← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

العميمة وذلك أن لوطا بن هاران بن تارح وهو آزر كما تقدم ولوط ابن أخى إبراهيم الخليل فإبراهيم وهاران وناحور اخوة كما قدمنا ويقال إن هاران هذا هو الّذي بنى حران * وهذا ضعيف لمخالفته ما بأيدي أهل الكتاب والله أعلم * وكان لوط قد نزح عن محلة عمه الخليل ﵉ بامره له وأذنه فنزل بمدينة سدوم من أرض غور زغر وكان أم تلك المحلة ولها أرض ومعتملات وقرى مضافة اليها ولها أهل من افجر الناس واكفرهم واسوأهم طوية وأرداهم سريرة وسيرة يقطعون السبيل ويأتون في ناديهم المنكر ولا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ابتدعوا فاحشة لم يسبقهم اليها أحد من بنى آدم وهي إتيان الذكران من العالمين وترك ما خلق الله من النسوان لعباده الصالحين فدعاهم لوط الى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى هذه المحرمات والفواحش المنكرات والأفاعيل المستقبحات فتمادوا على ضلالهم وطغيانهم واستمروا على فجورهم وكفرانهم فأحل الله بهم من البأس الّذي لا يرد ما لم يكن في خلدهم وحسبانهم وجعلهم مثلة في العالمين وعبرة يتعظ بها الألباء من العالمين ولهذا ذكر الله تعالى قصتهم في غير ما موضع من كتابه المبين فقال تعالى في سورة الأعراف ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾. ﴿* وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ﴾ وقال تعالى في سورة هود ﴿وَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ * فَلَمّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ * وَاِمْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ * قالَتْ يا وَيْلَتى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ * قالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللهِ رَحْمَتُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ * فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ * يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ. وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ * وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً. وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ * وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ. وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ. قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ * قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ * قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ * قالُوا يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ * فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ وقال تعالى في سورة الحجر ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً قالَ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ * قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا نُبَشِّرُكَ﴾

стр. 177

بِغُلامٍ عَلِيمٍ * قالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ * قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ * قالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلاَّ الضّالُّونَ * قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ. ﴿* إِلاّ آلَ لُوطٍ إِنّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ * فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ * قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ * وَأَتَيْناكَ بِالْحَقِّ وَإِنّا لَصادِقُونَ * فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاِتَّبِعْ أَدْبارَهُمْ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَاُمْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ * وَقَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ * وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ﴾. ﴿* وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾. ﴿* إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى في سورة الشعراء ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ﴾. ﴿* وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ * قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ * قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ * رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمّا يَعْمَلُونَ * فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى في سورة النمل ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّساءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلاّ اِمْرَأَتَهُ قَدَّرْناها مِنَ الْغابِرِينَ * وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾. وقال تعالى في سورة العنكبوت ﴿وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ * أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ * فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلاّ أَنْ قالُوا اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ رَبِّ اُنْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ * إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ * قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ * وَلَمّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ * إِنّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ * وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى في سورة الصافات ﴿وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ * إِلاّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ * ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ * وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى في الذاريات بعد قصة

стр. 178

ضيف إبراهيم وبشارتهم إياه بغلام عليم ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ * فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ وقال في سورة الانشقاق ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ بِالنُّذُرِ * إِنّا أَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ حاصِباً إِلاّ آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهُمْ بِسَحَرٍ * نِعْمَةً مِنْ عِنْدِنا كَذلِكَ نَجْزِي مَنْ شَكَرَ * وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ * وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ * فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ * وقد تكلمنا على هذه القصص في أماكنها من هذه السورة في التفسير * وقد ذكر الله لوطا وقومه في مواضع أخر من القرآن تقدم ذكرها مع قوم نوح وعاد وثمود * والمقصود الآن إيراد ما كان من أمرهم وما أحل الله بهم مجموعا من الآيات والآثار وبالله المستعان * وذلك أن لوطا ﵇ لما دعاهم الى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى ما ذكر الله عنهم من الفواحش فلم يستجيبوا له ولم يؤمنوا به حتى ولا رجل واحد منهم ولم يتركوا ما عنه نهوا بل استمروا على حالهم ولم يرتدعوا عن غيهم وضلالهم وهموا بإخراج رسولهم من بين ظهرانيهم وما كان حاصل جوابهم عن خطابهم إذ كانوا لا يعقلون ﴿إِلاّ أَنْ قالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ﴾ فجعلوا غاية المدح ذما يقتضي الإخراج وما حملهم على مقالتهم هذه الا العناد واللجاج فطهره الله وأهله الا امرأته وأخرجهم منها أحسن إخراج وتركهم في محلتهم خالدين لكن بعد ما صيرها عليهم بحرة منتنة ذات أمواج لكنها عليهم في الحقيقة نار تأجج وحر يتوهج وماؤها ملح أجاج وما كان هذا جوابهم الا لما نهاهم عن الطامة العظمى والفاحشة الكبرى التي لم يسبقهم اليها أحد من أهل الدنيا * ولهذا صاروا مثلة فيها وعبرة لمن عليها وكانوا مع ذلك يقطعون الطريق ويخونون الرفيق ويأتون في ناديهم وهو مجتمعهم ومحل حديثهم وسمرهم المنكر من الأقوال والأفعال على اختلاف أصنافه حتى قيل انهم كانوا يتضارطون في مجالسهم ولا يستحيون من مجالسهم وربما وقع منهم الفعلة العظيمة في المحافل ولا يستنكفون ولا يرعوون لوعظ واعظ ولا نصيحة من عاقل وكانوا في ذلك وغيره كالأنعام بل أضل سبيلا ولم يقلعوا عما كانوا عليه في الحاضر ولا ندموا على ما سلف من الماضي ولا راموا في المستقبل تحويلا فأخذهم الله أخذا وبيلا وقالوا له فيما قالوا ﴿اِئْتِنا بِعَذابِ اللهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ فطلبوا منه وقوع ما حذرهم عنه من العذاب الأليم وحلول البأس العظيم فعند ذلك دعا عليهم نبيهم الكريم فسأل من رب العالمين وإله المرسلين أن ينصره على القوم المفسدين فغار الله لغيرته وغضب لغضبته واستجاب لدعوته واجابه الى طلبته وبعث رسله الكرام وملائكته العظام فمروا على الخليل إبراهيم وبشروه بالغلام العليم وأخبروه بما جاءوا له من الأمر الجسيم والخطب العميم ﴿قالَ فَما خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ * قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * لِنُرْسِلَ﴾

стр. 179

عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ طِينٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ) وقال ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ * قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ﴾ وقال الله تعالى ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إِبْراهِيمَ الرَّوْعُ وَجاءَتْهُ الْبُشْرى يُجادِلُنا فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾. وذلك إنه كان يرجو أن ينيبوا ويسلموا ويقلعوا ويرجعوا. ولهذا قال تعالى ﴿إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوّاهٌ مُنِيبٌ * يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أي أعرض عن هذا وتكلم في غيره فإنه قد حتم أمرهم ووجب عذابهم وتدميرهم وهلاكهم إنه قد جاء أمر ربك أي قد أمر به من لا يرد أمره ولا يرد بأسه ولا معقب لحكمه وإنهم آتيهم عذاب غير مردود. وذكر سعيد بن جبير والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق أن إبراهيم ﵇ جعل يقول * (أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن قالوا لا قال فمائتا مؤمن قالوا لا قال فأربعون مؤمنا قالوا لا قال فأربعة عشر مؤمنا قالوا لا) قال ابن إسحاق الى أن قال (أفرأيتم إن كان فيها مؤمن واحد قالوا لا) ﴿قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها﴾ الآية وعند أهل الكتاب أنه قال يا رب أتهلكهم وفيهم خمسون رجلا صالحا فقال الله لا أهلكهم وفيهم خمسون صالحا ثم تنازل الى عشرة فقال الله (لا أهلكهم وفيهم عشرة صالحون) قال الله تعالى وقال ﴿وَلَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ قال المفسرون لما فصلت الملائكة من عند إبراهيم وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل أقبلوا حتى أتوا أرض سدوم في صور شبان حسان اختبارا من الله تعالى لقوم لوط وإقامة للحجة عليهم فاستضافوا لوطا ﵇ وذلك عند غروب الشمس فخشي إن لم يضفهم يضيفهم غيره وحسبهم بشرا من الناس وسيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب * قال ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق شديد بلاؤه وذلك لما يعلم من مدافعته الليلة عنهم كما كان يصنع بهم في غيرهم وكانوا قد اشترطوا عليه أن لا يضيف أحدا ولكن رأى من لا يمكن المحيد عنه * وذكر قتادة انهم وردوا عليه وهو في ارض له يعمل فيها فتضيفوا فاستحيى منهم وانطلق امامهم وجعل يعرّض لهم في الكلام لعلهم ينصرفون عن هذه القرية وينزلوا في غيرها فقال لهم فيما قال يا هؤلاء ما أعلم على وجه الأرض أهل بلد أخبث من هؤلاء ثم مشى قليلا ثم أعاد ذلك عليهم حتى كرره اربع مرات قال وكانوا قد أمروا ان لا يهلكوهم حتى يشهد عليهم نبيهم بذلك * وقال السدي خرجت الملائكة من عند إبراهيم نحو قوم لوط فأتوها نصف النهار فلما بلغوا نهر سدوم لقوا ابنة لوط تستقي من الماء لأهلها وكانت له ابنتان اسم الكبرى ريثا والصغرى ذعرتا فقالوا لها يا جارية هل من منزل فقالت لهم مكانكم لا تدخلوا حتى آتيكم فرقت عليهم من قومها فاتت أباها

стр. 180

فقالت يا أبتاه أرادك فتيان على باب المدينة ما رأيت وجوه قوم قط هي أحسن منهم لا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلا فجاء بهم فلم يعلم أحد إلا أهل البيت فخرجت امرأته فأخبرت قومها فقالت إن في بيت لوط رجالا ما رأيت مثل وجوههم قط فجاءه قومه يهرعون اليه. وقوله ﴿وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾. أي هذا مع ما سلف لهم من الذنوب العظيمة الكبيرة الكثيرة ﴿قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ يرشدهم الى غشيان نسائهم وهن بناته شرعا لأن النبي للأمة بمنزلة الوالد كما ورد في الحديث وكما قال تعالى ﴿النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ وفي قول بعض الصحابة والسلف وهو أب لهم. وهذا كقوله ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ * وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ﴾ وهذا هو الّذي نص عليه مجاهد وسعيد بن جبير والربيع بن انس وقتادة والسدي ومحمد ابن إسحاق وهو الصواب. والقول الآخر خطأ مأخوذ من أهل الكتاب وقد تصحف عليهم كما أخطأوا في قولهم إن الملائكة كانوا اثنين وانهم تعشوا عنده وقد خبط أهل الكتاب في هذه القصة تخبيطا عظيما وقوله ﴿فَاتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ نهى لهم عن تعاطى ما لا يليق من الفاحشة وشهادة عليهم بأنه ليس فيهم رجل له مسكة ولا فيه خير بل الجميع سفهاء. فجرة أقوياء. كفرة أغبياء. وكان هذا من جملة ما أراد الملائكة أن يسمعو منه من قبل أن يسألوه عنه. فقال قومه عليهم لعنة الله الحميد المجيد. مجيبين لنبيهم فيما أمرهم به من الأمر السديد ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يقولون عليهم لعائن الله لقد علمت يا لوط إنه لا أرب لنا في نسائنا وانك لتعلم مرادنا وغرضنا. واجهوا بهذا الكلام القبيح رسولهم الكريم ولم يخافوا سطوة العظيم. ذي العذاب الأليم. ولهذا قال ﵇ ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ ود أن لو كان له بهم قوة أو له منعة وعشيرة ينصرونه عليهم ليحل بهم ما يستحقونه من العذاب على هذا الخطاب * وقد قال الزهري عن سعيد بن المسيب وأبى سلمة عن أبى هريرة مرفوعا (نحن أحق بالشك من إبراهيم ويرحم الله لوطا لقد كان يأوى إلى ركن شديد ولو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) ورواه أبو الزناد عن الأعرج عن ابى هريرة * وقال محمد بن عمرو بن علقمة عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال رحمة الله على لوط لقد كان يأوى الى ركن شديد يعنى الله فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه. وقال تعالى ﴿وَجاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ * قالَ إِنَّ هؤُلاءِ ضَيْفِي فَلا تَفْضَحُونِ * وَاِتَّقُوا اللهَ وَلا تُخْزُونِ * قالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعالَمِينَ * قالَ هؤُلاءِ بَناتِي إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ فأمرهم بقربان نسائهم وحذرهم الاستمرار على طريقتهم وسيئاتهم هذا وهم في ذلك لا ينتهون ولا يرعوون بل كلما لهم يبالغون في تحصيل هؤلاء الضيفان ويحرضون. ولم يعلموا ما حم

стр. 181

به القدر مما هم اليه صائرون. وصبيحة ليلتهم اليه منقلبون (١) ولهذا قال تعالى مقسما بحياة نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَنْذَرَهُمْ بَطْشَتَنا فَتَمارَوْا بِالنُّذُرِ﴾. ﴿* وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ ذكر المفسرون وغيرهم أن نبي الله لوطا ﵇ جعل يمانع قومه الدخول ويدافعهم والباب مغلق وهم يرومون فتحه ولوجه وهو يعظهم وينهاهم من وراء الباب وكل ما لهم في الجاج والعاج فلما ضاق الأمر وعسر الحال قال * لو أن لي بكم قوة أو آوى الى ركن شديد لأحللت بكم النكال * قالت الملائكة ﴿يا لُوطُ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ وذكروا أن جبريل ﵇ خرج عليهم فضرب وجوههم خفقة بطرف جناحه فطمست أعينهم حتى قيل إنها غارت بالكلية ولم يبق لها محل ولا عين ولا أثر فرجعوا يتجسسون مع الحيطان. ويتوعدون رسول الرحمن. ويقولون إذا كان الغد كان لنا وله شان قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ راوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذابِي وَنُذُرِ * وَلَقَدْ صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذابٌ مُسْتَقِرٌّ﴾ فذلك أن الملائكة تقدمت الى لوط ﵈ آمرين له بان يسرى هو وأهله من آخر الليل ولا يلتفت منكم أحد يعنى عند سماع صوت العذاب إذا حل بقومه وأمروه أن يكون سيره في آخرهم كالساقة لهم * وقوله ﴿إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ﴾ على قراءة النصب يحتمل أن يكون مستثنى من قوله فأسر بأهلك كأنه يقول الا امرأتك فلا تسر بها. ويحتمل أن يكون من قوله ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك أي فإنها ستلتفت فيصيبها ما أصابهم. ويقوى هذا الاحتمال قراءة الرفع ولكن الأول أظهر في المعنى والله أعلم * قال السهيليّ واسم امرأة لوط والهة واسم امرأة نوح والغة. وقالوا له مبشرين بهلاك هؤلاء البغاة العتاة الملعونين النظراء والأشباه الذين جعلهم الله سلفا لكل خائن مريب ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ فلما خرج لوط ﵇ بأهله وهم ابنتاه ولم يتبعه منهم رجل واحد ويقال إن امرأته خرجت معه فالله أعلم. فلما خلصوا من بلادهم وطلعت الشمس فكان عند شروقها جاءهم من أمر الله ما لا يرد. ومن البأس الشديد ما لا يمكن أن يصد * وعند أهل الكتاب أن الملائكة أمروه أن يصعد الى رأس الجبل الّذي هناك فاستبعده وسأل منهم أن يذهب الى قرية قريبة منهم فقالوا اذهب فانا ننتظرك حتى تصير اليها وتستقر فيها ثم نحل بهم العذاب فذكروا أنه ذهب الى قرية صغر التي يقول الناس غور زغر فلما أشرقت الشمس نزل بهم العذاب قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ * مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قالوا اقتلعهن جبريل بطرف

стр. 182

جناحه من قرارهن وكن سبع مدن بمن فيهن من الأمم فقالوا إنهم كانوا أربع مائة نسمة. وقيل أربعة آلاف نسمة وما معهم من الحيوانات وما يتبع تلك المدن من الأراضي والأماكن والمعتملات فرفع الجميع حتى بلغ بهن عنان السماء حتى سمعت الملائكة أصوات ديكتهم ونباح كلابهم ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها قال مجاهد فكان أول ما سقط منها شرفاتها ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ والسجيل فارسي معرب وهو الشديد الصلب القوى (منضود) أي يتبع بعضها بعضا في نزولها عليهم من السماء (مسومة) أي معلمة مكتوب على كل حجر اسم صاحبه الّذي يهبط عليه فيدمغه كما قال ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ﴾ وكما قال تعالى ﴿وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى * فَغَشّاها ما غَشّى﴾ يعنى قلبها فأهوى بها منكسة عاليها سافلها وغشاها بمطر من حجارة من سجيل متتابعة مرقومة على كل حجر اسم صاحبه الّذي سقط عليه من الحاضرين منهم في بلدهم والغائبين عنها من المسافرين والنازحين والشاذين منها * ويقال إن امرأة لوط مكثت مع قومها ويقال إنها خرجت مع زوجها وبنتيها ولكنها لما سمعت الصيحة وسقوط البلدة والتفتت الى قومها وخالفت أمر ربها قديما وحديثا وقالت وا قوماه فسقط عليها حجر فدمغها وألحقها بقومها إذ كانت على دينهم وكانت عينا لهم على من يكون عند لوط من الضيفان كما قال تعالى ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا اِمْرَأَتَ نُوحٍ وَاِمْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللهِ شَيْئاً وَقِيلَ اُدْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ أي خانتاهما في الدين فلم يتبعاهما فيه. وليس المراد أنهما كانتا على فاحشة حاشا وكلا ولما. فان الله لا يقدر على نبي أن تبغي امرأته كما قال ابن عباس وغيره من أئمة السلف والخلف ما بغت امرأة نبي قط * ومن قال خلاف هذا فقد اخطأ خطأ كبيرا. قال الله تعالى في قصة الإفك لما انزل براءة أم المؤمنين عائشة بنت الصديق زوج رسول الله ﷺ حين قال لها أهل الافك ما قالوا فعاتب الله المؤمنين وأنب وزجر ووعظ وحذر وقال فيما قال ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ * وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ﴾. أي سبحانك أن تكون زوجة نبيك بهذه المثابة * وقوله هاهنا ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ أي وما هذه العقوبة ببعيدة ممن أشبههم في فعلهم. ولهذا ذهب من ذهب من العلماء إلى أن اللائط يرجم سواء كان محصنا أو لا نص عليه الشافعيّ وأحمد بن حنبل وطائفة كثيرة من الأئمة واحتجوا أيضا بما رواه الامام أحمد وأهل السنن من حديث عمرو بن أبى عمرو عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال (من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به) وذهب أبو حنيفة الى أن اللائط يلقى من شاهق جبل ويتبع بالحجارة كما فعل بقوم لوط لقوله تعالى ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾. وجعل الله مكان تلك البلاد بحرة منتنة لا ينتفع بمائها

стр. 183

ولا بما حولها من الأراضي المتاخمة لفنائها لرداءتها ودناءتها فصارت عبرة ومثلة وعظة وآية على قدرة الله تعالى وعظمته وعزته في انتقامه ممن خالف أمره وكذب رسله واتبع هواه وعصى مولاه. ودليلا على رحمته بعباده المؤمنين في انجائه إياهم من المهلكات. وإخراجه إياهم من النور الى الظلمات كما قال تعالى ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ وقال تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ * وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي من نظر بعين الفراسة والتوسم فيهم كيف غير الله تلك البلاد وأهلها وكيف جعلها بعد ما كانت آهلة عامرة. هالكة غامرة. كما روى الترمذي وغيره مرفوعا (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله) ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ وقوله ﴿وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ أي لبطريق مهيع مسلوك الى الآن كما قال ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ وقال تعالى ﴿فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ﴾ أي تركناها عبرة وعظة لمن خاف عذاب الآخرة وخشي الرحمن بالغيب وخاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فانزجر عن محارم الله وترك معاصيه وخاف أن يشابه قوم لوط (ومن تشبه بقوم فهو منهم) وإن لم يكن من كل وجه فمن بعض الوجوه كما قال بعضهم فان لم تكونوا قوم لوط بعينهم فما قوم لوط منكم ببعيد فالعاقل اللبيب الخائف من ربه الفاهم يمتثل ما أمره الله به ويقبل ما أرشده اليه رسول الله من إتيان ما خلق له من الزوجات الحلال. والجواري من السراري ذوات الجمال. وإياه أن يتبع كل شيطان مريد. فيحق عليه الوعيد. ويدخل في قوله تعالى ﴿وَما هِيَ مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ قصة مدين قوم شعيب ﵇ قال الله تعالى في سورة الأعراف بعد قصة قوم لوط ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ. وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ * وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ * قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا﴾

стр. 184

فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً. ﴿عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ * وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ * فَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾. وقال في سورة هود بعد قصة قوم لوط أيضا. ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ * وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾. ﴿* قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ * قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾. ﴿* وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ * وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ * قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ * قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ * وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ * وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ * كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وقال في الحجر بعد قصة قوم لوط أيضا. ﴿وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ * فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ﴾ وقال تعالى في الشعراء بعد قصتهم. ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ * إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ * فَاتَّقُوا اللهَ وَأَطِيعُونِ * وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ * أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَاِتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ * قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ * فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ * وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ كان أهل مدين قوما عربا يسكنون مدينتهم مدين التي هي قرية من أرض معان من أطراف الشام مما يلي ناحية الحجاز قريبا من بحيرة قوم لوط. وكانوا بعدهم بمدة قريبة. ومدين قبيلة عرفت بهم القبيلة

стр. 185

وهم من بنى مدين بن مديان بن إبراهيم الخليل وشعيب نبيهم هو ابن ميكيل (١) بن يشجن (٢) ذكره ابن إسحاق قال ويقال له بالسريانية بنزون (٣) وفي هذا نظر ويقال شعيب بن يشخر بن لاوى بن يعقوب ويقال شعيب بن نويب بن عيفا (٤) بن مدين بن إبراهيم ويقال شعيب بن ضيفور بن عيفا (٥) بن ثابت بن مدين بن إبراهيم وقيل غير ذلك في نسبه. قال ابن عساكر ويقال جدته ويقال أمه بنت لوط وكان ممن آمن بإبراهيم وهاجر معه ودخل معه دمشق وعن وهب ابن منبه أنه قال شعيب وملغم ممن آمن بإبراهيم (٦) يوم أحرق بالنار وهاجرا معه الى الشام فزوجهما بنتي لوط ﵇. ذكره ابن قتيبة * وفي هذا كله نظر أيضا والله أعلم. وذكر أبو عمر بن عبد البر في الإستيعاب في ترجمة سلمة بن سعد العنزي قدم على رسول الله ﷺ فأسلم وانتسب الى عنزة فقال نعم الحي عنزة مبغي عليهم منصورون قوم شعيب وأختان (٧) موسى فلو صح هذا لدل على أن شعيبا من موسى وأنه من قبيلة من العرب العاربة يقال لهم عنزة لا أنهم من عنزة ابن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فان هؤلاء بعده بدهر طويل والله أعلم. وفي حديث أبى ذر الّذي في صحيح ابن حبان في ذكر الأنبياء والرسل قال (أربعة من العرب هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر) وكان بعض السلف يسمى شعيبا خطيب الأنبياء يعنى لفصاحته وعلو عبارته وبلاغته في دعاية قومه الى الايمان برسالته * وقد روى ابن إسحاق بن بشر عن جويبر ومقاتل عن الضحاك عن ابن عباس قال كان رسول الله ﷺ إذا ذكر شعيبا قال (ذاك خطيب الأنبياء) وكان أهل مدين كفارا يقطعون السبيل ويخيفون المارة ويعبدون الأيكة وهي شجرة من الأيك حولها غيضة ملتفة بها وكانوا من أسوإ الناس معاملة يبخسون المكيال والميزان ويطففون فيهما يأخذون بالزائد ويدفعون بالناقص فبعث الله فيهم رجلا منهم وهو رسول الله شعيب ﵇ فدعاهم الى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن تعاطى هذه الأفاعيل القبيحة من بخس الناس أشياءهم وإخافتهم لهم في سبلهم وطرقاتهم فآمن به بعضهم وكفر أكثرهم حتى أحل الله بهم البأس الشديد. وهو الولي الحميد. كما قال تعالى ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً. قالَ يا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أي دلالة وحجة واضحة وبرهان قاطع على صدق ما جئتكم به وانه أرسلنى وهو ما أجرى الله على يديه من المعجزات التي لم تنقل إلينا تفصيلا وان كان هذا اللفظ قد دل عليها إجمالا

стр. 186

﴿فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ (وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها﴾ أمرهم بالعدل ونهاهم عن الظلم وتوعدهم على خلاف ذلك فقال ﴿ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ أي طريق (توعدون) أي تتوعدون الناس بأخذ أموالهم من مكوس وغير ذلك وتخيفون السبل * قال السدي في تفسيره عن الصحابة ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ تُوعِدُونَ﴾ أنهم كانوا يأخذون العشور من أموال المارة * وقال إسحاق بن بشر عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال كانوا قوما طغاة بغاة يجلسون على الطريق (يبخسون الناس) يعنى يعشرونهم وكانوا أول من سن ذلك ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَها عِوَجاً﴾ فنهاهم عن قطع الطريق الحسية الدنيوية والمعنوية الدينية ﴿وَاُذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ وَاُنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ذكرهم بنعمة الله تعالى عليهم في تكثيرهم بعد القلة وحذرهم نقمة الله بهم إن خالفوا ما أرشدهم اليه ودلهم عليه كما قال لهم في القصة الأخرى ﴿وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي لا تركبوا ما أنتم عليه وتستمروا فيه فيمحق الله بركة ما في أيديكم ويفقركم ويذهب ما به يغنيكم وهذا مضاف إلى عذاب الآخرة ومن جمع له هذا وهذا فقد باء بالصفقة الخاسرة فنهاهم أولا عن تعاطى ما لا يليق من التطفيف وحذرهم سلب نعمة الله عليهم في دنياهم وعذابه الأليم في أخراهم وعنفهم أشد تعنيف. ثم قال لهم آمرا بعد ما كان عن ضده زاجرا ﴿وَيا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ قال ابن عباس والحسن البصري ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي رزق الله خير لكم من أخذ أموال الناس * وقال ابن جرير ما فضل لكم من الربح بعد وفاء الكيل والميزان خير لكم من أخذ أموال الناس بالتطفيف. قال وقد روى هذا عن ابن عباس وهذا الّذي قاله وحكاه حسن وهو شبيه بقوله تعالى ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ يعنى ان القليل من الحلال خير لكم من الكثير من الحرام فان الحلال مبارك وان قل والحرام ممحوق وان كثر كما قال تعالى ﴿يَمْحَقُ اللهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾ وقال رسول الله ﷺ (ان الربا وان كثر فان مصيره الى قل) رواه أحمد أي الى قلة وقال رسول الله ﷺ البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فان صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما * والمقصود أن الربح الحلال مبارك فيه وان قل والحرام لا يجدي وان كثر ولهذا قال نبي الله شعيب ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقوله ﴿وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ أي افعلوا ما آمركم به ابتغاء وجه الله ورجاء ثوابه لا لأراكم انا وغيري ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ يقولون هذا على سبيل الاستهزاء والتنقص والتهكم أصلوتك هذه التي تصليها هي الآمرة لك بأن تحجر علينا فلا نعبد الا إلهك

стр. 187

ونترك ما يعبد آباؤنا الأقدمون وأسلافنا الأولون أو أن لا نتعامل الا على الوجه الّذي ترتضيه أنت ونترك المعاملات التي تأباها وان كنا نحن نرضاها ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ قال ابن عباس وميمون ابن مهران وابن جريج وزيد بن أسلم وابن جرير يقولون ذلك أعداء الله على سبيل الاستهزاء ﴿قالَ يا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ وَما تَوْفِيقِي إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ هذا تلطف معهم في العبارة ودعوة لهم الى الحق بابين اشارة يقول لهم أرأيتم أيها المكذبون ﴿إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي﴾ أي على أمر بين من الله تعالى أنه أرسلنى إليكم ﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ يعنى النبوة والرسالة يعنى وعمى عليكم معرفتها فأى حيلة لي بكم. وهذا كما تقدم عن نوح ﵇ أنه قال لقومه سواء وقوله ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ أي لست آمركم بالأمر الا وأنا أول فاعل له وإذا نهيتكم عن الشيء فانا أول من يتركه وهذه هي الصفة المحمودة العظيمة وضدها هي المردودة الذميمة كما تلبس بها علماء بنى إسرائيل في آخر زمانهم وخطباؤهم الجاهلون * قال الله تعالى ﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ وذكر عندها في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال يؤتى بالرجل فيلقى في النار فتندلق اقتاب بطنه أي تخرج أمعاؤه من بطنه فيدور بها كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار فيقولون يا فلان ما لك ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر فيقول بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه * وهذه صفة مخالفي الأنبياء من الفجار والأشقياء فاما السادة من النجباء والألباء من العلماء الذين يخشون ربهم بالغيب فحالهم كما قال نبي الله شعيب ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الْإِصْلاحَ مَا اِسْتَطَعْتُ﴾ أي ما أريد في جميع أمرى إلا الإصلاح في الفعال والمقال بجهدي وطاقتي ﴿وَما تَوْفِيقِي﴾ أي في جميع أحوالى ﴿إِلاّ بِاللهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ أي عليه أتوكل في سائر الأمور واليه مرجعي ومصيري في كل أمرى وهذا مقام ترغيب. ثم انتقل الى نوع من الترهيب فقال ﴿وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ أي لا تحملنكم مخالفتي وبغضكم ما جئتكم به على الاستمرار على ضلالكم وجهلكم ومخالفتكم فيحل الله بكم من العذاب والنكال نظير ما أحله بنظرائكم وأشباهكم من قوم نوح وقوم هود وقوم صالح من المكذبين المخالفين. وقوله ﴿وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ قيل معناه في الزمان أي ما بالعهد من قدم مما قد بلغكم ما أحل بهم على كفرهم وعتوهم * وقيل معناه وما هم منكم ببعيد في المحلة والمكان. وقيل في الصفات والأفعال المستقبحات من قطع الطريق وأخذ أموال الناس جهرة وخفية بأنواع الحيل والشبهات. والجمع بين هذه الأقوال ممكن فإنهم لم يكونوا بعيدين منهم لا زمانا ولا مكانا ولا صفات ثم مزج الترهيب بالترغيب فقال ﴿وَاِسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا﴾

стр. 188

إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) أي أقلعوا عما أنتم فيه وتوبوا إلى ربكم الرحيم الودود فإنه من تاب اليه تاب عليه فإنه رحيم بعباده أرحم بهم من الوالدة بولدها ودود وهو الحبيب ولو بعد التوبة على عبده ولو من الموبقات العظام ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً﴾ روى عن ابن عباس وسعيد ابن جبير والثوري انهم قالوا كان ضرير البصر * وقد روى في حديث مرفوع أنه بكى من حب الله حتى عمى فرد الله عليه بصره. وقال يا شعيب أتبكي خوفا من النار أو من شوقك الى الجنة فقال بل من محبتك فإذا نظرت إليك فلا أبالى ماذا يصنع بى فأوحى الله اليه هنيئا لك يا شعيب لقانى فلذلك أخدمتك موسى ابن عمران كليمي * رواه الواحدي عن أبى الفتح محمد بن على الكوفي عن على بن الحسن بن بندار عن أبى عبد الله محمد بن إسحاق التربلى (١) عن هشام بن عمار عن إسماعيل بن عباس عن يحيى بن سعيد عن شداد بن أمين عن النبي ﷺ بنحوه وهو غريب جدا وقد ضعفه الخطيب البغدادي * وقولهم ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ وهذا من كفرهم البليغ وعنادهم الشنيع حيث قالوا ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ﴾ أي ما نفهمه ولا نتعقله لأنا لا نحبه ولا نريده وليس لنا همة اليه ولا إقبال عليه وهو كما قال كفار قريش لرسول الله ﷺ ﴿وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ﴾ وقولهم ﴿وَإِنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً﴾ أي مضطهدا مهجورا ﴿وَلَوْلا رَهْطُكَ﴾ أي قبيلتك وعشيرتك فينا ﴿لَرَجَمْناكَ وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ * قالَ يا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللهِ﴾ أي تخافون قبيلتي وعشيرتي وترعونى بسببهم ولا تخافون جنبة الله ولا تراعونى لانى رسول الله فصار رهطي أعز عليكم من الله ﴿وَاِتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ أي جانب الله وراء ظهوركم ﴿إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي هو عليم بما تعملونه وما تصنعونه محيط بذلك كله وسيجزيكم عليه يوم ترجعون اليه ﴿وَيا قَوْمِ اِعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ وهذا أمر تهديد شديد ووعيدا كيد بان يستمروا على طريقتهم ومنهجهم وشاكلتهم فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار. ومن يحل عليه الهلاك والبوار ﴿مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أي في هذه الحياة الدنيا ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ أي في الأخرى ﴿وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ﴾ اى منى ومنكم فيما أخبر وبشر وحذر ﴿وَاِرْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾ وهذا كقوله ﴿وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتّى يَحْكُمَ اللهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اِسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ * قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا اِفْتَحْ﴾

стр. 189

﴿بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ طلبوا بزعمهم أن يردوا من آمن منهم الى ملتهم فانتصب شعيب للمحلجة عن قومه فقال ﴿أَوَلَوْ كُنّا كارِهِينَ﴾ أي هؤلاء لا يعودون إليكم اختيارا وانما يعودون اليه إن عادوا اضطرارا مكرهين وذلك لان الايمان إذا خالطته بشاشة القلوب لا يسخطه أحد ولا يرتد أحد عنه ولا محيد لأحد منه. ولهذا قال ﴿قَدِ اِفْتَرَيْنا عَلَى اللهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجّانَا اللهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا﴾ أي فهو كافينا وهو العاصم لنا واليه ملجاؤنا في جميع أمرنا ثم استفتح على قوله واستنصر ربه عليه في تعجيل ما يستحقونه اليهم فقال ﴿رَبَّنَا اِفْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ﴾ أي الحاكمين) فدعا عليهم والله لا يرد دعاء رسله إذا استنصروه على الذين جحدوه وكفروه وبرسوله خالفوه. ومع هذا صمموا على ما هم عليه مشتملون. وبه متلبسون ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ قال الله تعالى. ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ذكر في سورة الأعراف أنهم أخذتهم رجفة أي رجفت بهم أرضهم وزلزلت زلزالا شديدا أزهقت أرواحهم من أجسادها وصيرت حيوانات أرضهم كجمادها وأصبحت جثثهم جاثية لا أرواح فيها ولا حركات بها ولا حواس لها * وقد جمع الله عليهم أنواعا من العقوبات وصنوفا من المثلات وأشكالا من البليات وذلك لما اتصفوا به من قبيح الصفات سلط الله عليهم رجفة شديدة أسكنت الحركات وصيحة عظيمة أخمدت الأصوات وظلة أرسل عليهم منها شرر النار من سائر أرجائها والجهات. ولكنه تعالى أخبر عنهم في كل سورة بما يناسب سياقها ويوافق طباقها في سباق قصة الأعراف ارجفوا نبي الله وأصحابه وتوعدوهم بالإخراج من قريتهم أو ليعودن في ملتهم راجعين فقال تعالى ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ فقابل الارجفاف بالرجفة والاخافة بالخيفة وهذا مناسب لهذا السياق ومتعلق بما تقدمه من السباق * وأما في سورة هود فذكر أنهم أخذتهم ﴿الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ وذلك لأنهم قالوا لنبي الله على سبيل التهكم والاستهزاء والتنقص ﴿أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ فناسب أن يذكر الصيحة التي هي كالزجر عن تعاطى هذا الكلام القبيح الّذي واجهوا به هذا الرسول الكريم الأمين الفصيح فجاءتهم صيحة أسكتتهم مع رجفة أسكنتهم. وأما في سورة الشعراء فذكر أنه أخذهم عذاب يوم الظلة. وكان ذلك إجابة لما طلبوا. وتقريبا الى ما اليه رغبوا. فإنهم قالوا ﴿إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ * وَما أَنْتَ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ * فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ * قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ﴾ قال الله تعالى وهو السميع العليم ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ومن زعم من المفسرين كقتادة وغيره أن أصحاب الأيكة أمة أخرى غير أهل مدين فقوله ضعيف وإنما

стр. 190

عمدتهم شيئان أحدهما أنه قال ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ ولم يقل أخوهم كما قال والى مدين أخاهم شعيبا. والثاني أنه ذكر عذابهم بيوم الظلة وذكر في أولئك الرجفة أو الصيحة والجواب عن الأول أنه لم يذكر الإخوة بعد قوله ﴿كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ لانه وصفهم بعبادة الأيكة فلا يناسب ذكر الإخوة هاهنا ولما نسبهم الى القبيلة شاع ذكر شعيب بأنه أخوهم * وهذا الفرق من النفائس اللطيفة العزيزة الشريفة * وأما احتجاجهم بيوم الظلة فان كان دليلا بمجرده على أن هؤلاء أمة أخرى فليكن تعداد الانتقام بالرجفة والصيحة دليلا على انهما أمتان أخريان وهذا لا يقوله أحد يفهم شيئا من هذا الشأن * فأما الحديث الّذي أورده الحافظ ابن عساكر في ترجمة النبي شعيب ﵇ من طريق محمد بن عثمان بن أبى شيبة عن أبيه عن معاوية بن هشام عن هشام بن سعد عن شفيق بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف عن عبد الله ابن عمرو مرفوعا (إن مدين وأصحاب الأيكة أمتان بعث الله اليهما شعيبا النبي ﵇ فإنه حديث غريب وفي رجاله من تكلم فيه * والأشبه أنه من كلام عبد الله بن عمرو مما أصابه يوم اليرموك من تلك الزاملتين من أخبار بنى إسرائيل والله أعلم * ثم قد ذكر الله عن أهل الايكة من المذمة ما ذكره عن أهل مدين من التطفيف في المكيال والميزان فدل على أنهم أمة واحدة اهلكوا بأنواع من العذاب * وذكر في كل موضع ما يناسب من الخطاب. وقوله ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ذكروا أنهم أصابهم حر شديد وأسكن الله هبوب الهوا عنهم سبعة أيام فكان لا ينفعهم مع ذلك ماء ولا ظل ولا دخولهم في الأسراب فهربوا من محلتهم الى البرية فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها ليستظلوا بظلها فلما تكاملوا فيه أرسلها الله ترميهم بشرر وشهب ورجفت بهم الأرض وجاءتهم صيحة من السماء فازهقت الأرواح وخربت الأشباح ﴿فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾. ونجى الله شعيبا ومن معه من المؤمنين) كما قال تعالى وهو أصدق القائلين ﴿وَلَمّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْباً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾. ﴿* كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا بُعْداً لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾. وقال تعالى ﴿وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ * الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ الْخاسِرِينَ﴾ وهذا في مقابلة قولهم ﴿لَئِنِ اِتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ ثم ذكر تعالى عن نبيهم أنه نعاهم الى أنفسهم موبخا ومؤنبا ومقرعا فقال تعالى ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى عَلى قَوْمٍ كافِرِينَ﴾ أي أعرض عنهم موليا عن محلتهم بعد هلكتهم قائلا ﴿يا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ﴾ أي قد أديت ما كان واجبا عليّ من البلاغ التام والنصح الكامل وحرصت على هدايتكم بكل ما أقدر عليه وأتوصل اليه فلم

стр. 191

ينفعكم ذلك لأن الله لا يهدى من يضل وما لهم من ناصرين فلست أتأسف بعد هذا عليكم لأنكم لم تكونوا تقبلون النصيحة ولا تخافون يوم الفضيحة ولهذا قال فكيف آسى أي أحزن على قوم كافرين أي لا تقبلون الحق ولا ترجعون اليه ولا تلتفون اليه فحل بهم من بأس الله الّذي لا يرد ما لا يدافع ولا يمانع ولا محيد لأحد أريد به عنه ولا مناص منه * وقد ذكر الحافظ بن عساكر في تاريخه عن ابن عباس أن شعيبا ﵇ كان بعد يوسف ﵇. وعن وهب بن منبه أن شعيبا ﵇ مات بمكة ومن معه من المؤمنين وقبورهم غربي الكعبة بين دار الندوة ودار بنى سهم باب ذكر ذرية إبراهيم عليه الصلاة والتسليم قد قدمنا قصته مع قومه وما كان من أمرهم وما آل اليه أمره ﵇ والتحية والإكرام وذكرنا ما وقع في زمانه من قصة قوم لوط. وأتبعنا ذلك بقصة مدين قوم شعيب ﵇ لأنها قرينتها في كتاب الله في مواضع متعددة فذكر تعالى بعد قصة قوم لوط قصة مدين وهم أصحاب الأيكة على الصحيح كما قدمنا فذكرناها تبعا لها اقتداء بالقرآن العظيم * ثم نشرع الآن في الكلام على تفصيل ذرية إبراهيم ﵇ لأن الله جعل في ذريته النبوة والكتاب فكل نبي أرسل بعده فمن ولده * ذكر إسماعيل ﵇ وقد كان للخليل بنون كما ذكرنا ولكن اشهرهم الأخوان النبيان العظيمان الرسولان أسنهما وأجلهما الّذي هو الذبيح على الصحيح إسماعيل بكر إبراهيم الخليل من هاجر القبطية المصرية ﵍ من العظيم الجليل * ومن قال إن الذبيح هو إسحاق فإنما تلقاه من نقلة بنى إسرائيل الذين بدلوا وحرفوا وأولوا التوراة والإنجيل وخالفوا ما بأيديهم في هذا من التنزيل * فان إبراهيم أمر بذبح ولده البكر * وفي رواية الوحيد وأياما كان فهو إسماعيل بنص الدليل ففي نص كتابهم إن إسماعيل ولد ولإبراهيم من العمر ست وثمانون سنة * وإنما ولد إسحاق بعد مضى مائة سنة من عمر الخليل فإسماعيل هو البكر لا محالة وهو الوحيد صورة ومعنى على كل حالة * أما في الصورة فلأنه كان وحده ولده أزيد من ثلاثة عشر سنة وأما أنه وحيد في المعنى فإنه هو الّذي هاجر به أبوه ومعه أمه هاجر وكان صغيرا رضيعا فيما قيل فوضعهما في وهاد جبال فاران وهي الجبال التي حول مكة نعم المقيل وتركهما هنا لك ليس معهما من الزاد والماء الا القليل وذلك ثقة بالله وتوكلا عليه. فحاطهما الله تعالى بعنايته وكفايته فنعم الحسيب والكافي والوكيل

стр. 192

والكفيل فهذا هو الولد الوحيد في الصورة والمعنى ولكن أين من يتفطن لهذا السر وأين من يحل بهذا المحل والمعنى لا يدركه ويحيط بعلمه الا كل نبيه نبيل * وقد أثنى الله تعالى عليه ووصفه بالحلم والصبر وصدق الوعد والمحافظة على الصلاة والأمر بها لأهله ليقيهم العذاب مع ما كان يدعو اليه من عبادة رب الأرباب * قال تعالى ﴿فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ * فَلَمّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى. قالَ يا أَبَتِ اِفْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّابِرِينَ﴾ فطاوع أباه على ما اليه دعاه. ووعده بان سيصبر فوفى بذلك وصبر على ذلك. وقال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَكانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ وقال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ * إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ * وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ * وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وقال تعالى ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ الآية. وقال تعالى ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ الآية. ونظيرتها من السورة الأخرى. وقال تعالى ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطَ كانُوا هُوداً أَوْ نَصارى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللهُ﴾ الآية فذكر الله عنه كل صفة جميلة وجعله نبيه ورسوله وبرأه من كل ما نسب اليه الجاهلون. وأمر بأن يؤمن بما أنزل عليه عباده المؤمنون. وذكر علماء النسب وأيام الناس أنه أول من ركب الخيل وكانت قبل ذلك وحوشا فآنسها وركبها. وقد قال سعيد بن يحيى الأموي في مغازيه حدثنا شيخ من قريش حدثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ قال (اتخذوا الخيل واعتبقوها فإنها مراث أبيكم إسماعيل) وكانت هذه العراب وحشا فدعا لها بدعوته التي كان أعطى فأجابته وإنه أول من تكلم بالعربية الفصيحة البليغة وكان قد تعلمها من العرب العاربة الذين نزلوا عندهم بمكة من جرهم والعماليق وأهل اليمن من الأمم المتقدمين من العرب قبل الخليل. قال الأموي حدثني على بن المغيرة حدثنا أبو عبيدة حدثنا مسمع بن مالك عن محمد بن على ابن الحسين عن آبائه عن النبي ﷺ أنه قال «أول من فتق لسانه بالعربية البينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة» فقال له يونس صدقت يا أبا سيار هكذا أبو جرى حدثني. وقد قدمنا أنه تزوج لما شب من العماليق امرأة وأن أباه أمره بفراقها ففارقها * قال الأموي هي عمارة بنت سعد بن أسامة بن أكيل العماليقى * ثم نكح غيرها فأمره أن يستمر بها فاستمر بها وهي السيدة بنت مضاض بن عمرو الجرهميّ

стр. 193

وقيل هذه ثالثة فولدت له اثني عشر ولدا ذكرا. وقد سماهم محمد بن إسحاق ﵀ وهم نابت وقيذر (١) وازبل وميشى ومسمع وماش ودوصا وارر ويطور ونبش وطيما وقيذما * وهكذا ذكرهم أهل الكتاب في كتابهم. وعندهم أنهم الاثنا عشر عظيما المبشر بهم المتقدم ذكرهم. وكذبوا في تأويلهم ذلك وكان إسماعيل ﵇ رسولا الى أهل تلك الناحية وما والاها من قبائل جرهم والعماليق وأهل اليمن صلوات الله وسلامه عليه * ولما حضرته الوفاة أوصى الى أخيه إسحاق وزوج ابنته نسمة من ابن أخيه العيص بن إسحاق فولدت له الروم. ويقال لهم بنو الأصفر لصفرة كانت في العيص * وولدت له اليونان في أحد الأقوال * ومن ولد العيص الاشبان قيل منهما أيضا * وتوقف ابن جرير ﵀. ودفن إسماعيل نبي الله بالحجر مع أمه هاجر وكان عمره يوم مات مائة وسبعا وثلاثين سنة * وروى عن عمر بن عبد العزيز أنه قال شكى إسماعيل ﵇ الى ربه حر مكة فأوحى الله اليه أنى سأفتح لك بابا الى الجنة الى الموضع الّذي تدفن فيه تجرى عليك روحها الى يوم القيامة. وعرب الحجاز كلهم ينتسبون الى ولديه نابت وقيذار * وسنتكلم على أحياء العرب وبطونها وعمائرها وقبائلها وعشائرها من لدن إسماعيل ﵇ الى زمان رسول الله ﷺ * وذلك إذا انتهينا الى أيامه الشريفة وسيرته المنيفة بعد الفراغ من أخبار أنبياء بنى إسرائيل الى زمان عيسى بن مريم خاتم أنبيائهم ومحقق أنبائهم * ثم نذكر ما كان في زمن بنى إسرائيل * ثم ما وقع في أيام الجاهلية ثم ينتهى الكلام الى سيرة نبينا رسول الله الى العرب والعجم وسائر صنوف بنى آدم من الأمم إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم العزيز الحكيم ذكر إسحاق بن إبراهيم الكريم بن الكريم عليهما الصلاة والتسليم قد قدمنا أنه ولد ولأبيه مائة سنة بعد أخيه إسماعيل بأربع عشر سنة. وكان عمر أمه سارة حين بشرت به تسعين سنة قال الله تعالى ﴿وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ نَبِيًّا مِنَ الصّالِحِينَ * وَبارَكْنا عَلَيْهِ وَعَلى إِسْحاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ * وقد ذكره الله تعالى بالثناء عليه في غير ما آية من كتابه العزيز * وقدمنا في حديث أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أن الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم

стр. 194

يوسف بن يعقوب بن سحق بن إبراهيم. وذكر أهل الكتاب أن إسحاق لما تزوج رفقا بنت بتواييل في حيات أبيه كان عمره أربعين سنة وأنها كانت عاقرا فدعا الله لها فحملت فولدت غلامين توأمين أولهما سموه عيصو وهو الّذي تسميه العرب العيص وهو والد الروم * والثاني خرج وهو آخذ بعقب أخيه فسموه يعقوب وهو إسرائيل الّذي ينتسب اليه بنو إسرائيل قالوا وكان إسحاق يحب العيصو أكثر من يعقوب لانه بكرة وكانت أمهما رفقا تحب يعقوب أكثر لأنه الأصغر قالوا فلما كبر إسحاق وضعف بصره اشتهى على ابنه العيص طعاما وأمره أن يذهب فيصطاد له صيدا ويطبخه له ليبارك عليه ويدعو له وكان العيص صاحب صيد فذهب يبتغى ذلك فأمرت رفقا ابنها يعقوب أن يذبح جديين من خيار غنمه ويصنع منهما طعاما كما اشتهاه أبوه ويأتى إليه به قبل أخيه ليدعو له فقامت فألبسته ثياب أخيه وجعلت على ذراعيه وعنقه من جلد الجديين لأن العيص كان أشعر الجسد ويعقوب ليس كذلك فلما جاء به وقربه اليه قال من أنت قال ولدك فضمه اليه وجسه وجعل يقول أما الصوت فصوت يعقوب وأما الجس والثياب فالعيص فلما أكل وفرغ دعا له أن يكون أكبر إخوته قدرا وكلمته عليهم وعلى الشعوب بعده وأن يكثر رزقه وولده * فلما خرج من عنده جاء أخوه العيص بما أمره به والده فقربه اليه فقال له ما هذا يا بنى قال هذا الطعام الّذي اشتهيته فقال أما جئتني به قبل الساعة وأكلت منه ودعوت لك فقال لا والله وعرف أن أخاه قد سبقه إلى ذلك فوجد في نفسه عليه وجدا كثيرا. وذكروا أنه تواعده بالقتل إذا مات أبوهما وسأل أباه فدعا له بدعوة أخرى وأن يجعل لذريته غليظ الأرض وأن يكثر أرزاقهم وثمارهم فلما سمعت أمهما ما يتواعد به العيص أخاه يعقوب أمرت ابنها يعقوب أن يذهب إلى أخيها لا بان الّذي بأرض حران وأن يكون عنده إلى حين يسكن غضب أخيه عليه وأن يتزوج من بناته. وقالت لزوجها إسحاق أن يأمره بذلك ويوصيه ويدعو له ففعل فخرج يعقوب ﵇ من عندهم من آخر ذلك اليوم فأدركه المساء في موضع فنام فيه أخذ حجرا فوضعه تحت رأسه ونام فرأى في نومه ذلك معراجا منصوبا من السماء إلى الأرض وإذا الملائكة يصعدون فيه وينزلون والرب ﵎ يخاطبه ويقول له إني سأبارك عليك وأكثر ذريتك واجعل لك هذه الأرض ولعقبك من بعدك. فلما هب من نومه فرح بما رأى ونذر لله لئن رجع الى أهله سالما ليبنين في هذا الموضع معبد الله وأن جميع ما يرزقه من شيء يكون لله عشره ثم عمد إلى ذلك الحجر فجعل عليه دهنا يتعرفه به وسمى ذلك الموضع بيت إيل أي بيت الله وهو موضع بيت المقدس اليوم الّذي بناه يعقوب بعد ذلك كما سيأتي قالوا فلما قدم يعقوب على خاله أرض حران إذا له ابنتان اسم الكبرى ليا واسم الصغرى راحيل وكانت أحسنهما وأجملهما فأجابه الى ذلك بشرط أن يرعى على غنمه سبع سنين فلما مضت المدة على خاله لابان صنع طعاما وجمع الناس عليه وزف اليه ليلا

стр. 195

ابنته الكبرى ليا وكانت ضعيفة العينين قبيحة المنظر. فلما أصبح يعقوب إذا هي ليا فقال لخاله لم غدرت بى وأنت انما خطبت إليك راحيل فقال إنه ليس من سنتنا أن نزوج الصغرى قبل الكبرى فان أحببت أختها فاعمل سبع سنين أخرى وأزوجكها فعمل سبع سنين وأدخلها عليه مع أختها وكان ذلك سائغا في ملتهم ثم نسخ في شريعة التوراة * وهذا وحده دليل كاف على وقوع النسخ لان فعل يعقوب ﵇ دليل على جواز هذا وإباحته لأنه معصوم * ووهب لابان لكل واحدة من ابنتيه جارية فوهب لليا جارية اسمها زلفى ووهب لراحيل جارية اسمها بلهى * وجبر الله تعالى ضعف ليا بان وهب لها أولادا فكان أول من ولدت ليعقوب روبيل ثم شمعون ثم لاوى ثم يهوذا فغارت عند ذلك راحيل وكانت لا تحبل فوهبت ليعقوب جاريتها بلهى فوطئها فحملت وولدت له غلاما سمته دان وحملت وولدت غلاما آخر سمته نيفتالى فعمدت عند ذلك ليا فوهبت جاريتها زلفى من يعقوب ﵇ فولدت له جاد (١) وأشير غلامين ذكرين ثم حملت ليا أيضا فولدت غلاما خامسا منها وسمته ايساخر (٢) * ثم حملت وولدت غلاما سادسا سمته زابلون ثم حملت وولدت بنتا سمتها دينا فصار لها سبعة من يعقوب * ثم دعت الله تعالى راحيل وسألته أن يهب لها غلاما من يعقوب فسمع الله نداءها وأجاب دعائها فحملت من نبي الله يعقوب فولدت له غلاما عظيما شريفا حسنا جميلا سمته يوسف كل هذا وهم مقيمون بأرض حران (٣) وهو يرعى على خاله غنمه بعد دخوله على البنتين ست سنين أخرى فصار مدة مقامه عشرين سنة فطلب يعقوب من خاله لابان أن يسرحه ليمر إلى أهله فقال له خاله انى قد بورك لي بسببك فسلني من مالي ما شئت فقال تعطيني كل حمل يولد من غنمك هذه السنة أبقع وكل حمل ملمع أبيض بسواد وكل أملح ببياض وكل أجلح أبيض من المعز فقال نعم فعمد بنوه فابرزوا من غنم أبيهم ما كان على هذه الصفات من التيوس لئلا يولد شيء من الحملان على هذه الصفات وساروا بها مسيرة ثلاثة أيام عن غنم أبيهم قالوا فعمد يعقوب ﵇ إلى قضبان رطبة بيض من لوز وولب فكان يقشرها بلقا وينصبها في مساقى الغنم من المياه لينظر الغنم اليها فتفزع وتتحرك أولادها في بطونها فتصير ألوان حملانها كذلك وهذا يكون من باب خوارق العادات وينتظم في سلك المعجزات فصار ليعقوب ﵇ أغنام كثيرة ودواب وعبيد وتغير له وجه خاله وبنيه وكأنهم انحصروا منه وأوحى الله تعالى الى يعقوب أن يرجع الى بلاد أبيه وقومه ووعده بأن يكون معه فعرض ذلك على أهله فأجابوه مبادرين الى طاعته فتحمل بأهله وماله وسرقت راحيل أصنام أبيها فلما جاوزوا وتحيزوا عن بلادهم لحقهم لا بان وقومه فلما اجتمع لابان بيعقوب عاتبه في خروجه بغير علمه وهلا أعلمه فيخرجهم في فرح ومزاهر وطبول وحتى يودع بناته وأولادهن ولم أخذوا أصنامه معهم ولم يكن عند

стр. 196

يعقوب علم من أصنامه فأنكر أن يكون أخذوا له أصناما فدخل بيوت بناته وإمائهن يفتش فلم يجد شيئا وكانت راحيل قد جعلتهن في بردعة الحمل وهي تحتها فلم تقم واعتذرت بأنها طامث فلم يقدر عليهنّ فعند ذلك تواثقوا على رابية هناك يقال لها جلعاد على أنه لا يهبن بناته ولا يتزوج عليهنّ ولا يجاوز هذه الرابية الى بلاد الآخر لا لابان ولا يعقوب وعملا طعاما وأكل القوم معهم وتودع كل منهما من الآخر وتفارقوا راجعين الى بلادهم فلما اقترب يعقوب من أرض ساعير تلقته الملائكة يبشرونه بالقدوم وبعث يعقوب البرد الى أخيه العيصو يترفق له ويتواضع له فرجعت البرد وأخبرت يعقوب بان العيص قد ركب إليك في أربعمائة راجل فخشي يعقوب من ذلك ودعا الله وصلّى له وتضرع اليه وتمسكن لديه وناشده عهده ووعده الّذي وعده به وسأله أن يكف عنه شر أخيه العيص وأعد لأخيه هدية عظيمة وهي مائتا شاة وعشرون تيسا ومائتا نعجة وعشرون كبشا وثلاثون لقحة وأربعون بقرة وعشرة من الثيران وعشرون أتانا وعشرة من الحمر وأمر عبيده أن يسوقوا كلا من هذه الأصناف وحده وليكن بين كل قطيع وقطيع مسافة فإذا لقيهم العيص فقال للأول لمن أنت ولمن هذه معك فليقل لعبدك يعقوب أهداها لسيدي العيص وليقل الّذي بعده كذلك وكذا الّذي بعده ويقول كل منهم وهو جائى بعدنا وتأخر يعقوب بزوجتيه وأمتيه وبنيه الأحد عشر بعد الكل بليلتين وجعل يسير فيهما ليلا ويكمن نهارا فلما كان وقت الفجر من الليلة الثانية تبدى له ملك من الملائكة في صورة رجل فظنه يعقوب رجلا من الناس فأتاه يعقوب ليصارعه ويغالبه فظهر عليه يعقوب فيما يرى إلا أن الملك أصاب وركه فعرج يعقوب فلما أضاء الفجر قال له الملك ما اسمك قال يعقوب قال لا ينبغي أن تدعى بعد اليوم إلا إسرائيل فقال له يعقوب ومن أنت وما اسمك فذهب عنه فعلم أنه ملك من الملائكة وأصبح يعقوب وهو يعرج من رجله فلذلك لا يأكل بنو إسرائيل عرق النساء ورفع يعقوب عينيه فإذا أخوه عيصو قد أقبل في أربعمائة راجل فتقدم أمام أهله فلما رأى أخاه العيص سجد له سبع مرات وكانت هذه تحيتهم في ذلك الزمان وكان مشروعا لهم كما سجدت الملائكة لآدم تحية له وكما سجد أخوه يوسف وأبواه له كما سيأتي فلما رآه العيص تقدم اليه واحتضنه وقبله وبكى ورفع العيص عينيه ونظر الى النساء والصبيان فقال من أين لك هؤلاء فقال هؤلاء الذين وهب الله لعبدك فدنت الأمتان وبنوهما فسجدوا له ودنت ليا وبنوها فسجدوا له ودنت راحيل وابنها يوسف فخرّا سجدا له وعرض عليه أن يقبل هديته وألح عليه فقبلها ورجع العيص فتقدم أمامه ولحقه يعقوب بأهله وما معه من الانعام والمواشي والعبيد قاصدين جبال ساعير فلما مر بساحور ابتنى له بيتا ولدوابّه ظلالا ثم مر على أورشليم قرية شخيم فنزل قبل القرية واشترى مزرعة شخيم بن جمور بمائة نعجة فضرب هنالك فسطاطه وابتنى ثم مذبحا فسماه إيل إله إسرائيل وأمره الله ببنائه ليستعلن له فيه * وهو بيت المقدس اليوم الّذي جدده بعد ذلك سليمان بن داود عليهما

стр. 197

السلام وهو مكان الصخرة التي أعلمها بوضع الدهن عليها قبل ذلك كما ذكرنا أولا وذكر أهل الكتاب هنا قصة دينا بنت يعقوب بنت ليا وما كان من أمرها مع شخيم بن جمور الّذي قهرها على نفسها وأدخلها منزله ثم خطبها عن أبيها وإخوتها فقال إخوتها إلا أن تختتنوا كلكم فنصاهركم وتصاهرونا فانا لا نصاهر قوما غلفا فأجابوهم إلى ذلك واختتنوا كلهم فلما كان اليوم الثالث واشتد وجعهم من ألم الختان مال عليهم بنو يعقوب فقتلوهم عن آخرهم وقتلوا شخيما وأباه جمور لقبيح ما صنعوا اليهم مضافا إلى كفرهم وما كانوا يعبدونه من أصنامهم فلهذا قتلهم بنو يعقوب وأخذوا أموالهم غنيمة * ثم حملت راحيل فولدت غلاما وهو بنيامين الا أنها جهدت في طلقها به جهدا شديدا وماتت عقيبه فدفنها يعقوب في أفراث وهي بيت لحم وصنع يعقوب على قبرها حجرا وهي الحجارة المعروفة بقبر راحيل الى اليوم * وكان أولاد يعقوب الذكور اثنى عشر رجلا فمن ليا روبيل وشمعون ولاوى ويهوذا وايساخر وزايلون ومن راحيل يوسف وبنيامين ومن أمة راحيل دان ونفتالى ومن أمة ليا جاد وأشير ﵈ وجاء يعقوب إلى أبيه إسحاق فأقام عنده بقرية حبرون التي في أرض كنعان حيث كان يسكن إبراهيم ثم مرض إسحاق ومات عن مائة وثمانين سنة ودفنه ابناه العيص ويعقوب مع أبيه إبراهيم الخليل في المغارة التي اشتراها كما قدمنا ذكر ما وقع من الأمور العجيبة في حياة إسرائيل فمن ذلك قصة يوسف بن راحيل وقد أنزل الله في شأنه وما كان من أمره سورة من القرآن العظيم ليتدبر ما فيها من الحكم والمواعظ والآداب والأمر الحكيم. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الر تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ قد تكلمنا على الحروف المقطعة في أول تفسير سورة البقرة فمن أراد تحقيقه فلينظره ثم * وتكلمنا على هذه السورة مستقصى في موضعها من التفسير ونحن نذكر هاهنا نبذا مما هناك على وجه الإيجاز والنجاز * وجملة القول في هذا المقام أنه تعالى يمدح كتابه العظيم الّذي أنزله على عبده ورسوله الكريم بلسان عربي فصيح بين واضح جلى يفهمه كل عاقل ذكي زكى فهو أشرف كتاب نزل من السماء أنزله أشرف الملائكة على أشرف الخلق في أشرف زمان ومكان. بأفصح لغة وأظهر بيان. فان كان السياق في الاخبار الماضية أو الآتية ذكر أحسنها وأبينها وأظهر الحق مما اختلف الناس فيه ودمغ الباطل وزيفه

стр. 198

ورده وإن كان في الأوامر والنواهي فاعدل الشرائع وأوضح المناهج وأبين حكما وأعدل حكما فهو كما قال تعالى ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَعَدْلاً﴾. يعنى صدقا في الأخبار عدلا في الأوامر والنواهي ولهذا قال تعالى ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ﴾ أي بالنسبة إلى ما أوحى إليك فيه كما قال تعالى ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ * صِراطِ اللهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾. وقال تعالى ﴿كَذلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ ما قَدْ سَبَقَ. وَقَدْ آتَيْناكَ مِنْ لَدُنّا ذِكْراً * مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وِزْراً * خالِدِينَ فِيهِ وَساءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ حِمْلاً﴾. يعنى من أعرض عن هذا القرآن واتبع غيره من الكتب فإنه يناله هذا الوعيد كما قال في الحديث المروي في المسند والترمذي عن أمير المؤمنين على مرفوعا وموقوفا من ابتغى الهدى في غيره أضله الله. وقال الامام أحمد حدثنا سريج بن النعمان حدثنا هشام أنبأنا خالد عن الشعبي عن جابر (أن عمر بن الخطاب أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه على النبي ﷺ قال فغضب وقال أتتهوكون فيها يا ابن الخطاب والّذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبرونكم بحق فتكذبونه أو بباطل فتصدقونه والّذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني) اسناد صحيح. ورواه أحمد من وجه آخر عن عمرو فيه فقال رسول الله ﷺ (والّذي نفسي بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم) إنكم حظي من الأمم وأنا حظكم من النبيين) وقد أوردت طرق هذا الحديث وألفاظه في أول سورة يوسف. وفي بعضها أن رسول الله ﷺ خطب الناس فقال في خطبته (أيها الناس إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه واختصر لي اختصارا ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون. ثم أمر بتلك الصحيفة فمحيت حرفا حرفا ﴿إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ * قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ قد قدمنا أن يعقوب كان له من البنين اثنا عشر ولدا ذكرا وسميناهم واليهم تنسب أسباط بنى إسرائيل كلهم وكان أشرفهم وأجلهم وأعظمهم يوسف ﵇ وقد ذهب طائفة من العلماء إلى أنه لم يكن فيهم نبي غيره وباقي اخوته لم يوح اليهم. وظاهر ما ذكر من فعالهم ومقالهم في هذه القصة يدل على هذا القول * ومن استدل على نبوتهم بقوله ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ وزعم أن هؤلاء هم الأسباط فليس استدلاله بقوى

стр. 199

لأن المراد بالأسباط شعوب بنى إسرائيل وما كان يوجد فيهم من الأنبياء الذين ينزل عليهم الوحي من السماء والله أعلم * ومما يؤيد أن يوسف ﵇ هو المختص من بين إخوته بالرسالة والنبوة أنه نص على واحد من إخوته سواه فدل على ما ذكرناه ويستأنس لهذا بما قال الامام أحمد (حدثنا) عبد الصمد حدثنا عبد الرحمن عن عبد الله بن دينار عن أبيه عن بن عمر أن رسول الله ﷺ قال الكريم بن الكريم ابن الكريم بن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم «انفرد به البخاري» فرواه عن عبد الله ابن محمد وعبدة عن عبد الصمد بن عبد الوارث به * وقد ذكرنا طرقه في قصة إبراهيم بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة * قال المفسرون وغيرهم رأى يوسف ﵇ وهو صغير قبل أن يحتلم كأن ﴿أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ وهم اشارة الى بقية اخوته ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ وهما عبارة عن أبويه قد سجدوا له فهاله ذلك فلما استيقظ قصها على أبيه فعرف أبوه أنه سينال منزلة عالية ورفعة عظيمة في الدنيا والآخرة بحيث يخضع له أبواه واخوته فيها فأمره بكتمانها وأن لا يقصها على إخوته كيلا يحسدوه ويبغوا له الغوائل ويكيدوه بأنواع الحيل والمكر وهذا يدل على ما ذكرناه * ولهذا جاء في بعض الآثار (استعينوا على قضاء حوائجكم بكتمانها فان كل ذي نعمة محسود)، وعند أهل الكتاب أنه قصها على أبيه واخوته معا وهو غلط منهم ﴿وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي وكما أراك هذه الرؤيا العظيمة فإذا كتمتها ﴿يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أي يخصك بأنواع اللطف والرحمة ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي يفهمك من معاني الكلام وتعبير المنام ما لا يفهمه غيرك ﴿وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ أي بالوحي إليك ﴿وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ﴾ أي بسببك ويحصل لهم بك خير الدنيا والآخرة ﴿كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ﴾ أي ينعم عليك ويحسن إليك بالنّبوّة كما أعطاها أباك يعقوب وجدك إسحاق ووالد جدك إبراهيم الخليل ﴿إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ كما قال تعالى ﴿اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ﴾ * لهذا قال رسول الله ﷺ لما سئل أي الناس أكرم قال (يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله) وقد روى ابن جرير وابن أبى حاتم في تفسيريهما وأبو يعلى والبزار في مسنديهما من حديث الحكم بن ظهير وقد ضعفه الأئمة عن السدي عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر قال (أتى النبي ﷺ رجل من اليهود يقال له بستانة اليهودي فقال يا محمد أخبرنى عن الكواكب التي رآها يوسف أنها ساجدة له ما أسماؤها. قال فسكت النبي ﷺ فلم يجبه بشيء ونزل جبريل ﵇ بأسمائها قال فبعث اليه رسول الله فقال هل أنت مؤمن إن أخبرتك بأسمائها قال نعم فقال هي جريان (١) والطارق. والديال وذو الكتفان. وقابس. ووثاب. وعمردان (٢) والفيلق. والمصبح. والضروح. وذو الفرع.

стр. 200

والضياء. والنور) فقال اليهودي أي والله إنها لأسماؤها. وعند أبى يعلى فلما قصها على أبيه قال هذا أمر مشتت يجمعه الله والشمس أبوه والقمر أمه. ﴿لَقَدْ كانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ * إِذْ قالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلى أَبِينا مِنّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * اُقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اِطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صالِحِينَ * قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ينبه تعالى على ما في هذه القصة من الآيات والحكم والدلالات والمواعظ والبينات. ثم ذكر حسد إخوة يوسف له على محبة أبيه له ولأخيه يعنون شقيقه لأمه بنيامين أكثر منهم وهم عصبة أي جماعة يقولون فكنا نحن أحق بالمحبة من هذين ﴿إِنَّ أَبانا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي بتقديمه حبهما علينا * ثم اشتوروا فيما بينهم في قتل يوسف أو إبعاده الى أرض لا يرجع منها ليخلو لهم وجه أبيهم أي لتتمحض محبته لهم وتتوفر عليهم وأضمروا التوبة بعد ذلك فلما تمالئوا على ذلك وتوافقوا عليه ﴿قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ﴾ قال مجاهد هو شمعون * وقال السدي هو يهودا * وقال قتادة ومحمد بن إسحاق هو أكبرهم روبيل ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ أي المارة من المسافرين ﴿إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ ما تقولون لا محالة فليكن هذا الّذي أقول لكم فهو أقرب حالا من قتله أو نفيه وتغريبه فاجمعوا رأيهم على هذا فعند ذلك ﴿قالُوا يا أَبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وَإِنّا لَهُ لَناصِحُونَ * أَرْسِلْهُ مَعَنا غَداً يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ * قالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ * قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ طلبوا من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم يوسف وأظهروا له أنهم يريدون أن يرعى معهم وأن يلعب وينبسط وقد أضمروا له ما الله به عليم فأجابهم الشيخ عليه من الله أفضل الصلاة والتسليم. يا بنى يشق على أن أفارقه ساعة من النهار ومع هذا أخشى أن تشتغلوا في لعبكم وما أنتم فيه فيأتى الذئب فيأكله ولا يقدر على دفعه عنه لصغره وغفلتكم عنه. ﴿قالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنّا إِذاً لَخاسِرُونَ﴾ أي لئن عدا عليه الذئب فأكله من بيننا أو اشتغلنا عنه حتى وقع هذا ونحن جماعة إنا إذا لخاسرون أي عاجزون هالكون. وعند أهل الكتاب أنه أرسله وراءهم يتبعهم فضل عن الطريق حتى أرشده رجل اليهم. وهذا أيضا من غلطهم وخطئهم في التعريب فان يعقوب ﵇ كان أحرص عليه من أن يبعثه معهم فكيف يبعثه وحده ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَجاؤُ أَباهُمْ عِشاءً يَبْكُونَ * قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ * وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ. وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ لم يزالوا بأبيهم حتى بعثه معهم فما كان الا أن غابوا عن

стр. 201

عينيه فجعلوا يشتمونه ويهينونه بالفعال والمقال وأجمعوا على إلقائه في غيابت الجب أي في قعره على راعوفته وهي الصخرة التي تكون في وسطه يقف عليها المائح وهو الّذي ينزل ليملى الدلاء إذا قل الماء والّذي يرفعها بالحبل يسمى الماتح فلما ألقوه فيه أوحى الله اليه أنه لا بد لك من فرج ومخرج من هذه الشدة التي أنت فيها ولتخبرن إخوتك بصنيعهم هذا في حال أنت فيها عزيز وهم محتاجون إليك خائفون منك ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾. قال مجاهد وقتادة ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ بايحاء الله اليه ذلك * وعن ابن عباس ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لتخبرنهم بأمرهم هذا في حال لا يعرفونك فيها * رواه ابن جرير عنه * فلما وضعوه فيه ورجعوا عنه أخذوا قميصه فلطخوه بشيء من دم ورجعوا الى أبيهم عشاء وهم يبكون أي على أخيهم. ولهذا قال بعض السلف لا يغرنك بكاء المتظلم فرب ظالم وهو باك وذكر بكاء إخوة يوسف وقد جاءوا أباهم عشاء يبكون أي في ظلمة الليل ليكون أمشى لغدرهم لا لعذرهم ﴿قالُوا يا أَبانا إِنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أي ثيابنا ﴿فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ أي في غيبتنا عنه في استباقنا وقولهم ﴿وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا وَلَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أي وما أنت بمصدق لنا في الّذي أخبرناك من أكل الذئب له ولو كنا غير متهمين عندك فكيف وأنت تتهمنا في هذا فإنك خشيت أن يأكله الذئب وضمنا لك أن لا يأكله لكثرتنا حوله فصرنا غير مصدقين عندك فمعذور أنت في عدم تصديقك لنا والحالة هذه. ﴿وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾ أي مكذوب مفتعل لانهم عمدوا الى سخلة ذبحوها فأخذوا من دمها فوضعوه على قميصه ليوهموا أنه أكله الذئب قالوا ونسوا ان يخرقوه وآفة الكذب النسيان * ولما ظهرت عليهم علائم الريبة لم يرج صنيعهم على أبيهم فإنه كان يفهم عداوتهم له وحسدهم إياه على محبته له من بينهم أكثر منهم لما كان يتوسم فيه من الجلالة والمهابة التي كانت عليه في صغره لما يريد الله أن يخصه به من نبوته * ولما راودوه عن أخذه فبمجرد ما أخذوه أعدموه وغيبوه عن عينيه جاءوا وهم يتباكون وعلى ما تمالئوا عليه يتواطئون ولهذا ﴿قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أن روبيل أشار بوضعه في الجب ليأخذه من حيث لا يشعرون ويرده الى أبيه فغافلوه وباعوه لتلك القافلة. فلما جاء روبيل من آخر النار ليخرج يوسف لم يجده فصاح وشق ثيابه وعمد أولئك الى جدي فذبحوه ولطخوا من دمه جبة يوسف. فلما علم يعقوب شق ثيابه ولبس مئزرا أسود وحزن على ابنه أياما كثيرة. وهذه الركاكة جاءت من خطئهم في التعبير والتصوير. ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وارِدَهُمْ فَأَدْلى دَلْوَهُ. قالَ يا بُشْرى هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾. ﴿* وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ * وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً. وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ﴾

стр. 202

الْأَحادِيثِ. وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). يخبر تعالى عن قصة يوسف حين وضع في الجب أنه جلس ينتظر فرج الله ولطفه به ﴿وَجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ أي مسافرون * قال أهل الكتاب كانت بضاعتهم من الفستق والصنوبر والبطم قاصدين ديار مصر من الشام فأرسلوا بعضهم ليستقوا من ذلك البئر فلما أدلى أحدهم دلوه تعلق فيه يوسف فلما رآه ذلك الرجل ﴿قالَ يا بُشْرى﴾ أي يا بشارتي ﴿هذا غُلامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضاعَةً﴾ أي أوهموا أنه معهم غلام من جملة متجرهم ﴿وَاللهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أي هو عالم بما تمالأ عليه إخوته وبما يسره واجدوه من أنه بضاعة لهم ومع هذا لا يغيره تعالى لما له في ذلك من الحكمة العظيمة والقدر السابق والرحمة بأهل مصر بما يجرى الله على يدي هذا الغلام الّذي يدخلها في صورة أسير رقيق ثم بعد هذا يملكه أزمة الأمور وينفعهم الله به في دنياهم وأخراهم بما لا يحد ولا يوصف. ولما استشعر إخوة يوسف بأخذ السيارة له لحقوهم وقالوا هذا غلامنا أبق منا فاشتروه منهم * بثمن بخس أي قليل نزر وقيل هو الزيف ﴿دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾. قال ابن مسعود وابن عباس ونوف البكالي والسدي وقتادة وعطية العوفيّ باعوه بعشرين درهما اقتسموها درهمين درهمين. وقال مجاهد اثنان وعشرون درهما. وقال عكرمة ومحمد ابن إسحاق أربعون درهما فالله أعلم ﴿وَقالَ الَّذِي اِشْتَراهُ مِنْ مِصْرَ لاِمْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْواهُ﴾ أي أحسنى اليه ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ وهذا من لطف الله به ورحمته وإحسانه اليه بما يريد أن يؤهله له ويعطيه من خيرى الدنيا والآخرة. قالوا وكان الّذي اشتراه من أهل مصر عزيزها وهو الوزير بها الّذي الخزائن مسلمة اليه * قال ابن إسحاق واسمه اطفير (١) بن روحيب قال وكان ملك مصر يومئذ الريان بن الوليد رجل من العماليق قال واسم امرأة العزيز راعيل بنت رعاييل (٢). وقال غيره كان اسمها زليخا والظاهر أنه لقبها. وقيل فكا بنت ينوس رواه الثعلبي عن ابى هشام (٣) الرفاعيّ. وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن السائب عن أبى صالح عن ابن عباس كان اسم الّذي باعه بمصر يعنى الّذي جلبه اليها مالك ابن ذعر بن نويب بن عفقا (٤) بن مديان بن إبراهيم فالله أعلم. وقال ابن إسحاق عن أبى عبيدة عن ابن مسعود قال أفرس الناس ثلاثة عزيز مصر حين قال لامرأته أكرمي مثواه والمرأة التي قالت لأبيها عن موسى ﴿يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ وأبو بكر الصديق حين استخلف عمر بن الخطاب ﵄. ثم قيل اشتراه العزيز بعشرين دينارا. وقيل بوزنه مسكا ووزنه حريرا ووزنه ورقا. فالله أعلم وقوله ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي وكما قيضنا هذا العزيز وامرأته يحسنان اليه ويعتنيان

стр. 203

به مكنا له في أرض مصر ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ﴾ أي فهمها. وتعبير الرؤيا من ذلك ﴿وَاللهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ﴾ أي إذا أراد شيئا فإنه يقيض له أسبابا وأمورا لا يهتدى اليها العباد ولهذا قال تعالى ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ * وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾. فدل على أن هذا كله كان وهو قبل بلوغ الأشد. وهو حد الأربعين الّذي يوحى الله فيه الى عباده النبيين عليهم الصلاة والسلام من رب العالمين. وقد اختلفوا في مدة العمر الّذي هو بلوغ الأشد فقال مالك وربيعة وزيد بن أسلم والشعبي هو الحلم. وقال سعيد بن جبير ثماني عشرة سنة. وقال الضحاك عشرون سنة وقال عكرمة خمس وعشرون سنة. وقال السدي ثلاثون سنة. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة ثلاث وثلاثون سنة. وقال الحسن أربعون سنة. ويشهد له قوله تعالى ﴿حَتّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾. ﴿وَراوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ. وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾. ﴿* وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاِسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ * قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ * وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ * فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ * يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ﴾. يذكر تعالى ما كان من مراودة امرأة العزيز ليوسف ﵇ عن نفسه وطلبها منه ما لا يليق بحاله ومقامه وهي في غاية الجمال والمال والمنصب والشباب وكيف غلقت الأبواب عليها وعليه وتهيأت له وتصنعت ولبست أحسن ثيابها وأفخر لباسها وهي مع هذا كله امرأة الوزير * قال ابن إسحاق وبنت أخت الملك (١) الريان بن الوليد صاحب مصر. وهذا كله مع أن يوسف ﵇ شاب بديع الجمال والبهاء إلا أنه نبي من سلالة الأنبياء فعصمه ربه عن الفحشاء. وحماه عن مكر النساء. فهو سيد السادة النجباء السبعة الأتقياء. المذكورين في الصحيحين عن خاتم الأنبياء. في قوله ﵊ من رب الأرض والسماء (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل. ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. ورجل معلق قلبه بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود اليه. ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه. ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه وشاب نشأ في عبادة الله. ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله) والمقصود أنها دعته اليها وحرصت على ذلك أشد الحرص فقال ﴿مَعاذَ اللهِ إِنَّهُ رَبِّي﴾ يعنى زوجها

стр. 204

صاحب المنزل سيدي ﴿أَحْسَنَ مَثْوايَ﴾ أي أحسن الى وأكرم مقامي عنده ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ وقد تكلمنا على قوله ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ بما فيه كفاية ومقنع في التفسير وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقى من كتب أهل الكتاب فالاعراض عنه أولى بنا * والّذي يجب أن يعتقد أن الله تعالى عصمه وبرأه ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها * ولهذا قال تعالى ﴿كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ * وَاِسْتَبَقَا الْبابَ﴾ أي هرب منها طالبا الى الباب ليخرج منه فرارا منها فاتبعته في أثره ﴿وَأَلْفَيا﴾ أي وجدا ﴿سَيِّدَها﴾ أي زوجها لدى الباب فبدرته بالكلام وحرضته عليه ﴿قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾. اتهمته وهي المتهمة وبرأت عرضها ونزهت ساحتها فلهذا قال يوسف ﵇ ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ احتاج الى أن يقول الحق عند الحاجة ﴿وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها﴾ قيل كان صغيرا في المهد قاله ابن عباس * وروى عن أبى هريرة وهلال بن يساف والحسن البصري وسعيد بن جبير والضحاك واختاره ابن جرير. وروى فيه حديثا مرفوعا عن ابن عباس ووقفه غيره عنه * وقيل كان رجلا قريبا الى أطفير بعلها. وقيل قريبا اليها * وممن قال إنه كان رجلا ابن عباس وعكرمة ومجاهد والحسن وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق وزيد بن أسلم فقال ﴿إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ﴾ أي لأنه يكون قد راودها فدافعته حتى قدت مقدم قميصه ﴿وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي لأنه يكون قد هرب منها فاتبعته وتعلقت فيه فانشق قميصه لذلك وكذلك كان. ولهذا قال تعالى ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ أي هذا الّذي جرى من مكركن أنت راودته عن نفسه * ثم اتهمته بالباطل ثم ضرب بعلها عن هذا صفحا فقال ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا﴾ أي لا تذكره لأحد لأن كتمان مثل هذه الأمور هو الأليق والأحسن وأمرها بالاستغفار لذنبها الّذي صدر منها والتوبة الى ربها فان العبد إذا تاب الى الله تاب الله عليه. وأهل مصر وإن كانوا يعبدون الأصنام إلا أنهم يعلمون أن الّذي يغفر الذنوب ويؤاخذ بها هو الله وحده لا شريك له في ذلك * ولهذا قال لها بعلها وعذرها من بعض الوجوه لأنها رأت ما لا صبر لها على مثله الا أنه عفيف نزيه بريء العرض سليم الناحية فقال ﴿اِسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ * وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ اِمْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ * فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً وَقالَتِ اُخْرُجْ عَلَيْهِنَّ. فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ * قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ * قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ * فَاسْتَجابَ﴾

стр. 205

لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) * يذكر تعالى ما كان من قبل نساء المدينة من نساء الأمراء وبنات الكبراء في الطعن على امرأة العزيز وعيبها والتشنيع عليها في مراودتها فتاها وحبها الشديد له تعنين وهو لا يساوى هذا لانه مولى من الموالي وليس مثله أهلا لهذا ولهذا قلن ﴿إِنّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي في وضعها الشيء في غير محله ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ أي بتشنيعهن عليها والتنقص لها والإشارة اليها بالعيب والمذمة بحب مولاها وعشق فتاها فاظهرن ذما وهي معذورة في نفس الأمر فلهذا أحبت أن تبسط عذرها عندهن وتبين أن هذا الفتى ليس كما حسبن ولا من قبيل ما لديهن. فأرسلت إليهن فجمعتهن في منزلها. واعتدت لهن ضيافة مثلهن وأحضرت في جملة ذلك شيئا مما يقطع بالسكاكين كالأترج ونحوه وأتت كل واحدة منهن سكينا وكانت قد هيأت يوسف ﵇ وألبسته أحسن الثياب وهو في غاية طراوة الشباب وأمرته بالخروج عليهنّ بهذه الحالة. فخرج وهو أحسن من البدر لا محالة ﴿فَلَمّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ﴾ أي اعظمنه وأجللنه وهبنه وما ظنن أن يكون مثل هذا في بنى آدم وبهرهن حسنه حتى اشتغلن عن أنفسهن وجعلن يحززن في أيديهن بتلك السكاكين ولا يشعرن بالجراح ﴿وَقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلاّ مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾. وقد جاء في حديث الاسراء (فمررت بيوسف وإذا هو قد أعطى شطر الحسن) قال السهيليّ وغيره من الائمة معناه أنه كان على النصف من حسن آدم ﵇ لأن الله تعالى خلق آدم بيده ونفخ فيه من روحه فكان في غاية نهايات الحسن البشرى ولهذا يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم وحسنه ويوسف كان على النصف من حسن آدم ولم يكن بينهما أحسن منهما كما أنه لم تكن أنثى بعد حواء أشبه بها من سارة امرأة الخليل ﵇. قال ابن مسعود وكان وجه يوسف مثل البرق وكان إذا أتته امرأة لحاجة غطى وجهه * وقال غيره كان في الغالب مبرقعا لئلا يراه الناس ولهذا لما قام عذر امرأة العزيز في محبتها لهذا المعنى المذكور وجرى لهن وعليهنّ ما جرى من تقطيع أيديهن بجراح السكاكين وما ركبهن من المهابة والدهش عند رؤيته ومعاينته ﴿قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ ثم مدحته بالعصمة التامة فقالت ﴿وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ أي امتنع ﴿وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُوناً مِنَ الصّاغِرِينَ﴾ وكان بقية النساء حرّضنه على السمع والطاعة لسيدته فأبى أشد الاباء. ونأى لانه من سلالة الأنبياء ودعا فقال في دعائه لرب العالمين ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلاّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ يعنى إن وكلتني الى نفسي فليس لي من نفسي الا العجز والضعف ولا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله فانا ضعيف الا ما قويتني وعصمتني وحفظتني وحطني بحولك وقوتك ولهذا قال تعالى ﴿فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * ثُمَّ بَدا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما رَأَوُا الْآياتِ لَيَسْجُنُنَّهُ﴾

стр. 206

﴿حَتّى حِينٍ * وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ. قالَ أَحَدُهُما إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً. وَقالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنا بِتَأْوِيلِهِ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما ذلِكُما مِمّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ * وَاِتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبائِي إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا وَعَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ * يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ الْواحِدُ الْقَهّارُ * ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ * يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾. يذكر تعالى عن العزيز وامرأته أنهم بدا لهم أي ظهر لهم من الرأى بعد ما علموا براءة يوسف أن يسجنوه الى وقت ليكون ذلك أقل لكلام الناس في تلك القضية وأحمد لأمرها وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها فسجنوه ظلما وعدوانا. وكان هذا مما قدر الله له * ومن جملة ما عصمه به فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم * ومن هاهنا استنبط بعض الصوفية ما حكاه عنهم الشافعيّ أن من العصمة أن لا تجد قال الله ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيانِ﴾ قيل كان أحدهما ساقى الملك واسمه فيما قيل بنو. والآخر خبازه يعنى الّذي يلي طعامه وهو الّذي يقول له الترك (الجاشنكير) واسمه فيما قيل مجلث كان الملك قد اتهمهما في بعض الأمور فسجنهما * فلما رأيا يوسف في السجن أعجبهما سمته وهديه ودله وطريقته وقوله وفعله وكثرة عبادته ربه وإحسانه الى خلقه فرأى كل واحد منهما رؤيا تناسبه * قال أهل التفسير رأيا في ليلة واحدة * أما الساقي فرأى كأن ثلاث قضبان من حبلة وقد أورقت وأينعت عناقيد العنب فأخذها فاعتصرها في كأس الملك وسقاه * ورأى الخباز على رأسه ثلاث سلال من خبز وضوارى الطيور تأكل من السل الأعلى فقصاها عليه وطلبا منه أن يعبرهما لهما وقالا ﴿إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ فأخبرهما أنه عليم بتعبيرها خبير بأمرها و ﴿قالَ لا يَأْتِيكُما طَعامٌ تُرْزَقانِهِ إِلاّ نَبَّأْتُكُما بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُما﴾ * قيل معناه مهما رأيتما من حلم فانى أعبره لكم قبل وقوعه فيكون كما أقول * وقيل معناه إني أخبركما بما يأتيكما من الطعام قبل مجيئه حلوا أو حامضا كما قال عيسى ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ وقال لهما إن هذا من تعليم الله إياي لأني مؤمن به موحد له متبع ملة آبائي الكرام إبراهيم الخليل وإسحاق ويعقوب ﴿ما كانَ لَنا أَنْ نُشْرِكَ بِاللهِ مِنْ شَيْءٍ ذلِكَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَيْنا﴾ أي بأن هدانا لهذا ﴿وَعَلَى النّاسِ﴾ أي بان أمرنا أن ندعوهم اليه ونرشدهم وندلهم عليه وهو في فطرهم مركوز وفي جبلتهم مغروز ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾ * ثم دعاهم الى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله وصغر أمر الأوثان وحقرها وضعف أمرها فقال ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللهُ﴾

стр. 207

الْواحِدُ الْقَهّارُ * ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاّ أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ) أي هو المتصرف في خلقه الفعال لما يريد الّذي يهدى من يشاء ويضل من يشاء ﴿أَمَرَ أَلاّ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ﴾ أي وحده لا شريك له و ﴿ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ أي المستقيم والصراط القويم ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ أي فهم لا يهتدون اليه مع وضوحه وظهوره وكانت دعوته لهما في هذه الحال في غاية الكمال لأن نفوسهما معظمة له منبعثة على تلقى ما يقول بالقبول فناسب أن يدعوهما الى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه * ثم لما قام بما وجب عليه وارشد الى ما أرشد اليه قال ﴿يا صاحِبَيِ السِّجْنِ أَمّا أَحَدُكُما فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾ قالوا وهو الساقي ﴿وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ﴾ قالوا وهو الخباز ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ أي وقع هذا لا محالة ووجب كونه على حالة ولهذا جاء في الحديث (الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت). وقد روى عن بن مسعود ومجاهد وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (أنهما قالا لم نر شيئا) فقال لهما ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ * وَقالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ ناجٍ مِنْهُمَا اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾. يخبر تعالى أن يوسف ﵇ قال للذي ظنه ناجيا منهما وهو الساقي ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ يعنى اذكر أمرى وما أنا فيه من السجن بغير جرم عند الملك * وفي هذا دليل على جواز السعي في الأسباب * ولا ينافي ذلك التوكل على رب الأرباب. وقوله ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ أي فأنسى الناجي منهما الشيطان. أن يذكر ما وصاه به يوسف ﵇ * قاله مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد وهو الصواب وهو منصوص أهل الكتاب ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ والبضع ما بين الثلاث الى التسع * وقيل الى السبع * وقيل الى الخمس * وقيل ما دون العشرة. حكاها الثعلبي * ويقال يضع نسوة وبضعة رجال * ومنع الفراء استعمال البضع فيما دون العشر قال وإنما يقال نيف. وقال الله تعالى ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ وقال تعالى في ﴿بِضْعَ سِنِينَ﴾ وهذا رد لقوله * قال الفراء ويقال بضعة عشر وبضعة وعشرون الى التسعين ولا يقال بضع ومائة وبضع وألف وخالف الجوهري فيما زاد على بضعة عشر فمنع أن يقال بضعة وعشرون الى تسعين * وفي الصحيح (الايمان بضع وستون) وفي رواية وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ومن قال إن الضمير في قوله ﴿فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ عائد على يوسف فقد ضعف ما قاله وان كان قد روى عن ابن عباس وعكرمة والحديث الّذي رواه ابن جرير في هذا الموضع ضعيف من كل وجه * تفرد باسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي (١) المكيّ وهو متروك. ومرسل الحسن وقتادة لا يقبل ولا هاهنا بطريق الأولى والأحرى والله أعلم.

стр. 208

فاما قول ابن حبان في صحيحه ذكر السبب الّذي من أجله لبث يوسف في السجن ما لبث أخبرنا الفضل بن الحباب الجمحيّ ثنا مسدد بن مسرهد ثنا خالد بن عبد الله ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ رحم الله يوسف لولا الكلمة التي قالها ﴿اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ ما لبث في السجن ما لبث ورحم الله لوطا أن كان ليأوى الى ركن شديد إذ قال لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوى الى ركن شديد قال فما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه. فإنه حديث منكر من هذا الوجه ومحمد بن عمرو بن علقمة له أشياء ينفرد بها وفيها نكارة وهذه اللفظة من أنكرها وأشدها. والّذي في الصحيحين يشهد بغلطها والله أعلم. ﴿وَقالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ. يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ * قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ * وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ * يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ * قالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَما حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تَأْكُلُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ سَبْعٌ شِدادٌ يَأْكُلْنَ ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلاّ قَلِيلاً مِمّا تُحْصِنُونَ * ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ هذا كان من جملة أسباب خروج يوسف ﵇ من السجن على وجه الاحترام والاكرام وذلك أن ملك مصر وهو الريان بن الوليد بن ثروان بن اراشه (١) بن فاران بن عمرو بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح رأى هذه الرؤيا. قال أهل الكتاب رأى كأنه على حافة نهر وكأنه قد خرج منه سبع بقرات سمان فجعلن يرتعن في روضة هناك فخرجت سبع هزال ضعاف من ذلك النهر فرتعن معهن ثم ملن عليهنّ فاكلنهن فاستيقظ مذعورا. ثم نام فرأى سبع سنبلات خضر في قصبة واحدة وإذا سبع أخر دقاق يابسات فأكلنهن فاستيقظ مذعورا. فلما قصها على ملئه وقومه لم يكن فيهم من يحسن تعبيرها بل ﴿قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ﴾ أي أخلاط أحلام من الليل لعلها لا تعبير لها ومع هذا فلا خبرة لنا بذلك ولهذا قالوا ﴿وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ﴾ فعند ذلك تذكر الناجي منهما الّذي وصاه يوسف بأن يذكره عند ربه فنسيه الى حينه هذا. وذلك عن تقدير الله وله الحكمة في ذلك فلما سمع رؤيا الملك ورأى عجز الناس عن تعبيرها تذكر أمر يوسف وما كان أوصاه به من التذكار. ولهذا قال تعالى ﴿وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما وَاِدَّكَرَ﴾ أي تذكر ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد مدة من الزمان وهو بضع سنين وقرأ بعضهم كما حكى عن ابن عباس وعكرمة والضحاك ﴿وَاِدَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ أي بعد نسيان وقرأها مجاهد ﴿بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ بإسكان الميم وهو النسيان أيضا يقال أمه الرجل يأمه أمها وأمها إذا نسي قال الشاعر.

стр. 209

امهت وكنت لا أنسى حديثا … كذاك الدهر يزرى بالعقول فقال لقومه وللملك ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾ أي فأرسلونى الى يوسف فجاءه فقال ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنا فِي سَبْعِ بَقَراتٍ سِمانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يابِساتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أن الملك لما ذكره له الساقي استدعاه الى حضرته وقص عليه ما رآه ففسره له وهذا غلط والصواب ما قصه الله في كتابه القرآن لا ما عربه هؤلاء الجهلة الثيران من قراى وربان. فبذل يوسف ﵇ ما عنده من العلم بلا تأخر ولا شرط ولا طلب الخروج سريعا بل أجابهم الى ما سألوا وعبر لهم ما كان من منام الملك الدال على وقوع سبع سنين من الخصب ويعقبها سبع جدب. ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النّاسُ﴾ يعنى يأتيهم الغيث والخصب والرفاهيّة ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾ يعنى ما كانوا يعصرونه من الاقصاب والأعناب والزيتون والسمسم وغيرها فعبر لهم. وعلى الخير دلهم وأرشدهم الى ما يعتمدونه في حالتي خصبهم وجدبهم وما يفعلونه من ادخار حبوب سنى الخصب في السبع الأول في سنبله الا ما يرصد بسبب الأكل ومن تقليل البذر في سنى الجدب في السبع الثانية إذ الغالب على الظن أنه لا يرد البذر من الحقل * وهذا يدل على كمال العلم وكمال الرأى والفهم. ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ فَلَمّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ * قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ * ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ * وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. لما أحاط الملك علما بكمال علم يوسف ﵊ وتمام عقله ورأيه السديد وفهمه أمر بإحضاره الى حضرته ليكون من جملة خاصته فلما جاءه الرسول بذلك أحب أن لا يخرج حتى يتبين لكل أحد أنه حبس ظلما وعدوانا وأنه بريء الساحة مما نسبوه اليه بهتانا ﴿قالَ اِرْجِعْ إِلى رَبِّكَ﴾ يعنى الملك ﴿فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ قيل معناه إن سيدي العزيز يعلم براءتي مما نسب الى أي فمر الملك فليسألهن كيف كان امتناعي الشديد عند مراودتهن إياي وحثهن لي على الأمر الّذي ليس برشيد ولا سديد. فلما سئلن عن ذلك أعرفن بما وقع من الأمر وما كان منه من الأمر الحميد ﴿وقُلْنَ حاشَ لِلّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ﴾ فعند ذلك ﴿قالَتِ اِمْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ وهي زليخا ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ﴾ أي ظهر وتبين ووضح والحق أحق أن يتبع ﴿أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ﴾ أي فيما يقوله من انه بريء وانه لم يراودني وأنه حبس ظلما وعدوانا وزورا وبهتانا. وقوله ﴿ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ﴾ قيل إنه من كلام يوسف أي انما

стр. 210

طلبت تحقيق هذا ليعلم العزيز أنى لم أخنه بظهر الغيب. وقيل إنه من تمام كلام زليخا أي إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أنى لم أخنه في نفس الأمر وإنما كان مراده لم يقع معها فعل فاحشة وهذا القول هو الّذي نصره طائفة كثيرة من أئمة المتأخرين وغيرهم ولم يحك ابن جرير وابن أبى حاتم سوى الأول. ﴿وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاّ ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قيل إنه من كلام يوسف وقيل من كلام زليخا وهو مفرع على القولين الأولين. وكونه من تمام كلام زليخا أظهر وأنسب وأقوى والله أعلم ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ * قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ * وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾. لما ظهر للملك براءة عرضه ونزاهة ساحته عما كانوا أظهروا عنه مما نسبوه اليه ﴿قالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ أي أجعله من خاصتي ومن أكابر دولتي ومن أعيان حاشيتي فلما كلمه وسمع مقاله وتبين حاله ﴿قالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾ أي ذو مكانة وأمانة ﴿قالَ اِجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ طلب أن يوليه النظر فيما يتعلق بالاهراء لما يتوقع من حصول الخلل فيما بعد مضى سبع سنى الخصب لينظر فيها بما يرضى الله في خلقه من الاحتياط لهم والرّفق بهم وأخبر الملك إنه حفيظ أي قوى على حفظ ما لديه أمين عليه عليم بضبط الأشياء ومصالح الاهراء وفي هذا دليل على جواز طلب الولاية لمن علم من نفسه الأمانة والكفاءة * وعند أهل الكتاب أن فرعون عظيم يوسف ﵇ جدا وسلطه على جميع أرض مصر وألبسه خاتمه وألبسه الحرير وطوقه الذهب وحمله على مركبه الثاني ونودي بين يديه أنت رب ومسلط وقال له لست أعظم منك إلا بالكرسي. قالوا وكان يوسف إذ ذاك ابن ثلاثين سنة وزوجه امرأة عظيمة الشأن. وحكى الثعلبي أنه عزل قطفير عن وظيفته وولاها يوسف. وقيل إنه لما مات زوجه امرأته زليخا فوجدها عذراء لأن زوجها كان لا يأتى النساء فولدت ليوسف ﵇ رجلين وهما أفرايم ومنشا قال واستوثق ليوسف ملك مصر وعمل فيهم بالعدل فأحبه الرجال والنساء. وحكى أن يوسف كان يوم دخل على الملك عمره ثلاثين سنة وأن الملك خاطبه بسبعين لغة وكل ذلك يجاوبه بكل لغة منها فأعجبه ذلك مع حداثة سنه فالله أعلم * قال الله تعالى ﴿وَكَذلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أي بعد السجن والضيق والحصر صار مطلق الركاب بديار مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ﴾ أي أين شاء حل منها مكرما محسودا معظما ﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ أي هذا كله من جزاء الله وثوابه للمؤمن مع ما يدخر له في آخرته من الخير الجزيل والثواب الجميل. ولهذا قال ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ ويقال إن أطفير زوج

стр. 211

زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا فكان وزير صدق. وذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر الوليد بن الريان أسلم على يدي يوسف ﵇ فالله أعلم. وقد قال بعضهم وراء مضيق الخوف متسع الأمن … وأول مفروح به غاية الحزن فلا تيأسن فالله ملك يوسفا … خزائنه بعد الخلاص من السجن ﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ * قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ * وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف ﵇ الى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سنى الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد. وكان يوسف ﵇ إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار اليه يوسف ﵇ من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول وقال أنتم جواسيس جئتم لتأخذوا خبر بلادي. فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الّذي أصابنا ونحن بنو أب واحد من كنعان ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد وصغيرنا عند أبينا فقال لا بد أن أستعلم أمركم * وعندهم أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر. وفي بعض هذا انظر. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه ﴿قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا اثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتونى به معكم ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدى اليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ أي وانا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم. وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانيه. وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.

стр. 212

وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ * قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ. قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ. فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم الى أبيهم * وقولهم له ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي بعد عامنا هذا ان لم ترسل معنا أخانا فان أرسلته معنا لم يمنع منا ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾ أي أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ﴾ بسببه ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قال الله تعالى ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب ﵇ أضن شيء بولده بنيامين لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أي الا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أكد المواثيق وقرر العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغنى حذر من قدر. ولولا حاجته وحاجة قومه الى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الأقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم. ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لأنهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي. والأول أظهر ولهذا قال ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية الى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الأولى وعوضا آخر ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ﴾

стр. 213

لَسارِقُونَ * قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ * قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ. ﴿* قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ * قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ * قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ * قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وإيوائه اليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الإساءة اليه * ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته. وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته في متاع بنيامين. ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادي لهم فاقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ * قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع الى المسروق منه ولهذا قالوا ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. قال الله تعالى ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم اليه فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبى أمه فكسره. وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لإسحاق ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وانما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له. وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء. وقيل غير ذلك فلهذا ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها وقوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً﴾

стр. 214

شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء. هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده. وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف اليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ * قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ * قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ﴾ … ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزال مقيما هاهنا ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ بأن يقدرنى على رد أخى الى أبى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ أي اخبروه بما رأيتم من الأمر في لظاهر المشاهدة ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أي فان هذا الّذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لأنه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ * قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا خلقه وانما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل قال ابن إسحاق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ يعنى يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عن بنيه ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم. نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول

стр. 215

وقال آخر لقد لامنى عند القبور على البكا … رفيقي لتذراف الدموع السوافك فقال أتبكي كل قبر رأيته … لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك فقلت له إن الأسى يبعث الأسى … فدعني فهذا كله قبر مالك وقوله ﴿وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي من كثرة البكاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه الى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق ﴿قالُوا﴾ له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه لست أشكو إليكم ولا الى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو الى الله وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما. ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ * قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين اليهم ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنا. قيل كانت دراهم رديئة. وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك. وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قيل بقبولها قاله السدي. وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج. وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد ﷺ ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف اليهم وعطف عليهم قائلا لهم عن أمر ربه وربهم.
следующие страницы →