← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

كأنما يتقلع من صخر وإذا التفت التفت جميعا ليس بالطويل ولا بالقصير ولا العاجز ولا اللأم (١) كأن عرقه في وجهه اللؤلؤ ولريح عرقه أطيب من المسك الأذفر لم أر قبله ولا بعده مثله * وقال يعقوب بن سفيان، ثنا سعيد بن منصور: ثنا نوح بن قيس الحراني، ثنا خالد بن خالد الميمى عن يوسف بن مازن المازني أن رجلا قال لعلى: يا أمير المؤمنين انعت لنا رسول الله، قال: كان أبيض مشربا حمرة ضخم الهامة أغر أبلج أهدب الأشفار * وقال الامام أحمد: ثنا أسود بن عامر، ثنا شريك، عن ابن عمير قال شريك: قلت له عمن يا أبا عمير (عمن حدثه) قال: عن نافع بن جبير عن أبيه عن على قال: كان رسول الله ضخم الهامة مشربا حمرة شثن الكفين والقدمين ضخم اللحية طويل المسربة ضخم الكراديس يمشى في صبب يتكفأ في المشية لا قصير ولا طويل لم أر قبله مثله ولا بعده، وقد روى لهذا شواهد كثيرة عن على، وروى عن عمر نحوه * وقال الواقدي: ثنا بكير بن مسمار عن زياد بن سعد قال: سألت سعد بن أبى وقاص هل خضب رسول الله؟ قال: لا ولا هم به، كان شيبة في عنفقته وناصيته لو أشاء أن أعدها لعددتها * قلت: فما صفته؟ قال كان رجلا ليس بالطويل ولا بالقصير، ولا بالأبيض الأمهق، ولا بالآدم ولا بالسبط ولا بالقطط، وكانت لحيته حسنة وجبينه صلتا، مشربا بحمرة، شثن الأصابع، شديد سواد الرأس واللحية * وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني: ثنا أبو محمد عبد الله ابن جعفر بن أحمد بن فارس، ثنا يحيى بن حاتم العسكري، ثنا بسر بن مهران، ثنا شريك عن عثمان ابن المغيرة عن زيد بن وهب عن عبد الله بن مسعود قال: إن أول شيء علمته من رسول الله قدمت مكة في عمومة لي فأرشدونا إلى العباس بن عبد المطلب فانتهينا إليه، وهو جالس إلى زمزم، فجلسنا إليه فبينا نحن عنده إذ أقبل رجل من باب الصفا أبيض تعلوه حمرة له وفرة جعدة إلى أنصاف أذنيه أقنى الأنف براق الثنايا أدعج العينين كث اللحية دقيق المسربة شثن الكفين والقدمين عليه ثوبان أبيضان كأنه القمر ليلة البدر. وذكر تمام الحديث وطوافه ﵇ بالبيت وصلاته عنده هو وخديجة وعلى بن أبى طالب، وأنهم سألوا العباس عنه فقال: هذا هو ابن أخى محمد بن عبد الله وهو يزعم أن الله أرسله إلى الناس * وقال الامام أحمد: ثنا جعفر، ثنا عوف بن أبى جميلة، عن يزيد الفارسي قال: رأيت رسول الله في النوم في زمن ابن عباس قال: وكان يزيد يكتب المصاحف، قال: فقلت لابن عباس: إني رأيت رسول الله في النوم، قال ابن عباس: فأن رسول الله ﷺ كان يقول: «إن الشيطان لا يستطيع أن يتشبه بى، فمن رآني فقد رآني» هل تستطيع أن تنعت لنا هذا الرجل الّذي رأيت؟ قال: قلت: نعم، رأيت رجلا بين الرجلين جسمه ولحمه أسمر إلى البياض، حسن

стр. 1787

الضحك، أكحل العينين، جميل دوائر الوجه، قد ملأت لحيته من هذه إلى هذه، حتى كادت تملأ نحره * قال عوف: لا أدرى ما كان مع هذا من النعت، قال: فقال ابن عباس: لو رأيته في اليقظة ما استطعت أن تنعته فوق هذا * وقال محمد بن يحيى الذهلي: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن الزهري قال: سئل أبو هريرة عن صفة رسول الله فقال: أحسن الصفة وأجملها كان ربعة إلى الطول ما هو بعيد ما بين المنكبين أسيل الخدين، شديد سواد الشعر، أكحل العين، أهدب الأشفار، إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس لها أخمص إذا وضع رداءه على منكبيه فكأنه سبيكة فضة، وإذا ضحك كاد يتلألأ في الجدر، لم أر قبله ولا بعده مثله * وقد رواه محمد بن يحيى من وجه آخر متصل فقال: ثنا إسحاق ابن إبراهيم - يعنى الزبيدي - حدثني عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبى هريرة فذكر نحو ما تقدم * ورواه الذهلي عن إسحاق بن راهويه عن النضر بن شميل عن صالح عن أبى الأخضر عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: كان رسول الله كأنما صيغ من فضة، رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين، يطأ بقدمه جميعا، إذا أقبل أقبل جميعا، وإذا أدبر أدبر جميعا * ورواه الواقدي: حدثني عبد الملك عن سعيد بن عبيد بن السباق عن أبى هريرة قال: كان رسول الله شثن القدمين والكفين ضخم الساقين عظيم الساعدين ضخم العضدين والمنكبين بعيد ما بينهما، رحب الصدر، رجل الرأس، أهدب العينين، حسن الفم، حسن اللحية، تام الأذنين، ربعة من القوم، لا طويل ولا قصير، أحسن الناس لونا، يقبل معا ويدبر معا، لم أر مثله ولم أسمع بمثله * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو الحسن المحمودي المروزي، ثنا أبو عبد الله محمد بن على الحافظ، ثنا محمد بن المثنى، ثنا عثمان بن عمر، ثنا حرب بن سريج، صاحب الحلواني، حدثني رجل؟ بلعدرنه؟ (١) حدثني جدي قال انطلقت إلى المدينة أذكر الحديث في رؤية رسول الله قال: فإذا رجل حسن الجسم عظيم الجمة دقيق الأنف دقيق الحاجبين وإذا من لدن نحره إلى سرته كالخيط الممدود شعره ورأسه من طمرين فدنا منى وقال: السلام عليك. ذكر شعره ﵇ قد ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان رسول الله يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء وكان أهل الكتاب يسدلون أشعارهم وكان المشركون يفرقون رءوسهم فسدل رسول الله ﷺ ثم فرق بعد، وقال الامام أحمد: ثنا حماد ابن خالد، ثنا مالك، ثنا زياد بن سعد، عن الزهري، عن أنس أن رسول الله ﷺ سدل ناصيته

стр. 1788

ما شاء أن يسدل ثم فرق بعد، تفرد به من هذا الوجه، وقال محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة قالت: أنا فرقت لرسول الله رأسه صدعت فرقه عن يافوخه وأرسلت ناصيته بين عينيه * قال ابن إسحاق: وقد قال محمد بن جعفر بن الزبير وكان فقيها مسلما: ما هي إلا سيما من سيما النصارى تمسكت بها النصارى من الناس * وثبت في الصحيحين عن البراء أن رسول الله كان يضرب شعره الى منكبيه، وجاء في الصحيح عنه وعن غيره الى أنصاف أذنيه، ولا منافاة بين الحالين، فان الشعر تارة يطول وتارة يقصر منه فكل حكى بحسب ما رأى، وقال أبو داود: ثنا ابن نفيل ثنا ابن الرواد عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان شعر رسول الله ﷺ فوق الوفرة ودون الجمة * وقد ثبت أنه ﵇ حلق جميع رأسه في حجة الوداع وقد مات بعد ذلك بأحد وثمانين يوما صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن مسلم ويحيى بن عبد الحميد قالا: ثنا سفيان، عن ابن أبى نجيح، عن مجاهد قال قالت أم هانئ: قدم النبي ﷺ مكة قدمة وله أربع غدائر - تعنى ضفائر - وروى الترمذي من حديث سفيان بن عيينة * وثبت في الصحيحين من حديث ربيعة عن أنس قال بعد ذكره شعر رسول الله ﷺ إنه ليس بالسبط ولا بالقطط قال: وتوفاه الله وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء. وفي صحيح البخاري من حديث أيوب عن ابن سيرين أنه قال: قلت لأنس أخضب رسول الله؟ قال: إنه لم ير من الشيب الا قليلا * وكذا روى هو ومسلم من طريق حماد بن زيد عن ثابت عن أنس وقال حماد بن سلمة عن ثابت قيل لأنس: هل كان شاب رسول الله؟ فقال: ما شانه الله بالشيب ما كان في رأسه إلا سبع عشرة أو ثماني عشرة شعرة * وعند مسلم من طريق المثنى بن سعيد عن قتادة عن أنس أن رسول الله لم يختضب انما كان شمط عند العنفقة يسيرا، وفي الصدغين يسيرا، وفي الرأس يسيرا * وقال البخاري: ثنا أبو نعيم، ثنا همام عن قتادة قال: سألت أنسا هل خضب رسول الله ﷺ ؟ قال: لا إنما كان شيء في صدغيه * وروى البخاري عن عصام بن خالد عن جرير بن عثمان قال: قلت لعبد الله بن بسر السلمي رأيت رسول الله أكان شيخا؟ قال: كان في عنفقته شعرات بيض * وتقدم عن جابر بن سمرة مثله، وفي الصحيحين من حديث أبى إسحاق عن أبى جحيفة قال: رأيت رسول الله هذه منه بيضاء - يعنى عنفقته - وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن عثمان، عن أبى حمزة السكرى، عن عثمان بن عبد الله بن موهب القرشي قال: دخلنا على أم سلمة فأخرجت إلينا من شعر رسول الله فإذا هو أحمر مصبوغ بالحناء والكتم رواه البخاري عن إسماعيل بن موسى عن سلام بن أبى مطيع عن عثمان بن عبد الله بن موهب عن أم سلمة به، وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا يحيى بن بكير، ثنا إسرائيل

стр. 1789

عن عثمان بن موهب قال: كان عند أم سلمة جلجل من فضة ضخم فيه من شعر رسول الله فكان إذا أصاب إنسانا الحمى بعث اليها فحضحضته فيه ثم ينضحه الرجل على وجهه، قال: فبعثني أهلي اليها فأخرجته، فإذا هو هكذا - وأشار إسرائيل بثلاث أصابع - وكان فيه خمس شعرات حمر * رواه البخاري عن مالك بن إسماعيل عن إسرائيل * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم ثنا عبيد الله ابن إياد، حدثني إياد عن أبى رمثة قال: انطلقت مع أبى نحو رسول الله ﷺ فلما رأيته قال: هل تدري من هذا؟ قلت لا قال: إن هذا رسول الله، فاقشعررت حين قال ذلك، وكنت أظن أن رسول الله ﷺ شيء لا يشبه الناس، فإذا هو بشر ذو وفرة بها ردع من حناء، وعليه بردان أخضران * ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث عبيد الله بن إياد بن لقيط عن أبيه عن أبى رمثة واسمه حبيب بن حيان، ويقال رفاعة بن يثربى، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث إياد كذا قال * وقد رواه النسائي أيضا من حديث سفيان الثوري وعبد الملك بن عمير كلاهما عن إياد بن لقيط به ببعضه، ورواه يعقوب بن سفيان أيضا عن محمد بن عبد الله المخرمي عن أبى سفيان الحميري عن الضحاك بن حمزة بن غيلان بن جامع عن إياد بن لقيط بن أبى رمثة قال: كان رسول الله ﷺ يخضب بالحناء والكتم، وكان شعره يبلغ كتفيه أو منكبيه * وقال أبو داود: ثنا عبد الرحيم بن مطرف بن سفيان، ثنا عمرو بن محمد، أنا ابن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ كان يلبس النعال السبتية ويصفر لحيته بالورس والزعفران، وكان ابن عمر يفعل ذلك * ورواه النسائي عن عبدة بن عبد الرحيم المروزي عن عمرو بن محمد المنقري به * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ: ثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم، ثنا الحسن بن محمد بن زياد، ثنا إسحاق بن إبراهيم، ثنا يحيى بن آدم، ح وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل، أنا عبد الله بن جعفر، أنا يعقوب بن سفيان، حدثني أبو جعفر محمد بن عمر بن الوليد الكندي الكوفي، ثنا يحيى ابن آدم، ثنا شريك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر قال: كان شيب رسول الله ﷺ نحوا من عشرين شعرة، وفي رواية إسحاق رأيت شيب رسول الله نحوا من عشرين شعرة بيضاء في مقدمه * قال البيهقي: وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أحمد بن سلمان الفقيه، ثنا هلال بن العلاء الرقى، ثنا حسين بن عباس الرقى، ثنا جعفر بن برقان، ثنا عبد الله بن محمد بن عقيل قال: قدم أنس ابن مالك المدينة وعمر بن عبد العزيز وال عليها، فبعث إليه عمر وقال للرسول: سله هل خضب رسول الله ﷺ ، فانى رأيت شعرا من شعره قد لون، فقال أنس: إن رسول الله ﷺ قد منع بالسواد ولو عددت ما أقبل على من شيبة في رأسه ولحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة وإنما هو الّذي لون من الطيب الّذي كان يطيب به شعر رسول الله ﷺ هو الّذي غير لونه. قلت: ونفى

стр. 1790

أنس للخضاب معارض بما تقدم عن غيره من إثباته، والقاعدة المقررة أن الإثبات مقدم على النفي لأن المثبت معه زيادة علم ليست عند النافي * وهكذا إثبات غيره لزيادة ما ذكر من السبب مقدم لا سيما عن ابن عمر الّذي المظنون أنه تلقى ذلك عن أخته أم المؤمنين حفصة، فان اطلاعها أتم من اطلاع أنس لأنها ربما أنها فلت رأسه الكريم ﵊. ذكر ما ورد في منكبيه وساعديه وإبطيه وقدميه وكعبيه ﷺ قد تقدم ما أخرج البخاري ومسلم من حديث شعبة عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ مربوعا بعيدا ما بين المنكبين، وروى البخاري عن أبى النعمان عن جرير عن قتادة عن أنس قال: كان النبي ﷺ ضخم الرأس والقدمين سبط الكفين، وتقدم من غير وجه أنه ﵇ كان شثن الكفين والقدمين، وفي رواية، ضخم الكفين والقدمين، وقال يعقوب ابن سفيان: ثنا آدم وعاصم بن على قالا: ثنا ابن أبى ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول الله ﷺ قال: كان شبح الذراعين بعيد ما بين المنكبين، أهدب أشفار العينين * وفي حديث نافع بن جبير عن على قال: كان رسول الله ﷺ شثن الكفين والقدمين ضخم الكراديس طويل المسربة، وتقدم في حديث حجاج عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كان في ساقى رسول الله ﷺ حموشة أي لم يكونا ضخمين، وقال سراقة بن مالك بن جعشم: فنظرت إلى ساقيه، وفي رواية قدميه في الغرز - يعنى الركاب - كأنهما جمارة أي جمارة النخل من بياضهما * وفي صحيح مسلم عن جابر بن سمرة كان ضليع الفم، وفسره بأنه عظيم الفم، أشكل العينين، وفسره بأنه طويل شق العينين منهوس العقب، وفسره بانه قليل لحم العقب، وهذا أنسب وأحسن في حق الرجال * وقال الحارث بن أبى أسامة: ثنا عبد الله بن بكر، ثنا حميد، عن أنس قال: أخذت أم سليم بيدي مقدم رسول الله ﷺ المدينة فقالت: يا رسول الله هذا أنس غلام كاتب يخدمك، قال: فخدمته تسع سنين فما قال لشيء صنعت: أسأت، ولا بئس ما صنعت، ولا مسست شيئا قط خزا ولا حريرا ألين من كف رسول الله، ولا شممت رائحة قط مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله ﷺ * وهكذا رواه معتمر بن سليمان وعلى بن عاصم ومروان بن معاوية الفزاري وإبراهيم بن طهمان، كلهم عن حميد، عن أنس في لين كفه ﵇، وطيب رائحته صلاة الله وسلامه عليه * وفي حديث الزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة أن رسول الله كان يطأ بقدمه كلها ليس لها أخمص، وقد جاء خلاف هذا كما سيأتي * وقال يزيد بن هارون: حدثني عبد الله بن يزيد بن مقسم قال: حدثتني عمتي سارة بنت مقسم عن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله بمكة وهو على ناقة وأنا مع أبى وبيد رسول الله درة كدرة الكتاب فدنا منه أبى فأخذ بقدمه فأقر له رسول الله ﷺ قالت: فما نسيت

стр. 1791

طول إصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه * ورواه الامام أحمد عن يزيد بن هارون مطولا، ورواه أبو داود من حديث يزيد بن هارون ببعضه * وعن أحمد بن صالح عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن إبراهيم بن ميسرة عن خالته عنها، ورواه ابن ماجة من وجه آخر عنها والله أعلم * وقال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبد الله بن بشران، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا محمد بن إسحاق أبو بكر، ثنا سلمة بن حفص السعدي، ثنا يحيى بن اليمان، ثنا إسرائيل عن سماك عن جابر بن سمرة قال: كانت إصبع لرسول الله خنصره من رجله متظاهرة وهذا حديث غريب. صفة قوامه ﵇ وطيب رائحته في صحيح البخاري من حديث ربيعة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ ربعة من القوم ليس بالطويل ولا بالقصير * وقال أبو إسحاق عن البراء: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها وأحسنهم خلقا ليس بالطويل ولا بالقصير. أخرجاه في الصحيحين. وقال نافع بن جبير عن على: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير لم أر قبله ولا بعده مثله. وقال سعيد بن منصور عن خالد بن عبد الله ابن محمد بن عمر بن على بن أبى طالب عن أبيه عن جده عن على قال: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى الطول أقرب، وكان عرقه كاللؤلؤ، الحديث * وقال سعيد عن روح بن قيس عن خالد بن خالد التميمي عن يوسف بن مازن الراسبي عن على قال: كان رسول الله ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم وكان عرقه في وجهه كاللؤلؤ، الحديث * وقال الزبيدي عن الزهري عن سعيد عن أبى هريرة قال: كان رسول الله ربعة وهو إلى الطول أقرب، وكان يقبل جميعا ويدبر جميعا، لم أر قبله ولا بعده مثله * وثبت في البخاري من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: ما مسست بيدي ديباجا ولا حريرا ولا شيئا ألين من كف رسول الله، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله ﷺ ، ورواه مسلم من حديث سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس به، ورواه مسلم أيضا من حديث حماد بن سلمة وسليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس قال: كان رسول الله أزهر اللون، كأن عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، وما مسست حريرا ولا ديباجا ألين من كف رسول الله، ولا شممت مسكا ولا عنبرا أطيب من رائحة رسول الله ﷺ * وقال أحمد: ثنا ابن أبى عدي، ثنا حميد عن أنس قال: ما مسست شيئا قط خزا ولا حريرا ألين من كف رسول الله ﷺ ، ولا شممت رائحة أطيب من ريح رسول الله ﷺ ، والاسناد ثلاثي على شرط الصحيحين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة من هذا الوجه * وقال يعقوب بن سفيان: أنا عمرو بن حماد بن طلحة الفناد، وأخرجه البيهقي من حديث أحمد بن حازم بن أبى عروة عنه، قال: ثنا أسباط بن نصر عن سماك عن جابر بن سمرة قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى ثم خرج إلى أهله وخرجت

стр. 1792

معه فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم واحدا واحدا * قال: وأما أنا فمسح خدي فوجدت ليده بردا وريحا كأنما أخرجها من جونة عطار * ورواه مسلم عن عمرو بن حماد به نحوه * وقال الامام أحمد: ثنا محمد بن جعفر، ثنا شعبة وحجاج، أخبرنى شعبة عن الحكم سمعت أبا جحيفة قال: خرج رسول الله ﷺ بالهاجرة الى البطحاء فتوضأ وصلّى الظهر ركعتين وبين يديه عنزة، زاد فيه عون عن أبيه يمر من ورائها الخمار والمرأة، قال حجاج في الحديث: ثم قام الناس فجعلوا يأخذون يده فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت يده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك * وهكذا رواه البخاري عن الحسن بن منصور عن حجاج بن محمد الأعور عن شعبة فذكر مثله سواء. وأصل الحديث في الصحيحين أيضا * وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن هارون، أنا هشام بن حسان وشعبة وشريك، عن يعلى بن عطاء، عن جابر بن يزيد، عن أبيه - يعنى يزيد بن الأسود - قال: صلّى رسول الله ﷺ بمنى، فانحرف فرأى رجلين من وراء الناس، فدعا بهما فجيئا ترعد فرائصهما، فقال: ما منعكما أن تصليا مع الناس؟ قالا: يا رسول الله إنا كنا قد صلينا في الرحال، قال: فلا تفعلا إذا صلّى أحدكم في رحله ثم أدرك الصلاة مع الامام فليصلها معه فإنها له نافلة، قال: فقال أحدهما استغفر لي يا رسول الله، فاستغفر له، قال: ونهض الناس إلى رسول الله ﷺ ونهضت معهم، وأنا يومئذ أشب الرجال وأجلده، قال: فما زلت أزحم الناس حتى وصلت إلى رسول الله فأخذت بيده فوضعتها إما على وجهي أو صدري، قال: فما وجدت شيئا أطيب ولا أبرد من يد رسول الله ﷺ ، قال: وهو يومئذ في مسجد الخيف * ثم رواه أيضا عن أسود بن عامر وأبى النضر عن شعبة عن يعلى بن عطاء سمعت جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه أنه صلّى مع رسول الله ﷺ الصبح فذكر الحديث قال: ثم ثار الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فمسحت بها وجهي، فوجدتها أبرد من الثلج وأطيب ريحا من المسك * وقد رواه أبو داود من حديث شعبة والترمذي والنسائي من حديث هشيم عن يعلى به، وقال الترمذي: حسن صحيح * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم ثنا مسعر عن عبد الجبار بن وائل بن حجر قال: حدثني أهلي عن أبى قال: أتى رسول الله ﷺ بدلو من ماء فشرب منه ثم مج في الدلو ثم صب في البئر، أو شرب من الدلو ثم مج في البئر، ففاح منها ريح المسك، وهذا رواه البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن أبى نعيم وهو الفضل بن دكين * وقال الامام أحمد: ثنا هاشم، ثنا سليمان عن ثابت عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى الغداة جاء خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء فما يؤتى بإناء إلا غمس يده فيها فربما جاءوه في الغداة الباردة فيمس يده فيها * ورواه مسلم من حديث أبى النضر هاشم بن القاسم به * وقال الامام أحمد: حدثنا حجين بن المثنى، ثنا عبد العزيز - يعنى ابن أبى سلمة

стр. 1793

الماجشون - عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه قال فجاء ذات يوم فنام على فراشها فأتت فقيل لها: هذا رسول الله نائم في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش ففتحت عبيرتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتصره في قواريرها ففزع النبي ﷺ فقال ما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت * ورواه مسلم عن محمد بن رافع عن حجين به، وقال أحمد: ثنا هاشم بن القاسم ثنا سليمان عن ثابت عن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ ، فقال عندنا فعرق وجاءت أمى بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ رسول الله فقال: يا أم سليم ما هذا الّذي تصنعين؟ قالت: عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب * ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن أبى النضر هاشم بن القاسم به * وقال أحمد: ثنا إسحاق بن منصور - يعنى السلولي - ثنا عمارة، - يعنى ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: كان رسول الله يقيل عند أم سليم، وكان من أكثر الناس عرقا فاتخذت له نطعا وكان يقيل عليه وحطت بين رجليه حطا وكانت تنشف العرق فتأخذه فقال: ما هذا يا أم سليم؟ قالت: عرقك يا رسول الله أجعله في طيبي، قال: فدعا لها بدعاء حسن، تفرد به أحمد من هذا الوجه * وقال أحمد: ثنا محمد بن عبد الله، ثنا حميد عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا نام ذا عرق، فتأخذ عرقه بقطنة في قارورة، فتجعله في مسكها، وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجاه ولا أحد منهما، وقال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا أبو عمرو المغربي، أنا الحسن بن سفيان، ثنا أبو بكر ابن أبى شيبة، وقال مسلم: ثنا أبو بكر بن شيبة، ثنا عفان، ثنا وهيب ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس عن أم سليم أن رسول الله ﷺ كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعا فيقيل عليه وكان كثير العرق فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير فقال رسول الله ﷺ : يا أم سليم ما هذا؟ فقالت: عرقك أدوف به طيبي، لفظ مسلم * وقال أبو يعلى الموصلى في مسندة: ثنا بسر، ثنا حليس ابن غالب، ثنا سفيان الثوري عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال: جاء رجل إلى رسول الله، فقال: يا رسول الله إني زوجت ابنتي، وأنا أحب أن تعينني بشيء، قال: ما عندي شيء ولكن إذا كان غد فأتنى بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة وآية بيني وبينك أن تدق ناحية الباب، قال فأتاه بقارورة واسعة الرأس وعود شجرة. قال: فجعل يسلت العرق من ذراعيه حتى امتلأت القارورة، قال: فخذها، ومر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة وتطيب به، قال فكانت إذا تطيبت به شم أهل المدينة رائحة الطيب فسموا بيوت المطيبين، هذا حديث غريب جدا * وقد قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن هشام، ثنا موسى بن عبد الله، ثنا عمر بن سعيد عن سعيد

стр. 1794

عن قتادة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مر في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب، وقالوا: مر رسول الله في هذا الطريق، ثم قال: وهذا الحديث رواه أيضا معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة عن أنس أن رسول الله ﷺ كان يعرف بريح الطيب (١). كان رسول الله ﷺ طيبا وريحه طيب وكان مع ذلك يحب الطيب أيضا * قال الامام أحمد: ثنا أبو عبيدة عن سلام أبى المنذر عن ثابت عن أنس أن النبي ﷺ قال: «حبب إلى النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة» ثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم، ثنا سلام أبو المنذر القاري عن ثابت عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ إنما حبب إلى من الدنيا النساء والطيب وجعل قرة عيني في الصلاة * وهكذا رواه النسائي بهذا اللفظ عن الحسين بن عيسى القرشي عن عفان بن مسلم عن سلام بن سليمان أبى المنذر القاري البصري عن ثابت عن أنس فذكره * وقد روى من وجه آخر بلفظ: «حبب إلى من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء وجعل قرة عيني في الصلاة» وليس بمحفوظ بهذا فان الصلاة ليست من أمور الدنيا وإنما هي من أهم شئون الآخرة والله أعلم صفة خاتم النبوة الّذي بين كتفيه صلوات الله وسلامه عليه قال البخاري: ثنا محمد بن عبيد الله، ثنا حاتم عن الجعد قال: سمعت السائب بن يزيد يقول: ذهبت بى خالتي إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختى وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة وتوضأ فشربت من وضوئه ثم قمت خلف ظهره فنظرت إلى خاتم بين كتفيه مثل زر الحجلة، وهكذا رواه مسلم عن قتيبة ومحمد بن عباد كلاهما عن حاتم بن إسماعيل به * ثم قال البخاري: الحجلة من حجلة الفرس الّذي بين عينيه، وقال إبراهيم بن حمزة: رز الحجلة قال أبو عبد الله الرز الراء قبل الزاى (٢) * وقال مسلم: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا عبيد الله عن إسرائيل عن سماك أنه سمع جابر ابن سمرة يقول: كان رسول الله ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته، وكان إذا ادهن لم يتبين وإذا شعث رأسه تبين، وكان كثير شعر اللحية، فقال رجل: وجهه مثل السيف؟ قال: لا بل كان المثل الشمس والقمر وكان مستديرا، ورأيت الخاتم عند كتفه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده * حدثنا محمد بن المثنى ثنا محمد بن حزم، ثنا شعبة عن سماك سمعت جابر بن سمرة قال: رأيت خاتما في ظهر رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمام * وحدثنا ابن نمير، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا حسن بن صالح عن سماك بهذا الاسناد مثله * وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن عاصم بن سليمان عن عبد الله بن سرجس

стр. 1795

قال: ترون هذا الشيخ - يعنى نفسه - كلمت نبي الله ﷺ وأكلت معه ورأيت العلامة التي بين كتفيه وهي في طرف نغض كتفه اليسرى كأنه جمع (بمعنى الكف المجتمع، وقال بيده فقبضها) عليه خيلان كهيئة الثآليل * وقال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم وأسود بن عامر قالا: ثنا شريك عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال: رأيت رسول الله ﷺ وسلمت عليه وأكلت معه وشربت من شرابه ورأيت خاتم النبوة، قال هاشم: في نغض كتفه اليسرى كأنه جمع فيه خيلان سود كأنها الثآليل. ورواه عن غندر عن شعبة عن عاصم عن عبد الله بن سرجس فذكر الحديث وشك شعبة في أنه هل هو في نغض الكتف اليمنى أو اليسرى * وقد رواه مسلم من حديث حماد بن زيد وعلى ابن مسهر وعبد الواحد بن زياد ثلاثتهم عن عاصم عن عبد الله بن سرجس قال: أتيت رسول الله ﷺ وأكلت معه خبزا ولحما أو قال ثريدا، فقلت: يا رسول الله غفر الله لك، قال: ولك، فقلت: أستغفر لك رسول الله؟ قال نعم ولكم، ثم تلا هذه الآية «واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات» قال ثم درت خلفه فنظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعا عليه خيلان كأمثال الثآليل * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا قرة بن خالد، ثنا معاوية بن قرة، عن أبيه قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أرنى الخاتم، فقال: أدخل يدك، فأدخلت يدي في جربّانه فجعلت ألمس انظر إلى الخاتم فإذا هو على نغض كتفه مثل البيضة فما منعه ذاك أن جعل يدعو لي وإن يدي لفي جربانه * ورواه النسائي عن أحمد بن سعيد عن وهب بن جرير عن قرة بن خالد به * وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان عن إياد بن لقيط السدوسي عن أبى رمثة التيمي قال: خرجت مع أبى حتى أتيت رسول الله ﷺ فرأيت برأسه ردع حناء ورأيت على كتفه مثل التفاحة فقال أبى: إني طبيب أفلا أطبها لك، قال: طبيبها الّذي خلقها، قال: وقال لأبى هذا ابنك؟ قال: نعم قال: أما إنه لا يجنى عليك ولا تجنى عليه * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عبيد الله بن زياد، حدثني أبى عن أبى ربيعة أو رمثة، قال انطلقت مع أبى نحو النبي ﷺ ، فنظر إلى مثل السلعة بين كتفيه فقال: يا رسول الله إني كأطبّ الرجال أفأعالجها لك؟ قال: لا، طبيبها الّذي خلقها. قال البيهقي: وقال الثوري عن إياد بن لقيط في هذا الحديث: فإذا خلف كتفيه مثل التفاحة، وقال عاصم بن بهدلة عن أبى رمثة: فإذا في نغض كتفه مثل بعرة البعير أو بيضة الحمامة * ثم روى البيهقي من حديث سماك بن حرب عن سلامة العجليّ، عن سلمان الفارسي، قال: أتيت رسول الله فألقى رداءه وقال: يا سلمان انظر الى ما أمرت به، قال: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمامة * وروى يعقوب بن سفيان، عن الحميدي، عن يحيى بن سليم عن أبى خيثم عن سعيد ابن أبى راشد، عن التنوخي الّذي بعثه هرقل إلى رسول الله ﷺ وهو بتبوك، فذكر الحديث كما

стр. 1796

قدمناه في غزوة تبوك إلى أن قال: فحل حبوته عن ظهره ثم قال: هاهنا امض لما أمرت به، قال: فجلت في ظهره فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل الحجمة الضخمة (١) * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا مسلم بن إبراهيم، ثنا عبد الله بن ميسرة، ثنا عتاب سمعت أبا سعيد يقول: الخاتم الّذي بين كتفي النبي ﷺ لحمة نابتة * وقال الامام أحمد: حدثنا شريح، ثنا أبو ليلى عبد الله بن ميسرة الخراساني عن غياث البكري قال: كنا نجالس أبا سعيد الخدريّ بالمدينة فسألته عن خاتم رسول الله ﷺ الّذي كان بين كتفيه، فقال بإصبعه السبّابة هكذا لحم ناشز بين كتفيه ﷺ تفرد به أحمد من هذا الوجه * وقد ذكر الحافظ أبو الخطاب بن دحية المصري في كتابه - التنوير في مولد البشير النذير - عن أبى عبد الله محمد بن على بن الحسين بن بشر المعروف بالحكيم الترمذي أنه قال: كان الخاتم الّذي بين كتفي رسول الله ﷺ كأنه بيضة حمامة مكتوب في باطنها الله وحده، وفي ظاهرها توجه حيث شئت فإنك منصور * ثم قال: وهذا غريب واستنكره * قال: وقيل كان من نور، ذكره الإمام أبو زكريا يحيى بن مالك بن عائذ في كتابه تنقل الأنوار، وحكى أقوالا غريبة غير ذلك * ومن أحسن ما ذكره ابن دحية ﵀ وغيره من العلماء قبله في الحكمة في كون الخاتم كان بين كتفي رسول الله ﷺ إشارة إلى أنه لا نبي بعدك يأتى من ورائك. قال: وقيل كان على نغض كتفه لأنه يقال: هو الموضع الّذي يدخل الشيطان منه إلى الإنسان، فكان هذا عصمة له ﵇ من الشيطان * قلت: وقد ذكرنا الأحاديث الدالة على أنه لا نبي بعده ﵇ ولا رسول، عند تفسير قوله تعالى: «ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً». باب جامع لأحاديث متفرقة وردت في صفة رسول الله ﷺ قد تقدم في رواية نافع بن جبير عن على بن أبى طالب، أنه قال: لم أر قبله ولا بعده مثله، وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا عبد الله بن مسلم القعنبي وسعيد بن منصور، ثنا عمر بن يونس، ثنا عمر بن عبد الله مولى عفرة، حدثني إبراهيم بن محمد من ولد على، قال: كان على إذا نعت رسول الله ﷺ قال: لم يكن بالطويل الممغّط ولا القصير المتردّد، وكان ربعة من القوم، ولم يكن بالجعد

стр. 1797

القطط، ولا بالسبط، كان جعدا رجلا ولم يكن بالمطهم ولا المكلثم، وكان في الوجه تدوير أبيض مشربا أدعج العينين أهدب الأشفار جليل المشاش والكتد، أجرد ذو مسربة، شثن الكفين والقدمين إذا مشى تقلع كأنما يمشى في صبب وإذا التفت التفت معا، بين كتفيه خاتم النبوة، أجود الناس كفا وأرحب الناس صدرا، وأصدق الناس لهجة، وأو في الناس ذمة، وألينهم عريكة، وألزمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته لم أر قبله ولا بعده مثله * وقد روى هذا الحديث الامام أبو عبيد القاسم بن سلام في كتاب الغريب * ثم روى عن الكسائي والأصمعي وأبى عمرو تفسير غريبه، وحاصل ما ذكره مما فيه غرابة: أن المطهم هو الممتلئ الجسم، والمكلثم شديد تدوير الوجه. يعنى لم يكن بالسمين الناهض، ولم يكن ضعيفا بل كان بين ذلك، ولم يكن وجهه في غاية التدوير بل فيه سهولة، وهي أحلى عند العرب ومن يعرف، وكان أبيض مشربا حمرة وهي أحسن اللون، ولهذا لم يكن أمهق اللون، والأدعج هو شديد سواد الحدقة، وجليل المشاش هو عظيم رءوس العظام مثل الركبتين والمرفقين والمنكبين، والكتد الكاهل وما يليه من الجسد وقوله: شثن الكفين أي: غليظهما، وتقلع في مشيته، أي شديد المشية، وتقدم الكلام على الشّكلة والشُّهلة والفرق بينهما، والاهدب طويل أشفار العين، وجاء في حديث أنه كان شبح الذراعين، يعنى غليظهما والله تعالى أعلم. حديث أم معبد في ذلك قد تقدم الحديث بتمامه في الهجرة من مكة إلى المدينة حين ورد عليها رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر ومولاه عامر بن فهيرة ودليلهم عبد الله بن أريقط الديليّ، فسألوها: هل عندها لبن أو لحم يشترونه منها؟ فلم يجدوا عندها شيئا، وقالت: لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، وكانوا ممحلين فنظر إلى شاة في كسر خيمتها فقال: ما هذه الشاة يا أم معبد؟ فقالت خلفها الجهد، فقال: أتأذنين أن أحلبها؟ فقالت: إن كان بها حلب فاحلبها، فدعا بالشاة فمسحها وذكر اسم الله، فذكر الحديث في حلبة منها ما كفاهم أجمعين ثم حلبها وترك عندها إناءها ملأى وكان يربض الرهط، فلما جاء بعلها استنكر اللبن وقال: من أين لك هذا يا أم معبد ولا حلوبة في البيت والشاء عازب؟ فقالت: لا والله إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، فقال: صفيه لي فو الله إني لأراه صاحب قريش الّذي تطلب فقالت: رأيت رجلا ظاهر الوضاءة حسن الخلق، مليح الوجه، لم تعبه ثجلة، ولم تزر به صعلة، قسيم وسيم، في عينيه دعج، وفي أشفاره وطف، وفي صوته صحل، أحور، أكحل، أزج، أقرن، في عنقه سطع، وفي لحيته كثاثة، إذا صمت فعليه الوقار، وإذا تكلم سما وعلاه البهاء، حلو المنطق، فصل لا نزر ولا هذر، كأن منطقه خرزات نظم ينحدرن، أبهى الناس وأجمله من بعيد،

стр. 1798

وأحلاه وأحسنه من قريب، ربعة لا تشنؤه عين من طول، ولا تقتحمه عين من قصر، غصن بين غصنين، فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدا، له رفقاء يحفون به، إن قال استمعوا لقوله، وإن أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود، لا عابس ولا مفند * فقال بعلها: هذا والله صاحب قريش الّذي تطلب، ولو صادفته لالتمست أن أصحبه، ولأجهدن إن وجدت إلى ذلك سبيلا * قال: وأصبح صوت بمكة عال بين السماء والأرض يسمعونه ولا يرون من يقوله وهو يقول: جزى الله ربّ الناس خير جزائه … رفيقين حلا خيمتي أم معبد هما نزلا بالبر وارتحلا به … فأفلح من أمسى رفيق محمد فيال قصىّ ما زوى الله عنكم … به من فعال لا تجازى وسؤدد سلوا أختكم عن شاتها وإنائها … فانكمو إن تسألوا الشاة تشهد دعاها بشاة حائل فتحلبت … له بصريح ضرّة الشاة مزبد فغادره رهنا لديها لحالب … يدر لها في مصدر ثم مورد وقد قدمنا جواب حسان بن ثابت لهذا الشعر المبارك بمثله في الحسن * والمقصود أن الحافظ البيهقي روى هذا الحديث من طريق عبد الملك بن وهب المذحجي قال: ثنا الحسن بن الصباح عن أبى معبد الخزاعي فذكر الحديث بطوله كما قدمناه بألفاظه * وقد رواه الحافظ يعقوب بن سفيان الفسوي والحافظ أبو نعيم في كتابه دلائل النبوة، قال عبد الملك: فبلغني أن أبا معبد أسلم بعد ذلك، وأن أم معبد هاجرت وأسلمت، ثم إن الحافظ البيهقي أتبع هذا الحديث بذكر غريبه وقد ذكرناه في الحواشي فيما سبق ونحن نذكر هاهنا نكتا من ذلك، فقولها: ظاهر الوضاءة، أي ظاهر الجمال، أبلج الوجه، أي مشرق الوجه مضيئة لم تعبه ثجلة قال أبو عبيد هو كبر البطن وقال غيره كبر الرأس، ورد أبو عبيدة رواية من روى لم تعبه نحلة يعنى من النحول وهو الضعف. قلت: وهذا هو الّذي فسر به البيهقي الحديث والصحيح قول أبى عبيدة، ولو قيل: إنه كبر الرأس لكان قويا، وذلك لقولها بعده: ولم تزر به صعلة وهو صغر الرأس بلا خلاف ومنه يقال لولد النعامة: صعل، لصغر رأسه، ويقال له: الظليم، وأما البيهقي فرواه لم تعبه نحلة يعنى من الضعف كما فسره، ولم تزر به صعلة وهو الحاصرة (١)، يريد أنه ضرب من الرجال ليس بمشفح (٢) ولا ناحل، قال: ويروى لم تعبه ثجلة وهو كبر البطن ولم تزر به صعلة وهو صغر الرأس، وأما الوسيم فهو حسن الخلق وكذلك القسيم أيضا، والدعج شدة سواد الحدقة، والوطف طول أشفار العينين، ورواه القتيبي في أشفاره عطف وتبعه البيهقي في ذلك. قال: ابن قتيبة ولا أعرف

стр. 1799

ما هذا لأنه وقع في روايته غلط فحار في تفسيره والصواب ما ذكرناه والله أعلم * وفي صوته صحل وهو بحة يسيرة وهي أحلى في الصوت من أن يكون حادا، قال أبو عبيد: وبالصحل يوصف الظباء، قال: ومن روى في صوته صهل فقد غلط فان ذلك لا يكون إلا في الخيل ولا يكون في الإنسان، قلت: وهو الّذي أورده البيهقي. قال ويروى صحل، والصواب قول أبى عبيد والله أعلم، وأما قولها: أحور فمستغرب في صفة النبي ﷺ وهو قبل في العين يزينها لا يشينها كالحول، وقولها: أكحل، قد تقدم له شاهد، وقولها: أزج، قال أبو عبيد هو المتقوس الحاجبين، قال: وأما قولها: أقرن فهو التقاء الحاجبين بين العينين قال: ولا يعرف هذا في صفة النبي ﷺ الا في هذا الحديث قال: والمعروف في صفته ﵇ أنه أبلج الحاجبين، في عنقه سطع قال أبو عبيد: أي طول، وقال غيره: نور قلت: والجمع ممكن بل متعين، وقولها إذا صمت فعليه الوقار، أي الهيبة عليه في حال صمته وسكوته وإذا تكلم سما أي علا على الناس وعلاه البهاء أي في حال كلامه حلو المنطق فصل أي فصيح بليغ يفصل الكلام ويبينه، لا نزر ولا هذر، أي لا قليل ولا كثير، كأن منطقه خرزات نظم، يعنى الّذي من حسنه وبلاغته وفصاحته وبيانه وحلاوة لسانه، أبهى الناس وأجمله من بعيد وأحلاه وأحسنه من قريب، أي هو مليح من بعيد ومن قريب، وذكرت أنه لا طويل ولا قصير بل هو أحسن من هذا ومن هذا، وذكرت أن أصحابه يعظمونه ويخدمونه ويبادرون إلى طاعته وما ذلك إلا لجلالته عندهم وعظمته في نفوسهم ومحبتهم له وأنه ليس بعابس أي ليس يعبس، ولا يفند أحدا أي يهجنه ويستقل عقله بل جميل المعاشرة حسن الصحبة صاحبه كريم عليه وهو حبيب إليه صلّى الله عليه حديث هند بن أبى هالة في ذلك وهند هذا هو ربيب رسول الله ﷺ أمه خديجة بنت خويلد وأبوه أبو هالة كما قدمنا بيانه. قال يعقوب بن سفيان الفسوي الحافظ ﵀: حدثنا سعيد بن حماد الأنصاري المصري وأبو غسان مالك ابن إسماعيل الهندي قالا: ثنا جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجليّ، قال: حدثني رجل بمكة عن ابن لأبى هالة التميمي عن الحسن بن على قال: سألت خالي هند بن أبى هالة - وكان وصافا - عن حلية رسول الله ﷺ وأنا أشتهى أن يصف لي منها شيئا أتعلق به - فقال: كان رسول الله ﷺ فحما مفخما يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر أطول من المربوع وأقصر من المشذب عظيم الهامة رجل الشعر إذا تفرقت عقيصته فرق والا فلا يجاوز شعره شحمة أذنيه، ذا وفرة أزهر اللون واسع الجبين أزج الحواجب سوابغ في غير قرن بينهما عرق يدره الغضب أقنى العرنين له نور يعلوه يحسبه من لم يتأمله أشم كث اللحية أدعج سهل الخدين ضليع الفم أشنب مفلج الأسنان دقيق المسربة كأن عنقه جيد دمية في صفاء - يعنى الفضة - معتدل الخلق بادن متماسك سواء البطن والصدر عريض الصدر بعيد ما بين

стр. 1800

المنكبين ضخم الكراديس أنور المتجرد موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجرى كالخط عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك أشعر الذراعين والمنكبين وأعالى الصدر طويل الزندين رحب الراحة سبط الغضب شثن الكفين والقدمين سابل الاطراف خمصان الأخمصين مسيح القدمين ينبو عنهما الماء إذا زال زال قلعا يخطو تكفيا ويمشى هونا ذريع المشية إذا مشى كأنما ينحط من صبب وإذا التفت التفت جميعا خافض الطرف نظره إلى الأرض أطول من نظره الى السماء جل نظره الملاحظة يسوق أصحابه يبدأ من لقيه بالسلام * قلت: صف لي منطقه، قال: كان رسول الله ﷺ متواصل الأحزان دائم الفكرة ليست له راحة لا يتكلم في غير حاجة طويل السكوت يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه يتكلم بجوامع الكلم، فصل لا فضول ولا تقصير دمث ليس بالجافي ولا المهين يعظم النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئا ولا يمدحه ولا يقوم لغضبه إذا تعرض للحق شيء حتى ينتصر له، وفي رواية: لا تغضبه الدنيا وما كان لها فإذا تعرض للحق لم يعرفه أحد ولم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له لا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها وإذا تحدث يصل بها يضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه، جل ضحكه التبسم ويفتر عن مثل حب الغمام * قال الحسن فكتمتها الحسن بن على زمانا ثم حدثته فوجدته قد سبقني اليه فسأله عما سألته عنه ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه ومجلسه وشكله فلم يدع منه شيئا قال الحسن: سألت أبى عن دخول رسول الله ﷺ فقال: كان دخوله لنفسه مأذون له في ذلك وكان إذا أوى إلى منزله جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزءا لله وجزءا لأهله، وجزءا لنفسه، ثم جزأ جزأه بين الناس فرد ذلك على العامة والخاصة لا يدخر عنهم شيئا، وكان من سيرته في جزء الأمة إيثار أهل الفضل بأدبه وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم والأمة من مسألته عنهم وأخبارهم بالذي ينبغي ويقول: ليبلغ الشاهد الغائب، وأبلغونى حاجة من لا يستطيع إبلاغي حاجته، فإنه من بلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها إياه ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده الا ذلك ولا يقبل من أحد غيره يدخلون عليه زوارا ولا يفترقون إلا عن ذواق وفي رواية ولا يتفرقون الا عن ذوق، ويخرجون أدلة يعنى فقهاء. قال: وسألته عن مخرجه كيف كان يصنع فيه، فقال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه الا بما يعنيهم ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس، ويحترس منهم من غير أن يطوى عن أحد منهم بشره ولا خاتمه، يتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهيه، معتدل الأمر غير مختلف لا يغفل مخافة أن يغفلوا أو يميلوا لكل حال عنده عتاد لا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم

стр. 1801

نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة. قال: فسألته عن مجلسه كيف كان فقال: كان رسول الله ﷺ لا يجلس ولا يقوم الا على ذكر، ولا يوطن الأماكن وينهى عن إيطانها وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، ويأمر بذلك، يعطى كل جلسائه نصيبه لا يحسب جليسه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاومه في حاجة صابره حتى يكون هو المنصرف، ومن سأله حاجة لم يرده الا بها أو بميسور من القول، قد وسع الناس منه بسطه وخلقه فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حكم وحياء وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤمن فيه الحرم، ولا تنثى فلتاته، متعادلين يتفاضلون فيه بالتقوى، متواضعين يوقرون فيه الكبير ويرحمون الصغير يؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب. قال: فسألته عن سيرته في جلسائه فقال: كان رسول الله ﷺ دائم البشر سهل الخلق لين الجانب ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب ولا فحاش ولا عياب ولا مزاح يتغافل عما لا يشتهي ولا يؤيس منه [راجيه] (١) ولا يخيب فيه قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار وما لا يعنيه وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته ولا يتكلم الا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رءوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا ولا يتنازعون عنده، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته حتى ان كان أصحابه يستحلونه (٢) في المنطق ويقول: إذا رأيتم طالب حاجة فارفدوه، ولا يقبل الثناء الا من مكافئ ولا يقطع على أحد حديثه حتى يجوز فيقطعه بانتهاء أو قيام. قال فسألته كيف كان سكوته؟ قال: كان سكوته على أربع: الحلم والحذر والتقدير والتفكر. فأما تقديره ففي تسويته النظر والاستماع بين الناس وأما تذكره أو قال تفكره ففيما يبقى ويفنى، وجمع له ﷺ الحلم والصبر فكان لا يغضبه شيء ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالحسنى، والقيام لهم فيما جمع لهم الدنيا والآخرة ﷺ * وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو عيسى الترمذي ﵀ في كتاب شمائل رسول الله ﷺ عن سفيان بن وكيع بن الجراح عن جميع بن عمر بن عبد الرحمن العجليّ حدثني رجل من ولد أبى هالة زوج خديجة يكنى أبا عبد الله سماه غيره يزيد بن عمر عن ابن لأبى هالة عن الحسن بن على قال: سألت خالي فذكره وفيه حديثه عن أخيه الحسين عن أبيه على بن أبى طالب * وقد رواه الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل عن أبى عبد الله الحاكم النيسابورىّ لفظا وقراءة عليه: أنا أبو محمد الحسن (٣) محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن على بن أبى طالب القعنبي صاحب كتاب النسب ببغداد، حدثنا إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب أبو محمد بالمدينة سنة ست وستين ومائتين، حدثني على

стр. 1802

ابن جعفر بن محمد عن أخيه موسى بن جعفر عن جعفر بن محمد عن على بن الحسين بن على عن أبيه محمد بن على بن الحسين قال: قال الحسن سألت خالي هند بن أبى هالة فذكره قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي ﵀ في كتابه الأطراف بعد ذكره ما تقدم من هاتين الطريقين: وروى إسماعيل بن مسلم بن قعنب القعنبي عن إسحاق بن صالح المخزومي عن يعقوب التيمي عن عبد الله ابن عباس أنه قال لهند بن أبى هالة - وكان وصافا لرسول الله -: صف لنا رسول الله ﷺ فذكر بعض هذا الحديث، وقد روى الحافظ البيهقي من طريق صبيح بن عبد الله الفرغاني وهو ضعيف عن عبد العزيز بن عبد الصمد عن جعفر بن محمد عن أبيه، وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة حديثا مطولا في صفة النبي ﷺ قريبا من حديث هند بن أبى هالة. وسرده البيهقي بتمامه وفي أثنائه تفسير ما فيه من الغريب وفيما ذكرناه غنية عنه والله تعالى أعلم * وروى البخاري عن أبى عاصم الضحاك عن عمر بن سعيد بن أحمد بن حسين، عن ابن أبى مليكة عن عقبة بن الحارث قال: صلى أبو بكر العصر بعد موت النبي ﷺ بليال فخرج هو وعلى يمشيان، فإذا الحسن بن على يلعب مع الغلمان، قال فاحتمله أبو بكر على كاهله وجعل يقول: يا باى، شبه النبي ليس شبيها بعلي وعلى يضحك منهما ﵄ وقال البخاري: ثنا أحمد بن يونس، ثنا زهير، ثنا إسماعيل عن أبى جحيفة قال: رأيت رسول الله ﷺ وكان الحسن بن على يشبهه * وروى البيهقي عن أبى على الروذبارى عن عبد الله بن جعفر بن شوذب الواسطي عن شعيب بن أيوب الصريفيني عن عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ عن على ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه برسول الله ﷺ ما كان أسفل من ذلك. باب ذكر أخلاقه وشمائله الطاهرة ﷺ قد قدمنا طيب أصله ومحتده، وطهارة نسبه ومولده، وقد قال الله تعالى: «اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ». وقال البخاري: حدثنا قتيبة، ثنا يعقوب بن عبد الرحمن عن عمرو عن سعيد المقبري عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «بعثت من خير قرون بنى آدم قرنا بعد قرن حتى كنت من القرن الّذي كنت فيه» * وفي صحيح مسلم عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله اصطفى قريشا من بنى إسماعيل، واصطفى بنى هاشم من قريش، واصطفاني من بنى هاشم» وقال الله تعالى: «ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ * ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ * وَإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ * وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» * قال العوفيّ عن ابن عباس: في قوله تعالى - وإنك لعلى خلق عظيم -

стр. 1803

يعنى - وإنك لعلى دين عظيم - وهو الإسلام * وهكذا قال مجاهد وابن مالك والسدي والضحاك وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وقال عطية: لعلى أدب عظيم * وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث قتادة عن زرارة بن أوفى عن سعد بن هشام قال: سألت عائشة أم المؤمنين فقلت: أخبرينى عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: أما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، فقالت: كان خلقه القرآن * وقد روى الامام أحمد عن إسماعيل بن علية، عن يونس بن عبيد، عن الحسن البصري قال: وسئلت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن * وروى الامام أحمد عن عبد الرحمن ابن مهدي والنسائي من حديثه، وابن جرير من حديث ابن وهب كلاهما عن معاوية بن صالح عن أبى الزاهرية عن جبير بن نفير قال: حججت فدخلت على عائشة فسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: كان خلقه القرآن * ومعنى هذا أنه ﵇ مهما أمره به القرآن امتثله، ومهما نهاه عنه تركه. هذا ما جبله الله عليه من الأخلاق الجبلية الأصلية العظيمة التي لم يكن أحد من البشر ولا يكون على أجمل منها، وشرع له الدين العظيم الّذي لم يشرعه لأحد قبله، وهو مع ذلك خاتم النبيين فلا رسول بعده ولا نبي ﷺ ، فكان فيه من الحياء والكرم والشجاعة والحلم والصفح والرحمة وسائر الأخلاق الكاملة ما لا يحد ولا يمكن وصفه * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سليمان، ثنا عبد الرحمن ثنا الحسن بن يحيى ثنا زيد بن واقد عن بشر بن عبيد الله عن أبى إدريس الخولانيّ عن أبى الدرداء قال: سألت عائشة عن خلق رسول الله ﷺ ، فقالت: كان خلقه القرآن يرضى لرضاه ويسخط لسخطه * وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، أنا قيس بن أنيف، ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا جعفر بن سليمان عن أبى عمران عن زيد بن؟ بابنوس (١) قال: قلنا لعائشة يا أم المؤمنين كيف كان خلق رسول الله ﷺ ؟ قالت: كان خلق رسول الله ﷺ (٢) ثم قالت أتقرأ سورة المؤمنون اقرأ قد أفلح المؤمنون إلى العشر قالت: هكذا كان خلق رسول الله ﷺ * وهكذا رواه النسائي عن قتيبة * وروى البخاري من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عبد الله بن الزبير في قوله تعالى: «خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ». قال: أمر رسول الله ﷺ أن يأخذ العفو من أخلاق الناس * وقال الامام أحمد: حدثنا سعيد بن منصور، ثنا عبد العزيز بن محمد عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق» تفرد به أحمد. ورواه الحافظ أبو بكر الخرائطى في كتابه فقال: وإنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق * وتقدم ما رواه البخاري من حديث أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجها، وأحسن الناس خلقا * وقال مالك عن الزهري

стр. 1804

عن عروة عن عائشة أنها قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثما فان كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها * ورواه البخاري ومسلم من حديث مالك * وروى مسلم عن أبى كريب عن أبى أسامة عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده شيئا قط لا عبدا ولا امرأة ولا خادما إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله * وقد قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: ما ضرب رسول الله ﷺ بيده خادما له قط ولا امرأة، ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا خير بين شيئين قط إلا كان أحبهما إليه أيسرهما، حتى يكون إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس من الإثم، ولا انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه حتى تنتهك حرمات الله فيكون هو ينتقم لله * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة عن أبى إسحاق، سمعت أبا عبد الله الجدلي يقول: سمعت عائشة وسألتها عن خلق رسول الله ﷺ فقالت: لم يكن فاحشا ولا متفحشا، ولا سخابا في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، أو قال يعفو ويغفر. شك أبو داود * ورواه الترمذي من حديث شعبة وقال: حسن صحيح * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا آدم وعاصم بن على قالا: ثنا ابن أبى ذئب، ثنا صالح مولى التوأمة قال: كان أبو هريرة ينعت رسول الله قال: كان يقبل جميعا ويدبر جميعا بأبي وأمى لم يكن فاحشا ولا متفحشا ولا سخابا في الأسواق * زاد آدم ولم أر مثله قبله ولم أر مثله بعده * وقال البخاري: ثنا عبدان عن أبى حمزة عن الأعمش عن أبى وائل عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحشا وكان يقول: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا * ورواه مسلم من حديث الأعمش به * وقد روى البخاري من حديث فليح بن سليمان عن هلال بن على عن عطاء بن يسار عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إن رسول الله موصوف في التوراة بما هو موصوف في القرآن، «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾ وحرزا للاميين أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ولن يقبضه حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله ويفتح أعينا عميا، وآذانا صما، وقلوبا غلفا» وقد روى عن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار * وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا يحيى عن شعبة عن قتادة عن عبد الله بن أبى عتبة عن أبى سعيد قال: كان النبي ﷺ أشد حياء من العذراء في خدرها * حدثنا ابن بشار ثنا يحيى وعبد الرحمن قالا: ثنا شعبة مثله وإذا كره شيئا عرف ذلك في وجهه، ورواه مسلم من حديث شعبة * وقال الامام أحمد: ثنا أبو عامر، ثنا فليح عن هلال بن على عن أنس بن مالك قال: لم يكن رسول الله ﷺ

стр. 1805

سبابا ولا لعانا ولا فاحشا، كان يقول لأحدنا عند المعاتبة: ما له تربت جبينه. ورواه البخاري عن محمد بن سنان عن فليح * وفي الصحيحين واللفظ لمسلم من حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وكان أجود الناس، وكان أشجع الناس، ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قبل الصوت، فتلقاهم رسول الله راجعا وقد سبقهم إلى الصوت وهو على فرس لأبى طلحة عرى في عنقه السيف وهو يقول: لم تراعوا لم تراعوا، قال: وجدناه بحرا، أو إنه لبحر، قال وكان فرسا يبطأ * ثم قال مسلم: ثنا بكر بن أبى شيبة، ثنا وكيع عن سعيد عن قتادة عن أنس قال: كان فزع بالمدينة فاستعار رسول الله ﷺ فرسا لأبى طلحة يقال له مندوب فركبه فقال: ما رأينا من فزع وإن وجدناه لبحرا، قال: كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ * وقال أبو إسحاق السبيى عن حارثة بن مضرب عن على بن أبى طالب قال: لما كان يوم بدر اتقينا المشركين برسول الله ﷺ وكان أشد الناس بأسا * رواه أحمد والبيهقي * وتقدم في غزوة هوازن أنه ﵇ لما فر جمهور أصحابه يومئذ ثبت وهو راكب بغلته وهو ينوّه باسمه الشريف يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، وهو مع ذلك يركضها إلى نحور الأعداء. وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة العظيمة والتوكل التام صلوات الله عليه * وفي صحيح مسلم من حديث إسماعيل ابن عليّة عن عبد العزيز عن أنس قال: لما قدم رسول الله المدينة أخذ أبو طلحة بيدي فانطلق بنا إلى رسول الله فقال: يا رسول الله إن أنسا غلام كيس فليخدمك قال: فخدمته في السفر والحضر، والله ما قال لي لشيء صنعته لم صنعت هذا هكذا؟ ولا لشيء لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا؟ * وله من حديث سعيد بن أبى بردة عن أنس قال: خدمت رسول الله تسع سنين فما أعلمه قال لي قط: لم فعلت كذا وكذا؟ ولا عاب على شيئا قط * وله من حديث عكرمة بن عمار عن إسحاق قال أنس: كان رسول الله ﷺ من أحسن الناس خلقا فأرسلنى يوما لحاجة فقلت: والله لا أذهب - وفي نفسي أن أذهب لما أمرنى به رسول الله ﷺ فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي قال: فنظرت إليه وهو يضحك فقال: يا أنيس ذهبت حيث أمرتك؟ فقلت: نعم أنا أذهب يا رسول الله. قال أنس: والله لقد خدمته تسع سنين ما علمته قال لشيء صنعته لم صنعت كذا وكذا أو لشيء تركته هلا فعلت كذا وكذا * وقال الامام أحمد: ثنا كثير، ثنا هشام، ثنا جعفر، ثنا عمران القصير عن أنس بن مالك قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين فما أمرنى بأمر فتوانيت عنه أو ضيعته فلامني، وإن لامنى أحد من أهله إلا قال: دعوه فلو قدر - أو قال قضى - أن يكون كان * ثم رواه أحمد عن على بن ثابت عن جعفر هو ابن برقان عن عمران البصري وهو القصير عن أنس فذكره، تفرد به الامام أحمد * وقال الامام أحمد: ثنا

стр. 1806

عبد الصمد، ثنا أبى، ثنا أبو التياح، ثنا أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا وكان لي أخ يقال له أبو عمير، قال: أحسبه قال فطيما، قال: فكان إذا جاء رسول الله ﷺ فرآه قال: أبا عمير ما فعل النغير، قال نغر كان يلعب به، قال: فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا فيأمر بالبساط الّذي تحته فيكنس ثم ينضح ثم يقوم رسول الله ﷺ ونقوم خلفه يصلّى بنا، قال: وكان بساطهم من جريد النخل * وقد رواه الجماعة إلا أبا داود من طرق عن أبى التياح يزيد بن حميد عن أنس بنحوه * وثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة * وقال الامام أحمد: حدثنا أبو كامل، ثنا حماد بن زيد، ثنا سلم العلويّ، سمعت أنس بن مالك أن النبي ﷺ رأى على رجل صفرة فكرهها قال فلما قام قال: لو أمرتم هذا أن يغسل عنه هذه الصفرة. قال: وكان لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه * وقد رواه أبو داود والترمذي في الشمائل، والنسائي في اليوم والليلة من حديث حماد بن زيد عن سلم بن قيس العلويّ البصري. قال أبو داود: وليس من ولد على بن أبى طالب، وكان يبصر في النجوم، وقد شهد عند عدي بن أرطاة على رؤية الهلال فلم يجز شهادته * وقال أبو داود: ثنا عثمان ابن أبى شيبة، ثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، ثنا الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا بلغه عن رجل شيء لم يقل ما بال فلان يقول ولكن يقول: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا * وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: لا يبلغني أحد عن أحد شيئا، إني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر * وقال مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال: كنت أمشى مع النبي ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية فأدركه أعرابى فجبذ بردائه جبذا شديدا حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ فإذا قد أثرت بها حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الّذي عندك، قال: فالتفت إليه رسول الله ﷺ فضحك ثم أمر له بعطاء. أخرجاه من حديث مالك * وقال الامام أحمد: ثنا زيد بن الحباب، أخبرنى محمد ابن هلال القرشي عن أبيه أنه سمع أبا هريرة يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في المسجد فلما قام قمنا معه فجاء أعرابى فقال: أعطني يا محمد، فقال: لا وأستغفر الله، فجذبه بحجزته فخدشه، قال: فهموا به فقال: دعوه قال ثم أعطاه، قال: فكانت يمينه: لا وأستغفر الله، وقد روى أصل هذا الحديث أبو داود والنسائي وابن ماجة من طرق عن محمد بن هلال بن أبى هلال مولى بنى كعب عن أبيه عن أبى هريرة بنحوه * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا عبد الله بن موسى عن شيبان عن الأعمش عن ثمامة بن عتبة عن زيد بن أرقم قال: كان رجل من الأنصار يدخل على رسول الله ﷺ ويأتمنه وأنه عقد

стр. 1807

له عقدا وألقاه في بئر فصرع ذلك رسول الله ﷺ فأتاه ملكان يعود انه فأخبراه أن فلانا عقد له عقدا وهي في بئر فلان، ولقد اصفرّ الماء من شدة عقده، فأرسل النبي ﷺ فاستخرج العقد، فوجد الماء قد اصفرّ فحل العقد ونام النبي ﷺ ، فلقد رأيت الرجل بعد ذلك يدخل على النبي ﷺ فما رأيته في وجه النبي ﷺ حتى مات * قلت والمشهور في الصحيح: أن لبيد بن الأعصم اليهودي هو الّذي سحر النبي ﷺ في مشط ومشاقة في جف طلعة ذكر تحت بئر ذروان، وأن الحال استمر نحو ستة أشهر حتى أنزل الله سورتي المعوذتين ويقال: إن آياتهما إحدى عشرة آية وأن عقد ذلك الّذي سحر فيه كان إحدى عشرة عقدة، وقد بسطنا ذلك في كتابنا التفسير بما فيه كفاية والله أعلم * وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو نعيم، ثنا عمران بن زيد أبو يحيى الملائى، ثنا زيد العمى عن أنس ابن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا صافح أو صافحه الرجل لا ينزع يده من يده حتى يكون الرجل ينزع يده، وإن استقبله بوجه لا يصرفه عنه حتى يكون الرجل ينصرف عنه، ولا يرى مقدما ركبتيه بين يدي جليس له * ورواه الترمذي وابن ماجة من حديث عمران بن زيد الثعلبي أبى يحيى الطويل الكوفي عن زيد بن الحواري العمى عن أنس به * وقال أبو داود: ثنا أحمد بن منيع، ثنا أبو قطن ثنا مبارك بن فضالة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: ما رأيت رجلا قط التقم أذن النبي ﷺ فينحي رأسه حتى يكون الرجل هو الّذي ينحى رأسه، وما رأيت رسول الله آخذا بيده رجل فترك يده حتى يكون الرجل هو الّذي يدع يده. تفرد به أبو داود * قال الامام أحمد: وحدثنا محمد بن جعفر وحجاج قالا: ثنا شعبة قال ابن جعفر في حديثه قال: سمعت على بن يزيد قال قال: أنس بن مالك ان كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت * ورواه ابن ماجة من حديث شعبة، وقال الامام أحمد: ثنا هشيم، ثنا حميد عن أنس بن مالك قال: إن كانت الأمة من أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به في حاجتها * وقد رواه البخاري في كتاب الأدب من صحيحه معلقا فقال: وقال محمد بن عيسى هو ابن الطباع: ثنا هشيم فذكره * وقال الطبراني: ثنا أبو شعيب الحراني، ثنا يحيى بن عبد الله البابلتي، ثنا أيوب بن نهيك، سمعت عطاء بن أبى رباح، سمعت ابن عمر، سمعت رسول الله ﷺ رأى صاحب بزّ فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم فخرج وهو عليه فإذا رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله اكسنى قميصا كساك الله من ثياب الجنة فنزع القميص فكساه إياه ثم رجع إلى صاحب الحانوت فاشترى منه قميصا بأربعة دراهم وبقي معه درهمان، فإذا هو بجارية في الطريق تبكى فقال: ما يبكيك؟ فقالت: يا رسول الله دفع إليّ أهلي درهمين أشترى بهما دقيقا فهلكا، فدفع إليها رسول الله الدرهمين الباقيين ثم انقلب وهي تبكى فدعاها فقال ما يبكيك وقد أخذت الدرهمين؟ فقالت: أخاف أن

стр. 1808

يضربونى، فمشى معها إلى أهلها فسلم فعرفوا صوته ثم عاد فسلم ثم عاد فسلم ثم عاد فثلث فردوا، فقال: أسمعتم أول السلام؟ قالوا: نعم ولكن أحببنا أن تزيدنا من السلام فما أشخصك بأبينا وأمنا، فقال: أشفقت هذه الجارية أن تضربوها، فقال صاحبها: هي حرة لوجه الله لممشاك معها، فبشرهم رسول الله بالخير والجنة. ثم قال: لقد بارك الله في العشرة: كسا الله نبيه قميصا ورجلا من الأنصار قميصا وأعتق الله منها رقبة وأحمد الله هو الّذي رزقنا هذا بقدرته * هكذا رواه الطبراني وفي إسناده أيوب بن نهيك الحلبي وقد ضعفه أبو حاتم، وقال أبو زرعة منكر الحديث، وقال الأزدي متروك * وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد عن ثابت عن أنس أن امرأة كان في عقلها شيء فقالت: يا رسول الله إن لي حاجة، فقال: يا أم فلان انظري أي الطرق شئت فقام معها يناجيها حتى قضت حاجتها، وهكذا رواه مسلم من حديث حماد بن سلمة * وثبت في الصحيحين من حديث الأعمش عن أبى حازم عن أبى هريرة قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه * وقال الثوري عن الأسود بن قيس عن شيخ العوفيّ (١) عن جابر قال: أتانا رسول الله في منزلنا فذبحنا له شاة فقال: كأنهم علموا أنا نحب اللحم الحديث، وقال محمد بن إسحاق عن يعقوب ابن عتبة عن عمر بن عبد العزيز عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدّث كثيرا ما يرفع طرفه إلى السماء، وهكذا رواه أبو داود في كتاب الأدب من سننه من حديث محمد بن إسحاق به * وقال أبو داود: حدثنا سلمة بن شعيب، ثنا عبد الله بن إبراهيم، ثنا إسحاق بن محمد الأنصاري عن ربيح بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده أبى سعيد الخدريّ أن رسول الله ﷺ كان إذا جلس احتبى بيده * ورواه البزار في مسندة ولفظه: كان إذا جلس نصب ركبتيه واحتبى بيديه، ثم قال أبو داود: ثنا حفص بن عمر وموسى بن إسماعيل قالا: ثنا عبد الرحمن بن حسان العنبري، حدثني جدتاى صفية ودحيبة ابنتا عليبة قال موسى ابنة حرملة وكانتا ربيبتي قيلة بنت مخرمة وكانت جدة أبيهما أنها أخبرتهما أنها رأت رسول الله ﷺ وهو قاعد القرفصاء قالت: فلما رأيت رسول الله المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق * ورواه الترمذي في الشمائل وفي الجامع عن عبد بن حميد عن عفان بن مسلم بن عبد الله بن حسان به. وهو قطعة من حديث طويل قد ساقه الطبراني بتمامه في معجمه الكبير * وقال البخاري: ثنا الحسن بن الصباح البزار، ثنا سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ : كان يحدث حديثا لو عدّه العاد لأحصاه. قال البخاري: وقال الليث: حدثني يونس عن ابن شهاب أخبرنى عروة بن الزبير عن عائشة أنها قالت:

стр. 1809

ألا أعجبك أبو فلان جاء فجلس إلى جانب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك وكنت أسبّح فقام قبل أن أقضى سبحتي ولو أدركته لرددت عليه إن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم * وقد رواه أحمد عن على بن إسحاق، ومسلم عن حرملة، وأبو داود عن سليمان بن داود كلهم عن ابن وهب عن يونس بن يزيد به، وفي روايتهم: ألا أعجبك من أبى هريرة فذكرت نحوه * وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن أسامة عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان كلام النبي ﷺ فصلا يفهمه كل أحد لم يكن يسرد سردا * وقد رواه أبو داود عن ابن أبى شيبة عن وكيع * وقال أبو يعلى: ثنا عبد الله بن محمد بن أسماء، ثنا عبد الله بن مسعر، حدثني شيخ أنه سمع جابر بن عبد الله - أو ابن عمر - يقول: كان في كلام النبي ﷺ ترتيل أو ترسيل * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثا وإذا أتى قوما يسلم عليهم سلم ثلاثا، ورواه البخاري من حديث عبد الصمد * وقال أحمد: ثنا أبو سعيد بن أبى مريم، ثنا عبد الله بن المثنى، سمعت ثمامة بن أنس يذكر أن أنسا كان إذا تكلم تكلم ثلاثا ويذكر أن النبي ﷺ : كان إذا تكلم تكلم ثلاثا، وكان يستأذن ثلاثا وجاء في الحديث الّذي رواه الترمذي عن عبد الله بن المثنى عن ثمامة عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا تكلم يعيد الكلمة ثلاثا لتعقل عنه، ثم قال الترمذي حسن صحيح غريب * وفي الصحيح أنه قال: أوتيت جوامع الكلم وأختصر الحكم اختصارا * قال الامام أحمد حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بعثت بجوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وبينا أنا نائم أوتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي، وهكذا رواه البخاري من حديث الليث * وقال أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى، ثنا ابن لهيعة عن عبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فوضعت في يدي * تفرد به أحمد من هذا الوجه، وقال أحمد: حدثنا يزيد، ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ نصرت بالرعب، وأوتيت جوامع الكلم، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الأرض فتلّت في يدي، تفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط مسلم * وثبت في الصحيحين من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث، حدثني أبو النضر عن سليمان بن يسار عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا حتى أرى منه لهواته إنما كان يتبسم * وقال الترمذي: ثنا قتيبة، ثنا ابن لهيعة عن عبد الله بن المغيرة عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال: ما رأيت أحدا أكثر تبسما من رسول الله ﷺ * ثم

стр. 1810

رواه من حديث الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن عبد الله بن الحرث بن جزء قال: ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسما، ثم قال صحيح * وقال مسلم: ثنا يحيى بن يحيى، ثنا أبو خيثمة عن سماك بن حرب قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم كثيرا كان لا يقوم من مصلاه الّذي يصلّى فيه الصبح حتى تطلع الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم رسول الله ﷺ * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شريك وقيس بن سعد عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة: أكنت تجالس النبي ﷺ ؟ قال: نعم كان قليل الصمت، قليل الضحك فكان أصحابه ربما يتناشدون الشعر عنده وربما قال الشيء من أمورهم فيضحكون وربما يتبسم * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق، أنا أبو عبد الرحمن المقري، ثنا الليث بن سعد عن الوليد بن أبى الوليد أن سليمان بن خارجة أخبره عن خارجة بن زيد - يعنى ابن ثابت - أن نفرا دخلوا على أبيه فقالوا: حدثنا عن بعض أخلاق رسول الله ﷺ ، فقال: كنت جاره فكان إذا نزل الوحي بعث إليّ فآتيه فأكتب الوحي وكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا فكل هذا نحدثكم عنه * ورواه الترمذي في الشمائل عن عباس الدوري عن أبى عبد الرحمن عن عبد الله بن يزيد المقري به نحوه ذكر كرمه ﵇ تقدم ما أخرجاه في الصحيحين من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حين يلقاه جبريل بالوحي فيدارسه القرآن فلرسول الله ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة، وهذا التشبيه في غاية ما يكون من البلاغة في تشبيهه الكرم بالريح المرسلة في عمومها وتواترها وعدم انقطاعها * وفي الصحيحين من حديث سفيان بن سعيد الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال لا * وقال الامام أحمد حدثنا ابن أبى عدي عن حميد عن موسى بن أنيس عن أنس أن رسول الله ﷺ لم يسأل شيئا على الإسلام إلا أعطاه، قال فأتاه رجل فأمر له بشاء كثير بين جبلين من شاء الصدقة، قال: فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فان محمدا يعطى عطاء ما يخشى الفاقة ورواه مسلم عن عاصم بن النضر عن خالد بن الحارث عن حميد * وقال أحمد: ثنا عفان، ثنا حماد، ثنا ثابت عن أنس أن رجلا سأل النبي ﷺ فأعطاه غنما بين جبلين فأتى قومه فقال: يا قوم أسلموا، فان محمدا يعطى عطاء ما يخاف الفاقة، فان كان الرجل ليجيء إلى رسول الله ما يريد إلا الدنيا، فما يمسى حتى يكون دينه أحب إليه وأعز عليه من الدنيا وما فيها * ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به.

стр. 1811

وهذا العطاء ليؤلف به قلوب ضعيفى القلوب في الإسلام، ويتألف آخرين ليدخلوا في الإسلام كما فعل يوم حنين حين قسم تلك الأموال الجزيلة من الإبل والشاء والذهب والفضة في المؤلفة، ومع هذا لم يعط الأنصار وجمهور المهاجرين شيئا، بل أنفق فيمن كان يحب أن يتألفه على الإسلام، وترك أولئك لما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، وقال مسليا لمن سأل عن وجه الحكمة في هذه القسمة لمن عتب من جماعة الأنصار: أما ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله تحوزونه إلى رحالكم؟ قالوا: رضينا يا رسول الله * وهكذا أعطى عمه العباس بعد ما أسلم حين جاءه ذلك المال من البحرين فوضع بين يديه في المسجد وجاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني فقد فأديت نفسي يوم بدر وفأديت عقيلا، فقال: خذ، فنزع ثوبه عنه وجعل يضع فيه من ذلك المال ثم قام ليقله فلم يقدر فقال لرسول الله: ارفعه على، قال: لا أفعل، فقال: مر بعضهم ليرفعه على، فقال: لا، فوضع منه شيئا ثم عاد فلم يقدر فسأله أن يرفعه أو أن يأمر بعضهم برفعه فلم يفعل فوضع منه ثم احتمل الباقي وخرج به من المسجد ورسول الله ﷺ يتبعه بصره عجبا من حرصه * قلت: وقد كان العباس ﵁ رجلا شديدا طويلا نبيلا، فأقل ما احتمل شيء يقارب أربعين ألفا والله أعلم * وقد ذكره البخاري في صحيحه في مواضع معلقا بصيغة الجزم وهذا يورد في مناقب العباس لقوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» * وقد تقدم عن أنس بن مالك خادمه ﵇ أنه قال: كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وأشجع الناس، الحديث * وكيف لا يكون كذلك وهو رسول الله ﷺ المجبول على أكمل الصفات، الواثق بما في يدي الله ، الّذي أنزل الله عليه في محكم كتابه العزيز: «وَما لَكُمْ أَلاّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» الآية * وقال تعالى: «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرّازِقِينَ» وهو ﵇ القائل لمؤذنه بلال وهو الصادق المصدوق في الوعد والمقال: «أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا» وهو القائل ﵇ «ما من يوم تصبح العباد فيه إلا وملكان يقول أحدهما: اللهمّ أعط منفقا خلفا، ويقول الآخر: اللهمّ أعط ممسكا تلفا» وفي الحديث الآخر أنه قال لعائشة: لا توعى فيوعى الله عليك، ولا توكى فيوكى الله عليك * وفي الصحيح أنه ﵇ قال: يقول الله تعالى: «ابن آدم أنفق أنفق عليك» فكيف لا يكون أكرم الناس وأشجع الناس، وهو المتوكل الّذي لا أعظم منه في توكله، الواثق برزق الله ونصره، المستعين بربه في جميع أمره؟ ثم قد كان قبل بعثته وبعدها وقبل هجرته، ملجأ الفقراء والأرامل، والأيتام والضعفاء، والمساكين، كما قال عمه أبو طالب فيما قدمناه من القصيدة المشهورة

стр. 1812

وما ترك قوم لا أبا لك سيدا … يحوط الذمار غير ذرب موكل وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل ومن تواضعه ما روى الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن ثابت زاد النسائي - وحميد عن أنس - أن رجلا قال لرسول الله ﷺ : يا سيدنا وابن سيدنا، فقال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس قولوا بقولكم ولا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبد الله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق ما رفعني الله * وفي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله لا تطرونى كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى عن شعبة، حدثني الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال: قلت لعائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في أهله؟ قالت: كان في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة * وحدثنا وكيع ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود قال: قلت لعائشة: ما كان النبي ﷺ يصنع إذا دخل بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج فصلى * ورواه البخاري عن آدم عن شعبة * وقال الامام أحمد: حدثنا عبدة، ثنا هشام بن عروة عن رجل قال: سئلت عائشة: ما كان رسول الله ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يرقع الثوب ويخصف النعل ونحو هذا، وهذا منقطع من هذا الوجه * وقد قال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهري عن عروة وهشام بن عروة عن أبيه قال: سأل رجل عائشة هل كان رسول الله ﷺ يعمل في بيته؟ قالت: نعم، كان يخصف نعله، ويخيط ثوبه كما يعمل أحدكم في بيته * رواه البيهقي فاتصل الاسناد * وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو جعفر محمد بن عمرو بن البحتري - إملاء - حدثنا محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا ابن صالح، حدثني معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت: قلت لعائشة: ما كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان رسول الله ﷺ بشرا من البشر، يفلى ثوبه ويحلب شاته، ويخدم نفسه * ورواه الترمذي في الشمائل عن محمد بن إسماعيل عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد عن عمرة قالت: قيل لعائشة ما كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته الحديث * وروى ابن عساكر من طريق أبى أسامة عن حارثة بن محمد الأنصاري عن عمرة قالت: قلت لعائشة: كيف كان رسول الله ﷺ في أهله؟ قالت: كان ألين الناس، وأكرم الناس، وكان ضحاكا بساما * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، حدثني مسلم أبو عبد الله الأعور، سمع أنسا يقول: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر ويقل اللغو، ويركب الحمار، ويلبس الصوف، ويجيب دعوة المملوك، ولو رأيته يوم خيبر على حمار خطامه من ليف *

стр. 1813

وفي الترمذي وابن ماجة من حديث مسلم بن كيسان الملائى عن أنس بعض ذلك * وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ - إملاء - ثنا أبو بكر محمد بن جعفر الآدمي القاري ببغداد، ثنا عبد الله بن أحمد بن إبراهيم الدرورى، ثنا أحمد بن نصر بن مالك الخزاعي، ثنا على بن الحسين ابن واقد عن أبيه قال: سمعت يحيى بن عقيل يقول: سمعت عبد الله بن أبى أوفى يقول: كان رسول الله ﷺ يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يستنكف أن يمشى مع العبد، ولا مع الأرملة، حتى يفرغ لهم من حاجاتهم * ورواه النسائي عن محمد بن عبد العزيز عن أبى زرعة عن الفضل بن موسى عن الحسين بن واقد عن يحيى بن عقيل الخزاعي البصري عن ابن أبى أوفى بنحوه * وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو بكر إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الفقيه بالري، ثنا أبو بكر محمد بن الفرج الأزرق، ثنا هاشم بن القاسم، ثنا شيبان أبو معاوية عن أشعث بن أبى الشعثاء عن أبى بردة عن أبى موسى قال: كان رسول الله ﷺ يركب الحمار، ويلبس الصوف، ويعتقل الشاة، ويأتى مراعاة الضيف (١)، وهذا غريب من هذا الوجه، ولم يخرجوه وإسناده جيد * وروى محمد بن سعد، عن إسماعيل بن أبى فديك عن موسى بن يعقوب الربعي عن سهل مولى عتبة، أنه كان نصرانيا من أهل مريس، وأنه كان في حجر عمه، وأنه قال: قرأت يوما في مصحف (٢) لعمى، فإذا فيه ورقة بغير الخط وإذا فيها نعت محمد ﷺ : لا قصير ولا طويل أبيض ذو ضفيرتين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاة، ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد بريء من الكبر، وهو من درية إسماعيل اسمه أحمد. قال: فلما جاء عمى ورآني قد قرأتها ضربني وقال: مالك وفتح هذه، فقلت: إن فيها نعت أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد * وقال الامام أحمد: ثنا إسماعيل، ثنا أيوب عن عمرو عن سعيد عن أنس قال: ما رأيت أحدا كان أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، وذكر الحديث، ورواه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل بن علية به * وقال الترمذي في الشمائل: ثنا محمود بن غيلان، ثنا أبو داود عن شعبة عن الأشعث بن سليم، [قال] سمعت عمتي تحدث عن عمها قال: بينا أنا أمشى بالمدينة إذا إنسان خلفي يقول: ارفع إزارك فإنه أنقى وأبقى، [فنظرت] فإذا هو رسول الله، فقلت: يا رسول إنما هي بردة ملحاء، قال: أما لك فىّ أسوة؟ فإذا إزاره إلى نصف ساقيه * ثم قال: ثنا سويد بن نصر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن موسى بن عبيدة عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: كان عثمان بن عفان متزرا إلى أنصاف ساقيه قال: هكذا كانت أزرة صاحبي ﷺ * وقال أيضا:

стр. 1814

ثنا يوسف بن عيسى، ثنا وكيع، ثنا الربيع بن صبيح، ثنا يزيد بن أبان، عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ يكثر القناع، كأن ثوبه ثوب زيات، وهذا فيه غرابة ونكارة والله أعلم * وروى البخاري عن على بن الجعد عن شعبة عن يسار أبى الحكم عن ثابت عن أنس أن رسول الله ﷺ مرّ على صبيان يلعبون فسلم عليهم * ورواه مسلم من وجه آخر عن شعبة. ذكر مزاحه ﵇ وقال ابن لهيعة: حدثني عمارة بن غزية عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ من أفكه الناس مع صبي * وقد تقدم حديثه في ملاعبته أخاه أبا عمير، وقوله أبا عمير ما فعل النغير، يذكره بموت نغر كان يلعب به ليخرجه (١) بذلك كما جرت به عادة الناس من المداعبة مع الأطفال الصغار * وقال الامام أحمد: ثنا خلف بن الوليد، ثنا خالد بن عبد الله، عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك أن رجلا أتى النبي ﷺ فاستحمله فقال رسول الله ﷺ : إنا حاملوك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد ناقة؟ فقال رسول الله ﷺ : وهل تلد الإبل إلا النوق؟ * ورواه أبو داود عن وهب بن بقية، والترمذي عن قتيبة كلاهما عن خالد بن عبد الله الواسطي الطحان به، وقال الترمذي صحيح غريب * وقال أبو داود في هذا الباب: ثنا يحيى بن معين، ثنا حجاج بن محمد، ثنا يونس بن أبى إسحاق عن أبى إسحاق عن العيزار بن حرب، عن النعمان بن بشير قال: استأذن أبو بكر على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عاليا على رسول الله، فلما دخل تناولها ليلطمها وقال: ألا أراك ترفعين صوتك على رسول الله!، فجعل النبي ﷺ يحجزه وخرج أبو بكر مغضبا، فقال رسول الله حين خرج أبو بكر: كيف رأيتينى أنقذتك من الرجل؟ فمكث أبو بكر أياما ثم استأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا فقال لهما: أدخلانى في سلمكما كما أدخلتمانى في حربكما، فقال رسول الله ﷺ : قد فعلنا قد فعلنا * وقال أبو داود: ثنا مؤمل بن الفضل، ثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن العلاء عن بشر بن عبيد الله عن أبى إدريس الخولانيّ عن عوف بن مالك الأشجعي قال: أتيت رسول الله في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فسلمت فرد وقال: ادخل، فقلت: أكلي يا رسول الله فقال: كلك، فدخلت * وحدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد ابن عثمان بن أبى العاملة إنما قال أدخل كلى من صغر القبة * ثم قال أبو داود: ثنا إبراهيم بن مهدي، ثنا شريك عن عاصم عن أنس قال: قال لي رسول الله ﷺ يا ذا الأذنين * قلت: ومن هذا القبيل ما رواه الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن ثابت عن أنس أن رجلا من أهل البادية كان اسمه زاهرا وكان يهدى النبي ﷺ الهدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج،

стр. 1815

فقال رسول الله: إن زاهرا باديتنا ونحن حاضروه، وكان رسول الله ﷺ يحبه، وكان رجلا دميما فأتاه رسول الله ﷺ وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه ولا يبصره الرجل، فقال: أرسلنى، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل رسول الله ﷺ يقول: من يشترى العبد فقال: يا رسول الله إذن والله تجدني كاسدا، فقال رسول الله ﷺ لكن عند الله لست بكاسد أو قال: لكن عند الله أنت غال * وهذا إسناد رجاله كلهم ثقات على شرط الصحيحين ولم يروه الا الترمذي في الشمائل عن إسحاق بن منصور عن عبد الرزاق * ورواه ابن حبان في صحيحه عن (١) ومن هذا القبيل ما رواه البخاري من صحيحه أن رجلا كان يقال له عبد الله - ويلقب حمارا - وكان يضحك النبي ﷺ ، وكان يؤتى به في الشراب، فجيء به يوما فقال رجل: لعنه الله ما أكثر ما يؤتى به، فقال رسول الله ﷺ : «لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله» * ومن هذا ما قال الامام أحمد: ثنا حجاج، حدثني شعبة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ كان في مسير وكان حاد يحدو بنسائه أو سائق، قال: فكان نساؤه يتقدمن بين يديه، فقال: يا أنجشة ويحك، ارفق بالقوارير * وهذا الحديث في الصحيحين عن أنس، قال: كان للنّبيّ ﷺ حاد يحدو بنسائه يقال له أنجشة، فحدا فأعنقت الإبل، فقال رسول الله ﷺ : ويحك يا أنجشة ارفق بالقوارير، ومعنى القوارير النساء وهي كلمة دعابة صلوات الله وسلامه عليه دائما إلى يوم الدين. ومن مكارم أخلاقه ودعابته وحسن خلقه استماعه ﵇ حديث أم زرع من عائشة بطوله، ووقع في بعض الروايات أنه ﵇ هو الّذي قصه على عائشة * ومن هذا ما رواه الامام أحمد: ثنا أبو النضر، ثنا أبو عقيل - يعنى عبد الله بن عقيل الثقفي - به، حدثنا مجالد بن سعيد عن عامر عن مسروق عن عائشة قالت: حدث رسول الله ﷺ نساءه ذات ليلة حديثا، فقالت امرأة منهن: يا رسول الله كان الحديث حديث خرافة، فقال رسول الله ﷺ : أتدرين ما خرافة؟ إن خرافة كان رجلا من عذرة أسرته الجن في الجاهلية، فمكث فيهم دهرا طويلا، ثم ردوه إلى الانس، فكان يحدث الناس بما رأى فيهم من الأعاجيب، فقال الناس: حديث خرافة * وقد رواه الترمذي في الشمائل عن الحسن بن الصباح البزار عن أبى النضر هاشم بن القاسم به * قلت: وهو من غرائب الأحاديث وفيه نكارة ومجالد بن سعيد يتكلمون فيه فالله أعلم * وقال الترمذي في باب خراج النبي ﷺ من كتابه الشمائل: ثنا عبد بن حميد، ثنا مصعب بن المقدام، ثنا المبارك بن فضالة عن الحسن

стр. 1816

قال: أتت عجوز النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ادع لي أن يدخلني الله الجنة، قال: يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز، فولت العجوز تبكى، فقال أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز فان الله تعالى يقول «إِنّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً» وهذا مرسل من هذا الوجه * وقال الترمذي: ثنا عباس ابن محمد الدوري، ثنا على بن الحسن بن شقيق، ثنا عبد الله بن المبارك عن أسامة بن زيد عن سعيد المقبري عن أبى هريرة قال: قالوا يا رسول الله إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلا حقا. تداعبنا - يعنى تمازحنا - وهكذا رواه الترمذي في جامعه في باب البر بهذا الاسناد ثم قال: وهذا حديث مرسل حسن * باب زهده ﵇ وإعراضه عن هذه الدار وإقباله واجتهاده وعمله لدار القرار قال الله تعالى: «وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى» وقال تعالى: «وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» وقال تعالى: «فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّى عَنْ ذِكْرِنا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَياةَ الدُّنْيا * ذلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ» وقال: «وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعاً مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ * لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاِخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ» والآيات في هذا كثيرة. وأما الأحاديث، فقال يعقوب بن سفيان: حدثني أبو العباس حيوة بن شريح، أنا بقية عن الزبيدي عن الزهري عن محمد بن عبد الله بن عباس قال: كان ابن عباس يحدث أن الله أرسل إلى نبيه ملكا من الملائكة معه جبريل، فقال الملك لرسوله: «إن الله يخيرك بين أن تكون عبدا نبيا وبين أن تكون ملكا نبيا» فالتفت رسول الله إلى جبريل كالمستشير له، فأشار جبريل إلى رسول الله أن تواضع، فقال رسول الله ﷺ : بل أكون عبدا نبيا، قال: فما أكل بعد تلك الكلمة طعاما متكئا حتى لقي الله * وهكذا رواه البخاري في التاريخ عن حيوة بن شريح، وأخرجه النسائي عن عمرو بن عثمان كلاهما عن بقية بن الوليد به، وأصل هذا الحديث في الصحيح بنحو من هذا اللفظ * وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن فضيل عن عمارة عن أبى زرعة - ولا أعلمه الا عن أبى هريرة - قال: جلس جبريل إلى رسول الله ﷺ فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد أرسلنى إليك ربك: أفملكا نبيا يجعلك أو عبدا رسولا * هكذا وجدته بالنسخة التي عندي بالمسند مقتصرا وهو من إفراده من هذا الوجه * وثبت في الصحيحين من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب في حديث إيلاء رسول الله ﷺ من أزواجه أن لا يدخل عليهنّ شهرا واعتزل عنهن في علية، فلما دخل عليه عمر في تلك العلية فإذا

стр. 1817

ليس فيها سوى صبرة من قرظ، وأهبة معلقة، وصبرة من شعير، وإذا هو مضطجع على رمال حصير قد أثر في جنبه، فهملت عينا عمر، فقال: مالك، فقلت: يا رسول الله أنت صفوة الله من خلقه، وكسرى وقيصر فيما هما فيه، فجلس محمرا وجهه فقال: أو في شك أنت يا ابن الخطاب؟ ثم قال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا. وفي رواية لمسلم اما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: فاحمد الله ، ثم لما انقضى الشهر أمره الله أن يخير أزواجه وأنزل عليه قوله: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلاً * وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالدّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً». وقد ذكرنا هذا مبسوطا في كتابنا التفسير وأنه بدأ بعائشة، فقال لها: إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي حتى تستأمرى أبويك، وتلا عليها هذه الآية، قالت: فقلت أفي هذا أستأمر أبوي؟ فانى أختار الله ورسوله والدار الآخرة، وكذلك قال سائر أزواجه ﵇ ورضى عنهن * وقال مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس قال: دخلت على رسول الله وهو على سرير مزمول بالشريط، وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف، ودخل عليه عمرو ناس من الصحابة فانحرف رسول الله انحرافة، فرأى عمر أثر الشريط في جنبه فبكى، فقال له: ما يبكيك يا عمر؟ قال: وما لي لا أبكى وكسرى وقيصر يعيشان فيما يعيشان فيه من الدنيا، وأنت على الحال الّذي أرى، فقال: يا عمر، أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى، قال: هو كذلك. هكذا رواه البيهقي * وقال الامام أحمد: [حدثنا أبو النضر] ثنا مبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال: دخلت على رسول الله وهو على سرير مضطجع مزمل بشريط وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف فدخل عليه نفر من أصحابه، ودخل عمر فانحرف رسول الله انحرافة فلم ير عمر بين جنبه وبين الشريط ثوبا وقد أثر الشريط بجنب رسول الله، فبكى عمر، فقال له رسول الله ﷺ : ما يبكيك يا عمر؟ قال: والله ما أبكى ألا أكون أعلم أنك أكرم على الله من كسرى وقيصر وهما يعيشان في الدنيا فيما يعيشان فيه وأنت يا رسول الله في المكان الّذي أرى، فقال رسول الله: أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ قال: بلى، قال فإنه كذلك * وقال أبو داود الطيالسي ثنا المسعودي عن عمرو بن مرة عن إبراهيم عن علقمة بن مسعود قال: اضطجع رسول الله على حصير فأثر الحصير بجلده، فجعلت أمسحه وأقول بأبي أنت وأمى ألا آذنتنا فنبسط لك شيئا يقيك منه تنام عليه؟ فقال: ما لي وللدنيا، ما أنا والدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها * ورواه ابن ماجة عن يحيى بن حكيم عن أبى داود الطيالسي به. وأخرجه الترمذي عن موسى بن عبد الرحمن الكندي عن زيد بن الحباب كلاهما عن المسعودي به. وقال الترمذي حسن صحيح * وقد رواه الامام أحمد من حديث ابن عباس، فقال:

стр. 1818

حدثنا عبد الصمد وأبو سعيد وعفان قالوا: ثنا ثابت، ثنا هلال عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله دخل عليه عمر وهو على حصير قد أثر في جنبه، فقال: يا رسول الله لو اتخذت فراشا أوثر من هذا، فقال: ما لي وللدنيا ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب سار في يوم صائف فاستظل تحت شجرة ساعة من نهار ثم راح وتركها * تفرد به أحمد * وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عبد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبى هريرة أن رسول الله قال: لو أن لي مثل أحد ذهبا ما سرّني أن تأتى عليّ ثلاث ليال وعندي منه شيء إلا شيء أرصده لدين * وفي الصحيحين من حديث عمارة بن القعقاع عن أبى زرعة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: اللهمّ اجعل رزق آل محمد قوتا * فأما الحديث الّذي رواه ابن ماجة من حديث يزيد بن سنان عن ابن المبارك عن عطاء عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ قال: اللهمّ أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرني في زمرة المساكين، فإنه حديث ضعيف لا يثبت من جهة إسناده لأن فيه يزيد بن سنان أبا فروة الرهاوي وهو ضعيف جدا والله أعلم * وقد رواه الترمذي من وجه آخر فقال: حدثنا عبد الأعلى بن واصل الكوفي، ثنا ثابت بن محمد العابد الكوفي، حدثنا الحارث بن النعمان الليثي عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: اللهمّ أحينى مسكينا وأمتنى مسكينا واحشرني في زمرة المساكين يوم القيامة، فقالت عائشة: لم يا رسول الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بأربعين خريفا يا عائشة لا تردى المسكين ولو بشق تمرة. يا عائشة حبّى المساكين وقربيهم فان الله يقربك يوم القيامة * ثم قال هذا حديث غريب * قلت: وفي إسناده ضعف وفي متنه نكارة والله أعلم * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد، [قال: حد] ثنا أبو عبد الرحمن - يعنى - عبد الله ابن دينار عن أبى حازم عن سعيد بن سعد أنه قيل له: هل رأى النقي بعينه - يعنى الحوّارى - فقال له ما رأى رسول الله النقي بعينه حتى لقي الله ، فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله؟ فقال: ما كانت لنا مناخل، فقيل له: فكيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قال: ننفخه فيطير [منه] ما طار * وهكذا رواه الترمذي من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار به وزاد ثم نذريه ونعجنه، ثم قال حسن صحيح * وقد رواه مالك عن أبى حازم. قلت: وقد رواه البخاري عن سعيد بن أبى مريم عن محمد بن مطرف بن غسان المدني عن أبى حازم عن سهل بن سعد به، ورواه البخاري أيضا والنسائي عن شيبة عن يعقوب بن عبد الرحمن القاري عن أبى حازم عن سهل به، وقال الترمذي: حدثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا يحيى بن أبى بكير، ثنا جرير بن عثمان عن سليم بن عامر سمعت أبا أمامة يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشعير، ثم قال: حسن صحيح غريب * وقال الامام أحمد: ثنا يحيى بن سعيد عن يزيد بن كيسان، حدثني أبو حازم قال: رأيت أبا هريرة يشير بإصبعه مرارا: والّذي نفس أبى هريرة بيده ما شبع نبي الله وأهله ثلاثة

стр. 1819

أيام تباعا من خبز حنطة حتى فارق الدنيا، ورواه مسلم والترمذي وابن ماجة من حديث يزيد بن كيسان * وفي الصحيحين من حديث جرير بن عبد الحميد عن منصور عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ﷺ منذ قدموا المدينة ثلاثة أيام تباعا من خبز بر حتى مضى لسبيله * وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا محمد بن طلحة عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع آل محمد ثلاثا من خبز بر حتى قبض وما رفع من مائدته كسرة قط حتى قبض * وقال أحمد: ثنا محمد بن عبيد، ثنا مطيع الغزال عن كردوس عن عائشة قالت: قد مضى رسول الله لسبيله وما شبع أهله ثلاثة أيام من طعام بر * وقال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا زويد عن أبى سهل عن سليمان بن رومان - مولى عروة - عن عروة عن عائشة أنها قالت: والّذي بعث محمدا بالحق ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله [ ] إلى أن قبض. قلت: كيف كنتم تأكلون الشعير؟ قالت: كنا نقول أف * تفرد به أحمد من هذا الوجه * وروى البخاري عن محمد بن كثير عن الثوري عن عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة عن أبيه عن عائشة قالت: إن كنا لنخرج الكراع بعد خمسة عشر يوما فنأكله، قلت: ولم تفعلون ذلك؟ فضحكت وقالت: ما شبع آل محمد ﷺ من خبز مأدوم حتى لحق بالله * وقال أحمد: ثنا يحيى، ثنا هشام، أخبرنى أبى عن عائشة قالت كان يأتى على آل محمد الشهر ما يوقدون فيه نارا ليس إلا التمر والماء إلا أن يؤتى باللحم * وفي الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها قالت: إن كنا آل محمد ليمر بنا الهلال ما نوقد نارا إنما هو الأسودان: التمر والماء إلا أنه كان حولنا أهل دور من الأنصار يبعثون إلى رسول الله بلبن منائحهم فيشرب ويسقينا من ذلك اللبن * ورواه أحمد عن بريدة عن محمد بن عمرو عن أبى سلمة عنها بنحوه * وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا حسين ثنا محمد بن مطرف، عن أبى حازم عن عروة بن الزبير أنه سمع عائشة تقول كان يمر بنا هلال وهلال ما يوقد في بيت من بيوت رسول الله ﷺ نار، قال قلت: يا خالة على أي شيء كنتم تعيشون؟ قالت: على الأسودين التمر والماء تفرد به أحمد * وقال أبو داود الطيالسي عن شعبة عن أبى إسحاق عن عبد الرحمن ابن يزيد عن الأسود عن عائشة قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض، وقد رواه مسلم من حديث شعبة وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الله، حدثني أبى، ثنا بهز، ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: قالت عائشة: أرسل إلينا آل أبى بكر بقائمة شاة ليلا فأمسكت وقطع رسول الله ﷺ أو قالت: أمسك رسول الله ﷺ وقطعت قالت - تقول للذي تحدثه - هذا على غير مصباح وفي رواية لو كان عندنا مصباح لاتدمنا به، قال قالت عائشة إنه ليأتى على آل محمد الشهر ما يختبزون خبزا ولا يطبخون قدرا، وقد رواه أيضا عن بهز بن أسد عن سليمان بن

стр. 1820

المغيرة، وفي رواية شهرين تفرد به أحمد * وقال الامام أحمد: ثنا خلف، ثنا أبو معشر عن سعيد - هو ابن أبى سعيد - عن أبى هريرة قال: كان يمر بآل رسول الله هلال ثم هلال لا يوقدون في بيوتهم النار لا بخبز ولا بطبخ، قالوا: بأي شيء كانوا يعيشون يا أبا هريرة؟ قال: الأسودان التمر والماء، وكان لهم جيران من الأنصار جزاهم الله خيرا لهم منائح يرسلون إليهم شيئا من لبن، تفرد به أحمد * وفي صحيح مسلم من حديث منصور بن عبد الرحمن الحجبي عن أمه عن عائشة قالت: توفى رسول الله وقد شبع الناس من الأسودين: التمر والماء * وقال ابن ماجة: حدثنا سويد بن سعيد، ثنا على بن مسهر عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: أتى رسول الله ﷺ يوما بطعام سخن فأكل فلما فرغ قال: (الحمد لله) ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا * وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد، ثنا [عمار] أبو هاشم صاحب الزعفرانيّ عن أنس بن مالك أن فاطمة ناولت رسول الله ﷺ كسرة من خبز الشعير فقال: هذا أول طعام أكله أبوك منذ ثلاثة أيام، تفرد به أحمد * وروى الامام أحمد عن عفان والترمذي وابن ماجة جميعا عن عبد الله بن معاوية كلاهما عن ثابت ابن يزيد عن هلال بن خباب العبديّ الكوفي عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يبيت الليالي المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، وكان عامة خبزهم خبز الشعير، وهذا لفظ أحمد * وقال الترمذي في الشمائل: ثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، ثنا عمر بن حفص بن غياث عن أبيه عن محمد بن أبى يحيى الأسلمي عن يزيد عن أبى أمية الأعور عن أبى يوسف بن عبد الله بن سلام قال: رأيت رسول الله أخذ كسرة من [خبزا ال] شعير فوضع عليها تمرة، وقال: هذه إدام هذه وأكل * وفي الصحيحين من حديث الزهري عن عروة عن عائشة قالت: كان أحب الشراب إلى رسول الله الحلو البارد * وروى البخاري من حديث قتادة عن أنس قال: ما أعلم رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرققا حتى لحق بالله، ولا شاة سميطا بعينه قط * وفي رواية له عنه أيضا: ما أكل رسول الله ﷺ على خوان ولا في سكرجة ولا خبز له مرقق، فقلت لأنس: فعلى ما كانوا يأكلون؟ قال: على [هذه] السفر * وله من حديث قتادة أيضا عن أنس أنه مشى إلى رسول الله ﷺ بخبز شعير وإهالة سنخة ولقد رهن درعه من يهودي فأخذ لأهله شعيرا، ولقد سمعته ذات يوم يقول: ما أمسى عند آل محمد صاع تمر ولا صاع حب * وقال الامام أحمد: ثنا عفان، ثنا أبان بن يزيد، ثنا قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لم يجتمع له غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلا على ضفف * ورواه الترمذي في الشمائل عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ عن عفان، وهذا الاسناد على شرط الشيخين * وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، سمعت النعمان بن بشير يقول: سمعت عمر بن الخطاب يخطب فذكر ما فتح الله على الناس، فقال: لقد

стр. 1821

رأيت رسول الله ﷺ يلتوى من الجوع ما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه، وأخرجه مسلم من حديث شعبة * وفي الصحيح أن أبا طلحة قال: يا أم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ أعرف فيه الجوع، وسيأتي الحديث في دلائل النبوة وفي قصة أبى الهيثم بن التيهان: أن أبا بكر وعمر خرجا من الجوع فبينما هما كذلك إذ خرج رسول الله، فقال: ما أخرجكما؟ فقالا: الجوع، فقال: والّذي نفسي بيده لقد أخرجني الّذي أخرجكما، فذهبوا إلى حديقة الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطبا وذبح لهم شاة فأكلوا وشربوا الماء البارد، وقال رسول الله ﷺ : هذا من النعيم الّذي تسألون عنه * وقال الترمذي: ثنا عبد الله بن أبى زياد، ثنا سيار، ثنا يزيد بن أسلم عن يزيد بن أبى منصور عن أنس عن أبى طلحة قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ [عن بطنه] عن حجرين، ثم قال غريب * وثبت في الصحيحين من حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها سئلت عن فراش رسول الله ﷺ فقالت: كان من أدم حشوه ليف * وقال الحسن بن عرفة: ثنا عباد بن عباد المهلبي عن مجالد بن سعيد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: دخلت على امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية، فانطلقت فبعثت إلى بفراش حشوه الصوف، فدخل على رسول الله فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: قلت يا رسول الله: فلانة الأنصارية دخلت عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت إلى بهذا فقال: ردّيه قالت: فلم أرده وأعجبنى أن يكون في بيتي حتى قال ذلك ثلاث مرات، قالت: فقال رديه يا عائشة فو الله لو شئت لأجرى الله معى جبال الذهب والفضة * وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى البصري، ثنا عبد الله بن مهدي، ثنا جعفر بن محمد عن أبيه قال: سئلت عائشة ما كان فراش رسول الله ﷺ في بيتك؟ قالت: من أدم حشوه ليف، وسئلت حفصة ما كان فراش رسول الله ﷺ ؟ قالت: مسحا نثنيه ثنيتين فينام عليه، فلما كان ذات ليلة قلت: لو ثنيته بأربع ثنيات كان أوطأ له، فثنيناه له بأربع ثنيات، فلما أصبح قال «ما فرشتم لي الليلة؟ قالت: قلنا هو فراشك الا أنا ثنيناه بأربع ثنيات قلنا هو أوطأ لك، قال: ردوه لحالته الاولى، فإنه منعتني وطأته صلاتي الليلة * [وقال الطبراني: حدثنا محمد بن أبان الأصبهاني، حدثنا محمد بن عبادة الواسطي، حدثنا يعقوب بن محمد الزهري، حدثنا محمد بن إبراهيم، حدثنا ابن لهيعة عن أبى الأسود عن عروة عن حكيم بن حزام قال: خرجت إلى اليمن فابتعت حلة ذي يزن فأهديتها إلى النبي ﷺ فردها، فبعتها فاشتراها فلبسها ثم خرج على أصحابه وهي عليه فما رأيت شيئا أحسن منه فيها، فما ملكت نفسي أن قلت: ما ينظر الحكام بالفضل بعد ما … بدا واضح من غرّة وحجول

стр. 1822

إذا قايسوه الجدّ أربى عليهم … بمستفرع ما الذّباب سحيل فسمعها النبي ﷺ فالتفت إليّ يتبسم ثم دخل فكساها أسامة بن زيد] (١) * وقال الامام أحمد: حدثني [حسين بن] على عن زائدة عن عبد الملك بن عمير [قال: حدثني] ربعي بن خراش عن أم سلمة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وهو ساهم الوجه، قالت: فحسبت ذلك من وجع، فقلت: يا رسول الله أراك ساهم الوجه، أفمن وجع؟ فقال: لا، ولكن الدنانير السبعة التي أتينا بها [أمس أمسينا] ولم ننفقها نسيتها في خصم الفراش». تفرد به أحمد * وقال الامام أحمد: ثنا أبو سلمة، [قال: أنا بكر] بن مضر، ثنا موسى بن جبير عن أبى أمامة بن سهل قال: دخلت أنا وعروة ابن الزبير يوما على عائشة فقالت: لو رأيتما نبي الله ﷺ ذات يوم في مرض مرضه؟ قالت: وكان له عندي ستة دنانير، قال موسى أو سبعة، قالت: فأمرنى رسول الله ﷺ أن أفرقها، قالت: فشغلني وجع نبي الله ﷺ حتى عافاه الله ، قالت: ثم سألني عنها فقال: ما فعلت الستة؟ قال: أو السبعة، قلت: لا والله لقد شغلني عنها وجعك، قالت: فدعا بها ثم صفها في كفه، فقال: ما ظن نبي الله لو لقي الله وهذه عنده. تفرد به أحمد * وقال قتيبة: ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ لا يدخر شيئا لغد * وهذا الحديث في الصحيحين، والمراد أنه كان لا يدخر شيئا لغد مما يسرع إليه الفساد كالأطعمة ونحوها لما ثبت في الصحيحين عن عمر أنه قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل ولا ركاب فكان يعزل نفقة أهله سنة ثم يجعل ما بقي في الكراع والسلاح عدّة في سبيل الله * ومما يؤيد ما ذكرناه ما رواه الامام أحمد: حدثنا مروان بن معاوية، [قال: أخبرنى] هلال بن سويد أبو معلى [قال]: سمعت أنس بن مالك وهو يقول أهديت لرسول الله ﷺ ثلاثة طوائر فأطعم خادمه طائرا فلما كان من الغد أتته به، فقال لها رسول الله ﷺ : ألم أنهك أن ترفعي شيئا لغد، فان الله [ ] يأتى برزق كل غد. حديث بلال في ذلك قال البيهقي: ثنا أبو الحسين بن بشران، أنا أبو محمد بن جعفر بن نصير، ثنا إبراهيم بن عبد الله البصري، ثنا بكار بن محمد، أنا عبد الله بن عون عن ابن سيرين عن أبى هريرة أن رسول الله دخل على بلال فوجد عنده صبرا من تمر، فقال: ما هذا يا بلال؟ قال: تمر أدّخره، قال ويحك يا بلال أو ما تخاف أن تكون له بحار (٢) في النار! أنفق بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالا. قال البيهقي

стр. 1823

بسنده عن أبى داود السجستاني وأبى حاتم الرازيّ كلاهما عن أبى توبة الربيع بن نافع، حدثني معاوية ابن سلام عن زيد بن سلام، حدثني عبد الله الهورينى قال: لقيت بلالا مؤذن رسول الله ﷺ بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله ﷺ فقال: ما كان له شيء إلا أنا الّذي كنت ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفى، فكان إذا أتاه الإنسان المسلم فرآه عائلا، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشترى البردة والشيء فأكسوه وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين فقال: يا بلال، إن عندي سعة فلا تستقرض من أحد إلا منى، ففعلت، فلما كان ذات يوم توضأت ثم قمت لأؤذن بالصلاة فإذا المشرك في عصابة من التجار، فلما رآني قال: يا حبشي، قال: قلت يا لبيّه، فتجهّمنى، وقال قولا عظيما أو غليظا، وقال: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قلت: قريب، قال إنما بينك وبينه أربع ليال فآخذك بالذي لي عليك، فانى لم أعطك الّذي أعطتك من كرامتك ولا من كرامة صاحبك، وإنما أعطيتك لتصير لي عبدا فأذرك ترعى في الغنم كما كنت قبل ذلك، قال: فأخذني في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، فانطلقت فناديت بالصلاة حتى إذا صليت العتمة ورجع رسول الله ﷺ إلى أهله فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمى إن المشرك الّذي ذكرت لك أنى كنت أتدين (١) منه قد قال كذا وكذا، وليس عندك ما يقضى عنى، ولا عندي، وهو فاضحى، فأذن لي أن آتى إلى بعض هؤلاء الاحياء الذين قد أسلموا حتى يرزق الله رسوله ﷺ ما يقضى عنى، فخرجت حتى أتيت منزلي فجعلت سيفي وحرابى ورمحي ونعلى عند رأسي، فاستقبلت بوجهي الأفق فكلما نمت انتبهت فإذا رأيت على ليلا نمت حتى انشق عمود الصبح الأول فأردت أن أنطلق فإذا إنسان يدعو: يا بلال أجب رسول الله ﷺ ، فانطلقت حتى آتيه، فإذا أربع ركائب عليهنّ أحمالهن فأتيت رسول الله فاستأذنت، فقال لي رسول الله: أبشر فقد جاءك الله بقضاء دينك، فحمدت الله وقال: ألم تمر على الركائب المناخات الأربع؟ قال قلت: بلى، قال: فان لك رقابهن وما عليهنّ - فإذا عليهنّ كسوة وطعام أهداهن له عظيم فدك -، فاقبضهن إليك ثم اقض دينك، قال: ففعلت فحططت عنهن أحمالهن ثم علفتهن ثم عمدت إلى تأذين صلاة الصبح حتى إذا صلّى رسول الله ﷺ خرجت إلى البقيع، فجعلت إصبعي في أذنى فقلت: من كان يطلب من رسول الله ﷺ دينا فليحضر، فما زلت أبيع وأقضى وأعرض حتى لم يبق على رسول الله ﷺ دين في الأرض حتى فضل عندي أوقيتان أو أوقية ونصف، ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار، فإذا رسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، فسلمت عليه، فقال لي: ما فعل ما قبلك؟ قلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله ﷺ فلم يبق شيء، قال: فضل شيء؟ قلت: نعم

стр. 1824

ديناران، قال: انظر أن تريحني منهما فلست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منهما، فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتى أصبح وظل في المسجد اليوم الثاني حتى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما، حتى إذا صلى العتمة دعاني فقال: ما فعل الّذي قبلك؟ قلت: قد أراحك الله منه، فكبر وحمد الله شفقا من أن يدركه الموت وعنده ذلك، ثم اتبعته حتى جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة حتى أتى مبيته، فهذا الّذي سألتني عنه * وقال الترمذي في الشمائل: حدثنا هارون بن موسى بن أبى علقمة المديني، حدثني أبى عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال: ما عندي ما أعطيك، ولكن ابتع عليّ شيئا فإذا جاءني شيء قضيته، فقال عمر: يا رسول الله قد أعطيته، فما كلفك الله ما لا تقدر عليه، فكره النبي ﷺ قول عمر، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا، فتبسم رسول الله ﷺ ، وعرف التبسم في وجهه لقول الأنصاري وقال: بهذا أمرت. وفي الحديث ألا انهم ليسألونى ويأبى الله عليّ البخل * وقال يوم حنين حين سألوه قسم الغنائم: والله لو أن عندي عدد هذه العضاة نعما لقسمتها فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا ضانا ولا كذابا ﷺ * وقال الترمذي: ثنا على بن حجر، ثنا شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عمر قالت: أتيت رسول الله بقناع من رطب، وأجرز عنب، فأعطانى ملء كفه حليا أو ذهبا * وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن مطرف عن عطية عن أبى سعيد عن النبي ﷺ قال: كيف أنعم وقد التقم صاحب القرن القرن، وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر متى يؤمر، قال المسلمون: يا رسول الله فما نقول؟ قال: قولوا (حسبنا الله ونعم الوكيل على الله توكلنا) ورواه الترمذي عن ابن أبى عمر عن سفيان بن عيينة عن مطرف ومن حديث خالد بن طهمان كلاهما عن عطية وأبى سعيد العوفيّ البجلي، وأبو الحسن الكوفي عن أبى سعيد الخدريّ، وقال الترمذي حسن * قلت. وقد روى من وجه آخر عنه ومن حديث ابن عباس كما سيأتي في موضعه. ومن تواضعه ﵊. قال أبو عبد الله بن ماجة: حدثنا أحمد بن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، ثنا عمرو بن محمد، ثنا أسباط بن نصر عن السدي عن أبى سعد الأزدي - وكان قارئ الأزد - عن أبى الكنود عن خباب في قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله ﴿فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ قال: جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا رسول الله ﷺ مع صهيب وبلال وعمار وخباب قاعدا في ناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حول رسول الله حقروهم، فأتوا فخلوا به فقالوا: نريد أن تجعل لنا منك مجلسا تعرف لنا به العرب فضلنا، فان وفود العرب تأتيك فنستحى أن ترانا العرب مع هذه الأعبد، فإذا

стр. 1825

نحن جئناك فأقمهم عنك، فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت. قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، قال: فدعا بصحيفة ودعا عليا ليكتب ونحن قعود في ناحية، فنزل جبريل ﵇ فقال: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ ثم ذكر الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن فقال: «وَكَذلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهؤُلاءِ مَنَّ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنا أَلَيْسَ اللهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ» ثم قال: «وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ» قال: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول الله ﷺ يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله : «وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ» ولا تجالس الأشراف «وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا» يعنى عيينة والأقرع «وَاِتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً» قال: هلاكا، قال (١) أمر عيينة والأقرع، ثم ضرب لهم مثل الرجلين ومثل الحياة الدنيا، قال خباب: فكنا نقعد مع رسول الله ﷺ فإذا بلغنا الساعة التي يقوم قمنا وتركناه حتى يقوم * ثم قال ابن ماجة: حدثنا يحيى بن حكيم ثنا أبو داود، ثنا قيس بن الربيع عن المقدام بن شريح عن أبيه عن سعد قال، نزلت هذه الآية فينا ستة، فىّ وفي ابن مسعود وصهيب وعمار والمقداد وبلال. قال قالت قريش: يا رسول الله انا لا نرضى أن نكون أتباعا لهم فاطردهم عنك، قال: فدخل قلب رسول الله ﷺ من ذلك ما شاء الله أن يدخل، فأنزل الله : «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ» الآية * وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو محمد عبد الله بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا أبو الحسن خلف ابن محمد الواسطي الدوسيّ، ثنا يزيد بن هارون، ثنا جعفر بن سليمان الضبعي، ثنا المعلى بن زياد - يعنى عن العلاء بن بشير المازني [عن] أبى الصديق الناجي - عن أبى سعيد الخدريّ قال: كنت في عصابة من المهاجرين جالسا معهم وإن بعضهم ليستتر ببعض من العرى، وقارئ لنا يقرأ علينا، فكنا نسمع إلى كتاب الله فقال رسول الله: الحمد لله الّذي جعل من أمتى من أمرت أن أصبر معهم نفسي، قال فاستدارت الحلقة وبرزت وجوههم، قال: فما عرف رسول الله أحدا منهم غيري، فقال رسول الله: أبشروا معاشر صعاليك المهاجرين بالنور يوم القيامة، تدخلون قبل الأغنياء بنصف يوم، وذلك خمسمائة عام * وقد روى الامام أحمد وأبو داود والترمذي من حديث حماد بن سلمة عن حميد عن أنس قال لم يكن شخص أحب اليهم من رسول الله ﷺ ، قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك.
следующие страницы →