبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبى هريرة عن النبي ﷺ
وقال أحمد حدثنا محمد بن بشر حدثنا محمد بن عمرو حدثنا أبو سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم خليل الله. تفرد به احمد *
وقال البخاري حدثنا عبدة حدثنا عبد الصمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم. تفرد به من طريق عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار عن أبيه عن ابن عمر به * فاما الحديث الّذي
رواه الامام أحمد حدثنا يحيى عن سفيان حدثني مغيرة بن النعمان عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس عن النبي ﷺ «يحشر الناس حفاة عراة غرلا فأول من يكسى إبراهيم ﵇» ثم قرأ ﴿كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ فأخرجاه في الصحيحين من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج كلاهما عن مغيرة بن النعمان النخعي الكوفي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به. وهذه الفضيلة المعينة لا تقتضي الأفضلية بالنسبة الى ما قابلها مما ثبت لصاحب المقام المحمود الّذي يغبطه به الأولون والآخرون * وأما الحديث الآخر الّذي
قال الإمام أحمد حدثنا وكيع وأبو نعيم حدثنا سفيان هو الثوري عن مختار بن فلفل عن انس بن مالك قال قال رجل للنّبيّ ﷺ يا خير البرية فقال ذاك إبراهيم فقد رواه مسلم من حديث الثوري وعبد الله بن إدريس وعلى بن مسهر ومحمد بن فضيل اربعتهم عن المختار بن فلفل * وقال الترمذي حسن صحيح * وهذا من باب الهضم والتواضع مع والده الخليل ﵇ كما قال لا تفضلوني على الأنبياء وقال لا تفضلوني على موسى فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدرى افاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور * وهذا كله لا ينافي في ما ثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه من أنه سيد ولد آدم يوم القيامة وكذلك
стр. 172
حديث أبى بن كعب في صحيح مسلم وأخرت الثالثة ليوم يرغب الى الخلق كلهم حتى إبراهيم. ولما كان إبراهيم ﵇ أفضل الرسل وأولى العزم بعد محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أمر المصلى أن يقول في تشهده ما ثبت
في الصحيحين من حديث كعب بن عجرة وغيره قال قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك «قال قولوا اللهمّ صلّى على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد» وقال تعالى ﴿وَإِبْراهِيمَ الَّذِي وَفّى﴾ قالوا وفي جميع ما أمر به وقام بجميع خصال الايمان وشعبه وكان لا يشغله مراعاة الأمر الجليل عن القيام بمصلحة الأمر القليل ولا ينسيه القيام بأعباء المصالح الكبار عن الصغار. قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد. في الرأس قص الشارب والمضمضة والسواك والاستنشاق وفرق الرأس وفي الجسد تقليم الأظفار وحلق العانة والختان ونتف الابط وغسل أثر الغائط والبول بالماء. رواه ابن أبى حاتم * وقال وروى عن سعيد بن المسيب ومجاهد والشعبي والنخعي وأبى صالح وأبى الجلد نحو ذلك قلت
وفي الصحيحين عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال الفطرة خمس الختان والاستحداد وقص الشارب وتقليم الأظفار ونتف الابط *
وفي صحيح مسلم وأهل السنن من حديث وكيع عن زكريا بن أبى زائدة عن مصعب بن شيبة العبدري المكيّ الحجبي عن طلق بن حبيب العترى عن عبد الله بن الزبير عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ عشر من الفطرة قص الشارب واعفاء اللحية والسواك واستنشاق الماء وقص الأظفار وغسل البراجم ونتف الابط وحلق العانة وانتقاص الماء يعنى الاستنجاء وسيأتي في ذكر مقدار عمره الكلام على الختان * والمقصود أنه ﵊ كان لا يشغله القيام بالإخلاص لله وخشوع العبادة العظيمة عن مراعاة مصلحة بدنه وإعطاء كل عضو ما يستحقه من الإصلاح والتحسين وإزالة ما يشين من زيادة شعر أو ظفر أو وجود قلح أو وسخ فهذا من جملة قوله تعالى في حقه من المدح العظيم وإبراهيم الّذي وفى *
ذكر قصره في الجنة
قال الحافظ أبو بكر البزار حدثنا احمد بن سنان القطان الواسطي ومحمد بن موسى القطان قالا حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حماد بن سلمة عن سماك عن عكرمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن في الجنة قصرا احسبه قال من لؤلؤة ليس فيه فصم ولا وهي أعده الله لخليله إبراهيم ﵇ نزلا.
قال البزار وحدثناه احمد بن جميل المروزي حدثنا النضر بن شميل حدثنا حماد بن سلمة عن سماك عن
стр. 173
عكرمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه ثم قال وهذا الحديث لا نعلم رواه عن حماد بن سلمة فأسنده الا يزيد بن هارون والنضر بن شميل وغيرهما يرويه موقوفا قلت لولا هذه العلة لكان على شرط الصحيح ولم يخرجوه *
ذكر صفة إبراهيم ﵇
قال الامام احمد حدثنا يونس وحجين قالا حدثنا الليث عن أبى الزبير عن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال عرض عليّ الأنبياء فإذا موسى ضرب من الرجال كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى ابن مريم فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة بن مسعود ورأيت إبراهيم فإذا أقرب من رأيت به شبها دحية. تفرد به الامام احمد من هذا الوجه وبهذا اللفظ *
وقال أحمد حدثنا اسود بن عامر حدثنا إسرائيل عن عثمان يعنى ابن المغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ رأيت عيسى ابن مريم وموسى وإبراهيم فأما عيسى فاحمر جعد عريض الصدر - وأما موسى فآدم جسيم. قالوا له فإبراهيم قال انظروا الى صاحبكم يعنى نفسه *
وقال البخاري حدثنا بنان بن عمرو حدثنا النضر أنبأنا ابن عون عن مجاهد أنه سمع ابن عباس وذكروا له الدجال بين عينيه كافرا و (ك ف ر) فقال لم أسمعه ولكنه قال ﷺ أما إبراهيم فانظروا الى صاحبكم وأما موسى فجعد آدم على جمل احمر مخطوم بخلبة كأني انظر اليه انحدر في الوادي. ورواه البخاري أيضا ومسلم عن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدي عن عبد الله بن عون به * وهكذا رواه البخاري أيضا في كتاب الحج وفي اللباس ومسلم جميعا عن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدي عن عبد الله بن عون به
ذكر وفاة إبراهيم الخليل وما قيل في عمره
ذكر ابن جرير في تاريخه أن مولده كان في زمن النمرود بن كنعان وهو فيما قيل الضحاك الملك المشهور الّذي يقال إنه ملك ألف سنة وكان في غاية الغشم والظلم * وذكر بعضهم أنه من بنى راسب الذين بعث اليهم نوح ﵇ وأنه كان إذ ذاك ملك الدنيا. وذكروا أنه طلع نجم أخفى ضوء الشمس والقمر فهال ذلك أهل ذلك الزمان وفزع النمرود. فجمع الكهنة والمنجمين وسألهم عن ذلك فقالوا يولد مولود في رعيتك يكون زوال ملكك على يديه. فامر عند ذلك بمنع الرجال عن النساء وأن يقتل المولودون من ذلك الحين فكان مولد إبراهيم الخليل في ذلك الحين فحماه الله وصانه من كيد الفجار وشب شبابا باهرا وأنبته الله نباتا حسنا حتى كان من أمره ما تقدم وكان مولده بالسوس وقيل ببابل وقيل بالسواد من ناحية كوثى (١) وتقدم عن ابن عباس أنه ولد ببرزة شرقى دمشق فلما
стр. 174
أهلك الله نمرود على يديه وهاجر الى حران ثم الى أرض الشام وأقام ببلاد إيليا كما ذكرنا وولد له إسماعيل وإسحاق وماتت سارة قبله بقرية حبرون التي في أرض كنعان ولها من العمر مائة وسبع وعشرون سنة فيما ذكر أهل الكتاب فحزن عليها إبراهيم ﵇ ورثاها رحمها الله واشترى من رجل من بنى حيث يقال له عفرون بن صخر مغارة بأربع مائة مثقال ودفن فيها سارة لك قالوا ثم خطب إبراهيم على ابنه إسحاق فزوجه رفقا بنت بتوئيل بن ناحور بن تارح وبعث مولاه فحملها من بلادها ومعها مرضعتها وجوارها على الإبل قالوا ثم تزوج إبراهيم ﵇ قنطورا فولدت له زمران ويقشان ومادان ومدين وشياق وشوح. وذكروا ما ولد كل واحد من هؤلاء أولاد قنطورا. وقد روى ابن عساكر عن غير واحد من السلف عن أخبار أهل الكتاب في صفة مجيء ملك الموت الى إبراهيم ﵇ أخبارا كثيرة الله أعلم بصحتها * وقد قيل إنه مات فجأة وكذا داود وسليمان والّذي ذكره أهل الكتاب وغيرهم خلاف ذلك. قالوا ثم مرض إبراهيم ﵇ ومات عن مائة وخمس وسبعين * وقيل وتسعين سنة ودفن في المغارة المذكورة التي كانت بحبرون الحيثى عند امرأته سارة التي في مزرعة عفرون الحيثى وتولى دفنه إسماعيل وإسحاق صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين * وقد ورد ما يدل أنه عاش مائتي سنة كما قاله ابن الكلبي
وقال أبو حاتم بن حبان في صحيحه أنبأنا المفضل بن محمد الجندي بمكة حدثنا على بن زياد اللخمي حدثنا أبو قرة عن ابن جريج عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة أن النبي ﷺ قال اختتن إبراهيم بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وقد رواه الحافظ بن عساكر من طريق عكرمة بن إبراهيم وجعفر بن عون العمرى عن يحيى ابن سعيد عن سعيد عن أبى هريرة موقوفا * ثم
قال ابن حبان ذكر الخبر المدحض قول من زعم أن رفع هذا الخبر وهم أخبرنا محمد بن عبد الله بن الجنيد نيست (١) حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الليث عن ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال اختتن إبراهيم حين بلغ مائة وعشرين سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة واختتن بقدوم. وقد رواه الحافظ ابن عساكر من طريق يحيى بن سعيد عن ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ وقد أتت
стр. 175
عليه ثمانون سنة. ثم روى ابن حبان عن عبد الرزاق أنه قال القدوم اسم القرية. قلت الّذي في الصحيح أنه اختتن وقد أتت عليه ثمانون سنة * وفي رواية وهو ابن ثمانين سنة وليس فيهما تعرض لما عاش بعد ذلك والله أعلم * وقال محمد بن إسماعيل الحسانى الواسطي زاد في تفسير وكيع عنه فيما ذكره من الزيادات حدثنا أبو معاوية عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال كان إبراهيم أول من تسرول وأول من فرق وأول من استحد وأول من اختتن بالقدوم وهو ابن عشرين ومائة سنة وعاش بعد ذلك ثمانين سنة وأول من قرى الضيف وأول من شاب هكذا رواه موقوفا وهو أشبه بالمرفوع خلافا لابن حبان والله أعلم * وقال مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال كان إبراهيم أول من أضاف الضيف وأول الناس اختتن وأول الناس قص شاربه وأول الناس رأى الشيب فقال يا رب ما هذا فقال الله «وقار» فقال يا رب زدني وقارا وزاد غيرهما وأول من قص شاربه وأول من استحد وأول من لبس السراويل * فقبره وقبر ولده إسحاق وقبر ولد ولده يعقوب في المربعة التي بناها سليمان بن داود ﵇ ببلد حبرون وهو البلد المعروف بالخليل اليوم وهذا تلقى بالتواتر أمة بعد أمة وجيل بعد جيل من زمن بنى إسرائيل والى زماننا هذا أن قبره بالمربعة تحقيقا. فاما تعيينه منها فليس فيه خبر صحيح عن معصوم فينبغي أن تراعى تلك المحلة وأن تحترم احترام مثلها وأن تبجل وأن تجل أن يداس في أرجائها خشية أن يكون قبر الخليل أو أحد من أولاده الأنبياء ﵈ تحتها * وروى ابن عساكر بسنده الى وهب بن منبه قال وجد عند قبر إبراهيم الخليل على حجر كتابة خلقة *
ألهى جهولا أمله … يموت من جا أجله
ومن دنا من حتفه … لم تغن عنه حيله
وكيف يبقى آخر … من مات عنه أوله
والمرء لا يصحبه … في القبر إلا عمله
ذكر أولاد إبراهيم الخليل
أول من ولد له إسماعيل من هاجر القبطية المصرية ثم ولد له إسحاق من سارة بنت عم الخليل ثم تزوج بعدها قنطورا بنت يقطن الكنعانية فولدت له ستة مدين وزمران وسرج ويقشان ونشق ولم يسم السادس ثم تزوج بعدها حجون بنت أمين فولدت له خمسة كيسان وسورج وأميم ولوطان ونافس * هكذا ذكره أبو القاسم السهيليّ في كتابه التعريف والأعلام.
قصة قوم لوط
ومما وقع في حياة إبراهيم الخليل من الأمور العظيمة قصة قوم لوط ﵇ وما حل بهم من النقمة
стр. 176
العميمة وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخى إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الّذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل ﵉ بامره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة اليها ولها أهل من افجر الناس واكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم اليها أحد من بنى آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط الى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الّذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الأعراف ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾.
﴿* وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وقال تعالى في سورة هود ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ * وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ * يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ. وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ * وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً. وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ. قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ * قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ وقال تعالى في سورة الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ﴾
ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ وقال في سورة الانشقاق ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ * وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا ﵇ لما دعاهم الى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى ما ذكر الله عنهم من الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعوا عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الإخراج وما حملهم على مقالتهم هذه الا العناد واللجاج فطهره الله وأهله الا امرأته وأخرجهم منها أحسن إخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج وما كان هذا جوابهم الا لما نهاهم عن الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم اليها أحد من أهل الدنيا * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرفيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه حتى قيل انهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته واجابه الى طلبته وبعث رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ﴾
стр. 179
عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) وقال ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ * قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ وقال الله تعالى ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا. ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ * يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به من لا يرد أمره ولا يرد بأسه ولا معقب لحكمه وإنهم آتيهم عذاب غير مردود.
وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق أن إبراهيم ﵇ جعل يقول * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن إسحاق الى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا) ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها﴾ الآية وعند أهل الكتاب أنه قال يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل الى عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى وقال ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا ﵇ وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب * قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة انهم وردوا عليه وهو في ارض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق امامهم وجعل يعرّض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم فيما قال يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره اربع مرات قال وكانوا قد أمروا ان لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك * وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فاتت أباها
стр. 180
فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون اليه. وقوله ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾. أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم الى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم. وهذا كقوله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ * وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ وهذا هو الّذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن انس وقتادة والسدي ومحمد ابن إسحاق وهو الصواب. والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا اثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ نهى لهم عن تعاطى ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء. فجرة أقوياء. كفرة أغبياء. وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعو منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد. مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يا لوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم. ذي العذاب الأليم. ولهذا قال ﵇ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب * وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا (نحن أحق بالشك من إبراهيم ويرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن ابى هريرة *
وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال رحمة الله على لوط لقد كان يأوى الى ركن شديد يعنى الله فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه. وقال تعالى ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيئاتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرضون. ولم يعلموا ما حم