← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

﵇ وكذلك استصحاؤه * قال البخاري: ثنا عمرو بن على، ثنا أبو قتيبة، ثنا عبد الرحمن ابن عبد الله بن دينار عن أبيه قال: سمعت ابن عمر يتمثل بشعر أبى طالب: وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل قال البخاري: وقال أبو عقيل الثقفي عن عمرو بن حمزة: ثنا سالم عن أبيه ربما ذكرت قول الشاعر وأنا انظر إلى وجه رسول الله ﷺ يستسقى، فما ينزل حتى يجيش كل ميزاب. وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل وهو قول أبى طالب * تفرد به البخاري وهذا الّذي علقه قد أسنده ابن ماجة في سننه فرواه عن أحمد بن الأزهر عن أبى النضر عن أبى عقيل عن عمر بن حمزة عن سالم عن أبيه * وقال البخاري: ثنا محمد - وهو ابن سلام - ثنا أبو ضمرة، ثنا شريك بن عبد الله بن أبى نمر أنه سمع أنس بن مالك يذكر أن رجلا دخل المسجد يوم جمعة من باب كان وجاه المنبر ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبل رسول الله ﷺ قائما، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال، وتقطعت السبل، فادع الله لنا يغيثنا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهمّ اسقنا، [اللهمّ اسقنا] قال أنس: ولا (والله) ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة ولا شيئا، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار، قال: فطلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، قال: والله ما رأينا الشمس ستا، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، ورسول الله ﷺ قائم يخطب، فاستقبله قائما، وقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، ادع الله يمسكها، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه ثم قال: اللهمّ حوالينا ولا علينا، اللهمّ على الآكام والجبال [والظراب] ومنابت الشجر. قال: فانقطعت وخرجنا نمشي في الشمس، قال شريك: فسألت أنسا أهو الرجل الّذي سأل أولا؟ قال: لا أدرى، وهكذا رواه البخاري أيضا ومسلم من حديث إسماعيل بن جعفر عن شريك به * وقال البخاري: ثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن قتادة عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ يخطب يوم جمعة إذ جاء رجل فقال: يا رسول الله قحط المطر، فادع الله أن يسقينا، فدعا فمطرنا فما كدنا أن نصل إلى منازلنا فما زلنا نمطر إلى الجمعة المقبلة، قال: فقام ذلك الرجل أو غيره، فقال: يا رسول الله ادع الله أن يصرفه عنا، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ حوالينا ولا علينا، قال: فلقد رأيت السحاب يتقطع يمينا وشمالا يمطرون ولا يمطر [أهل] المدينة، تفرد به البخاري من هذا الوجه * وقال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن شريك بن عبد الله بن أبى نمر عن أنس قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: هلكت المواشي وتقطعت السبل، فادع الله، فدعا فمطرنا من الجمعة إلى الجمعة ثم جاء فقال: تهدمت البيوت وتقطعت السبل وهلكت المواشي [فادع الله أن يمسكها] فقال: اللهمّ،

стр. 1857

على الآكام والظراب والأودية ومنابت الشجر، فانجابت عن المدينة انجياب الثوب * وقال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا عبد الله، ثنا الأوزاعي، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة الأنصاري، حدثني أنس بن مالك قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ فبينا رسول الله ﷺ يخطب على المنبر يوم الجمعة، فقام أعرابى فقال: يا رسول الله هلك المال، وجاع العيال، فادع الله أن يسقينا، قال: فرفع رسول الله ﷺ يديه وما [رأينا] في السماء قزعة فو الّذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار سحاب أمثال الجبال ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته قال: فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغدو الّذي يليه إلى الجمعة الأخرى، فقام ذلك الأعرابي أو قال غيره، فقال: يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال فادع الله لنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا، قال: فما جعل رسول الله ﷺ يشير بيده إلى ناحية من السماء الا انفرجت حتى صارت المدينة في مثل الجوبة وسال الوادي قناة شهرا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود، ورواه البخاري أيضا في الجمعة ومسلم من حديث الوليد عن الأوزاعي * وقال البخاري: وقال أيوب ابن سليمان: حدثني أبو بكر بن أبى أويس عن سليمان بن بلال قال: قال يحيى بن سعيد: سمعت أنس بن مالك قال: أتى [رجل] أعرابى من أهل البدو إلى رسول الله ﷺ يوم الجمعة فقال: يا رسول الله هلكت الماشية، هلك العيال، هلك الناس، فرفع رسول الله ﷺ يديه يدعو ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون قال: فما خرجنا من المسجد حتى مطرنا فما زلنا نمطر حتى كانت الجمعة الأخرى، فأتى الرجل الى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله بشق المسافر ومنع الطريق * قال البخاري: وقال الأويسي - يعنى عبد الله -: حدثني محمد بن جعفر - هو ابن كثير - عن يحيى ابن سعيد وشريك، سمعا أنسا عن النبي ﷺ رفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه. هكذا علق هذين الحديثين ولم يسندهما أحد من أصحاب الكتب الستة بالكلية * وقال البخاري: ثنا محمد بن أبى بكر قال: حدثنا معتمر عن عبيد الله عن ثابت عن أنس بن مالك قال: كان النبي ﷺ يخطب يوم جمعة فقام الناس فصاحوا فقالوا: يا رسول الله قحط المطر، واحمرت الشجر، وهلكت البهائم، فادع الله أن يسقينا، فقال: اللهمّ اسقنا مرتين، وأيم الله ما نرى في السماء قزعة من سحاب، فنشأت سحابة وأمطرت ونزل عن المنبر فصلّى فلما انصرف لم تزل تمطر إلى الجمعة التي تليها، فلما قام النبي ﷺ يخطب صاحوا إليه: تهدمت البيوت وانقطعت السبل فادع الله يحبسها عنا، قال: فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: اللهمّ حوالينا ولا علينا، فتكشطت المدينة فجعلت تمطر حولها ولا تمطر بالمدينة قطرة، فنظرت إلى المدينة وإنها لفي مثل الإكليل، وقد رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان عن عبيد الله وهو ابن عمر العمرى به * وقال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدي عن حميد

стр. 1858

قال: سئل أنس هل كان رسول الله ﷺ يرفع يديه؟ فقال: قيل له يوم جمعة: يا رسول الله قحط المطر، وأجدبت الأرض، وهلك المال، قال: فرفع يديه حتى رأيت بياض إبطيه فاستسقى، ولقد رفع يديه فاستسقى ولقد رفع يديه وما نرى في السماء سحابة فما قضينا الصلاة حتى أن الشاب قريب الدار ليهمه الرجوع إلى أهله، قال: فلما كانت الجمعة التي تليها قالوا: يا رسول الله تهدمت البيوت واحتبست الركبان، فتبسم رسول الله ﷺ من سرعة ملالة ابن آدم وقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا، قال: فتكشطت عن المدينة. وهذا إسناد ثلاثي على شرط الشيخين ولم يخرجوه * وقال البخاري وأبو داود واللفظ له: ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك، وعن يونس بن عبيد عن ثابت عن أنس ﵁ قال: أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا هو يخطب يوم جمعة إذ قام رجل فقال: يا رسول الله هلكت الكراع، هلكت الشاء، فادع الله يسقينا، فمد يده ودعا. قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح أنشأت سحابا، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم تزل تمطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال: يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله يحبسه. فتبسم رسول الله ﷺ ثم قال: حوالينا ولا علينا، فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل، فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك لأنها تفيد القطع عند أئمة هذا الشان * وقال البيهقي باسناده من غير وجه إلى أبى معمر سعيد بن أبى خيثم الهلالي عن مسلم الملائى عن أنس بن مالك قال: جاء أعرابى فقال: يا رسول الله والله لقد أتيناك، وما لنا بعير يبسط ولا صبي يصطبح وأنشد: أتيناك والعذراء يدمي لبانها … وقد شغلت أم الصبى عن الطفل وألقى بكفيه الفتى لاستكانة … من الجوع ضعفا قائما وهو لا يخلى ولا شيء مما يأكل الناس عندنا … سوى الحنظل العامىّ والعلهز الفسل وليس لنا إلا إليك فرارنا … وأين فرار الناس إلا إلى الرّسل قال: فقام رسول الله ﷺ وهو يجر رداءه حتى صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم رفع يديه نحو السماء وقال: اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا سريعا غدقا طبقا عاجلا غير رائث، نافعا غير ضار تملأ به الضرع، وتنبت به الزرع، وتحيى به الأرض [بعد موتها] وكذلك تخرجون. قال: فو الله ما رد يده إلى نحره حتى ألقت السماء بأوراقها، وجاء أهل البطانة يصيحون: يا رسول الله الغرق الغرق، فرفع يديه إلى السماء وقال: اللهمّ حوالينا ولا علينا، فانجاب السحاب عن المدينة حتى أحدق بها كالإكليل فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه ثم قال: لله درّ أبى طالب لو كان حيا قرت عيناه من ينشد قوله؟ فقام على بن أبى طالب فقال: يا رسول الله كأنك أردت قوله:

стр. 1859

وأبيض يستسقى الغمام بوجهه … ثمال اليتامى عصمة للأرامل يلوذ به الهلاّك من آل هاشم … فهم عنده في نعمة وفواضل كذبتم وبيت الله يبري محمد … ولما نقاتل دونه ونناضل ونسلمه حتى نصرّع حوله … ونذهل عن أبنائنا والحلائل قال: وقام رجل من بنى كنانة فقال: لك الحمد والحمد ممن شكر … سقينا بوجه النبي المطر دعا الله خالقه دعوة … إليه وأشخص منه البصر فلم يك إلا كلفّ الرداء … وأسرع حتى رأينا الدرر رقاق العوالي عم البقاع … أغاث به الله علينا مضر وكان كما قاله عمه … أبو طالب أبيض ذو غرر به الله يسقى بصوب الغمام … وهذا العيان كذاك الخبر فمن يشكر الله يلقى المزيد … ومن يكفر الله يلقى الغير قال: فقال رسول الله ﷺ : إن يك شاعر يحسن فقد أحسنت * وهذا السياق فيه غرابة ولا يشبه ما قدمنا من الروايات الصحيحة المتواترة عن أنس فان كان هذا هكذا محفوظا فهو قصة أخرى غير ما تقدم والله أعلم * وقال الحافظ البيهقي: أنا أبو بكر بن الحارث الأصبهاني، ثنا أبو محمد بن حبان، ثنا عبد الله بن مصعب، ثنا عبد الجبار، ثنا مروان بن معاوية، ثنا محمد بن أبى ذئب المدني عن عبد الله بن محمد بن عمر بن حاطب الجمحيّ عن أبى وجرة يزيد بن عبيد السلمي قال: لما قفل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أتاه وفد بنى فزارة فيهم بضعة عشر رجلا فيهم خارجة بن الحصين، والحر بن قيس - وهو أصغرهم - ابن أخى عيينة بن حصن، فنزلوا في دار رملة بنت الحارث من الأنصار، وقدموا على إبل ضعاف عجاف وهم مسنتون، فأتوا رسول الله ﷺ مقرين بالإسلام، فسألهم رسول الله ﷺ عن بلادهم قالوا: يا رسول الله، أسنتت بلادنا، وأجدبت أحياؤنا، وعريت عيالنا، وهلكت مواشينا، فادع ربك أن يغيثنا، وتشفع لنا إلى ربك ويشفع ربك إليك، فقال رسول الله ﷺ : سبحان الله، ويلك هذا ما شفعت إلى ربى، فمن ذا الّذي يشفع ربنا إليه؟ لا إله إلا الله وسع كرسيه السموات والأرض وهو يئط من عظمته وجلاله كما يئط الرجل الجديد قال رسول الله ﷺ : إن الله يضحك من شفقتكم وأزلكم وقرب غياثكم، فقال الأعرابي: ويضحك ربنا يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال الأعرابي: لن نعدم يا رسول الله من ربّ يضحك خيرا، فضحك رسول الله ﷺ من قوله، فقام رسول الله ﷺ فصعد المنبر وتكلم بكلام ورفع يديه - وكان

стр. 1860

رسول الله ﷺ لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلا في الاستسقاء - ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، وكان مما حفظ من دعائه: اللهمّ اسق بلدك وبهائمك، وانشر رحمتك وأحى بلدك الميت، اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا مريئا مريعا طبقا واسعا عاجلا غير آجل نافعا غير ضار، اللهمّ سقيا رحمة ولا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق، اللهمّ اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء، فقام أبو لبابة بن عبد المنذر فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، فقال رسول الله: اللهمّ اسقنا، فقال أبو لبابة التمر في المرابد، ثلاث مرات، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ اسقنا حتى يقوم أبو لبابة عريانا فيسدّ ثعلب مربده بإزاره، قال: فلا والله ما في السماء من قزعة ولا سحاب وما بين المسجد وسلع من بناء ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت وهم ينظرون ثم أمطرت، فو الله ما رأوا الشمس ستا، وقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره لئلا يخرج التمر منه، فقال رجل: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل، فصعد النبي ﷺ المنبر فدعا ورفع يديه حتى رئي بياض إبطيه، ثم قال: اللهمّ حوالينا ولا علينا اللهمّ على الآكام والظراب وبطون الأودية، ومنابت الشجر، فانجابت السحابة عن المدينة كانجياب الثوب * وهذا السياق يشبه سياق مسلم الملائى عن أنس، ولبعضه شاهد في سنن أبى داود، وفي حديث أبى رزين العقيلي شاهد لبعضه والله أعلم * وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أنا أبو بكر محمد بن الحسن بن على بن المؤمل، أنا أبو أحمد محمد ابن محمد الحافظ، أنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، ثنا محمد بن حماد الظهراني، أنا سهل بن عبد الرحمن المعروف بالسدي بن عبدويه عن عبد الله بن عبد الله بن أبى أويس المدني عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب عن أبى لبابة بن عبد المنذر الأنصاري قال: استسقى رسول الله ﷺ يوم جمعة وقال: اللهمّ اسقنا، اللهمّ اسقنا، فقام أبو لبابة فقال: يا رسول الله إن التمر في المرابد، وما في السماء من سحاب نزاه، فقال رسول الله ﷺ : اللهمّ اسقنا، فقام أبو لبابة فقال أبو لبابة يسد ثعلب مربده بإزاره، فاستهلت السماء ومطرت وصلّى بنا رسول الله ﷺ فأتى [القوم] أبا لبابة يقولون له: يا أبا لبابة، إن السماء والله لن تقلع حتى تقوم عريانا فتسد ثعلب مربدك بإزارك كما قال رسول الله ﷺ ، قال: فقام أبو لبابة عريانا يسد ثعلب مربده بإزاره فأقلعت السماء * وهذا إسناد حسن ولم يروه أحمد ولا أهل الكتب والله أعلم * وقد وقع مثل هذا الاستسقاء في غزوة تبوك في أثناء الطريق كما قال عبد الله بن وهب: أخبرنى عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عتبة بن أبى عتبة عن نافع بن جبير عن عبد الله بن عباس أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى أن كان

стр. 1861

أحدنا ليذهب فيلتمس الرحل فلا يجده حتى يظن أن رقبته ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرا، فادع الله لنا، فقال: أو تحب ذلك؟ قال: نعم، قال: فرفع يديه نحو السماء فلم يرجعهما حتى قالت السماء فأطلت ثم سكبت فملئوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر * وهذا إسناد جيد قوى ولم يخرجوه * وقد قال الواقدي كان مع المسلمين في هذه الغزوة اثنا عشر ألف بعير ومثلها من الخيل، وكانوا ثلاثين ألفا من المقاتلة، قال: ونزل من المطر ماء أغدق الأرض حتى صارت الغدران تسكب بعضها في بعض وذلك في حمأة القيظ أي شدة الحر البليغ، فصلوات الله وسلامه عليه * وكم له ﵇ من مثل هذا في غير ما حديث صحيح ولله الحمد * وقد تقدم أنه لما دعا على قريش حين استعصت أن يسلط الله عليها سبعا كسبع يوسف فأصابتهم سنة حصّت كل شيء حتى أكلوا العظام والكلاب والعلهز، ثم أتى أبو سفيان يشفع عنده في أن يدعو الله لهم، فدعا لهم فرفع ذلك عنهم * وقد قال البخاري: ثنا الحسن بن محمد، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، ثنا أبى عبد الله بن المثنى عن ثمامة بن عبد الله بن أنس عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان إذا قحطوا استسقى بالعباس وقال: اللهمّ إنا كنا نتوسل إليك بنينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك نعم نبينا فاسقنا، قال فيسقون * تفرد به البخاري فصل وأما المعجزات الأرضية فمنها ما هو متعلق بالجمادات، ومنها ما هو متعلق بالحيوانات: فمن المتعلق بالجمادات تكثيره الماء في غير ما موطن على صفات متنوعة سنوردها بأسانيدها إن شاء الله، وبدأنا بذلك لأنه أنسب باتباع ما أسلفنا ذكره من استسقائه وإجابة الله له. قال البخاري: ثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر والتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتى رسول الله ﷺ بوضوء فوضع رسول الله ﷺ يده في ذلك الإناء فأمر الناس أن يتوضئوا منه فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي من طرق عن مالك به وقال الترمذي: حسن صحيح طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا يونس بن محمد، ثنا حزم، سمعت الحسن يقول: حدثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ خرج ذات يوم لبعض مخارجه معه ناس من أصحابه فانطلقوا يسيرون

стр. 1862

فحضرت الصلاة فلم يجد القوم ما يتوضؤون به فقالوا: يا رسول الله ما نجد ما نتوضأ به، ورأى في وجوه أصحابه كراهية ذلك، فانطلق رجل من القوم فجاء بقدح من ماء يسير، فأخذ نبي الله فتوضأ منه، ثم مد أصابعه الأربع على القدح ثم قال: هلموا فتوضئوا، فتوضأ القوم حتى بلغوا فيما يريدون من الوضوء، قال الحسن: سئل أنس كم بلغوا؟ قال: سبعين أو ثمانين * وهكذا رواه البخاري عن عبد الرحمن بن المبارك العنسيّ عن حزم بن مهران القطيعي به طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدي عن حميد ويزيد قال: أنا حميد المعنى عن أنس بن مالك قال: نودي بالصلاة فقام كل قريب الدار من المسجد وبقي من كان أهله نائى الدار فأتى رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فصغر أن يبسط كفه فيه قال فضم أصابعه قال فتوضأ بقيتهم، قال حميد: وسئل أنس: كم كانوا؟ قال: ثمانين أو زيادة * وقد روى البخاري عن عبد الله بن منير عن يزيد ابن هارون عن حميد عن أنس بن مالك قال: حضرت الصلاة فقام من كان قريب الدار من المسجد يتوضأ وبقي قوم فأتى رسول الله ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء فوضع كفه فصغر المخضب أن يبسط فيه كفه فضم أصابعه فوضعها في المخضب فتوضأ القوم كلهم جميعا قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا ثمانين رجلا. طريق أخرى عنه قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، ثنا سعيد إملاء عن قتادة عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ كان بالزوراء فأتى بإناء فيه ماء لا يغمر أصابعه فأمر أصحابه أن يتوضئوا فوضع كفه في الماء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال: كنا ثلاثمائة * وهكذا رواه البخاري عن بندار بن أبى عدي ومسلم عن أبى موسى عن غندر كلاهما عن سعيد بن أبى عروبة، وبعضهم يقول عن شعبة، والصحيح سعيد عن قتادة عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ بإناء وهو في الزوراء فوضع يده في الإناء فجعل الماء ينبع من بين أصابعه فتوضأ القوم، قال قتادة فقلت لأنس: كم كنتم؟ قال ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة لفظ البخاري * حديث البراء بن عازب في ذلك قال البخاري: ثنا مالك بن إسماعيل، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال: كنا يوم الحديبيّة أربع عشرة مائة، والحديبيّة بئر فنزحناها حتى لم نترك فيها قطرة، فجلس رسول الله ﷺ على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومج في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استقينا حتى روينا وروت أو صدرت ركابنا * تفرد به البخاري إسنادا ومتنا

стр. 1863

[حديث آخر عن البراء بن عازب قال الامام أحمد: حدثنا عفان وهاشم، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد بن هلال، حدثنا يونس - هو ابن عبيدة مولى محمد بن القاسم - عن البراء قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأتينا على ركي ذمّة يعنى قليلة الماء قال: فنزل فيها ستة أناس أنا سادسهم ماحة فأدليت إلينا دلو قال: ورسول الله ﷺ على شفتي الركى فجعلنا فيها نصفها أو قراب ثلثيها فرفعت إلى رسول الله ﷺ قال البراء: فكدت بإنائي هل أجد شيئا أجعله في حلقي؟ فما وجدت فرفعت الدلو إلى رسول الله ﷺ فغمس يده فيها فقال ما شاء الله أن يقول، وأعيدت إلينا الدلو بما فيها، قال: فلقد رأيت أحدنا أخرج بثوب خشية الغرق قال؟ ثم ساحت - يعنى جرت نهرا - تفرد به الامام أحمد، وإسناده جيد قوى، والظاهر أنها قصة أخرى غير يوم الحديبيّة والله أعلم]. (١) حديث آخر عن جابر في ذلك قال الامام أحمد: ثنا سنان بن حاتم، ثنا جعفر - يعنى ابن سليمان - ثنا الجعد أبو عثمان، ثنا أنس بن مالك عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: اشتكى أصحاب رسول الله ﷺ إليه العطش قال فدعا بعس فصب فيه شيء من الماء ووضع رسول الله ﷺ فيه يده وقال: استقوا، فاستقى الناس قال: فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابع رسول الله ﷺ * تفرد به أحمد من هذا الوجه، وفي إفراد مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبى حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد ابن عبادة عن جابر بن عبد الله في حديث طويل قال فيه: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضى حاجته فاتبعته بادواة من ماء فنظر رسول الله فلم ير شيئا يستتر به، وإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادى على باذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى أتى الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها فقال: انقادى على [باذن الله] فانقادت معه [كذلك] حتى إذا كان بالمنتصف مما بينهما لأم بينهما - يعنى جمعهما - فقال: التئما على باذن الله، فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس رسول الله بقربي فيبتعد فجلست أحدث نفسي فحانت منى لفتة، فإذا أنا برسول الله ﷺ وإذا بالشجرتين قد افترقتا فقامت كل واحدة منهما على ساق فرأيت رسول الله وقف وقفة فقال برأسه هكذا: يمينا وشمالا، ثم أقبل فلما انتهى إلى قال: يا جابر هل رأيت مقامي؟ قلت: نعم يا رسول الله، قال: فانطلق إلى الشجرتين فاقطع من كل واحدة منهما غصنا فأقبل بهما حتى إذا قمت مقامي فأرسل غصنا عن يمينك وغصنا عن شمالك، قال جابر: فقمت فأخذت حجرا

стр. 1864

فكسرته وحددته فاندلق لي فأتيت الشجرتين فقطعت من كل واحدة منهما غصنا، ثم أقبلت حتى فمت مقام رسول الله ﷺ أرسلت غصنا عن يميني وغصنا عن يسارى، ثم لحقت فقلت: قد فعلت يا رسول الله، قال فقلت: فلم ذاك؟ قال: إني مررت بقبرين يعذبان فأحببت بشفاعتي أن يرفع ذلك عنهما ما دام الغصنان رطبين، قال: فأتينا العسكر فقال رسول الله ﷺ : يا جابر ناد الوضوء، فقلت: ألا وضوء ألا وضوء ألا وضوء؟ قال: قلت يا رسول الله ما وجدت في الركب من قطرة، وكان رجل من الأنصار يبرّد لرسول الله في أشجاب له على حمارة من جريد قال: فقال لي: انطلق إلى فلان الأنصاري فانظر هل ترى في أشجابه من شيء؟ قال: فانطلقت إليه فنظرت فيها فلم أجد فيها إلا قطرة في غر لا شجب منها (١) لو أنى أفرغته لشربه يابسه فأتيت رسول الله فقلت: يا رسول الله لم أجد فيها إلا قطرة في غر لا شجب منها (١) لو أنى أفرغته لشربه يابسه قال: اذهب فأتنى به، فأتيته فأخذه بيده فجعل يتكلم بشيء لا أدرى ما هو، وغمزني بيده ثم أعطانيه فقال: يا جابر ناد بجفنة، فقلت: يا جفنة الركب، فأتيت بها تحمل وضعتها بين يديه، فقال رسول الله بيده في الجفنة هكذا فبسطها وفرق بين أصابعه ثم وضعها في قعر الجفنة وقال: خذ يا جابر فصب عليّ وقل: بسم الله، فصببت عليه وقلت: بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ثم فأرت الجفنة ودارت حتى امتلأت فقال: يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء، قال فأتى الناس فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل بقي أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى. قال: وشكى الناس إلى رسول الله ﷺ الجوع، فقال: عسى الله أن يطعمكم، فأتينا سيف البحر فزجر زجرة فألقى دابة فأورينا على شقها النار فطبخنا واشتوينا وأكلنا وشبعنا، قال جابر: فدخلت أنا وفلان وفلان وفلان حتى عدّ خمسة في محاجر عينها ما يرانا أحد، حتى خرجنا وأخذنا ضلعا من أضلاعها فقوسناه ثم دعونا بأعظم جمل في الركب وأعظم حمل في الركب وأعظم كفل في الركب فدخل تحتها ما يطأطئ رأسه * وقال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا عبد العزيز بن مسلم، ثنا حصين عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد الله قال: عطش الناس يوم الحديبيّة والنبي ﷺ بين يديه ركوة يتوضأ فجهش الناس نحوه قال: ما لكم؟ قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ ولا نشرب إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه كأمثال العيون فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم؟ قال لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة * وهكذا رواه مسلم من حديث حصين وأخرجاه من حديث الأعمش * زاد مسلم وشعبة ثلاثتهم عن جابر بن سالم بن جابر، وفي رواية الأعمش كنا أربع عشرة مائة * وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى [بن حماد] ثنا أبو عوانة عن الأسود بن قيس عن شقيق

стр. 1865

العبديّ أن جابر بن عبد الله قال غزونا أو سافرنا مع رسول الله ﷺ ونحن يومئذ بضع عشر ومائتان فحضرت الصلاة فقال رسول الله ﷺ : هل في القوم من ماء؟ فجاءه رجل يسعى باداوة فيها شيء من ماء، قال فصبه رسول الله ﷺ في قدح، قال فتوضأ رسول الله ﷺ فأحسن الوضوء ثم انصرف وترك القدح فركب الناس القدح تمسحوا وتمسحوا، فقال رسول الله ﷺ : على رسلكم حين سمعهم يقولون ذلك، قال: فوضع رسول الله ﷺ كفه في الماء ثم قال رسول الله ﷺ : بسم الله، ثم قال: أسبغوا الوضوء، قال جابر: فو الّذي هو ابتلاني ببصرى لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابع رسول الله ﷺ فما رفعها حتى توضئوا أجمعون. وهذا إسناد جيد تفرد به أحمد * وظاهره كأنه قصة أخرى غير ما تقدم * وفي صحيح مسلم عن سلمة بن الأكوع قال: قدمنا الحديبيّة مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشرة مائة أو أكثر من ذلك وعليها خمسون رأسا لا يرويها فقعد رسول الله على شفا الركية فاما دعا وإما بصق فيها قال: فجاشت فسقينا واستقينا * وفي صحيح البخاري من حديث الزهري عن عروة عن المسور ومروان بن الحكم في حديث صلح الحديبيّة الطويل فعدل عنهم رسول الله ﷺ حتى نزل بأقصى الحديبيّة على ثمد قليل الماء يتبرّضه تبرّضا فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكى إلى رسول الله ﷺ العطش فانتزع سهما من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه فو الله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه * وقد تقدم الحديث بتمامه في صلح الحديبيّة، فأغنى عن إعادته، وروى ابن إسحاق عن بعضهم أن الّذي نزل بالسهم ناجية بن جندب سائق البدن، قال وقيل: البراء بن عازب. ثم رجح ابن إسحاق الأول حديث آخر عن ابن عباس في ذلك قال الامام أحمد: ثنا حسين الأشقر، ثنا أبو كدينة عن عطاء عن أبى الضحى عن ابن عباس: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم وليس في العسكر ماء فأتاه رجل فقال: يا رسول الله ليس في العسكر ماء، قال: هل عندك شيء؟ قال: نعم، قال: فأتنى، قال: فأتاه بإناء فيه شيء من ماء قليل، قال: فجعل رسول الله ﷺ أصابعه في فم الإناء وفتح أصابعه، قال فانفجرت من بين أصابعه عيون وأمر بلالا فقال: ناد في الناس الوضوء المبارك * تفرد به أحمد، ورواه الطبراني من حديث عامر الشعبي عن ابن عباس بنحوه. حديث عن عبد الله بن مسعود في ذلك قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو أحمد الزبيري، ثنا إسرائيل عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء فقال: اطلبوا فضلة من ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في

стр. 1866

الإناء ثم قال: حي على الطهور المبارك والبركة من الله ، قال: فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل * ورواه الترمذي عن بندار عن ابن أحمد وقال: حسن صحيح. حديث عن عمران بن حصين في ذلك قال البخاري: ثنا أبو الوليد، ثنا مسلم بن زيد، سمعت أبا رجاء قال: حدثنا عمران بن حصين أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ في مسير فأدلجوا ليلتهم حتى إذا كان وجه الصبح عرسوا فغلبتهم أعينهم حتى ارتفعت الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر، وكان لا يوقظ رسول الله ﷺ من منامه حتى يستيقظ، فاستيقظ عمر فقعد أبو بكر عند رأسه فجعل يكبر ويرفع صوته حتى استيقظ النبي ﷺ فنزل وصلّى بنا الغداة، فاعتزل رجل من القوم لم يصلّ معنا، فلما انصرف قال يا فلان ما يمنعك أن تصلى معنا؟ قال: أصابتنى جنابة، فأمره أن يتيمم بالصعيد ثم صلّى، وجعلني رسول الله ﷺ في ركوب بين يديه، وقد عطشنا عطشا شديدا، فبينما نحن نسير مع رسول الله ﷺ إذا نحن بامرأة سادلة رجليها بين مزادتين فقلنا لها: أين الماء؟ قالت: إنه لا ماء: فقلنا: كم بين أهلك وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة، فقلنا: انطلقي إلى رسول الله ﷺ ، قالت: وما رسول الله؟ فلم نملكها من أمرها حتى استقبلنا بها النبي ﷺ ، فحدثته بمثل الّذي حدثتنا غير أنها حدثته أنها موتمة فأمر بمزادتيها فمسح في العزلاوين فشربنا عطاشا أربعين رجلا حتى روينا وملأنا كل قربة معنا وإداوة، غير أنه لم نسق بعيرا وهي تكاد تفضى من الملء، ثم قال: هاتوا ما عندكم، فجمع لها من الكسر والتمر حتى أتت أهلها، قالت: أتيت أسحر الناس أو هو نبي كما زعموا، فهدى الله ذاك الصّرم بتلك المرأة فأسلمت وأسلموا * وكذلك رواه مسلم من حديث سلم بن رزين، وأخرجاه من حديث عوف الأعرابي، كلاهما عن رجاء العطاردي - واسمه عمران بن تيم - عن عمران بن حصين به * وفي رواية لهما فقال لها: اذهبي بهذا معك لعيالك واعلمي أنا لم نرزأك من مائك شيئا غير أن الله سقانا * وفيه أنه لما فتح العزلاوين سمى الله . حديث عن أبى قتادة في ذلك قال الامام أحمد: ثنا يزيد بن هارون، ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال: إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، وانطلق سرعان الناس يريدون الماء، ولزمت رسول الله ﷺ فمالت برسول الله ﷺ راحلته فنعس رسول الله ﷺ فدعمته فادعم ثم مال فدعمته فادعم، ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال: من الرجل؟ فقلت: أبو قتادة، قال: منذ كم كان مسيرك؟ قلت: منذ الليلة، قال:

стр. 1867

حفظك الله كما حفظت رسوله، ثم قال: لو عرسنا، فمال إلى شجرة فنزل فقال: انظر هل ترى أحدا؟ قلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة، فقال: احفظوا علينا صلاتنا، فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فانتبهنا فركب رسول الله ﷺ فسار وسرنا هنيهة، ثم نزل فقال: أمعكم ماء؟ قال: قلت: نعم معى ميضأة فيها شيء من ماء، قال: ائت بها، قال: فأتيته بها فقال: مسوا منها مسوا منها، فتوضأ القوم وبقيت جرعة فقال: ازدهر بها يا أبا قتادة فإنه سيكون لها نبأ، ثم أذن بلال وصلوا الركعتين قبل الفجر ثم صلوا الفجر، ثم ركب وركبنا فقال بعضهم لبعض: فرطنا في صلاتنا، فقال رسول الله ﷺ : ما تقولون؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم، وإن كان أمر دينكم فإليّ، قلنا: يا رسول الله فرطنا في صلاتنا، فقال لا تفريط في النوم، إنما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلوها ومن الغد وقتها، ثم قال: ظنوا بالقوم، قالوا: إنك قلت بالأمس: إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا، فالناس بالماء، قال: فلما أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم، فقال بعضهم لبعض: إن رسول الله ﷺ بالماء وفي القوم أبو بكر وعمر، فقالا: أيها الناس إن رسول الله ﷺ لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم، وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا، قالها ثلاثا، فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هلكنا عطشا، تقطعت الأعناق، فقال: لأهلك عليكم، ثم قال: يا أبا قتادة ائت بالميضأة، فأتيته بها، فقال: أحلل لي غمرى - يعنى قدحه - فحللته فأتيته به، فجعل يصب فيه ويسقى الناس فازدحم الناس عليه فقال رسول الله ﷺ يا أيها الناس أحسنوا الملأ فكلكم سيصدر عن رى، فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله ﷺ ، فصب لي فقال اشرب يا أبا قتادة، قال: قلت: اشرب أنت يا رسول الله، قال إن ساقى القوم آخرهم، فشربت وشرب بعدي وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها، وهم يومئذ ثلاثمائة، قال عبد الله: فسمعني عمران بن حصين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع فقال: من الرجل؟ قلت: أنا عبد الله بن رباح الأنصاري، قال: القوم أعلم بحديثهم، انظر كيف تحدث فانى أحد السبعة تلك الليلة، فلما فرغت قال: ما كنت أحسب أحدا يحفظ هذا الحديث غيري * قال حماد بن سلمة وحدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة الموصلي عن النبي ﷺ بمثله وزاد قال: كان رسول الله ﷺ إذا عرّس وعليه ليل توسد يمينه، وإذا عرّس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده * وقد رواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبى قتادة الحرث بن ربعي الأنصاري بطوله وأخرج من حديث حماد ابن سلمة بسنده الأخير أيضا.

стр. 1868

حديث آخر عن أنس يشبه هذا روى البيهقي من حديث الحافظ أبى يعلى الموصلي: ثنا شيبان، ثنا سعيد بن سليمان الضبعي، ثنا أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ جهز جيشا إلى المشركين فيهم أبو بكر فقال لهم: جدوا السير فان بينكم وبين المشركين ماء إن يسبق المشركون إلى ذلك الماء شق على الناس وعطشتم عطشا شديدا أنتم ودوابكم، قال: وتخلف رسول الله ﷺ في ثمانية أنا تاسعهم، وقال لأصحابه: هل لكم أن نعرس قليلا ثم نلحق بالناس؟ قالوا: نعم يا رسول الله، فعرسوا فما أيقظهم إلا حر الشمس، فاستيقظ رسول الله ﷺ واستيقظ أصحابه، فقال لهم: تقدموا واقضوا حاجاتكم، ففعلوا ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال لهم: هل مع أحد منكم ماء؟ قال رجل منهم: يا رسول الله معى ميضأة فيها شيء من ماء، قال: فجئ بها: فجاء بها فأخذها نبي الله ﷺ فمسحها بكفيه ودعا بالبركة فيها وقال لأصحابه: تعالوا فتوضئوا، فجاءوا وجعل يصب عليهم رسول الله ﷺ حتى توضئوا كلهم، فأذن رجل منهم وأقام فصلى رسول الله ﷺ لهم وقال لصاحب الميضأة ازدهر بميضأتك ازدهر بميضأتك فسيكون لها شأن، وركب رسول الله ﷺ قبل الناس وقال لأصحابه: ما ترون الناس فعلوا؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم. فقال لهم: فيهم أبو بكر وعمرو سيرشد الناس، فقدم الناس وقد سبق المشركون إلى ذلك الماء فشق ذلك على الناس وعطشوا عطشا شديدا ركابهم ودوابهم، فقال رسول الله ﷺ : أين صاحب الميضأة؟ قالوا: هو هذا يا رسول الله، قال جئني بميضأتك، فجاء بها وفيها شيء من ماء، فقال لهم: تعالوا فاشربوا، فجعل يصب لهم رسول الله ﷺ حتى شرب الناس كلهم وسقوا دوابهم وركابهم وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة، ثم نهض رسول الله ﷺ وأصحابه إلى المشركين، فبعث الله ريحا فضرب وجوه المشركين وأنزل الله نصره وأمكن من ديارهم فقتلوا مقتلة عظيمة، وأسروا أسارى كثيرة، واستاقوا غنائم كثيرة، ورجع رسول الله ﷺ والناس وافرين صالحين * وقد تقدم قريبا عن جابر ما يشبه هذا وهو في صحيح مسلم * وقدمنا في غزوة تبوك ما رواه مسلم من طريق مالك عن أبى الزبير عن أبى الطفيل عن معاذ بن جبل. فذكر حديث جمع الصلاة في غزوة تبوك إلى أن قال: وقال - يعنى رسول الله ﷺ : إنكم ستأتون غدا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى ضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئا حتى آتى، قال: فجئناها وقد سبق إليها رجلان والعين مثل الشراك تبض بشيء، فسألهما رسول الله ﷺ : هل مسستما من مائها شيئا؟ قالا: نعم، فسبهما وقال لهما: ما شاء الله أن يقول ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل رسول الله ﷺ وجهه ويديه ثم أعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستقى الناس ثم قال رسول الله ﷺ : يا معاذ يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مليء جنانا * وذكرنا في باب الوفود

стр. 1869

من طريق عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن زياد بن الحارث الصّدائى في قصة وفادته فذكر حديثا طويلا فيه، ثم قلنا: يا رسول الله إن لنا بئرا إذا كان الشتاء وسعنا ماؤها واجتمعنا عليها، وإذا كان الصيف قل ماؤها فتفرقنا على مياه حولنا وقد أسلمنا، وكل من حولنا عدو، فادع الله لنا في بئرنا فيسعنا ماؤها فنجتمع عليه ولا نتفرق، فدعا بسبع حصيات ففركهن بيده ودعا فيهن ثم قال: اذهبوا بهذه الحصيات فإذا أتيتم البئر فألقوا واحدة واحدة واذكروا الله ، قال الصّدائى: ففعلنا ما قال لنا، فما استطعنا بعد ذلك أن ننظر إلى قعرها - يعنى البئر - وأصل هذا الحديث في المسند وسنن أبى داود والترمذي وابن ماجة وأما الحديث بطوله ففي دلائل النبوة للبيهقي ﵀ * وقال البيهقي: باب ما ظهر في البئر التي كانت بقباء من بركته أخبرنا أبو الحسن محمد بن الحسين العلويّ، ثنا أبو حامد بن الشرقي، أنا أحمد بن حفص بن عبد الله، نا أبى، حدثنا إبراهيم بن طهمان عن يحيى بن سعيد أنه حدثه أن أنس بن مالك أتاهم بقباء فسأله عن بئر هناك، قال: فدللته عليها، فقال: لقد كانت هذه وإن الرجل لينضح على حماره فينزح فجاء رسول الله ﷺ وأمر بذنوب فسقى فاما أن يكون توضأ منه وإما أن يكون تفل فيه ثم أمر به فأعيد في البئر، قال: فما نزحت بعد، قال: فرأيته بال ثم جاء فتوضأ ومسح على جنبه ثم صلّى * وقال أبو بكر البزار: ثنا الوليد بن عمرو بن مسكين، ثنا محمد بن عبد الله بن مثنى عن أبيه عن ثمامة عن أنس قال: أتى رسول الله ﷺ فنزلنا فسقيناه من بئر لنا في دارنا كانت تسمى النزور في الجاهلية فتفل فيها فكانت لا تنزح بعد * ثم قال لا نعلم هذا يروى إلا من هذا الوجه. باب تكثيره ﵇ الأطعمة للحاجة إليها في غير ما موطن كما سنورده مبسوطا تكثيره اللبن في مواطن أيضا، قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا عمر بن ذر عن مجاهد أن أبا هريرة كان يقول: والله إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، ولقد قعدت يوما على طريقهم الّذي يخرجون منه فمر أبو بكر فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعنى فلم يفعل، فمر عمر ﵁ فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليستتبعنى فلم يفعل، فمر أبو القاسم ﷺ فعرف ما في وجهي وما في نفسي فقال: أبا هريرة، قلت له: لبيك يا رسول الله، فقال: الحق واستأذنت فأذن لي فوجدت لبنا في قدح قال: من أين لكم هذا اللبن؟ فقالوا: أهداه لنا فلان أو آل فلان، قال أبا هرّ، قلت: لبيك

стр. 1870

يا رسول الله، قال: انطلق إلى أهل الصفة فادعهم لي، قال وأهل الصفة أضياف الإسلام لم يأووا إلى أهل ولا مال إذا جاءت رسول الله ﷺ هدية أصاب منها وبعث إليهم منها وإذا جاءته الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها - قال: وأحزننى ذلك وكنت أرجو أن أصيب من اللبن شربة أتقوى بها بقية يومى وليلتي، وقلت: أنا الرسول، فإذا جاء القوم كنت أنا الّذي أعطيهم، وقلت: ما يبقى لي من هذا اللبن ولم يكن من طاعة الله وطاعة رسوله بدّ، فانطلقت فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فأخذوا مجالسهم من البيت ثم قال: أبا هر خذ فأعطهم، فأخذت القدح فجعلت أعطيهم فيأخذ الرجل القدح فيشرب حتى يروى ثم يرد القدح حتى أتيت على آخرهم، ودفعت إلى رسول الله ﷺ فأخذ القدح فوضعه في يده وبقي فيه فضلة ثم رفع رأسه ونظر إلى وتبسم وقال: أبا هر، فقلت لبيك رسول الله قال: بقيت أنا وأنت، فقلت: صدقت يا رسول الله قال: فاقعد فاشرب، قال: فقعدت فشربت ثم قال لي: اشرب، فشربت، فما زال يقول لي: اشرب فأشرب حتى قلت: لا والّذي بعثك بالحق ما أجد له في مسلكا، قال: ناولني القدح، فرددت إليه القدح فشرب من الفضلة * ورواه البخاري عن أبى نعيم وعن محمد بن مقاتل عن عبد الله بن المبارك. وأخرجه الترمذي عن عباد بن يونس بن بكير ثلاثتهم عن عمر بن ذرّ وقال الترمذي: صحيح * وقال الامام أحمد: ثنا أبو بكر بن عياش، حدثني عن زر عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنما لعقبة بن أبى معيط فمرّ بي رسول الله ﷺ وأبو بكر فقال: يا غلام هل من لبن؟ قال: فقلت: نعم ولكنى مؤتمن، قال: فهل من شاة لم ينز عليها الفحل؟ فأتيته بشاة فمسح ضرعها فنزل لبن فحلبه في إناء فشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع: اقلص، فقلص، قال: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول، قال: فمسح رأسي وقال: يا غلام يرحمك الله، فإنك عليم معلم * ورواه البيهقي من حديث أبى عوانة عن عاصم عن أبى النجود عن زر عن ابن مسعود، وقال فيه: فأتيته بعناق جذعة فاعتقلها ثم جعل يمسح ضرعها ويدعو، وأتاه أبو بكر بجفنة فحلب فيها وسقى أبا بكر ثم شرب، ثم قال للضرع: اقلص فقلص فقلت: يا رسول الله علمني من هذا القول، فمسح رأسي وقال: إنك غلام معلم، فأخذت عنه سبعين سورة ما نازعنيها بشر * وتقدم في الهجرة حديث أم معبد وحلبة ﵇ شاتها، وكانت عجفاء لا لبن لها فشرب هو وأصحابه وغادر عندها إناء كبيرا من لبن حتى جاء زوجها * وتقدم في ذكر من كان يخدمه من غير مواليه ﵇ المقداد بن الأسود حين شرب اللبن الّذي كان قد جاء لرسول الله ﷺ ، ثم قام في الليل ليذبح له شاة فوجد لبنا كثيرا فحلب ما ملأ منه إناء كبيرا جدا، الحديث * وقال أبو داود الطيالسي: ثنا زهير عن أبى إسحاق عن ابنة حباب أنها أتت رسول الله ﷺ بشاة فاعتقلها وحلبها، فقال: ائتني بأعظم إناء لكم، فأتيناه بجفنة العجين، فحلب فيها حتى ملأها، ثم

стр. 1871

قال: اشربوا أنتم وجيرانكم * وقال البيهقي: أنا أبو الحسين بن بشران ببغداد، أنا إسماعيل بن محمد الصفار، أنا محمد بن الفرج الأزرق، ثنا عصمة بن سليمان الخراز، ثنا خلف بن خليفة عن أبى هاشم الرماني عن نافع - وكانت له صحبة - قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر وكنا زهاء أربعمائة فنزلنا في موضع ليس فيه ماء فشق ذلك على أصحابه وقالوا: رسول الله ﷺ أعلم، قال: فجاءت شويهة لها قرنان فقامت بين يدي رسول الله ﷺ فحلبها فشرب حتى روى وسقى أصحابه حتى رووا، ثم قال: يا نافع أملكها الليلة وما أراك تملكها، قال: فأخذتها فوتدت لها وتدا ثم ربطتها بحبل ثم قمت في بعض الليل فلم أر الشاة، ورأيت الحبل مطروحا، فجئت رسول الله فأخبرته من قبل أن يسألنى وقال يا نافع ذهب بها الّذي جاء بها * قال البيهقي: ورواه محمد بن سعد عن خلف بن الوليد - أبى الوليد الأزدي - عن خلف بن خليفة عن أبان، وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا * ثم قال البيهقي: أنا أبو سعيد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، أنا ابن العباس بن محمد بن العباس، ثنا أحمد بن سعيد ابن أبى مريم، ثنا أبو حفص الرياحي، ثنا عامر بن أبى عامر الخراز عن أبيه عن الحسن عن سعد - يعنى مولى أبى بكر - قال: قال رسول الله ﷺ : احلب لي العنز، قال: وعهدي بذلك الموضع لا عنز فيه، قال: فأتيت فإذا العنز حافل، قال: فاحتلبتها واحتفظت بالعنز وأوصيت بها، قال: فاشتغلنا بالرحلة ففقدت فقلت: يا رسول الله قد فقدت العنز، فقال: إن لها ربا، وهذا أيضا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا وفي إسناده من لا يعرف حاله * وسيأتي حديث الغزالة في قسم ما يتعلق من المعجزات بالحيوانات. تكثيره ﵇ السمن لأم سليم قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا شيبان، ثنا محمد بن زيادة البرجمي عن أبى طلال عن أنس عن أمه قال: كانت لها شاة فجمعت من سمنها في عكة فملأت العكة ثم بعثت بها مع ربيبة فقالت: يا ربيبة أبلغى هذه العكة رسول الله ﷺ يأتدم بها، فانطلقت بها ربيبة حتى أتت رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله: هذه [عكة] سمن بعثت بها إليك أم سليم، قال: أفرغوا لها عكتها، ففرغت العكة فدفعت إليها فانطلقت بها وجاءت وأم سليم ليست في البيت فعلقت العكة على وتد، فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر، فقالت أم سليم: يا ربيبة أليس أمرتك أن تنطلقى بها إلى رسول الله؟ فقالت: قد فعلت، فان لم تصدقيني فانطلقي فسلي رسول الله ﷺ ، فانطلقت ومعها ربيبة فقالت: يا رسول الله إني بعثت معها إليك بعكة فيها سمن، قال: قد فعلت، قد جاءت، قالت: والّذي بعثك بالحق ودين الحق إنها لممتلئة تقطر سمنا، قال: فقال لها رسول الله ﷺ : يا أم سليم أتعجبين إن كان الله أطعمك كما أطعمت نبيه؟ كلى وأطعمى، قالت: فجئت إلى البيت فقسمت في قعب

стр. 1872

لنا وكذا وكذا وتركت فيها ما ائتدمنا به شهرا أو شهرين. حديث آخر في ذلك قال البيهقي: أنا الحاكم، أنا الأصم، ثنا عباس الدوري، ثنا على بن بحر القطان، ثنا خلف ابن خليفة عن أبى هاشم الرماني عن يوسف بن خالد عن أوس بن خالد عن أم أوس البهزية قالت: سليت سمنا لي فجعلته في عكة فأهديته لرسول الله فقبله وترك في العكة قليلا ونفخ فيها ودعا بالبركة ثم قال: ردوا عليها عكتها، فردوها عليها وهي مملوءة سمنا، قالت: فظننت أن رسول الله لم يقبلها فجاءت ولها صراخ، فقالت: يا رسول الله إنما سليته لك لتأكله، فعلم أنه قد استجيب له، فقال: اذهبوا فقولوا لها فلتأكل سمنها وتدعو بالبركة، فأكلت بقية عمر النبي ﷺ وولاية أبى بكر وولاية عمرو ولاية عثمان حتى كان من أمر على ومعاوية ما كان. حديث آخر روى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الأعلى ابن المسور القرشي عن محمد بن عمرو بن عطاء عن أبى هريرة قال: كانت امرأة من دوس يقال لها: أم شريك، أسلمت في رمضان، فذكر الحديث في هجرتها وصحبة ذلك اليهودي لها، وأنها عطشت فأبى أن يسقيها حتى تهود، فنامت فرأت في النوم من يسقيها فاستيقظت وهي ريانة، فلما جاءت رسول الله قصت عليه القصة، فخطبها إلى نفسها فرأت نفسها أقل من ذلك وقالت: بل زوجني من شئت، فزوجها زيدا وأمر لها بثلاثين صاعا، وقال: كلوا ولا تكيلوا، وكانت معها عكة سمن هدية لرسول الله، فأمرت جاريتها أن تحملها إلى رسول الله، ففرغت وأمرها رسول الله إذا ردتها أن تعلقها ولا توكئها، فدخلت أم شريك فوجدتها ملأى، فقالت للجارية: ألم آمرك أن تذهبي بها إلى رسول الله؟ فقالت: قد فعلت، فذكروا ذلك لرسول الله فأمرهم أن لا يوكئوها فلم تزل حتى أوكتها أم شريك ثم كالوا الشعير فوجدوه ثلاثين صاعا لم ينقص منه شيء. حديث آخر في ذلك قال الامام أحمد: ثنا حسن، ثنا ابن لهيعة ثنا أبو الزبير عن جابر أن أم مالك البهزية كانت تهدى في عكة لها سمنا للنّبيّ ﷺ فبينما بنوها يسألونها الإدام وليس عندها شيء فعمدت إلى عكتها التي كانت تهدى فيها إلى النبي ﷺ فقال: أعصرتيه؟ فقلت: نعم قال: لو تركتيه ما زال ذلك مقيما ثم روى الامام أحمد بهذا الاسناد عن جابر عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه هو وامرأته وضيف لهم حتى كالوه، فقال رسول الله ﷺ لو لم تكيلوه لأكلتم فيه ولقام لكم * وقد روى هذين الحديثين مسلم من وجه آخر عن أبى الزبير عن جابر.

стр. 1873

ذكر ضيافة أبى طلحة الأنصاري رسول الله ﷺ وما ظهر في ذلك اليوم من دلالات النبوة في تكثير الطعام النذر حتى عم من هنالك من الضيفان وأهل المنزل والجيران قال البخاري: ثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة أنه سمع أنس بن مالك يقول: قال أبو طلحة لأم سليم: لقد سمعت صوت رسول الله ضعيفا أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصا من شعير ثم أخرجت خمارا لها فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه، ثم أرسلتنى إلى رسول الله ﷺ قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فقمت عليهم فقال لي رسول الله ﷺ : أرسلك أبو طلحة؟ فقلت نعم: قال بطعام؟ قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: قوموا، فانطلق وانطلقت بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ والناس وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله: هلم يا أم سليم، ما عندك؟ فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت وعصرت أم سليم عكة فآدمته، ثم قال رسول الله فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا ثم خرجوا ثم قال: ائذن لعشرة فأكل القوم كلهم والقوم سبعون أو ثمانون رجلا * وقد رواه البخاري في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من غير وجه عن مالك. طريق آخر عن أنس بن مالك ﵁ قال أبو يعلى: ثنا هدبة بن خالد، ثنا مبارك بن فضالة، ثنا بكير وثابت البناني عن أنس أن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاويا فجاء إلى أم سليم فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ طاويا فهل عندك من شيء؟ قالت: ما عندنا إلا نحو من مدّ دقيق شعير قال: فاعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعو رسول الله ﷺ فيأكل عندنا، قال: فعجنته وخبزته فجاء قرصا فقال، يا أنس ادع رسول الله، فأتيت رسول الله ومعه أناس، قال مبارك أحسبه قال: بضعة وثمانون قال: فقلت: يا رسول الله أبو طلحة يدعوك، فقال لأصحابه: أجيبوا أبا طلحة، فجئت جزعا حتى أخبرته أنه قد جاء بأصحابه قال بكر فعدى قدمه وقال ثابت قال أبو طلحة: رسول الله أعلم بما في بيتي منى، وقالا جميعا عن أنس فاستقبله أبو طلحة فقال: يا رسول الله ما عندنا شيء إلا قرص، رأيتك طاويا فأمرت أم سليم فجعلت لك قرصا، قال: فدعا بالقرص ودعا بجفنة فوضعه فيها وقال: هل من سمن؟ قال أبو طلحة قد كان في العكة شيء، قال: فجاء بها، قال: فجعل رسول الله وأبو طلحة يعصرانها حتى خرج شيء

стр. 1874

مسح رسول الله به سبابته ثم مسح القرص فانتفخ وقال: بسم الله فانتفخ القرص فلم يزل يصنع كذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يميع، فقال: ادع عشرة من أصحابى، فدعوت له عشرة، قال: فوضع رسول الله ﷺ يده وسط القرص وقال: كلوا بسم الله، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، ثم قال، ادع لي عشرة أخرى، فدعوت له عشرة أخرى، فقال: كلوا بسم الله، فأكلوا من حوالي القرص حتى شبعوا، فلم يزل يدعو عشرة عشرة يأكلون من ذلك القرص حتى أكل منه بضعة وثمانون من حوالي القرص حتى شبعوا وإن وسط القرص حيث وضع رسول الله ﷺ يده كم هو * وهذا إسناد حسن على شرط أصحاب السنن ولم يخرجوه فالله أعلم. طريق أخرى عن أنس بن مالك ﵁ قال الامام أحمد: ثنا عبد الله بن نمير، ثنا سعد - يعنى ابن سعيد بن قيس - أخبرنى أنس ابن مالك قال: بعثني أبو طلحة إلى رسول الله ﷺ لأدعوه وقد جعل له طعاما، فأقبلت ورسول الله ﷺ مع الناس، قال: فنظر إليّ فاستحييت فقلت: أجب أبا طلحة، فقال للناس: قوموا، فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما صنعت شيئا لك قال: فمسها رسول الله ودعا فيها بالبركة، ثم قال: أدخل نفرا من أصحابى عشرة، فقال: كلوا فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، وقال: أدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا فما زال يدخل عشرة ويخرج عشرة حتى لم يبق منهم أحد إلا دخل فأكل حتى شبع ثم هيأها فإذا هي مثلها حين أكلوا منها * وقد رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير كلاهما عن عبد الله بن نمير وعن سعيد بن يحيى الأموي عن أبيه كلاهما عن سعد بن سعيد بن قيس الأنصاري. طريق أخرى رواه مسلم في الأطعمة عن عبد بن حميد عن خالد بن مخلد عن محمد بن موسى عن عبد الله بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس فذكر نحو ما تقدم * وقد رواه أبو يعلى الموصلىّ عن محمد بن عباد المكيّ [عن حاتم] عن معاوية بن أبى مردد عن عبد الله بن عبد الله بن أبى طلحة عن أبيه عن أبى طلحة فذكره والله أعلم. طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: ثنا على بن عاصم، ثنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس بن مالك قال: أتى أبو طلحة بمدين من شعير فأمر به فصنع طعاما ثم قال لي: يا أنس انطلق ائت رسول الله ﷺ فادعه وقد تعلم ما عندنا، قال: فأتيت رسول الله ﷺ وأصحابه عنده فقلت: إن أبا طلحة يدعوك إلى طعامه، فقام وقال للناس: قوموا فقاموا، فجئت أمشى بين يديه حتى دخلت على

стр. 1875

أبى طلحة فأخبرته، قال: فضحتنا، قلت: إني لم أستطع أن أرد على رسول الله ﷺ أمره، فلما انتهى رسول الله ﷺ قال لهم: اقعدوا، ودخل عاشر عشرة فلما دخل أتى بالطعام تناول فأكل وأكل معه القوم حتى شبعوا، ثم قال لهم: قوموا، وليدخل عشرة مكانكم، حتى دخل القوم كلهم وأكلوا، قال: قلت: كم كانوا؟ قال: كانوا نيفا وثمانين، قال: وفضل لأهل البيت ما أشبعهم * وقد رواه مسلم في الأطعمة عن عمرو الناقد عن عبد الله بن جعفر الرقى عن عبيد الله بن عمرو عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن أبى ليلى عن أنس قال: أمر أبو طلحة أم سليم قال: اصنعي للنّبيّ ﷺ لنفسه خاصة طعاما يأكل منه، فذكر نحو ما تقدم. طريق أخرى عن أنس قال أبو يعلى: ثنا شجاع بن مخلد، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبى، سمعت جرير بن يزيد يحدث عن عمرو بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك قال: رأى أبو طلحة رسول الله في المسجد مضطجعا يتقلب ظهرا لبطن، فأتى أم سليم فقال: رأيت رسول الله مضطجعا في المسجد يتقلب ظهرا لبطن، فخبزت أم سليم قرصا، ثم قال لي أبو طلحة: اذهب فادع رسول الله، فأتيته وعنده أصحابه فقلت: يا رسول الله يدعوك أبو طلحة، فقام وقال: قوموا، قال: فجئت أسعى إلى أبى طلحة فأخبرته أن رسول الله قد كان تبعه أصحابه، فتلقاه أبو طلحة، فقال: يا رسول الله إنما هو قرص، فقال: إن الله سيبارك فيه، فدخل رسول الله وجيء بالقرص في قصعة، فقال: هل من سمن؟ فجيء بشيء من سمن فغور القرص بإصبعه هكذا، ورفعها، ثم صب وقال: كلوا من بين أصابعى، فأكل القوم حتى شبعوا، ثم قال: أدخل على عشرة، فأكلوا حتى شبعوا، حتى أكل القوم فشبعوا وأكل رسول الله ﷺ وأبو طلحة وأم سليم وأنا حتى شبعنا وفضلت فضلة أهديت لجيران لنا * ورواه مسلم في الأطعمة من صحيحه عن حسن الحلواني وعن وهب بن جرير بن حازم عن عمه جرير بن يزيد عن عمرو بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس بن مالك فذكر نحو ما تقدم * طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: ثنا يونس بن محمد، ثنا حماد - يعنى ابن زيد - عن هشام عن محمد - يعنى ابن سيرين - عن أنس قال حماد: والجعد قد ذكره، قال: عمدت أم سليم إلى نصف مد شعير فطحنته ثم عمدت إلى عكة كان فيها شيء من سمن فاتخذت منه خطيفة قال: ثم أرسلتنى إلى رسول الله ﷺ قال: فأتيته وهو في أصحابه فقلت: إن أم سليم أرسلتنى إليك تدعوك، فقال: أنا ومن معى، قال: فجاء هو ومن معه، قال: فدخلت فقلت لأبى طلحة: قد جاء رسول الله ﷺ ومن معه، فخرج أبو طلحة فمشى إلى جنب النبي ﷺ ، قال: يا رسول الله إنما هي خطيفة اتخذتها أم سليم

стр. 1876

من نصف مد شعير، قال: فدخل فأتى به، قال: فوضع يده فيها ثم قال: أدخل عشرة، قال فدخل عشرة فأكلوا حتى شبعوا، ثم دخل عشرة فأكلوا ثم عشرة فأكلوا حتى أكل منها أربعون كلهم أكلوا حتى شبعوا، قال: وبقيت كما هي، قال: فأكلنا * وقد رواه البخاري في الأطعمة عن الصلت بن محمد عن حماد بن زيد عن الجعد أبى عثمان عن أنس. وعن هشام بن محمد عن أنس. وعن سنان بن ربيعة عن أبى ربيعة عن أنس أن أم سليم عمدت إلى مد من شعير جشته وجعلت منه خطيفة وعمدت إلى عكة فيها شيء من سمن فعصرته ثم بعثتني إلى رسول الله وهو في أصحابه، الحديث بطوله * ورواه أبو يعلى الموصلي: ثنا عمرو عن الضحاك، ثنا أبى، سمعت أشعث الحراني قال: قال محمد بن سيرين: حدثني أنس بن مالك أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام، فذهب فأجر نفسه بصاع من شعير فعمل يومه ذلك فجاء به وأمر أم سليم أن تعمله خطيفة * وذكر الحديث. طريق أخرى عن أنس ﵁ قال الامام أحمد: ثنا يونس بن محمد، ثنا حرب بن ميمون عن النضر بن أنس عن أنس بن مالك قال: قالت أم سليم: اذهب إلى نبي الله ﷺ فقل: إن رأيت أن تغدى عندنا فافعل، فجئته فبلغته، فقال: ومن عندي؟ قلت: نعم، قال: انهضوا، قال: فجئته فدخلت على أم سليم وأنا لدهش لمن أقبل مع رسول الله ﷺ ، قال: فقالت أم سليم: ما صنعت يا أنس؟ فدخل رسول الله ﷺ على إثر ذلك فقال: هل عندك سمن؟ قالت: نعم، قد كان منه عندي عكة فيها شيء من سمن، قال: فأت بها قالت: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: بسم الله اللهمّ أعظم فيها البركة، قال فقال اقلبيها، فقلبتها فعصرها نبي الله ﷺ وهو يسمى، فأخذت نقع قدر فأكل منها بضع وثمانون رجلا وفضل فضلة فدفعها إلى أم سليم فقال: كلى وأطعمى جيرانك * وقد رواه مسلم في الأطعمة عن حجاج بن الشاعر عن يونس بن محمد المؤدب به. طريق أخرى قال أبو القاسم البغوي: ثنا على بن المديني، ثنا عبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ عن عمرو بن يحيى ابن عمارة المازني عن أبيه عن أنس بن مالك أن أمه أم سليم صنعت خزيرا فقال أبو طلحة: اذهب يا بنى فادع رسول الله ﷺ ، قال: فجئته وهو بين ظهراني الناس، فقلت: إن أبى يدعوك، قال: فقام وقال للناس: انطلقوا، قال: فلما رأيته قام بالناس تقدمت بين أيديهم فجئت أبا طلحة فقلت: يا أبت قد جاءك رسول الله ﷺ بالناس، قال: فقام أبو طلحة على الباب وقال: يا رسول الله إنما كان شيئا يسيرا، فقال: هلمّه، فان الله سيجعل فيه البركة، فجاء به فجعل رسول الله يده فيه، ودعا الله

стр. 1877

بما شاء أن يدعو، ثم قال: أدخل عشرة عشرة، فجاءه منهم ثمانون فأكلوا وشبعوا * ورواه مسلم في الأطعمة عن عبد بن حميد عن القعنبي عن الدراوَرْديّ عن يحيى بن عمارة بن أبى حسن الأنصاري المازني [عن أبيه] عن أنس بن مالك بنحو ما تقدم. طريق أخرى ورواه مسلم في الأطعمة أيضا عن حرملة عن ابن وهب عن أسامة بن زيد الليثي عن يعقوب بن عبد الله بن أبى طلحة عن أنس كنحو ما تقدم * قال البيهقي: وفي بعض حديث هؤلاء: ثم أكل رسول الله ﷺ وأكل أهل البيت وأفضلوا ما بلغ جيرانهم، فهذه طرق متواترة عن أنس بن مالك ﵁ أنه شاهد ذلك على ما فيه من اختلاف عنه في بعض حروفه، ولكن أصل القصة متواتر لا محالة كما ترى، ولله الحمد والمنة، فقد رواه عن أنس بن مالك إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة وبكر بن عبد الله المزني وثابت بن أسلم البناني [والجعد بن عثمان] وسعد بن سعيد أخو يحيى بن سعيد الأنصاري وسنان بن ربيعة وعبد الله بن عبد الله بن أبى طلحة وعبد الرحمن بن أبى ليلى وعمرو بن عبد الله بن أبى طلحة ومحمد بن سيرين والنضر بن أنس ويحيى بن عمارة بن أبى حسن ويعقوب بن عبد الله بن أبى طلحة * وقد تقدم في غزوة الخندق حديث جابر في إضافته ﷺ على صاع من شعير وعناق، فعزم ﵇ على أهل الخندق بكمالهم، فكانوا ألفا أو قريبا من ألف، فأكلوا كلهم من تلك العناق وذلك الصاع حتى شبعوا وتركوه كما كان، وقد أسلفناه بسنده ومتنه وطرقه ولله الحمد والمنة * ومن العجب الغريب ما ذكره الحافظ أبو عبد الرحمن بن محمد بن المنذر الهروي - المعروف بشكر - في كتاب العجائب الغريبة، في هذا الحديث فإنه أسنده وساقه بطوله وذكر في آخره شيئا غريبا فقال: ثنا محمد بن على بن طرخان، ثنا محمد بن مسرور، أنا هاشم ابن هاشم ويكنى بأبي برزة بمكة في المسجد الحرام، ثنا أبو كعب البداح بن سهل الأنصاري من أهل المدينة من الناقلة الذين نقلهم هارون إلى بغداد، سمعت منه بالمصيصة عن أبيه سهل بن عبد الرحمن عن أبيه عبد الرحمن بن كعب عن أبيه كعب بن مالك قال: أتى جابر بن عبد الله إلى رسول الله ﷺ فعرف في وجهه الجوع فذكر أنه رجع إلى منزله فذبح داجنا كانت عندهم وطبخها وثرد تحتها في جفنة وحملها إلى رسول الله ﷺ فأمره أن يدعو له الأنصار فأدخلهم عليه إرسالا فأكلوا كلهم وبقي مثل ما كان، وكان رسول الله ﷺ يأمرهم أن يأكلوا ولا يكسروا عظما، ثم إنه جمع العظام في وسط الجفنة فوضع عليها يده ثم تكلم بكلام لا أسمعه إلا أنى أرى شفتيه تتحرك، فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها فقال: خذ شاتك يا جابر بارك الله لك فيها، قال: فأخذتها ومضيت، وإنها لتنازعنى أذنها حتى أتيت بها البيت، فقالت لي المرأة: ما هذا يا جابر؟ فقلت: هذه والله شاتنا

стр. 1878

التي ذبحناها لرسول الله، دعا الله فأحياها لنا، فقالت: أنا أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله، أشهد أنه رسول الله. حديث آخر عن أنس في معنى ما تقدم قال أبو يعلى الموصلي والباغندي: ثنا شيبان، ثنا محمد بن عيسى بصرى - وهو صاحب الطعام - ثنا ثابت البناني قلت لأنس بن مالك: يا أنس أخبرنى بأعجب شيء رأيته، قال: نعم يا ثابت خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فلم يعب على شيئا أسأت فيه وإن نبي الله ﷺ لما تزوج زينب بنت جحش قالت لي أمى: يا أنس إن رسول الله ﷺ أصبح عروسا ولا أدرى أصبح له غداء فهلم تلك العكة، فأتيتها بالعكة وبتمر فجعلت له حيسا فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى نبي الله وامرأته، فلما أتيت رسول الله ﷺ بتور من حجارة فيه ذلك الحيس قال: دعه ناحية البيت وادع لي أبا بكر وعمرو عليا وعثمان ونفرا من أصحابه، ثم ادع لي أهل المسجد ومن رأيت في الطريق، قال: فجعلت أتعجب من قلة الطعام ومن كثرة ما يأمرني أن أدعو الناس وكرهت أن أعصيه حتى امتلأ البيت والحجرة، فقال: يا أنس هل ترى من أحد؟ فقلت: لا يا رسول الله، قال: هات ذلك التور، فجئت بذلك التور فوضعته قدامه، فغمس ثلاث أصابع في التور فجعل التمر يربو فجعلوا يتغذون ويخرجون حتى إذا فرغوا أجمعون وبقي في التور نحو ما جئت به، فقال: ضعه قدام زينب، فخرجت وأسقفت عليهم بابا من جريد، قال ثابت: قلنا: يا أبا حمزة كم ترى كان الذين أكلوا من ذلك التور؟ فقال: أحسب واحدا وسبعين أو اثنين وسبعين * وهذا حديث غريب من هذا الوجه ولم يخرجوه. حديث آخر عن أبى هريرة في ذلك قال جعفر بن محمد الفريابي: ثنا عثمان بن أبى شيبة، ثنا حاتم بن إسماعيل عن أنيس بن أبى يحيى عن إسحاق بن سالم عن أبى هريرة قال خرج عليّ رسول الله ﷺ فقال: أدع لي أصحابك من أصحاب الصفة، فجعلت أنبههم رجلا رجلا فجمعتهم فجئنا باب رسول الله ﷺ فاستأذنا فأذن لنا، قال أبو هريرة: فوضعت بين أيدينا صحفة أظن أن فيها قدر مد من شعير، قال: فوضع رسول الله ﷺ عليها يده وقال: كلوا بسم الله، قل: فأكلنا ما شئنا ثم رفعنا أيدينا، فقال رسول الله ﷺ حين وضعت الصحفة: والّذي نفسي بيده ما أمسى في آل محمد طعام ليس ترونه، قيل لأبى هريرة: قدركم كانت حين فرغتم منها؟ قال: مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع * وهذه قصة غير قصة أهل الصفة المتقدمة في شربهم اللبن كما قدمنا * حديث آخر عن أبى أيوب في ذلك قال جعفر الفريابي: ثنا أبو سلمة يحيى بن خلف، ثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريريّ عن أبى

стр. 1879

الورد عن أبى محمد الحضرميّ عن أبى أيوب الأنصاري قال: صنعت لرسول الله ﷺ ولأبى بكر طعاما قدر ما يكفيهما فأتيتهما به، فقال رسول الله ﷺ : اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار، قال: فشق ذلك عليّ، ما عندي شيء أزيده، قال: فكأني تثاقلت، فقال: اذهب فادع لي ثلاثين من أشراف الأنصار، فدعوتهم فجاءوا فقال: أطعموا، فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله ثم بايعوه قبل أن يخرجوا ثم قال: اذهب فادع لي ستين من أشراف الأنصار، قال أبو أيوب: فو الله لأنا بالستين أجود منى بالثلاثين، قال: فدعوتهم، فقال رسول الله ﷺ تربعوا فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فاذهب فادع لي تسعين من الأنصار، قال: فلأنا أجود بالتسعين والستين منى بالثلاثين، قال: فدعوتهم فأكلوا حتى صدروا ثم شهدوا أنه رسول الله وبايعوه قبل أن يخرجوا، قال: فأكل من طعامي ذلك مائة وثمانون رجلا كلهم من الأنصار * وهذا حديث غريب جدا إسنادا ومتنا. وقد رواه البيهقي من حديث محمد بن أبى بكر المقدمي عن عبد الأعلى به. قصة أخرى في تكثير الطعام في بيت فاطمة قال الحافظ أبو يعلى: ثنا سهل بن الحنظلية، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني ابن لهيعة عن محمد بن المنكدر عن جابر أن رسول الله ﷺ أقام أياما لم يطعم طعاما حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يصب عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة فقال: يا بنية هل عندك شيء آكله فانى جائع؟ فقالت: لا والله بأبي أنت وأمى، فلما خرج من عندها رسول الله ﷺ بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم فأخذته منها فوضعته في جفنة لها وغطت عليها وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله ﷺ على نفسي ومن عندي، وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله ﷺ فرجع إليها، فقالت: له بأبي أنت وأمى قد أتى الله بشيء فخبأته لك، قال: هلمي يا بنية، فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه ﷺ وقدمته إلى رسول الله، فلما رآه حمد الله وقال: من أين لك هذا يا بنية؟ قالت: يا أبت هو من عند الله، إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فحمد الله وقال: الحمد لله الّذي جعلك يا بنية شبيهة سيدة نساء بنى إسرائيل فإنها كانت إذا رزقها الله شيئا فسئلت عنه قالت: هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب، فبعث رسول الله ﷺ إلى على ثم أكل رسول الله ﷺ وعليّ وفاطمة وحسن وحسين، وجميع أزواج رسول الله ﷺ وأهل بيته جميعا حتى شبعوا، قالت: وبقيت الجفنة كما هي، فأوسعت بقيتها على جميع جيرانها، وجعل الله فيها بركة وخيرا كثيرا * وهذا حديث غريب أيضا إسنادا ومتنا * وقد قدمنا في أول البعثة حين

стр. 1880

نزل قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ حديث ربيعة بن ماجد عن على في دعوته ﵇ بنى هاشم - وكانوا نحوا من أربعين - فقدم إليهم طعاما من مد فأكلوا حتى شبعوا وتركوه كما هو» وسقاهم من عسّ شرابا حتى رووا وتركوه كما هو ثلاثة أيام متتابعة، ثم دعاهم إلى الله كما تقدم. قصة أخرى في بيت رسول الله ﷺ قال الامام أحمد: ثنا على بن عاصم، ثنا سليمان التيمي عن أبى العلاء بن الشخير عن سمرة بن جندب قال: بينما نحن عند النبي ﷺ إذ أتى بقصعة فيها ثريد، قال: فأكل وأكل القوم فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب من الظهر، يأكل قوم ثم يقومون ويجيء قوم فيتعاقبونه، قال: فقال له رجل: هل كانت تمد بطعام؟ قال: أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء * ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن سليمان عن أبى العلاء عن سمرة أن رسول الله أتى بقصعة فيها ثريد فتعاقبوها إلى الظهر من غدوة، يقوم ناس ويقعد آخرون، قال له رجل: هل كانت تمدّ؟ فقال له: فمن أين تعجب ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار إلى السماء * وقد رواه الترمذي والنسائي أيضا من حديث معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبى العلاء واسمه يزيد بن عبد الله بن الشخير عن سمرة بن جندب به * قصة قصعة بيت الصديق ولعلها هي القصعة المذكورة في حديث سمرة والله أعلم قال البخاري: ثنا موسى بن إسماعيل، ثنا معتمر عن أبيه، ثنا أبو عثمان أنه حدثه عبد الرحمن ابن أبى بكر ﵄: أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء، وأن النبي ﷺ قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو سادس أو كما قال، وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، وأبو بكر بثلاثة قال: فهو أنا وأبى وأمى: ولا أدرى هل قال امرأتي وخادمي من بيتنا وبيت أبى بكر، وإن أبا بكر تعشى عند النبي ﷺ ثم لبث حتى صلّى العشاء ثم رجع فلبث حتى تعشى رسول الله ﷺ فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك أو ضيفك؟ قال: أو ما عشيتيهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء قد عرضوا عليهم فغلبوهم فذهبت فاختبأت فقال يا غنثر فجدع وسبّ وقال: كلوا [في رواية أخرى لا هنيئا] وقال: لا أطعمه أبدا، والله ما كنا نأخذ من لقمة إلا ربا من أسفلها أكثر منها حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل: فنظر أبو بكر فإذا هي شيء أو أكثر فقال لامرأته [في رواية أخرى: ما هذا] يا أخت بنى فراس؟ قالت: لا وقرة عيني هي الآن أكثر مما قبل بثلاث مرار: فأكل منها أبو بكر وقال، إنما كان الشيطان - يعنى يمينه - ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى

стр. 1881

النبي ﷺ فأصبحت عنده وكان بيننا وبين قوم عهد فمضى الأجل فعرفنا اثنى عشر رجلا مع كل رجل منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل غير أنه بعث معهم، قال: فأكلوا منها أجمعون أو كما قال وغيرهم يقول: فتفرّقنا * هذا لفظه وقد رواه في مواضع أخر من صحيحه ومسلم من غير وجه عن أبى عثمان عبد الرحمن بن مل النهدي عن عبد الرحمن بن أبى بكر. حديث آخر عن عبد الرحمن بن أبى بكر في هذا المعنى قال الامام أحمد: ثنا حازم، ثنا معتمر بن سليمان عن أبيه عن أبى عثمان عن عبد الرحمن بن أبى بكر أنه قال: كنا مع رسول الله ﷺ ثلاثين ومائة فقال النبي ﷺ : هل مع أحد منكم طعام؟ فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه فعجن ثم جاء رجل مشرك مشعانّ طويل بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : أبيعا أم عطية؟ أو قال: أم هدية؟ قال: لا، بل بيع، فاشترى منه شاة فصنعت وأمر النبي ﷺ بسواد البطن أن يشوى، قال: وأيم الله ما من الثلاثين والمائة إلا قد حز له رسول الله ﷺ حزّة من سواد بطنها، إن كان شاهدا أعطاه إياه، وإن كان غائبا خبأ له، قال: وجعل منها قصعتين، قال فأكلنا منهما أجمعون وشبعنا وفضل في القصعتين فجعلناه على البعير، أو كما قال * وقد أخرجه البخاري ومسلم من حديث معتمر بن سليمان. حديث آخر في تكثير الطعام في السفر قال الامام أحمد: حدثنا فزارة بن عمر، أنا فليح عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة قال: خرج رسول الله ﷺ في غزوة غزاها فأرمل فيها المسلمون واحتاجوا إلى الطعام، فاستأذنوا رسول الله ﷺ في نحر الإبل فأذن لهم، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ قال: فجاء فقال: يا رسول الله إبلهم تحملهم وتبلغهم عدوهم ينحرونها؟ ادع يا رسول الله بغبرات الزاد فادع الله فيها بالبركة، قال: أجل، فدعا بغبرات الزاد فجاء الناس بما بقي معهم، فجمعه ثم دعا الله فيه بالبركة ودعاهم بأوعيتهم فملأها وفضل فضل كثير، فقال رسول الله ﷺ عند ذلك: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنى عبد الله ورسوله، ومن لقي الله بهما غير شاك دخل الجنة * وكذلك رواه جعفر الفريابي عن أبى مصعب الزهري عن عبد العزيز بن أبى حازم عن أبيه سهيل به * ورواه مسلم والنسائي جميعا عن أبى بكر بن أبى النضر عن أبيه عن عبيد الله الأشجعي عن مالك بن مغول عن طلحة بن مصرف عن أبى صالح عن أبى هريرة به * وقال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا زهير، ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح سعيد، أو عن أبى هريرة - شك الأعمش - قال: لما كانت غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فنحرنا نواضحنا فأكلنا وادهنا؟ فقال: افعلوا فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلوا قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع

стр. 1882

لهم عليها بالبركة لعل الله أن يجعل في ذلك البركة، فأمر رسول الله بنطع فبسط ودعا بفضل أزوادهم، قال: فجعل الرجل يجيء بكف التمر والآخر بالكسرة حتى اجتمع على النطع شيء من ذلك يسير، فدعا عليهم بالبركة ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملأه، وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة، فقال رسول الله ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فتحتجب عنه الجنة * وهكذا رواه مسلم أيضا عن سهل ابن عثمان وأبى كريب كلاهما عن أبى معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى سعيد وأبى هريرة فذكر مثله. حديث آخر في هذه القصة قال الامام أحمد: ثنا على بن إسحاق، ثنا عبد الله - هو ابن المبارك - أنا الأوزاعي، أنا المطلب بن حنطب المخزومي، حدثني عبد الرحمن بن أبى عمرة الأنصاري، حدثني أبى قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فأصاب الناس مخمصة فاستأذن الناس رسول الله ﷺ في نحر بعض ظهورهم وقالوا: يبلغنا الله به، فلما رأى عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قد هم أن يأذن لهم في بحر بعض ظهورهم، قال: يا رسول الله كيف بنا إذا نحن لقينا العدو غدا جياعا رجالا؟ ولكن إن رأيت يا رسول الله أن تدعو لنا ببقايا أزوادهم وتجمعها ثم تدعو الله فيها بالبركة فان الله سيبلغنا بدعوتك، أو سيبارك لنا في دعوتك، فدعا النبي ﷺ ببقايا أزوادهم فجعل الناس يجيئون بالحبة من الطعام وفوق ذلك، فكان أعلاهم من جاء بصاع من تمر، فجمعها رسول الله ﷺ ثم قام فدعا ما شاء الله أن يدعو ثم دعا الجيش بأوعيتهم وأمرهم أن يحتثوا، فما بقي في الجيش وعاء إلا ملئوه، وبقي مثله، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنى رسول الله، لا يلقى الله عبد يؤمن بهما إلا حجبت عنه النار يوم القيامة * وقد رواه النسائي من حديث عبد الله بن المبارك باسناده نحو ما تقدم. حديث آخر في هذه القصة قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا أحمد بن المعلى الأدمي، ثنا عبد الله بن رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدثني أبو بكر - أظنه من ولد عمر بن الخطاب - عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن أبى ربيعة أنه سمع أبا حنيس الغفاريّ أنه كان مع رسول الله ﷺ في غزوة تهامة حتى إذا كنا بعسفان جاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله جهدنا الجوع فأذن لنا في الظهر أن نأكله، قال: نعم، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فجاء رسول الله فقال: يا نبي الله ما صنعت؟ أمرت الناس أن ينحروا الظهر فعلى ما يركبون؟ قال: فما ترى يا ابن الخطاب؟ قال: أرى أن تأمرهم أن يأتوا بفضل أزوادهم فتجمعه في ثوب ثم تدعو لهم،

стр. 1883

فأمرهم فجمعوا فضل أزوادهم في ثوب ثم دعا لهم ثم قال: ائتوا بأوعيتكم، فملأ كل إنسان وعاءه، ثم أذن بالرحيل، فلما جاوز مطروا فنزل ونزلوا معه وشربوا من ماء السماء فجاء ثلاثة نفر فجلس اثنان مع رسول الله وذهب الآخر معرضا، فقال رسول الله: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما واحد فاستحى من الله فاستحى الله منه، وأما الآخر فأقبل تائبا فتاب الله عليه وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه * ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو حنيس إلا هذا الحديث بهذا الاسناد * وقد رواه البيهقي عن الحسين بن بشران عن أبى بكر الشافعيّ: ثنا إسحاق بن الحسن الخرزي، أنا أبو رجاء، ثنا سعيد بن سلمة، حدثني أبو بكر بن عمرو بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن إبراهيم ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة أنه سمع أبا حنيس الغفاريّ فذكره. حديث آخر عن عمر بن الخطاب في هذه القصة قال الحافظ أبو يعلى: ثنا ابن هشام - محمد بن يزيد الرفاعيّ -، ثنا ابن فضل، ثنا يزيد - وهو ابن أبى زياد - عن عاصم بن عبيد الله بن عاصم عن أبيه عن جده عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزاة فقلنا: يا رسول الله إن العدو قد حضروهم شباع والناس جياع، فقالت الأنصار: ألا ننحر نواضحنا فنطعمها الناس؟ فقال رسول الله ﷺ : من كان معه فضل طعام فليجئ به، فجعل الرجل يجيء بالمد والصاع وأقل وأكثر، فكان جميع ما في الجيش بضعا وعشرين صاعا، فجلس النبي ﷺ إلى جنبه فدعا بالبركة، فقال النبي ﷺ خذوا ولا تنتهبوا، فجعل الرجل يأخذ في جرابه وفي غرارته، وأخذوا في أوعيتهم حتى ان الرجل ليربط كمّ قميصه فيملؤه، ففرغوا والطعام كما هو، ثم قال النبي ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، لا يأتى بها عبد محق إلا وقاه الله حرّ النار * ورواه أبو يعلى أيضا عن إسحاق بن إسماعيل الطالقانيّ عن جرير عن يزيد بن أبى زياد فذكره. وما قبله شاهد له بالصحة كما أنه متابع لما قبله والله أعلم. حديث آخر عن سلمة بن الأكوع في ذلك قال الحافظ أبو يعلى: ثنا محمد بن بشار، ثنا يعقوب بن إسحاق الحضرميّ القاري، ثنا عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة خيبر فأمرنا أن نجمع ما في أزوادنا - يعنى من التمر - فبسط نطعا نشرنا عليه أزوادنا قال: فتمطيت فتطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة ونحن أربع عشرة مائة قال: فأكلنا ثم تطاولت فنظرت فحزرته كربضة شاة، وقال رسول الله ﷺ : هل من وضوء؟ قال: فجاء رجل بنقطة في إداوته، قال: فقبضها فجعلها في قدح، قال: فتوضأنا كلنا ندغفقها دغفقة ونحن أربع عشرة مائة قال فجاء أناس فقالوا: يا رسول الله ألا وضوء؟ فقال: قد فرغ الوضوء * وقد رواه مسلم عن أحمد بن يوسف

стр. 1884

السلمي عن النضر بن محمد عن عكرمة بن عمار عن إياس عن أبيه سلمة، وقال: فأكلنا حتى شبعنا ثم حشونا جربنا * وتقدم ما ذكره ابن إسحاق في حفر الخندق حيث قال: حدثني سعيد بن ميناء أنه قد حدث أن ابنة لبشير بن سعد - أخت النعمان بن بشير - قالت: دعتني أمى عمرة بنت رواحة فأعطتنى جفنة من تمر في ثوبي ثم قالت: أي بنية، اذهبي إلى أبيك وخالك عبد الله بغدائهما قالت: فأخذتها فانطلقت بها فمررت برسول الله ﷺ وأنا ألتمس أبى وخالي، فقال: تعالى يا بنية، ما هذا معك؟ قالت: قلت يا رسول الله هذا تمر بعثتني به أمى إلى أبى بشير بن سعد وخالي عبد الله بن رواحة يتغديانه فقال: هاتيه، قالت: فصببته في كفى رسول الله ﷺ فما ملأتهما ثم أمر بثوب فبسط له ثم دعا بالتمر فنبذ فوق الثوب، ثم قال لإنسان عنده: اصرخ في أهل الخندق أن هلم إلى الغداء، فاجتمع أهل الخندق عليه، فجعلوا يأكلون منه وجعل يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب. قصة جابر ودين أبيه وتكثيره ﵇ التمر قال البخاري في دلائل النبوة: حدثنا أبو نعيم، ثنا زكريا، حدثني عامر، حدثني جابر أن أباه توفى وعليه دين فأتيت النبي ﷺ فقلت: إن أبى ترك عليه دينا وليس عندي إلا ما يخرج نخله ولا يبلغ ما يخرج سنين ما عليه فانطلق معى لكيلا يفحش على الغرماء، فمشى حول بيدر من بيادر التمر فدعا ثم آخر ثم جلس عليه فقال: انزعوه فأوفاهم الّذي لهم وبقي مثل ما أعطاهم * هكذا رواه هنا مختصرا. وقد أسنده من طرق عن عامر بن شراحيل الشعبي عن جابر به * وهذا الحديث قد روى من طرق متعددة عن جابر بألفاظ كثيرة، وحاصلها أنه ببركة رسول الله ﷺ ودعائه له ومشيه في حائطه وجلوسه على تمره وفي الله دين أبيه، وكان قد قتل بأحد، وجابر كان لا يرجو وفاءه في ذلك العام ولا ما بعده، ومع هذا فضل له من التمر أكثر فوق ما كان يؤمله ويرجوه ولله الحمد والمنة. قصة سلمان [(١) في تكثيره ﷺ تلك القطعة من الذهب لوفاء دينه في مكاتبته. قال الامام أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبى عن ابن إسحاق حدثني يزيد بن أبى حبيب - رجل من عبد القيس - عن سلمان قال: لما قلت: وأين تقع هذه من الّذي عليّ يا رسول الله؟ أخذها رسول الله ﷺ فقلبها على لسانه ثم قال: خذها فأوفهم منها، فأخذتها فأوفيتهم منها حقهم أربعين أوقية]. ذكر مزود أبى هريرة وتمره قال الامام أحمد: حدثنا يونس، حدثنا حماد - يعنى ابن زيد - عن المهاجر عن أبى العالية

стр. 1885

عن أبى هريرة قال: أتيت رسول الله ﷺ يوما بتمرات فقال: ادع الله لي فيهن بالبركة قال: فصفهن بين يديه ثم دعا فقال لي: اجعلهن في مزود وأدخل يدك ولا تنثره قال: فحملت منه كذا كذا وسقا في سبيل الله ونأكل ونطعم وكان لا يفارق حقوي. فلما قتل عثمان ﵁ انقطع عن حقوي فسقط * ورواه الترمذي عن عمران بن موسى القزاز البصري عن حماد بن زيد عن المهاجر عن أبى مخلد عن رفيع أبى العالية عنه وقال الترمذي: حسن غريب من هذا الوجه. طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفار، أنا الحسين بن يحيى ابن عباس القطان، ثنا حفص بن عمر، ثنا سهل بن زياد أبو زياد، ثنا أيوب السختياني عن محمد بن سيرين عن أبى هريرة قال: كان رسول الله ﷺ في غزاة فأصابهم عوز من الطعام فقال: يا أبا هريرة عندك شيء؟ قال: قلت شيء من تمر في مزود لي، قال: جيء به، قال: فجئت بالمزود، قال: هات نطعا، فجئت بالنطع فبسطته، فأدخل يده فقبض على التمر فإذا هو واحد وعشرون، فجعل يضع كل تمرة ويسمى حتى أتى على التمر فقال به هكذا فجمعه، فقال: ادع فلانا وأصحابه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا وأصحابه، فأكلوا حتى شبعوا وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا، ثم قال: ادع فلانا وأصحابه فأكلوا وشبعوا وخرجوا، وفضل، ثم قال لي: اقعد، فقعدت فأكل وأكلت، قال: وفضل تمر فأدخلته في المزود وقال لي: يا أبا هريرة إذا أردت شيئا فأدخل يدك وخذه ولا تكفى فيكفى عليك، قال: فما كنت أريد تمرا إلا أدخلت يدي فأخذت منه خمسين وسقا في سبيل الله، قال: وكان معلقا خلف رحلي فوقع في زمن عثمان فذهب. طريق أخرى عن أبى هريرة في ذلك روى البيهقي من طريقين عن سهل بن أسلم العدوي عن يزيد بن أبى منصور عن أبيه عن أبى هريرة قال: أصبت بثلاث مصيبات في الإسلام لم أصب بمثلهن: موت رسول الله ﷺ وكنت صويحبه، وقتل عثمان، والمزود، قالوا: وما المزود يا أبا هريرة؟ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال: يا أبا هريرة أمعك شيء؟ قال: قلت تمر في مزود، قال: جيء به، فأخرجت تمرا فأتيته به، قال: فمسه ودعا فيه ثم قال: ادع عشرة، فدعوت عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم كذلك حتى أكل الجيش كله وبقي من تمر معى في المزود، فقال: يا أبا هريرة إذا أردت أن تأخذ منه شيئا فأدخل يدك فيه ولا تكفه قال: فأكلت منه حياة النبي ﷺ ، وأكلت منه حياة أبى بكر كلها، وأكلت منه حياة عمر كلها، وأكلت منه حياة عثمان كلها، فلما قتل عثمان انتهب ما في يدي وانتهب المزود، ألا أخبركم كم أكلت منه؟ أكلت منه أكثر من مائتي وسق

стр. 1886

طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا أبو عامر، ثنا إسماعيل - يعنى ابن مسلم - عن أبى المتوكل عن أبى هريرة قال: أعطانى رسول الله ﷺ شيئا من تمر فجعلته في مكتل فعلقناه في سقف البيت فلم نزل نأكل منه حتى كان آخره إصابة أهل الشام حيث أغاروا بالمدينة * تفرد به أحمد حديث عن العرباض بن سارية في ذلك رواه الحافظ بن عساكر في ترجمته من طريق محمد بن عمر الواقدي حدثني ابن أبى سبرة عن موسى بن سعد عن العرباض قال: كنت ألزم باب رسول الله ﷺ في الحضر والسفر، فرأينا ليلة ونحن بتبوك أو ذهبنا لحاجة فرجعنا إلى رسول الله ﷺ وقد تعشى ومن عنده، فقال: أين كنت منذ الليلة؟ فأخبرته، وطلع جعال بن سراقة وعبد الله بن معقل المزني، فكنا ثلاثة كلنا جائع، فدخل رسول الله ﷺ بيت أم سلمة فطلب شيئا نأكله فلم يجده، فنادى بلالا: هل من شيء؟ فأخذ الجرب ينقفها فاجتمع سبع تمرات فوضعها في صحفة ووضع عليهنّ يده وسمى الله وقال: كلوا باسم الله، فأكلنا، فأحصيت أربعا وخمسين تمرة، كلها أعدها ونواها في يدي الأخرى وصاحباي يصنعان ما أصنع، فأكل كل منهما خمسين تمرة، كلها أعدها ونواها في يدي الأخرى وصاحباي يصنعان ما أصنع، فأكل كل منهما خمسين تمرة، ورفعنا أيدينا فإذا التمرات السبع كما هن، فقال: يا بلال ارفعهن في جرابك، فلما كان الغد وضعهن في الصحفة وقال: كلوا بسم الله، فأكلنا حتى شبعنا وإنا لعشرة ثم رفعنا أيدينا وإنهن كما هن سبع، فقال: لولا أنى أستحى من ربى لأكلت من هذه التمرات حتى نرد إلى المدينة عن آخرنا، فلما رجع إلى المدينة طلع غليم من أهل المدينة فدفعهن إلى ذلك الغلام فانطلق يلوكهن *] حديث آخر روى البخاري ومسلم من حديث أبى أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت له: لقد توفى رسول الله ﷺ وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في رف لي فأكلت منه حتى طال على فكلته ففني. حديث آخر روى مسلم في صحيحه، عن سلمة بن شبيب عن الحسن بن أعين عن معقل عن أبى الزبير عن جابر: أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم * وبهذا الاسناد عن جابر أن أم مالك كانت تهدى إلى رسول الله ﷺ في عكتها سمنا فيأتيها بنوها فيسألون الأدم وليس عندها شيء فتعمد إلى التي كانت تهدى فيه إلى رسول الله ﷺ فتجد فيه سمنا فما زال

стр. 1887

يقيم لها أدم بيتها حتى عصرتها، فأتت رسول الله ﷺ فقال: أعصرتيها؟ قالت: نعم، فقال لو تركتيها ما زالت قائمة * وقد رواهما الامام أحمد عن موسى عن ابن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر، حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو جعفر البغدادي، ثنا يحيى بن عثمان بن صالح، ثنا حسان بن عبد الله، ثنا ابن لهيعة، ثنا يونس بن يزيد، ثنا ابن إسحاق عن سعيد بن الحرث بن عكرمة عن جده نوفل بن الحرث بن عبد المطلب أنه استعان رسول الله في التزويج فأنكحه امرأة فالتمس شيئا فلم يجده فبعث رسول الله ﷺ أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهناها عند رجل من اليهود بثلاثين صاعا من شعير، فدفعه رسول الله ﷺ إليه، قال: فطعمنا منه نصف سنة ثم كلناه فوجدناه كما أدخلناه، قال نوفل: فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: لو لم تكله لأكلت منه ما عشت. حديث آخر قال الحافظ البيهقي في الدلائل: أنا عبد الله بن يوسف الأصفهاني، أنا أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا عباس بن محمد الدوري، أنا أحمد بن عبد الله بن يونس، أنا أبو بكر بن عياش عن هشام - يعنى ابن حسان - عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال: أتى رجل أهله فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البرية فقالت امرأته: اللهمّ ارزقنا ما نعتجن ونختبز، قال: فإذا الجفنة ملأى خميرا والرحا تطحن والتنور ملأى خبزا وشواء، قال: فجاء زوجها فقال: عندكم شيء؟ قالت: نعم رزق الله، فرفع الرحا فكنس ما حوله، فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ فقال: لو تركها لدارت إلى يوم القيامة * وأخبرنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا أبو إسماعيل الترمذي، ثنا أبو صالح عبد الله ابن صالح، حدثني الليث بن سعد عن سعيد بن أبى سعيد المقبري عن أبى هريرة أن رجلا من الأنصار كان ذا حاجة فخرج وليس عند أهله شيء، فقالت امرأته: لو حركت رحاي وجعلت في تنورى سعفات فسمع جيراني صوت الرحا ورأوا الدخان فظنوا أن عندنا طعاما وليس بنا خصاصة؟ فقامت إلى تنورها فأوقدته وقعدت تحرك الرحا، قال: فأقبل زوجها وسمع الرحا فقامت إليه لتفتح له الباب، فقال: ماذا كنت تطحنين؟ فأخبرته، فدخلا وإن رحاهما لتدور وتصب دقيقا، فلم يبق في البيت وعاء إلا مليء، ثم خرجت إلى تنورها فوجدته مملوءا خبزا، فأقبل زوجها فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ ، قال: فما فعلت الرحا؟ قال: رفعتها ونفضتها، فقال رسول الله ﷺ : لو تركتموها ما زالت لكم حياتي، أو قال حياتكم * وهذا الحديث غريب سندا ومتنا. حديث آخر وقال: مالك عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ ضافه ضيف

стр. 1888

كافر فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها، ثم أخرى فشرب حلابها حتى شرب حلاب سبع شياه، ثم إنه أصبح فأسلّم فأتى رسول الله ﷺ فأمر له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ثم أمر له بأخرى فلم يستتمها، فقال رسول الله ﷺ إن المسلم يشرب في معا واحد، والكافر يشرب في سبعة أمعاء * ورواه مسلم من حديث مالك. حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أخبرنا على بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثني محمد ابن الفضل بن حاتم، ثنا الحسين بن عبد الأول، ثنا حفص بن غياث، ثنا الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة قال: ضاف النبي ﷺ أعرابى، قال: فطلب له شيئا فلم يجد إلا كسرة في كوة قال: فجزأها رسول الله ﷺ أجزاء ودعا عليها وقال: كل! قال فأكل فأفضل. قال فقال: يا محمد إنك لرجل صالح، فقال له النبي ﷺ : أسلّم، فقال: إنك لرجل صالح * ثم رواه البيهقي من حديث سهل بن عثمان عن حفص بن غياث باسناده نحوه. حديث آخر قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو على الحسين بن على الحافظ، قال وفيما ذكر عبدان الأهوازي، ثنا محمد بن زياد البرجمي، ثنا عبيد الله بن موسى عن مسعر عن زبيد عن مرة عن عبد الله بن مسعود قال: أضاف النبي ﷺ ضيف، فأرسل إلى أزواجه يبتغى عندهن طعاما فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فقال: اللهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنه لا يملكها إلا أنت، قال: فأهديت له شاة مصلية فقال: هذا من فضل الله ونحن ننتظر الرحمة * قال أبو على: حدثنيه محمد بن عبدان الأهوازي عنه، قال: والصحيح عن زبيد مرسلا، حدثناه محمد ابن عبدان حدثنا أبى، ثنا الحسن بن الحرث الأهوازي، أنا عبيد الله بن موسى عن مسعر عن زبيد فذكره مرسلا. حديث آخر قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، ثنا أبو عمر بن حمدان، أنا الحسن بن سفيان، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا سليمان بن عبد الرحمن، ثنا عمرو بن بشر بن السرح، ثنا الوليد بن سليمان ابن أبى السائب، ثنا واثلة بن الخطاب عن أبيه عن جده واثلة بن الأسقع قال: حضر رمضان ونحن في أهل الصفة فصمنا فكنا إذا أفطرنا أتى كل رجل منا رجل من أهل البيعة فانطلق به فعشاه فأتت علينا ليلة لم يأتنا أحد وأصبحنا صباحا، وأتت علينا القابلة فلم يأتنا أحد، فانطلقنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بالذي كان من أمرنا، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه يسألها هل عندها

стр. 1889

شيء فما بقيت منهن امرأة إلا أرسلت تقسم ما أمسى في بيتها ما يأكل ذو كبد، فقال لهم رسول الله ﷺ فاجتمعوا فدعا وقال: اللهمّ إني أسألك من فضلك ورحمتك فإنها بيدك لا يملكها أحد غيرك، فلم يكن إلا ومستأذن يستأذن فإذا بشاة مصلية ورغف فأمر بها رسول الله ﷺ فوضعت بين أيدينا فأكلنا حتى شبعنا، فقال لنا رسول الله ﷺ : إنا سألنا الله من فضله ورحمته فهذا فضله وقد ادخر لنا عنده رحمته. حديث الذراع قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل، ثنا يحيى بن إسحاق، حدثني رجل من بنى غفار في مجلس سالم بن عبد الله، قال: حدثني فلان أن رسول الله ﷺ أتى بطعام من خبز ولحم فقال: ناولني الذراع فنوول ذراعا قال يحيى: لا أعلمه إلا هكذا، ثم قال: ناولني الذراع، فنوول ذراعا فأكلها ثم قال: ناولني الذراع، فقال: يا رسول الله إنما هما ذراعان، فقال وأبيك لو سكت ما زلت أناول منها ذراعا ما دعوت به، فقال سالم: أما هذه فلا، سمعت عبد الله بن عمر يقول: قال رسول الله ﷺ : إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم * هكذا وقع إسناد هذا الحديث وهو عن مبهم عن مثله، وقد روى من طرق أخرى * قال الامام أحمد: حدثنا خلف بن الوليد، حدثنا أبو جعفر - يعنى الرازيّ - عن شرحبيل عن أبى رافع مولى النبي ﷺ ، قال: أهديت له شاة فجعلها في القدر فدخل رسول الله ﷺ فقال: ما هذا يا أبا رافع؟ قال: شاة أهديت لنا يا رسول الله فطبختها في القدر، فقال: ناولني الذراع يا أبا رافع، فناولته الذراع، ثم قال: ناولني الذراع الآخر فناولته الذراع الآخر، ثم قال: ناولني الذراع الآخر، فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، فقال رسول الله ﷺ : أما إنك لو سكت لناولتنى ذراعا فذراعا ما سكت، ثم دعا بماء فمضمض فاه وغسل أطراف أصابعه ثم قام فصلى ثم عاد إليهم فوجد عندهم لحما باردا فأكل ثم دخل المسجد فصلى ولم يمس ماء. طريق أخرى عن أبى رافع قال الامام أحمد: ثنا مؤمل، ثنا حماد، حدثني عبد الرحمن بن أبى رافع عن عمته عن أبى رافع قال: صنع لرسول الله ﷺ شاة مصلية فأتى بها فقال لي: يا أبا رافع ناولني الذراع، فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله وهل للشاة إلا ذراعان؟! فقال: لو سكت لناولتنى منها ما دعوت به، قال: وكان رسول الله ﷺ يعجبه الذراع، قلت: ولهذا لما علمت اليهود عليهم لعائن الله بخيبر سموه في الذراع في تلك الشاة التي أحضرتها زينب اليهودية فأخبره الذراع بما فيه من السم، لما نهس منه نهسة، كما قدمنا ذلك في غزوة خيبر مبسوطا.

стр. 1890

طريق أخرى قال الحافظ أبو يعلى: ثنا أبو بكر بن أبى شيبة، ثنا زيد بن الحباب، حدثني قائد مولى عبيد الله بن أبى رافع، قال: أتيت رسول الله ﷺ يوم الخندق بشاة في مكتل فقال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله أللشاة إلا ذراعان؟ فقال: لو سكت ساعة ناولتنيه ما سألتك * فيه انقطاع من هذا الوجه * وقال أبو يعلى أيضا: ثنا محمد بن أبى بكر المقدمي، ثنا فضيل بن سليمان، ثنا قائد مولى عبيد الله، حدثني عبيد الله أن جدته سلمى أخبرته أن النبي ﷺ بعث إلى أبى رافع بشاة، وذلك يوم الخندق فيما أعلم، فصلاها أبو رافع ليس معها خبز ثم انطلق بها، فلقيه النبي ﷺ راجعا من الخندق فقال: يا أبا رافع ضع الّذي معك، فوضعه ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع فناولته، ثم قال: يا أبا رافع ناولني الذراع، فقلت: يا رسول الله هل للشاة غير ذراعين؟ فقال: لو سكت لناولتنى ما سألتك * وقد روى من طريق أبى هريرة. قال الامام أحمد: ثنا الضحاك، ثنا ابن عجلان عن أبيه عن أبى هريرة أن شاة طبخت فقال رسول الله ﷺ : أعطنى الذراع، فناولته إياه، فقال: أعطنى الذراع فناولته إياه، ثم قال: أعطنى الذراع، فقال: يا رسول الله إنما للشاة ذراعان، قال: أما إنك لو التمستها لوجدتها. حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن دكين بن سعيد الخثعميّ، قال: أتينا رسول الله ﷺ ونحن أربعون وأربعمائة نسأله الطعام، فقال النبي ﷺ لعمر: قم فأعطهم، فقال: يا رسول الله ما عندي إلا ما يقيظنى والصبية، قال وكيع: القيظ في كلام العرب أربعة أشهر، قال: قم فأعطهم، قال: يا رسول الله سمعا وطاعة، قال: فقام عمرو قمنا معه فصعد بنا إلى غرفة له فأخرج المفتاح من حجزته ففتح الباب، قال دكين: فإذا في الغرفة من التمر شبيه بالفصيل الرابض، قال: شأنكم، قال: فأخذ كل رجل منا حاجته ما شاء ثم التفت وإني لمن آخرهم فكأنا لم نرزأ منه تمرة * ثم رواه أحمد عن محمد ويعلى أبى عبيد عن إسماعيل - وهو ابن أبى خالد - عن قيس - وهو ابن أبى حازم - عن دكين به. ورواه أبو داود عن عبد الرحيم بن مطرف الرواسي عن عيسى بن يونس عن إسماعيل به. حديث آخر قال على بن عبد العزيز: ثنا أبو نعيم، ثنا حشرج بن نباتة، ثنا أبو نضرة، حدثني أبو رجاء قال: خرج رسول الله ﷺ حتى دخل حائطا لبعض الأنصار فإذا هو برسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : ما تجعل لي إن أرويت حائطك هذا؟ قال: إني أجهد أن أرويه فما أطيق ذلك، فقال

стр. 1891

له رسول الله ﷺ : تجعل لي مائة تمرة أختارها من تمرك؟ قال: نعم، فأخذ رسول الله ﷺ الغرب، فما لبث أن أرواه حتى قال الرجل: غرقت حائطي، فاختار رسول الله ﷺ من تمره مائة تمرة، قال: فأكل هو وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة، كما أخذها * هذا حديث غريب أورده الحافظ ابن عساكر في دلائل النبوة من أول تاريخه بسنده عن على بن عبد العزير البغوي، كما أوردناه * وقد تقدم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسها رسول الله ﷺ بيده الكريمة لسلمان فلم يهلك منهن واحدة، بل أنجب الجميع وكن ثلاثمائة، وما كان من تكثيره الذهب حين قلبه على لسانه الشريف حتى قضى منه سلمان ما كان عليه من نجوم كتابته وعتق ﵁ وأرضاه. باب انقياد الشجر لرسول الله ﷺ قد تقدم الحديث الّذي رواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبى حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن جابر بن عبد الله قال: سرنا مع النبي ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله ﷺ يقضى حاجته فاتبعته باداوة من ماء فنظر فلم ير شيئا يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: انقادى عليّ باذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال: انقادى عليّ باذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأم بينهما - يعنى جمعهما -، وقال: التئما عليّ باذن الله فالتأمتا، قال جابر: فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي فيبعد، فجلست أحدث نفسي فحانت منى لفتة فإذا أنا برسول الله مقبل وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله وقف وقفة وقال برأسه هكذا يمينا وشمالا * وذكر تمام الحديث في قصة الماء وقصة الحوت الّذي دسره البحر كما تقدم ولله الحمد والمنة * حديث آخر قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن أبى سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن أنس قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء من ضربة بعض أهل مكة، قال: فقال له: مالك؟ فقال: فعل بى هؤلاء وفعلوا، قال: فقال له جبريل أتحب أن أريك آية؟ قال: فقال: نعم، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة، فدعاها قال: فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ : حسبي * وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجة

стр. 1892

عن محمد بن طريف عن أبى معاوية. حديث آخر روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أبى رافع عن عمر بن الخطاب أن رسول الله كان على الحجون كئيبا لما أذاه المشركون، فقال: اللهمّ أرنى اليوم آية لا أبالى من كذبني بعدها، قال: فأمر فنادى شجرة من قبل عقبة المدينة، فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه، قال: ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، قال: فقال: ما أبالى من كذبني بعدها من قومي * ثم قال البيهقي: أنا الحاكم وأبو سعيد بن عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن مبارك ابن فضالة عن الحسن قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله من تكذيب قومه إياه، فقال: يا رب أرنى ما أطمئن إليه ويذهب عنى هذا الغم، فأوحى الله إليه: ادع إليك أي أغصان هذه الشجرة شئت، قال: فدعا غصنا فانتزع من مكانه ثم خدّ في الأرض حتى جاء رسول الله ﷺ فقال له رسول الله: ارجع إلى مكانك، فرجع فحمد الله رسول الله وطابت نفسه، وكان قد قال المشركون: أفضلت أباك وأجدادك يا محمد، فأنزل الله: «أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» الآيات * قال البيهقي: وهذا المرسل يشهد له ما قبله. حديث آخر قال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن أبى ظبيان - وهو حصين بن جندب - عن ابن عباس قال: أتى النبي ﷺ رجل من بنى عامر فقال: يا رسول الله أرنى الخاتم الّذي بين كتفيك فانى من أطب الناس، فقال له رسول الله ﷺ : ألا أريك آية؟ قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة فقال: ادع ذلك العذق، فدعاه فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع، فرجع الى مكانه، فقال العامري: يا آل بنى عامر، ما رأيت كاليوم رجلا أسحر من هذا * هكذا رواه الإمام أحمد، وقد أسنده البيهقي من طريق محمد بن أبى عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس، قال: جاء رجل من بنى عامر إلى رسول الله ﷺ فقال: إن عندي طبا وعلما فما تشتكي؟ هل يريبك من نفسك شيء إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الله والإسلام، قال: فإنك لتقول قولا فهل لك من آية؟ قال: نعم، إن شئت أريتك آية، وبين يديه شجرة، فقال لغصن منها: تعال يا غصن، فانقطع الغصن من الشجرة ثم أقبل ينقز حتى قام بين يديه، فقال: ارجع إلى مكانك فرجع، فقال العامري: يا آل عامر بن صعصعة لا ألومك على شيء قلته أبدا [وهذا يقتضي أنه سالم الأمر ولم يجب من كل وجه] وقد قال البيهقي: أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا ابن أبى قماش، ثنا ابن عائشة عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن سالم بن

стр. 1893

أبى الجعد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال: وحول رسول الله أعذاق وشجر، قال: فقال رسول الله: هل لك أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: فدعا عذقا منها فأقبل يخدّ الأرض حتى وقف بين يديه يخد الأرض ويسجد ويرفع رأسه حتى وقف بين يديه ثم أمره فرجع، قال: العامري وهو يقول: يا آل عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشيء يقوله أبدا. طريق أخرى فيها أن العامري أسلم قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو على حامد بن محمد بن ألوفا، أنا على بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، أنا شريك عن سماك عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال: جاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ قال: بما أعرف أنك رسول الله؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أنى رسول الله؟ قال: نعم، قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقز حتى أتى رسول الله، ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن * قال البيهقي، رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن سعيد الأصبهاني، قلت: ولعله قال أولا إنه سحر ثم تبصر لنفسه فأسلّم وآمن لما هداه الله والله أعلم. حديث آخر عن ابن عمر في ذلك قال الحاكم أبو عبد الله النيسابورىّ: أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الوراق، أنا الحسين بن سفيان أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، ثنا محمد بن فضيل عن أبى حيان عن عطاء عن ابن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأقبل أعرابى فلما دنا منه قال له رسول الله: أين تريد؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك * وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه ولا رواه الامام أحمد والله أعلم. باب حنين الجذع شوقا إلى رسول الله ﷺ وشفقا من فراقه وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان. الحديث الأول عن أبى بن كعب ﵁ قال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ ﵀: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال:

стр. 1894

أخبرنى عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يصلى إلى جذع نخلة إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه: يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة فتسمع الناس خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر، فلما صنع المنبر ووضع موضعه الّذي وضعه فيه رسول الله ﷺ ، بدا للنّبيّ ﷺ أن يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه، فمر إليه، فلما جاوز ذلك الجذع الّذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي ﷺ لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبى بن كعب رضى الله تعالى عنه، فكان عنده حتى بلى وأكلته الأرضة وعاد رفاتا * وهكذا رواه الامام أحمد بن حنبل عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو الرقى عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل عن أبى بن كعب فذكره. وعنده فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلّى صلّى إليه، والباقي مثله، وقد رواه ابن ماجة عن إسماعيل بن عبد الله الرقى عن عبيد الله بن عمرو الرقى به. الحديث الثاني عن أنس بن مالك ﵁ قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا عمر بن يونس الحنفي: ثنا عكرمة بن عمار، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله على المنبر خار كخوار الثور ارتج لخواره حزنا على رسول الله، فنزل إليه رسول الله من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه سكت ثم قال: والّذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة حزنا على رسول الله، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن، وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عمر بن يونس به وقال: صحيح غريب من هذا الوجه. طريق أخرى عن أنس قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: ثنا هدبة، ثنا حماد عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحنّ فجاء رسول الله ﷺ حتى احتضنه فسكن، وقال: لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة * وهكذا رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن خلاد عن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وعن حماد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس به * وهذا إسناد على شرط مسلم.

стр. 1895

طريق أخرى عن أنس قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا المبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا - أراد أن يسمعهم - فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنها فسكنت * تفرد به أحمد، وقد رواه أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس فذكره وزاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه * وقد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث الوليد بن مسلم عن سالم بن عبد الله الخياط عن أنس بن مالك فذكره. طريق أخرى عن أنس قال أبو نعيم: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن محمد بن أبى أسامة، ثنا يعلى بن عباد، ثنا الحكم عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع فحنّ الجذع فاحتضنه وقال: لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة * الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع نخلة قال: فقالت امرأة من الأنصار - وكان لها غلام نجار -: يا رسول الله إن لي غلاما نجارا أفآمره أن يتخذ لك منبرا تخطب عليه؟ قال: بلى، قال: فاتخذ له منبرا، قال: فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأنّ الجذع الّذي كان يقوم عليه كما يئن الصبى، فقال النبي ﷺ : إن هذا بكى لما فقد من الذكر * هكذا رواه أحمد، وقد قال البخاري: ثنا عبد الواحد ابن أيمن، قال: سمعت أبى عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبى، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه يئن أنين الصبى، الّذي يسكن: قال: كانت تبكى على ما كانت تسمع من الذكر عندها * وقد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو أيمن الحبشي المكيّ مولى ابن أبى عمرة المخزومي عن جابر به. طريق أخرى عن جابر قال البخاري: ثنا إسماعيل، حدثني أخى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، حدثني
следующие страницы →