له رسول الله ﷺ : تجعل لي مائة تمرة أختارها من تمرك؟ قال: نعم، فأخذ رسول الله ﷺ الغرب، فما لبث أن أرواه حتى قال الرجل: غرقت حائطي، فاختار رسول الله ﷺ من تمره مائة تمرة، قال:
فأكل هو وأصحابه حتى شبعوا ثم رد عليه مائة تمرة، كما أخذها * هذا حديث غريب أورده الحافظ ابن عساكر في دلائل النبوة من أول تاريخه بسنده عن على بن عبد العزير البغوي، كما أوردناه * وقد تقدم في ذكر إسلام سلمان الفارسي ما كان من أمر النخيل التي غرسها رسول الله ﷺ بيده الكريمة لسلمان فلم يهلك منهن واحدة، بل أنجب الجميع وكن ثلاثمائة، وما كان من تكثيره الذهب حين قلبه على لسانه الشريف حتى قضى منه سلمان ما كان عليه من نجوم كتابته وعتق ﵁ وأرضاه.
باب انقياد الشجر لرسول الله ﷺ
قد تقدم الحديث الّذي
رواه مسلم من حديث حاتم بن إسماعيل عن أبى حرزة يعقوب بن مجاهد عن عبادة بن الوليد بن عبادة عن جابر بن عبد الله قال: سرنا مع النبي ﷺ حتى نزلنا واديا أفيح فذهب رسول الله ﷺ يقضى حاجته فاتبعته باداوة من ماء فنظر فلم ير شيئا يستتر به، وإذا شجرتان بشاطئ الوادي فانطلق إلى إحداهما فأخذ بغصن من أغصانها، وقال: انقادى عليّ باذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى أتى الشجرة الأخرى فأخذ بغصن من أغصانها وقال: انقادى عليّ باذن الله، فانقادت معه كالبعير المخشوش الّذي يصانع قائده، حتى إذا كان بالمنتصف فيما بينهما لأم بينهما - يعنى جمعهما -، وقال: التئما عليّ باذن الله فالتأمتا، قال جابر:
فخرجت أحضر مخافة أن يحس بقربي فيبعد، فجلست أحدث نفسي فحانت منى لفتة فإذا أنا برسول الله مقبل وإذا الشجرتان قد افترقتا وقامت كل واحدة منهما على ساق، فرأيت رسول الله وقف وقفة وقال برأسه هكذا يمينا وشمالا * وذكر تمام الحديث في قصة الماء وقصة الحوت الّذي دسره البحر كما تقدم ولله الحمد والمنة *
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن أبى سفيان - وهو طلحة بن نافع - عن أنس قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ذات يوم وهو جالس حزين قد خضب بالدماء من ضربة بعض أهل مكة، قال: فقال له: مالك؟ فقال: فعل بى هؤلاء وفعلوا، قال: فقال له جبريل أتحب أن أريك آية؟ قال: فقال: نعم، قال: فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة، فدعاها قال: فجاءت تمشى حتى قامت بين يديه، فقال: مرها فلترجع فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال رسول الله ﷺ : حسبي * وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجة
стр. 1892
عن محمد بن طريف عن أبى معاوية.
حديث آخر
روى البيهقي من حديث حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أبى رافع عن عمر بن الخطاب أن رسول الله كان على الحجون كئيبا لما أذاه المشركون، فقال: اللهمّ أرنى اليوم آية لا أبالى من كذبني بعدها، قال: فأمر فنادى شجرة من قبل عقبة المدينة، فأقبلت تخد الأرض حتى انتهت إليه، قال:
ثم أمرها فرجعت إلى موضعها، قال: فقال: ما أبالى من كذبني بعدها من قومي *
ثم قال البيهقي: أنا الحاكم وأبو سعيد بن عمرو، قالا: ثنا الأصم، ثنا أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن مبارك ابن فضالة عن الحسن قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بعض شعاب مكة وقد دخله من الغم ما شاء الله من تكذيب قومه إياه، فقال: يا رب أرنى ما أطمئن إليه ويذهب عنى هذا الغم، فأوحى الله إليه: ادع إليك أي أغصان هذه الشجرة شئت، قال: فدعا غصنا فانتزع من مكانه ثم خدّ في الأرض حتى جاء رسول الله ﷺ فقال له رسول الله: ارجع إلى مكانك، فرجع فحمد الله رسول الله وطابت نفسه، وكان قد قال المشركون: أفضلت أباك وأجدادك يا محمد، فأنزل الله: «أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» الآيات * قال البيهقي: وهذا المرسل يشهد له ما قبله.
حديث آخر
قال الامام أحمد: ثنا أبو معاوية، ثنا الأعمش عن أبى ظبيان - وهو حصين بن جندب - عن ابن عباس قال: أتى النبي ﷺ رجل من بنى عامر فقال: يا رسول الله أرنى الخاتم الّذي بين كتفيك فانى من أطب الناس، فقال له رسول الله ﷺ : ألا أريك آية؟ قال: بلى، قال: فنظر إلى نخلة فقال: ادع ذلك العذق، فدعاه فجاء ينقز بين يديه، فقال له رسول الله ﷺ : ارجع، فرجع الى مكانه، فقال العامري: يا آل بنى عامر، ما رأيت كاليوم رجلا أسحر من هذا * هكذا رواه الإمام أحمد،
وقد أسنده البيهقي من طريق محمد بن أبى عبيدة عن أبيه عن الأعمش عن أبى ظبيان عن ابن عباس، قال: جاء رجل من بنى عامر إلى رسول الله ﷺ فقال: إن عندي طبا وعلما فما تشتكي؟ هل يريبك من نفسك شيء إلى ما تدعو؟ قال: أدعو إلى الله والإسلام، قال: فإنك لتقول قولا فهل لك من آية؟ قال: نعم، إن شئت أريتك آية، وبين يديه شجرة، فقال لغصن منها:
تعال يا غصن، فانقطع الغصن من الشجرة ثم أقبل ينقز حتى قام بين يديه، فقال: ارجع إلى مكانك فرجع، فقال العامري: يا آل عامر بن صعصعة لا ألومك على شيء قلته أبدا [وهذا يقتضي أنه سالم الأمر ولم يجب من كل وجه]
وقد قال البيهقي: أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا ابن أبى قماش، ثنا ابن عائشة عن عبد الواحد بن زياد عن الأعمش عن سالم بن
стр. 1893
أبى الجعد عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: ما هذا الّذي يقول أصحابك؟ قال:
وحول رسول الله أعذاق وشجر، قال: فقال رسول الله: هل لك أن أريك آية؟ قال: نعم، قال: فدعا عذقا منها فأقبل يخدّ الأرض حتى وقف بين يديه يخد الأرض ويسجد ويرفع رأسه حتى وقف بين يديه ثم أمره فرجع، قال: العامري وهو يقول: يا آل عامر بن صعصعة والله لا أكذبه بشيء يقوله أبدا.
طريق أخرى فيها أن العامري أسلم
قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة، أنا أبو على حامد بن محمد بن ألوفا، أنا على بن عبد العزيز، ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني، أنا شريك عن سماك عن أبى ظبيان عن ابن عباس قال: جاء أعرابى إلى رسول الله ﷺ قال: بما أعرف أنك رسول الله؟ قال: أرأيت إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة أتشهد أنى رسول الله؟ قال: نعم، قال فدعا العذق فجعل العذق ينزل من النخلة حتى سقط في الأرض فجعل ينقز حتى أتى رسول الله، ثم قال له: ارجع، فرجع حتى عاد إلى مكانه، فقال: أشهد أنك رسول الله، وآمن * قال البيهقي، رواه البخاري في التاريخ عن محمد بن سعيد الأصبهاني، قلت: ولعله قال أولا إنه سحر ثم تبصر لنفسه فأسلّم وآمن لما هداه الله والله أعلم.
حديث آخر عن ابن عمر في ذلك
قال الحاكم أبو عبد الله النيسابورىّ: أنا أبو بكر محمد بن عبد الله الوراق، أنا الحسين بن سفيان أنا أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن أبان الجعفي، ثنا محمد بن فضيل عن أبى حيان عن عطاء عن ابن عمر قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فأقبل أعرابى فلما دنا منه قال له رسول الله: أين تريد؟ قال: إلى أهلي، قال: هل لك إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، قال: هل من شاهد على ما تقول؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها رسول الله ﷺ وهي على شاطئ الوادي فأقبلت تخد الأرض خدا، فقامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثا فشهدت أنه كما قال، ثم إنها رجعت إلى منبتها ورجع الأعرابي إلى قومه، فقال: إن يتبعوني أتيتك بهم وإلا رجعت إليك وكنت معك * وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه ولا رواه الامام أحمد والله أعلم.
باب حنين الجذع شوقا إلى رسول الله ﷺ وشفقا من فراقه
وقد ورد من حديث جماعة من الصحابة بطرق متعددة تفيد القطع عند أئمة هذا الشأن وفرسان هذا الميدان.
الحديث الأول عن أبى بن كعب ﵁
قال الامام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعيّ ﵀: حدثنا إبراهيم بن محمد، قال:
стр. 1894
أخبرنى عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل بن أبى بن كعب عن أبيه قال: كان النبي ﷺ يصلى إلى جذع نخلة إذ كان المسجد عريشا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه:
يا رسول الله هل لك أن نجعل لك منبرا تقوم عليه يوم الجمعة فتسمع الناس خطبتك؟ قال: نعم، فصنع له ثلاث درجات هن اللاتي على المنبر، فلما صنع المنبر ووضع موضعه الّذي وضعه فيه رسول الله ﷺ ، بدا للنّبيّ ﷺ أن يقوم على ذلك المنبر فيخطب عليه، فمر إليه، فلما جاوز ذلك الجذع الّذي كان يخطب إليه خار حتى تصدع وانشق، فنزل النبي ﷺ لما سمع صوت الجذع فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، فلما هدم المسجد أخذ ذلك الجذع أبى بن كعب رضى الله تعالى عنه، فكان عنده حتى بلى وأكلته الأرضة وعاد رفاتا * وهكذا رواه الامام أحمد بن حنبل عن زكريا بن عدي عن عبيد الله بن عمرو الرقى عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الطفيل عن أبى بن كعب فذكره.
وعنده فمسحه بيده حتى سكن ثم رجع إلى المنبر، وكان إذا صلّى صلّى إليه، والباقي مثله، وقد رواه ابن ماجة عن إسماعيل بن عبد الله الرقى عن عبيد الله بن عمرو الرقى به.
الحديث الثاني عن أنس بن مالك ﵁
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي: ثنا أبو خيثمة، ثنا عمر بن يونس الحنفي: ثنا عكرمة بن عمار، ثنا إسحاق بن عبد الله بن أبى طلحة، حدثنا أنس بن مالك: أن رسول الله كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع له منبرا درجتان ويقعد على الثالثة، فلما قعد نبي الله على المنبر خار كخوار الثور ارتج لخواره حزنا على رسول الله، فنزل إليه رسول الله من المنبر فالتزمه وهو يخور فلما التزمه سكت ثم قال: والّذي نفس محمد بيده لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى يوم القيامة حزنا على رسول الله، فأمر به رسول الله ﷺ فدفن، وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن عمر بن يونس به وقال: صحيح غريب من هذا الوجه.
طريق أخرى عن أنس
قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: ثنا هدبة، ثنا حماد عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ أنه كان يخطب إلى جذع نخلة، فلما اتخذ المنبر تحول إليه، فحنّ فجاء رسول الله ﷺ حتى احتضنه فسكن، وقال: لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة * وهكذا رواه ابن ماجة عن أبى بكر بن خلاد عن بهز بن أسد عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وعن حماد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس به * وهذا إسناد على شرط مسلم.
стр. 1895
طريق أخرى عن أنس
قال الامام أحمد: حدثنا هاشم، ثنا المبارك عن الحسن عن أنس بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلما كثر الناس قال: ابنوا لي منبرا - أراد أن يسمعهم - فبنوا له عتبتين، فتحول من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحن حنين الواله، قال: فما زالت تحن حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنها فسكنت * تفرد به أحمد، وقد رواه أبو القاسم البغوي عن شيبان بن فروخ عن مبارك بن فضالة عن الحسن عن أنس فذكره وزاد: فكان الحسن إذا حدث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله الخشبة تحن إلى رسول الله شوقا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه * وقد رواه الحافظ أبو نعيم من حديث الوليد بن مسلم عن سالم بن عبد الله الخياط عن أنس بن مالك فذكره.
طريق أخرى عن أنس
قال أبو نعيم: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا الحارث بن محمد بن أبى أسامة، ثنا يعلى بن عباد، ثنا الحكم عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع فحنّ الجذع فاحتضنه وقال: لو لم أحتضنه لحنّ إلى يوم القيامة *
الحديث الثالث عن جابر بن عبد الله ﵄
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع، ثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يخطب إلى جذع نخلة قال: فقالت امرأة من الأنصار - وكان لها غلام نجار -: يا رسول الله إن لي غلاما نجارا أفآمره أن يتخذ لك منبرا تخطب عليه؟ قال: بلى، قال: فاتخذ له منبرا، قال:
فلما كان يوم الجمعة خطب على المنبر، قال: فأنّ الجذع الّذي كان يقوم عليه كما يئن الصبى، فقال النبي ﷺ : إن هذا بكى لما فقد من الذكر * هكذا رواه أحمد،
وقد قال البخاري: ثنا عبد الواحد ابن أيمن، قال: سمعت أبى عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار أو رجل: يا رسول الله ألا نجعل لك منبرا؟ قال: إن شئتم، فجعلوا له منبرا، فلما كان يوم الجمعة دفع إلى المنبر، فصاحت النخلة صياح الصبى، ثم نزل النبي ﷺ فضمه إليه يئن أنين الصبى، الّذي يسكن: قال: كانت تبكى على ما كانت تسمع من الذكر عندها * وقد ذكره البخاري في غير ما موضع من صحيحه من حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه وهو أيمن الحبشي المكيّ مولى ابن أبى عمرة المخزومي عن جابر به.
طريق أخرى عن جابر
قال البخاري: ثنا إسماعيل، حدثني أخى عن سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد، حدثني
стр. 1896
حفص بن عبيد الله بن أنس بن مالك أنه سمع جابر بن عبد الله الأنصاري يقول: كان المسجد مسقوفا على جذوع من نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صنع له المنبر وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتا كصوت العشار، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها فسكنت * تفرد به البخاري.
طريق أخرى عنه
قال الحافظ أبو بكر البزار، ثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو المساور، ثنا أبو عوانة عن الأعمش عن أبى صالح - وهو ذكوان - عن جابر بن عبد الله وعن إسحاق عن كريب عن جابر قال:
كانت خشبة في المسجد يخطب إليها النبي ﷺ فقالوا: لو اتخذنا لك مثل الكرسي تقوم عليه؟ ففعل فحنت الخشبة كما تحن الناقة الحلوج، فأتاها فاحتضنها فوضع يده عليها فسكنت * قال أبو بكر البزار: وأحسب أنا قد حدثناه عن أبى عوانة عن الأعمش عن أبى صالح عن جابر، وعن أبى إسحاق عن كريب عن جابر بهذه القصة التي رواها أبو المساور عن أبى عوانة * وحدثناه محمد ابن عثمان بن كرامة، ثنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد بن أبى كريب عن جابر عن النبي ﷺ بنحوه * والصواب إنما هو سعيد بن أبى كريب، وكريب خطأ ولا يعلم يروى عن سعيد بن أبى كريب إلا أبا إسحاق. قلت: ولم يخرجوه من هذا الوجه وهو جيد.
طريق أخرى عن جابر
قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن آدم، ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن سعيد بن أبى كريب عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يخطب إلى خشبة فلما جعل له منبر حنت حنين الناقة فأتاها فوضع يده عليها فسكنت * تفرد به أحمد.
طريق أخرى عن جابر
قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا محمد بن معمر، ثنا محمد بن كثير، ثنا سليمان بن كثير عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن جابر بن عبد الله قال: كان النبي ﷺ يقوم إلى جذع قبل أن يجعل له المنبر فلما جعل المنبر حن الجذع حتى سمعنا حنينه، فمسح رسول الله ﷺ يده عليه فسكن * قال البزار: لا نعلم رواه عن الزهري إلا سليمان بن كثير * قلت: وهذا إسناد جيد رجاله على شرط الصحيح، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة، وقال الحافظ أبو نعيم في الدلائل: ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن رجل سماه عن جابر ثم أورده من طريق أبى عاصم بن على عن سليمان بن كثير عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن جابر مثله * ثم قال: ثنا أبو بكر بن خلاد، ثنا أحمد ابن على الخراز، حدثنا عيسى بن المساور، ثنا الوليد بن مسلم عن الأوزاعي عن يحيى بن أبى كثير
стр. 1897
عن أبى سلمة عن جابر أن رسول الله كان يخطب إلى جذع فلما بنى المنبر حن الجذع فاحتضنه فسكن، وقال: لو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة * ثم رواه من حديث أبى عوانة عن الأعمش عن أبى صالح عن جابر، وعن أبى إسحاق عن كريب عن جابر مثله.
طريق أخرى عن جابر ﵁
قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا ابن جريج وروح قال: حدثنا ابن جريج: أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كان النبي ﷺ إذا خطب يستند إلى جذع نخلة من سواري المسجد، فلما صنع له منبره واستوى عليه فاضطربت تلك السارية كحنين الناقة حتى سمعها أهل المسجد، حتى نزل إليها رسول الله ﷺ فاعتنقها فسكنت * وقال روح: فسكتت * وهذا إسناد على شرط مسلم ولم يخرجوه.
طريق أخرى عن جابر
قال الامام أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن سليمان عن أبى نضرة عن جابر قال: كان رسول الله ﷺ يقوم في أصل شجرة، أو قال: إلى جذع، ثم اتخذ منبرا قال: فحن الجذع، قال جابر: حتى سمعه أهل المسجد حتى أتاه رسول الله ﷺ فمسحه فسكن، فقال بعضهم: لو لم يأته لحنّ إلى يوم القيامة وهذا على شرط مسلم ولم يروه إلا ابن ماجة عن بكير بن خلف عن ابن أبى عدي عن سليمان التيمي عن أبى نضرة المنذر بن مالك بن قطفة العبديّ النضري عن جابر به *
الحديث الرابع عن سهل بن سعد
قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا سفيان بن عيينة عن أبى حازم قال: أتوا سهل بن سعد فقالوا من أي شيء منبر رسول الله ﷺ فقال: كان رسول الله ﷺ يستند إلى جذع في المسجد يصلى إليه إذا خطب، فلما اتخذ المنبر فصعد حن الجذع حتى أتاه رسول الله ﷺ فوطنه حتى سكن * وأصل هذا الحديث في الصحيحين وإسناده على شرطهما وقد رواه إسحاق بن راهويه وابن أبى فديك عن عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جده، ورواه عبد الله بن نافع وابن وهب عن عبد الله بن عمر عن ابن عباس بن سهل عن أبيه فذكره. ورواه ابن لهيعة عن عمارة بن عرفة عن ابن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه بنحوه.
الحديث الخامس عن عبد الله بن عباس ﵄
قال الامام أحمد: حدثنا عفان، ثنا حماد عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ كان يخطب إلى جذع قبل أن يتخذ المنبر، فلما اتخذ المنبر وتحول إليه حنّ عليه فأتاه فاحتضنه فسكن، قال: ولو لم أحتضنه لحن إلى يوم القيامة * وهذا الاسناد على شرط مسلم ولم
стр. 1898
يروه إلا ابن ماجة من حديث حماد بن سلمة.
الحديث السادس عن عبد الله بن عمر ﵄
قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، حدثنا يحيى بن كثير أبو غسان، ثنا أبو حفص واسمه عمر بن العلاء - أخو أبى عمرو بن العلاء - قال: سمعت نافعا عن ابن عمر ﵄ قال: كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحنّ الجذع فأتاه فمسح يده عليه * وقال عبد الحميد:
أنا عثمان بن عمر، أنا معاذ بن العلاء عن نافع بهذا * ورواه أبو عاصم عن ابن أبى رواد عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ * هكذا ذكره البخاري * وقد رواه الترمذي عن عمرو بن على الفلاس عن عثمان بن عمرو ويحيى بن كثير عن أبى غسان العنبري كلاهن معاذ بن العلاء به وقال:
حسن صحيح غريب. قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي في أطرافه: ورواه على بن نصر بن على الجهضمي وأحمد بن خالد الخلال وعبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ في آخرين عن عثمان بن عمر عن معاذ ابن العلاء قال: وعبد الحميد هذا - يعنى الّذي ذكره البخاري - يقال. إنه عبد بن حميد والله أعلم * قال شيخنا: وقد قيل إن قول البخاري: عن أبى حفص واسمه عمرو بن العلاء، وهم، والصواب معاذ ابن العلاء كما وقع في رواية الترمذي * قلت: وليس هذا ثابتا في جميع النسخ، ولم أر في النسخ التي كتبت منها تسميته بالكلية والله أعلم. وقد روى هذا الحديث الحافظ أبو نعيم من حديث عبد الله ابن رجاء، عن عبيد الله بن عمر، ومن حديث أبى عاصم عن ابن أبى رواد كلاهما عن نافع عن ابن عمر قال: قال تميم الداريّ ألا نتخذ لك منبرا. فذكر الحديث
طريق أخرى عن ابن عمر ﵁
قال الامام أحمد: ثنا حسين، ثنا خلف عن أبى خباب - وهو يحيى بن أبى حية - عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: كان جذع نخلة في المسجد يسند رسول الله ﷺ ظهره إليه إذا كان يوم جمعة أو حدث أمر يريد أن يكلم الناس، فقالوا: ألا نجعل لك يا رسول الله شيئا كقدر قيامك؟ قال: لا عليكم أن تفعلوا، فصنعوا له منبرا ثلاث مراقى، قال: فجلس عليه، قال: فخار الجذع كما تخور البقرة جزعا على رسول الله ﷺ فالتزمه ومسحه حتى سكن * تفرد به أحمد.
الحديث السابع عن أبى سعيد الخدريّ ﵁
قال عبد بن حميد الليثي: ثنا على بن عاصم عن الجريريّ عن أبى نضرة العبديّ، حدثني أبو سعيد الخدريّ قال: كان رسول الله ﷺ يخطب يوم الجمعة إلى جذع نخلة، فقال له الناس: يا رسول الله إنه قد كثر الناس - يعنى المسلمين - وإنهم ليحبون أن يروك، فلو اتخذت منبرا تقوم عليه ليراك الناس؟ قال: نعم، من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله؟
стр. 1899
قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله، قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال ما اسمك؟ قال: فلان، قال: اقعد، فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر؟ فقام إليه رجل فقال: أنا، قال: تجعله، قال: نعم، ولم يقل: إن شاء الله، قال: ما اسمك؟ قال: فلان، قال اقعد فقعد، ثم عاد فقال: من يجعل لنا هذا المنبر، فقام إليه رجل فقام: أنا، قال تجعله، قال: نعم إن شاء الله، قال: ما اسمك؟ قال: إبراهيم، قال: اجعله، فلما كان يوم الجمعة اجتمع الناس للنّبيّ ﷺ في آخر المسجد فلما صعد رسول الله ﷺ المنبر فاستوى عليه فاستقبل الناس وحنت النخلة حتى أسمعتنى وأنا في آخر المسجد، قال: فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر فاعتنقها، فلم يزل حتى سكنت ثم عاد إلى المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذه النخلة إنما حنت شوقا إلى رسول الله، لما فارقها فو الله لو لم أنزل إليها فأعتنقها لما سكنت إلى يوم القيامة * وهذا إسناد على شرط مسلم، ولكن في السياق غرابة والله تعالى أعلم.
طريق أخرى عن أبى سعيد
قال الحافظ أبو يعلى: ثنا مسروق بن المرزبان، ثنا زكريا عن مجالد عن أبى الوداك وهو جبر ابن نوف عن أبى سعيد قال: كان النبي ﷺ يقوم إلى خشبة يتوكأ عليها يخطب كل جمعة حتى أتاه رجل من الروم فقال: إن شئت جعلت لك شيئا إذا قعدت عليه كنت كأنك قائم، قال: نعم، قال: فجعل له المنبر، فلما جلس عليه حنت الخشبة حنين الناقة على ولدها، حتى نزل النبي ﷺ فوضع يده عليها، فلما كان الغد رأيتها قد حولت، فقلنا: ما هذا؟ قالوا: جاء رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر البارحة فحولوها * وهذا غريب أيضا.
الحديث الثامن عن عائشة ﵂
رواه الحافظ من حديث على بن أحمد الحوار عن قبيصة عن حبان بن على عن صالح بن حبان عن عبد الله بن بريدة عن عائشة فذكر الحديث بطوله وفيه أنه خيره بين الدنيا والآخرة فاختار الجذع الآخرة وغار حتى ذهب فلم يعرف * هذا حديث غريب إسنادا ومتنا.
الحديث التاسع عن أم سلمة ﵂
روى أبو نعيم من طريق شريك القاضي وعمرو بن أبى قيس ومعلى بن هلال ثلاثتهم عن عمار الذهبي عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أم سلمة قالت: كان لرسول الله ﷺ خشبة يستند إليها إذا خطب، فصنع له كرسي أو منبر فلما فقدته خارت كما يخور الثور، حتى سمع أهل المسجد، فأتاها رسول الله ﷺ فسكنت. هذا لفظ شريك، وفي رواية معلى بن هلال: أنها كانت من دوم،
стр. 1900
وهذا إسناد جيد ولم يخرجوه،
وقد روى الامام أحمد والنسائي من حديث عمار الذهبي عن أبى سلمة عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ قوائم منبري في زاوية في الجنة *
وروى النسائي أيضا بهذا الاسناد: ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، فهذه الطرق من هذه الوجوه تفيد القطع بوقوع ذلك عند أئمة هذا الفن، وكذا من تأملها وأنعم فيها النظر والتأمل مع معرفته بأحوال الرجال وبالله المستعان * وقد قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، أخبرنى أبو أحمد بن أبى الحسن، ثنا عبد الرحمن بن محمد بن إدريس الرازيّ قال: قال أبى - يعنى أبا حاتم الرازيّ - قال عمرو بن سواد، قال لي الشافعيّ: ما أعطى الله نبيا ما أعطى محمدا ﷺ ، فقلت له: أعطى عيسى إحياء الموتى، فقال: أعطى محمدا الجذع الّذي كان يخطب إلى جنبه حتى هيئ له المنبر، فلما هيئ له المنبر حنّ الجذع حتى سمع صوته، فهذا أكبر من ذلك.
باب تسبيح الحصى في كفه ﵊
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو الحسن على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا الكديمي، ثنا قريش بن أنس، ثنا صالح بن أبى الأخضر عن الزهري عن رجل يقال له سويد ابن يزيد السلمي، قال: سمعت أبا ذر يقول: لا أذكر عثمان إلا بخير بعد شيء رأيته، كنت رجلا أتبع خلوات رسول الله ﷺ فرأيته يوما جالسا وحده فاغتنمت خلوته فجئت حتى جلست إليه فجاء أبو بكر فسلّم عليه ثم جلس عن يمين رسول الله ﷺ ، ثم جاء عمر فسلّم وجلس عن يمين أبى بكر ثم جاء عثمان فسلّم ثم جلس عن يمين عمر، وبين يدي رسول الله ﷺ سبع حصيات، أو قال:
تسع حصيات، فأخذهن في كفه فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن ثم أخذهن فوضعهن في كف أبى بكر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عمر فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، ثم تناولهن فوضعهن في يد عثمان فسبحن حتى سمعت لهن حنينا كحنين النخل، ثم وضعهن فخرسن، فقال النبي ﷺ : هذه خلافة النبوة * قال البيهقي: وكذلك رواه محمد بن يسار عن قريش ابن أنس عن صالح بن أبى الأخضر، وصالح لم يكن حافظا، والمحفوظ عن أبى حمزة عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سويد هذا الحديث عن أبى ذر هكذا، قال البيهقي: وقد قال محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات التي جمع فيها أحاديث الزهري: حدثنا أبو اليمان، ثنا شعيب قال: ذكر الوليد ابن سويد أن رجلا من بنى سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة ذكر أنه بينما هو قاعد يوما
стр. 1901
في ذلك المجلس وأبو ذر في المجلس إذ ذكر عثمان بن عفان يقول السلمي: فأنا أظن أن في نفس أبى ذر على عثمان معتبة لإنزاله إياه بالربذة، فلما ذكر له عثمان عرض له أهل العلم بذلك، وهو يظن أن في نفسه عليه معتبة، فلما ذكره قال: لا تقل في عثمان إلا خيرا فانى أشهد لقد رأيت منه منظرا وشهدت منه مشهدا لا أنساه حتى أموت، كنت رجلا ألتمس خلوات النبي ﷺ لأسمع منه أو لآخذ عنه، فهجرت يوما من الأيام،
فإذا النبي ﷺ قد خرج من بيته فسألت عنه الخادم فأخبرني أنه في بيت، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأنى حينئذ أرى أنه في وحي، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: ما جاء بك؟ فقلت: جاء بى الله ورسوله فأمرنى أن أجلس، فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شيء ولا يذكره لي، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشى مسرعا فسلّم عليه فرد السلام ثم قال: ما جاء بك؟ قال: جاء بى الله ورسوله، فأشار بيده أن اجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبي ﷺ بينه وبينها الطريق، حتى إذا استوى أبو بكر جالسا فأشار بيده فجلس إلى جنبي عن يميني، ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، وقال له رسول الله ﷺ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبى بكر على تلك الربوة، ثم جاء عثمان فسلّم فرد السلام وقال: ما جاء بك؟ قال: جاء بى الله ورسوله، فأشار إليه بيده فقعد إلى الربوة ثم أشار بيده فقعد إلى جنب عمر، فتكلم النبي ﷺ بكلمة لم أفقه أولها غير أنه قال: قليل ما يبقين، ثم قبض على حصيات سبع أو تسع أو قريب من ذلك، فسبحن في يده حتى سمع لهن حنين كحنين النخل في كف النبي ﷺ ، ثم ناولهن أبا بكر وجاوزني فسبحن في كف أبى بكر كما سبحن في كف النبي ﷺ ، ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض فخرسن فصرن حصا، ثم ناولهن عمر فسبحن في كفه كما سبحن في كف أبى بكر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن، ثم ناولهن عثمان فسبحن في كفه نحو ما سبحن في كف أبى بكر وعمر، ثم أخذهن فوضعهن في الأرض فخرسن * قال الحافظ ابن عساكر: رواه صالح بن أبى الأخضر عن الزهري، فقال: عن رجل يقال له سويد بن يزيد السلمي، وقول شعيب أصح * [وقال أبو نعيم في كتاب دلائل النبوة: وقد روى داود بن أبى هند عن الوليد بن عبد الرحمن الحرشيّ عن جبير بن نفير عن أبى ذر مثله. ورواه شهر بن حوشب وسعيد بن المسيب عن أبى سعيد. قال: وفيه عن أبى هريرة]، وقد تقدم ما رواه البخاري عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
حديث آخر في ذلك
روى الحافظ البيهقي من حديث عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبى وقاص، قال:
حدثني أبو أمى مالك بن حمزة بن أبى أسيد الساعدي عن أبيه عن جده أبى أسيد الساعدي، قال:
стр. 1902
قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: يا أبا الفضل لا ترم منزلك غدا أنت وبنوك حتى آتيكم فان لي فيكم حاجة، فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: السلام عليكم، فقالوا:
وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: كيف أصبحتم؟ قالوا: أصبحنا بخير نحمد الله، فكيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله؟ قال: أصبحت بخير أحمد الله، فقال لهم: تقاربوا تقاربوا يزحف بعضكم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته وقال: يا رب هذا عمى وصنو أبى، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتى هذه، وقال: فأمنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين * وقد رواه أبو عبد الله بن ماجة في سننه مختصرا عن أبى إسحاق إبراهيم بن عبد الله بن حاتم الهروي عن عبد الله بن عثمان بن إسحاق بن سعد بن أبى وقاص الوقاصى الزهري روى عنه جماعة، وقد قال ابن معين: لا أعرفه، وقال أبو حاتم يروى أحاديث مشبهة.
حديث آخر
قال الامام أحمد: ثنا يحيى بن أبى بكير، ثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن * رواه مسلم عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يحيى بن أبى بكير به، ورواه أبو داود الطيالسي عن سليمان بن معاذ عن سماك به.
حديث آخر
قال الترمذ: ثنا عباد بن يعقوب الكوفي، ثنا الوليد بن أبى ثور عن السدي عن عباد بن أبى يزيد عن على بن أبى طالب قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة فخرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله * ثم قال: وهذا حديث حسن غريب، وقد رواه غير واحد عن الوليد بن أبى ثور، وقالوا: عن عباد بن أبى يزيد منهم فروة بن أبى الفرا *
ورواه الحافظ أبو نعيم من حديث زياد بن خيثمة عن السدي عن أبى عمارة الحيواني عن على قال: خرجت مع رسول الله ﷺ فجعل لا يمر على شجر ولا حجر إلا سلم عليه، وقدمنا في المبعث أنه ﵇ لما رجع وقد أوحى إليه جعل لا يمر بحجر ولا شجر ولا مدر ولا شيء إلا قال له: السلام عليك يا رسول الله، وذكرنا في وقعة بدر ووقعة حنين رميه ﵇ بتلك القبضة من التراب وأمره أصحابه أن يتبعوها بالحملة الصادقة فيكون النصر والظفر والتأييد عقب ذلك سريعا، أما في وقعة بدر فقد قال الله تعالى في سياقها في سورة الأنفال: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ الآية وأما في غزوة حنين فقد ذكرناه في الأحاديث بأسانيده وألفاظه بما أغنى عن إعادته هاهنا ولله الحمد والمنة.
стр. 1903
حديث آخر
ذكرنا
في غزوة الفتح أن رسول الله ﷺ لما دخل المسجد الحرام فوجد الأصنام حول الكعبة فجعل يطعنها بشيء في يده ويقول: ﴿جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً،﴾ قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد، وفي رواية أنه جعل لا يشير إلى صنم منها إلا خر لقفاه، وفي رواية: إلا سقط،
وقال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو بكر أحمد بن الحسن القاضي قالا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا بحر بن نصر وأحمد بن عيسى اللخمي، قالا: ثنا بشر بن بكير، أنا الأوزاعي عن ابن شهاب أنه قال: أخبرنى القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق عن عائشة قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا مستترة بقرام فهتكه ثم قال: إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يشبهون بخلق الله، قال الأوزاعي: وقالت عائشة: أتى رسول الله ﷺ بترس فيه تمثال عقاب فوضع عليه يده فأذهبه الله .
باب ما يتعلق بالحيوانات من دلائل النبوة قصة البعير النادّ وسجوده له وشكواه إليه صلوات الله وسلامه عليه
قال الامام أحمد: حدثنا حسين، ثنا خلف بن خليفة عن حفص هو ابن عمر عن عمه أنس بن مالك قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه كان لنا جمل نسنى عليه وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش الزرع والنخل، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: قوموا، فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحيته، فمشى النبي ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله إنه قد صار مثل الكلب الكلب وإنا نخاف عليك صولته، فقال: ليس عليّ منه بأس، فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خر ساجدا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذل ما كانت قط، حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك، ونحن أحق أن نسجد لك، فقال:
لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، ولو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها، والّذي نفسي بيده لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه قرحة تتفجر بالقيح والصديد ثم استقبلته فلحسته ما أدت حقه * وهذا إسناد جيد، وقد روى النسائي بعضه من حديث خلف ابن خليفة به.
رواية جابر في ذلك
قال الامام أحمد: حدثنا مصعب بن سلام سمعته من أبى مرتين، ثنا الأجلح عن الذيال بن
стр. 1904
حرملة عن جابر بن عبد الله قال: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من سفر حتى إذا دفعنا إلى حائط من حيطان بنى النجار، إذا فيه جمل لا يدخل الحائط أحد إلا شد عليه قال: فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فجاء حتى أتى الحائط فدعا البعير فجاء واضعا مشفره إلى الأرض حتى برك بين يديه، قال:
فقال رسول الله ﷺ : هاتوا خطاما، فخطمه ودفعه إلى صاحبه، قال: ثم التفت إلى الناس فقال:
إنه ليس شيء بين السماء والأرض إلا يعلم أنى رسول الله إلا عاصي الجن والانس * تفرد به الامام أحمد، وسيأتي عن جابر من وجه آخر بسياق آخر إن شاء الله وبه الثقة.
رواية ابن عباس
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا بشر بن موسى، ثنا يزيد بن مهران أخو خالد الجيار، ثنا أبو بكر بن عياش عن الأجلح عن الذيال بن حرملة عن ابن عباس قال: جاء قوم إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله إن لنا بعيرا قد ندّ في حائط، فجاء إليه رسول الله ﷺ فقال: تعال، فجاء مطأطئا رأسه حتى خطمه وأعطاه أصحابه، فقال له أبو بكر الصديق: يا رسول الله، كأنه علم أنك نبي، فقال رسول الله ﷺ : ما بين لابتيها أحد إلا يعلم أنى نبي الله إلا كفرة الجن والانس * وهذا من هذا الوجه عن ابن عباس غريب جدا، والأشبه رواية الامام أحمد عن جابر، اللهمّ إلا أن يكون الأجلح قد رواه عن الذيال عن جابر وعن ابن عباس والله أعلم.
طريق أخرى عن ابن عباس
قال الحافظ أبو القاسم الطبراني: ثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، ثنا أبو عون الزيادي، ثنا أبو عزة الدباغ عن أبى يزيد المديني عن عكرمة عن ابن عباس أن رجلا من الأنصار كان له فحلان فاغتلما فأدخلهما حائطا فسد عليهما الباب، ثم جاء إلى رسول الله ﷺ فأراد أن يدعو له، والنبي قاعد معه نفر من الأنصار، فقال: يا نبي الله إني جئت في حاجة فان فحلين لي اغتلما، وإني أدخلتهما حائطا وسددت عليهما الباب، فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما الله لي، فقال لأصحابه: قوموا معنا، فذهب حتى أتى الباب فقال: افتح، فأشفق الرجل على النبي ﷺ ، فقال: افتح، ففتح الباب فإذا أحد الفحلين قريبا من الباب، فلما رأى رسول الله ﷺ سجد له، فقال رسول الله: ائت بشيء أشد رأسه وأمكنك منه، فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه منه، ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلما رآه وقع له ساجدا، فقال للرجل: ائتني بشيء أشد رأسه، فشد رأسه وأمكنه منه، فقال: اذهب فإنهما لا يعصيانك، فلما رأى أصحاب رسول الله ﷺ ذلك قالوا: يا رسول الله هذان فحلان سجدا لك أفلا نسجد لك؟ قال لا آمر أحدا أن يسجد لأحد ولو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها * وهذا إسناد غريب ومتن غريب.
стр. 1905
[ورواه الفقيه أبو محمد عبد الله بن حامد في كتابه دلائل النبوة عن أحمد بن حمدان السحرى عن عمر بن محمد بن بجير البحتري عن بشر بن آدم عن محمد بن عون أبى عون الزيادي به * وقد رواه أيضا من طريق مكي بن إبراهيم عن قائد أبى الورقاء عن عبد الله بن أبى أوفى عن النبي ﷺ بنحو ما تقدم عن ابن عباس.
رواية أبى هريرة
قال أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه: أخبرنا أحمد بن حمدان، أنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا جرير عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبى هريرة قال: انطلقنا مع رسول الله ﷺ إلى ناحية فأشرفنا إلى حائط فإذا نحن بناضح، فلما أقبل الناضح رفع رأسه فبصر برسول الله ﷺ فوضع جرّانه على الأرض، فقال أصحاب رسول الله ﷺ : فنحن أحق أن نسجد لك من هذه البهيمة، فقال: سبحان الله، أدون الله؟ ما ينبغي لأحد أن يسجد لأحد دون الله، ولو أمرت أحدا أن يسجد لشيء من دون الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها *]
رواية عبد الله بن جعفر في ذلك
قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا مهدي بن ميمون عن محمد بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر ح وثنا بهز وعفان قالا: ثنا مهدي، ثنا محمد بن أبى يعقوب عن الحسن بن سعد - مولى الحسن بن على - عن عبد الله بن جعفر قال: أردفنى رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه فأسر إلى حديثا لا أخبر به أحدا أبدا، وكان رسول الله ﷺ أحب ما استتر به في حاجته هدف أو حائش نخل، فدخل يوما حائطا من حيطان الأنصار فإذا جمل قد أتاه فجرجر وذرفت عيناه، وقال بهز وعفان: فلما رأى رسول الله حنّ وذرفت عيناه، فمسح رسول الله سراته وذفراه فسكن، فقال: من صاحب الجمل؟ فجاء فتى من الأنصار قال: هو لي يا رسول الله، فقال أما تتقى الله في هذه البهيمة التي ملككها الله لك؟ إنه شكا إلى أنك تجيعه وتدئبه * وقد رواه مسلم من حديث مهدي بن ميمون به.
رواية عائشة أم المؤمنين ﵂ في ذلك
قال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد وعفان قالا: ثنا حماد - هو ابن سلمة - عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان في نفر من المهاجرين والأنصار فجاء بعير فسجد له فقال أصحابه: يا رسول الله تسجد لك البهائم والشجر، فنحن أحق أن نسجد لك، فقال:
اعبدوا ربكم وأكرموا أخاكم، ولو كنت آمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، ولو أمرها أن تنقل من جبل أصفر إلى جبل أسود ومن جبل أسود إلى جبل أبيض كان ينبغي
стр. 1906
لها أن تفعله * وهذا الاسناد على شرط السنن، وإنما
روى ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن عفان عن حماد به: لو أمرت أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها إلى آخره.
رواية يعلى بن مرة الثقفي، أو هي قصة أخرى
قال الامام أحمد: ثنا أبو سلمة الخزاعي، ثنا حماد بن سلمة عن عاصم بن بهدلة عن حسين عن أبى جبيرة عن يعلى بن سيابة قال: كنت مع النبي ﷺ في مسير له فأراد أن يقضى حاجته فأمر وديتين فانضمت إحداهما إلى الأخرى، ثم أمرهما فرجعتا إلى منابتهما، وجاء بعير فضرب بجرّانه إلى الأرض ثم جرجر حتى ابتل ما حوله فقال رسول الله ﷺ : أتدرون ما يقول البعير؟ إنه يزعم أن صاحبه يريد نحره، فبعث إليه رسول الله ﷺ فقال: أواهبه أنت لي؟ فقال: يا رسول الله ما لي مال أحب إليّ منه، فقال: استوص به معروفا، فقال: لا جرم لا أكرم ما لا لي كرامته يا رسول الله، قال: وأتى على قبر يعذب صاحبه فقال: إنه يعذب في غير كبير، فأمر بجريدة فوضعت على قبره، وقال: عسى أن يخفف عنه ما دامت رطبة.
طريق أخرى عنه
قال الامام أحمد: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن عطاء بن السائب عن عبد الله بن جعفر عن يعلى بن مرة الثقفي قال: ثلاثة أشياء رأيتهن من رسول الله ﷺ : بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلما رآه البعير جرجر ووضع جرّانه، فوقف عليه النبي ﷺ فقال أين صاحب هذا البعير؟ فجاء، فقال: بعنيه، فقال: لا بل أهبه لك، فقال: لا بل بعنيه، قال: لا بل نهبه لك إنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، قال: أما إذ ذكرت هذا من أمره فإنه شكى كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه، قال: ثم سرنا فنزلنا منزلا فنام رسول الله ﷺ ، فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ ذكرت له، فقال: هي شجرة استأذنت ربها في أن تسلّم على رسول الله ﷺ فأذن لها، قال: ثم سرنا فمررنا بماء فأتته امرأة بابن لها به جنة، فأخذ النبي ﷺ بمنخره فقال: اخرج إني محمد رسول الله، قال ثم سرنا فلما رجعنا من سفرنا مررنا بذلك الماء فأتته امرأة بجزر (١) ولبن فأمرها أن ترد الجزر وأمر أصحابه فشربوا من اللبن، فسألها عن الصبى فقالت: والّذي بعثك بالحق ما رأينا منه ريبا بعدك.
طريق أخرى عنه
قال الامام أحمد: ثنا عبد الله بن نمير، ثنا عثمان بن حكيم، أخبرنى عبد الرحمن بن عبد العزيز عن يعلى بن مرة قال: لقد رأيت عن رسول الله ﷺ ثلاثا ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد
стр. 1907
بعدي: لقد خرجت معه في سفر حتى إذا كنا ببعض الطريق مررنا بامرأة جالسة معها صبي لها فقالت:
يا رسول الله هذا صبي أصابه بلاء وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدرى كم مرة، قال: ناولينيه، فرفعته إليه فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر فاه فنفث فيه ثلاثا وقال: بسم الله أنا عبد الله، اخسأ عدو الله، ثم ناولها إياه، فقال: ألقينا في الرجعة في هذا المكان فأخبرينا ما فعل، قال: فذهبنا ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث، فقال: ما فعل صبيك؟ فقالت: والّذي بعثك بالحق ما حسسنا منه شيئا حتى الساعة، فاجترر هذه الغنم، قال: انزل فخذ منها واحدة ورد البقية، قال: وخرجت ذات يوم إلى الجبانة حتى إذا برزنا قال: ويحك انظر هل ترى من شيء يواريني؟ قلت: ما أرى شيئا يواريك إلا شجرة ما أراها تواريك، قال: فما بقربها؟ قلت: شجرة مثلها أو قريب منها، قال: فاذهب إليهما فقل: إن رسول الله يأمر كما أن تجتمعا باذن الله، قال: فاجتمعتا فبرز لحاجته ثم رجع فقال: اذهب إليهما فقل لهما: إن رسول الله يأمر كما أن ترجع كل واحدة منكما إلى مكانها، فرجعت. قال: وكنت معه جالسا ذات يوم إذ جاء جمل نجيب حتى صوى بجرّانه بين يديه ثم ذرفت عيناه فقال ويحك انظر لمن هذا الجمل إن له لشأنا، قال: فخرجت ألتمس صاحبه فوجدته لرجل من الأنصار فدعوته إليه فقال: ما شأن جملك هذا؟ فقال وما شأنه؟ قال: لا أدرى والله ما شأنه، عملنا عليه ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية فائتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال:
فلا تفعل، هبه لي أو بعنيه، فقال: بل هو لك يا رسول الله، فوسمه بسمة الصدقة ثم بعث به.
طريق أخرى عنه
قال الامام أحمد: ثنا وكيع، ثنا الأعمش بن المنهال عن عمرو عن يعلى بن مرة عن النبي ﷺ أنه أتته امرأة بابن لها قد أصابه لمم، فقال رسول الله ﷺ : اخرج عدو الله أنا رسول الله، قال:
فبرأ، قال: فأهدت إليه كبشين وشيئا من أقط وشيئا من سمن، قال: فقال رسول الله: خذ الأقط والسمن وأحد الكبشين ورد عليها الآخر، ثم ذكر قصة الشجرتين كما تقدم * وقال أحمد: ثنا أسود، ثنا أبو بكر بن عياش عن حبيب بن أبى عمرة عن المنهال بن عمرو عن يعلى قال: ما أظن أن أحدا من الناس رأى من رسول الله ﷺ إلا دون ما رأيت فذكر أمر الصبى والنخلتين وأمر البعير إلا أنه قال: ما لبعيرك يشكوك؟ زعم أنك سانيه حتى إذا كبر تريد تنحره، قال: صدقت والّذي بعثك بالحق قد أردت ذلك، والّذي بعثك بالحق لا أفعل.
طريق أخرى عنه
روى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم: ثنا عباس بن محمد الدوري، ثنا حمدان بن الأصبهاني ثنا يزيد عن عمرو بن عبد الله بن يعلى بن مرة عن أبيه عن جده قال: رأيت من رسول الله ﷺ
стр. 1908
ثلاثة أشياء ما رآها أحد قبلي، كنت معه في طريق مكة فمر بامرأة معها ابن لها به لمم ما رأيت لمما أشد منه، فقالت: يا رسول الله ابني هذا كما ترى، فقال إن شئت دعوت له، فدعا له، ثم مضى فمر على بعير نادّ جرانه يرغو، فقال: على بصاحب هذا البعير، فجيء به، فقال: هذا يقول: نتجت عندهم فاستعملونى حتى إذا كبرت عندهم أرادوا أن ينحرونى، قال: ثم مضى ورأى شجرتين متفرقتين فقال لي: اذهب فمرهما فليجتمعا لي، قال: فاجتمعتا فقضى حاجته، قال: ثم مضى فلما انصرف مر على الصبى وهو يلعب مع الغلمان وقد ذهب ما به وهيأت أمه أكبشا فأهدت له كبشين، وقالت: ما عاد إليه شيء من اللمم، فقال النبي ﷺ : ما من شيء إلا ويعلم أنى رسول الله، إلا كفرة أو فسقه الجن والانس * فهذه طرق جيدة متعددة تفيد غلبة الظن أو القطع عند المتبحرين أن يعلى بن مرة حدث بهذه القصة في الجملة، وقد تفرد بهذا كله الامام أحمد دون أصحاب الكتب الستة ولم يرو أحد منهم شيئا سوى ابن ماجة فإنه روى عن يعقوب بن حميد بن كاسب عن يحيى بن سليم عن خيثم عن يونس ابن خباب عن يعلى بن مرة أن رسول الله ﷺ كان إذا ذهب إلى الغائط أبعد. وقد اعتنى الحافظ أبو نعيم بحديث البعير في كتابه دلائل النبوة، وطرقه من وجوه كثيرة، ثم أورد حديث عبد الله بن قرط اليماني قال: جيء رسول الله ﷺ بست زود فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ، وقد قدمت الحديث في حجة الوداع. قلت: قد أسلفنا عن جابر بن عبد الله نحو قصة الشجرتين، وذكرنا آنفا عن غير واحد من الصحابة نحوا من حديث الجمل لكن بسياق يشبه أن يكون [غير] هذا فالله أعلم * وسيأتي حديث الصبى الّذي كان يصرع ودعاؤه ﵇ له وبرؤه في الحال من طرق أخرى
وقد روى الحافظ البيهقي عن أبى عبد الله الحاكم وغيره عن أبى العباس الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن إسماعيل بن عبد الملك عن أبى الزبير عن جابر قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في سفر، وكان رسول الله ﷺ إذا أراد البراز تباعد حتى لا يراه أحد، فنزلنا منزلا بفلاة من الأرض ليس فيها علم ولا شجر، فقال لي: يا جابر خذ الإداوة وانطلق بنا، فملأت الإداوة ماء وانطلقنا فمشينا حتى لا نكاد نرى، فإذا شجرتان بينهما أذرع، فقال رسول الله ﷺ :
يا جابر انطلق فقل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله: الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما، ففعلت فرجعت فلحقت بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته، ثم رجعنا فركبنا رواحلنا فسرنا كأنما على رءوسنا الطير تظلنا، وإذا نحن بامرأة قد عرضت لرسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا يأخذه الشيطان كل يوم ثلاث مرات لا يدعه، فوقف رسول الله ﷺ فتناوله فجعله بينه وبين مقدمة الرحل فقال: اخسأ عدوّ الله، أنا رسول الله، وأعاد ذلك ثلاث مرات، ثم ناولها إياه، فلما رجعنا وكنا بذلك الماء مرضت لنا تلك المرأة ومعها كبشان تقودهما والصبى تحمله، فقالت: يا رسول
стр. 1909
الله اقبل منى هديتي، فو الّذي بعثك بالحق ان عاد إليه بعد، فقال رسول الله ﷺ : خذوا أحدهما وردوا الآخر، قال: ثم سرنا ورسول الله ﷺ بيننا، فجاء جمل نادّ، فلما كان بين السماطين خرّ ساجدا، فقال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس من صاحب هذا الجمل؟ فقال فتية من الأنصار:
هو لنا يا رسول الله، قال: فما شأنه؟ قالوا: سنونا عليه منذ عشرين سنة فلما كبرت سنه وكانت عليه شحيمة أردنا نحره لنقسمه بين غلمتنا، فقال رسول الله ﷺ تبيعونيه؟ قالوا: يا رسول الله هو لك، قال: فأحسنوا إليه حتى يأتيه أجله، قالوا: يا رسول الله نحن أحق أن نسجد لك من البهائم، فقال رسول الله ﷺ : لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو كان ذلك كان النساء لأزواجهن * وهذا إسناد جيد رجاله ثقات * وقد روى أبو داود وابن ماجة من حديث إسماعيل بن عبد الملك بن أبى الصفراء عن أبى الزبير عن جابر أن رسول الله كان إذا ذهب المذهب أبعد * ثم قال البيهقي: وحدثنا أبو عبد الله الحافظ، أنا أبو بكر بن إسحاق، أنا الحسين بن على بن زياد، ثنا أبو حمنة، ثنا أبو قرة عن زياد - هو ابن سعد - عن أبى الزبير أنه سمع يونس بن خباب الكوفي يحدث أنه سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ أنه كان في سفر إلى مكة فذهب إلى الغائط وكان يبعد حتى لا يراه أحد، قال: فلم يجد شيئا يتوارى به، فبصر بشجرتين، فذكر قصة الشجرتين وقصة الجمل بنحو من حديث جابر * قال البيهقي: وحديث جابر أصح، قال: وهذه الرواية ينفرد بها زمعة ابن صالح عن زياد - أظنه ابن سعد - عن أبى الزبير * قلت: وقد يكون هذا أيضا محفوظا، ولا ينافي حديث جابر ويعلى بن مرة، بل يشهد لهما ويكون هذا الحديث عند أبى الزبير محمد بن مسلم بن تدرس المكيّ عن جابر. وعن يونس بن خباب عن أبى عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبيه والله أعلم * وروى البيهقي من حديث معاوية بن يحيى الصيرفي - وهو ضعيف - عن الزهري عن خارجة ابن زيد عن أسامة بن زيد حديثا طويلا نحو سياق حديث يعلى بن مرة وجابر بن عبد الله، وفيه قصة الصبى الّذي كان يصرع ومجيء أمه بشاة مشوية فقال: ناوليني الذراع فناولته، ثم قال: ناوليني الذراع فناولته، ثم قال: ناوليني الذراع، فقلت كم للشاة من ذراع؟ فقال: والّذي نفسي بيده لو سكت لناولتينى ما دعوت * ثم ذكر قصة النخلات واجتماعهما وانتقال الحجارة معهما حتى صارت الحجارة رجما خلف النخلات. وليس في سياقه قصة البعير فلهذا لم يورده بلفظه وإسناده وبالله المستعان * [وقد روى الحافظ ابن عساكر ترجمة غيلان بن سلمة الثقفي بسنده إلى يعلى بن منصور الرازيّ عن شبيب بن شيبة عن بشر بن عاصم عن غيلان بن سلمة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ فرأينا عجبا فذكر قصة الشجرتين واستتاره بهما عند الخلاء، وقصة الصبى الّذي كان يصرع، وقوله: بسم الله أنا رسول الله، اخرج عدو الله فعوفي * ثم ذكر قصة البعيرين النادين وأنهما سجدا له بنحو ما
стр. 1910
تقدم في البعير الواحد، فلعل هذه قصة أخرى، والله أعلم] (١).
وقد ذكرنا فيما سلف حديث جابر وقصة جمله الّذي كان قد أعيى، وذلك مرجعهم من تبوك وتأخره في أخريات القوم، فلحقه النبي ﷺ فدعا له وضربه فسار سيرا لم يسر مثله حتى جعل يتقدم أمام الناس، وذكرنا شراءه ﵇ منه وفي ثمنه اختلاف كثير وقع من الرواة لا يضر أصل القصة كما بيناه * وتقدم حديث أنس في ركوبه ﵇ على فرس أبى طلحة حين سمع الناس صوتا بالمدينة فركب ذلك الفرس، وكان يبطئ، وركب الفرسان نحو ذلك الصوت، فوجدوا رسول الله ﷺ قد رجع بعد ما كشف ذلك الأمر، فلم يجد له حقيقة، وكان قد ركبه عريا لا شيء عليه وهو متقلد سيفا، فرجع وهو يقول: لن تراعوا لن تراعوا، ما وجدنا من شيء، وإن وجدناه لبحرا.
أي لسابقا * وكان ذلك الفرس يبطأ قبل تلك الليلة فكان بعد ذلك لا يجارى ولا يكشف له غبار وذلك كله ببركته ﵊.
حديث آخر غريب في قصة البعير
قال الشيخ أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه «دلائل النبوة» وهو مجلد كبير حافل كثير الفوائد:
أخبرنى أبو على الفارسي، حدثنا أبو سعيد عن عبد العزيز بن شهلان القواس، حدثنا أبو عمرو عثمان بن محمد بن خالد الراسبي، حدثنا عبد الرحمن بن على البصري، حدثنا سلامة ابن سعيد بن زياد بن أبى هند الرازيّ، حدثني أبى عن أبيه عن جده، حدثنا غنيم بن أوس - يعنى الرازيّ - قال: كنا جلوسا مع رسول الله ﷺ إذ أقبل بعير يعدو حتى وقف على رسول الله ﷺ فزعا فقال رسول الله ﷺ : أيها البعير اسكن، فان تك صادقا فلك صدقك، وإن تك كاذبا فعليك كذبك، مع أن الله تعالى قد أمن عائذنا، ولا يخاف لائذنا، قلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير؟ قال: هذا بعير همّ أهله بنحره فهرب منهم فاستغاث بنبيكم، فبينا نحن كذلك إذ أقبل أصحابه يتعادون فلما نظر إليهم البعير عاد إلى هامة رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله هذا بعيرنا هرب منا منذ ثلاثة أيام فلم نلقه إلا بين يديك، فقال رسول الله ﷺ : يشكو مرّ الشكاية، فقالوا: يا رسول الله ما يقول؟ قال: يقول إنه ربى في إبلكم جوارا وكنتم تحملون عليه في الصيف إلى موضع الكلإ فإذا كان الشتاء رحلتم إلى موضع الدفء، فقالوا: قد كان ذلك يا رسول الله، فقال: ما جزاء العبد الصالح من مواليه؟ قالوا: يا رسول الله فانا لا نبيعه ولا ننحره، قال: فقد استغاث فلم تغيثوه، وأنا أولى بالرحمة منكم، لأن الله نزع الرحمة من قلوب المنافقين وأسكنها في قلوب المؤمنين، فاشتراه النبي ﷺ بمائة درهم، ثم قال: أيها البعير انطلق فأنت حرّ لوجه الله، فرغا على هامة رسول الله ﷺ فقال:
стр. 1911
رسول الله: آمين ثم رغا الثانية فقال آمين، ثم رغا الثالثة فقال: آمين، ثم رغا الرابعة فبكى رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله ما يقول هذا البعير؟ قال: يقول: جزاك الله أيها النبي عن الإسلام والقرآن خيرا، قلت: آمين، قال: سكن الله رعب أمتك يوم القيامة كما سكنت رعبى قلت: آمين قال: حقن الله دماء أمتك من أعدائها كما حقنت دمي، قلت: آمين، قال: لا جعل الله بأسها بينها، فبكيت وقلت: هذه خصال سألت ربى فأعطانيها ومنعني واحدة وأخبرنى جبريل عن الله أن فناء أمتك بالسيف فجرى القلم بما هو كائن * قلت: هذا الحديث غريب جدا لم أر أحدا من هؤلاء المصنفين في الدلائل أورده سوى هذا المصنف، وفيه غرابة ونكارة في إسناده ومتنه أيضا والله أعلم.
حديث في سجود الغنم له ﷺ
قال أبو محمد عبد الله بن حامد أيضا: قال يحيى بن صاعد: حدثنا محمد بن عوف الحمصي، حدثنا إبراهيم بن العلاء الزبيدي، حدثنا عباد بن يوسف الكندي أبو عثمان، حدثنا أبو جعفر الرازيّ عن الربيع بن أنس عن أنس بن مالك قال: دخل النبي ﷺ حائطا للأنصار ومعه أبو بكر وعمرو رجل من الأنصار، وفي الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله كنا نحن أحق بالسجود لك من هذه الغنم، فقال: إنه لا ينبغي أن يسجد أحد لأحد، ولو كان ينبغي لأحد أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها * غريب وفي إسناده من لا يعرف].
قصة الذئب وشهادته بالرسالة
قال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا القاسم بن الفضل الحدانى عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: عدا الذئب على شاة فأخذها فطلبه الراعي فانتزعها منه، فأقعى الذئب على ذنبه فقال:
ألا تتقى الله؟ تنزع منى رزقا ساقه الله إليّ؟ فقال: يا عجبي ذئب يكلمني كلام الانس! فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك؟ محمد ﷺ بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق، قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى رسول الله ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ فنودي الصلاة جامعة، ثم خرج فقال للراعي: أخبرهم، فأخبرهم، فقال رسول الله ﷺ : صدق، والّذي نفس محمد بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الأنس، ويكلم الرجل عذبة سوطه، وشراك نعله، ويخبره فخذه بما أحدث أهله بعده * وهذا إسناد على شرط الصحيح.
وقد صححه البيهقي ولم يروه إلا الترمذي من قوله: والّذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يكلم السباع الانس إلى آخره، عن سفيان بن وكيع عن أبيه عن القاسم بن الفضل. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب صحيح لا نعرفه إلا من حديث القاسم وهو ثقة مأمون عند أهل الحديث وثقه يحيى وابن مهدي.
стр. 1912
طريق أخرى عن أبى سعيد الخدريّ ﵁
قال الامام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أنا شعيب، حدثني عبد الله بن أبى حسين، حدثني شهر أن أبا سعيد الخدريّ حدثه عن النبي ﷺ قال: بينا أعرابى في بعض نواحي المدينة في غنم له عدا عليه الذئب فأخذ شاة من غنمه فأدركه الأعرابي فاستنقذها منه وهجهجه فعانده الذئب يمشى ثم أقعى مستذفرا بذنبه يخاطبه فقال: أخذت رزقا رزقنيه الله، قال: وا عجبا من ذئب مستذفر بذنبه يخاطبني! فقال: والله إنك لتترك أعجب من ذلك، قال: وما أعجب من ذلك؟ قال: رسول الله ﷺ في النخلتين بين الحرتين يحدث الناس عن أنباء ما قد سبق وما يكون بعد ذلك، قال: فنعق الأعرابي بغنمه حتى ألجأها إلى بعض المدينة ثم مشى إلى النبي ﷺ حتى ضرب عليه بابه،
فلما صلّى النبي ﷺ قال: أين الأعرابي صاحب الغنم؟ فقام الأعرابي، فقال له النبي ﷺ : حدث الناس بما سمعت وبما رأيت، فحدث الأعرابي الناس بما رأى من الذئب وما سمع منه، فقال النبي ﷺ عند ذلك:
صدق، آيات تكون قبل الساعة، والّذي نفسي بيده لا تقوم الساعة حتى يخرج أحدكم من أهله فيخبره نعله أو سوطه أو عصاه بما أحدث أهله بعده * وهذا على شرط أهل السنن ولم يخرجوه. وقد رواه البيهقي من حديث النفيلى قال: قرأت على معقل بن عبد الله بن شهر بن حوشب عن أبى سعيد فذكره * ثم رواه الحاكم وأبو سعيد بن عمرو عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن عبد الجيد بن بهرام عن شهر بن حوشب عن أبى سعيد فذكره * ورواه الحافظ أبو نعيم من طريق عبد الرحمن بن يزيد بن تميم عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبى سعيد فذكره
حديث أبى هريرة في ذلك
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنا معمر عن أشعث بن عبد الملك عن شهر بن حوشب عن أبى هريرة قال: جاء ذئب إلى راعى غنم فأخذ منها شاة فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال:
فصعد الذئب على تل فأقعى فاستذفر وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله انتزعته منى، فقال الرجل: لله إن رأيت كاليوم ذئبا يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، وكان الرجل يهوديا، فجاء إلى النبي ﷺ فأسلّم وخبره فصدّقه النبي ﷺ ، ثم قال رسول الله: إنها أمارة من أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى تحدثه نعلاه وسوطه بما أحدثه أهله بعده * تفرد به أحمد وهو على شرط السنن ولم يخرجوه، ولعل شهر بن حوشب قد سمعه من أبى سعيد وأبى هريرة أيضا والله أعلم.
حديث أنس في ذلك
قال أبو نعيم في دلائل النبوة: ثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، ثنا محمد بن يحيى بن مندة، ثنا
стр. 1913
على بن الحسن بن سالم، ثنا الحسين الرفّاء عن عبد الملك بن عمير عن أنس ح، وحدثنا سليمان - هو الطبراني -: ثنا عبد الله بن محمد بن ناجية، ثنا هشام بن يونس اللؤلؤي، ثنا حسين بن سليمان الرفّاء، عن عبد الملك بن عمير، عن أنس بن مالك قال: كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك فشردت عليّ غنمي، فجاء الذئب فأخذ منها شاة، فاشتد الرعاء خلفه، فقال: طعمة أطعمنيها الله تنزعونها منى؟ قال:
فبهت القوم، فقال: ما تعجبون من كلام الذئب وقد نزل الوحي على محمد فمن مصدق ومكذب * ثم قال أبو نعيم: تفرد به حسين بن سليمان عن عبد الملك. قلت: الحسين بن سليمان الرفّاء هذا يقال له الطلخى كوفى أورد له ابن عدي عن عبد الملك بن عمير أحاديث ثم قال: لا يتابع عليها.
حديث ابن عمر في ذلك
قال البيهقي: أخبرنا أبو سعد الماليني، أنا أبو أحمد بن عدي، ثنا عبد الله بن أبى داود السجستاني، ثنا يعقوب بن يوسف بن أبى عيسى، ثنا جعفر بن حسن، أخبرنى أبو حسن، ثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن المسيب قال: قال ابن عمر: كان راع على عهد رسول الله ﷺ إذ جاء الذئب فأخذ شاة ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذئب: أما تتقى الله أن تمنعني طعمة أطعمنيها الله تنزعها منى؟ فقال له الراعي: العجب من ذئب يتكلم، فقال الذئب: أفلا أدلك على ما هو أعجب من كلامي؟ ذلك الرجل في النخل يخبر الناس بحديث الأولين والآخرين أعجب من كلامي، فانطلق الراعي حتى جاء رسول الله ﷺ فأخبره وأسلّم، فقال له رسول الله ﷺ :
حدث به الناس * قال الحافظ ابن عدىّ: قال لنا أبو بكر بن أبى داود: ولد هذا الراعي يقال لهم:
بنو مكلم الذئب، ولهم أموال ونعم، وهم من خزاعة، واسم مكلم الذئب أهبان، قال: ومحمد بن أشعث الخزاعي من ولده * قال البيهقي: فدل على اشتهار ذلك، وهذا مما يقوى الحديث * وقد روى من حديث محمد بن إسماعيل البخاري في التاريخ، حدثني أبو طلحة، حدثني سفيان بن حمزة الأسلمي، سمع عبد الله بن عامر الأسلمي، عن ربيعة بن أوس، عن أنس بن عمرو عن أهبان بن أوس قال:
كنت في غنم لي فكلمه الذئب وأسلّم، قال البخاري: إسناده ليس بالقوى * ثم روى البيهقي عن أبى عبد الرحمن السلمي، سمعت الحسين بن أحمد الرازيّ، سمعت أبا سليمان المقري يقول: خرجت في بعض البلدان على حمار فجعل الحمار يحيد بى عن الطريق فضربت رأسه ضربات فرفع رأسه إلى وقال لي: اضرب يا أبا سليمان فإنما على دماغك هو ذا يضرب، قال: قلت له: كلمك كلاما يفهم! قال:
كما تكلمني وأكلمك.
حديث آخر عن أبى هريرة في الذئب على وجه آخر
وقد قال سعيد بن مسعود: ثنا حبان بن على، ثنا عبد الملك بن عمير، عن أبى الأوس الحارثي
стр. 1914
عن أبى هريرة قال: جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي ﷺ وجعل يبصبص بذنبه، فقال رسول الله ﷺ : هذا وافد الذئاب، جاء ليسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئا، قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرا فرماه فأدبر الذئب وله عواء، فقال رسول الله ﷺ : الذئب، وما الذئب؟ * وقد رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى عبد الله الأصبهاني عن محمد بن مسلمة عن يزيد بن هارون عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن رجل به * ورواه الحافظ أبو بكر البزار عن محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة عن عبد الملك بن عمير عن رجل عن مكحول عن أبى هريرة فذكره * وعن يوسف بن موسى عن جرير بن عبد الحميد عن عبد الملك بن عمير، عن أبى الأوبر، عن أبى هريرة قال: صلّى رسول الله ﷺ يوما صلاة الغداة ثم قال: هذا الذئب وما الذئب؟ جاءكم يسألكم أن تعطوه أو تشركوه في أموالكم، فرماه رجل بحجر فمر أو ولى وله عواء *
وقال محمد بن إسحاق عن الزهري عن حمزة بن أبى أسيد قال: خرج رسول الله ﷺ في جنازة رجل من الأنصار بالبقيع فإذا الذئب مفترشا ذراعيه على الطريق، فقال رسول الله ﷺ : هذا جاء يستفرض فافرضوا له، قالوا: ترى رأيك يا رسول الله، قال: من كل سائمة شاة في كل عام، قالوا: كثير، قال: فأشار إلى الذئب أن خالسهم، فانطلق الذئب، رواه البيهقي *
وروى الواقدي عن رجل سماه عن المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: بينا رسول الله ﷺ في المدينة إذ أقبل ذئب فوقف بين يديه، فقال:
هذا وافد السباع إليكم فان أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه واحترزتم منه فما أخذ فهو رزقه، فقالوا: يا رسول الله ما تطيب أنفسنا له بشيء، فأومأ إليه بأصابعه الثلاث أن خالسهم، قال: فولى وله عواء *
وقال أبو نعيم: ثنا سليمان بن أحمد، ثنا معاذ بن المثنى، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، ثنا الأعمش، عن شمر بن عطية عن رجل من مزينة أن جهينة قال:
أتت وفود الذئاب قريب من مائة ذئب حين صلّى رسول الله ﷺ فأقعين، فقال رسول الله ﷺ :
هذه وفود الذئاب، جئنكم يسألنكم لتفرضوا لهن من قوت طعامكم وتأمنوا على ما سواه، فشكوا إليه الحاجة، قال: فأدبروهم قال: فخرجن ولهن عواء.
[وقد تكلم القاضي عياض على حديث الذئب فذكر عن أبى هريرة وأبى سعيد وعن أهبان ابن أوس وأنه كان يقال له: مكلم الذئب، قال: وقد روى ابن وهب أنه جرى مثل هذا لأبى سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، مع ذئب وجداه أخذ صبيا فدخل الصبى الحرم فانصرف الذئب فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزى لأن ذكرت هذا بمكة ليتركنها أهلوها].
стр. 1915
قصة الوحش الّذي كان في بيت النبي ﷺ وكان يحترمه ﵇ ويوقره ويجله
قال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم، ثنا يونس عن مجاهد قال: قالت عائشة ﵂:
كان لآل رسول الله ﷺ وحش، فإذا خرج رسول الله ﷺ لعب واشتد، وأقبل وأدبر، فإذا أحسّ برسول الله ﷺ قد دخل ربض فلم يترمرم ما دام رسول الله ﷺ في البيت كراهية أن يؤذيه * ورواه أحمد أيضا عن وكيع وعن قطن كلاهما عن يونس - وهو ابن أبى إسحاق السبيعي -.
وهذا الاسناد على شرط الصحيح. ولم يخرجوه وهو حديث مشهور والله أعلم.
قصة الأسد
وقد ذكرنا في ترجمة سفينة مولى رسول الله ﷺ حديثه حين انكسرت بهم السفينة فركب لوحا منها حتى دخل جزيرة في البحر فوجد فيها الأسد، فقال له: يا أبا الحارث إني سفينة مولى رسول الله ﷺ ، قال: فضرب منكبى وجعل يحاذينى حتى أقامنى على الطريق، ثم همهم ساعة فرأيت أنه يود عنى * وقال عبد الرزاق: ثنا معمر عن الحجبي عن محمد بن المنكدر أن سفينة مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش بأرض الروم، أو أسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد، فقال: يا أبا الحارث إني مولى رسول الله ﷺ ، كان من أمرى كيت وكيت، فأقبل الأسد يبصبصه حتى قام إلى جنبه، كلما سمع صوته أهوى إليه، ثم أقبل يمشى إلى جنبه، فلم يزل كذلك حتى أبلغه الجيش، ثم رجع الأسد عنه * رواه البيهقي.
حديث الغزالة
قال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني ﵀ في كتابه دلائل النبوة: حدثنا سليمان بن أحمد - إملاء - ثنا محمد بن عثمان بن أبى شيبة، ثنا إبراهيم بن محمد بن ميمون، ثنا عبد الكريم بن هلال الجعفي عن صالح المري، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك قال: مر رسول الله ﷺ على قوم قد اصطادوا ظبية فشدوها على عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله، إني أخذت ولى خشفان، فاستأذن لي أرضعهما وأعود إليهم، فقال: أين صاحب هذه؟ فقال القوم: نحن يا رسول الله، قال:
خلوا عنها حتى تأتى خشفيها ترضعهما وترجع إليكم. فقالوا: من لنا بذلك؟ قال أنا، فأطلقوها فذهبت فأرضعت ثم رجعت إليهم فأوثقوها، فمرّ بهم رسول الله ﷺ فقال: أين أصحاب هذه؟ فقالوا: هو ذا نحن يا رسول الله، فقال. تبيعونيها؟ فقالوا: هي لك يا رسول الله، فقال: خلوا عنها، فأطلقوها فذهبت * وقال أبو نعيم: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد الغطريفى - من أصله -، ثنا أحمد ابن موسى بن أنس بن نصر بن عبيد الله بن محمد بن سيرين بالبصرة، ثنا زكريا بن يحيى بن خلاد، ثنا حبان بن أغلب بن تميم، ثنا أبى، عن هشام بن حبان عن الحسن، عن ضبة بن محصن، عن
стр. 1916
أم سلمة زوج النبي ﷺ قالت: بينا رسول الله ﷺ في حجر من الأرض إذا هاتف يهتف:
يا رسول الله، يا رسول الله، قال فالتفت فلم أر أحدا، قال: فمشيت غير بعيد فإذا الهاتف: يا رسول الله، يا رسول الله، قال: فالتفت فلم أر أحدا، وإذا الهاتف يهتف بى، فاتبعت الصوت وهجمت على ظبية مشدودة في وثاق، وإذا أعرابى منجدل في شملة نائم في الشمس، فقالت الظبية: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي صادني قبل، ولى خشفان في هذا الجبل، فان رأيت أن تطلقني حتى أرضعهما ثم أعود إلى وثاقي؟ قال: وتفعلين؟ قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أفعل، فأطلقها رسول الله ﷺ .
فمضت فأرضعت الخشفين وجاءت، قال: فبينا رسول الله ﷺ يوثقها إذ انتبه الأعرابي، فقال: بأبي أنت وأمى يا رسول الله، إني أصبتها قبيلا. فلك فيها من حاجة؟ قال: قلت: نعم، قال: هي لك، فأطلقها فخرجت تعدو في الصحراء فرحا وهي تضرب برجليها في الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله * قال أبو نعيم: وقد رواه آدم بن أبى إياس فقال: حدثني حبي الصدوق، نوح ابن الهيثم، عن حبان بن أغلب، عن أبيه، عن هشام بن حبان ولم يجاوزه به، [وقد رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتابه دلائل النبوة من حديث إبراهيم بن مهدي عن ابن أغلب بن تميم عن أبيه عن هشام بن حبان عن الحسن بن ضبة بن أبى سلمة به] *
وقال الحافظ أبو بكر البيهقي:
أنبأنى أبو عبد الله الحافظ - إجازة - أنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم الشيباني: ثنا أحمد بن حازم ابن أبى عروة الغفاريّ، ثنا على بن قادم، ثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية عن أبى سعيد قال: مر النبي ﷺ بظبية مربوطة إلى خباء فقالت: يا رسول الله خلنى حتى أذهب فأرضع خشفىّ ثم أرجع فتر بطني، فقال رسول الله ﷺ : صيد قوم وربيطة قوم، قال: فأخذ عليها فحلفت له، قال: فحلها، فما مكثت إلا قليلا حتى جاءت وقد نفضت ما في ضرعها، فربطها رسول الله ﷺ ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم فوهبوها له فحلها، ثم قال رسول الله ﷺ لو تعلم البهائم من الموت ما تعلمون، ما أكلتم منها سمينا أبدا * قال البيهقي: وروى من وجه آخر ضعيف:
أخبرنا أبو بكر أحمد بن الحسن القاضي، أنا أبو على حامد بن محمد الهروي، ثنا بشر بن موسى، ثنا أبو حفص عمر بن على، ثنا يعلى بن إبراهيم الغزالي، ثنا الهيثم بن حماد عن أبى كثير عن يزيد بن أرقم قال:
كنت مع النبي ﷺ في بعض سكك المدينة، قال: فمررنا بخباء أعرابى فإذا ظبية مشدودة إلى الخباء فقالت: يا رسول الله، إن هذا الأعرابي اصطادنى، وإن لي خشفين في البرية، وقد تعقد اللبن في أخلافى، فلا هو يذبحنى فأستريح، ولا هو يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية. فقال لها رسول الله ﷺ : إن تركتك ترجعين؟ قالت: نعم وإلا عذبني الله عذاب العشار، قال: فأطلقها رسول الله ﷺ فلم تلبث أن جاءت تلمض، فشدها رسول الله ﷺ إلى الخباء، وأقبل الأعرابي
стр. 1917
ومعه قربة فقال له رسول الله ﷺ : أتبيعنيها؟ قال: هي لك يا رسول الله، فأطلقها رسول الله ﷺ * قال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسبح في البرية. وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله * ورواه أبو نعيم: ثنا أبو على محمد بن أحمد بن الحسن بن مطر، ثنا بشر بن موسى فذكره * قلت: وفي بعضه نكارة والله أعلم * وقد ذكرنا في باب تكثيره ﵇ اللبن حديث تلك الشاة التي جاءت وهي في البرية،
فأمر رسول الله ﷺ الحسن بن سعيد مولى أبى بكر أن يحلبها فحلبها، وأمره أن يحفظها فذهبت وهو لا يشعر، فقال رسول الله ﷺ : ذهب بها الّذي جاء بها * وهو مروى من طريقين عن صحابيين كما تقدم والله أعلم.
حديث الضب على ما فيه من النكارة والغرابة
قال البيهقي: أنا أبو منصور أحمد بن على الدامغانيّ من ساكني قرية نامين من ناحية بيهق - قراءة عليه من أصل كتابه - ثنا أبو أحمد عبد الله بن عدي الحافظ - في شعبان سنة اثنتين وثلاثمائة - ثنا محمد بن الوليد السلمي، ثنا محمد بن عبد الأعلى، ثنا معمر بن سليمان، ثنا كهمس، عن داود بن أبى هند، عن عامر بن عمر، عن عمر بن الخطاب، أن رسول الله ﷺ كان في محفل من أصحابه إذ جاء أعرابى من بنى سليم قد صاد ضبا وجعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلما رأى الجماعة قال: ما هذا؟ قالوا: هذا الّذي يذكر أنه نبي، فجاء فشق الناس فقال: واللات والعزى ما شملت السماء على ذي لهجة أبغض إلي منك، ولا أمقت منك، ولولا أن يسميني قومي عجولا لعجلت عليك فقتلتك فسررت بقتلك الأسود والأحمر والأبيض وغيرهم. فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فأقوم فأقتله. قال: يا عمر أما علمت أن الحليم كاد أن يكون نبيا؟ ثم أقبل على الأعرابي وقال: ما حملك على أن قلت ما قلت وقلت غير الحق ولم تكرمني في مجلسى؟ فقال: وتكلمني أيضا؟ - استخفافا برسول الله ﷺ واللات والعزى لا آمنت بك أويؤمن بك هذا الضب - وأخرج الضب من كمه وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ :
يا ضب، فأجابه الضب بلسان عربي مبين يسمعه القوم جميعا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة قال: من تعبد يا ضب؟ قال: الّذي في السماء عرشه، وفي الأرض سلطانه، وفي البحر سبيله، وفي الجنة رحمته، وفي النار عقابه، قال: فمن أنا يا ضب؟ فقال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدقك، وقد خاب من كذبك، فقال الأعرابي والله لا أتبع أثرا بعد عين، والله لقد جئتك وما على ظهر الأرض أبغض إليّ منك، وإنك اليوم أحب إليّ من والدي ومن عيني ومنى، وإني لأحبك بداخلى وخارجي، وسرى وعلانيتي، وأشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فقال رسول الله: الحمد لله الّذي هداك بى، إن هذا الدين يعلو ولا يعلى ولا يقبل إلا بصلاة، ولا تقبل
стр. 1918
الصلاة إلا بقرآن، قال: فعلمني، فعلمه قل هو الله أحد، قال: زدني فما سمعت في البسيط ولا في الوجيز أحسن من هذا، قال: يا أعرابى إن هذا كلام الله، ليس بشعر، إنك إن قرأت قل هو الله أحد مرة كان لك كأجر من قرأ ثلث القرآن، وإن قرأتها مرتين كان لك كأجر من قرأ ثلثي القرآن، وإذا قرأتها ثلاث مرات كان لك كأجر من قرأ القرآن كله، قال الأعرابي: نعم الإله إلهنا. يقبل اليسير ويعطى الجزيل. فقال رسول الله ﷺ : ألك مال؟ فقال: ما في بنى سليم قاطبة رجل هو أفقر منى، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: أعطوه، فأعطوه حتى أبطروه، قال: فقام عبد الرحمن بن عوف فقال: يا رسول الله، إن له عندي ناقة عشراء، دون البختية وفوق الأعرى، تلحق ولا تلحق أهديت إليّ يوم تبوك، أتقرب بها إلى الله فأدفعها إلى الأعرابي؟ فقال رسول الله ﷺ :
وصفت ناقتك، فأصف ما لك عند الله يوم القيامة؟ قال: نعم، قال: لك ناقة من درة جوفاء قوائمها من زبرجد أخضر وعنقها من زبرجد أصفر عليها هودج، وعلى الهودج السندس والإستبرق، وتمر بك على الصراط كالبرق الخاطف. يغبطك بها كل من رآك يوم القيامة» فقال عبد الرحمن: قد رضيت. فخرج الأعرابي فلقيه ألف أعرابى من بنى سليم على ألف دابة، معهم ألف سيف وألف رمح، فقال لهم: أين تريدون؟ قالوا: نذهب إلى هذا الّذي سفه آلهتنا فنقتله. قال: لا تفعلوا، أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وحدثهم الحديث، فقالوا بأجمعهم: نشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ثم دخلوا، فقيل لرسول الله، فتلقاهم بلا رداء، ونزلوا عن ركبهم يقبلون حيث ولوا عنه وهم يقولون لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم قالوا: يا رسول الله: مرنا بأمرك. قال:
كونوا تحت راية خالد بن الوليد * فلم يؤمن من العرب ولا من غيرهم ألف غيرهم * قال البيهقي: قد أخرجه شيخنا أبو عبد الله الحافظ في المعجزات بالإجازة عن أبى أحمد بن عدي الحافظ * قلت، ورواه الحافظ أبو نعيم في الدلائل عن أبى القاسم بن أحمد الطبراني - إملاء وقراءة -: حدثنا محمد ابن على بن الوليد السلمي البصري أبو بكر بن كنانة. فذكر مثله. ورواه أبو بكر الإسماعيلي عن محمد ابن على بن الوليد السلمي. قال البيهقي: روى في ذلك عن عائشة وأبى هريرة، وما ذكرناه هو أمثل الأسانيد فيه وهو أيضا ضعيف، والحمل فيه على هذا السلمي، والله أعلم.
[حديث الحمار
وقد أنكره غير واحد من الحفاظ الكبار
فقال أبو محمد بن عبد الله بن حامد: أخبرنا أبو الحسن أحمد بن حمدان السحركى، حدثنا عمر بن محمد بن بجير، حدثنا أبو جعفر محمد بن يزيد - إملاء -، أنا أبو عبد الله محمد بن عقبة بن أبى الصهباء، حدثنا أبو حذيفة عن عبد الله بن حبيب الهذلي عن أبى عبد الرحمن السلمي عن أبى منظور قال: لما فتح الله على نبيه ﷺ خيبر أصابه من سهمه أربعة
стр. 1919
أزواج بغال وأربعة أزواج خفاف، وعشر أواق ذهب وفضة، وحمار أسود، ومكتل، قال: فكلم النبي ﷺ الحمار فكلمه الحمار، فقال له: ما اسمك، قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارا كلهم لم يركبهم إلا نبي، لم يبق من نسل جدي غيري، ولا من الأنبياء غيرك، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، قد كنت قبلك لرجل يهودي، وكنت أعثر به عمدا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال النبي ﷺ : سميتك يعفور، يا يعفور، قال: لبيك، قال: تشتهي الإناث؟ قال: لا، فكان النبي ﷺ يركبه لحاجته، فإذا نزل عنه بعث به إلى باب الرجل فيأتى الباب فيقرعه برأسه فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله ﷺ ، فلما قبض النبي ﷺ جاء الى بئر كان لأبى الهيثم بن النبهان فتردى فيها فصارت قبره جزعا منه على رسول الله ﷺ ] (١)
حديث الحمرة وهو طائر مشهور
قال أبو داود الطيالسي: ثنا المسعودي عن الحسن بن سعد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فدخل رجل غيطة فأخرج بيضة حمرة فجاءت الحمرة ترف على رسول الله وأصحابه، فقال: أيكم فجع هذه؟ فقال رجل من القوم: أنا أخذت بيضتها، فقال: رده رده رحمة بها *
وروى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار: ثنا أبو معاوية عن أبى إسحاق الشيباني عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه قال: كنا مع رسول الله في سفر فمررنا بشجرة فيها فرخا حمرة فأخذناهما، قال: فجاءت الحمرة إلى رسول الله ﷺ وهي تفرّش، فقال: من فجع هذه بفرخيها؟ قال: فقلنا: نحن، قال: ردوهما، فرددناهما إلى موضعهما فلم ترجع *
حديث آخر في ذلك وفيه غرابة
قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ ومحمد بن الحسين بن داود العلويّ قالا: ثنا أبو العباس محمد ابن يعقوب الأموي، ثنا محمد بن عبيد بن عتبة الكندي، ثنا محمد بن الصلت، ثنا حبان، ثنا أبو سعيد البقال، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أراد الحاجة أبعد، قال: فذهب يوما فقعد تحت سمرة ونزع خفيه، قال: ولبس أحدهما، فجاء طير فأخذ الخفّ الآخر فحلّق به في السماء. فانسلت منه أسود سالخ، فقال رسول الله ﷺ : هذه كرامة أكرمنى الله بها، اللهمّ إني أعوذ بك من شر ما مشى على رجليه، ومن شر ما يمشى على بطنه.
حديث آخر
قال البخاري: ثنا محمد بن المثنى، ثنا معاذ، حدثني أبى عن قتادة قال: حدثنا أنس بن مالك
стр. 1920
أن رجلين من أصحاب النبي ﷺ خرجا من عند النبي ﷺ ومعهما مثل المصباحين بين أيديهما، فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله * وقال عبد الرزاق: أنا معمر، عن ثابت، عن أنس أن أسيد بن حضير الأنصاري ورجلا آخر من الأنصاري تحدثا عند النبي ﷺ في حاجة لهما حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة حتى خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان، وبيد كل واحد منهما عصية فأضاءت عصى أحدهما لهما حتى مشيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه حتى مشى في ضوئها حتى أتى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ أهله * وقد علقه البخاري. فقال: وقال معمر فذكره * وعلقه البخاري أيضا عن حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس: أن عباد بن بشر وأسيد بن حضير خرجا من عند النبي ﷺ ، فذكر مثله * وقد رواه النسائي عن أبى بكر بن نافع عن بشر بن أسيد، وأسنده البيهقي من طريق يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة به.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الأصبهاني، ثنا أحمد ابن مهران، ثنا عبيد الله بن موسى، أنا كامل بن العلاء، عن أبى صالح، عن أبى هريرة. قال:
كنا نصلّى مع رسول الله ﷺ العشاء وكان يصلّى فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما فوضعهما وضعا رفيقا، فإذا عاد عادا، فلما صلّى جعل واحدا هاهنا وواحدا هاهنا، فجئته فقلت يا رسول الله ألا أذهب بهما إلى أمهما؟ فبرقت برقة فقال: الحقا بأمكما، فما زالا يمشيان في ضوئها حتى دخلا.
حديث آخر
قال البخاري في التاريخ: حدثني أحمد بن الحجاج، ثنا سفيان بن حمزة، عن كثير بن يزيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فتفرقنا في ليلة ظلماء دحسة، فأضاءت أصابعى حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعى لتنير * ورواه البيهقي من حديث إبراهيم بن المنذر الحزامي. عن سفيان بن حمزة * ورواه الطبراني من حديث إبراهيم ابن حمزة الزهري عن سفيان بن حمزة به.
حديث آخر
قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو محمد بن أحمد بن عبد الله المدني، ثنا محمد بن عبد الله الحضرميّ، ثنا أبو كريب، ثنا زيد بن الحباب، ثنا عبد الحميد بن أبى عبس الأنصاري من بنى حارثة، أخبرنى ميمون بن زيد بن أبى عبس، أخبرنى أبى أن أبا عبس، كان يصلّى مع
стр. 1921
رسول الله ﷺ الصلوات ثم يرجع إلى بنى حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنوّر له في عصاه حتى دخل دار بنى حارثة * قال البيهقي: أبو عبس ممن شهد بدرا. قلت: وروينا عن يزيد بن الأسود وهو من التابعين أنه كان يشهد الصلاة بجامع دمشق من جسرين فربما أضاءت له إبهام قدمه في الليلة المظلمة * وقد قدمنا في قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسيّ بمكة قبل الهجرة، وأنه سأل رسول الله ﷺ آية يدعو قومه بها، فلما ذهب إليهم وانهبط من الثنية أضاء له نور بين عينيه. فقال: اللهمّ [لا] يقولوا: هو مثلة. فحوله الله إلى طرف سوطه حتى جعلوا يرونه مثل القنديل.
حديث آخر فيه كرامة لتميم الداريّ
روى الحافظ البيهقي من حديث عفان بن مسلّم عن حماد بن سلمة عن الجريريّ عن معاوية ابن حرمل قال: خرجت نار بالحرة فجاء عمر إلى تميم الداريّ فقال: قم إلى هذه النار، قال: يا أمير المؤمنين ومن أنا وما أنا؟ قال: فلم يزل به حتى قام معه، قال: وتبعتهما، فانطلقا إلى النار، فجعل تميم يحوشها بيديه حتى دخلت الشّعب ودخل تميم خلفها، قال: فجعل عمر يقول: ليس من رأى كمن لم ير، قالها ثلاثا.
حديث فيه كرامة لو لي من هذه الأمة
وهي معدودة من المعجزات لأن كل ما يثبت لو لي فهو معجزة لنبيه.
قال الحسن بن عروة: ثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد عن أبى سبرة النخعي، قال: أقبل رجل من اليمن فلما كان ببعض الطريق، نفق حماره فقام فتوضأ ثم صلّى ركعتين ثم قال:
اللهمّ إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وأنا أشهد أنك تحيى الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ اليوم منة، أطلب إليك اليوم أن تبعث حماري، فقام الحمار ينفض أذنيه، قال البيهقي: هذا إسناد صحيح * ومثل هذا يكون كرامة لصاحب الشريعة * قال البيهقي:
وكذلك رواه محمد بن يحيى الذهلي وغيره عن محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي وكأنه عند إسماعيل عنهما والله أعلم.
طريق أخرى
قال أبو بكر بن أبى الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت»: حدثنا إسحاق بن إسماعيل وأحمد بن بجير وغيرهما قالوا: ثنا محمد بن عبيد عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي أن قوما أقبلوا من اليمن متطوعين في سبيل الله فنفق حمار رجل منهم فأرادوه أن ينطلق معهم فأبى، فقام فتوضأ وصلّى ثم قال: اللهمّ إني جئت من الدفينة مجاهدا في سبيلك وابتغاء مرضاتك، وإني أشهد أنك تحيى الموتى وتبعث من في القبور، لا تجعل لأحد عليّ منة، فانى أطلب إليك أن تبعث لي حماري ثم قام
стр. 1922
إلى الحمار فقام الحمار ينفض أذنيه فأسرجه وألجمه، ثم ركبه وأجراه فلحق بأصحابه، فقالوا له: ما شأنك؟ قال: شأنى أن الله بعث حماري * قال الشعبي: فأنا رأيت الحمار بيع أو يباع في الكناسة - يعنى بالكوفة - * قال ابن أبى الدنيا: وأخبرنى العباس بن هشام عن أبيه عن جده عن مسلّم بن عبد الله بن شريك النخعي، أن صاحب الحمار رجل من النخع، يقال له نباتة بن يزيد، خرج في زمن عمر غازيا، حتى إذا كان يلقى عميرة نفق حماره فذكر القصة، غير أنه قال: فباعه بعد بالكناسة فقيل له: تبيع حمارك وقد أحياه الله لك؟ قال: فكيف أصنع؟ وقد قال رجل من رهطه ثلاثة أبيات فحفظت هذا البيت:
ومنا الّذي أحيا الإله حماره … وقد مات منه كل عضو ومفصل
وقد ذكرنا في باب رضاعه ﵇، ما كان من حمارة حليمة السعدية وكيف كانت تسبق الركب في رجوعها لما ركب معها عليها رسول الله ﷺ وهو رضيع، وقد كانت أدمت بالركب في مسيرهم إلى مكة. وكذلك ظهرت بركته عليهم في شارفهم - وهي الناقة التي كانوا يحلبونها - وشياههم وسمنهم وكثرة ألبانها، صلوات الله وسلامه عليه.
قصة أخرى مع قصة العلاء بن الحضرميّ
قال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثني خالد بن خداش بن عجلان المهلبي وإسماعيل بن بشار قالا:
ثنا صالح المزي عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: عدنا شابا من الأنصار، فما كان بأسرع من أن مات فأغمضناه ومددنا عليه الثوب، وقال بعضنا لأمه: احتسبيه، قالت: وقد مات؟ قلنا: نعم، فمدت يديها إلى السماء وقالت: اللهمّ إني آمنت بك، وهاجرت إلى رسولك، فإذا نزلت بى شدة دعوتك ففرجتها، فأسألك اللهمّ لا تحمل على هذه المصيبة، قال: فكشف الثوب عن وجهه فما برحنا حتى أكلنا وأكل معنا * وقد رواه البيهقي عن أبى سعيد الماليني عن ابن عدي عن محمد ابن طاهر بن أبى الدميل عن عبد الله بن عائشة عن صالح بن بشير المزني - أحد زهاد البصرة وعبادها - مع لين في حديثه عن أنس فذكر القصة وفيه أن أم السائب كانت عجوزا عمياء * قال البيهقي: وقد روى من وجه آخر مرسل - يعنى فيه انقطاع - عن ابن عدي وأنس بن مالك * ثم ساقه من طريق عيسى بن يونس عن عبد الله بن عون عن أنس قال: أدركت في هذه الأمة ثلاثا لو كانت في بنى إسرائيل لما تقاسمها الأمم، قلنا: ما هي يا أبا حمزة؟ قال: كنا في الصفة عند رسول الله ﷺ فأتته امرأة مهاجرة ومعها ابن لها قد بلغ، فأضاف المرأة إلى النساء وأضاف ابنها إلينا، فلم يلبث أن أصابه وباء المدينة فمرض أياما ثم قبض، فغمضه النبي ﷺ وأمر بجهازه، فلما أردنا أن نغسله قال: يا أنس ائت أمه فأعلمها، فأعلمتها، قال: فجاءت حتى جلست عند قدميه فأخذت بهما ثم
стр. 1923
قالت: اللهمّ إني أسلمت لك طوعا، وخالفت الأوثان زهدا، وهاجرت لك رغبة، اللهمّ لا تشمت بى عبدة الأوثان، ولا تحملني من هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحملها، قال: فو الله ما انقضى كلامها حتى حرك قدميه وألقى الثوب عن وجهه وعاش حتى قبض الله رسوله ﷺ ، وحتى هلكت أمه * قال: ثم جهز عمر بن الخطاب جيشا واستعمل عليهم العلاء بن الحضرميّ، قال أنس: وكنت في غزاته فأتينا مغازينا فوجدنا القوم قد بدروا بنا فعفوا آثار الماء، والحر شديد، فجهدنا العطش ودوابنا وذلك يوم الجمعة، فلما مالت الشمس لغروبها صلّى بنا ركعتين ثم مد يده إلى السماء، وما نرى في السماء شيئا. قال: فو الله ما حط يده حتى بعث الله ريحا وأنشأ سحابا وأفرغت حتى ملأت الغدر والشعاب، فشربنا وسقينا ركابنا واستقينا، ثم أتينا عدونا وقد جاوزوا خليجا في البحر إلى جزيرة، فوقف على الخليج وقال: يا على، يا عظيم، يا حليم، يا كريم، ثم قال: أجيزوا بسم الله، قال: فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، فلم نلبث إلا يسيرا فأصبنا العدو عليه فقتلنا وأسرنا وسبينا، ثم أتينا الخليج، فقال مثل مقالته، فأجزنا ما يبل الماء حوافر دوابنا، قال: فلم نلبث إلا يسيرا حتى رمى في جنازته، قال:
فحفرنا له وغسلناه ودفناه، فأتى رجل بعد فراغنا من دفنه فقال: من هذا؟ فقلنا: هذا خير البشر، هذا ابن الحضرميّ، فقال: إن هذه الأرض تلفظ الموتى، فلو نقلتموه إلى ميل أو ميلين، إلى أرض تقبل الموتى، فقلنا: ما جزاء صاحبنا أن نعرضه للسباع تأكله، قال: فاجتمعنا على نبشه، فلما وصلنا إلى اللحد إذا صاحبنا ليس فيه، وإذا اللحد مد البصر نور يتلألأ، قال: فأعدنا التراب إلى اللحد ثم ارتحلنا * قال البيهقي ﵀: وقد روى عن أبى هريرة في قصة العلاء بن الحضرميّ في استسقائه ومشيهم على الماء دون قصة الموت بنحو من هذا * وذكر البخاري في التاريخ لهذه القصة إسنادا آخر، وقد أسنده ابن أبى الدنيا عن أبى كريب عن محمد بن فضيل عن الصلت بن مطر العجليّ عن عبد الملك بن سهم عن سهم بن منجاب قال: غزونا مع العلاء بن الحضرميّ، فذكره.
وقال في الدعاء: يا عليم، يا حليم، يا على، يا عظيم، إنا عبيدك وفي سبيلك نقاتل عدوك، اسقنا غيثا نشرب منه ونتوضأ، فإذا تركناه فلا تجعل لأحد فيه نصيبا غيرنا، وقال في البحر: اجعل لنا سبيلا إلى عدوك، وقال في الموت: أخف جثتي ولا تطلع على عورتي أحدا فلم يقدر عليه * والله أعلم.
قصة أخرى
قال البيهقي: أنا الحسين بن بشران، أنا إسماعيل الصفار، ثنا الحسن بن على بن عثمان، ثنا ابن نمير عن الأعمش عن بعض أصحابه قال: انتهينا إلى دجلة وهي مادة والأعاجم خلفها، فقال رجل من المسلمين: بسم الله، ثم اقتحم بفرسه فارتفع على الماء، فقال الناس: بسم الله ثم اقتحموا فارتفعوا على الماء فنظر إليهم الأعاجم وقالوا: ديوان ديوان، ثم ذهبوا على وجوههم * قال: فما فقد
стр. 1924
الناس إلا قدحا كان معلقا بعذبة سرج، فلما خرجوا أصابوا الغنائم فاقتسموها فجعل الرجل يقول:
من يبادل صفراء ببيضاء؟.
قصة أخرى
قال البيهقي: أنا أبو عبد الرحمن السلمي، أنا أبو عبد الله بن محمد السمري، ثنا أبو العباس السراج، ثنا الفضل بن سهل وهارون بن عبد الله قالا: ثنا أبو النضر، ثنا سليمان بن المغيرة أن أبا مسلّم الخولانيّ جاء إلى دجلة وهي ترمى بالخشب من مدّها، فمشى على الماء والتفت إلى أصحابه وقال: هل تفقدون من متاعكم شيئا فندعو الله ؟ قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. قلت: وستأتي قصة مسلّم الخولانيّ - واسمه عبد الله بن ثوب - مع الأسود العنسيّ حين ألقاه في النار فكانت عليه بردا وسلاما كما كانت على الخليل إبراهيم ﵇.
قصة زيد بن خارجة وكلامه بعد الموت
وشهادته بالرسالة لمحمد ﷺ وبالخلافة لأبى بكر الصديق ثم لعمر ثم لعثمان ﵃.
قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أنا أبو صالح بن أبى طاهر العنبري، أنا جدي يحيى بن منصور القاضي، ثنا أبو على بن محمد بن عمرو بن كشمرد، أنا القعنبي، أنا سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن زيد بن خارجة الأنصاري ثم من بنى الحارث بن الخزرج توفى زمن عثمان ابن عفان فسجى بثوبه، ثم إنهم سمعوا جلجلة في صدره ثم تكلم ثم قال: أحمد أحمد في الكتاب الأول، صدق صدق أبو بكر الصديق الضعيف في نفسه القوى في أمر الله، في الكتاب الأول، صدق صدق عمر بن الخطاب القوى الأمين في الكتاب الأول، صدق صدق عثمان بن عفان على منهاجهم مضت أربع وبقيت ثنتان أتت بالفتن، وأكل الشديد الضعيف وقامت الساعة وسيأتيكم عن جيشكم خبر، بئر أريس، وما بئر أريس * قال يحيى: قال سعيد: ثم هلك رجل من بنى خطمة فسجى بثوبه، فسمع جلجلة في صدره، ثم تكلم فقال: إن أخا بنى الحارث بن الخزرج صدق صدق * ثم رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى بكر بن إسحاق عن موسى بن الحسن عن القعنبي فذكره وقال:
هذا إسناد صحيح وله شواهد * ثم ساقه من طريق أبى بكر عبد الله بن أبى الدنيا في كتاب «من عاش بعد الموت»: حدثنا أبو مسلّم عبد الرحمن بن يونس، ثنا عبد الله بن إدريس عن إسماعيل بن أبى خالد. قال: جاء يزيد بن النعمان بن بشير إلى حلقة القاسم بن عبد الرحمن بكتاب أبيه النعمان ابن بشير - يعنى إلى أمه - بسم الله الرحمن الرحيم من النعمان بن بشير إلى أم عبد الله بنت أبى هاشم، سلام عليك فانى أحمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو فإنك كتبت إليّ لأكتب إليك بشأن زيد بن خارجة، وأنه كان من شأنه أنه أخذه وجع في حلقه - وهو يومئذ من أصح الناس أو أهل
стр. 1925
المدينة - فتوفى بين صلاة الأولى وصلاة العصر فأضجعناه لظهره وغشيناه ببردين وكساء، فأتانى آت في مقامي، وأنا أسبح بعد المغرب فقال: إن زيدا قد تكلم بعد وفاته، فانصرفت إليه مسرعا، وقد حضره قوم من الأنصار، وهو يقول أو يقال على لسانه: الأوسط أجلد الثلاثة الّذي كان لا يبالي في الله لومة لائم، كان لا يأمر الناس أن يأكل قويهم ضعيفهم، عبد الله أمير المؤمنين صدق صدق كان ذلك في الكتاب الأول. ثم قال: عثمان أمير المؤمنين وهو يعافى الناس من ذنوب كثيرة، خلت اثنتان وبقي أربع، ثم اختلف الناس وأكل بعضهم بعضا فلا نظام وأنتجت الأكماء، ثم ارعوى المؤمنين (١) وقال: كتاب الله وقدره، أيها الناس: أقبلوا على أميركم واسمعوا وأطيعوا، فمن تولى فلا يعهدن دما وكان أمر الله قدرا مقدورا، الله أكبر هذه الجنة وهذه النار، ويقول النبيون والصديقون: سلام عليكم: يا عبد الله بن رواحة هل أحسست لي خارجة لأبيه وسعدا اللذين قتلا يوم أحد؟ (كلا إنها لظى نزاعة للشوى تدعو من أدبر وتولى وجمع فأوعى) ثم خفت صوته، فسألت الرهط عما سبقني من كلامه، فقالوا: سمعناه يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظر بعضنا إلى بعض فإذا الصوت من تحت الثياب، قال: فكشفنا عن وجهه فقال: هذا أحمد رسول الله، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته، ثم قال: أبو بكر الصديق الأمين، خليفة رسول الله كان ضعيفا في جسمه، قويا في أمر الله صدق صدق وكان في الكتاب الأول * ثم رواه الحافظ البيهقي عن أبى نصر بن قتادة عن أبى عمرو بن بجير عن على بن الحسين عن المعافى بن سليمان عن زهير بن معاوية عن إسماعيل بن أبى خالد فذكره وقال: هذا إسناد صحيح * [وقد روى هشام بن عمار في كتاب البعث عن الوليد بن مسلّم عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني عمير بن هانئ، حدثني النعمان بن بشير قال: توفى رجل منا يقال له: خارجة بن زيد فسجينا عليه ثوبا، فذكر نحو ما تقدم] * قال:
البيهقي: وروى ذلك عن حبيب بن سالم عن النعمان بن بشير وذكر بئر أريس، كما ذكرنا في رواية ابن المسيب. قال البيهقي: والأمر فيها أن النبي ﷺ اتخذ خاتما فكان في يده، ثم كان في يد أبى بكر من بعده، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان حتى وقع منه في بئر أريس، بعد ما مضى من خلافته ست سنين فعند ذلك تغيرت عماله، وظهرت أسباب الفتن كما قيل على لسان زيد بن خارجة. قلت:
وهي المرادة من قوله مضت اثنتان وبقي أربع أو مضت أربع وبقي اثنتان، على اختلاف الرواية والله أعلم * وقد قال البخاري في التاريخ: زيد بن خارجة الخزرجي الأنصاري شهد بدرا، توفى زمن عثمان وهو الّذي تكلم بعد الموت * قال البيهقي: وقد روى في التكلم بعد الموت عن جماعة بأسانيد صحيحة والله أعلم * قال ابن أبى الدنيا: ثنا خلف بن هشام البزار، ثنا خالد الطحان عن حصين
стр. 1926
عن عبد الله بن عبيد الأنصاري أن رجلا من بنى سلمة تكلم فقال: محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عثمان اللين الرحيم، قال: ولا أدرى أيش قال في عمر * كذا رواه ابن أبى الدنيا في كتابه، وقد قال الحافظ البيهقي: أنا أبو سعيد بن أبى عمرو، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا يحيى بن أبى طالب، أنا عليّ بن عاصم، أنا حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن عبيد الأنصاري قال:
بينما هم يثورون القتلى يوم صفين أو يوم الجمل، إذ تكلم رجل من الأنصار من القتلى، فقال: محمد رسول الله أبو بكر الصديق عمر الشهيد عثمان الرحيم ثم سكت * [وقال هشام بن عمار في كتاب البعث.
باب في كلام الأموات وعجائبهم
حدثنا الحكم بن هشام الثقفي، حدثنا عبد الحكم بن عمير عن ربعي بن خراش العبسيّ قال:
مرض أخى الربيع بن خراش فمرضته ثم مات فذهبنا نجهزه، فلما جئنا رفع الثوب عن وجهه ثم قال:
السلام عليكم، قلنا: وعليك السلام، قدمت، قال: بلى ولكن لقيت بعدكم ربى ولقيني بروح وريحان ورب غير غضبان، ثم كساني ثيابا من سندس أخضر، وإني سألته أن يأذن لي أن أبشركم فأذن لي، وإن الأمر كما ترون، فسددوا وقاربوا، وبشروا ولا تنفروا، فلما قالها كانت كحصاة وقعت في ماء * ثم أورد بأسانيد كثيرة في هذا الباب وهي آخر كتابه]. (١)
حديث غريب جدا
قال البيهقي: أنا عليّ بن أحمد بن عبدان، ثنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا محمد بن يونس الكديمي، ثنا شاصونة بن عبيد أبو محمد اليماني - وانصرفنا من عدن بقرية يقال لها الحردة - حدثني معرض بن عبد الله بن معرض بن معيقيب اليماني عن أبيه عن جده قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ ووجهه مثل دارة القمر، وسمعت منه عجبا، جاءه رجل بغلام يوم ولد فقال له رسول الله ﷺ : من أنا؟ قال: أنت رسول الله، قال: صدقت، بارك الله فيك، ثم قال: إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شبّ، قال أبى: فكنا نسميه مبارك اليمامة، قال شاصونة: وقد كنت أمرّ على معمر فلا أسمع منه. قلت: هذا الحديث مما تكلم الناس في محمد ابن يونس الكديمي بسببه وأنكروه عليه واستغربوا شيخه هذا، وليس هذا مما ينكر عقلا ولا شرعا، فقد ثبت في الصحيح في قصة جريج العابد أنه أستنطق ابن تلك البغي، فقال له: يا أبا يونس، ابن من أنت؟ قال: ابن الراعي، فعلم بنو إسرائيل براءة عرض جريج مما كان نسب إليه *
стр. 1927
وقد تقدم ذلك. على أنه قد روى هذا الحديث من غير طريق الكديمي إلا أنه باسناد غريب أيضا *
قال البيهقي: أنا أبو سعد عبد الملك بن أبى عثمان الزاهد، أنا أبو الحسين محمد بن أحمد ابن جميع الغساني - بثغر صيدا -، ثنا العباس بن محبوب بن عثمان بن عبيد أبو الفضل، ثنا أبى، ثنا جدي شاصونة بن عبيد، حدثني معرض بن عبد الله بن معيقيب عن أبيه عن جده. قال: حججت حجة الوداع فدخلت دارا بمكة فرأيت فيها رسول الله ﷺ وجهه كدارة القمر، فسمعت منه عجبا أتاه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد وقد لفه في خرقة، فقال له رسول الله ﷺ : يا غلام من أنا؟ قال: أنت رسول الله، فقال له: بارك الله فيك، ثم إن الغلام لم يتكلم بعدها. قال البيهقي: وقد ذكره شيخنا أبو عبد الله الحافظ عن أبى الحسن على بن العباس الوراق عن أبى الفضل أحمد بن خلف بن محمد المقري القزويني عن أبى الفضل العباس بن محمد بن شاصونة به * قال الحاكم: وقد أخبرنى الثقة من أصحابنا عن أبى عمر الزاهد قال: لما دخلت اليمن دخلت حردة. فسألت عن هذا الحديث فوجدت فيها لشاصونة عقبا، وحملت إلى قبره فزرته * قال البيهقي: ولهذا الحديث أصل من حديث الكوفيين باسناد مرسل يخالفه في وقت الكلام. ثم أورد من
حديث وكيع عن الأعمش عن شمر بن عطية، عن بعض أشياخه أن النبي ﷺ أتى بصبىّ قد شب لم يتكلم قط، قال: من أنا؟ قال: أنت رسول الله.
ثم روى عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن الأعمش عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه قال: جاءت امرأة بابن لها قد تحرك فقالت: يا رسول الله، إن ابني هذا لم يتكلم منذ ولد، فقال رسول الله ﷺ : ادنيه منى، فأدنته منه، فقال: من أنا؟ فقال: أنت رسول الله.
قصة الصبى الّذي كان يصرع فدعا له ﵇ فبرأ
قد تقدم ذلك من رواية أسامة بن زيد وجابر بن عبد الله ويعلى بن مرة الثقفي مع قصة الجمل الحديث بطوله. وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد، ثنا حماد بن سلمة عن فرقد السنجى عن سعيد بن جبير بن عباس أن امرأة جاءت بولدها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله إن به لمما وانه يأخذه عند طعامنا فيفسد علينا طعامنا، قال: فمسح رسول الله ﷺ صدره ودعا له فثع ثعة فخرج منه مثل الجر والأسود يسعى، تفرد به أحمد. وفرقد السنجى رجل صالح ولكنه سيئ الحفظ، وقد روى عنه شعبة وغير واحد واحتمل حديثه ولما رواه هاهنا شاهد مما تقدم والله أعلم * وقد تكون هذه القصة هي كما سبق إيرادها ويحتمل أن تكون أخرى غيرها والله أعلم.
حديث آخر في ذلك
قال أبو بكر البزار: ثنا محمد بن مرزوق، ثنا مسلّم بن إبراهيم، ثنا صدقة - يعنى ابن موسى -
стр. 1928
ثنا فرقد - يعنى السنجى - عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ بمكة فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: يا رسول الله إن هذا الخبيث قد غلبني، فقال لها: إن تصبرى على ما أنت عليه تجيئين يوم القيامة ليس عليك ذنوب ولا حساب، قالت: والّذي بعثك بالحق لأصبرن حتى ألقى الله، قالت: إني أخاف الخبيث أن يجردنى، فدعا لها فكانت إذا خشيت أن يأتيها تأتى أستار الكعبة فتعلق بها وتقول له: اخسأ، فيذهب عنها. قال البزار: لا نعلمه يروى بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه، وصدقة ليس به بأس، وفرقد حدث عنه جماعة من أهل العلم، منهم شعبة وغيره واحتمل حديثه على سوء حفظه فيه.
طريق أخرى عن ابن عباس
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن عمران أبى بكر، ثنا عطاء بن أبى رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه السوداء أتت رسول الله ﷺ فقالت: إني أصرع وأنكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله لك أن يعافيك، قالت: لا بل أصبر فادع الله ألا أنكشف ولا ينكشف عنى، قال:
فدعا لها * وهكذا رواه البخاري عن مسدد عن يحيى - وهو ابن سعيد القطان - وأخرجه مسلّم عن القواريري عن يحيى القطان وبشر بن الفضل كلاهما عن عمران بن مسلّم أبى بكر الفقيه البصري عن عطاء بن أبى رباح عن ابن عباس فذكر مثله * ثم قال البخاري: حدثنا محمد، ثنا مخلد عن ابن جريج قال: أخبرنى عطاء أنه رأى أم زفر تلك امرأة طويلة سوداء على ستر الكعبة * وقد ذكر الحافظ ابن الأثير في الغاية أن أم زفر هذه كانت مشاطة خديجة بنت خويلد قديما، وأنها عمرت حتى أدركها عطاء بن أبى رباح فالله أعلم.
حديث آخر
قال البيهقي: أنا على بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد، ثنا محمد بن يونس، ثنا قرة بن حبيب الضوى، ثنا إياس بن أبى تميمة عن عطاء عن أبى هريرة قال: جاءت الحمى إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ابعثني إلى أحبّ قومك إليك أو أحب أصحابك إليك، شك قرة، فقال: اذهبي إلى الأنصار، فذهبت إليهم فصرعتهم، فجاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله قد أتت الحمى علينا فادع الله لنا بالشفاء فدعا لهم، فكشفت عنهم، قال: فاتبعته امرأة فقالت: يا رسول الله ادع الله لي، فانى لمن الأنصار فادع الله لي كما دعوت لهم، فقال: أيهما أحب إليك أن أدعو لك فيكشف عنك، أو تصبرين وتجب لك الجنة؟ فقالت: لا والله يا رسول الله بل أصبر ثلاثا ولا أجعل والله لجنته خطرا * محمد بن يونس الكديمي ضعيف *
وقد قال البيهقي: أنا على
стр. 1929
ابن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، ثنا أبى، ثنا هشام ابن لاحق - سنة خمس وثمانين ومائة - ثنا عاصم الأحول عن أبى عثمان النهدي عن سلمان الفارسي قال: استأذنت الحمى على رسول الله ﷺ ، فقال: من أنت؟ قالت: أنا الحمى، أبري اللحم، وأمص الدم، قال: اذهبي إلى أهل قباء، فأتتهم فجاءوا إلى رسول الله ﷺ وقد اصفرت وجوههم، فشكوا إليه الحمى فقال لهم: ما شئتم؟ إن شئتم دعوت الله فيكشف عنكم، وإن شئتم تركتموها فأسقطت ذنوبكم، قالوا: بل ندعها يا رسول الله * وهذا الحديث ليس هو في مسند الامام أحمد ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة. وقد ذكرنا في أول الهجرة دعاءه ﵇ لأهل المدينة أن يذهب حماها إلى الجحفة، فاستجاب الله له ذلك فان المدينة كانت من أوبإ أرض الله فصححها الله ببركة حلوله بها، ودعائه لأهلها صلوات الله وسلامه عليه.
حديث آخر في ذلك
قال الامام أحمد: ثنا روح، ثنا شعبة عن أبى جعفر المديني سمعت عمارة بن خزيمة بن ثابت يحدث عن عثمان بن حنيف: أن رجلا ضريرا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ادع الله أن يعافيني، فقال: إن شئت أخرت ذلك فهو أفضل لآخرتك، وإن شئت دعوت لك قال: لا، بل ادع الله لي، قال: فأمره رسول الله ﷺ أن يتوضأ ويصلّى ركعتين، وأن يدعو بهذا الدعاء: اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك في حاجتي هذه فتقضى وتشفعني فيه وتشفعه فىّ. قال: فكان يقول هذا مرارا. ثم قال بعد: أحسب أن فيها أن تشفعني فيه، قال:
ففعل الرجل فبرأ. وقد رواه أحمد أيضا عن عثمان بن عمرو عن شعبة به. وقال: اللهمّ شفعه فىّ، ولم يقل الأخرى، وكأنها غلط من الراويّ والله أعلم * وهكذا رواه الترمذي والنسائي عن محمود بن غيلان، وابن ماجة عن أحمد بن منصور بن سيار، كلاهما عن عثمان بن عمرو. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن جعفر الخطميّ * ثم رواه أحمد أيضا عن مؤمل بن حماد ابن سلمة بن أبى جعفر الخطميّ عن عمارة بن خزيمة عن عثمان بن حنيف فذكر الحديث * وهكذا رواه النسائي عن محمد بن معمر عن حبان عن حماد بن سلمة به * ثم رواه النسائي عن زكريا بن يحيى عن محمد بن المثنى عن معاذ بن هشام عن أبيه عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف * وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبى جعفر الخطميّ من الوجهين والله عمه عثمان بن حنيف * وهذه الرواية تخالف ما تقدم، ولعله عند أبى جعفر الخطميّ من الوجهين والله أعلم *
وقد روى البيهقي والحاكم من حديث يعقوب بن سفيان عن أحمد بن شبيب عن سعيد الحنطبى عن أبيه عن روح بن القاسم عن أبى جعفر المديني عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل ضرير، فشكا إليه ذهاب بصره،
стр. 1930
فقال: يا رسول الله ليس لي قائد وقد شق عليّ، فقال رسول الله ﷺ ائت الميضأة فتوضأ ثم صلّ ركعتين ثم قال: اللهمّ إني أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا محمد إني أتوجه بك إلى ربى فينجلي بصرى، اللهمّ فشفعه فىّ وشفعنى في نفسي. قال عثمان: فو الله ما تفرقنا، ولا طال الحديث بنا حتى دخل الرجل كأنه لم يكن به ضر قط * قال البيهقي: ورواه أيضا هشام الدستوائى عن أبى جعفر عن أبى أمامة بن سهل عن عمه عثمان بن حنيف.
حديث آخر
قال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا محمد بن بشر، ثنا عبد العزيز بن عمر، حدثني رجل من بنى سلامان وبنى سعد عن أبيه عن خاله أو أن خاله أو خالها حبيب بن مريط حدثها أن أباه خرج إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان لا يبصر بهما شيئا أصلا، فسأله: ما أصابك؟ فقال كنت أرعى جملا لي فوقعت رجلي على بطن حية فأصبت ببصرى، قال: فنفث رسول الله ﷺ في عينيه فأبصر، فرأيته وإنه ليدخل الخيط في الابرة وإنه لابن ثمانين سنة، وإن عينيه لمبيضتان * قال البيهقي: كذا في كتابه: وغيره يقول، حبيب بن مدرك، قال: وقد مضى في هذا المعنى حديث قتادة بن النعمان أنه أصيبت عينه فسالت حدقته فردها رسول الله إلى موضعها، فكان لا يدرى أيهما أصيبت، قلت:
وقد تقدم ذلك في غزوة أحد، وقد ذكرنا في مقتل أبى رافع مسحه بيده الكريمة على رجل جابر (١) بن عتيك - وقد انكسر ساقه - فبرأ من ساعته * وذكر البيهقي باسناده: أنه ﷺ مسح يد محمد بن حاطب - وقد احترقت يده بالنار - فبرأ من ساعته، وأنه ﵇ نفث في كف شرحبيل الجعفي فذهبت من كفه سلعة كانت به * قلت: وتقدم في غزوة خيبر تفله في عيني على وهو أرمد فبرأ * وروى الترمذي عن عليّ حديثه في تعليمه ﵇ ذلك الدعاء لحفظ القرآن فحفظه * وفي الصحيح أنه قال لأبى هريرة وجماعة: من يبسط رداءه اليوم فإنه لا ينسى شيئا من مقالتي، قال: فبسطته فلم أنس شيئا من مقالته تلك، فقيل: كان ذلك حفظا من أبى هريرة لكل ما سمعه منه في ذلك اليوم، وقيل: وفي غيره فالله أعلم * ودعا لسعد بن أبى وقاص فبرأ * وروى البيهقي أنه دعا لعمه أبى طالب في مرضة مرضها وطلب من رسول الله ﷺ أن يدعو له ربه فدعا له فبرأ من ساعته * والأحاديث في هذا كثيرة جدا يطول استقصاؤها. وقد أورد البيهقي من هذا النوع كثيرا طيبا أشرنا إلى أطراف منه وتركنا أحاديث ضعيفة الاسناد واكتفينا بما أوردنا عما تركنا وبالله المستعان.
حديث آخر
ثبت في الصحيحين من حديث زكريا بن أبى زائدة، زاد مسلّم والمغيرة كلاهما عن شراحيل