زليخا كان قد مات فولاه الملك مكانه وزوجه امرأته زليخا فكان وزير صدق.
وذكر محمد بن إسحاق أن صاحب مصر الوليد بن الريان أسلم على يدي يوسف ﵇ فالله أعلم. وقد قال بعضهم
وراء مضيق الخوف متسع الأمن … وأول مفروح به غاية الحزن
فلا تيأسن فالله ملك يوسفا … خزائنه بعد الخلاص من السجن
﴿وَجاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ * وَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ * فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ * قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ وَإِنّا لَفاعِلُونَ * وَقالَ لِفِتْيانِهِ اِجْعَلُوا بِضاعَتَهُمْ فِي رِحالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ يخبر تعالى عن قدوم إخوة يوسف ﵇ الى الديار المصرية يمتارون طعاما وذلك بعد إتيان سنى الجدب وعمومها على سائر البلاد والعباد. وكان يوسف ﵇ إذ ذاك الحاكم في أمور الديار المصرية دينا ودنيا. فلما دخلوا عليه عرفهم ولم يعرفوه لأنهم لم يخطر ببالهم ما صار اليه يوسف ﵇ من المكانة والعظمة فلهذا عرفهم وهم له منكرون وعند أهل الكتاب أنهم لما قدموا عليه سجدوا له فعرفهم وأراد أن لا يعرفوه فأغلظ لهم في القول وقال أنتم جواسيس جئتم لتأخذوا خبر بلادي. فقالوا معاذ الله إنما جئنا نمتار لقومنا من الجهد والجوع الّذي أصابنا ونحن بنو أب واحد من كنعان ونحن اثنا عشر رجلا ذهب منا واحد وصغيرنا عند أبينا فقال لا بد أن أستعلم أمركم * وعندهم أنه حبسهم ثلاثة أيام ثم أخرجهم وأحتبس شمعون عنده ليأتوه بالأخ الآخر. وفي بعض هذا انظر. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ﴾ أي أعطاهم من الميرة ما جرت به عادته في إعطاء كل إنسان حمل بعير لا يزيده عليه ﴿قالَ اِئْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ﴾ وكان قد سألهم عن حالهم وكم هم فقالوا كنا اثني عشر رجلا فذهب منا واحد وبقي شقيقه عند أبينا فقال إذا قدمتم من العام المقبل فأتونى به معكم ﴿أَلا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ أي قد أحسنت نزلكم وقراكم فرغبهم ليأتوه به ثم رهبهم إن لم يأتوه به قال ﴿فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلا تَقْرَبُونِ﴾ أي فلست أعطيكم ميرة ولا أقربكم بالكلية عكس ما أسدى اليهم أولا فاجتهد في إحضاره معهم ليبل شوقه منه بالترغيب والترهيب ﴿قالُوا سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ﴾ أي سنجتهد في مجيئه معنا وإتيانه إليك بكل ممكن ﴿وَإِنّا لَفاعِلُونَ﴾ أي وانا لقادرون على تحصيله. ثم أمر فتيانه أن يضعوا بضاعتهم وهي ما جاءوا به يتعوضون به عن الميرة في أمتعتهم من حيث لا يشعرون بها ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَها إِذَا اِنْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ قيل أراد أن يردوها إذا وجدوها في بلادهم. وقيل خشي أن لا يكون عندهم ما يرجعون به مرة ثانيه. وقيل تذمم أن يأخذ منهم عوضا عن الميرة.
стр. 212
وقد اختلف المفسرون في بضاعتهم على أقوال سيأتي ذكرها * وعند أهل الكتاب أنها كانت صررا من ورق وهو أشبه والله أعلم. ﴿فَلَمّا رَجَعُوا إِلى أَبِيهِمْ قالُوا يا أَبانا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنا أَخانا نَكْتَلْ وَإِنّا لَهُ لَحافِظُونَ * قالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاّ كَما أَمِنْتُكُمْ عَلى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللهُ خَيْرٌ حافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ. قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا وَنَمِيرُ أَهْلَنا وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ * قالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ. فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ * وَقالَ يا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَاُدْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاّ لِلّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ * وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمرهم بعد رجوعهم الى أبيهم * وقولهم له ﴿مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ﴾ أي بعد عامنا هذا ان لم ترسل معنا أخانا فان أرسلته معنا لم يمنع منا ﴿وَلَمّا فَتَحُوا مَتاعَهُمْ وَجَدُوا بِضاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قالُوا يا أَبانا ما نَبْغِي﴾ أي أي شيء نريد وقد ردت إلينا بضاعتنا ﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنا﴾ أي نمتار لهم ونأتيهم بما يصلحهم في سنتهم ومحلهم ﴿وَنَحْفَظُ أَخانا وَنَزْدادُ﴾ بسببه ﴿كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ قال الله تعالى ﴿ذلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾ أي في مقابلة ذهاب ولده الآخر وكان يعقوب ﵇ أضن شيء بولده بنيامين لأنه كان يشم فيه رائحة أخيه ويتسلى به عنه ويتعوض بسببه منه فلهذا قال ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾ أي الا أن تغلبوا كلكم عن الإتيان به ﴿فَلَمّا آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قالَ اللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ أكد المواثيق وقرر العهود واحتاط لنفسه في ولده ولن يغنى حذر من قدر.
ولولا حاجته وحاجة قومه الى الميرة لما بعث الولد العزيز ولكن الأقدار لها أحكام والرب تعالى يقدر ما يشاء ويختار ما يريد ويحكم ما يشاء وهو الحكيم العليم. ثم أمرهم أن لا يدخلوا المدينة من باب واحد ولكن ليدخلوا من أبواب متفرقة. قيل أراد أن لا يصيبهم أحد بالعين وذلك لأنهم كانوا أشكالا حسنة وصورا بديعة قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب وقتادة والسدي والضحاك * وقيل أراد أن يتفرقوا لعلهم يجدون خبرا ليوسف أو يحدثون عنه بأثر. قاله إبراهيم النخعي. والأول أظهر ولهذا قال ﴿وَما أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال تعالى ﴿وَلَمّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِلاّ حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ وعند أهل الكتاب أنه بعث معهم هدية الى العزيز من الفستق واللوز والصنوبر والبطم والعسل وأخذوا الدراهم الأولى وعوضا آخر ﴿وَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخاهُ قالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمّا جَهَّزَهُمْ بِجَهازِهِمْ جَعَلَ السِّقايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ﴾
стр. 213
لَسارِقُونَ * قالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ ماذا تَفْقِدُونَ * قالُوا نَفْقِدُ صُواعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ.
﴿* قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ * قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ * قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ * فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ * قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ * قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان من أمرهم حين دخلوا بأخيهم بنيامين على شقيقه يوسف وإيوائه اليه وإخباره له سرا عنهم بأنه أخوه وأمره بكتم ذلك عنهم وسلاه عما كان منهم من الإساءة اليه * ثم احتال على أخذه منهم وتركه إياه عنده دونهم فأمر فتيانه بوضع سقايته. وهي التي كان يشرب بها ويكيل بها للناس الطعام عن غرته في متاع بنيامين. ثم أعلمهم بأنهم قد سرقوا صواع الملك ووعدهم جعالة على رده حمل بعير وضمنه المنادي لهم فاقبلوا على من اتهمهم بذلك فأنبوه وهجنوه فيما قاله لهم و ﴿قالُوا تَاللهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَما كُنّا سارِقِينَ﴾ يقولون أنتم تعلمون منا خلاف ما رميتمونا به من السرقة ﴿قالُوا فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ * قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. وهذه كانت شريعتهم أن السارق يدفع الى المسروق منه ولهذا قالوا ﴿كَذلِكَ نَجْزِي الظّالِمِينَ﴾. قال الله تعالى ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اِسْتَخْرَجَها مِنْ وِعاءِ أَخِيهِ﴾ ليكون ذلك أبعد للتهمة وأبلغ في الحيلة ثم قال الله تعالى ﴿كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ ما كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ أي لولا اعترافهم بأن جزاءه من وجد في رحله فهو جزاؤه لما كان يقدر يوسف على أخذه منهم في سياسة ملك مصر ﴿إِلاّ أَنْ يَشاءَ اللهُ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ﴾ أي في العلم ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ وذلك لأن يوسف كان أعلم منهم وأتم رأيا وأقوى عزما وحزما وإنما فعل ما فعل عن أمر الله له في ذلك لأنه يترتب على هذا الأمر مصلحة عظيمة بعد ذلك من قدوم أبيه وقومه عليه ووفودهم اليه فلما عاينوا استخراج الصواع من حمل بنيامين ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ يعنون يوسف * قيل كان قد سرق صنم جده أبى أمه فكسره. وقيل كانت عمته قد علقت عليه بين ثيابه وهو صغير منطقة كانت لإسحاق ثم استخرجوها من بين ثيابه وهو لا يشعر بما صنعت وانما أرادت أن يكون عندها وفي حضانتها لمحبتها له. وقيل كان يأخذ الطعام من البيت فيطعمه الفقراء. وقيل غير ذلك فلهذا ﴿قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ﴾ وهي كلمته بعدها وقوله ﴿أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً وَاللهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ﴾ أجابهم سرا لا جهرا حلما وكرما وصفحا وعفوا فدخلوا معه في الترقق والتعطف فقالوا ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً﴾
стр. 214
شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ) أي إن أطلقنا المتهم وأخذنا البريء. هذا ما لا نفعله ولا نسمح به وإنما نأخذ من وجدنا متاعنا عنده.
وعند أهل الكتاب أن يوسف تعرف اليهم حينئذ وهذا مما غلطوا فيه ولم يفهموه جدا ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها وَإِنّا لَصادِقُونَ * قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * وَتَوَلّى عَنْهُمْ وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قالُوا تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ * قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ يقول تعالى مخبرا عنهم أنهم لما استيأسوا من أخذه منه خلصوا يتناجون فيما بينهم قال كبيرهم وهو روبيل ﴿أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللهِ﴾ … ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاّ أَنْ يُحاطَ بِكُمْ﴾) لقد أخلفتم عهده وفرطتم فيه كما فرطتم في أخيه يوسف من قبله فلم يبق لي وجه أقابله به ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ أي لا أزال مقيما هاهنا ﴿حَتّى يَأْذَنَ لِي أَبِي﴾ في القدوم عليه ﴿أَوْ يَحْكُمَ اللهُ لِي﴾ بأن يقدرنى على رد أخى الى أبى ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ * اِرْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ اِبْنَكَ سَرَقَ﴾ أي اخبروه بما رأيتم من الأمر في لظاهر المشاهدة ﴿وَما شَهِدْنا إِلاّ بِما عَلِمْنا وَما كُنّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ * وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها﴾ أي فان هذا الّذي أخبرناك به من أخذهم أخانا لأنه سرق أمر اشتهر بمصر وعلمه العير التي كنا نحن وهم هناك ﴿وَإِنّا لَصادِقُونَ * قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم لم يسرق فإنه ليس سجية له ولا خلقه وانما سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل قال ابن إسحاق وغيره لما كان التفريط منهم في بنيامين مترتبا على صنيعهم في يوسف قال لهم ما قال وهذا كما قال بعض السلف إن من جزاء السيئة السيئة بعدها ثم قال ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً﴾ يعنى يوسف وبنيامين وروبيل ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بحالي وما أنا فيه من فراق الأحبة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فيما يقدره ويفعله وله الحكمة البالغة والحجة القاطعة ﴿وَتَوَلّى عَنْهُمْ﴾ أي أعرض عن بنيه ﴿وَقالَ يا أَسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ ذكره حزنه الجديد بالحزن القديم وحرك ما كان كامنا كما قال بعضهم.
نقل فؤادك حيث شئت من الهوى … ما الحب إلا للحبيب الأول
стр. 215
وقال آخر
لقد لامنى عند القبور على البكا … رفيقي لتذراف الدموع السوافك
فقال أتبكي كل قبر رأيته … لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك
فقلت له إن الأسى يبعث الأسى … فدعني فهذا كله قبر مالك
وقوله ﴿وَاِبْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ أي من كثرة البكاء ﴿فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي مكظم من كثرة حزنه وأسفه وشوقه الى يوسف فلما رأى بنوه ما يقاسيه من الوجد وألم الفراق ﴿قالُوا﴾ له على وجه الرحمة له والرأفة به والحرص عليه ﴿تَاللهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتّى تَكُونَ حَرَضاً أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهالِكِينَ﴾ يقولون لا تزال تتذكره حتى تنحل جسدك وتضعف قوتك فلو رفقت بنفسك كان أولى بك ﴿قالَ إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ يقول لبنيه لست أشكو إليكم ولا الى أحد من الناس ما أنا فيه إنما أشكو الى الله وأعلم أن الله سيجعل لي مما أنا فيه فرجا ومخرجا وأعلم أن رؤيا يوسف لا بد أن تقع ولا بد أن أسجد له أنا وأنتم حسب ما رأى ولهذا قال ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ ثم قال لهم محرضا على تطلب يوسف وأخيه وأن يبحثوا عن أمرهما. ﴿يا بَنِيَّ اِذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكافِرُونَ﴾ أي لا تيأسوا من الفرج بعد الشدة فإنه لا ييأس من روح الله وفرجه وما يقدره من المخرج في المضايق إلا القوم الكافرون ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ * قالَ هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ * قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * اِذْهَبُوا بِقَمِيصِي هذا فَأَلْقُوهُ عَلى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيراً وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ يخبر تعالى عن رجوع إخوة يوسف إليه وقدومهم عليه ورغبتهم فيما لديه من الميرة والصدقة عليهم برد أخيهم بنيامين اليهم ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ أي من الجدب وضيق الحال وكثرة العيال ﴿وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ﴾ أي ضعيفة لا يقبل مثلها منا إلا أن يتجاوز عنا. قيل كانت دراهم رديئة. وقيل قليلة وقيل حب الصنوبر وحب البطم ونحو ذلك. وعن ابن عباس كانت خلق الغرائر والحبال ونحو ذلك ﴿فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا إِنَّ اللهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ قيل بقبولها قاله السدي. وقيل برد أخينا إلينا قاله ابن جريج. وقال سفيان بن عيينة إنما حرمت الصدقة على نبينا محمد ﷺ ونزع بهذه الآية رواه ابن جرير. فلما رأى ما هم فيه من الحال وما جاءوا به مما لم يبق عندهم سواه من ضعيف المال تعرف اليهم وعطف عليهم قائلا لهم عن أمر ربه وربهم.
стр. 216
وقد حسر لهم عن جبينه الشريف وما يحويه من الخال فيه الّذي يعرفون ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جاهِلُونَ * قالُوا﴾ وتعجبوا كل العجب وقد ترددوا اليه مرارا عديدة وهم لا يعرفون أنه هو ﴿أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذا أَخِي﴾ يعنى أنا يوسف الّذي صنعتم معه ما صنعتم وسلف من أمركم فيه ما فرطتم وقوله ﴿وَهذا أَخِي﴾ تأكيد لما قال وتنبيه على ما كانوا أضمروا لهما من الحسد وعملوا في أمرهما من الاحتيال ولهذا قال ﴿قَدْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي بإحسانه إلينا وصدقته علينا وإيوائه لنا وشده معاقد عزنا وذلك بما أسلفنا من طاعة ربنا وصبرنا على ما كان منكم إلينا وطاعتنا وبرنا لأبينا ومحبته الشديدة لنا وشفقته علينا ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قالُوا تَاللهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللهُ عَلَيْنا﴾ أي فضلك وأعطاك ما لم يعطنا ﴿وَإِنْ كُنّا لَخاطِئِينَ﴾. أي فيما أسدينا إليك وها نحن بين يديك ﴿قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ أي لست أعاقبكم على ما كان منكم بعد يومكم هذا ثم ذادهم على ذلك فقال ﴿الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾.
ومن زعم أن الوقف على قوله لا تثريب عليكم وابتدأ بقوله اليوم يغفر الله لكم فقوله ضعيف والصحيح الأول. ثم أمرهم بان يذهبوا بقميصه وهو الّذي يلي جسده فيضعوه على عيني أبيه فإنه يرجع اليه بصره بعد ما كان ذهب باذن الله وهذا من خوارق العادات ودلائل النبوات وأكبر المعجزات * ثم أمرهم أن يتحملوا بأهلهم أجمعين الى ديار مصر الى الخير والدعة وجمع الشمل بعد الفرقة على أكمل الوجوه وأعلى الأمور ﴿وَلَمّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ * قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ * فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً. قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا تَعْلَمُونَ * قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ * قالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ قال عبد الرزاق أنبأنا إسرائيل عن أبى سنان عن عبد الله بن أبى الهذيل سمعت ابن عباس يقول فلما فصلت العير قال لما خرجت العير هاجت ريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف ﴿قالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ قال فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام. وكذا رواه الثوري وشعبة وغيرهم عن أبى سنان به. وقال الحسن البصري وابن جريج المكيّ كان بينهما مسيرة ثمانين فرسخا وكان له منذ فارقه ثمانون سنة وقوله ﴿لَوْلا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾ أي تقولون انما قلت هذا من الفند وهو الخرف وكبر السن. قال ابن عباس وعطاء ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة تفندون تسفهون. وقال مجاهد أيضا والحسن تهرمون ﴿قالُوا تَاللهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ﴾ قال قتادة والسدي قالوا له كلمة غليظة. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا أَنْ جاءَ الْبَشِيرُ أَلْقاهُ عَلى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً﴾ أي بمجرد ما جاء ألقى القميص على وجه يعقوب فرجع من فوره بصيرا بعد ما كان ضريرا وقال لبنيه عند ذلك ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللهِ ما لا﴾
стр. 217
تَعْلَمُونَ) أي أعلم أن الله سيجمع شملي بيوسف وستقر عيني به وسيرينى فيه ومنه ما يسرني فعند ذلك ﴿قالُوا يا أَبانَا اِسْتَغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا إِنّا كُنّا خاطِئِينَ﴾. طلبوا منه أن يستغفر لهم الله عما كانوا فعلوا ونالوا منه ومن ابنه وما كانوا عزموا عليه. ولما كان من نيتهم التوبة قبل الفعل وفقهم الله للاستغفار عند وقوع ذلك منهم فأجابهم أبوهم الى ما سألوا وما عليه عولوا قائلا ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾.
قال ابن مسعود وإبراهيم التيمي وعمرو بن قيس وابن جريج وغيرهم أرجأهم الى وقت السحر قال ابن جرير حدثني أبو السائب حدثنا ابن إدريس سمعت عبد الرحمن بن سحق يذكر عن محارب ابن دثار قال كان عمر يأتى المسجد فسمع إنسانا يقول (اللهمّ دعوتني فأجبت وأمرتنى فأطعت وهذا السحر فاغفر لي) قال فاستمع الصوت فإذا هو من دار عبد الله بن مسعود فسأل عبد الله عن ذلك فقال إن يعقوب أخر بنيه الى السحر بقوله ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ وقد قال الله تعالى ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ﴾ وثبت
في الصحيح عن رسول الله ﷺ قال (ينزل ربنا كل ليلة الى سماء الدنيا فيقول هل من تائب فأتوب عليه هل من سائل فأعطيه هل من مستغفر فاغفر له) وقد ورد في حديث (أن يعقوب أرجأ بنيه الى ليلة الجمعة)
قال ابن جرير حدثني المثنى. ثنا سليمان بن عبد الرحمن بن أيوب الدمشقيّ حدثنا الوليد أنبأنا ابن جريج عن عطاء وعكرمة عن ابن عباس عن رسول الله ﷺ ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾ يقول حتى تأتى ليلة الجمعة وهو قول أخى يعقوب لبنيه. وهذا غريب من هذا الوجه.
وفي رفعه نظر والأشبه أن يكون موقوفا على ابن عباس ﵁. ﴿فَلَمّا دَخَلُوا عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ هذا إخبار عن حال اجتماع المتحابين بعد الفرقة الطويلة التي قيل انها ثمانون سنة وقيل ثلاث وثمانون سنة وهما روايتان عن الحسن. وقيل خمس وثلاثون سنة قاله قتادة. وقال محمد ابن إسحاق ذكروا أنه غاب عنه ثماني عشرة سنة * قال وأهل الكتاب يزعمون أنه غاب عنه أربعين سنة وظاهر سباق القصة يرشد الى تحديد المدة تقريبا فان المرأة راودته وهو شاب ابن سبع عشرة سنة فيما قاله غير واحد فامتنع فكان في السجن بضع سنين وهي سبع عند عكرمة وغيره. ثم أخرج فكانت سنوات الخصب السبع ثم لما أمحل الناس في السبع البواقي جاء إخوتهم يمتارون في السنة الأولى وحدهم وفي الثانية ومعهم أخوه بنيامين. وفي الثالثة تعرف اليهم وأمرهم بإحضار أهلهم أجمعين فجاءوا كلهم ﴿فَلَمّا دَخَلُوا﴾
стр. 218
عَلى يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ) اجتمع بهما خصوصا وحدهما دون إخوته ﴿وَقالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ قيل هذا من المقدم والمؤخر تقديره ادخلوا مصر وآوى اليه أبويه. وضعفه ابن جرير وهو معذور * قيل تلقاهما وآواهما في منزل الخيام. ثم لما اقتربوا من باب مصر ﴿قالَ اُدْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ قاله السدي. ولو قيل إن الأمر لا يحتاج الى هذا أيضا وانه ضمن قوله أدخلوا مغنى اسكنوا مصر أو أقيموا بها ﴿إِنْ شاءَ اللهُ آمِنِينَ﴾ لكان صحيحا مليحا أيضا وعند أهل الكتاب أن يعقوب لما وصل الى أرض جاشر وهي أرض بلبيس خرج يوسف لتلقيه وكان يعقوب قد بعث ابنه يهوذا بين يديه مبشرا بقدومه وعندهم أن الملك أطلق لهم أرض جاشر يكونون فيها ويقيمون بها بنعمهم ومواشيهم * وقد ذكر جماعة من المفسرين أنه لما أزف قدوم نبي الله يعقوب وهو إسرائيل أراد يوسف أن يخرج لتلقيه فركب معه الملك وجنوده خدمة ليوسف وتعظيما لنبي الله إسرائيل وأنه دعا للملك وأن الله رفع عن أهل مصر بقية سنى الجدب ببركة قدومه اليهم فالله أعلم وكان جملة من قدم مع يعقوب من بنيه وأولادهم فيما قاله أبو إسحاق السبيعي عن ابى عبيدة عن ابن مسعود ثلاثة وستين إنسانا * وقال موسى بن عبيدة عن محمد بن كعب عن عبد الله بن شداد كانوا ثلاثة وثمانين إنسانا. وقال ابو إسحاق عن مسروق دخلوا وهم ثلاثمائة وتسعون إنسانا: قالوا وخرجوا مع موسى وهم أزيد من ستمائة ألف مقاتل * وفي نص أهل الكتاب أنهم كانوا سبعين نفسا وسموهم.
قال الله تعالى ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ﴾ قيل كانت أمه قد ماتت كما هو عند علماء التوراة. وقال بعض المفسرين فأحياها الله تعالى وقال آخرون بل كانت خالته ليا والخالة بمنزلة الام. وقال ابن جرير وآخرون بل ظاهر القرآن يقتضي بقاء حياة أمه الى يومئذ فلا يعول على نقل أهل الكتاب فيما خالفه وهذا قوى والله أعلم. ورفعهما على العرش أي أجلسهما معه على سريره ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً﴾ أي سجد له الأبوان والاخوة الأحد عشر تعظيما وتكريما وكان هذا مشروعا لهم ولم يزل ذلك معمولا به في سائر الشرائع حتى حرم في ملتنا. ﴿وَقالَ يا أَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رُءْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي هذا تعبير ما كنت قصصته عليك من رؤيتي الأحد عشر كوكبا والشمس والقمر حين رأيتهم لي ساجدين وأمرتنى بكتمانها ووعدتني ما وعدتني عند ذلك ﴿قَدْ جَعَلَها رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ أي بعد الهم والضيق جعلني حاكما نافذ الكلمة في الديار المصرية حيث شئت ﴿وَجاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ﴾ أي البادية وكانوا يسكنون أرض العربات من بلاد الخليل ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ أي فيما كان منهم الىّ من الأمر الّذي تقدم وسبق ذكره * ثم قال ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ﴾ أي إذا أراد شيئا هيأ أسبابه ويسرها وسهلها من وجوه لا يهتدى اليها العباد بل يقدرها وييسرها بلطيف صنعه وعظيم قدرته ﴿إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ﴾ أي بجميع الأمور ﴿الْحَكِيمُ﴾ في خلقه وشرعه وقدره.
стр. 219
وعند أهل الكتاب ان يوسف باع أهل مصر وغيرهم من الطعام الّذي كان تحت يده - بأموالهم كلها من الذهب والفضة والعقار والأثاث وما يملكونه كله حتى باعهم بأنفسهم فصاروا أرقاء * ثم أطلق لهم أرضهم وأعتق رقابهم على أن يعملوا ويكون خمس ما يشتغلون من زرعهم وثمارهم للملك فصارت سنة أهل مصر بعده.
وحكى الثعلبي أنه كان لا يشبع في تلك السنين حتى لا ينسى الجيعان وأنه انما كان يأكل أكلة واحدة نصف النهار قال فمن ثم اقتدى به الملوك في ذلك * قلت وكان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ لا يشبع بطنه عام الرمادة حتى ذهب الجدب وأتى الخصب.
قال الشافعيّ قال رجل من الأعراب لعمر بعد ما ذهب عام الرمادة (لقد انجلت عنك وإنك لابن حرة). ثم لما رأى يوسف ﵇ نعمته قد تمت وشمله قد اجتمع عرف أن هذه الدار لا يقربها قرار وأن كل شيء فيها ومن عليها فان. وما بعد التمام الا النقصان فعند ذلك أثنى على ربه بما هو أهله واعترف له بعظيم إحسانه وفضله. وسأل منه وهو خير المسئولين أن يتوفاه أي حين يتوفاه على الإسلام.
وأن يلحقه بعباده الصالحين. وهكذا كما يقال في الدعاء (اللهمّ أحينا مسلمين وتوفنا مسلمين) أي حين تتوفانا ويحتمل أنه سأل ذلك عند احتضاره ﵇ كما
سأل النبي ﷺ عند احتضاره أن يرفع روحه الى الملأ الأعلى والرفقاء الصالحين من النبيين والمرسلين كما قال (اللهمّ في الرفيق الأعلى ثلاثا ثم قضى) ويحتمل أن يوسف ﵇ سأل الوفاة على الإسلام منجزا في صحة بدنه وسلامته وأن ذلك كان سائغا في ملتهم وشرعتهم كما روى عن ابن عباس أنه قال ما تمنى نبي قط الموت قبل يوسف. فأما في شريعتنا فقد نهى عن الدعاء بالموت الا عند الفتن كما في حديث معاذ في الدعاء الّذي رواه أحمد (وإذا أردت بقوم فتنه فتوفنا إليك غير مفتونين) وفي الحديث الآخر (ابن آدم الموت خير لك من الفتنة) وقالت مريم ﵍ ﴿يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا﴾ وتمنى الموت على بن أبى طالب لما تفاقمت الأمور وعظمت الفتن واشتد القتال وكثر القيل والقال وتمنى ذلك البخاري أبو عبد الله صاحب الصحيح لما اشتد عليه الحال ولقي من مخالفيه الأهوال.
فأما في حال الرفاهيّة فقد
روى البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ (لا يتمنى أحدكم الموت لضر نزل به إما محسنا فيزداد وإما مسيئا فلعله يستعتب ولكن ليقل اللهمّ أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي) والمراد بالضر هاهنا ما يخص العبد في بدنه من مرض ونحوه لا في دينه * والظاهر أن نبي الله يوسف ﵇ سأل ذلك إما عند احتضاره أو إذا كان ذلك أن يكون كذلك.
стр. 220
وقد ذكر ابن إسحاق عن أهل الكتاب أن يعقوب أقام بديار مصر عند يوسف سبع عشرة سنة ثم توفى ﵇ وكان قد أوصى الى يوسف ﵇ أن يدفن عند أبويه إبراهيم وإسحاق.
قال السدي فصبر وسيره الى بلاد الشام فدفنه بالمغارة عند أبيه إسحاق وجده الخليل ﵈.
وعند أهل الكتاب أن عمر يعقوب يوم دخل مصر مائة وثلاثون سنة. وعندهم أنه أقام بأرض مصر سبع عشرة سنة ومع هذا قالوا فكان جميع عمره مائة وأربعين سنة * هذا نص كتابهم وهو غلط إما في النسخة أو منهم أو قد اسقطوا الكسر وليس بعادتهم فيما هو أكثر من هذا فكيف يستعملون هذه الطريقة هاهنا وقد قال تعالى في كتابه العزيز ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قالَ لِبَنِيهِ ما تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ يوصى بنيه بالإخلاص وهو دين الإسلام الّذي بعث الله به الأنبياء ﵈.
وقد ذكر أهل الكتاب أنه أوصى بنيه واحدا واحدا وأخبرهم بما يكون من أمرهم وبشر يهوذا بخروج نبي عظيم من نسله تطيعه الشعوب وهو عيسى بن مريم والله أعلم.
وذكروا أنه لما مات يعقوب بكى عليه أهل مصر سبعين يوما وأمر يوسف الأطباء فطيبوه بطيب ومكث فيه أربعين يوما ثم استأذن يوسف ملك مصر في الخروج مع أبيه ليدفنه عند أهله فأذن له وخرج معه أكابر مصر وشيوخها فلما وصلوا حبرون دفنوه في المغارة التي كان اشتراها إبراهيم الخليل من عفرون بن صخر الحيثى وعملوا له عزاء سبعة أيام قالوا ثم رجعوا الى بلادهم وعزى إخوة يوسف ليوسف في أبيهم وترققوا له فأكرمهم وأحسن منقلبهم فأقاموا ببلاد مصر. ثم حضرت يوسف ﵇ الوفاة فأوصى أن يحمل معهم إذا خرجوا من مصر فيدفن عند آبائه فحنطوه ووضعوه في تابوت فكان بمصر حتى أخرجه معه موسى ﵇ فدفنه عند آبائه كما سيأتي. قالوا فمات وهو ابن مائة سنة وعشر سنين * هذا نصهم فيما رأيته وفيما حكاه ابن جرير أيضا. وقال مبارك بن فضالة عن الحسن ألقى يوسف في الجب وهو ابن سبع عشرة سنة وغاب عن أبيه ثمانين سنة وعاش بعد ذلك ثلاثا وعشرين سنة. ومات وهو ابن مائة سنة وعشرين سنة * وقال غيره أوصى الى أخيه يهوذا صلوات الله عليه وسلامه.
قصة أيوب ﵇
قال ابن إسحاق كان رجلا من الروم وهو أيوب بن موص بن زراح بن العيص بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل. وقال غيره هو أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن يعقوب وقيل غير ذلك في نسبه. وحكى ابن عساكر أن أمه بنت لوط ﵇. وقيل كان أبوه ممن آمن بإبراهيم
стр. 221
﵇ يوم ألقى في النار فلم تحرقه والمشهور الأول لأنه من ذرية إبراهيم كما قررنا عند قوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى وَهارُونَ﴾ الآيات من أن الصحيح أن الضمير عائد على إبراهيم دون نوح ﵉. وهو من الأنبياء المنصوص على الإيحاء اليهم في سورة النساء في قوله تعالى ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَعِيسى وَأَيُّوبَ﴾ الآية فالصحيح أنه من سلالة العيص بن إسحاق وامرأته قيل اسمها ليا بنت يعقوب وقيل رحمه بنت أفرائيم. وقيل منشا بن يوسف بن يعقوب. وهذا أشهر فلهذا ذكرناه هاهنا. ثم نعطف بذكر أنبياء بنى إسرائيل بعد ذكر قصته ان شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان.
قال الله تعالى ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ وقال تعالى في سورة ص ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ * اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾.
﴿* وَوَهَبْنا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّا وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ وروى ابن عساكر من طريق الكلبي أنه قال أول نبي بعث إدريس. ثم نوح. ثم إبراهيم. ثم إسماعيل. ثم إسحاق. ثم يعقوب. ثم يوسف. ثم لوط. ثم هود.
ثم صالح. ثم شعيب. ثم موسى وهارون. ثم الياس. ثم اليسع. ثم عرفي (١) بن سويلخ بن أفرائيم بن يوسف بن يعقوب. ثم يونس بن متى من بنى يعقوب. ثم أيوب بن زراح (٢) بن آموص بن ليفرز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم. وفي بعض هذا الترتيب نظر فان هودا وصالحا المشهور أنهما بعد نوح.
وقبل إبراهيم والله أعلم.
قال علماء التفسير والتاريخ وغيرهم كان أيوب رجلا كثير المال من سائر صنوفه وأنواعه من الانعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض البثينة من أرض حوران.
وحكى ابن عساكر أنها كلها كانت له وكان له أولاد وأهلون كثير فسلب من ذلك جميعه وابتلى في جسده بأنواع البلاء ولم يبق منه عضو سليم سوى قلبه ولسانه. يذكر الله بهما وهو في ذلك كله صابر محتسب ذاكر لله في ليله ونهاره وصباحه ومسائة. وطال مرضه حتى عافه الجليس وأوحش منه الأنيس وأخرج من بلده وألقى على مزبلة خارجها وانقطع عنه الناس ولم يبق أحد يحنو عليه سوى زوجته كانت ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه اليها وشفقته عليها فكانت تتردد اليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته. وضعف حالها وقل مالها حتى كانت تخدم الناس بالأجر لتطعمه وتقوم بأوده ﵂ وأرضاها وهي صابرة معه على ما حل بهما من فراق
стр. 222
المال والولد وما يختص بها من المصيبة بالزوج وضيق ذات اليد وخدمة الناس بعد السعادة والنعمة والخدمة والحرمة فانا لله وإنا اليه راجعون. وقد ثبت
في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال (أشد الناس بلاء الأنبياء. ثم الصالحون. ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فان كان في دينه صلابة زيد في بلائه). ولم يزد هذا كله أيوب ﵇ الا صبرا واحتسابا وحمدا وشكرا حتى أن المثل ليضرب بصبره ﵇ ويضرب المثل أيضا بما حصل له من أنواع البلايا * وقد روى عن وهب ابن منبه وغيره من علماء بنى إسرائيل في قصة أيوب خبر طويل في كيفية ذهاب ماله وولده وبلائه في جسده والله أعلم بصحته * وعن مجاهد أنه قال كان أيوب ﵇ أول من أصابه الجدري وقد اختلفوا في مدة بلواه على أقوال فزعم وهب أنه ابتلى ثلاث سنين لا تزيد ولا تنقص. وقال أنس ابتلى سبع سنين وأشهرا وألقى على مزبلة لبني إسرائيل تختلف الدواب في جسده حتى فرج الله عنه وعظم له الأجر وأحسن الثناء عليه.
وقال حميد مكث في بلواه ثمانية عشرة سنة. وقال السدي تساقط لحمه حتى لم يبق إلا العظم والعصب فكانت امرأته تأتيه بالرماد تفرشه تحته فلما طال عليها قالت (يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك فقال قد عشت سبعين سنة صحيحا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة) فجزعت من هذا الكلام وكانت تخدم الناس بالأجر وتطعم أيوب ﵇ ثم إن الناس لم يكونوا يستخدمونها لعلمهم أنها امرأة أيوب خوفا أن ينالهم من بلائه أو تعديهم بمخالطته فلما لم تجد أحدا يستخدمها عمدت فباعت لبعض بنات الاشراف احدى ضفيرتيها بطعام طيب كثير فأتت به أيوب فقال من أين لك هذا وأنكره فقالت خدمت به أناسا فلما كان الغد لم تجد أحدا فباعت الضفيرة الأخرى بطعام فأتته به فأنكره أيضا وحلف لا يأكله حتى تخبره من أين لها هذا الطعام فكشفت عن رأسها خمارها فلما رأى رأسها محلوقا قال في دعائه ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا أبو سلمة حدثنا جرير بن حازم عن عبد الله بن عبيد بن عمير قال كان لأيوب اخوان فجاءا يوما فلم يستطيعا ان يدنوا منه من ريحه فقاما من بعيد فقال أحدهما لصاحبه لو كان الله علم من أيوب خيرا ما ابتلاه بهذا فجزع أيوب من قولهما جزعا لم يجزع من شيء قط قال (اللهمّ ان كنت تعلم أنى لم أبت ليلة قط شبعانا وأنا أعلم مكان جائع فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان ثم قال (اللهمّ ان كنت تعلم أنى لم يكن لي قميصان قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني فصدق من السماء وهما يسمعان) ثم قال اللهمّ بعزتك وخر ساجدا فقال اللهمّ بعزتك لا أرفع رأسي أبدا حتى تكشف عنى فما رفع رأسه حتى كشف عنه.
وقال ابن أبى حاتم وابن جرير جميعا حدثنا يونس بن عبد الأعلى انبئنا ابن وهب أخبرنى
стр. 223
نافع بن يزيد عن عقيل عن الزهري عن أنس بن مالك أن النبي ﷺ قال (إن نبي الله أيوب لبث به بلاؤه ثماني عشرة سنة فرفضه القريب والبعيد إلا رجلين من إخوانه كانا من أخص إخوانه له كانا يغدوان اليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه يعلم الله لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين.
قال له صاحبه وما ذاك قال منذ ثماني عشر سنة لم يرحمه ربه فيكشف ما به. فلما راحا اليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له فقال أيوب لا أدرى ما تقول غير أن الله يعلم أنى كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله فارجع الى بيتي فأكفر عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال وكان يخرج في حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يرجع فلما كان ذات يوم أبطأت عليه فأوحى الله الى أيوب في مكانه ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هذا مُغْتَسَلٌ بارِدٌ وَشَرابٌ﴾ فاستبطأته فتلقته تنظر وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان فلما رأته قالت أي بارك الله فيك هل رأيت بنى الله هذا المبتلى فو الله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا قال فانى أنا هو. قال وكان له أندران اندر للقمح واندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على اندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في اندر الشعير الورق حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير وهكذا رواه بتمامه ابن حبان في صحيحه عن محمد بن الحسن بن قتيبة عن حرملة عن ابن وهب به. وهذا غريب رفعه جدا. والأشبه أن يكون موقوفا. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى ثنا موسى بن إسماعيل حدثنا حماد انبئنا على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس قال وألبسه الله حلة من الجنة فتنحى أيوب وجلس في ناحية وجاءت امرأته فلم تعرفه فقالت يا عبد الله هذا المبتلى الّذي كان هاهنا لعل الكلاب ذهبت به أو الذئاب وجعلت تكلمه ساعة قال ولعل أنا أيوب قالت أتسخر منى يا عبد الله فقال ويحك أنا أيوب قد رد الله عليّ جسدي.
قال ابن عباس ورد الله عليه ماله وولده بأعيانهم ومثلهم معهم. وقال وهب بن منبه. أوحى الله اليه قد رددت عليك أهلك ومالك ومثلهم معهم فاغتسل بهذا الماء فان فيه شفاءك وقرب عن صحابتك قربانا واستغفر لهم فإنهم قد عصوني فيك رواه ابن أبى حاتم.
وقال ابن أبى حاتم ثنا أبو زرعة حدثنا عمرو بن مرزوق حدثنا همام عن قتادة عن النضر بن أنس عن بشير بن نهيك عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (لما عافى الله أيوب ﵇ أمطر عليه جرادا من ذهب فجعل يأخذ بيده ويجعل في ثوبه قال فقيل له يا أيوب أما تشبع. قال يا رب ومن يشبع من رحمتك. وهكذا رواه الامام أحمد عن ابى داود الطيالسي وعبد الصمد عن همام عن قتادة به. ورواه ابن حبان في صحيحه عن عبد الله بن محمد الأزدي عن إسحاق بن راهويه عن عبد الصمد به ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب وهو على شرط الصحيح فالله أعلم.
стр. 224
وقال الامام أحمد ثنا سفيان عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أرسل على أيوب رجل من جراد من ذهب فجعل يقبضها في ثوبه فقيل يا أيوب ألم يكفك ما أعطيناك قال أي رب ومن يستغنى عن فضلك. هذا موقوف. وقد روى عن أبى هريرة من وجه آخر مرفوعا.
وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال هذا ما حدثنا أبو هريرة قال قال رسول الله ﷺ (بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثى في ثوبه فناداه ربه (يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى) قال بلى يا رب ولكن لا غنى لي عن بركتك. رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به وقوله ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ أي اضرب الأرض برجلك فامتثل ما أمر به فأنبع الله له عينا باردة الماء وأمر أن يغتسل فيها ويشرب منها فأذهب الله عنه ما كان يجده من الألم والأذى والسقم والمرض الّذي كان في جسده ظاهرا وباطنا وأبدله الله بعد ذلك كله صحة ظاهرة وباطنة وجمالا تاما ومالا كثيرا حتى صب له من المال صبا مطرا عظيما جرادا من ذهب واخلف الله له أهله كما قال تعالى ﴿وَآتَيْناهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ فقيل أحياهم الله بأعيانهم. وقيل آجره فيمن سلف وعوضه عنهم في الدنيا بدلهم وجمع له شمله بكلهم في الدار الآخرة. وقوله ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا﴾ أي رفعنا عنه شدته ﴿فَكَشَفْنا ما بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ رحمة منا به ورأفة وإحسانا ﴿وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ﴾ أي تذكرة لمن ابتلى في جسده أو ماله أو ولده فله أسوة بنبي الله أيوب حيث ابتلاه الله بما هو أعظم من ذلك فصبر واحتسب حتى فرج الله عنه.
ومن فهم من هذا اسم امرأته فقال هي رحمة من هذه الآية فقد أبعد النجعة وأغرق النزع. وقال الضحاك عن ابن عباس رد الله اليها شبابها وزادها حتى ولدت له ستة وعشرون ولدا ذكرا.
وعاش أيوب بعد ذلك سبعين سنة بأرض الروم على دين الحنيفية ثم غيروا بعده دين إبراهيم.
وقوله ﴿خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ هذه رخصة من الله تعالى لعبده ورسوله أيوب ﵇ فيما كان من حلفه ليضربن امرأته مائة سوط فقيل حلفه ذلك لبيعها ضفائرها. وقيل لأنه عرضها الشيطان في صورة طبيب يصف لها دواء لأيوب فاتته فأخبرته فعرف أنه الشيطان فحلف ليضربها مائة سوط. فلما عافاه الله أفتاه أن يأخذ ضغثا وهو كالعثكال الّذي يجمع الشماريخ فيجمعها كلها ويضربها به ضربة واحدة ويكون هذا منزلا منزلة الضرب بمائة سوط ويبر ولا يحنث. وهذا من الفرج والمخرج لمن اتقى الله وأطاعه ولا سيما في حق امرأته الصابرة المحتسبة المكابدة الصديقة البارة الراشدة ﵂. ولهذا عقب الله هذه الرخصة وعللها بقوله ﴿إِنّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوّابٌ﴾ وقد استعمل كثير من الفقهاء هذه الرخصة في باب الايمان والنذور وتوسع آخرون فيها حتى وضعوا كتاب الحيل في الخلاص من الايمان وصدروه بهذه الآية الكريمة
стр. 225
وأتوا فيه بأشياء من العجائب والغرائب * وسنذكر طرفا من ذلك في كتاب الأحكام عند الوصول اليه ان شاء الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير وغيره من علماء التاريخ أن أيوب ﵇ لما توفى كان عمره ثلاثا وتسعين سنة. وقيل إنه عاش أكثر من ذلك. وقد روى ليث عن مجاهد ما معناه أن الله يحتج يوم القيامة بسليمان ﵇ على الأغنياء وبيوسف ﵇ على الأرقاء وبأيوب ﵇ على أهل البلاء رواه ابن عساكر بمعناه وأنه أوصى إلى ولده حومل وقام بالأمر بعده ولده بشر بن أيوب وهو الّذي يزعم كثير من الناس أنه ذو الكفل فالله أعلم. ومات ابنه هذا وكان نبيا فيما يزعمون وكان عمره من السنين خمسا وسبعين * ولنذكر هاهنا قصة ذي الكفل إذ قال بعضهم إنه ابن أيوب ﵉ * وهذه
قصة ذي الكفل
الّذي زعم قوم أنه ابن أيوب * قال الله تعالى بعد قصة أيوب في سورة الأنبياء ﴿وَإِسْماعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِنَ الصّابِرِينَ * وَأَدْخَلْناهُمْ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُمْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وقال تعالى بعد قصة أيوب أيضا في سورة ص ﴿وَاُذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ * إِنّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدّارِ * وَإِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ * وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ فالظاهر من ذكره في القرآن العظيم بالثناء عليه مقرونا مع هؤلاء السادة الأنبياء أنه نبي عليه من ربه الصلاة والسلام وهذا هو المشهور. وقد زعم آخرون أنه لم يكن نبيا وانما كان رجلا صالحا وحكما مقسطا عادلا * وتوقف ابن جرير في ذلك فالله أعلم * وروى ابن جرير وابن أبى نجيح عن مجاهد أنه لم يكن نبيا وانما كان رجلا صالحا وكان قد تكفل لبني قومه ان يكفيه أمرهم ويقضى بينهم بالعدل فسمى ذا الكفل. وروى ابن جرير وابن أبى حاتم من طريق داود بن أبى هند عن مجاهد أنه قال لما كبر اليسع قال لو أنى استخلفت رجلا على الناس يعمل عليهم في حياتي حتى انظر كيف يعمل فجمع الناس فقال من يتقبل لي بثلاث استخلفه. يصوم النهار ويقوم الليل ولا يغضب. قال فقام رجل تزدريه العين فقال أنا فقال أنت تصوم النهار وتقوم الليل ولا تغضب قال نعم. قال فردهم ذلك اليوم وقال مثلها اليوم الآخر فسكت الناس وقام ذلك الرجل فقال أنا. فاستخلفه قال فجعل إبليس يقول للشياطين عليكم بفلان فأعياهم ذلك فقال دعوني وإياه فأتاه في صورة شيخ كبير فقير وأتاه حين أخذ مضجعه للقائلة وكان لا ينام الليل والنهار إلا تلك النومة فدق الباب فقال من هذا قال شيخ كبير مظلوم * قال فقام ففتح الباب فجعل يقص عليه فقال إن بيني وبين قومي خصومة وانهم ظلموني وفعلوا بى وفعلوا حتى حضر الرواح وذهبت القائلة وقال إذا رحت فأتنى آخذ
стр. 226
لك بحقك فانطلق وراح. فكان في مجلسه فجعل ينظر هل يرى الشيخ فلم يره فقام يتبعه فلما كان الغد جعل يقضى بين الناس وينتظره فلا يراه. فلما رجع الى القائلة فأخذ مضجعه أتاه فدق الباب فقال من هذا فقال الشيخ الكبير المظلوم ففتح له فقال ألم أقل لك إذا قعدت فأتنى فقال إنهم أخبث قوم إذا عرفوا أنك قاعد قالوا نحن نعطيك حقك وإذا قمت جحدونى قال فانطلق فإذا رحت فأتنى قال ففاتته القائلة فراح فجعل ينتظر فلا يراه وشق عليه النعاس فقال لبعض أهله لا تدعن أحدا يقرب هذا الباب حتى أنام فانى قد شق على النوم. فلما كان تلك الساعة جاء فقال له الرجل وراءك وراءك فقال إني قد أتيته أمس فذكرت له أمرى فقال لا والله لقد أمرنا أن لا ندع أحدا يقربه فلما أعياه نظر فرأى كوة في البيت فتسور منها فإذا هو في البيت وإذا هو يدق الباب من داخل قال فاستيقظ الرجل فقال يا فلان ألم آمرك قال أما من قبلي والله فلم تؤت فانظر من اين أتيت قال فقام الى الباب فإذا هو مغلق كما أغلقه وإذا الرجل معه في البيت فعرفه فقال أعدو الله قال نعم أعييتنى في كل شيء ففعلت ما ترى لأغضبنك فسماه الله ذا الكفل لانه تكفل بأمر فوفا به.
وقد روى ابن أبى حاتم أيضا عن ابن عباس قريبا من هذا السياق. وهكذا روى عن عبد الله ابن الحارث ومحمد بن قيس وابن حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف نحو هذا. وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبى حدثنا أبو الجماهر أنبأنا سعيد بن بشير حدثنا قتادة عن كنانة بن الأخنس قال سمعت الأشعري يعنى أبا موسى ﵁ وهو على هذا المنبر يقول ما كان ذو الكفل نبيا ولكن كان رجلا صالحا يصلى كل يوم مائة صلاة فتكفل له ذو الكفل من بعده يصلى كل يوم مائة صلاة فسمى ذا الكفل ورواه ابن جرير من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة. قال قال أبو موسى الأشعري فذكره منقطعا. فاما الحديث الّذي
رواه الامام أحمد حدثنا أسباط بن محمد حدثنا الأعمش عن عبد الله بن عبد الله عن سعد مولى طلحة عن ابن عمر قال سمعت من رسول الله ﷺ حديثا لو لم أسمعه الا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرار ولكن قد سمعته أكثر من ذلك قال كان الكفل من بنى إسرائيل لا يتورع من ذنب عمله فاتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته أرعدت وبكت فقال لها ما يبكيك أكرهتك قالت لا ولكن هذا عمل لم أعمله قط وانما حملتني عليه الحاجة قال فتفعلين هذا ولم تفعليه قط. ثم نزل فقال اذهبي بالدنانير لك. ثم قال والله لا يعصى الله الكفل أبدا فمات من ليلته فأصبح مكتوبا على بابه قد غفر الله لكفل. ورواه الترمذي من حديث الأعمش به وقال حسن. وذكر ان بعضهم رواه فوقفه على ابن عمر فهو حديث غريب جدا. وفي اسناده نظر فان سعدا هذا قال أبو حاتم لا أعرفه الا بحديث واحد ووثقه ابن حبان ولم يرو عنه سوى عبد الله بن عبد الله الرازيّ هذا فالله أعلم. وان كان محفوظا فليس هو ذا الكفل وانما لفظ الحديث الكفل
стр. 227
من غير اضافة فهو رجل آخر غير المذكور في القرآن فالله أعلم.
باب ذكر أمم اهلكوا بعامة
وذلك قبل نزول التوراة بدليل قوله تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ الآية. كما رواه ابن جرير وابن أبى حاتم والبزار من حديث عوف الأعرابي عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال ما أهلك الله قوما بعذاب من السماء أو من الأرض بعد ما أنزلت التوراة على وجه الأرض غير القرية التي مسخوا قردة. ألم تر أن الله تعالى يقول ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ مِنْ بَعْدِ ما أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولى﴾ ورفعه البزار في رواية له. والأشبه والله أعلم وقفه فدل على أن كل أمة أهلكت بعامة قبل موسى ﵇. فمنهم أصحاب الرس قال الله تعالى في سورة الفرقان ﴿وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً * وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً﴾. وقال تعالى في صورة ق ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ * وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوانُ لُوطٍ * وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ وهذا السياق والّذي قبله يدل على أنهم أهلكوا ودمروا وتبروا وهو الهلاك. وهذا يرد اختيار ابن جرير من أنهم أصحاب الأخدود الذين ذكروا في سورة البروج لان أولئك عند ابن إسحاق وجماعة كانوا بعد المسيح ﵇ وفيه نظر أيضا. وروى ابن جرير قال قال ابن عباس أصحاب الرس أهل قرية من قرى ثمود وقد ذكر الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر في أول تاريخه عند ذكر بناء دمشق عن تاريخ أبى القاسم عبد الله بن عبد الله بن جرداد (١) وغيره أن أصحاب الرس كانوا بحضور فبعث الله اليهم نبيا يقال له حنظلة بن صفوان فكذبوه وقتلوه فسار عاد ابن عوص بن ارم بن سام بن نوح بولده من الرس فنزل الأحقاف وأهلك الله أصحاب الرس وانتشروا في اليمن كلها وفشوا مع ذلك في الأرض كلها حتى نزل جيرون بن سعد بن عاد بن عوص بن ارم بن سام بن نوح دمشق وبنى مدينتها وسماها جيرون وهي ارم ذات العماد وليس أعمدة الحجارة في موضع أكثر منها بدمشق فبعث الله هود بن عبد الله بن رباح بن خالد بن الخلود بن عاد الى عاد يعنى أولاد عاد بالأحقاف فكذبوه وأهلكهم الله فهذا يقتضي أن أصحاب الرس قبل عاد بدهور متطاولة فالله أعلم. وروى ابن أبى حاتم عن أبى بكر بن أبى عاصم عن أبيه عن شبيب بن بشر عن عكرمة عن ابن عباس قال الرس بئر بآذربيجان. وقال الثوري عن أبى بكر عن عكرمة قال الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي دفنوه فيها. وقال بن جريج قال عكرمة أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب ياسين. وقال
стр. 228
قتادة فلج من قرى اليمامة قلت فان كانوا أصحاب ياسين كما زعمه عكرمة فقد أهلكوا بعامة قال الله تعالى في قصتهم ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ وستأتي قصتهم بعد هؤلاء وان كانوا غيرهم وهو الظاهر فقد أهلكوا أيضا وتبروا * وعلى كل تقدير فينافي ما ذكره ابن جرير وقد ذكر أبو بكر محمد ابن الحسن النقاش أن أصحاب الرس كانت لهم بئر ترويهم وتكفى أرضهم جميعها وكان لهم ملك عادل حسن السيرة فلما مات وجدوا عليه وجدا عظيما فلما كان بعد أيام تصور لهم الشيطان في صورته وقال إني لم أمت ولكن تغيبت عنكم حتى أرى صنيعكم ففرحوا أشد الفرح وأمر بضرب حجاب بينهم وبينه وأخبرهم أنه لا يموت أبدا فصدق به أكثرهم وافتتنوا به وعبدوه فبعث الله فيهم نبيا وأخبرهم أن هذا شيطان يخاطبهم من وراء الحجاب ونهاهم عن عبادته وأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له * قال السهيليّ وكان يوحى اليه في النوم وكان اسمه حنظلة بن صفوان فعدوا عليه فقتلوه والقوه في البئر فغار ماؤها وعطشوا بعد ريهم ويبست أشجارهم وانقطعت ثمارهم وخربت ديارهم وتبدلوا بعد الأنس بالوحشة وبعد الاجتماع بالفرقة وهلكوا عن آخرهم وسكن في مساكنهم الجن والوحوش فلا يسمع ببقاعهم إلا عزيف الجن وزئير الأسد وصوت الضباع. فاما ما
رواه اعنى ابن جرير عن محمد بن حميد عن سلمة عن ابن إسحاق عن محمد بن كعب القرظي قال قال رسول الله ﷺ (إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود) وذلك أن الله تعالى بعث نبيا الى أهل قرية فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك الأسود. ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئرا فالقوه فيها ثم أطبقوا عليه بحجر أصم قال فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره ثم يأتى بحطبه فيبيعه ويشترى به طعاما وشرابا ثم يأتى به الى ذلك البئر فيرفع تلك الصخرة ويعينه الله عليها ويدلى اليه طعامه وشرابه ثم يردها كما كانت قال فكان كذلك ما شاء الله أن يكون * ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه وحزم حزمته وفرغ منها فلما أراد أن يحتملها وجد سنة فاضطجع ينام فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه هب فتمطى وتحول لشقه الآخر فاضطجع فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى ثم إنه هب واحتمل حزمته ولا يحسب أنه نام الا ساعة من نهار فجاء الى القرية فباع حزمته ثم اشترى طعاما وشرابا كما كان يصنع * ثم إنه ذهب الى الحفرة الى موضوعها الّذي كانت فيه فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه بداء فاستخرجوه وآمنوا به وصدقوه * قال فكان نبيهم يسألهم عن ذلك الأسود ما فعل فيقولون له ما ندري حتى قبض الله النبي ﵇ وأهب الأسود من نومه بعد ذلك
فقال رسول الله ﷺ إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة. فإنه حديث مرسل ومثله فيه نظر. ولعل بسط قصته من كلام محمد ابن كعب القرظي والله أعلم.
ثم قد رده ابن جرير نفسه وقال لا يجوز أن يحمل هؤلاء على أنهم أصحاب الرس المذكورون في القرآن
стр. 229
قال لأن الله أخبر عن أصحاب الرس انه أهلكهم وهؤلاء قد بدا لهم فآمنوا بنبيهم. اللهمّ إلا أن يكون حدثت لهم أحداث آمنوا بالنبيّ بعد هلاك آبائهم والله أعلم. ثم اختار أنهم أصحاب الأخدود وهو ضعيف لما تقدم ولما ذكر في قصة أصحاب الأخدود حيث توعدوا بالعذاب في الآخرة إن لم يتوبوا ولم يذكر هلاكهم وقد صرح بهلاك أصحاب الرس والله أعلم
قصة قوم يس وهم (١) أصحاب القرية أصحاب ياسين
قال الله تعالى ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قالُوا ما أَنْتُمْ إِلاّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاّ تَكْذِبُونَ * قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ * وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ * قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ * قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ * قِيلَ اُدْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ * وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ * إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ اشتهر عن كثير من السلف والخلف أن هذه القرية انطاكية. رواه ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب الأحبار ووهب بن منبه وكذا روى عن بريدة بن الحصيب وعكرمة وقتادة والزهري وغيرهم قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وكعب ووهب انهم قالوا وكان لها ملك اسمه انطيخس بن انطيخس وكان يعبد الأصنام فبعث الله اليه ثلاثة من الرسل وهم صادق وصدوق (٢) وشلوم فكذبهم * وهذا ظاهر أنهم رسل من الله وزعم قتادة أنهم كانوا رسلا من المسيح. وكذا قال ابن جرير عن وهب عن بن سليمان عن شعيب الجبائي كان اسم المرسلين الأوليين شمعون ويوحنا واسم الثالث بولس والقرية انطاكية.
وهذا القول ضعيف جدا لان أهل انطاكية لما بعث اليهم المسيح ثلاثة من الحواريين كانوا أول
стр. 230
مدينة آمنت بالمسيح في ذلك الوقت ولهذا احدى كانت المدن الأربع التي تكون فيها بتاركة النصارى وهن أنطاكية والقدس واسكندرية ورومية ثم بعدها الى القسطنطينية ولم يهلكوا وأهل هذه القرية المذكورة في القرآن أهلكوا كما قال في آخر قصتها بعد قتلهم صديق المرسلين ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ لكن إن كانت الرسل الثلاثة المذكورون في القرآن بعثوا الى أهل أنطاكية قديما فكذبوهم وأهلكهم الله ثم عمرت بعد ذلك. فلما كان في زمن المسيح آمنوا برسله اليهم فلا يمنع هذا والله أعلم.
فاما القول بأن هذه القصة المذكورة في القرآن هي قصة أصحاب المسيح فضعيف لما تقدم ولأن ظاهر سياق القرآن يقتضي أن هؤلاء الرسل من عند الله. قال الله تعالى ﴿وَاِضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً﴾ يعنى لقومك يا محمد ﴿أَصْحابَ الْقَرْيَةِ﴾ يعنى المدينة ﴿إِذْ جاءَهَا الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اِثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ﴾ أي أيدناهما بثالث في الرسالة ﴿فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ فردوا عليهم بأنهم بشر مثلهم كما قالت الأمم الكافرة لرسلهم يستبعدون أن يبعث الله نبيا بشريا فأجابوهم بأن الله يعلم أنا رسله إليكم ولو كنا كذبنا عليه لعاقبنا وانتقم منا أشد الانتقام ﴿وَما عَلَيْنا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِينُ﴾ أي إنما علينا أي نبلغكم ما أرسلنا به إليكم والله هو الّذي يهدى من يشاء ويضل من يشاء ﴿قالُوا إِنّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ﴾ أي تشاءمنا بما جئتمونا به ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ بالمقال وقيل بالفعال ويؤيد الأول قوله ﴿وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنّا عَذابٌ أَلِيمٌ﴾ فوعدوهم بالقتل والإهانة. ﴿قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي مردود عليكم ﴿أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ﴾ أي بسبب أنا ذكرناكم بالهدى ودعوناكم اليه توعدتمونا بالقتل والإهانة ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ أي لا تقبلون الحق ولا تريدونه.
وقوله تعالى ﴿وَجاءَ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى﴾ يعنى لنصرة الرسل وإظهار الايمان بهم ﴿قالَ يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اِتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْئَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ أي يدعونكم الى الحق المحض بلا أجرة ولا جعاله. ثم دعاهم الى عبادة الله وحده لا شريك له ونهاهم عن عبادة ما سواه مما لا ينفع شيئا لا في الدنيا ولا في الآخرة ﴿إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ أي إن تركت عبادة الله وعبدت معه ما سواه * ثم قال مخاطبا للرسل ﴿إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ قيل فاستمعوا مقالتي واشهدوا لي بها عند ربكم. وقيل معناه فاسمعوا يا قومي إيماني برسل الله جهرة. فعند ذلك قتلوه. قيل رجما. وقيل عضا وقيل وثبوا اليه وثبة رجل واحد فقتلوه * وحكى ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود قال وطئوه بأرجلهم حتى أخرجوا قصبته.
وقد روى الثوري عن عاصم الأحول عن أبى مجلز كان اسم هذا الرجل حبيب بن مري * ثم قيل كان نجارا وقيل حبالا. وقيل إسكافا. وقيل قصارا وقيل كان يتعبد في غار هناك فالله أعلم وعن ابن عباس كان حبيب النجار قد أسرع فيه الجذام وكان كثير الصدقة قتله قومه. ولهذا قال تعالى
стр. 231
﴿اُدْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ يعنى لما قتله قومه أدخله الله الجنة فلما رأى فيها من النضرة والسرور ﴿قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ يعنى ليؤمنوا بما آمنت به فيحصل لهم ما حصل لي قال ابن عباس نصح قومه في حياته ﴿يا قَوْمِ اِتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ وبعد مماته ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ رواه ابن أبى حاتم وكذلك قال قتادة لا يلقى المؤمن الا ناصحا لا يلقى غاشا لما عاين ما عاين من كرامة الله ﴿يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ تمنى والله أن يعلم قومه بما عاين من كرامة الله وما هو عليه قال قتادة فلا والله ما عاتب الله قومه بعد قتله ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أي ما احتجنا في الانتقام منهم الى إنزال جند من السماء عليهم. هذا معنى ما رواه ابن إسحاق عن بعض أصحابه عن ابن مسعود * قال مجاهد وقتادة وما أنزل عليهم جندا أي رسالة أخرى قال ابن جرير والأول أولى قلت وأقوى ولهذا قال ﴿وَما كُنّا مُنْزِلِينَ﴾ أي وما كنا نحتاج في الانتقام الى هذا حين كذبوا رسلنا وقتلوا ولينا ﴿إِنْ كانَتْ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ﴾ قال المفسرون بعث الله اليهم جبريل ﵇ فأخذ بعضادتي الباب الّذي لبلدهم ثم صاح بهم صيحة واحدة فاذاهم خامدون أي قد أخمدت أصواتهم وسكنت حركاتهم ولم يبق منهم عين تطرف.
وهذا كله مما يدل على أن هذه القرية ليست أنطاكية لأن هؤلاء أهلكوا بتكذيبهم رسل الله اليهم وأهل أنطاكية آمنوا واتبعوا رسل المسيح من الحواريين اليهم فلهذا قيل إن أنطاكية أول مدينة آمنت بالمسيح * فأما الحديث الّذي
رواه الطبراني من حديث حسين الأشقري عن سفيان بن عيينة عن ابن أبى نجيح عن مجاهد عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال (السبق ثلاثة فالسابق الى موسى يوشع بن نون والسابق الى عيسى صاحب يس والسابق الى محمد على ابن أبى طالب) فإنه حديث لا يثبت لأن حسينا هذا متروك وشيعي من الغلاة وتفرده بهذا مما يدل على ضعفه بالكلية والله أعلم *
قصة يونس ﵇
قال الله تعالى في سورة يونس ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ وقال تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقال تعالى في سورة والصافات ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَهُوَ سَقِيمٌ * وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ﴾
стр. 232
* وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ. وقال تعالى في سورة نون ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾. قال أهل التفسير بعث الله يونس ﵇ الى أهل نينوى من أرض الموصل فدعاهم الى الله فكذبوه وتمردوا على كفرهم وعنادهم فلما طال ذلك عليه من أمرهم خرج من بين أظهرهم ووعدهم حلول العذاب بهم بعد ثلاث.
قال ابن مسعود ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وغير واحد من السلف والخلف فلما خرج من بين ظهرانيهم وتحققوا نزول العذاب بهم قذف الله في قلوبهم التوبة والانابة وندموا على ما كان منهم الى نبيهم فلبسوا المسوح وفرقوا بين كل بهيمة وولدها ثم عجوا الى الله وصرخوا وتضرعوا اليه وتمسكنوا لديه وبكى الرجال والنساء والبنون والبنات والأمهات وجأرت الأنعام والدواب والمواشي فرغت الإبل وفصلانها وخارت البقر وأولادها وثغت الغنم وحملانها وكانت ساعة عظيمة هائلة فكشف الله العظيم بحوله وقوته ورأفته ورحمته عنهم العذاب الّذي كان قد اتصل بهم بسببه ودار على رءوسهم كقطع الليل المظلم ولهذا قال تعالى ﴿فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها﴾ أي هلا وجدت فيما سلف من القرون قرية آمنت بكمالها فدل على أنه لم يقع ذلك بل كما قال تعالى ﴿وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾. وقوله ﴿إِلاّ قَوْمَ يُونُسَ لَمّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾ أي آمنوا بكمالهم.
وقد اختلف المفسرون هل ينفعهم هذا الايمان في الدار الآخرة فينقذهم من العذاب الأخروي كما أنقذهم من العذاب الدنيوي على قولين الأظهر من السياق نعم والله أعلم كما قال تعالى ﴿لَمّا آمَنُوا﴾ وقال تعالى ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ * فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ﴾. وهذا المتاع الى حين لا ينفى أن يكون معه غيره من رفع العذاب الأخروي والله أعلم.
وقد كانوا مائة ألف لا محالة واختلفوا في الزيادة فعن مكحول عشرة آلاف *
وروى الترمذي وابن جرير وابن أبى حاتم من حديث زهير عمن سمع أبا العالية حدثني أبى بن كعب أنه سال رسول الله ﷺ عن قوله ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ قال يزيدون عشرين ألفا فلولا هذا الرجل المبهم لكان هذا الحديث فاصلا في هذا الباب * وعن ابن عباس كانوا مائة ألف وثلاثين ألفا وعنه وبضعة وثلاثين الفا. وعنه وبضعة وأربعين ألفا وقال سعيد بن جبير كانوا مائة ألف وسبعين ألفا.
واختلفوا هل كان إرساله اليهم قبل الحوت أو بعده أو هما أمتان على ثلاثة أقوال هي مبسوطة في التفسير * والمقصود أنه ﵇ لما ذهب مغاضبا بسبب قومه ركب سفينة في البحر فلجت بهم واضطربت وماجت بهم وثقلت بما فيها وكادوا يغرقون على ما ذكره المفسرون * قالوا فاشتوروا فيما
стр. 233
فيما بينهم على أن يقترعوا فمن وقعت عليه القرعة ألقوه من السفينة ليتحفظوا منه. فلما اقترعوا وقعت القرعة على نبي الله يونس فلم يسمحوا به فاعادوها ثانية فوقعت عليه أيضا فشمر ليخلع ثيابه ويلقى بنفسه فأبوا عليه ذلك. ثم أعادوا القرعة ثالثة فوقعت عليه أيضا لما يريده الله به من الأمر العظيم. قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾. وذلك أنه لما وقعت عليه القرعة ألقى في البحر وبعث الله حوتا عظيما من البحر الأخضر فالتقمه وأمره الله تعالى أن لا يأكل له لحما ولا يهشم له عظما فليس لك برزق فأخذه فطاف به البحار كلها وقيل إنه ابتلع ذلك الحوت حوت آخر أكبر منه * قالوا ولما استقر في جوف الحوت حسب أنه قد مات فحرك جوارحه فتحركت فإذا هو حي فخر لله ساجدا وقال يا رب اتخذت لك مسجدا لم يعبدك أحد في مثله وقد اختلفوا في مقدار لبثه في بطنه. فقال مجالد عن الشعبي التقمه ضحى ولفظه عشية * وقال قتادة مكث فيه ثلاثا وقال جعفر الصادق سبعة أيام ويشهد له شعر أمية بن أبى الصلت.
وأنت بفضل منك نجيت يونسا … وقد بات في أضعاف حوت لياليا
وقال سعيد بن أبى الحسن وأبو مالك مكث في جوفه أربعين يوما والله أعلم كم مقدار ما لبث فيه والمقصود أنه لما جعل الحوت يطوف به في قرار البحار اللجية ويقتحم به لجج الموج الأجاجى فسمع تسبيح الحيتان للرحمن وحتى سمع تسبيح الحصى لفالق الحب والنوى ورب السموات السبع والأرضين السبع وما بينها وما تحت الثرى * فعند ذلك وهنالك قال ما قال بلسان الحال والمقال كما أخبر عنه ذو العزة والجلال الّذي يعلم السر والنجوى ويكشف الضر والبلوى سامع الأصوات وان ضعفت وعالم الخفيات وان دقت ومجيب الدعوات وان عظمت حيث قال في كتابه المبين المنزل على رسوله الأمين وهو أصدق القائلين ورب العالمين وإله المرسلين ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ﴾ الى أهله ﴿مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أن نضيق * وقيل معناه نقدر من التقدير وهي لغة مشهورة قدر وقدّر كما قال الشاعر.
فلا عائد ذاك الزمان الّذي مضى … تباركت ما يقدر يكن فلك الأمر
﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ﴾ قال ابن مسعود وابن عباس وعمرو بن ميمون وسعيد بن جبير ومحمد ابن كعب والحسن وقتادة والضحاك ظلمة الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل وقال سالم بن أبى الجعد ابتلع الحوت حوت آخر فصار ظلمة الحوتين مع ظلمة البحر. وقوله تعالى ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ قيل معناه لولا أنه سبح الله هنالك وقال ما قال من التهليل والتسبيح
стр. 234
والاعتراف لله بالخضوع والتوبة اليه والرجوع اليه للبث هنالك الى يوم القيامة. ولبعث من جوف ذلك الحوت. هذا معنى ما روى عن سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وقيل معناه ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ﴾ من قبل أخذ الحوت له ﴿مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾ أي المطيعين المصلين الذاكرين الله كثيرا قاله الضحاك بن قيس وابن عباس وأبو العالية ووهب بن منبه وسعيد بن جبير والضحاك والسدي وعطاء بن السائب والحسن البصري وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير ويشهد لهذا ما
رواه الامام أحمد وبعض أهل السنن عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال لي (يا غلام إني معلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك تعرّف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة)
وروى ابن جرير في تفسيره والبزار في مسندة من حديث محمد بن إسحاق عمن حدثه عن عبد الله بن رافع مولى أم سلمة سمعت أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ «لما أراد الله حبس يونس في بطن الحوت أوحى الله الى الحوت أن خذ ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما» فلما انتهى به الى أسفل البحر سمع يونس حسا فقال في نفسه ما هذا فأوحى الله اليه وهو في بطن الحوت إن هذا تسبيح دواب البحر * قال فسبح وهو في بطن الحوت فسمعت الملائكة تسبيحه فقالوا (يا ربنا إنا نسمع صوتا بأرض غريبة) قال ذلك عبدي يونس عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر * قالوا العبد الصالح الّذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عمل صالح قال نعم * قال فشفعوا له عند ذلك فامر الحوت فقذفه في الساحل كما قال الله ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ هذا لفظ ابن جرير إسنادا ومتنا * ثم قال البزار لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا بهذا الاسناد كذا قال. وقد
قال ابن أبى حاتم في تفسيره حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن أخى ابن وهب حدثنا عمى حدثني أبو صخر أن يزيد الرقاشيّ حدثه سمعت أنس بن مالك ولا أعلم الا أن أنسا يرفع الحديث الى رسول الله ﷺ ان يونس النبي ﵇ حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت قال (اللهمّ ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فأقبلت الدعوة تحن بالعرش فقالت الملائكة يا رب صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة فقال أما تعرفون ذاك. قالوا يا رب ومن هو قال عبدي يونس قالوا عبدك يونس الّذي لم يزل يرفع له عملا متقبلا ودعوة مجابة قالوا يا ربنا أولا ترحم ما كان يصنعه في الرخاء فتنجيه من البلاء قال بلى فامر الحوت فطرحه في العراء * ورواه ابن جرير عن يونس عن ابن وهب به زاد ابن أبى حاتم * قال أبو صخر حميد بن زياد فأخبرني ابن قسيط وأنا أحدثه هذا الحديث أنه سمع أبا هريرة يقول طرح بالعراء وأنبت الله عليه اليقطينة قلنا يا أبا هريرة وما اليقطينة قال شجرة الدباء قال أبو هريرة وهيأ الله له أروية وحشية تأكل من خشاش الأرض أو قال هشاش الأرض. قال فتنفشخ عليه فترويه من لبنها كل عشية وبكرة حتى نبت وقال أمية ابن أبى الصلت في ذلك بيتا من شعره.
فأنبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله أصبح ضاويا
стр. 235
وهذا غريب أيضا من من هذا الوجه ويزيد الرقاشيّ ضعيف ولكن يتقوى بحديث أبي هريرة المتقدم كما يتقوى ذاك بهذا والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿فَنَبَذْناهُ﴾ أي ألقيناه ﴿بِالْعَراءِ﴾ وهو المكان القفر الّذي ليس فيه شيء من الأشجار بل هو عار منها ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي ضعيف البدن * قال ابن مسعود كهيئة الفرخ ليس عليه ريش * وقال ابن عباس والسدي وابن زيد كهيئة الضبيّ حين يولد وهو المنفرش ليس عليه شيء وأنبتنا عليه شجرة من يقطين * قال ابن مسعود وابن عباس وعكرمة ومجاهد وسعيد بن جبير ووهب ابن منبه وهلال بن يساف وعبد الله بن طاوس والسدي وقتادة والضحاك وعطاء الخراسانىّ وغير واحد هو القرع * قال بعض العلماء في إنبات القرع عليه حكم جمة. منها أن ورقه في غاية النعومة وكثير وظليل ولا يقربه ذباب ويؤكل ثمره من أول طلوعه الى آخره نيا ومطبوخا وبقشره وببزره أيضا وفيه نفع كثير وتقوية للدماغ وغير ذلك وتقدم كلام أبى هريرة في تسخير الله تعالى له تلك الاروية التي كانت ترضعه لبنها وترعى في البرية وتأتيه بكرة وعشية. وهذا من رحمة الله به ونعمته عليه وإحسانه اليه ولهذا قال تعالى ﴿فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ أي الكرب والضيق الّذي كان فيه ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وهذا صنيعنا بكل من دعانا واستجار بنا *
قال ابن جرير حدثني عمران بن بكار الكلاعي حدثنا يحيى ابن صالح حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن حدثني بشر بن منصور عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب قال سمعت سعد بن مالك وهو ابن أبى وقاص يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول اسم الله الّذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى قال فقلت يا رسول الله هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين قال هي ليونس خاصة وللمؤمنين عامة إذا دعوا بها. ألم تسمع قول الله تعالى ﴿فَنادى فِي الظُّلُماتِ أَنْ لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنا لَهُ وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرط من الله لمن دعاه به.
وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج حدثنا أبو خالد الأحمر عن كثير بن زيد عن المطلب بن حنطب * قال أبو خالد أحسبه عن مصعب يعنى ابن سعد عن سعد. قال قال رسول الله ﷺ (من دعا بدعاء يونس أستجيب له) قال أبو سعيد الأشج يريد به ﴿وَكَذلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهذان طريقان عن سعد. وثالث أحسن منهما.
قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل بن عمر حدثنا يونس بن أبى إسحاق الهمذانيّ حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سعد حدثني والدي محمد عن أبيه سعد وهو ابن أبى وقاص قال مررت بعثمان بن عفان في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه منى ثم لم يردد عليّ السلام فأتيت عمر بن الخطاب فقلت يا أمير المؤمنين هل حدث في السلام شيء قال لا وما ذاك قلت لا إلا أنى مررت بعثمان آنفا في المسجد فسلمت عليه فملأ عينيه منى ثم لم يردد عليّ السلام. قال فأرسل عمر الى عثمان فدعاه فقال ما منعك أن لا تكون رددت
стр. 236
على أخيك السلام. قال ما فعلت. قال سعد قلت بلى حتى حلف وحلفت. قال ثم إن عثمان ذكر فقال بلى وأستغفر الله وأتوب اليه إنك مررت بى آنفا وأنا أحدث نفسي بكلمة سمعتها من رسول الله ﷺ لا والله ما ذكرتها قط الا تغشى بصرى وقلبي غشاوة. قال سعد فانا أنبئك بها إن رسول الله ﷺ ذكر لنا أول دعوة ثم جاء أعرابى فشغله حتى قام رسول الله ﷺ فاتبعته فلما أشفقت أن يسبقني الى منزله ضربت بقدمي الأرض فالتفت الىّ رسول الله ﷺ فقال من هذا أبو إسحاق قال قلت نعم يا رسول الله قال فمه قلت لا والله إلا أنك ذكرت لنا أول دعوة. ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال نعم دعوة ذي النون إذ هو في بطن الحوت ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له ورواه الترمذي والنسائي من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد به *
ذكر فضل يونس ﵇
قال الله تعالى ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وذكره تعالى في جملة الأنبياء الكرام في سورتي النساء والانعام عليهم من الله أفضل الصلاة والسلام *
وقال الامام أحمد حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبى وائل عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) ورواه البخاري من حديث سفيان الثوري به *
وقال البخاري أيضا حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن قتادة عن أبى العالية عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال ما ينبغي لعبد أن يقول إني خير من يونس بن متى ونسبه الى أبيه. ورواه أحمد ومسلم وأبو داود من حديث شعبة به قال شعبة فيما حكاه أبو داود عنه لم يسمع قتادة من أبى العالية سوى أربعة أحاديث هذا أحدها * وقد
رواه الامام أحمد عن عفان عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال (وما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) تفرد به أحمد
ورواه الحافظ أبو القاسم الطبراني * حدثنا محمد بن الحسن بن كيسان حدثنا عبد الله بن رجاء أنبأنا إسرائيل عن أبى يحيى العتاب عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال (لا ينبغي لأحد أن يقول أنا عند الله خير من يونس بن متى) إسناده جيد ولم يخرجوه *
وقال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة عن سعد بن إبراهيم سمعت حميد بن عبد الرحمن عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال (لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى) وكذا رواه مسلم من حديث شعبة به وفي البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن الفضل عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبى هريرة في قصة المسلم الّذي لطم وجه اليهودي حين قال لا والّذي اصطفى موسى على
стр. 237
العالمين. قال البخاري في آخره (ولا أقول إن أحدا خير من يونس بن متى) أي ليس لأحد أن يفضل نفسه على يونس * والقول الآخر لا ينبغي لأحد أن يفضلني على يونس بن متى كما قد ورد في بعض الأحاديث لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى * وهذا من باب الهضم والتواضع منه صلوات الله وسلامه عليه وعلى سائر أنبياء الله والمرسلين
ذكر قصة موسى الكليم عليه الصلاة والتسليم
وهو موسى بن عمران بن قاهث بن عازر بن لاوى بن يعقوب بن سحق بن إبراهيم ﵈ قال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ وقد ذكره الله تعالى في مواضع كثيرة متفرقة من القرآن * وذكر قصته في مواضع متعددة مبسوطة مطولة وغير مطولة وقد تكلمنا على ذلك كله في مواضعه من التفسير وسنورد سيرته هاهنا من ابتدائها الى آخرها من الكتاب والسنة وما ورد في الآثار المنقولة من الإسرائيليات التي ذكرها السلف وغيرهم إن شاء الله وبه الثقة وعليه التكلان * قال الله تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ يذكر تعالى ملخص القصة ثم يبسطها بعد هذا فذكر أنه يتلو على نبيه خبر موسى وفرعون بالحق أي بالصدق الّذي كأن سامعه مشاهد للامر معاين له ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً﴾ أي تجبر وعتا وطغى وبغى وآثر الحياة الدنيا وأعرض عن طاعة الرب الأعلى وجعل أهلها شيعا أي قسم رعيته الى أقسام وفرق وأنواع يستضعف طائفة منهم وهم شعب بنى إسرائيل الذين هم من سلالة نبي الله يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله وكانوا إذ ذاك خيار أهل الأرض * وقد سلط عليهم هذا الملك الظالم الغاشم الكافر الفاجر يستعبدهم ويستخدمهم في أخس الصنائع والحرف وارداها وأدناها ومع هذا ﴿يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ وكان الحامل له على هذا الصنيع القبيح أن بنى إسرائيل كانوا يتدارسون فيما بينهم ما يأثرونه عن إبراهيم ﵇ من أنه سيخرج من ذريته غلام يكون هلاك ملك مصر على يديه وذلك والله أعلم حين كان جرى على سارة امرأة الخليل من ملك مصر من إرادته إياها على السوء وعصمة الله لها * وكانت هذه البشارة مشهورة في بنى إسرائيل
стр. 238
فتحدث بها القبط فيما بينهم ووصلت الى فرعون فذكرها له بعض أمرائه وأساورته وهم يسمرون عنده فامر عند ذلك بقتل أبناء بنى إسرائيل حذرا من وجود هذا الغلام ولن يغنى حذر من قدر.
وذكر السدي عن أبى صالح وأبى مالك عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة أن فرعون رأى في منامه كأن نارا قد أقبلت من نحو بيت المقدس فأحرقت دور مصر وجميع القبط ولم تضر بنى إسرائيل * فلما استيقظ هاله ذلك فجمع الكهنة والحزأة والسحرة وسألهم عن ذلك فقالوا هذا غلام يولد من هؤلاء يكون سبب هلاك أهل مصر على يديه فلهذا أمر بقتل الغلمان وترك النسوان ولهذا قال الله تعالى ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ وهم بنو إسرائيل ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ أي الذين يؤل ملك مصر وبلادها اليهم ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ أي سنجعل الضعيف قويا والمقهور قادرا والذليل عزيزا وقد جرى هذا كله لبني إسرائيل كما قال تعالى ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ الآية وقال تعالى كم تركوا من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بنى إسرائيل وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه إن شاء الله.
والمقصود أن فرعون احترز كل الاحتراز أن لا يوجد موسى حتى جعل رجالا وقوابل يدورون على الحبالى ويعلمون ميقات وضعهن فلا تلد امرأة ذكرا إلا ذبحه أولئك الذباحون من ساعته * وعند أهل الكتاب أنه إنما كان يأمر بقتل الغلمان لتضعف شوكة بنى إسرائيل فلا يقاومونهم إذا غالبوهم أو قاتلوهم. وهذا فيه نظر بل هو باطل وإنما هذا في الأمر بقتل الولدان بعد بعثة موسى كما قال تعالى ﴿فَلَمّا جاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا اُقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاِسْتَحْيُوا نِساءَهُمْ﴾ ولهذا قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ فالصحيح أن فرعون إنما أمر بقتل الغلمان أولا حذرا من وجود موسى. هذا والقدر يقول يا أيها ذا الملك الجبار المغرور بكثرة جنوده وسلطة بأسه واتساع سلطانه قد حكم العظيم الّذي لا يغالب ولا يمانع ولا يخالف أقداره ان هذا المولود الّذي تحترز منه وقد قتلت بسببه من النفوس ما لا يعد ولا يحصى لا يكون مرباه إلا في دارك وعلى فراشك ولا يغذى إلا بطعامك وشرابك في منزلك وأنت الّذي تتبناه وتربيه وتتعداه ولا تطلع على سر معناه ثم يكون هلاكك في دنياك وأخراك على يديه لمخالفتك ما جاءك به من الحق المبين وتكذيبك ما أوحى اليه لتعلم أنت وسائر الخلق أن رب السموات والأرض هو الفعال لما يريد وأنه هو القوى الشديد ذو البأس العظيم والحول والقوة والمشيئة التي لا مرد لها.
وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن القبط شكوا الى فرعون قلة بنى إسرائيل بسبب قتل
стр. 239
ولدانهم الذكور وخشي أن تتفانى الكبار مع قتل الصغار فيصيرون هم الذين يلون ما كان بنو إسرائيل يعالجون فامر فرعون بقتل الأبناء عاما وأن يتركوا عاما فذكروا أن هارون ﵇ ولد في عام المسامحة عن قتل الأبناء وأن موسى ﵇ ولد في عام قتلهم فضاقت أمه به ذرعا واحترزت من أول ما حبلت ولم يكن يظهر عليها مخائيل الحبل. فلما وضعت ألهمت أن اتخذت له تابوتا فربطته في حبل وكانت دارها متاخمة للنيل فكانت ترضعه فإذا خشيت من أحد وضعته في ذلك التابوت فأرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها فإذا ذهبوا استرجعته اليها به. قال الله تعالى ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ * فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ * وَقالَتِ اِمْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ هذا الوحي وحي الهام وإرشاد كما قال تعالى ﴿وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾ الآية وليس هو بوحي نبوة كما زعمه ابن حزم وغير واحد من المتكلمين بل الصحيح الأول كما حكاه أبو الحسن الأشعري عن أهل السنة والجماعة.
قال السهيليّ واسم أم موسى أيارخا. وقيل أياذخت (١) * والمقصود أنها أرشدت الى هذا الّذي ذكرناه والقى في خلدها وروعها أن لا تخافي ولا تحزني فإنه ان ذهب فان الله سيرده إليك وان الله سيجعله نبيا مرسلا يعلى كلمته في الدنيا والآخرة فكانت تصنع ما أمرت به فارسلته ذات يوم وذهلت أن تربط طرف الحبل عندها فذهب مع النيل فمر على دار فرعون ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ قال الله تعالى ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً﴾ قال بعضهم هذه لام العاقبة وهو ظاهر ان كان متعلقا بقوله فالتقطه * وأما ان جعل متعلقا بمضمون الكلام وهو أن آل فرعون قيضوا لالتقاطه ليكون لهم عدوا وحزنا صارت اللام معللة كغيرها والله أعلم * ويقوى هذا التقدير الثاني قوله ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ﴾ وهو الوزير السوء ﴿وَجُنُودَهُما﴾ المتابعين لهما ﴿كانُوا خاطِئِينَ﴾ أي كانوا على خلاف الصواب فاستحقوا هذه العقوبة والحسرة.
وذكر المفسرون أن الجواري التقطنه من البحر في تابوت مغلق عليه فلم يتجاسرن على فتحه حتى وضعنه بين يدي امرأة فرعون آسية بنت مزاحم بن عبيد بن الريان بن الوليد الّذي كان فرعون مصر في زمن يوسف * وقيل انها كانت من بنى إسرائيل من سبط موسى * وقيل بل كانت عمته حكاه السهيليّ فالله أعلم وسيأتي مدحها والثناء عليها في قصة مريم بنت عمران وأنهما يكونان يوم القيامة من أزواج رسول
стр. 240
صلى ﷺ في الجنة * فلما فتحت الباب وكشفت الحجاب رأت وجهه يتلألأ بتلك الأنوار النبويّة والجلالة الموسوية فلما رأته ووقع نظرها عليه أحبته حبا شديدا جدا * فلما جاء فرعون قال ما هذا وأمر بذبحه فاستوهبته منه ودفعت عنه (وقالت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال لها فرعون أما لك فنعم وأمالى فلا أي لا حاجة لي به (والبلاء موكل بالمنطق). وقولها ﴿عَسى أَنْ يَنْفَعَنا﴾ وقد أنالها الله ما رجت من النفع أما في الدنيا فهداها الله به وأما في الآخرة فأسكنها جنته بسببه ﴿أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ وذلك أنهما تبنياه لأنه لم يكن يولد لهما ولد. قال الله تعالى ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ أي لا يدرون ماذا يريد الله بهم أن قيضهم لالتقاطه من النقمة العظيمة بفرعون وجنوده. ﴿وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ * وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ * فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وأبو عبيدة والحسن وقتادة والضحاك وغيرهم ﴿وأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً﴾ أي من كل شيء من أمور الدنيا إلا من موسى إن كادت لتبدي به أي لتظهر أمره وتسأل عنه جهرة ﴿لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ أي صبرناها وثبتناها ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقالت لأخته وهي ابنتها الكبيرة قصيه أي اتبعى أثره واطلبى له خبره فبصرت به عن جنب * قال مجاهد عن بعد * وقال قتادة جعلت تنظر اليه وكأنها لا تريده * ولهذا قال ﴿وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وذلك لأن موسى ﵇ لما استقر بدار فرعون أرادوا أن يغذوه برضاعة فلم يقبل ثديا ولا أخذ طعاما فحاروا في أمره واجتهدوا على تغذيته بكل ممكن فلم يفعل. كما قال تعالى ﴿وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ فأرسلوه مع القوابل والنساء الى السوق لعل يجدون من يوافق رضاعته فبينما هم وقوف به والناس عكوف عليه إذ بصرت به أخته فلم تظهر أنها تعرفه بل قالت ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ﴾ * قال ابن عباس لما قالت ذلك قالوا لها ما يدريك بنصحهم وشفقتهم عليه فقالت رغبة في صهر الملك ورجاء منفعته فأطلقوها وذهبوا معها الى منزلهم فأخذته أمه فلما أرضعته التقم ثديها وأخذ يمتصه ويرتضعه ففرحوا بذلك فرحا شديدا وذهب البشير الى آسية يعلمها بذلك فاستدعتها الى منزلها وعرضت عليها أن تكون عندها وأن تحسن اليها فأبت عليها وقالت إن لي بعلا وأولادا ولست أقدر على هذا إلا أن ترسليه معى فارسلته معها ورتبت لها رواتب وأجرت عليها النفقات والكساوى والهبات فرجعت به تحوزه الى رحلها وقد جمع الله شمله بشملها. قال الله تعالى ﴿فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ﴾ أي كما وعدناها برده ورسالته فهذا رده وهو دليل على صدق البشارة برسالته ﴿وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقد امتن الله على موسى بهذا ليلة كلمه فقال له فيما قال له ﴿وَلَقَدْ مَنَنّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرى * إِذْ﴾
стр. 241
أَوْحَيْنا إِلى أُمِّكَ ما يُوحى * أَنِ اِقْذِفِيهِ فِي التّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي) إذ قال قتادة وغير واحد من السلف أي تطعم وترفه وتغذى بأطيب المآكل وتلبس أحسن الملابس بمرأى منى وذلك كله بحفظي وكلائتى لك فيما صنعت بك لك وقدرته من الأمور التي لا يقدر عليها غيري ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْناكَ إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ وسنورد حديث الفتون في موضعه بعد هذا إن شاء الله تعالى وبه الثقة وعليه التكلان.
﴿وَلَمّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاِسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾ لما ذكر تعالى أنه أنعم على أمه برده لها وإحسانه بذلك وامتنانه عليها شرع في ذكر أنه لما بلغ أشده واستوى وهو احتكام الخلق والخلق وهو سن الأربعين في قول الأكثرين آتاه الله حكما وعلما وهو النبوة والرسالة التي كان بشر بها أمه حين قال ﴿إِنّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ثم شرع في ذكر سبب خروجه من بلاد مصر وذهابه الى أرض مدين وإقامته هنالك حتى كمل الأجل وانقضى الأمد وكان ما كان من كلام الله له وإكرامه بما أكرمه به كما سيأتي. قال تعالى ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها﴾ قال ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة وقتادة والسدي وذلك نصف النهار * وعن ابن عباس بين العشائين ﴿فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ﴾ أي يتضاربان ويتهاوشان ﴿هذا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي إسرائيلي ﴿وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي قبطى قاله ابن عباس وقتادة والسدي ومحمد بن إسحاق ﴿فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وذلك أن موسى ﵇ كانت له بديار مصر صولة بسبب نسبته الى تبنى فرعون له وتربيته في بيته وكانت بنو إسرائيل قد عزوا وصارت لهم وجاهة وارتفعت رءوسهم بسبب أنهم أرضعوه وهم أخواله أي من الرضاعة فلما استغاث ذلك الإسرائيلي موسى ﵇ على ذلك القبطي أقبل اليه موسى ﴿فَوَكَزَهُ﴾ * قال مجاهد أي طعنه بجمع كفه * وقال قتادة بعصا كانت معه ﴿فَقَضى عَلَيْهِ﴾ أي فمات منها * وقد كان ذلك القبطي كافرا مشركا بالله العظيم ولم يرد موسى قتله بالكلية وإنما أراد زجره وردعه ومع هذا (قال) موسى ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ * قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ أي من العز والجاه ﴿فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اِسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ * فَلَمّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى﴾
стр. 242
أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ * وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ * فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ يخبر تعالى أن موسى أصبح بمدينة مصر خائفا أي من فرعون وملئه أن يعلموا أن هذا القتيل الّذي رفع اليه أمره إنما قتله موسى في نصرة رجل من بنى إسرائيل فتقوى ظنونهم أن موسى منهم ويترتب على ذلك أمر عظيم فصار يسير في المدينة في صبيحة ذلك اليوم ﴿خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ أي يلتفت فبينما هو كذلك إذا ذلك الرجل الإسرائيلي الّذي استنصره بالأمس يستصرخه أي يصرخ به ويستغيثه على آخر قد قاتله فعنفه موسى ولامه على كثرة شره ومخاصمته قال له إنك لغويّ مبين * ثم أراد أن يبطش بذلك القبطي الّذي هو عدو لموسى وللاسرائيلى فيردعه عنه ويخلصه منه فلما عزم على ذلك وأقبل على القبطي ﴿قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاّ أَنْ تَكُونَ جَبّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ قال بعضهم إنما قال هذا الكلام الإسرائيلي الّذي اطلع على ما كان صنع موسى بالأمس وكأنه لما رأى موسى مقبلا الى القبطي اعتقد أنه جاء اليه لما عنفه قبل ذلك بقوله إنك لغويّ مبين فقال ما قال لموسى وأظهر الأمر الّذي كان وقع بالأمس فذهب القبطي فاستعدى موسى الى فرعون. وهذا الّذي لم يذكر كثير من الناس سواه. ويحتمل أن قائل هذا هو القبطي وأنه لما رآه مقبلا اليه خافه ورأى من سجيته انتصارا جيدا للاسرائيلى فقال ما قال من باب الظن والفراسة إن هذا لعله قاتل ذاك القتيل بالأمس أو لعله فهم من كلام الإسرائيلي حين استصرخه عليه ما دله على هذا والله أعلم.
والمقصود أن فرعون بلغه أن موسى هو قاتل ذلك المقتول بالأمس فأرسل في طلبه وسبقهم رجل ناصح عن طريق أقرب ﴿وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ساعيا اليه مشفقا عليه فقال ﴿يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾ أي من هذه البلدة ﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النّاصِحِينَ﴾ أي فيما أقوله لك قال الله تعالى ﴿فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ أي فخرج من مدينة مصر من فوره على وجهه لا يهتدى الى طريق ولا يعرفه قائلا ﴿رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ * وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾. يخبر تعالى عن خروج عبده ورسوله وكليمه من مصر خائفا يترقب أي يتلفت خشية أن يدركه أحد من قوم فرعون وهو لا يدرى أين يتوجه ولا الى أين يذهب وذلك لأنه لم يخرج من مصر قبلها ﴿وَلَمّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ﴾ أي اتجه له طريق يذهب فيه ﴿قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي﴾
стр. 243
سَواءَ السَّبِيلِ). أي عسى أن تكون هذه الطريق موصلة الى المقصود * وكذا وقع أو صلته الى مقصود وأي مقصود ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ وكانت بئرا يستقون منها * ومدين هي المدينة التي أهلك الله فيها أصحاب الأيكة وهم قوم شعيب ﵇ * وقد كان هلاكهم قبل زمن موسى ﵇ في أحد قولي العلماء * ﴿وَلَمّا وَرَدَ ماءَ﴾ المذكور ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ أي تكفكفان غنمهما أن تختلط بغنم الناس * وعند أهل الكتاب أنهن كن سبع بنات.
وهذا أيضا من الغلط وكأنه كن سبعا ولكن إنما كان تسقى اثنتان منهن. وهذا الجمع ممكن ان كان ذاك محفوظا والا فالظاهر أنه لم يكن له سوى بنتان ﴿قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ﴾ أي لا نقدر على ورود الماء إلا بعد صدور الرعاء لضعفنا وسبب مباشرتنا هذه الرعية ضعف أبينا وكبره قال الله تعالى ﴿فَسَقى لَهُما﴾.
قال المفسرون وذلك أن الرعاء كانوا إذا فرغوا من وردهم وضعوا على فم البئر صخرة عظيمة فتجيء هاتان المرأتان فيشرعان غنمهما في فضل أغنام الناس فلما كان ذلك اليوم جاء موسى فرفع تلك الصخرة وحده. ثم استقى لهما وسقى غنمهما ثم رد الحجر. كما كان * قال أمير المؤمنين عمر وكان لا يرفعه إلا عشرة وإنما استقى ذنوبا واحدا فكفاهما. ثم تولى الى الظل قالوا وكان ظل شجرة من السمر * روى ابن جرير عن ابن مسعود أنه رآها خضراء ترف (قال ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ قال ابن عباس سار من مصر الى مدين لم يأكل إلا البقل وورق الشجر وكان حافيا فسقطت نعلا قدميه من الحفاء وجلس في الظل وهو صفوة الله من خلقه وان بطنه لاصق بظهره من الجوع وإن خضرة البقل لترى من داخل جوفه وانه لمحتاج الى شق تمرة * قال عطاء بن السائب لما (قال ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ اسمع المرأة ﴿فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اِسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ * قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ * قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ لما جلس موسى ﵇ في الظل و (قال ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ سمعته المرأتان فيما قيل فذهبتا الى أبيهما فيقال إنه استنكر سرعة رجوعهما فأخبرتاه ما كان من أمر موسى ﵇ فأمر إحداهما أن تذهب اليه فتدعوه فجاءته إحداهما تمشى على استحياء أي مشى الحرائر قالت إن أبى يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا * صرحت له بهذا لئلا يوهم كلامها ريبة. وهذا من تمام حيائها وصيانتها فلما جاءه وقص عليه القصص وأخبره خبره وما كان من أمره في خروجه من بلاد مصر فرارا من
стр. 244
فرعونها (قال له) ذلك الشيخ ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ أي خرجت من سلطانهم فلست في دولتهم.
وقد اختلفوا في هذا الشيخ من هو فقيل هو شعيب ﵇. وهذا هو المشهور عند كثيرين وممن نص عليه الحسن البصري ومالك بن أنس. وجاء مصرحا به في حديث ولكن في إسناده نظر وصرح طائفة بان شعيبا ﵇ عاش عمرا طويلا بعد هلاك قومه حتى أدركه موسى ﵇ وتزوج بابنته. وروى ابن أبى حاتم وغيره عن الحسن البصري أن صاحب موسى ﵇ هذا اسمه شعيب وكان سيد الماء ولكن ليس بالنبيّ صاحب مدين * وقيل إنه ابن أخى شعيب * وقيل ابن عمه * وقيل رجل مؤمن من قوم شعيب * وقيل رجل اسمه يثرون هكذا هو في كتب أهل الكتاب يثرون كاهن مدين أي كبيرها وعالمها * قال ابن عباس وأبو عبيدة بن عبد الله اسمه يثرون. زاد أبو عبيدة وهو ابن أخي شعيب. زاد ابن عباس صاحب مدين.
والمقصود أنه لما أضافه وأكرم مثواه وقص عليه ما كان من أمره بشره بأنه قد نجا فعند ذلك قالت إحدى البنتين لأبيها يا أبت استأجره أي لرعى غنمك ثم مدحته بانه قوى أمين قال عمرو ابن عباس وشريح القاضي وأبو مالك وقتادة ومحمد بن إسحاق وغير واحد لما قالت ذلك قال لها أبوها وما علمك بهذا فقالت إنه رفع صخرة لا يطيق رفعها إلا عشرة. وأنه لما جئت معه تقدمت أمامه فقال كوني من ورائي فإذا اختلف الطريق فاخذ في لي بحصاة أعلم بها كيف الطريق.
قال ابن مسعود أفرس الناس ثلاثة * صاحب يوسف حين قال لامرأته أكرمى مثواه * وصاحبة موسى حين قالت ﴿يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ * وأبو بكر حين أستخلف عمر بن الخطاب ﴿قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ استدل بهذا جماعة من أصحاب أبى حنيفة ﵀ على صحة ما إذا باعه أحد هذين العبدين أو الثوبين ونحو ذلك أنه يصح لقوله احدى ابنتي هاتين * وفي هذا نظر لأن هذه مراوضة لا معاقدة والله أعلم.
واستدل أصحاب احمد على صحة الايجار بالطعمة والكسوة كما جرت به العادة واستأنسوا بالحديث الّذي
رواه ابن ماجة في سننه مترجما في كتابه (باب استئجار الأجير) على طعام بطنه حدثنا محمد ابن الصفي الحمصي حدثنا بقية بن الوليد عن مسلمة بن على عن سعيد بن أبى أيوب عن الحارث بن يزيد عن على بن رباح قال سمعت عتبة بن الدر يقول كنا عند رسول الله ﷺ فقرأ طس حتى إذا بلغ قصة موسى قال ان موسى ﵇ آجر نفسه ثماني سنين أو عشرة على عفة فرجه وطعام بطنه وهذا من هذا الوجه لا يصح لأن مسلمة بن على الحسنى الدمشقيّ البلاطي ضعيف عند الأئمة لا يحتج بتفرده ولكن
стр. 245
قد
روى من وجه آخر فقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكر حدثني ابن لهيعة (ح) وحدثنا أبو زرعة حدثنا صفوان حدثنا الوليد حدثنا عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرميّ عن على بن رباح اللخمي قال سمعت عتبة بن الندّر السلمي صاحب رسول الله ﷺ يحدث أن رسول الله قال إن موسى ﵇ آجر نفسه لعفة فرجه وطعمة بطنه * ثم قال تعالى ﴿ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ﴾ يقول إن موسى قال لصهره الأمر على ما قلت فأيهما قضيت فلا عدوان على والله على مقالتنا سامع ومشاهد ووكيل على وعليك ومع هذا فلم يقض موسى إلا أكمل الأجلين وأتمهما وهو العشر سنين كوامل تامة.
قال البخاري حدثنا محمد بن عبد الرحيم حدثنا سعيد بن سليمان حدثنا مروان بن شجاع عن سالم الأفطس عن سعيد بن جبير قال سألني يهودي من أهل الحيرة أي الأجلين قضى موسى فقلت لا أدرى حتى أقدم على حبر العرب فاسأله فقدمت فسألت ابن عباس فقال قضى أكثرهما وأطيبهما إن رسول الله إذا قال فعل. تفرد به البخاري من هذا الوجه وقد رواه النسائي في حديث الفتون كما سيأتي من طريق القاسم بن أبى أيوب عن سعيد بن جبير وقد
رواه ابن جرير عن احمد بن محمد الطوسي وابن أبى حاتم عن أبيه كلاهما عن الحميدي عن سفيان بن عيينة حدثني إبراهيم بن يحيى بن أبى يعقوب عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال سألت جبريل أي الأجلين قضى موسى قال أتمهما وأكملهما * وإبراهيم هذا غير معروف إلا بهذا الحديث. وقد رواه البزار عن أحمد بن أبان القرش عن سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن أعين عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي ﷺ فذكره وقد
رواه سنيد عن حجاج عن ابن جريج عن مجاهد مرسلا أن رسول الله سأل عن ذلك جبريل فسأل جبريل إسرافيل فسأل إسرافيل الرب فقال أبرهما وأوفاهما. وبنحوه
رواه ابن أبى حاتم من حديث يوسف بن سرح مرسلا ورواه ابن جرير من طريق محمد بن كعب أن رسول الله ﷺ سئل أي الأجلين قضى موسى قال أوفاهما وأتمهما. وقد
رواه البزار وابن أبى حاتم من حديث عويد بن أبى عمران الجونى وهو ضعيف عن أبيه عن عبد الله ابن الصامت عن أبى ذر أن رسول الله ﷺ سئل أي الأجلين قضى موسى قال أوفاهما وأبرهما قال وإن سئلت أي المرأتين تزوج فقل الصغرى منهما. وقد
رواه البزار وابن أبى حاتم من طريق عبد الله بن لهيعة عن الحارث بن يزيد الحضرميّ عن على بن رباح عن عتبة بن الندّر أن رسول الله قال إن موسى آجر نفسه بعفة فرجه وطعام بطنه * فلما وفي الأجل قيل يا رسول الله أي الأجلين قال أبرهما وأوفاهما * فلما أراد فراق شعيب سأل امرأته أن تسأل أباها أن يعطيها من غنمه ما يعيشون به فأعطاها ما ولدت من غنمه من قالب لون من ولد ذلك العام وكانت غنمه سودا حسانا فانطلق موسى ﵇
стр. 246
الى عصا قسمها من طرفها * ثم وضعها في أدنى الحوض ثم أوردها فسقاها ووقف موسى ﵇ بإزاء الحوض فلم يصدر منها شاة الأضرب جنبها شاة شاة قال فاتمئت وآنثت (١) ووضعت كلها قوالب ألوان إلا شاة أو شاتين ليس فيها فشوش ولا ضبوب ولا عزوز ولا ثعول ولا كموش تفوت الكف
قال النبي ﷺ لو اقتحمتم الشام وجدتم بقايا تلك الغنم وهي السامرية. قال ابن لهيعة الفشوش واسعة السخب والضبوب طويلة الضرع تجره والعزوز ضيقة السخب والثعول الصغيرة الضرع كالحلمتين والكموش التي لا يحكم الكف على ضرعها لصغره وفي صحة رفع هذا الحديث نظر * وقد يكون موقوفا كما قال ابن جرير حدثنا محمد بن المثنى حدثنا معاذ بن هشام حدثنا أبى عن قتادة حدثنا أنس بن مالك قال لما دعا نبي الله موسى صاحبه الى الأجل الّذي كان بينهما قال له صاحبه كل شاة ولدت على لونها فلك ولدها فعمد فوضع خيالا على الماء فلما رأت الخيال فزعت فجالت جولة فولدن كلهن بلقا الا شاة واحدة فذهب بأولادهن ذلك العام وهذا إسناد رجاله ثقات والله أعلم.
وقد تقدم عن نقل أهل الكتاب عن يعقوب ﵇ حين فارق خاله لابان أنه أطلق له ما يولد من غنمه بلقا ففعل نحو ما ذكر عن موسى ﵇ فالله أعلم. ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ * فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ * اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾. تقدم أن موسى قضى أتم الأجلين وأكملهما وقد يؤخذ هذا من قوله ﴿فَلَمّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ وعن مجاهد أنه أكمل عشرا وعشرا بعدها. وقوله ﴿وَسارَ بِأَهْلِهِ﴾ أي من عند صهره ذاهبا فيما ذكره غير واحد من المفسرين وغيرهم أنه اشتاق الى أهله فقصد زيارتهم ببلاد مصر في صورة مختف فلما سار بأهله ومعه ولدان منهم وغنم قد استفادها مدة مقامه قالوا واتفق ذلك في ليلة مظلمة باردة وتاهوا في طريقهم فلم يهتدوا الى السلوك في الدرب المألوف وجعل يورى زناده فلا يورى شيئا واشتد الظلام والبرد فبينما هو كذلك إذ أبصر عن بعد نارا تأجج في جانب الطور وهو الجبل الغربي منه عن يمينه ف ﴿قالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً﴾ وكأنه والله أعلم رآها دونهم لأن هذه النار هي نور في الحقيقة ولا يصلح رؤيتها لكل أحد ﴿لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ﴾ أي لعلى أستعلم من عندها عن الطريق ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾ فدل على أنهم كانوا قد تاهوا عن الطريق في ليلة باردة ومظلمة لقوله في الآية الأخرى
стр. 247
﴿وَهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى * إِذْ رَأى ناراً فَقالَ لِأَهْلِهِ اُمْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النّارِ هُدىً﴾ فدل على وجود الظلام وكونهم تاهوا عن الطريق * وجمع الكل في سورة النمل في قوله ﴿إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
وقد أتاهم منها بخبر وأي خبر ووجد عندها هدى وأيّ هدى واقتبس منها نورا وأي نور. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ﴾. وقال في النمل ﴿فَلَمّا جاءَها نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النّارِ وَمَنْ حَوْلَها وَسُبْحانَ اللهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ أي سبحان الله الّذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد ﴿يا مُوسى إِنَّهُ أَنَا اللهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وقال في سورة طه ﴿فَلَمّا أَتاها نُودِيَ يا مُوسى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً * وَأَنَا اِخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِما يُوحى * إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي * إِنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى * فَلا يَصُدَّنَّكَ عَنْها مَنْ لا يُؤْمِنُ بِها وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَتَرْدى﴾. قال غير واحد من المفسرين من السلف والخلف لما قصد موسى الى تلك النار التي رآها فانتهى اليها وجدها تأجج في شجرة خضراء من العوسج وكل ما لتلك النار في اضطرام وكل ما لخضرة تلك الشجرة في ازدياد فوقف متعجبا وكانت تلك الشجرة في لحف جبل غربي منه عن يمينه كما قال تعالى ﴿وَما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَما كُنْتَ مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ وكان موسى في واد اسمه طوى فكان موسى مستقبل القبلة وتلك الشجرة عن يمينه من ناحية الغرب فناداه ربه بالواد المقدس طوى فأمر أولا بخلع نعليه تعظيما وتكريما وتوقيرا لتلك البقعة المباركة ولا سيما في تلك الليلة المباركة.
وعند أهل الكتاب أنه وضع يده على وجهه من شدة ذلك النور مهابة له وخوفا على بصره ثم خاطبه تعالى كما يشاء قائلا له إني أنا الله رب العالمين * ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ أي أنا رب العالمين الّذي لا إله إلا هو الّذي لا تصلح العبادة واقامة الصلاة إلا له. ثم أخبره أن هذه الدنيا ليست بدار قرار وإنما الدار الباقية يوم القيامة التي لا بد من كونها ووجودها ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ أي من خير وشر. وحضه وحثه على العمل لها ومجانبة من لا يؤمن بها ممن عصى مولاه واتبع هواه ثم قال له مخاطبا ومؤانسا ومبينا له أنه القادر على كل شيء الّذي يقول للشيء كن فيكون. ﴿وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى﴾ أي أما هذه عصاك التي نعرفها منذ صحبتها ﴿قالَ هِيَ عَصايَ أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَأَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي وَلِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾. أي بل هذه عصاي التي أعرفها وأتحققها ﴿قالَ أَلْقِها يا مُوسى * فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى﴾. وهذا خارق عظيم وبرهان قاطع على أن الّذي يكلمه يقول للشيء كن فيكون وأنه الفعال بالاختيار * وعند أهل الكتاب أنه سأل برهانا على صدقه عند من يكذبه من أهل مصر فقال له الرب
стр. 248
ما هذه التي في يدك قال عصاي قال القها الى الأرض (فألقاها فإذا هي حية تسعى) فهرب موسى من قدامها فأمره الرب أن يبسط يده ويأخذها بذنبها فلما استمكن منها ارتدت عصا في يده وقد قال الله تعالى في الآية الأخرى ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي قد صارت حية عظيمة لها ضخامة هائلة وأنياب تصك وهي مع ذلك في سرعة حركة الجان وهو ضرب من الحيات * يقال الجان والجنان وهو لطيف ولكن سريع الاضطراب والحركة جدا فهذه جمعت الضخامة والسرعة الشديدة فلما عاينها موسى ﵇ ﴿وَلّى مُدْبِراً﴾ أي هاربا منها لان طبيعته البشرية تقتضي ذلك ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي ولم يلتفت (فناداه ربه) قائلا له (يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين فلما رجع أمره الله تعالى أن يمسكها. ﴿قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى﴾.
فيقال إنه هابها شديدا فوضع يده في كم مدرعته ثم وضع يده في وسط فمها * وعند أهل الكتاب بذنبها فلما استمكن منها إذا هي قد عادت كما كانت عصا ذات شعبتين فسبحان القدير العظيم رب المشرقين والمغربين ثم أمره تعال بإدخال يده في جيبه. ثم أمره بنزعها فإذا هي تتلألأ كالقمر بياضا من غير سوء أي من غير برص ولا بهق. ولهذا قال ﴿اُسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاُضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ قيل معناه إذا خفت فضع يدك على فؤادك يسكن جأشك. وهذا وإن كان خاصما به الا أن بركة الايمان به حق بأن ينفع من استعمل ذلك على وجه الاقتداء بالأنبياء وقال في سورة النمل ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آياتٍ إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ أي هاتان الآيتان وهما العصا واليد وهما البرهانان المشار اليهما في قوله ﴿فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ ومع ذلك سبع آيات أخر فذلك تسع آيات بينات وهي المذكورة في آخر سورة سبحان حيث يقول تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً * قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً﴾ وهي المبسوطة في سورة الأعراف في قوله ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * فَإِذا جاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قالُوا لَنا هذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ * وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ * فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ وَالْجَرادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفادِعَ وَالدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ﴾ كما سيأتي الكلام على ذلك في موضعه وهذه التسع آيات غير العشر الكلمات فان التسع من كلمات الله القدرية والعشر من كلماته الشرعية وانما نبهنا على هذا لانه قد اشتبه أمرها على بعض الرواة فظن أن هذه هي هذه كما قررنا ذلك في تفسير آخر سورة بنى إسرائيل.
стр. 249
والمقصود أن الله سبحانه لما أمر موسى ﵇ بالذهاب الى فرعون ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾. يقول تعالى مخبرا عن عبده ورسوله وكليمه موسى ﵇ في جوابه لربه حين أمره بالذهاب الى عدوه الّذي خرج من ديار مصر فرارا من سطوته وظلمه حين كان من أمره ما كان في قتل ذلك القبطي ولهذا ﴿قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾. أي اجعله معى معينا وردءا ووزيرا يساعدني ويعينني على أداء رسالتك اليهم فإنه أفصح منى لسانا وأبلغ بيانا * قال الله تعالى مجيبا له الى سؤاله ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً﴾ أي برهانا ﴿فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما﴾ أي فلا ينالون منكما مكروها بسبب قيامكما بآياتنا. وقيل ببركة آياتنا ﴿أَنْتُما وَمَنِ اِتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ﴾ وقال في سورة طه ﴿اِذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى * قالَ رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ قيل إنه أصابه في لسانه لثغة بسبب تلك الجمرة التي وضعها على لسانه التي كان فرعون أراد اختبار عقله حين أخذ بلحيته وهو صغير فهم بقتله فخافت عليه آسية وقالت إنه طفل فاختبره بوضع تمرة وجمرة بين يديه فهم بأخذ التمرة فصرف الملك يده الى الجمرة فأخذها فوضعها على لسانه فأصابه لثغة بسببها فسأل زوال بعضها بمقدار ما يفهمون قوله ولم يسأل زوالها بالكلية.
قال الحسن البصري والرسل إنما يسألون بحسب الحاجة ولهذا بقيت في لسانه بقية ولهذا قال فرعون قبحه الله فيما زعم إنه يعيب به الكليم ﴿وَلا يَكادُ يُبِينُ﴾ أي يفصح عن مراده ويعبر عما في ضميره وفؤاده * ثم قال موسى ﵇ ﴿وَاِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي * هارُونَ أَخِي * اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً * وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً * إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً * قالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يا مُوسى﴾ أي قد أجبناك الى جميع ما سألت وأعطيناك الّذي طلبت وهذا من وجاهته عند ربه حين شفع أن يوحى الله الى أخيه فأوحى اليه وهذا جاه عظيم قال الله تعالى ﴿وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ وقال تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ وقد سمعت أم المؤمنين عائشة رجلا يقول لأناس وهم سائرون طريق الحج (أي أخ أمن على أخيه) فسكت القوم فقالت عائشة لمن حول هودجها هو موسى بن عمران حين شفع في أخيه هارون فأوحى اليه قال الله تعالى ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ قال تعالى في سورة الشعراء ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ اِئْتِ الْقَوْمَ الظّالِمِينَ * قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ * قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ * وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ * قالَ كَلاّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ * فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ * أَنْ أَرْسِلْ﴾
стр. 250
مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ * قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ * وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ تقدير الكلام فأتياه فقالا له ذلك وبلغاه ما أرسلا به من دعوته الى عبادة الله تعالى وحده لا شريك له وأن يفك أسارى بنى إسرائيل من قبضته وقهره وسطوته وتركهم يعبدون ربهم حيث شاءوا ويتفرغون لتوحيده ودعائه والتضرع لديه فتكبر فرعون في نفسه وعتا وطغى ونظر الى موسى بعين الازدراء والتنقص قائلا له ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾ أي اما أنت الّذي ربيناه في منزلنا وأحسنا اليه وأنعمنا عليه مدة من الدهر وهذا يدل على أن فرعون الّذي بعث اليه هو الّذي فر منه خلافا لما عند أهل الكتاب من أن فرعون الّذي فر منه مات في مدة مقامه بمدين وأن الّذي بعث اليه فرعون آخر. وقوله ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ﴾ أي وقتلت الرجل القبطي وفررت منا وجحدت نعمتنا ﴿قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضّالِّينَ﴾ أي قبل أن يوحى الى وينزل على ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ثم قال مجيبا لفرعون عما امتن به من التربية والإحسان اليه وتلك نعمة تمنها على أن عبدت بنى إسرائيل أي وهذه النعمة التي ذكرت من أنك أحسنت الى وأنا رجل واحد من بنى إسرائيل تقابل ما استخدمت هذا الشعب العظيم بكماله واستعبدتهم في أعمالك وخدمك وأشغالك ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾.
﴿* قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ * قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ * قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يذكر تعالى ما كان بين فرعون وموسى من المقاولة والمحاجة والمناظرة وما أقامه الكليم على فرعون اللئيم من الحجة العقلية المعنوية ثم الحسية. وذلك أن فرعون قبحه الله أظهر جحد الصانع ﵎. وزعم أنه الإله ﴿فَحَشَرَ فَنادى * فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى﴾ وقال ﴿يا أَيُّهَا الْمَلَأُ ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي﴾. وهو في هذه المقالة معاند يعلم أنه عبد مربوب وأن الله هو الخالق البارئ المصور الإله الحق كما قال تعالى ﴿وَجَحَدُوا بِها وَاِسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ ولهذا قال لموسى ﵇ على سبيل الإنكار لرسالته والإظهار انه ما ثم رب أرسله ﴿وَما رَبُّ الْعالَمِينَ﴾ لأنهما قالا له ﴿إِنّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ فكأنه يقول لهما ومن رب العالمين الّذي تزعمان أنه أرسلكما وابتعثكما فأجابه موسى قائلا ﴿رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ يعنى رب العالمين خالق هذه السموات والأرض المشاهدة وما بينهما من المخلوقات المتجددة من السحاب والرياح والمطر والنبات والحيوانات التي يعلم كل موقن انها لم تحدث بأنفسها ولا بد لها من موجد ومحدث وخالق وهو الله الّذي لا إله إلا هو رب العالمين. (قال) أي فرعون لمن حوله من أمرائه ومرازبته ووزرائه