ألا إن خير الناس بعد ثلاثة … قتيل التجيبي الّذي جاء من مضر
ولما رجع الحج وجدوا عثمان ﵁ قد قتل، وبايع الناس على بن أبى طالب ﵁. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي
فصل
كانت مدة حصار عثمان ﵁ في داره أربعين يوما على المشهور، وقيل كانت بضعا وأربعين يوما. وقال الشعبي: كانت ثنتين وعشرين ليلة. ثم كان قتله ﵁ في يوم الجمعة بلا خلاف.
قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها، ونص عليه مصعب بن الزبير وآخرون.
وقال آخرون ضحوة نهارها، وهذا أشبه، وكان ذلك لثماني عشر ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور، وقيل في أيام التشريق، رواه ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير ثنا أبو خيثمة ثنا وهب بن جرير سمعت يونس عن يزيد عن الزهري. قال: قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق، وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث خلت من ذي الحجة. وقيل قتل يوم النحر، حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
قال: والأول هو الأشهر، وقيل إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وقيل سنة ست وثلاثين، قال مصعب بن الزبير وطائفة: وهو غريب. فكانت خلافته ثنتى عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما، لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين. فأما عمره ﵁ فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة، وقال صالح بن كيسان: توفى عن ثنتين وثمانين سنة وأشهر، وقيل: أربع وثمانون سنة، وقال قتادة: توفى عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه توفى عن ست وثمانين سنة. وعن هشام بن الكلبي: توفى عن خمس وسبعين سنة، وهذا غريب جدا، وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه، وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة.
وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب - شرقى البقيع - وقد بنى عليه زمان بنى أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم. قال الامام مالك ﵁: بلغني أن عثمان ﵁ كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح.
وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ﵁ بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: وكأنه
стр. 2312
اشتغل الناس عنه بمبايعة على ﵁ حتى تمت، وقيل إنه مكث ليلتين، وقيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج، وقيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم. فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وطلحة والزبير، وعلى بن أبى طالب وجماعة من أصحابه ونسائه، منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصبيان. - وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي - وجماعة من خدمة حملوه على باب بعد ما غسلوه وكفنوه. وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن، والصحيح الأول. وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل الزبير بن العوام، وقيل حكيم بن حزام، وقيل مروان ابن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه، وإلقاءه عن سريره، وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث على ﵁ إليهم من نهاهم عن ذلك وحمل جنازته حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة، وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم، وجبير بن مطعم، وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلي عليه - عند مصلى الجنائز - أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع ولكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقى البقيع تحت نخلات هناك.
وذكر الواقدي أن عمير بن ضابئ نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: أحبست ضابئا حتى مات في السجن. وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا.
وقال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهمّ اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد الله ما سمعت أحدا يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأنى أصلى عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار، وهما صبيح ونجيح، ﵄، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين.
стр. 2313
ذكر صفته ﵁
كان ﵁ حسن الوجه دقيق البشرة، كبير اللحية، معتدل القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدري، ﵁. وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعا، أصلع، أزوج الرجلين يخضب بالصفرة وقد كان شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة عن سعيد بن أبى زيد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة. قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل، ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ومائة ألف دينار، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها، بئر أريس، وخيبر، ووادي القرى، فيه مائتا ألف دينار. [وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي ﷺ وسبّلها] (١)
فصل
قال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال.
وروى الحافظ بن عساكر من طريق شبابة عن حفص بن مورق الباهلي، عن حجاج بن أبى عمار الصواف عن زيد بن وهب عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والّذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه، آمن به في قبره. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا وغيره: أنا محمد بن سعد أنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا أبو الأشهب حدثني عوف عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال: اللهمّ إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا. فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء، والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما. وقد ذكره البخاري في صحيحه.
طريق أخرى عنه
قال محمد بن عائذ: ذكر محمد بن حمزة حدثني أبو عبد الله الحراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الّذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته ففتح عينيه فسألهما فقالا خيرا، فقال:
إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل - يعنى عثمان - قال: فاسترجع ثم قال: اللهمّ إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فان كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد لله الّذي سبق بى الفتن، قادتها وعلوجها الخطى، من تردى بغيره فشبع شحما وقبل عمله. وقال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن
стр. 2314
علية عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى موسى الأشعري، قال لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما، وهذا منقطع. وقال محمد بن سعد: أنا حازم بن الفضل أنا الصعق بن حزن ثنا قتادة عن زهدم الجرمي. قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وقد روى من غير هذا الوجه عنه. وقال الأعمش وغيره عن ثابت بن عبيد عن أبى جعفر الأنصاري. قال: لما قتل عثمان جئت عليا وهو جالس في المسجد وعليه عمامة سوداء فقلت له: قتل عثمان، فقال: تبا لهم آخر الدهر. وفي رواية: خيبة لهم.
وقال أبو القاسم البغوي: أنبأنا على بن الجعد أنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن ابن أبى ليلى. قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول: اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان. وقال أبو هلال عن قتادة عن الحسن. قال: قتل عثمان وعليّ غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهمّ إني لم أرض ولم أمالئ وروى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة عن أبى العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكى حتى ظنوا أنه سيلحق به. وقال الثوري وغيره عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال: قال على يوم قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكنى غلبت. ورواه غير ليث عن طاووس عن ابن عباس عن على نحوه.
وقال حبيب بن أبى العالية عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال على إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصونى، وقد روى من غير وجه عن على بنحوه.
وقال محمد بن يونس الكديمي: ثنا هارون بن إسماعيل ثنا قرة بن خالد عن الحسن عن قيس بن عباد. قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحيى من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول الله ﷺ : «إني لأستحيى ممن تستحي منه الملائكة» وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألونى البيعة فقلت: اللهمّ إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي وأسكت نفرة من ذلك. وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن على أنه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالأ ولا رضى به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ولله الحمد والمنة. وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه
قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾
وفي رواية
стр. 2315
أنه قال: كان عثمان ﵁ خيرنا وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهورا، وأتقانا للرب .
وروى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مجالد عن عمير ابن رودي (كذا) أبى كثير. قال: خطب على فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال: إن مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة، أحمر وأبيض وأسود، ومعهم في أجمة أسد، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران، فقال للأسود والأحمر: إن هذا الأبيض قد فضحنا في هذه الأجمة فخليا عنه حتى آكله، فخليا عنه فأكله، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر فقال للأحمر: إن هذا الأسود قد فضحنا في هذه الأجمة، وإن لوني على لونك فلو خليت عنه أكلته فخلى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر: إني آكلك، فقال: دعني حتى أصيح ثلاث صيحات، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض ثلاثا فلو أنى نصرته لما أكلت. ثم قال على:
وإنما أنا وهنت يوم قتل عثمان ولو أني نصرته لما وهنت، قالها ثلاثا.
وروى ابن عساكر من طريق محمد بن هارون الحضرميّ عن سويد بن عبد الله القشيري القاضي عن ابن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: كانت المرأة تجيء في زمان عثمان إلى بيت المال فتحمل وقرها وتقول: اللهمّ بدل، اللهمّ غير. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان ﵁
قلتم بدّل فقد بدلكم … سنّة حرى وحربا كاللهب
ما نقمتم من ثياب خلفة … وعبيد وإماء وذهب
قال: وقال أبو حميد أخو بنى ساعدة - وكان ممن شهد بدرا، وكان ممن جانب عثمان - فلما قتل قال: والله ما أردنا قتله، ولا كنا نرى أن يبلغ منه القتل، اللهمّ إن لك على أن لا أفعل كذا وكذا ولا أضحك حتى ألقاك، وقال محمد بن سعد أنا عبد الله بن إدريس أنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. قال: لقد رأيتني وأن عمر موثقى وأخته على الإسلام، ولو ارفض أحد فيما صنعتم بابن عفان لكان حقيقا. وهكذا رواه البخاري في صحيحه.
وروى محمد بن عائد عن إسماعيل بن عباس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير. قال:
سمع عبد الله بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام أجل! إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، والله لتقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد. وقال ليث عن طاووس. قال: قال ابن سلام: يحكّم عثمان يوم القيامة في القتال والخاذل. وقال أبو عبد الله المحاملي: ثنا أبو الأشعث ثنا حزم بن أبى حزم سمعت أبا الأسود يقول سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أشرك في قتل عثمان. وقال أبو يعلى: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا محمد بن عباد الهبانى ثنا البراء
стр. 2316
ابن أبى فضال ثنا الحضرميّ عن أبى مريم رضيع الجارود. قال: كنت بالكوفة فقام الحسن بن على خطيبا فقال: أيها الناس! رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت الرب ﵎ فوق عرشه فجاء رسول الله ﷺ حتى قام عند قائمة من قوائم العرش، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي ﷺ ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبى بكر، ثم جاء عثمان فكان بيده - يعنى رأسه - فقال: رب سل عبادك فيم قتلوني؟ فانبعث من السماء ميزابان من دم في الأرض، قال فقيل لعلى ألا ترى ما يحدث به الحسن؟! فقال: حدث بما رأى.
ورواه أبو يعلى أيضا عن سفيان بن وكيع عن جميع بن عمير عن عبد الرحمن بن مجالد عن حرب العجليّ: سمعت الحسن - بن على يقول: ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت العرش ورأيت رسول الله ﷺ متعلق بالعرش، ورأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول الله، وكان عمر واضعا يده على منكب أبى بكر، ورأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، ورأيت دما دونهم، فقلت: ما هذا؟ فقيل: دم عثمان يطلب الله به. وقال مسلم بن إبراهيم: ثنا سلام بن مسكين عن وهب بن شبيب عن زيد بن صوحان أنه قال: يوم قتل عثمان نفرت القلوب منافرها، والّذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة، وقال محمد بن سيرين: قالت عائشة: مصصتموه مص الإناء ثم قتلتموه؟ وقال خليفة بن خياط ثنا أبو قتيبة ثنا يونس بن أبى إسحاق عن عون بن عبد الله ابن عتبة. قال: قالت عائشة: غضبت لكم من السوط ولا أغضب لعثمان من السيف، استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقعب المصفى قتلتموه. وقال أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن مسروق.
قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه. وفي رواية: ثم قربتموه ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟ فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه، فقالت: لا والّذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسى هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها.
وهذا إسناد صحيح إليها. وفي هذا وأمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم الله، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه ولله الحمد والمنة.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا حزم القطعي ثنا أبو الأسود بن سوادة أخبرنى طلق بن حسان قال: قال قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد ﷺ نسألهم عن قتله فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوما لعن الله قتلته. وروى محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس. قال: قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان: ﵀، أما إنه لم يحلبوا بعده إلا دما.
وأما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبى مسلم الخولانيّ حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله: إنكم مثلهم أو أعظم جرمًا أما مررتم ببلاد ثمود؟ قالوا: نعم! قال: فأشهد
стр. 2317
أنكم مثلهم، لخليفة الله أكرم عليه من ناقته. وقال ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن.
قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما.
وقال أبو جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق.
وهذا ذكر بعض ما رثى به ﵁
قال مجالد عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك:
فكف يديه ثم أغلق بابه … وأيقن أن الله ليس بغافل
وقال لأهل الدار لا تقتلوهم … عفا الله عن كل امرئ لم يقاتل
فكيف رأيت الله صب عليهم … العداوة والبغضاء بعد التواصل
وكيف رأيت الخير أدبر بعده … عن الناس إدبار النعام الجوافل
وقد نسب هذه الأبيات سيف بن عمر إلى أبى المغيرة الأخنس بن شريق. وقال سيف بن عمر: وقال حسان بن ثابت:
ماذا أردتم من أخى الدين باركت … يد الله في ذاك الأديم المقدد
قتلتم ولى الله في جوف داره … وجئتم بأمر جائر غير مهتد
فهلا رعيتم ذمة الله بينكم … وأوفيتم بالعهد عهد محمد
ألم يك فيكم ذا بلاء ومصدق … وأوفاكم عهدا لدى كل مشهد
فلا ظفرت أيمان قوم تبايعوا … على قتل عثمان الرشيد المسدد
وقال ابن جرير: وقال حسان بن ثابت ﵁:
من سره الموت صرفا لا مزاج له … فليأت مأسدة في دار عثمانا
مستحقي حلق الماذىّ قد سفعت … فوق المخاطم بيض زان أبدانا
ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
صبرا فدى لكم أمى وما ولدت … قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا
فقد رضينا بأرض الشام نافرة … وبالأمير وبالإخوان إخوانا
إني لمنهم وإن غابوا وإن شهدوا … ما دمت حيا وما سميت حسانا
لتسمعن وشيكا في ديارهم … الله أكبر يا ثارات عثمانا
يا ليت شعرى وليت الطير تخبرني … ما كان شأن على وابن عفانا
[وهو القائل أيضا
стр. 2318
إن تمس دار ابن أروى منه خاوية … باب صريع وباب محرق خرب
فقد يصادف باغي العرف حاجته … فيها ويأوى إليها المجد والحسب
يا معشر الناس ابدوا ذات أنفسكم … لا يستوي الصدق عند الله والكذب
وقال الفرزدق
إن الخلافة لما أظعنت ظعنت … عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا
صارت إلى أهلها منهم ووارثها … لما رأى الله في عثمان ما انتهكوا
السافكى دمه ظلما ومعصية … أي دم لا هدوا من غيّتهم سفكوا] (١)
وقال راعى الإبل النميري في ذلك:
عشية يدخلون بغير إذن … على متوكل أوفى وطابا
خليل محمد ووزير صدق … ورابع خير من وطئ الترابا
فصل
إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان ﵁ بالمدينة وفيها جماعة من كبار الصحابة ﵃؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فان أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه ويستريح من هذه الضائقة الشديدة. وأما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، ولا أن هؤلاء يجترءون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع والله أعلم. - الثاني - أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، ولكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم ويغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، ومع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية - الثالث - أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، ولم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم الله، وصنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم - الرابع - أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفى مقاتل من الأبطال، وربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور وفي الأقاليم في كل جهة، ومع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة ولزموا بيوتهم، ومن كان يحضر منهم المسجد لا يجيء إلا ومعه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، والخوارج محدقون بدار عثمان ﵁، وربما
стр. 2319
لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، ولكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان ﵁، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا وقد ظفر أولئك بالدار من خارجها، وأحرقوا بابها، وتسوروا عليه حتى قتلوه، وأما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه ورضى بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضى بقتل عثمان ﵁، بل كلهم كرهه، ومقته، وسب من فعله، ولكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر، كعمار بن ياسر، ومحمد بن أبى بكر، وعمرو بن الحمق وغيرهم.
стр. 2320
[وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سهم بن خنش أو خنيش أو خنش الأزدى -وكان قد شهد الدار- ورواه محمد بن عائذ عن إسماعيل بن عياش عن محمد بن يزيد الرحبي عنه وكان قد استعاده عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان فسأله عن مقتل عثمان فذكر ما ملخصه أن وفد السبائية وفد مصر كانوا قد قدموا على عثمان فأجازهم وأرضاهم فانصرفوا راجعين ثم كروا إلى المدينة فوافقوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر فحصبوه بالحصا والنعال والخفاف فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في أناس، وأطاف وفد مصر بداره، فاستشار الناس فقال عبد الله بن الزبير: يا أمير المؤمنين إني أشير بإحدى ثلاث خصال إما أن تحرم بعمرة فيحرم عليهم دماؤنا وإما أن نركب معك إلى معاوية بالشام، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم فأنا على الحق وهم على الباطل. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الإحرام بعمرة فتحرم دماؤنا فإنهم يرونا ضلالا الآن وحال الإحرام وبعد الإحرام، وأما الذهاب إلى الشام فإني أستحيي أن أخرج من بينهم خائفا فيرانى أهل الشام وتسمع الأعداء من الكفار ذلك، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة دم. قال: ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم يا عثمان فإنك تفطر عندنا، وإنى أشهدكم أنى قد أصبحت صائما وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالما مسلوما منه. فقلنا: يا أمير المؤمنين إن خرجنا لم نأمن منهم علينا فأذن لنا أن نكون معه في بيت من الدار تكون لنا فيه جماعة ومنعة، ثم أمر بباب الدار ففتح ودعا بالمصحف فأكب عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة وابنة شيبة فكان أول من دخل عليه محمد بن أبى بكر فأخذ بلحيته فقال: دعها يا ابن أخي فوالله لقد كان أبوك يتلهف لها بأدنى من هذا، فاستحيى فخرج فقال للقوم: قد أشعرته لكم وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه ثم دخل رومان بن سودان رجل أزرق قصير محدد عداده من مراد معه حرف من حديد فاستقبله فقال: على أي ملة أنت يا نعثل؟ فقال عثمان: لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين فقال: كذبت، وضربه بالحرف على صدغه الأيسر فقتله فخر فأدخلته نائلة بينها وبين ثيابها -وكانت جسيمة ضليعة- فألقت نفسها عليه وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقى من جسده ودخل رجل من أهل مصر بالسيف مصلتا فقال: والله لأقطعن أنفه فعالج المرأة عنه فغلبته فكشف عنها درعها من] [¬*]
стр. 2321
[خلفها حتى نظر إلى متنها فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها فقبضت على السيف فقطع أناملها، فقالت: يا رباح، لغلام عثمان أسود يا غلام ادفع عنى هذا الرجل، فمشى إليه الغلام فضربه فقتله وخرج أهل البيت يقاتلون عن أنفسهم فقتل المغيرة بن الأخنس وجرح مروان قال: فلما أمسينا قلنا: إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به فاحتملناه إلى بقيع الفرقد في جوف الليل وغشينا سواد من خلفنا فهبناهم وكدنا أن نتفرق عنه فنادى مناديهم: أن لا روع عليكم البثوا إنما جئنا لنشهده معكم -وكان أبو حبيش يقول: هم ملائكة الله- فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا فلقينا الجيش بوادي القرى عليه حبيب بن مسلمة قد أتوا في نصرة عثمان فأخبرناهم بقتله ودفنه.] [¬*]
стр. 2322
قال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان ﵁ بحش كوكب - وكان قد اشتراه وزاده في البقيع - ولقد أحسن بعض السلف إذ يقول وقد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، وقتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.
وقال شيخنا أبو عبد الله الذهبي في آخر ترجمة عثمان وفضائله - بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو الله ورحمته، والذين خذلوه خذلوا وتنغص عيشهم، وكان الملك بعده في نائبة معاوية وبنيه، ثم في وزيره مروان وثمانية من ذريته، استطالوا حياته وملوه مع فضله وسوابقه، فتملك عليهم من هو من بنى عمه بضعا وثمانين سنة، فالحكم لله العلى الكبير. وهذا لفظه بحروفه
فصل في الإشارة إلى شيء من الأحاديث الواردة في فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁
هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو عمرو وأبو عبد الله، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، وصاحب الهجرتين، وزوج الابنتين. وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس. وأمها أم حكيم وهي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول الله ﷺ ، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين والأنصار ﵃، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، المأمور باتباعهم والاقتداء بهم.
أسلم عثمان ﵁ قديما على يدي أبى بكر الصديق، وكان سبب إسلامه عجيبا فيما ذكره الحافظ ابن عساكر، وملخص ذلك أنه لما بلغه أن رسول الله ﷺ زوج ابنته رقية - وكانت ذات جمال - من ابن عمها عتبة بن أبى لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهموما فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز - وكانت كاهنة - فقالت له: أبشر وحييت ثلاثا تترا، ثم ثلاثا
стр. 2323
وثلاثا أخرى، ثم بأخرى كي تتم عشرا، أتاك خير ووقيت شرا، أنكحت والله حصانا زهرا، وأنت بكر ولقيت بكرا، وافيتها بنت عظيم قدرا، بنيت أمرا قد أشاد ذكرا * قال عثمان: فعجبت من أمرها حيث تبشرني بالمرأة قد تزوجت بغيري: فقلت: يا خالة! ما تقولين؟ فقالت: عثمان لك الجمال، ولك اللسان، هذا النبي معه البرهان. أرسله بحقه الديان. وجاءه التنزيل والفرقان، فاتبعه لا تغتالك الأوثان. قال. فقلت إنك لتذكرين أمرا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد الله، رسول من عند الله، جاء بتنزيل الله، يدعو به إلى الله، ثم قالت: مصباحه مصباح، ودينه فلاح، وأمره نجاح، وقرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، وسلت الصفاح، ومدت الرماح. قال عثمان: فانطلقت مفكرا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحك يا عثمان إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟ أليست من حجارة صم لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع؟ قال: قلت بلى! والله إنها لكذلك، فقال:
والله لقد صدقتك خالتك، هذا رسول الله محمد بن عبد الله، قد بعثه الله إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه؟ فاجتمعنا برسول الله
فقال: يا عثمان أجب الله إلى حقه، فانى رسول الله إليك وإلى خلقه قال: فو الله ما تمالكت نفسي منذ سمعت رسول الله ﷺ أن أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول الله ﷺ فكان يقال:
أحسن زوج رآه إنسان … رقية وزوجها عثمان
فقالت في ذلك سعدى بنت كريز:
هدى الله عثمانا بقولي إلى الهدى … وأرشده والله يهدى إلى الحق
فتابع بالرأي السديد محمدا … وكان برأي لا يصد عن الصدق
وأنكحه المبعوث بالحق بنته … فكانا كبدر مازج الشمس في الأفق
فداؤك يا ابن الهاشميين مهجتي … وأنت أمين الله أرسلت للخلق
قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مظعون، وبأبي عبيدة، وعبد الرحمن بن عوف، وأبى سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبى الأرقم، فأسلموا وكانوا مع من اجتمع مع رسول الله ثمانية وثلاثون رجلا. وهاجر إلى الحبشة أول الناس ومعه زوجته رقية بنت رسول الله ﷺ ، ثم عاد إلى مكة وهاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول الله ﷺ ، وأقام بسببها في المدينة، وضرب له رسول الله ﷺ بسهمه منها وأجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها. فلما توفيت زوجه رسول الله ﷺ بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضا في صحبته،
وقال رسول الله ﷺ : «لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان» وشهد أحدا وفر يومئذ فيمن تولى، وقد نص الله على العفو عنهم، وشهد
стр. 2324
الخندق والحديبيّة، وبايع عنه رسول الله ﷺ يومئذ بإحدى يديه، وشهد خيبر وعمرة القضاء، وحضر الفتح وهوازن والطائف وغزوة تبوك، وجهز جيش العسرة. وتقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها وأحلاسها، وعن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول الله ﷺ
فقال ﷺ : ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين. وحج مع رسول الله ﷺ حجة الوداع، وتوفى وهو عنه راض، وصحب أبا بكر فأحسن صحبته، وتوفى وهو عنه راض، وصحب عمر فأحسن صحبته وتوفى وهو عنه راض. ونص عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرهم كما سيأتي.
فولى الخلافة بعده ففتح الله على يديه كثيرا من الأقاليم والأمصار، وتوسعت المملكة الإسلامية، وامتدت الدولة المحمدية، وبلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض ومغاربها، وظهر للناس مصداق قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي اِرْتَضى لَهُمْ، وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾
وقوله ﷺ : «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» وهذا كله تحقق وقوعه وتأكد وتوطد في زمان عثمان ﵁.
وقد كان ﵁ حسن الشكل، مليح الوجه، كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، وكرم غزير، يؤثر أهله وأقاربه في الله، تأليفا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي ﷺ يعطى أقواما ويدع آخرين، يعطى أقواما خشية أن يكبهم الله على وجوههم في النار، ويكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الهدى والإيمان، وقد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول الله ﷺ في الإيثار. وقد قدمنا ذلك في غزوة حنين حيث قسم غنائمها * وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان ﵁ نذكر ما تيسر منها إن شاء الله وبه الثقة، وهي قسمان - الأول - فيما ورد في فضائله مع غيره.
فمن ذلك الحديث الّذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن سعيد عن قتادة أن أنسا حدثهم قال: «صعد النبي ﷺ أحدا ومعه أبو بكر وعمر وعثمان، فرجف فقال:
اسكن أحد - أظنه ضربه برجله - فليس عليك إلا نبي وصديق وشهيدان» تفرد به دون مسلم.
وقال الترمذي: ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ «كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى بن أبى طالب وطلحة والزبير،
стр. 2325
فتحركت الصخرة، فقال النبي ﷺ : اهدئى فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد». ثم قال في الباب: عن عثمان بن سعيد بن زيد وابن عباس، وسهيل بن سعد، وأنس بن مالك، وبريدة الأسلمي، وهذا حديث صحيح. قلت: ورواه أبو الدرداء، ورواه الترمذي عن عثمان في خطبته يوم الدار، وقال: على ثبير.
حديث آخر
وهو عن أبى عثمان النهدي عن أبى موسى الأشعري قال: كنت مع رسول الله ﷺ في حائط، فأمرنى بحفظ الباب، فجاء رجل يستأذن فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، فقال رسول الله ﷺ :
ائذن له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل وهو يقول: اللهمّ صبرا وفي رواية - الله المستعان» رواه عنه قتادة وأيوب السختياني. وقال البخاري: وقال حماد بن زيد: حدثنا عاصم الأحول وعلى بن الحكم سمعا أبا عثمان يحدث عن أبى موسى الأشعري بنحوه، وزاد عاصم أن رسول الله ﷺ كان قاعدا في مكان قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها. وهو في الصحيحين أيضا من حديث سعيد بن المسيب عن أبى موسى، وفيه «أن أبا بكر وعمر دليا أرجلهما مع رسول الله في باب القف وهو في البئر، وجاء عثمان فلم يجد له موضعا» قال سعيد: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت وانفرد عثمان.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن مروان ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة. قال: قال نافع بن الحارث: «خرجت مع رسول الله ﷺ حتى دخل حائطا فقال: أمسك على الباب، فجاء حتى جلس على القف ودلى رجليه، فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت يا رسول الله هذا أبو بكر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، فدخل فجلس مع رسول الله ﷺ على القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب: فقلت: من هذا؟ قال: عمر، قلت: يا رسول الله ﷺ هذا عمر، قال: ائذن له وبشره بالجنة، ففعلت، فجاء فجلس مع رسول الله على القف ودلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب فقلت: من هذا؟ قال: عثمان، قلت: يا رسول الله هذا عثمان، قال: ائذن له وبشره بالجنة معها بلاء، فأذنت له وبشرته بالجنة، فجلس مع رسول الله ﷺ على القف ودلى رجليه في البئر» هكذا وقع في هذه الرواية، وقد أخرجه أبو داود والنسائي من حديث أبى سلمة، فيحتمل أن أبا موسى ونافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب، أو أنها قصة أخرى.
وقد رواه الامام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة سمعت أبا سلمة ولا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث «أن رسول الله ﷺ دخل حائطا فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر
стр. 2326
فاستأذن فقال لأبى موسى: ائذن له وبشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له وبشره بالجنة وسيلقى بلاء» وهذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي من حديث صالح بن كيسان عن أبى الزناد عن أبى سلمة عن عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث عن أبى موسى الأشعري فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا يزيد أنا همام عن قتادة عن ابن سيرين ومحمد بن عبيد عن عبد الله ابن عمرو قال: «كنت مع رسول الله ﷺ فجاء أبو بكر فاستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال: ائذن له وبشره بالجنة، ثم جاء عثمان فاستأذن فقال: ائذن له وبشره بالجنة. قال:
قلت فأين أنا؟ قال: أنت مع أبيك» تفرد به أحمد. وقد رواه البزار وأبو يعلى من حديث أنس بن مالك بنحو ما تقدم.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي ﷺ وعثمان حدثاه أن أبا بكر استأذن على النبي ﷺ وهو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبى بكر وهو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له وهو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس وقال: اجمعى عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول الله! ما لي لا أراك فزعت لأبى بكر وعمر كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول الله ﷺ : إن عثمان رجل حيي، وإني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلى حاجته»
قال الليث: وقال جماعة الناس: إن رسول الله ﷺ قال لعائشة: «ألا أستحى ممن تستحي منه الملائكة؟ (١)» ورواه مسلم من حديث الليث بن سعد به ومن حديث صالح بن كيسان عن الزهري به ورواه مسلم الخ من حديث محمد بن أبى حرملة عن عطاء وسليمان بن يسار عن أبى سلمة عن عائشة. ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث سهيل عن أبيه عن عائشة. ورواه جبير بن نفير وعائشة بنت طلحة عنها.
وقال الامام أحمد: حدثنا مروان ثنا عبد الله بن يسار سمعت عائشة بنت طلحة تذكر عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله ﷺ «كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على حاله، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له وهو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول الله استأذن عليك أبو بكر وعمر فأذنت لهما وأنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك: فقال: يا عائشة ألا نستحي من رجل والله إن الملائكة لتستحيى منه؟».
تفرد به أحمد من هذا الوجه.
стр. 2327
طريق أخرى عن حفصة
رواه الحسن بن عرفة وأحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن ابن جريج، أخبرنى أبو خالد عثمان بن خالد عن عبد الله بن أبى سعيد المدني حدثتني حفصة، فذكر مثل حديث عائشة، وفيه:
فقال «ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة؟».
طريق أخرى عن ابن عباس
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو كريب ثنا يونس بن بكير ثنا النضر - هو ابن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز الكوفي - عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﷺ «ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة عثمان بن عفان؟» ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد قلت هو على شرط الترمذي ولم يخرجوه.
طريق أخرى عن اين عمر ﵄
قال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل ثنا محمد بن أبى بكر المقدمي ثنا أبو معشر حدثني إبراهيم بن عمر بن أبان حدثني أبى عمر بن أبان عن أبيه. قال سمعت عبد الله بن عمر يقول:
«بينما رسول الله ﷺ جالس وعائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل ورسول الله ﷺ يتحدث كاشفا عن ركبته، فرد ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان، وقال لامرأته: استأخرى، فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقالت عائشة: يا نبي الله! دخل أبى وأصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتك ولم تؤخرني عنك، فقال النبي ﷺ : ألا أستحى من رجل تستحي منه الملائكة؟ والّذي نفسي بيده إن الملائكة لتستحى من عثمان كما تستحي من الله ورسوله، ولو دخل وأنت قريب منى لم يتحدث ولم يرفع رأسه حتى يخرج» هذا حديث غريب من هذا الوجه وفيه زيادة على ما قبله، وفي سنده ضعف. فقلت:
وفي الباب عن على وعبد الله بن أبى أوفى، وزيد بن ثابت:
وروى أبو مروان القرشي عن أبيه عن مالك، عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «عثمان حي تستحي منه الملائكة».
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : «أرحم أمتى أبو بكر، وأشدها في دين الله عمر، وأشدها حياء عثمان، وأعلمها بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأقرؤها لكتاب الله أبى. وأعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح» [وهكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة من
стр. 2328
حديث خالد الحذاء، وقال الترمذي: حسن صحيح. وفي صحيح البخاري ومسلم آخره «ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»] (١) وقد روى هشيم عن كريز بن حكيم عن نافع عن ابن عمر مثل حديث أبى قلابة عن أنس أو نحوه.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه ثنا محمد بن حرب حدثني الزبيدي عن ابن شهاب عن عمرو بن أبان بن عثمان عن جابر بن عبد الله. أنه كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: «أدرى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول الله، ونيط عمر بأبي بكر، ونيط عثمان بعمر، فلما قمنا من عند رسول الله ﷺ قلنا: أما الرجل الصالح فرسول الله ﷺ ، وأما ما ذكره رسول الله ﷺ من نوط بعضهم ببعض، فهؤلاء ولاة هذا الأمر الّذي بعث الله به نبيه ﷺ » ورواه أبو داود عن عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب، ثم قال: ورواه يونس وشعيب عن الزهري فلم يذكرا عمرا.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا أبو داود - عمر بن سعد - ثنا بدر بن عثمان عن عبيد الله بن مروان عن أبى عائشة عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال:
«رأيت قبل الفجر كأنى أعطيت المقاليد والموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، وأما الموازين فهي التي يوزن بها، فوضعت في كفة ووضعت أمتى في كفة فوزنت بهم فرجعت، ثم جيء بأبي بكر فوزن فوزن بهم، ثم جيء بعمر فوزن فوزن بهم، ثم جيء بعثمان فوزن فوزن بهم، ثم رفعت» تفرد به أحمد *
وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا هشام بن عمار ثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن ميسرة عن أبى إدريس عن معاذ بن جبل. قال قال رسول الله ﷺ : «إني رأيت أنى وضعت في كفة وأمتى في كفة فعدلتها، ثم وضع أبو بكر في كفة وأمتى في كفة فعدلها، ثم وضع عمر في كفة وأمتى في كفة فعدلها، ثم وضع عثمان في كفة وأمتى في كفة فعدلها».
حديث آخر
قال أبو يعلى: حدثنا عبد الله بن مطيع ثنا هشيم عن العوام، عمن حدثه عن عائشة. قالت:
لما أسّس رسول الله ﷺ مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، وجاء أبو بكر بحجر فوضعه وجاء عمر بحجر فوضعه، وجاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: «هم أمراء الخلافة من بعدي». وقد تقدم هذا الحديث في بناء مسجده أول مقدمه المدينة ﵊، وكذلك تقدم في دلائل النبوة من حديث الزهري عن رجل عن أبى ذر في تسبيح الحصا في يده
стр. 2329
﵇ ثم في كف أبى بكر، ثم في كف عمر، ثم في كف عثمان، ﵃، وفي بعض الروايات:
فقال رسول الله ﷺ : «هذه خلافة النبوة» وسيأتي حديث سفينة
أن رسول الله ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا» فكانت ولاية عثمان ومدتها ثنتى عشرة سنة، من جملة هذه الثلاثين بلا خلاف بين العلماء العاملين، كما أخبر به سيد المرسلين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
حديث آخر
وهو ما روى من طرق متعددة عن رسول الله ﷺ أنه شهد للعشرة بالجنة، وهو أحدهم بنص النبي ﷺ .
حديث آخر
قال البخاري: حدثنا محمد بن حازم بن بزيع ثنا شاذان ثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر. قال: «كنا في زمن النبي ﷺ [لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نذر أصحاب النبي ﷺ (١)] لا نفاضل بينهم» تابعه عبد الله بن صالح بن عبد العزيز، تفرد به البخاري، ورواه إسماعيل بن عياش، والفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر. ورواه أبو يعلى عن أبى معشر عن يزيد بن هارون عن الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن ابن عمر به.
طريق أخرى عن ابن عمر
قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن ابن عمر. قال: «كنا نعد رسول الله ﷺ وأصحابه متوافرون أبو بكر وعمر وعثمان ثم نسكت».
طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ آخر
قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن على وعقبة بن مكرم قالا: ثنا أبو عاصم عن عمر بن محمد عن سالم عن أبيه. قال: كنا نقول في عهد النبي ﷺ : أبو بكر وعمر وعثمان - يعنى في الخلافة - وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجوه، لكن قال البزار: وهذا الحديث قد روى عن ابن عمر من وجوه «كنا نقول أبو بكر وعمر وعثمان، ثم لا نفاضل بعد» وعمر بن محمد لم يكن بالحافظ، وذلك: يتبين في حديثه إذا روى عن غير سالم فلم يقل شيئا. وقد رواه غير واحد من الضعفاء عن الزهري عن سالم عن أبيه به. وقد اعتنى الحافظ بن عساكر بجمع طرقه عن ابن عمر فأفاد وأجاد.
فأما الحديث الّذي قال الطبراني: حدثنا سعيد بن عبد ربه الصفار البغدادي حدثنا على بن حنبل الرقى أنا جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﷺ : «في الجنة شجرة - أو ما في الجنة شجرة - شك على بن جميل، ما عليها ورقة إلا مكتوب عليها لا إله
стр. 2330
إلا الله محمد رسول الله، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين» فإنه حديث ضعيف في إسناده من تكلم فيه ولا يخلو من نكارة، والله أعلم.
القسم الثاني فيما ورد في فضائله وحده
قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عثمان بن موهب. قال: «جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد الله بن عمر. قال: يا ابن عمر! إني سائلك عن شيء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيب يوم بدر ولم يشهدها؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان ولم يشهدها؟ قال: نعم! قال: الله أكبر، قال ابن عمر: تعال أبيّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه وغفر له، وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله وكانت مريضة،
فقال له رسول الله: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا وسهمه، وأما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول الله ﷺ عثمان وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي ﷺ : بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» تفرد به دون مسلم.
طريق أخرى
وقال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمر وثنا زائدة عن عاصم عن سفيان. قال: لقي عبد الرحمن بن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أنى لم أفر يوم حنين، - قال عاصم: يقول يوم أحد - ولم أتخلف عن يوم بدر، ولم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم حنين، فكيف يعيرني بذلك وقد عفا الله عنى فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ اِلْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اِسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللهُ عَنْهُمْ﴾ وأما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإنّي كنت أمرض رقية بنت رسول الله ﷺ وقد ضرب لي رسول الله ﷺ ، ومن ضرب له رسول الله ﷺ بسهم فقد شهد، وأما قوله: ولم أترك سنة عمر، فانى لا أطيقها ولا هو، فإنه يحدثه بذلك.
حديث آخر
قال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعد ثنا أبى عن يونس قال ابن شهاب: أخبرنى عروة أن عبيد الله بن عدي بن الجبار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة. فقلت: إن لي إليك حاجة، وهي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك قال
стр. 2331
أبو عبد الله قال معمر: أعوذ بالله منك - فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك؟ فقلت: إن الله بعث محمدا بالحق، وأنزل عليه الكتاب، وكنت ممن استجاب لله ولرسوله، وهاجرت الهجرتين، وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه، وقد أكثر الناس في شأن الوليد. فقال: أدركت رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لا! ولكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها، قال: أما بعد! فان الله بعث محمدا بالحق وكنت ممن استجاب لله ولرسوله فآمنت بما بعث به، وهاجرت الهجرتين كما قلت، وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته، فو الله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أفليس لي من الحق مثل الّذي لهم؟ قلت: بلى! قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ فيه بالحق إن شاء الله. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا الوليد بن مسلم حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر عن النعمان بن بشير عن عائشة ﵂ قالت: «أرسل رسول الله ﷺ إلى عثمان بن عفان فجاء فأقبل عليه رسول الله ﷺ ، فلما رأينا إقبال رسول الله ﷺ على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر كلمة أن ضرب منكبه وقال: يا عثمان إن الله عسى أن يلبسك قميصا فان أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثا. فقلت لها يا أم المؤمنين؟ فأين كان هذا عنك؟ قالت: نسيته والله ما ذكرته، قال: فأخبرته معاوية بن أبى سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبى إليّ به، فكتبت إليه به كتابا» وقد رواه أبو عبد الله الجيرى عن عائشة وحفصة بنحو ما تقدم. ورواه قيس بن أبى حازم وأبو سلمة عنها. ورواه أبو سهلة عن عثمان:
«إن رسول الله ﷺ عهد إلى عهدا فأنا صابر نفسي عليه» ورواه فرج بن فضالة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره، قال الدارقطنيّ: تفرد به الفرج بن فضالة ورواه أبو مروان محمد عن عثمان بن خالد العماني عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه [عن هشام بن عروة عن أبيه] (١) عن عائشة. ورواه ابن عساكر من طريق المنهال بن عمر عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. ورواه ابن أسامة عن الجريريّ: حدثني أبو بكر العدوي.
قال: سألت عائشة، وذكر عنها نحو ما تقدم [تفرد به الفرج بن فضالة] (٢) ورواه حصين عن مجاهد عن عائشة بنحوه.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن كنانة الأسدي أبو يحيى ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه. قال:
стр. 2332
بلغني أن عائشة قالت: «ما استمعت رسول الله ﷺ إلا مرة، فان عثمان جاءه في حر الظهيرة فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: إن الله ملبسك قميصا يريدك أمتى على خلعه فلا تخلعه. فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول الله ﷺ الّذي عهد إليه.
طريق أخرى
قال الطبراني: حدثنا مطلب بن سعيد الأزدي ثنا عبد الله بن صالح ثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف، قال: كنا عند شفى الأصبحي فقال: حدثنا عبد الله بن عمر قال: «التفت رسول الله ﷺ فقال: يا عثمان إن الله كساك قميصا فأرادك الناس على خلعه فلا تخلعه، فو الله لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط» وقد رواه أبو يعلى من طريق عبد الله بن عمر عن أخته حفصة أم المؤمنين. وفي سياق متنه غرابة والله أعلم.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثتني فاطمة بنت عبد الرحمن قالت: حدثتني أمى أنها سألت عائشة وأرسلها عمها فقال: قولي إن أحد بنيك يقرئك السلام ويسألك عن عثمان بن عفان فان الناس قد شتموه، فقالت: «لعن الله من لعنه، فو الله لقد كان قاعدا عند رسول الله ﷺ ، وإن رسول الله لمسند ظهره إلى، وإن جبريل ليوحى إليه القرآن، وإنه ليقول له: اكتب يا غثيم، قالت عائشة:
فما كان الله لينزل تلك المنزلة إلا كريما على الله ورسوله» ثم رواه الامام أحمد عن يونس عن عمر بن إبراهيم اليشكري عن أمه عن أمها أنها سألت عائشة عند الكعبة عن عثمان فذكرت مثله.
حديث آخر
قال البزار: حدثنا عمر بن الخطاب قال: ذكر أبو المغيرة عن صفوان بن عمرو عن ماعز التميمي عن جابر «أن رسول الله ﷺ ذكر فتنة فقال أبو بكر: أنا أدركها؟ فقال: لا! فقال عمر أنا يا رسول الله أدركها؟ قال: لا! فقال عثمان: يا رسول الله فأنا أدركها؟ قال: بك يبتلون» قال البزار:
وهذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عمر ثنا سنان بن هارون ثنا كليب بن واصل عن ابن عمر.
قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقال يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما، فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان». ورواه الترمذي عن إبراهيم بن سعيد عن شاذان به وقال: حسن غريب.
стр. 2333
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة حدثني أبو أمى (١) أبو حنيفة أنه دخل الدار وعثمان محصور فيها، وأنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنكم تلقون بعدي فتنة واختلافا - أو قال:
اختلافا وفتنة - فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول الله؟ قال: عليكم بالأمين وأصحابه وهو يشير إلى عثمان بذلك» تفرد به أحمد وإسناده جيد حسن ولم يخرجوه من هذا الوجه.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة ثنا حماد بن أسامة ثنا كهمس بن الحسن عن عبد الله بن شقيق حدثني هرم بن الحارث وأسامة بن خزيم - وكانا يغازيان - فحدثاني حديثا ولم يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدثنيه عن مرة البهزي قال «بينما نحن مع رسول الله ﷺ في طريق من طرق المدينة فقال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ قالوا: نصنع ماذا يا رسول الله؟ قال: عليكم هذا وأصحابه - أو اتبعوا هذا وأصحابه - قال: فأسرعت حتى عييت فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا، فإذا هو عثمان بن عفان» فقال: هذا وأصحابه فذكره.
طريق أخرى
وقال الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أبى الأشعث الصنعاني أن خطبا قامت بالشام وفيهم رجال من أصحاب النبي ﷺ رجل يقال له مرة بن كعب، فقال: لولا حديث سمعته من رسول الله ﷺ ما تكلمت، وذكر الفتن فقربها فمر رجل متقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه. فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال نعم!» ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الباب عن ابن عمر وعبد الله بن حوالة وكعب بن عجرة. قلت: وقد رواه أسد بن موسى عن معاوية بن صالح حدثني سليم بن عامر عن جبير بن نفير عن مرة بن كعب البهزي فذكر نحوه، [وقد رواه الامام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية عن صالح عن سليم بن عامر عن جبير بن نفير عن كعب بن مرة البهزي] (٢) والصحيح مرة بن كعب كما تقدم، وأما حديث ابن حوالة،
فقال حماد بن سلمة عن سعيد الجريريّ عن عبد الله بن سفيان (٣) عن عبد الله بن شقيق عن عبد الله بن حوالة. قال قال رسول الله ﷺ : «كيف أنت وفتنة تكون في أقطار الأرض؟ قلت: ما خار الله لي ورسوله، قال اتبع هذا الرجل، فإنه يومئذ ومن اتبعه على الحق قال: فاتبعته فأخذت بمنكبه ففتلته فقلت: هذا
стр. 2334
يا رسول الله؟ فقال: نعم! فإذا هو عثمان بن عفان»
وقال حرملة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط عن ابن حوالة. قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتى، وخروج الدجال وقتل خليفة مصطبر قوام بالحق يعطيه.
وأما حديث كعب بن عجرة.
فقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازيّ أخبرنى معاوية بن سلم عن مطر الوراق عن ابن سيرين عن كعب بن عجرة قال: «ذكر رسول الله ﷺ فتنة فقربها وعظمها قال ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحق قال فانطلقت مسرعا أو محضرا وأخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول الله؟ قال: هذا فإذا هو عثمان بن عفان» ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة فذكر مثله.
ورواه أبو يعلى عن هدبة عن همام عن قتادة عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة. وكذا رواه أبو عون عن ابن سرين عن كعب. وقد تقدم حديث أبى ثور التميمي عنه في قوله في الخطبة التي خاطب بها الناس من داره: والله ما تغنيت ولا تمنيت ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ، وأنه كان يعتق كل يوم جمعة عتيقا فان تعذر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين. وقال مولاه حمران: كان عثمان يغتسل كل يوم منذ أسلم. ﵁.
حديث آخر
قال الامام أحمد: حدثنا على بن عباس ثنا الوليد بن مسلم أنبأنا الأوزاعي عن محمد بن عبد الملك ابن مروان أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان وهو محصور فقال: «إنك إمام العامة وقد نزل بك ما ترى وإني أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهن، إما أن تخرج فتقاتلهم فان معك عددا وقوة وأنت على الحق وهم على الباطل، وإما أن تخرق بابا سوى الباب الّذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق مكة، فإنهم لن يستحلوك وأنت بها، وإما أن تلحق بالشام فأنهم أهل الشام وفيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول الله ﷺ في أمته بسفك الدماء، وأما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلونى بها،
فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم، ولن أكون أنا، وأما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام وفيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي ومجاورة رسول الله ﷺ ».
وقال الامام أحمد: ثنا أبو المغيرة ثنا أرطاة - يعنى ابن المنذر - حدثني أبو عون الأنصاري أن عثمان قال لابن مسعود: «هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر، فقال عثمان: ويحك!» إني قد سمعت وحفظت - وليس كما سمعت -، أن رسول الله ﷺ قال سيقتل أمير، ويتبرى متبرئ، وإني أنا المقتول، وليس عمر، إنما قتل عمر واحد، وأنه يجتمع على» وهذا الّذي قاله لابن مسعود قبل مقتله بنحو من أربع سنين فإنه مات قبله بنحو ذلك.
стр. 2335
حديث آخر
[قال عبد الله بن أحمد: ثنا عبيد الله بن عمر الفربري: ثنا القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري حدثني أبو عبادة الزرقيّ الأنصاري - من أهل المدينة - عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:
«شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز ولو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلى باب مقام جبرئيل، فقال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أفيكم طلحة بن عبيد الله؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله فقال له عثمان: ألا أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيئني؟ أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ في موضع كذا وكذا ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك؟ فقال: نعم! قال:
فقال لك رسول الله ﷺ إنه ما من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعنى نفسه - رفيقي في الجنة؟ فقال طلحة: اللهمّ نعم!» تفرد به أحمد] (١)
حديث آخر عن طلحة
قال الترمذي: حدثنا أبو هشام الرفاعيّ ثنا يحيى بن اليمان عن شريح بن زهرة عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى وثاب عن طلحة بن عبيد الله قال قال رسول الله ﷺ «لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان» ثم قال: هذا حديث غريب وليس إسناده بالقوى، وإسناده منقطع. ورواه أبو عثمان محمد بن عثمان عن أبيه عن أبى الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبى هريرة،
وقال الترمذي:
حدثنا الفضل بن أبى طالب البغدادي وغير واحد قالوا: حدثنا عثمان بن زفر حدثنا محمد بن زياد عن محمد بن عجلان عن أبى الزبير عن جابر قال: «أتى النبي ﷺ بجنازة رجل ليصلي عليه فلم يصل عليه، فقيل يا رسول الله ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا؟ فقال: إنه كان يبغض عثمان فأبغضه الله » ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، ومحمد بن زياد هذا صاحب ميمون ابن مهران ضعيف الحديث جدا، ومحمد بن زياد صاحب أبى هريرة بصرى ثقة، يكنى أبا الحارث، ومحمد بن زياد الألهاني صاحب أبى أمامة ثقة شامي يكنى أبا سفيان.
حديث آخر
روى الحافظ بن عساكر من حديث أبى مروان العثماني ثنا أبى عثمان بن خالد عن عبد الرحمن ابن أبى الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبى هريرة «أن رسول الله ﷺ لقي عثمان بن عفان على
стр. 2336
باب المسجد فقال: يا عثمان! هذا جبريل يخبرني أن الله قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية، على مثل مصاحبتها» وقد روى ابن عساكر أيضا من حديث ابن عباس وعائشة وعمارة بن رويبة وعصمة بن مالك الخطميّ وأنس بن مالك وابن عمر وغيرهم، وهو غريب ومنكر من جميع طرقه،
وروى باسناد ضعيف عن على أن رسول الله ﷺ قال «لو كان لي أربعون ابنة لزوجتهن بعثمان واحدة بعد واحدة، حتى لا يبقى منهن واحدة» قال محمد بن سعيد الأموي عن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبى صفرة قال: «سألت أصحاب رسول الله ﷺ لم قلتم في عثمان: أعلانا فوقا؟ قالوا: لأنه لم يتزوج رجل من الأولين والآخرين ابنتي نبي غيره رواه ابن عساكر.
وقال إسماعيل بن عبد الملك عن عبد الله بن أبى مليكة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ رافعا يديه حتى يبدو ضبعيه إلا لعثمان بن عفان، إذا دعا له.
وقال مسعر عن عطية عن أبى سعيد قال: رأيت رسول الله ﷺ من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان يقول:
«اللهمّ عثمان رضيت عنه فارض عنه»
وفي رواية يقول لعثمان: «غفر الله لك ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت وما كان منك وما هو كائن إلى يوم القيامة» ورواه الحسن بن عرفة عن محمد ابن القاسم الأسدي عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي ﷺ مرسلا.
وقال ابن عدي عن أبى يعلى عن عمار بن ياسر المستملي عن إسحاق بن إبراهيم المستملي عن أبى إسحاق عن أبى وائل عن حذيفة: أن رسول الله ﷺ بعث إلى عثمان يستعينه في غزاة غزاها، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه، فجعل يقلبها بين يديه ويدعو له: «غفر الله لك يا عثمان ما أسررت وما أعلنت وما أخفيت وما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها».
حديث آخر
وقال ليث بن أبى سليم: أول من خبص الخبيص عثمان خلط بين العسل والنقي ثم بعث به إلى رسول الله ﷺ إلى منزل أم سلمة، فلم يصادفه، فلما جاء وضعوه بين يديه، فقال: من بعث هذا؟ قالوا: عثمان: قالت: فرفع يديه إلى السماء فقال: «اللهمّ إن عثمان يترضاك فارض عنه».
حديث آخر
روى أبو يعلى عن سنان بن فروخ عن طلحة بن يزيد عن عبيدة بن حسان عن عطاء الكيخاراني عن جابر أن رسول الله ﷺ اعتنق عثمان وقال: «أنت وليي في الدنيا ووليي في الآخرة».
حديث آخر
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة وحماد بن زيد عن الجريريّ عن عبد الله بن
стр. 2337
شقيق عن عبد الله بن حوالة. قال قال رسول الله ﷺ : «تهجمون على رجل معتجر ببردة من أهل الجنة، يبايع الناس» قال فهجمنا على عثمان بن عفان فرأيناه معتجرا يبايع الناس.
فصل في ذكر شيء من سيرته وهي دالة على فضيلته
قال ابن مسعود: لما توفى عمر بايعنا خيرنا ولم نأل، وفي رواية بايعوا خيرهم ولم يألوا، وقال الأصمعي عن أبى الزناد عن أبيه عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى. وقال محمد بن المبارك بلغني أنه كان نقش خاتم عثمان آمن عثمان بالله العظيم. وقال البخاري في التاريخ: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا مبارك بن فضالة قال سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قال ما يأتى على الناس يوم إلا وهم يقتسمون فيه خيرا، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن والعسل، الأعطيات جارية، والأرزاق دارة، والعدو متقى، وذات البين حسن، والخير كثير، وما من مؤمن يخاف مؤمنا، ومن لقيه فهو أخوه، قد كان من ألفته ونصيحته ومودته قد عهد إليهم أنها ستكون أكثره، فإذا كانت فاصبروا» قال الحسن: فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء والرزق والخير الكثير، بل قالوا: لا والله ما نصابرها، فو الله ما وردوا وما سلموا، والأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم، فو الله ما زال مسلولا إلى يوم الناس، هذا وأيم الله إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة» وقال غير واحد عن الحسن البصري قال: سمعت عثمان يأمر في خطبته بذبح الحمام وقتل الكلاب. وروى سيف ابن عمر أن أهل المدينة اتخذ بعضهم الحمام ورمى بعضهم بالجلاهقات [فوكل عثمان رجلا من بنى ليث يتبع ذلك، فيقص الحمام ويكسر الجلاهقات] (١) - وهي قسى البندق - وقال محمد بن سعد: «أنبأنا القعنبي وخالد بن مخلد ثنا محمد بن هلال عن جدته - وكانت تدخل على عثمان وهو محصور - فولدت هلالا، ففقدها يوما فقيل له: إنها قد ولدت هذه الليلة غلاما، قالت: فأرسل إلى بخمسين درهما وشقيقة سنبلانية، وقال: هذا عطاء ابنك وكسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مائة» وروى الزبير ابن أبى بكر عن محمد بن سلام عن ابن بكار (٢) قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عتكة المخزومي:
انطلقت وأنا غلام في الظهيرة ومعى طير أرسله في المسجد، والمسجد بيننا، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أو بعض لبنة، فقمت انظر إليه أتعجب من جماله، ففتح عينيه فقال: من أنت يا غلام؟ فأخبرته، فإذا غلام نائم قريبا منه فدعاه فلم يجبه، فقال لي: ادعه! فدعوته فأمره بشيء وقال لي: اقعد! فذهب الغلام فجاء بحلة وجاء بألف درهم، ونزع ثوبي وألبسنى الحلة؟ وجعل الألف
стр. 2338
درهم فيها، فرجعت إلى أبى فأخبرته؟ فقال: يا بنى من فعل هذا بك؟ فقلت: لا أدرى إلا أنه رجل في المسجد نائم لم أر قط أحسن منه، قال: ذاك أمير المؤمنين عثمان بن عفان» وقال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى يزيد بن خصيفة عن أبى السائب بن يزيد «أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التميمي أهي صلاة طلحة بن عبيد الله عن صلاة عثمان قال: نعم! قال: قلت لأغلبن الليلة النفر على الحجر - يعنى المقام - فلما قمت فإذا رجل يرجمنى مقنعا قال فالتفت فإذا بعثمان يزحمني فتأخرت عنه فصلى فإذا هو يسجد بسجود القرآن، حتى إذا قلت هذا هو أذان الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق». وقد روى هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود، أيام الحج، وقد كان هذا من دأبه ﵁. ولهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى ﴿أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ قال: هو عثمان بن عفان.
وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قال: هو عثمان. وقال حسان:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطّع الليل تسبيحا وقرآنا
وقال سفيان بن عيينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، وإني لأكره أن يأتى عليّ يوم لا انظر في المصحف، وما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه. وقال أنس ومحمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فو الله لقد كان يحيى الليل بالقرآن في ركعة. وقال غير واحد: إنه ﵁ كان لا يوقظ أحدا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظانا، وكان يصوم الدهر، وكان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا! الليل لهم يستريحون فيه. وكان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، وهو في بيت مغلق عليه، ولا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه ﵁.
فصل في ذكر شيء من خطبه
قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبى ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أول كل مركب صعب، وإن بعد اليوم أياما، وإن أعش تأتكم الخطب على وجهها، وما كنا خطباء وسيعلمنا الله. وقال الحسن: خطب عثمان فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! اتقوا الله فان فان تقوى الله غنم، وإن أكيس الناس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، واكتسب من نور الله نورا لظلمة القبر، وليخش عبد أن يحشره الله أعمى، وقد كان بصيرا، وقد يلقى الحكيم جوامع الكلم، والأصم ينادى من مكان بعيد، واعلموا أن من كان الله له لم يخف شيئا، ومن كان الله
стр. 2339
عليه فمن يرجو بعده؟. وقال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الّذي وكل بك لم يزل يخلفك ويتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، وكأنه قد تخطي غيرك إليك، وقصدك، فخذ حذرك، واستعدّ له، ولا تغفل فإنه لا يغفل عنك، واعلم ابن آدم إن غفلت عن نفسك ولم تستعدّ لها لم يستعد لها غيرك، ولا بد من لقاء الله، فخذ لنفسك ولا تكلها إلى غيرك والسلام. وقال سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه. قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة «إن الله إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، ولم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى وإن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، ولا تشغلنكم عن الباقية، وآثروا ما يبقى على ما يفنى، فان الدنيا منقطعة وإن المصير إلى الله، اتقوا الله فان تقواه جنّة من بأسه، ووسيلة عنده، واحذروا من الله الغير، وألزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا ﴿وَاُذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً﴾ إلى آخر الآيتين *
فصل
قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا محمد بن قيس الأسدي عن موسى بن طلحة. قال: سمعت عثمان بن عفان وهو على المنبر والمؤذن يقيم الصلاة وهو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم، وأسفارهم. وقال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا يونس - يعنى ابن عبيد - حدثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين أن عثمان اشترى من رجل أرضا فأبطأ عليه فلقيه فقال: ما منعك من قبض مالك؟ قال: إنك غبنتنى، فما ألقى من الناس أحدا إلا وهو يلومني، قال: أذلك يمنعك؟ قال:
نعم! قال: فاختر بين أرضك ومالك، ثم قال:
قال رسول الله ﷺ : «أدخل الله الجنة رجلا كان سهلا مشتريا وبائعا وقاضيا ومقتضيا». وروى ابن جرير أن طلحة لقي عثمان وهو خارج إلى المسجد فقال له طلحة: إن الخمسين ألفا التي لك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضها، فقال له عثمان: إنا قد وهبناكها لمروءتك. وقال الأصمعي: استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين - أربعة آلاف - وجرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، وخشي قطن الفوت فقال:
من جاز الوادي فله ألف درهم، فحملوا أنفسهم على العوم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن:
أعطوه جائزته، حتى جازوا جميعا وأعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها له، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان: أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل الله فمن ذلك اليوم سميت الجوائز لاجازة الوادي، فقال الكناني في ذلك:
فدى للأكرمين بنى هلال … على علاتهم أهلي ومالي
стр. 2340
هموا سنّوا الجوائز في معدّ … فعادت سنة أخرى الليالي
رماحهم تزيد على ثمان … وعشر قبل تركيب النصال
فصل
ومن مناقبه الكبار وحسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، وكتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول الله ﷺ في آخر سنى حياته، وكان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، وقد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، وأبى الدرداء، وجماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد الله بن مسعود، وأبى موسى، وجعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف، يفضل قراءته على قراءة غيره، وربما خطأ الآخر أو كفره، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، وانتشار في الكلام السيّئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود والنصارى في كتبهم. وذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة وشاورهم في ذلك، ورأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، وأن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة، ودفع الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفى صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان وأمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب وأن يملى عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد الله بن الزبير الأسدي وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، وأمرهم إذا اختلفوا في شيء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفا، ولأهل مصر آخر، وبعث إلى البصرة مصحفا وإلى الكوفة بآخر، وأرسل إلى مكة مصحفا وإلى اليمن مثله، وأقر بالمدينة مصحفا. ويقال لهذه المصاحف الأئمة، وليست كلها بخط عثمان، بل ولا واحد منها، وإنما هي بخط زيد بن ثابت، وإنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره وزمانه، وإمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه ودولته.
قال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة. ورواه غيره من وجه آخر عن أبى هريرة قال: «لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت ووفقت، أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أشد أمتى حبّا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بى ولم يرونى، يعملون بما في الورق المعلق» فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان وأمر لأبى هريرة بعشرة آلاف، وقال: والله ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا
стр. 2341
ﷺ » ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه، لئلا يقع بسببه اختلاف، فقال أبو بكر بن أبى داود - في كتاب المصاحف - حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر وعبد الرحمن قالا: ثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن رجل عن سويد بن غفلة قال: قال لي على حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته» وهكذا رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة مثله،
وقد رواه البيهقي وغيره من حديث محمد بن أبان - زوج أخت حسين - عن علقمة بن مرثد قال: سمعت العيزار بن جرول سمعت سويد بن غفلة قال: «قال على: أيها الناس! إياكم والغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف، والله ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد ﷺ ، ولو وليت مثل ما ولى لفعلت مثل الّذي فعل» وقد روى عن ابن مسعود أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق، وتكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الّذي كتب المصاحف، وأمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم، وتلا قوله تعالى ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ فكتب إليه عثمان ﵁ يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، وجمع الكلمة، وعدم الاختلاف، فأناب وأجاب إلى المتابعة، وترك المخالفة ﵃ أجمعين.
وقد قال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد الله بن مسعود دخل مسجد منى فقال:
كم صلى أمير المؤمنين الظهر؟ قالوا: أربعا، فصلى ابن مسعود أربعا فقالوا: ألم تحدثنا أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر صلوا ركعتين؟ فقال: نعم! وأنا أحدثكموه الآن، ولكنى أكره الاختلاف. وفي الصحيح أن ابن مسعود قال: ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. وقال الأعمش: حدثني معاوية بن قرة - بواسط - عن أشياخه قالوا: صلى عثمان الظهر بمنى أربعا فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعا، فقيل له: عتبت على عثمان وصليت أربعا؟ فقال: إني أكره الخلاف. وفي رواية الخلاف شر فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن؟ والافتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرءوا بها لا بغيرها؟ وقد حكى الزهري وغيره أن عثمان إنما أتم خشية على الأعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان، وقيل بل قد تأهل بمكة،
فروى يعلى وغيره من حديث عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبى ذباب عن أبيه أن عثمان صلى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم فقال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله» وإني أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها. وهذا الحديث لا يصح، وقد تزوج رسول الله ﷺ في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث ولم يتم الصلاة، وقد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان [وهكذا تأولت عائشة فأتمت، وفي هذا التأويل نظر، فان رسول الله ﷺ هو رسول الله
стр. 2342
حيث كان، ومع هذا ما أتم الصلاة في الأسفار. ومما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان] (١) يلزم عماله بحضور الموسم كل عام، ويكتب إلى الرعايا: من كانت له عند أحد منهم مظلمة فليواف إلى الموسم فانى آخذ له حقه من عامله، وكان عثمان قد سمح لكثير من كبار الصحابة في المسير حيث شاءوا من البلاد، وكان عمر يحجر عليهم في ذلك، حتى ولا في الغزو، ويقول: إني أخاف أن تروا الدنيا وأن يراكم أبناؤها، فلما خرجوا في زمان عثمان اجتمع عليهم الناس، وصار لكل واحد أصحاب، وطمع كل قوم في تولية صاحبهم الامارة العامة بعد عثمان، فاستعجلوا موته، واستطالوا حياته، حتى وقع ما وقع من بعض أهل الأمصار، كما تقدم، فانا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم، العلى العظيم:
ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃
تزوج برقيّة بنت رسول الله ﷺ فولد له منها عبد الله، وبه كان يكنى، بعد ما كان يكنى في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت فتزوج بفاختة بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد الله الأصغر، وتزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عمرا، وخالدا، وأبانا، وعمر. ومريم، وتزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد وسعيدا. وتزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، فولدت له عبد الملك، ويقال وعتبة، وتزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة وأم أبان وأم عمرو، بنات عثمان. وتزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن بن ضمضم بن عدي بن حيان بن كليب، فولدت له مريم، ويقال وعنبسة. وقتل ﵁ وعنده أربع نائلة، ورملة، وأم البنين، وفاختة، ويقال إنه طلق أم البنين وهو محصور.
فصل
تقدم في دلائل النبوة الحديث الّذي رواه الامام أحمد وأبو داود من حديث سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن عبد الله بن مسعود، قال قال رسول الله ﷺ :
«إن رجا الإسلام ستدور لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين أو سبع وثلاثين، فان تهلك فسبيل ما هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قال: فقال عمر يا رسول الله أبما مضى أم بما بقي؟ قال: بل بما بقي» وفي لفظ له ولأبى داود «تدور رحى الإسلام لخمس وثلاثين، أو ست وثلاثين» الحديث.
وكأن هذا الشك من الراويّ، والمحفوظ في نفس الأمر خمس وثلاثين، فان فيها قتل أمير المؤمنين
стр. 2343
عثمان على الصحيح، وقيل ست وثلاثين، والصحيح الأول وكانت أمور شنيعة ولكن الله سلم ووقى بحوله وقوته فلم يكن بأسرع من أن بايع الناس على بن أبى طالب ﵁، وانتظم الأمر، واجتمع الشمل، ولكن جرت بعد ذلك أمور في يوم الجمل وأيام صفين على ما سنبينه إن شاء الله تعالى.
فصل
في ذكر من توفى في زمان دولة عثمان ممن لا يعرف وقت وفاته على التعيين على ما ذكره شيخنا أبو عبد الله الذهبي وغيره أنس بن معاذ بن أنس بن قيس الأنصاري النجاري، ويقال له أنيس أيضا، شهد المشاهد كلها ﵁.
أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت الأنصاريان، شهد بدرا، وأوس هو زوج المجادلة المذكور في قوله تعالى ﴿قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللهِ وَاللهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ وامرأته خولة بنت ثعلبة.
أوس بن خولى الأنصاري من بنى الحبلى، شهد بدرا، وهو المنفرد من بين الأنصار بحضور غسل النبي ﷺ ، والنزول مع أهله في قبره، ﵊.
الحر بن قيس، كان سيدا في الأنصار، ولكن كان بخيلا ومتهما بالنفاق، يقال إنه شهد بيعة الرضوان فلم يبايع، واستتر ببعير له، وهو الّذي نزل فيه قوله تعالى ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ اِئْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا﴾ الآية. وقد قيل إنه تاب وأقلع فالله أعلم.
الحطيئة الشاعر المشهور. قيل اسمه جرول ويكنى بأبي مليكة، من بنى عبس، أدرك أيام الجاهلية، وأدرك صدرا من الإسلام، وكان يطوف في الآفاق يمتدح الرؤساء من الناس، ويستجديهم ويقال كان بخيلا مع ذلك، سافر مرة فودع امرأته فقال لها:
عدي السنين إذا خرجت لغيبة … ودعي الشهور فإنهن قصار
[وكان مداحا هجاء، وله شعر جيد، ومن شعره ما قاله بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فاستجاد منه قوله:
من يفعل الخير لم يعدم جوائزه … لا يذهب العرف بين الله والناس] (١)
خبيب بن يساف بن عتبة الأنصاري أحد من شهد بدرا سلمان بن ربيعة الباهلي، يقال له صحبة، كان من الشجعان الأبطال المذكورين، والفرسان المشهورين، ولاه عمر قضاء الكوفة، ثم
стр. 2344
ولى في زمن عثمان إمرة على قتال الترك، فقتل ببلنجر، فقبره هناك في تابوت يستسقى به الترك إذا قحطوا * عبد الله بن حذافة بن قيس القرشي السهمي، هاجر هو وأخوه قيس إلى الحبشة، وكان من سادات الصحابة،
وهو القائل: يا رسول الله من أبى؟ - وكان إذا لاحى الرجال دعي لغير أبيه - فقال: أبوك حذافة، وكان رسول الله ﷺ [أرسله إلى كسرى فدفع كتابه إلى عظيم بصرى فبعث معه من يوصله] (١) إلى هرقل كما تقدم، وقد أسرته الروم في زمن عمر بن الخطاب ﵁، في جملة ثمانين من المسلمين، فأرادوه على الكفر فأبى عليهم، فقال له الملك: قبّل رأسي وأنا أطلقك ومن معك من المسلمين، فقبّل رأسه [فأطلقهم، فلما قدم على عمر قال له: حق على كل مسلم أن يقبّل رأسك، ثم قام عمر فقبّل رأسه] (٢) قبل الناس ﵁ * عبد الله بن سراقة بن المعتمر، العدوي صحابى أحدى، وزعم الزهري أنه شهد بدرا فالله أعلم * [عبد الله بن قيس بن خالد الأنصاري، شهد بدرا *] (٣) عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري الحارثي، شهد أحدا وما بعدها، وقال ابن عبد البر شهد بدرا، استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان، وقد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم، وهو القائل لأبى بكر - وقد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الأم وترك الأخرى وهي أم الأب - فقال له: أعطيت التي لو ماتت لم يرثها، وتركت التي لو ماتت لورثها، فشرّك بينهما * عمرو بن سراقة بن المعتمر العدوي أخو عبد الله بن سراقة، وهو بدري كبير، روى أنه جاع مرة فربط حجرا على بطنه من شدة الجوع، ومشى يومه ذلك إلى الليل، فأضافه قوم من العرب ومن معه، فلما شبع قال لأصحابه: كنت أحسب الرجلين يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرجلين.
عمير (٤) بن سعد الأنصاري الأوسي، صحابى جليل القدر، كبير المحل كان يقال له نسيج وحده، لكثرة زهادته وعبادته، شهد فتح الشام مع أبى عبيدة، وناب بحمص وبدمشق أيضا في زمان عمر، فلما كانت خلافة عثمان عزله وولى معاوية الشام بكماله، وله أخبار يطول ذكرها * عروة بن حزام أبو سعيد العدوي، كان شاعرا مغرما في ابنة عم له، وهي عفراء بنت مهاجر، يقول فيها الشعر واشتهر بحبها، فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره، وزوجها بابن عمها الآخر، فهلك عروة هذا في محبتها، وهو مذكور في كتاب مصارع العشاق، ومن شعره فيها قوله:
وما هي إلا أن أراها فجاءة … فأبهت حتى ما أكاد أجيب
وأصرف عن رأيي الّذي كنت أرتئي … وأنسى الّذي أعددت حين تغيب
قطبة بن عامر أبو زيد الأنصاري عقبى بدري * قيس بن مهدي بن قيس بن ثعلبة الأنصاري
стр. 2345
النجاري، له حديث في الركعتين قبل الفجر، وزعم ابن ماكولا أنه شهد بدرا، قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، وقال الأكثرون: بل هو جد أبى مريم عبد الغفار ابن القاسم الكوفي فالله أعلم * لبيد بن ربيعة أبو عقيل العامري الشاعر المشهور. صح أن رسول الله ﷺ قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد.
ألا كل شيء ما خلا الله باطل» … وتمام البيت: وكل نعيم لا محالة زائل
فقال عثمان بن مظعون: إلا نعيم الجنة، وقد قيل إنه توفى سنة إحدى وأربعين فالله أعلم * المسيب بن حزن بن أبى وهب المخزومي، شهد بيعة الرضوان وهو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين * معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري شهد بدرا، وضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله، وحمل عكرمة بن أبى جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه، فقاتل بقية يومه وهي معلقة يسحبها خلفه، قال معاذ: فلما انتهيت وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها ﵁.
وعاش بعد ذلك الى هذه السنة سنة خمس وثلاثين * محمد بن جعفر بن أبى طالب، القرشي الهاشمي، ولد لأبيه وهو بالحبشة، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، وتوفى يوم مؤتة شهيدا،
جاء رسول الله ﷺ إلى منزلهم فقال لأمهم أسماء بنت عميس:
«ايتيني ببني أخى، فجيء بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبلهم ويشمهم ويبكى، فبكت أمهم فقال أتخافين عليهم العيلة وأنا وليهم في الدنيا والآخرة؟ ثم أمر الحلاق فحلق رءوسهم» وقد مات محمد وهو شاب في أيام عثمان كما ذكرنا، وزعم ابن عبد البر أنه توفى في تستر فالله أعلم * معبد بن العباس بن عبد المطلب بن عم رسول الله ﷺ ، قتل شابا بإفريقية من بلاد المغرب * معيقيب بن أبى فاطمة الدوسيّ، صاحب خاتم النبي ﷺ ، قيل توفى في أيام عثمان، وقيل قبل ذلك، وقيل سنة أربعين والله أعلم * منقذ بن عمرو الأنصاري، أحد بنى مازن بن النجار. كان قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، وضعف عقله، وكان يكثر من البيع والشراء،
فقال له النبي ﷺ : «من بايعت فقل لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام» قال الشافعيّ: كان مخصصا بإثبات الخيار ثلاثة في كل بيع، سواء اشترط الخيار أم لا * نعيم بن مسعود، أبو سلمة الغطفانيّ، وهو الّذي خذل بين الأحزاب وبين بنى قريظة كما قدمناه، فله بذلك اليد البيضاء، والراية العليا * أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، الشاعر، أدرك الجاهلية، وأسلم بعد موت النبي ﷺ ، وشهد يوم السقيفة وصلى على النبي ﷺ ، وكان أشعر هذيل، وهذيل أشعر العرب وهو القائل:
وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع
وتجلدي للشامتين أريهم … أنى لريب الدهر لا أتضعضع
توفى غازيا بإفريقية في خلافة عثمان * أبو رهم سبرة بن عبد العزى القرشي الشاعر ذكره
стр. 2346
في هذا الفصل محمد بن سعد وحده * أبو زبيد الطائي، الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر كان نصرانيا وكان يجالس الوليد بن عقبة فأدخله على عثمان فاستنشده شيئا من شعره فأنشده قصيدة له في الأسد بديعة، فقال له عثمان: تفتأ تذكر الأسد ما حييت؟ إني لأحسبك جبانا نصرانيا * أبو سبرة بن أبى رهم العامري، أخو أبى سلمة بن عبد الأسد، أمهما برة بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا وما بعدها، قال الزبير: لا نعلم بدريا سكن مكة بعد النبي ﷺ سواه، قال: وأهله ببدر في ذلك * أبو لبابة بن عبد المنذر أحد نقباء ليلة العقبة، وقيل إنه توفى في خلافة على والله أعلم * أبو هاشم بن عتبة نقدم وفاته في سنة إحدى وعشرين، وقيل في خلافة عثمان والله أعلم.
خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁
ولنذكر شيئا من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك
هو أمير المؤمنين على بن أبى طالب واسمه عبد مناف بن عبد المطلب واسمه شيبة بن هاشم واسمه عمرو ابن عبد مناف، واسمه المغيرة، بن قصي، واسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو الحسن والحسين، ويكنى بأبي تراب، وأبى القاسم الهاشمي، ابن عم رسول الله ﷺ ، وختنه على ابنته فاطمة الزهراء. وأمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، ويقال إنها أول هاشمية ولدت هاشميا. وكان له من الإخوة طالب، وعقيل، وجعفر، وكانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم وبين الآخر عشر سنين، وله أختان، أم هانئ وجمانة، وكلهم من فاطمة بنت أسد، وقد أسلمت وهاجرت * كان على أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وأحد الستة أصحاب الشورى، وكان ممن توفى ورسول الله ﷺ راض عنهم وكان رابع الخلفاء الراشدين وكان رجلا آدم شديد الأدمة أشكل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، وهو إلى القصر أقرب وكان عظيم اللحية، قد ملأت صدره ومنكبيه، أبيضها، وكان كثير شعر الصدر والكتفين، حسن الوجه، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض * أسلم على قديما، وهو ابن سبع وقيل ابن ثمان، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل أحد عشر، وقيل اثني عشر، وقيل ثلاثة عشر، وقيل أربع عشرة، وقيل ابن خمس عشرة، أو ست عشرة سنة قاله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن، ويقال إنه أول من أسلم [والصحيح أنه أول من أسلم] (١) من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، وزيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، وأبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، وكان سبب إسلام على صغيرا أنه كان في كفالة رسول الله ﷺ ، لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة، فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما
стр. 2347
بعثه الله بالحق آمنت خديجة وأهل البيت ومن جملتهم على، وكان الايمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصديق ﵁.
وقد ورد عن على أنه قال أنا أول من أسلم ولا يصح إسناده إليه. وقد روى في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر كثيرة منكرة لا يصح شيء منها والله أعلم. وقد روى الامام أحمد من حديث شعبة عن عمرو بن مرة سمعت أبا حمزة - رجلا من موالي الأنصار - قال سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول الله ﷺ على * وفي رواية أول من صلى. قال عمرو: فذكرت ذلك للنخعى فأنكره، وقال أبو بكر: أول من أسلم * وقال محمد بن كعب القرظي: أول من آمن من النساء خديجة وأول رجلين آمنا أبو بكر وعلى ولكن كان أبو بكر يظهر إيمانه وعلى يكتم إيمانه، قلت: يعنى خوفا من أبيه، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه ونصرته، وهاجر على بعد خروج رسول الله ﷺ من مكة وكان قد أمره بقضاء ديونه ورد ودائعه، ثم يلحق به، فامتثل ما أمره به، ثم هاجر، وآخى النبي ﷺ بينه وبين سهل بن حنيف، وذكر ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي أن رسول الله ﷺ آخى بينه وبين نفسه، وقد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شيء منها لضعف أسانيدها، وركة بعض متونها، فإن في بعضها
«أنت أخى ووارثي وخليفتي وخير من أمر بعدي» وهذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين وغيرهما والله أعلم * وقد شهد على بدرا وكانت له الوليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب وظهر وفيه وفي عمه حمزة وابن عمه عبيدة ابن الحارث وخصومهم الثلاثة - عتبة وشيبة والوليد بن عتبة - نزل قوله تعالى ﴿هذانِ خَصْمانِ اِخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ﴾ الآية. وقال الحكم وغيره عن مقسم عن ابن عباس قال: «دفع النبي ﷺ الراية يوم بدر إلى على وهو ابن عشرين سنة» وقال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظليّ عن أبى جعفر محمد بن على قال: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له رضوان لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على. قال ابن عساكر وهذا مرسل وإنما تنفل رسول الله ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم وهبه من على بعد ذلك وقال يونس بن بكير عن مسعر عن أبى عوف عن أبى صالح عن على قال: قيل لي يوم بدر ولأبى بكر قيل لأحدنا معك جبريل ومع الآخر ميكائيل قال وإسرافيل ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل ويكون في الصف. وشهد على أحدا وكان على الميمنة ومعه الراية بعد مصعب ابن عمير، وعلى الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، وحمزة بن عبد المطلب، على القلب وعلى الرجالة الزبير بن العوام، وقيل المقداد بن الأسود، وقد قاتل على يوم أحد قتالا شديدا، وقتل خلقا كثيرا من المشركين، وغسل عن وجه النبي ﷺ الدم الّذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه وكسرت رباعيته وشهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، وأحد شجعانهم المشاهير، عمر وابن عبد ودّ العامري، كما قدمنا ذلك في غزوة الخندق، وشهد الحديبيّة وبيعة الرضوان، وشهد خيبر
стр. 2348
وكانت له بها مواقف هائلة، ومشاهد طائلة، منها
أن رسول الله ﷺ قال: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله» فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها، فدعا عليا - وكان أرمد - فدعا له، وبصق في عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ وأعطاه الراية، ففتح الله على يديه، وقتل مرحبا اليهودي وذكر محمد بن إسحاق عن عبد الله بن حسن عن بعض أهله عن أبى رافع أن يهوديا ضرب عليا فطرح ترسه، فتناول بابا عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده حتى فتح الله على يديه ثم ألقاه من يده، قال أبو رافع: فلقد رأيتني أنا وسبعة معى نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع. وقال ليث عن أبى جعفر عن جابر أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحملوه إلا أربعون رجلا * ومنها أنه قتل مرحبا فارس يهود وشجعانهم * وشهد على عمرة القضاء وفيها
قال له النبي ﷺ : «أنت منى، وأنا منك» وما يذكره كثير من القصاص في مقاتلته الجن في بئر ذات العلم - وهو بئر قريب من الجحفة - فلا أصل له، وهو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به. وشهد الفتح وحنينا والطائف، وقاتل في هذه المشاهد قتالا كثيرا، واعتمر من الجعرانة مع رسول الله ﷺ [ولما خرج رسول الله ﷺ ] (١) إلى تبوك واستخلفه على المدينة،
قال له: يا رسول الله أتخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال: «ألا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي» وبعثه رسول الله ﷺ أميرا وحاكما على اليمن، ومعه خالد ابن الوليد، ثم وافى رسول الله ﷺ عام حجة الوداع، إلى مكة، وساق معه هديا، وأهلّ كإهلال النبي ﷺ ، فأشركه في هديه، واستمر على إحرامه، [ونحرا هديهما بعد فراغ نسكهما كما تقدم] (٢)
ولما مرض رسول الله ﷺ قال له العباس: سل رسول الله ﷺ فيمن الأمر بعده؟ فقال: والله لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا، والأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول الله ﷺ لم يوص إليه ولا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، وأشار إشارة مفهمة ظاهرة جدا إليه، كما قدمنا ذلك ولله الحمد.
وأما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة والقصاص الأغبياء، من أنه أوصى إلى على بالخلافة، فكذب وبهت وافتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير، من تخوين الصحابة وممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته وإيصالها إلى من أوصى إليه، وصرفهم إياها إلى غيره، ولا لمعنى ولا لسبب، وكل مؤمن بالله، ورسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء، لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء، وهم خير قرون هذه الأمة، التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، وإجماع
стр. 2349
السلف والخلف، في الدنيا والآخرة، ولله الحمد. وما قد يقصه بعض القصاص من العوام وغيرهم في الأسواق وغيرها من الوصية لعلى في الآداب والأخلاق في المأكل والمشرب والملبس، مثل ما يقولون: يا على لا تعتم وأنت قاعد، يا على لا تلبس سراويلك وأنت قائم، يا على لا تمسك عضادتي الباب، ولا تجلس على أسكفة الباب، ولا تخيط ثوبك وهو عليك، ونحو ذلك، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل لشيء منه، بل هو اختلاق بعض السفلة الجهلة، ولا يعول على ذلك ويغتر به إلا غبي عيى. ثم لما مات رسول الله ﷺ كان على من جملة من غسله وكفنه وولى دفنه كما تقدم ذلك مفصلا ولله الحمد والمنة. وسيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول الله ﷺ له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد له منها حسن وحسين ومحسن كما قدمنا. وقد وردت أحاديث في ذلك لا يصلح شيء منها بل أكثرها من وضع الروافض والقصاص. ولما بويع الصديق يوم السقيفة كان على من جملة من بايع بالمسجد كما قدمنا. وكان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه، وأحب الأشياء إليه، ولما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر - وكانت قد تغضبت بعض الشيء على أبى بكر بسبب الميراث الّذي فاتها من أبيها ﵇، ولم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء وأنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة، فأبى ذلك عليها، فبقي في نفسها شيء كما قدمنا، واحتاج على أن يداريها بعض المداراة - فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق ﵄، فلما توفى أبو بكر وقام عمر في الخلافة بوصية أبى بكر إليه بذلك، كان على من جملة من بايعه، وكان معه يشاوره في الأمور، ويقال إنه استقضاه في أيام خلافته، وقدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، وشهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر وجعل الأمر شورى في ستة أحدهم على، ثم خلص منهم بعثمان وعلى كما قدمنا، فقدم عثمان على على، فسمع وأطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة وثلاثين على المشهور.
عدل الناس إلى على فبايعوه، قبل أن يدفن عثمان، وقيل بعد دفنه كما تقدم، وقد امتنع على من إجابتهم إلى قبول الامارة حتى تكرر قولهم له وفر منهم إلى حائط بنى عمرو بن مبدول، وأغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب وولجوا عليه، وجاءوا معهم بطلحة والزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، ولم يزالوا به حتى أجاب.
ذكر بيعة على ﵁ بالخلافة
يقال ان أول من بايعه طلحة بيده اليمنى وكانت شلاء من يوم أحد - لما وقى بها رسول الله ﷺ فقال بعض القوم: والله إن هذا الأمر لا يتم،
وخرج على إلى المسجد فصعد المنبر وعليه إزار وعمامة خز ونعلاه في يده، يتوكأ على قوسه، فبايعه عامة الناس، وذلك يوم السبت التاسع عشر
стр. 2350
من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، ويقال إن طلحة والزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما وسألاه أن يؤمرهما على البصرة والكوفة، فقال لهما: بل تكونا عندي أستأنس بكما، ومن الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الأنصار، منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مخلد، وأبو سعيد، ومحمد بن مسلمة، والنعمان بن بشير، وزيد بن ثابت، ورافع بن خديج، وفضالة بن عبيد، وكعب بن عجرة. ذكره ابن جرير من طريق المدائني عن شيخ من بنى هاشم عن عبد الله بن الحسن قال المدائني: حدثني من سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام ولم بايعوا عليا، ولم يبايعه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن سلام، والمغيرة بن شعبة، قلت: وهرب مروان بن الحكم والوليد بن عقبة وآخرون إلى الشام. وقال الواقدي: بايع الناس عليا بالمدينة، وتربص سبعة نفر لم يبايعوا، منهم ابن عمر، وسعد بن أبى وقاص، وصهيب، وزيد بن ثابت، ومحمد بن أبى مسلمة، وسلمة بن سلامة بن وقش، وأسامة بن زيد، ولم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع فيما نعلم. وذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. والمصريون يلحون على على وهو يهرب منهم إلى الحيطان، ويطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، والبصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبى وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: ان نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم ولم نسلم، فرجعوا إلى على فألحوا عليه، وأخذ الأشتر بيده فبايعه وبايعه الناس، وأهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر النخعي وذلك يوم الخميس الرابع والعشرون من ذي الحجة، وذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، وكلهم يقول:
لا يصلح لها إلا على، فلما كان يوم الجمعة وصعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، وكان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليا واللج على عنقي والسلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، وكانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة،
وكان أول خطبة خطبها أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن الله تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير والشر، فخذوا بالخير ودعوا الشر، إن الله حرم حرما مجهولة، وفضل حرمة المسلم على الحرم كلها، وشد بالإخلاص والتوحيد حقوق المسلمين، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، وخاصة أحدكم الموت، فان الناس أمامكم، وإنما خلفكم الساعة تحدو بكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا الله عباده في عباده وبلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع والبهائم، ثم أطيعوا الله ولا تعصوه،