فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرقة حمراء فنشروها، وإذا داخلها خرقة صفراء، وفيها إيران كميت وورد. فقال شاعر يهجو بهما بنى نهد.
آب الكرام بالسبايا غنيمة … وفاز بنو نهد بايرين في سفط
كميت وورد وافرين كلاهما … فظنوهما غنما فناهيك من غلط
قالوا: ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، وامتنعوا عن أداء المال الّذي ضربه عليهم - وكان مائة ألف دينار وقيل مائتي ألف دينار وقيل ثلاثمائة ألف دينار - ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك كما سنذكره إن شاء الله تعالى.
وفي هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة، وولى عليها سعيد بن العاص وكان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ثم التفت فقال أزيدكم؟ فقال قائل: ما زلنا منك منذ اليوم في زيارة. ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم وبينه شنئان، فشكوه إلى عثمان، وشهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر وشهد آخر أنه رآه يتقاياها، فأمر عثمان بإحضاره وأمر بجلده، فيقال إن عليا نزع عنه حلته، وأن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان، وعزله وأمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص.
وفي هذه السنة سقط خاتم النبي ﷺ من يد عثمان في بئر أريس، وهي على ميلين من المدينة، وهي من أقل الآبار ماء، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، والاجتهاد في طلبه، حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة، ونقش عليه محمد رسول الله، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه. وقد روى ابن جرير هاهنا حديثا طويلا في اتخاذ النبي ﷺ خاتما من ذهب، ثم من فضة، وبعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، وأن الخاتم الّذي كان في يد النبي ﷺ ثم في يد أبى بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، وقد تقدم بعض هذا في الصحيح. وفي هذه السنة وقع بين معاوية وأبى ذر بالشام، وذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور، وكان ينكر على من يقتنى مالا من الأغنياء ويمنع أن يدخر فوق القوت، ويوجب أن يتصدق بالفضل، ويتأول قول الله ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ﴾ فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع، فبعث يشكوه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبى ذر أن يقدم عليه المدينة، فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه، واسترجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة - وهي شرقى المدينة -
ويقال إنه سأل عثمان أن يقيم بها وقال: إن رسول الله ﷺ قال لي «إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها» وقد بلغ البناء سلعا، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة وأمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان، حتى لا يرتد
стр. 2277
أعرابيا بعد هجرته، ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات على ما سنذكره ﵁.
وفي هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء.
فصل
وممن ذكر شيخنا أبو عبد الله الذهبي أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة ثلاثين -. أبى بن كعب فيما صححه الواقدي.
جبار بن صخر
ابن أمية بن خنساء، أبو عبد الرحمن الأنصاري، عقبى بدري، وقد بعثه رسول الله ﷺ إلى خيبر خارصا، وقد توفى عن ستين سنة.
حاطب بن أبى بلتعة
ابن عمرو بن عمير اللخمي حليف بن أسد بن عبد العزى، شهد بدرا وما بعدها، وهو الّذي كان كتب إلى المشركين يعلمهم بعزم رسول الله ﷺ [على فتح مكة، فعذره رسول الله ﷺ ] (١) بما اعتذر به، ثم بعثه بعد ذلك برسالة إلى المقوقس ملك الاسكندرية.
الطفيل بن الحارث
ابن المطلب أخو عبيدة، وحصين، شهد بدرا. قال سعيد بن عمير: توفى في هذه السنة.
عبد الله بن كعب
ابن عمرو المازني أبو الحارث، وقيل أبو يحيى الأنصاري، شهد بدرا وكان على الخمس يومئذ.
عبد الله بن مظعون
أخو عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة وشهد بدرا.
عياض بن زهير
ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال أبو سعيد القرشي الفهري، شهد بدرا وما بعدها.
مسعود بن ربيعة
وقيل ابن الربيع، أبو عمرو القارّي [شهد بدرا وما بعدها. توفى عن نيف وستين سنة.
معمر بن أبى سرح
ابن ربيعة بن هلال القرشي أبو سعد الفهري] (٢)، وقيل اسمه عمرو، بدري قديم الصحبة.
стр. 2278
أبو أسيد
مالك بن ربيعة قال الفلاس: مات في هذه السنة، والأصح أنه مات سنة أربعين، وقيل سنة ستين فالله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين
ففيها كانت غزوة الصواري، وغزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي وقال أبو معشر:
كانت غزوة الصواري سنة أربع وثلاثين. وملخص ذلك فيما ذكره الواقدي وسيف وغيرهما أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبى سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان ﵁، وقد أحرزه غاية الحفظ وحمى حوزته، ومع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف، - ولهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة - فيقتلون خلقا، ويأسرون آخرين، ويفتحون حصونا ويغنمون أموالا ويرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد الله بن سعد بن أبى سرح من أصاب من الفرنج والبربر، ببلاد إفريقية والأندلس، حميت الروم واجتمعت على قسطنطين بن هرقل، وساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، وقصدوا عبد الله بن أبى سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون ويصلبون، وبات المسلمون يقرءون ويصلون، فلما أصبحوا صف عبد الله بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، وأمرهم بذكر الله وتلاوة القرآن، قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، وعقدوا صواريها، وكانت الريح لهم وعلينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن وأنتم إلى البر فمات الأعجل منا ومنكم، قال فنخروا نخرة رجل واحد وقالوا: الماء الماء، قال فدنونا منهم وربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا وإياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف والخناجر، وضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل وألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، وغلب الدم على لون الماء، وصبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، وقتل منهم بشر كثير، ومن الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل الله نصره على المسلمين فهرب قسطنطين وجيشه - وقد قلوا جدا - وبه جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك، وأقام عبد الله بن سعد بذات الصواري أياما، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا. قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبى حذيفة، ومحمد بن أبى بكر، فأظهرا عيب عثمان وما غير وما خالف أبا بكر وعمر، ويقولان دمه حلال لأنه استعمل عبد الله ابن سعد - وكان قد ارتد وكفر بالقرآن العظيم وأباح رسول الله ﷺ دمه، وأخرج رسول الله ﷺ أقواما واستعملهم عثمان، ونزع أصحاب رسول الله ﷺ واستعمل سعيد بن العاص وعبد الله بن
стр. 2279
عامر، فبلغ ذلك عبد الله بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، ولقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه؟ فأرسل إليهما عبد الله بن سعد فنهاهما أشد النهى وقال: والله لولا لا أدرى ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما وحبستكما. قال الواقدي وفي هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة. وفي هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس.
كيفية قتل كسرى ملك الفرس وهو يزدجرد
قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه وخافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه وهرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط، فأوى إليه ليلا، فلما نام قتله. وقال المدائني: لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه ومنطقته وسيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الّذي ينقر الأرحية فجلس عنده فاستغفله وقتله وأخذ ما كان عليه، وجاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله وأخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل وأهل بيته وأخذوا ما كان مع كسرى، ووضعوا كسرى في تابوت وحملوه إلى إصطخر، وقد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه ووضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق وسمى ذلك الغلام المخدج، وكان له نسل وعقب في خراسان، وقد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص. وقال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده وذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرعاب فمكث فيه ليلتين والعدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى وعليه أبهته، فقال له: ما أنت؟ إنسي أم جنى؟ قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم! فأتاه بطعام فقال: إني مزمزم فأتنى بما أزمزم به، قال: فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال: وما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط وقد طلب منى هذا، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد - مرو واسمه ماهويه بن باباه - فأخبره خبره، فقال هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحان [فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه وتدافعوا وقالوا للطحان] (١) ادخل أنت فأقتله، فدخل فوجده نائما فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ثم احتزه فدفعه إليهم وألقى جسده في النهر، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، وخرج أسقف فأخذ جسده من النهر وجعله في تابوت وحمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس، ويروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل
стр. 2280
حتى رق له وقال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ وأتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة، فقال له: كل وأنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه فسألوه فأخبرهم فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت وكيت، فعرفوه وقصدوه مع الطحان وتقدم الطحان فدخل عليه وهم بالقبض عليه فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي وسواري ومنطقتي ودعني أذهب من هاهنا، فقال لا، أعطني أربعة دراهم وأنا أطلقك، فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند فلما أحاطوا به وأرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فانا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه الله بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني واذهبوا بى إلى الملك أو إلى العرب، فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب وخنقوه بوتر وألقوه في النهر فتعلق بعود فأخذه أسقف - واسمه إيليا - فنحن عليه مما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت ودفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرم ذلك. وكان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، وباقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد، خوفا من الإسلام وأهله، وهو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق،
لقول رسول الله ﷺ «إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده والّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله» رواه البخاري.
وثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي ﷺ مزقه، فدعا عليه النبي ﷺ أن يمزق كل ممزق، فوقع الأمر كذلك، وفي هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، ومن ذلك ما فتح صلحا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن وهي مرو على ألفى ألف ومائتي ألف، وقيل على ستة آلاف ألف ومائتي ألف.
وفي هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان ﵁.
ثم دخلت سنه ثنتين وثلاثين
وفيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق - مضيق القسطنطينية - ومعه زوجته عاتكة، ويقال فاطمة بنت قرطة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. قاله أبو معشر والواقدي: وفيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش وأمره أن يغزو الباب، وكتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها ونصبت عليها المجانيق والعرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم وعاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا - وكانت الترك تهاب
стр. 2281
قتال المسلمين، ويظنون أنهم لا يموتون - حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة - وكان يقال له ذو النون - وانهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، وفرقة سلكوا ناحية جيلان وجرجان، وفي هؤلاء أبو هريرة وسلمان الفارسي. وأخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة - وكان من سادات المسلمين وشجعانهم - فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده إلى اليوم، ولما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة، وأمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتنازع حبيب وسلمان في الإمرة حتى اختلفا، فكان أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة وأهل الشام، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة وهو أوس:
فان تضربوا سلمان نضرب حبيبكم … وإن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل
وإن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا … وهذا أمير في الكتائب مقبل
ونحن ولاة الثغر كما حماته … ليالي نرمي كل ثغر وننكل
وفيها فتح ابن عامر مروالروذ والطالقان والفارياب والجوزجان وطخارستان. فأما مروالروذ فبعث إليهم أبو عامر الأحنف بن قيس فحصرها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم إلى حصنهم، ثم صالحوه على مال جزيل وعلى أن يضرب على أراضى الرعية الخراج، ويدع الأرض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان، صاحب مرو، حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس وتأكلهم، فصالحهم الأحنف على ذلك، وكتب لهم كتاب صلح بذلك، ثم بعث الأحنف الأقرع بن حابس إلى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم، قتل فيه خلق من شجعان المسلمين، ثم نصروا فقال في ذلك أبو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها:
سقى مزن السحاب إذا استهلت … مصارع فتية بالجوزجان
إلى القصرين من رستاق حوط … أبادهم هناك الأقرعان
ثم سار الأحنف من مروالروذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعمائة ألف، واستناب ابن عمه أسيد بن المشمس على قبض المال، ثم ارتحل يريد الجهاد، وداهمه الشتاء فقال لأصحابه:
ما تشاءون؟ فقالوا: قد قال عمرو بن معديكرب:
إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع
فأمر الأحنف بالرحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء، ثم عاد إلى عامر فقيل لابن عامر ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس وكرمان وسجستان وعامر خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكري لله على ذلك أن أحرم بعمرة من موقفي هذا مشمرا فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على
стр. 2282
عثمان لامه على إحرامه من خراسان. وفيها أقبل قارن في أربعين ألفا فالتقاه عبد الله بن حازم في أربعة آلاف، وجعل لهم مقدمة ستمائة رجل، وأمر كلا منهم أن يحمل على رأس رمحه نارا، وأقبلوا إليهم في وسط الليل فبيتوهم فثاروا إليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم، وأقبل عبد الله بن حازم بمن معه من المسلمين فاتفقوا هم وإياهم، فولى المشركون مدبرين، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاءوا كيف شاءوا. وغنموا سبيا كثيرا وأموالا جزيلة، ثم بعث عبد الله بن حازم [بالفتح إلى ابن عامر، فرضى عنه وأقره على خراسان - وكان قد عزله عنها - فاستمر بها عبد الله بن حازم] (١) إلى ما بعد ذلك.
ذكر من توفى من الأعيان في هذه السنة
العباس بن عبد المطلب
ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الفضل المكيّ عم رسول الله ﷺ ، ووالد الخلفاء العباسيين، وكان أسن من رسول الله ﷺ بسنتين أو ثلاث، أسر يوم بدر فافتدى نفسه بمال، وافتدى ابني أخويه عقيل بن أبى طالب ونوفل بن الحارث. وقد ذكرنا أنه لما أسر وشد في الوثاق وأمسى الناس، أرق رسول الله ﷺ فقيل يا رسول الله مالك؟ فقال «إني أسمع أنين العباس في وثاقه فلا أنام» فقام رجل من المسلمين فحل من وثاق العباس حتى سكن أنينه فنام رسول الله ﷺ ، ثم أسلم عام الفتح، وتلقى رسول الله ﷺ إلى الجحفة فرجع معه، وشهد الفتح، ويقال إنه أسلم قبل ذلك ولكنه أقام بمكة باذن النبي ﷺ له في ذلك، كما ورد به الحديث فالله أعلم.
وقد كان رسول الله ﷺ يجله ويعظمه وينزله منزلة الوالد من الولد، ويقول «هذا بقية آبائي» وكان من أوصل الناس لقريش وأشفقهم عليهم، وكان ذا رأى وعقل تام واف، وكان طويلا جميلا أبيض بضا ذا طفرتين وكان له من الولد عشرة ذكور سوى الإناث، وهم تمام - وكان أصغرهم - والحارث، وعبد الله، وعبيد الله، وعبد الرحمن، وعون، والفضل، وقثم، وكثير، ومعبد. وأعتق سبعين مملوكا من غلمانه [وقال الامام أحمد: ثنا على بن عبد الله قال حدثني محمد بن طلحة التميمي من أهل المدينة حدثني أبو سهيل نافع بن مالك عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول الله ﷺ للعباس «هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا وأوصلها» تفرد به (٢)]
وثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال لعمر حين بعثه على الصدقة فقيل منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه
стр. 2283
وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي على ومثلها» ثم قال: «يا عمر أما شرعت أن عم الرجل صنو أبيه»؟ وثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر خرج يستسقى وخرج بالعباس معه يستسقى به، وقال اللهمّ إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا، قال فيسقون، ويقال إن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان كانا إذا مر بالعباس وهما راكبان ترجلا إكراما له. قال الواقدي وغير واحد: توفى العباس في يوم الجمعة لثنتى عشرة ليلة خلت من رجب، وقيل من رمضان سنة ثنتين وثلاثين، عن ثمان وثمانين سنة، وصلى عليه عثمان بن عفان، ودفن بالبقيع وقيل توفى سنة ثلاث وثلاثين، وقيل سنة أربع وثلاثين، وفضائله ومناقبه كثيرة جدا.
عبد الله بن مسعود
ابن غافل بن حبيب بن سمح بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي، أبو عبد الرحمن حليف بنى زهرة، أسلم قديما قبل عمر، وكان سبب إسلامه حين مر به رسول الله ﷺ ، وأبو بكر ﵁، وهو يرعى غنما فسألاه لبنا فقال: إني مؤتمن، قال فأخذ رسول الله ﷺ عناقا لم ينز عليها الفحل فاعتقلها ثم حلب وشرب وسقى أبا بكر، ثم قال للضرع «أقلص» فقلص، فقلت علمني من هذا الدعاء فقال: إنك غلام معلم، الحديث. وروى محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه أن ابن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بمكة، بعد النبي ﷺ عند البيت، وقريش في أنديتها قرأ سورة الرحمن علم القرآن، فقاموا إليه فضربوه، ولزم رسول الله ﷺ ، وكان يحمل نعليه وسواكه، وقال له إذنك على أن تسمع سوادي (١) ولهذا كان يقال له صاحب السواك والوساد، وهاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وهو الّذي قتل أبا جهل بعد ما أثبته ابنا عفراء، وشهد بقية المشاهد،
وقال له رسول الله ﷺ يوما «اقرأ على» فقلت أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) فبكى رسول الله ﷺ وقال «حسبك» وقال أبو موسى: قدمت أنا وأخى من اليمن وما كنا نظن إلا أن ابن مسعود وأمه من أهل بيت النبي ﷺ ، لكثرة دخولهم بيت النبي ﷺ . وقال حذيفة ما رأيت أحدا أشبه برسول الله ﷺ في هديه ودله وسمته من ابن مسعود، ولقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله زلفى، وفي الحديث «وتمسكوا بعهد ابن أم عبد»
وفي الحديث الآخر الّذي رواه أحمد عن محمد بن فضيل عن مغيرة عن أم حرسى عن على أن ابن
стр. 2284
مسعود صعد شجرة يجتنى الكباث فجعل الناس يعجبون من دقة ساقيه، فقال رسول الله ﷺ «والّذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد» وقال عمر بن الخطاب ﵁ وقد نظر إلى قصره وكان يوازى بقامته الجلوس - فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف مليء علما. وقد شهد ابن مسعود بعد النبي ﷺ مواقف كثيرة، منها اليرموك وغيرها، وكان قدم من العراق حاجا فمر بالربذة فشهد وفاة أبى ذر ودفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا، فيروي أنه قال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قال فما تشتهي؟ قال رحمة ربى، قال ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضنى، قال ألا آمر لك بعطائك؟ - وكان قد تركه سنتين - فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال أتخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة،
وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول «من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا» وأوصى عبد الله بن مسعود إلى الزبير بن العوام، فيقال إنه هو الّذي صلى عليه ليلا، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك، وقيل بل صلى عليه عثمان، وقيل عمار، فالله أعلم. ودفن بالبقيع عن بضع وستين سنة.
عبد الرحمن بن عوف
ابن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديما على يدي أبى بكر، وهاجر إلى الحبشة وإلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد ابن الربيع، وشهد بدرا وما بعدها، وأمره رسول الله ﷺ حين بعثه إلى بنى كلب وأرخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للامارة، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، وأحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا.
ثم كان هو الّذي اجتهد في تقديم عثمان ﵁، وقد تقاول هو وخالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال،
فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال «لا تسبوا أصحابى فو الّذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» وهو في الصحيح. وقال معمر عن الزهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي ﷺ بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة،
فأما الحديث الّذي قال عبد بن حميد في مسندة ثنا يحيى بن إسحاق ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف لما هاجر آخى رسول الله ﷺ بينه وبين عثمان بن عفان فقال له إن لي حائطين فاختر أيهما شئت، فقال: بارك الله لك في حائطيك، ما لهذا أسلمت، دلني على السوق، قال فدله فكان يشترى السمنة والاقيطة والإهاب، فجمع فتزوج فأتى النبي ﷺ فقال «بارك الله لك
стр. 2285
أو لم ولو بشاة» قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البر وتحمل الدقيق والطعام، قال:
فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجة، فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمائة تحمل البر والدقيق والطعام.
فقالت عائشة: سمعت رسول الله ﷺ يقول «يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا» فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال: أشهدك يا أمه أنها بأحمالها وأحلاسها وأقتابها في سبيل الله. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة - هو ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة قالت:
ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شيء - قال وكانت سبعمائة بعير - قال فارتجت المدينة من الصوت،
فقالت عائشة سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قد رأيت عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة حبوا» فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: لئن استطعت لأدخلها قائما، فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله. فقد تفرد به عمارة بن زاذان الصيدلاني وهو ضعيف. وأما قوله في سياق عبد بن حميد: إنه آخى بينه وبين عثمان بن عفان، فغلط محض مخالف لما في صحيح البخاري من أن الّذي آخى بينه وبينه إنما هو سعد بن الربيع الأنصاري ﵄، وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، وهذه منقبة عظيمة لا تباري. ولما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار - وكانوا مائة - فأخذوها حتى عثمان وعلى، وقال على: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، وسبقت زيفها وأوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول سقاه الله من السلسبيل.
وأعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال، وترك ألف بعير ومائة فرس، وثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، وكان نساؤه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، ولما مات صلى عليه عثمان بن عفان، وحمل في جنازته سعد بن أبى وقاص، ودفن بالبقيع عن خمس وسبعين سنة. وكان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، دقيق البشرة، أعين أهدب الأشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شيبة ﵁.
أبو ذر الغفاريّ
واسمه جندب بن جنادة على المشهور، أسلم قديما بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة.
وقصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة، وهو أول من حيا رسول الله ﷺ بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده وقومه، فكان هناك حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول الله ﷺ حضرا وسفرا، وروى عنه أحاديث كثيرة، وجاء في فضله أحاديث كثيرة، من
стр. 2286
أشهرها
ما رواه الأعمش عن أبى اليقظان عثمان بن عمير عن أبى حرب بن أبى الأسود عن عبد الله ابن عمرو أن رسول الله ﷺ قال «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبى ذر» وفيه ضعف. ثم لما مات رسول الله ﷺ ومات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه وبين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الرَّبَذَة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، وليس عنده سوى امرأته وأولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد الله بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، وأوصاهم كيف يفعلون به، وقيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله ودفنه، وكان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، وقد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين
فيها كان فتح قبرص في قول أبى معشر، وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم، وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبى سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد. وفيها سيّر أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام، وكان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر، فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد أخرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم. فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد، فأجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة، فاحتملهم معاوية لحلمه، وأخذ في مدح قريش - وكانوا قد نالوا منهم - وأخذ في المدح لرسول الله ﷺ ، والثناء عليه، والصلاة والتسليم. وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه، وقال فيما قال: وأظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما، فقال له صعصعة بن صوحان: كذبت، قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبى سفيان من خلقه الله بيده، ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر والفاجر، والأحمق والكيس. ثم بذل لهم النصح مرة أخرى فإذا هم يتمادون في غيهم، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام، لئلا يشوشوا عقول الطغام، وذلك أنه كان يشتمل مطاوى كلامهم على القدح في قريش كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه، من نصرة الدين وقمع المفسدين. وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص، وكانوا عشرة، وقيل تسعة وهو الأشبه، منهم كميل بن زياد، والأشتر النخعي - واسمه مالك بن يزيد - وعلقمة بن قيس النخعيان، وثابت بن قيس النخعي، وجندب بن زهير العامري، وجندب بن كعب الأزدي، وعروة بن الجعد
стр. 2287
وعمرو بن الحمق الخزاعي (١). فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد - وكان نائبا على الجزيرة. ثم ولى حمص بعد ذلك - فهددهم وتوعدهم، فاعتذروا إليه وأنابوا إلى الإقلاع عما كانوا عليه، فدعا لهم وسير مالكا الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه، فقبل ذلك منهم وكف عنهم وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقدموا عليه حمص، فأمرهم بالمقام بالساحل، وأجرى عليهم الرزق. ويقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم إليه، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة، وأكثر شرا، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان، فأمره أن يسيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص، وأن يلزموا الدروب. وفي هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله ﵁، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه، وهم الظالمون في ذلك، وهو البارّ الراشد ﵁. وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ وتقبل الله منه.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين
قال أبو معشر: فيها كانت وقعة الصواري، والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك كما تقدم. وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان - وكان جمهورهم من أهل الكوفة - وهم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة، وثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، وتألبوا عليه، ونالوا منه ومن عثمان، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتولية جماعة من بنى أمية من أقربائه، وأغلظوا له في القول، وطلبوا منه أن
стр. 2288
يعزل عماله ويستبدل أئمة غيرهم من السابقين ومن الصحابة، حتى شق ذلك عليه جدا، وبعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبى سفيان أمير الشام، وعمرو بن العاص أمير مصر، وعبد الله ابن سعد بن أبى سرح أمير المغرب، وسعيد بن العاص أمير الكوفة، وعبد الله بن عامر أمير البصرة فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة عبد الله بن عامر أن يشغلهم بالغزو عما هم فيه من الشر، فلا يكون همّ أحدهم إلا نفسه، وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته، فإن غوعاء الناس إذا تفرغوا وبطلوا اشتغلوا بما لا يعنى وتكلموا بما لا يرضى وإذا تفرقوا نفعوا أنفسهم وغيرهم، أشار سعيد بن العاص بأن يستأصل شأفة المفسدين ويقطع دابرهم، وأشار معاوية بأن يرد عماله إلى أقاليمهم وأن لا يلتفت إلى هؤلاء وما تألبوا عليه من الشر، فإنّهم أقل وأضعف جندا. وأشار عبد الله بن سعد بن أبى سرح بأن يتألفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكف به شرهم، ويأمن غائلتهم، ويعطف به قلوبهم إليه. وأما عمرو بن العاص فقام فقال: أما بعد يا عثمان فإنك قد ركبت الناس ما يكرهون فأما أن تعزل عنهم ما يكرهون، وإما أن تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه، وقال له كلاما فيه غلظة، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرا من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا، فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه، وتألف قلوب أولئك بالمال، وأمر بأن يبعثوا إلى الغزو إلى الثغور، فجمع بين المصالح كلها، ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص ولبسوا السلاح وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان ويولى عليهم أبا موسى الأشعري، وكان اجتماعهم بمكان يقال له الجرعة (١)، -[وقد قال يومئذ الأشتر النخعي:
والله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا، وتواقف الناس بالجرعة] (٢). وأحجم سعيد عن قتالهم وصمموا على منعه، وقد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة وأبو مسعود عقبة بن عمرو، فجعل أبو مسعود يقول: [والله لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء. فجعل حذيفة يقول:] (٣) والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم، وما أعلم اليوم شيئا إلا وقد علمته ومحمد ﷺ حي. والمقصود أن سعيد بن العاص كر راجعا إلى المدينة وكسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، وكتبوا إلى عثمان أن يولى عليهم أبا موسى الأشعري فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، وإزالة لشبههم، وقطعا لعللهم.
وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان أن رجلا يقال له عبد الله بن سبإ كان يهوديا فأظهر الإسلام وصار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه، مضمونه أنه يقول للرجل: أليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل:
نعم! فيقول له فرسول الله ﷺ أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، وهو أشرف من عيسى ابن مريم ﵇؟ ثم يقول: وقد كان أوصى إلى على بن أبى طالب، فمحمد خاتم الأنبياء،
стр. 2289
وعليّ خاتم الأوصياء، ثم يقول: فهو أحق بالإمرة من عثمان، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له.
فأنكروا عليه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. فافتتن به بشر كثير من أهل مصر، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة، فتمالئوا على ذلك، وتكاتبوا فيه، وتواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان، وأرسلوا إليه من يناظره ويذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوى رحمه وعزله كبار الصحابة. فدخل هذا في قلوب كثير من الناس، فجمع عثمان بن عفان نوابه من الأمصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له فالله أعلم.
وقال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال: لما كانت سنة أربع وثلاثين أكثر الناس في المقالة على عثمان بن عفان ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد، فكلم الناس على بن أبى طالب أن يدخل على عثمان، فدخل عليه فقال له: إن الناس ورائي وقد كلموني فيك، ووالله ما أدرى ما أقول لك، وما أعرف شيئا تجهله، ولا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه، ولا خلونا بشيء فنبلغكه، وما خصصنا بأمور خفي عنك، إدراكها وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ﷺ ونلت صهره، وما ابن أبى قحافة بأولى بعمل الحق منك، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك، وإنك أقرب إلى رسول الله ﷺ رحما، ولقد نلت من صهر رسول الله ﷺ ما لم ينالا، ولا سبقاك إلى شيء، فالله الله في نفسك، فإنك والله ما تبصر من عمى، ولا تعلم من جهل.
وإن الطريق لواضح بين، وإن أعلام الدين لقائمة، تعلم يا عثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل، هدى وهدى، فأقام سنة معلومة، وأمات بدعة معلومة، فو الله إن كلا لبين، وإن السنن لقائمة لها أعلام، وإن البدع لقائمة لها أعلام، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ضل وأضل به فأمات سنة معلومة وأحيا بدعة متروكة، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم، وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقمته، فإن عذابه أليم شديد، واحذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه كان يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة، وتلبس أمورها عليها، ويتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، ويمرحون فيها مرحا. فقال عثمان: قد والله علمت لتقولن الّذي قلت: أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك، ولا عبت عليك، ولا جئت منكرا، إني وصلت رحما، وسددت خلة، وآويت ضائعا، ووليت شبيها بمن كان عمر يولى، أنشدك الله يا على هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال:
نعم! قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم! قال: فلم تلوموني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته؟ فقال على: سأخبرك أن عمر كان كلما ولى أميرا فإنما يطأ على صماخيه، وأنه إن بلغه حرف جاء به، ثم بلغ
стр. 2290
به أقصى الغاية في العقوبة لا تفعل ضعفت ورفقت على أقربائك. فقال عثمان: هم أقرباؤك أيضا، فقال على لعمري إن رحمهم منى لقريبة، ولكن الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها، فقد وليته، فقال على: أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم! قال على: فان معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها ويقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك فلا تنكر ولا تغير على معاوية. ثم خرج عليّ من عنده وخرج عثمان على إثره فصعد المنبر فوعظ وحذر وأنذر، وتهدد وتوعد، وأبرق وأرعد، فكان فيما قال: ألا فقد والله عبتم على بما أقررتم به لابن الخطاب، ولكنه وطئكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي، وكففت يدي ولساني عنكم، فاجترأتم على، أما والله لأنا أعز نفرا وأقرب ناصرا وأكثر عددا وأقمن، إن قلت: هلمّ إليّ إليّ، ولقد أعددت لكم أقرانكم، وأفضلت عليكم فضولا، وكشرت لكم عن نابي، فأخرجتم منى خلقا لم أكن أحسنه، ومنطقا لم أنطق به، فكفوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم فانى قد كففت عنكم من لو كان هو الّذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم؟ فو الله ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي. ثم اعتذر عما كان يعطى أقرباءه بأنه من فضل ماله. فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر:
فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم … مغارسكم تبنون في دمن الثرى
فقال عثمان: اسكت لا سكتّ، دعني وأصحابى، ما منطقك في هذا، ألم أتقدم إليك أن لا تنطق.
فسكت مروان ونزل عثمان ﵁.
وذكر سيف بن عمر وغيره أن معاوية لما ودعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء. فقال: لا أختار بجوار رسول الله ﷺ سواه. فقال: أجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك؟ فقال: إني أخشى أن أضيق بهم بلد رسول الله ﷺ على أصحابه من المهاجرين والأنصار. قال معاوية: فو الله يا أمير المؤمنين لتغتالن - أو قال: لتغزين - فقال عثمان: حسبي الله ونعم الوكيل. ثم خرج معاوية من عنده وهو متقلد السيف وقوسه في يده، فمر على ملأ من المهاجرين والأنصار، فيهم على بن أبى طالب، وطلحة، والزبير، فوقف عليهم واتكأ على قوسه وتكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه، والتحذير ممن إسلامه إلى أعدائه، ثم انصرف ذاهبا. فقال الزبير: ما رأيته أهيب في عيني من يومه هذا. وذكر ابن جرير أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة، وذلك أنه سمع حاديا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام وهو يقول:
стр. 2291
قد علمت ضوامر المطي … وضمرات عوج القسي
أن الأمير بعده علي … وفي الزبير خلف رضي
وطلحة الحامي لها ولي.
فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله وبه الثقة. قال ابن جرير: وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبير بالمدينة وهو بدري. ومات أيضا مسطح بن أثاثة. وغافل بن البكير. وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضى الله تعالى عنه.
ثم دخلت سنة خمس وثلاثين
ففيها مقتل عثمان بن عفان ﵁
وكان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد الله بن سعد ابن أبى سرح. وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم ويولى عليهم من هو ألين منه. فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب وتركه على الصلاة، وولى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبى سرح. ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما، حتى كان بينهما، كلام قبيح. فأرسل عثمان فجمع لابن أبى سرح جميع عمالة مصر، خراجها [وحربها] وصلاتها، وبعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، فأقدم إلى، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم وشر كبير فكلمه فيما كان من أمره بنفس، وتقاولا في ذلك، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، وأنه كان أعز منه. فقال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية. وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان. وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، وينقمون عليه في عزله جماعة من عليّة الصحابة وتوليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية.
وكره أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبى سرح، بعد عمرو بن العاص، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية. ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه والإنكار عليه، وكان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبى بكر، ومحمد بن أبى حذيفة، حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، وأمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعبد الرحمن بن عديس البلوى، وكنانة بن بشر التجيبي، وسودان بن حمران السكونيّ. وأقبل معهم محمد بن أبى بكر، وأقام بمصر محمد بن أبى حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء. وكتب عبد الله بن سعد بن أبى سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين. فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان على بن أبى طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. ويقال: بل ندب الناس إليهم، فانتدب على لذلك فبعثه،
стр. 2292
وخرج معه جماعة الاشراف وأمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر. فقال على لعمار فأبى عمار أن يخرج معه. فبعث عثمان سعد بن أبى وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرضه على الخروج مع على إليهم، فأبى عمار كل الإباء، وامتنع أشد الامتناع، وكان متعصبا على عثمان بسبب تأديبه له فيما تقدم على أمر وضربه إياه في ذلك، وذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن أبى لهب، فأدبهما عثمان، فتآمر عمار عليه لذلك، وجعل يحرض الناس عليه، فنهاه سعد بن أبى وقاص عن ذلك ولامه عليه، فلم يقلع عنه ولم يرجع ولم ينزع، فانطلق على بن أبى طالب إليهم وهم بالجحفة، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره، فردهم وأنبهم وشتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، وقالوا: هذا الّذي تحاربون الأمير بسببه، وتحتجون عليه به.
ويقال إنه ناظرهم في عثمان، وسألهم ماذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى الحمى، وأنه حرق المصاحف، وأنه أتم الصلاة، وأنه ولى الأحداث، أعطى الولايات وترك الصحابة الأكابر وأنه أعطى بنى أمية أكثر - من الناس. فأجاب على عن ذلك: أما الحمى فأنما حماه لا بل الصدقة لتسمن، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه وقد حماه عمر من قبله. وأما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف، وأبقى لهم المتفق عليه، كما ثبت في العرضة الأخيرة، وأما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها ونوى الاقامة فأتمها، وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا، وقد ولى رسول الله ﷺ عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة، وولى أسامة بن زيد بن حارثة. وطعن الناس في إمارته فقال إنه لخليق بالإمارة وأما إيثاره قومه بنى أمية. فقد كان رسول الله ﷺ يؤثر قريشا على الناس، ووالله لو أن مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بنى أمية إليها. ويقال: إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبى بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما. وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبى العاص، وقد نفاه رسول الله ﷺ إلى الطائف، فذكر أن رسول الله ﷺ كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال فقد نفاه رسول الله ﷺ ثم رده، وروى أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له. ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم، ﵁. وردهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، ولم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا وراموا، ورجع على إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، وسماعهم منه، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، وأنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولا في مدة ست سنين الأول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، وقابلها بالسمع والطاعة، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، وقال اللهمّ إني أستغفرك
стр. 2293
وأتوب إليك، اللهمّ إني أول تائب مما كان منى، وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون، وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، وأبو بكر وعمر ﵄، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، ونزل فصلى بالناس ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.
قال الواقدي: فحدثني على بن عمر عن أبيه قال: ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما تسمعه الناس منك ويشهدون عليك، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والانابة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة، فتقول يا على اركب إليهم، ويقدم آخرون من البصرة فتقول يا على اركب إليهم، فان لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك. قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، وأعلم الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فو الله ما عاب من عاب شيئا أجهله، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه، ولكن ضلّ رشدي ولقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من زل فليتب، ومن أخطأ فليتب، ولا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق» فأنا أول من اتعظ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب، فمثلى نزع وتاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فو الله لأكوننّ كالمرقوق إن ملك صبر، وإن عتق شكر، وما عن الله مذهب إلا إليه. قال: فرق الناس له وبكى من بكى، وقام إليه سعيد بن زيد فقال:
يا أمير المؤمنين! الله الله في نفسك! فأتمم على ما قلت. فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس، وجاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت؟ فقالت امرأة عثمان - نائلة بنت الفرافصة الكلبية - من وراء الحجاب: بل اصمت، فو الله إنهم لقاتلوه، ولقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها. فقال لها: وما أنت وذاك!؟ فو الله لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ. فقالت له: دع ذكر الآباء، ونالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان. وقال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ فقال له عثمان: بل تكلم، فقال مروان: بأبي أنت وأمى، لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممنع منيع، فكنت أول من رضى بها وأعان عليها، ولكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين، وبلغ السيل الزبا، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها، خير من توبة خوف عليها، وإنك لو شئت لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: قم فاخرج إليهم فكلمهم، فانى أستحى أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم
стр. 2294
كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه كل إنسان آخذ باذن صاحبه إلا من أريد (١) جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسؤكم ولا تحمدوا غبه، ارجعوا إلى منازلكم، فو الله ما نحن مغلوبين على ما بأيدنا، قال فرجع الناس، وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر، فجاء على مغضبا حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان ولا رضى منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك؟! وإن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به، والله ما مروان بذي رأى في دينه ولا نفسه، وأيم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت سوقك، وغلبت على أمرك. فلما خرج على دخلت نائلة على عثمان فقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي، فقالت: سمعت قول على أنه ليس يعاودك، وقد أطعت مروان حيث شاء، قال: فما أصنع؟ قالت: تتقى الله وحده لا شريك له، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، ومروان ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة، فأرسل إلى على فاستصلحه فان له قرابة منك وهو لا يعصى. قال فأرسل عثمان إلى على فأبى أن يأتيه، وقال: لقد أعلمته أنى لست بعائد. قال: وبلغ مروان قول نائلة فيه فجاء الى عثمان فقال: أتكلم أو اسكت؟ فقال: تكلم، فقال: إن نائلة بنت الفرافصة، فقال عثمان لا تذكرها بحرف فأسوء الى وجهك، فهي والله أنصح لي منك. قال: فكف مروان.
ذكر مجيء الأحزاب الى عثمان المرة الثانية من مصر وغيرها في شوال من هذه السنة
وذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، وغضب على على عثمان بسببه، ووجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ولم يسلك سيرة صاحبيه كاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة وتراسلوا، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، وعلى لسان على وطلحة والزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين، وأنه أكبر الجهاد اليوم. وأذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد وطلحة وأبى حارثة وأبى عثمان، وقاله غيرهم أيضا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين، خرج أهل مصرفى أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، والمكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن ابن عديس البلوى، وكنانة بن بشر الليثي، وسودان بن حمران السكونيّ، وقتيرة السكونيّ وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا، ومعهم ابن السوداء - وكان أصله ذميا فأظهر الإسلام وأحدث بدعا قولية وفعلية، قبحه الله - وخرج أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضا، وأمراؤهم: زيد بن صوحان، والأشتر النخعي، وزياد بن النضر الحارثي، وعبد الله بن الأصم، وعلى الجميع عمرو بن الأصم. وخرج أهل البصرة في عدتهم أيضا في أربع
стр. 2295
رايات مع حكيم بن جبلة العبديّ، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، وذريح بن عباد العبديّ، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، وأهل مصر مصرون على ولاية على بن أبى طالب، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، وأهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب، وطائفة بالأعوص، والجمهور بذي المروة، وهم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، واستأذنوا للدخول، فكل الناس أبى دخولهم ونهى عنه، فتجاسروا واقتربوا من المدينة، وجاءت طائفة من المصريين إلى على وهو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف، معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف وليس عليه قميص وقد أرسل ابنه الحسن إلى عثمان فيمن اجتمع إليه فسلم عليه المصريون فصاح بهم وطردهم، وقال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فارجعوا لا صبحكم الله، قالوا: نعم! وانصرفوا من عنده على ذلك، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب على - وقد أرسل ابنيه إلى عثمان - فسلموا عليه فصاح بهم وطردهم وقال لهم كما قال على لأهل مصر، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة. فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، وساروا أياما راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، وإذا القوم قد زحفوا على المدينة وأحاطوا بها، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان، وقالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس ولزموا بيوتهم، وأقام الناس على ذلك أياما. هذا كله ولا يدرى الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم، حتى قال على لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا إذا دخلنا مصر وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا للنصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، وقد افترقتم وصار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا ونحن نعتزله - يريدون عثمان ويعنون إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا - وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جمله، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب
стр. 2296
وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة على بذلك وإلا فو الله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشيء من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون. ويقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبى سرح، ويولى محمد بن أبى بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد ابن أبى بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبى بكر وآخرين معه، فرجعوا، وقد حنقوا عليه حنقا شديدا، وطافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس. وروى ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الّذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي، على جمل لعثمان، وذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة على وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا. واستمر عثمان يصلى بالناس في تلك الأيام كلها، وهم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ﷺ في خطبته، وكذلك أبو بكر وعمر ﵄ من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه، وأنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي:
حدثني أسامة بن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: بينا أنا أنظر إلى عثمان على عصا النبي ﷺ التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر، فقال له جهجاه قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل.
قال ابن جرير: وحدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد الله بن إدريس عن عبيد الله بن عمر عن نافع أن الجهجاه الغفاريّ أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمى في ذلك المكان بأكلة. وقال الواقدي: وحدثني ابن أبى الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن أبى حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: إنك ركبت بهاتير وركبناها معك، فتب نتب معك. فاستقبل عثمان القبلة وشمر يديه، قال ابن أبى حبيبة: فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاريّ فصاح إليه: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة، فانزل فلندرجك في العباة ولنطرحك في الجامعة
стр. 2297
ولنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك الله وقبح ما جئت به، ثم نزل عثمان. قال ابن أبى حبيبة: وكان آخر يوم رأيته فيه * وقال الواقدي: حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد. قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالنطق السيّئ جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان وهو في نادى قومه، وفي يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون عليه؟ رجل قال كذا وكذا، ثم أقبل على عثمان فقال: والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، فقال عثمان: أي بطانة؟ فو الله لأتخير الناس، فقال مروان تخيرته، ومعاوية تخيرته، وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته، وعبد الله بن سعد بن أبى سرح تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمة، وأباح رسول الله ﷺ دمه، قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترءين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: وحدثني محمد بن صالح عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد. قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره، ومعه جامعة، فقال: يا نعثل! والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء، ولأخرجنك إلى حرة النار. ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه. وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء! الله الله، فو الله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ﷺ ، فامحوا الخطأ بالصواب، فان الله لا يمحو السيّئ إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال:
أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبى مريرة، فأقعده وقال يا نطع، وثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه، فاحتمل وأدخل داره، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبى بكر، ومحمد بن جعفر، وعمار ابن ياسر. وأقبل على وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، واستقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة وابن عمر، وزيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضى الله ما يشاء.
ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁
لما وقع ما وقع يوم الجمعة، وشج أمير المؤمنين عثمان، وهو في رأس المنبر، وسقط مغشيا عليه، واحتمل إلى داره، وتفاقم الأمر، وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، وألجئوه إلى داره وضيقوا عليه، وأحاطوا بها محاصرين له، ولزم كثير من الصحابة بيوتهم، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن والحسين، وعبد الله بن الزبير - وكان أمير الدار - وعبد الله بن عمرو بن العاص، وصاروا، يحاجون عنه، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، وأسلمه بعض الناس
стр. 2298
رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، ولم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين. وانقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، وكان يصلى بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب. وقد استمر الحصر أكثر من شهر. وقيل أربعين يوما، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا ﵁، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى. والّذي ذكره ابن جرير أن الّذي كان يصلى بالناس في هذه المدة وعثمان محصور، طلحة بن عبيد الله. وفي صحيح البخاري عن (١) وروى الواقدي أن عليا صلى أيضا، وصلى أبو أيوب، وصلى بهم سهل بن حنيف، وكان يجمع بهم على، وهو الّذي صلى بهم بعد، وقد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر وبالله المستعان.
قال الامام أحمد: حدثنا بهز ثنا أبو عوانة ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال: الناس في المسجد، فانطلقت أنا وصاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا على ابن أبى طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبى وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشى، فقال: هاهنا على؟ قالوا: نعم! قال: هاهنا الزبير؟ قالوا نعم! قال: هاهنا طلحة؟ قالوا: نعم! قال هاهنا سعد بن أبى وقاص؟ قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الّذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «من يبتاع مر بد بنى فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله ﷺ فقلت: إني قد ابتعته، فقال: «اجعله في مسجدنا وأجره لك» قالوا: نعم! قال: أنشدكم بالله الّذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله ﷺ قال: «من يبتاع بئر رومة» فابتعتها بكذا وكذا، فأتيت رسول الله ﷺ فقلت إني قد ابتعتها - يعنى بئر رومة - قال: «اجعلها سقاية للمسلمين ولك أجرها» قالوا:
نعم! قال: أنشدكم بالله الّذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول الله ﷺ نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: «من يجهز هؤلاء غفر الله له» فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا؟ قالوا:
اللهمّ نعم! فقال: اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد، اللهمّ اشهد، ثم انصرف. ورواه النسائي من حديث حصين وعنده إذ جاء رجل وعليه ملاءة صفراء.
طريق أخرى
قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبد الله بن عمر القواريري حدثني القاسم بن الحكم بن أوس
стр. 2299
الأنصاري حدثني أبو عبادة الدرقى الأنصاري، من أهل الحديبيّة، عن زيد بن أسلم عن أبيه.
قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، ولو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلى مقام جبريل، فقال: أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال:
أيها الناس: أفيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال أيها الناس! أفيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد الله، فقال له عثمان: ألا أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداى إلى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني؟ أنشدك الله يا طلحة تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله ﷺ في موضع كذا وكذا، ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك؟ فقال: نعم!
قال: فقال لك رسول الله ﷺ : «يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، وإن عثمان بن عفان هذا - يعنى - رفيقي في الجنة» فقال طلحة: اللهمّ نعم! ثم انصرف، لم يخرجوه.
طريق أخرى
قال عبد الله بن أحمد: حدثنا محمد بن أبى بكر المقدسي ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ثنا هلال بن إسحاق عن الجريريّ عن ثمامة بن جزء القشيري. قال: شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال: أدعو لي صاحبيكم اللذين ألباكم على، فدعيا له، فقال: أنشدكما الله تعلمان أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: من يشترى هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين، وله خير منها في الجنة»؟ فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين وأنتم تمنعوني أن أصلى فيه ركعتين. ثم قال: أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول الله ﷺ : «من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، وله خير منها في الجنة»؟ فاشتريتها من خالص مالي، وأنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أنى صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللهمّ نعم! وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ، وعباس الدوري وغير واحد، أخرجه النسائي عن زياد بن أيوب كلهم عن سعيد بن عامر عن يحيى بن أبى الحجاج المنقري عن أبى مسعود الجريريّ به، وقال الترمذي: حسن صحيح.
طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا القاسم - يعنى ابن المفضل - ثنا عمرو بن مرة عن سالم ابن أبى الجعد. قال: دعا عثمان رجالا من أصحاب رسول الله ﷺ ، فيهم عمار بن ياسر، فقال:
إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني، نشدتكم الله أتعلمون أن رسول الله ﷺ كان يؤثر قريشا على الناس، ويؤثر بنى هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم. فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها
стр. 2300
بنى أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم. فبعث إلى طلحة والزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه - يعنى عمارا - أقبلت مع رسول الله ﷺ . أخذ بيدي يمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وهم يعذبون»
فقال أبو عمار: يا رسول الله، الدهر هكذا؟ فقال له النبي ﷺ أصبر، ثم قال: «اللهمّ اغفر لآل ياسر وقد فعلت» تفرد به أحمد ولم يخرجه أحمد من أصحاب الكتب.
طريق أخرى
قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان سمعت معاوية بن سلم أنا سلمة يذكر عن مطرف عن نافع عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور، فقال: على م تقتلوننى؟
فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»، فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه، ولا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ورواه النسائي عن أحمد بن الأزهر عن إسحاق بن سليمان به.
طريق أخرى
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا يحيى بن سعيد عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنت مع عثمان في الدار وهو محصور، قال: وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال: فدخل عثمان يوما لحاجته فخرج إلينا منتقعا لونه، فقال. إنهم ليتواعدونى بالقتل آنفا. قال: قلنا يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين، قال: ولم يقتلونني؟
فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس» فو الله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط، ولا تمنيت بدلا بديني منذ هداني الله له، ولا قتلت نفسا، فبم يقتلونني؟. وقد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثني أبو أسامة. زاد النسائي وعبد الله بن عامر بن ربيعة قالا: كنا مع عثمان، فذكره. وقال الترمذي: حسن. وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه.
طريق أخرى
قال الامام أحمد: حدثنا قطن ثنا يونس - يعنى ابن أبى إسحاق - عن أبيه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن. قال: أشرف عثمان من القصر وهو محصور فقال: أنشد بالله من شهد رسول الله ﷺ يوم حراء إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ثم قال: «اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» وأنا معه، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: «هذه يدي وهذه يد عثمان». ووضع يديه إحداهما على الأخرى فبايع لي، فانتشد له رجال. ثم
стр. 2301
قال: أنشد بالله من شهد رسول الله قال: من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد بنيت له بيتا في الجنة» فابتعته من مالي فوسعت به المسجد. فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال: «من ينفق اليوم نفقة متقبلة»؟ فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد بالله من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل قال: فانتشد له رجال. ورواه النسائي عن عمران بن بكار عن حطاب بن عثمان عن عيسى بن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن جده أبى إسحاق السبيعي به.
وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ﵁ لما رأى ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار، من محاصرته في داره، ومنعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام، وإلى ابن عامر بالبصرة وإلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاوية مسلمة بن ابن حبيب، وانتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش، وبعث أهل الكوفة جيشا، وأهل البصرة جيشا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان ﵁ كما سنذكره. وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي ووضعت لعثمان وسادة في كوة من داره، فأشرف على الناس، فقال له عثمان: يا أشتر ماذا يريدون؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الإمرة، وإما أن تفتدى من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، وإما أن يقتلوك. وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولى عليها من يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زوّر على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم وما فعل من الأمر ما يستحق بسببه القتل، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. وأما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض ويولى السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج ويفسد الأمر كما ظنه فسدت الأمة ووقع الهرج، وقال لهم فيما قال، وأي شيء إلى من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته، وكلما رضيتم عنه وليته؟ وقال لهم فيما قال: والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي، ولا تصلوا جميعا أبدا، ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا، وقد صدق ﵁ فيما قال.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن أبى قيس حدثني النعمان بن بشير قال: كتب معى عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثتني أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول لعثمان: «إن الله لعله يقمصك قميصا. فان أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات» قال النعمان: فقلت يا أم المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بنى والله أنسيته. وقد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح
стр. 2302
عن ربيعة بن يزيد عن عبد الله بن عامر عن النعمان عن عائشة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. ورواه ابن ماجة من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد عن النعمان، فأسقط عبد الله بن عامر.
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل ثنا قيس عن أبى سهلة عن عائشة قالت قال رسول الله ﷺ : «أدعو لي بعض أصحابى، قلت أبو بكر؟ قال: لا، قلت عمر؟ قال: لا؟ قلت ابن عمك عليّ؟ قال: لا! قالت قلت عثمان؟ قال: نعم! فلما جاء قال: تنحى فجعل يسارّه ولون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار وحصر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا! إن رسول الله ﷺ عهد إلى عهدا وإني صابر نفسي عليه» تفرد به أحمد. وقال محمد بن عائد الدمشقيّ: حدثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد الله بن لهيعة عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفقيمي يقول: قدمت على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته، قال: فكيف رأيتهم؟ فقلت: رأيت في وجوههم الشر، وعليهم ابن عديس البلوى، فصعد ابن عديس منبر رسول الله ﷺ فصلى بهم الجمعة، وتنقص عثمان في خطبته، فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيهم، فقال:
كذب والله ابن عديس، ولولا ما ذكر ما ذكرت، إني رابع أربعة في الإسلام، ولقد أنكحنى رسول الله ﷺ ابنته ثم توفيت فأنكحنى ابنته الأخرى، ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام، ولا تعنيت ولا تمنيت منذ أسلمت، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ﷺ ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ﷺ ولا أتت عليّ جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن أبى بكر عن ابن لهيعة، قال: لقد اختبأت عند ربى عشرا، فذكرهن.
فصل
كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين والأنصار - وكانوا قريبا من سبعمائة، فيهم عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير والحسن والحسين ومروان وأبو هريرة، وخلق من مواليه، ولو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده وأن ينطلق إلى منزله، وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير، وقال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل، وحمى من خارج، واشتد الأمر، وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر الله رجاء موعودة، وشوقا إلى رسول الله ﷺ ، وليكون خيرا بنى آدم حيث
стр. 2303
قال حين أراد أخوه قتله: (إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار، وذلك جزاء الظالمين) وروى أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن بن على وقد خرج، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ﵃.
وروى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن عمر لم يلبس سلاحه بعد رسول الله ﷺ ، إلا يوم الدار ويوم نجرة الحروري. قال أبو جعفر الداريّ عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: إن عثمان ﵁ أصبح يحدّث الناس، قال: رأيت النبي ﷺ في المنام فقال: يا عثمان أفطر عندنا» فأصبح صائما وقتل من يومه، وقال سيف بن عمر عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن رجل قال دخل عليه كثير بن الصلت فقال: يا أمير المؤمنين اخرج فاجلس بالفناء فيرى الناس وجهك فإنك إن فعلت ارتدعوا. فضحك وقال: يا كثير رأيت البارحة وكأنى دخلت على نبي الله وعنده أبو بكر وعمر، فقال: «ارجع فإنك مفطر عندي غدا» ثم قال عثمان: ولن تغيب الشمس والله غدا أو كذا وكذا إلا وأنا من أهل الآخرة، قال: فوضع سعد وأبو هريرة السلاح وأقبلا حتى دخلا على عثمان.
وقال موسى بن عقبة: حدثني أبو علقمة - مولى لعبد الرحمن بن عوف - حدثني ابن الصلت قال:
أغفى عثمان بن عفان في اليوم الّذي قتل فيه فاستيقظ فقال: لولا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا أصلحك الله، حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس، فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في منامي هذا، «فقال: إنك شاهد معنا الجمعة». وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، ثنا خلف بن تميم ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، ثنا عبد الملك بن عمير حدثني كثير بن الصلت قال: دخلت على عثمان وهو محصور، فقال لي: يا كثير ما أرادنى إلا مقتولا يومى هذا. قال: قلت ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين، قال: ثم أعاد على فقلت وقت لك في هذا اليوم شيء؟ أو قيل لك شيء؟ قال: لا! ولكنى سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كان وقت السحر أغفيت إغفاءة فرأيت فيما يرى النائم رسول الله ﷺ ، وأبا بكر وعمر، ورسول الله ﷺ يقول لي: يا عثمان الحقنا لا تحبسنا، فانا ننتظرك» قال: فقتل من يومه ذلك. وقال (١) ابن أبى الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يزيد بن هارون، عن فرج بن فضالة عن مروان بن أبى أمية عن عبد الله بن سلام. قال: أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحبا بأخي، رأيت رسول الله ﷺ الليلة في هذه الخوخة - قال: وخوخة في البيت - فقال: «يا عثمان حصروك؟ قلت: نعم! قال: عطشوك؟ قلت: نعم! فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى إني
стр. 2304
لأجد برده بين ثدييّ وبين كتفي، وقال لي: إن شئت نصرت عليهم، وإن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده» فقتل ذلك اليوم.
وقال محمد بن سعد: أنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود عن زياد بن عبد الله عن أم هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان - قال: وأحسبها بنت الفرافصة - قالت: أغفى عثمان فلما استيقظ قال:
إن القوم يقتلونني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول الله ﷺ وابا بكر وعمر، فقالوا:
أفطر عندنا الليلة، أو إنك مفطر عندنا الليلة. وقال الهيثم بن كليب: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ثنا شبابة ثنا يحيى بن أبى راشد مولى عمر بن حريث عن محمد بن عبد الرحمن الجرشى. وعقبة بن أسد عن النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية - امرأة عثمان - قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الّذي كان فيه قتله صائما، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، وقالوا:
دونك ذلك الركى. وركي في الدار الّذي يلقى فيه النتن - قالت: فلم يفطر فرأيت جارا (١) على أحاجير متواصلة - وذلك في السحر - فسألتهم الماء العذب، فأعطونى كوزا من ماء، فأتيته فقلت:
هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما، قالت: فقلت ومن أين أكلت؟ ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول الله ﷺ اطلع عليّ من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد فشربت حتى نهلت، ثم قال: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، وإن تركتهم أفطرت عندنا، قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.
وقال أبو يعلى الموصلي وعبد الله بن الامام أحمد: حدثني عثمان بن أبى شيبة ثنا يونس بن أبى يعفور العبديّ عن أبيه عن مسلم أبى سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان أعتق عشرين مملوكا ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وأبا بكر وعمر، وأنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل وهو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل ﵁ في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحي منه ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي ﷺ ، ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه، واستسلم لقضاء الله ، وكف يده عن القتال، وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا. وقال هشام بن عروة عن أبيه: إن عثمان ﵁ أوصى إلى الزبير. وقال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه. قال: لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه
стр. 2305
فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: «هذه وصية عثمان. بسم الله الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الله يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد، عليها يحيى وعليها يموت، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى».
وروى ابن عساكر أن عثمان ﵁ قال يوم دخلوا عليه فقتلوه:
أرى الموت لا يبقى عزيزا ولم يدع … لعاد ملاذا في البلاد ومرتعا
وقال أيضا:
يبيّت أهل الحصن والحصن مغلق … ويأتى الجبال الموت في شماريخها العلا
صفة قتله ﵁
وقال خليفة بن خياط: حدثنا ابن علية ثنا ابن عوف عن الحسن قال أنبأنى رباب. قال:
بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال: ما يريد الناس؟ قال: ثلاث ليس من إحداهن بد، قال:
ما هن؟ قال: يخبرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا من شئتم، وبين أن تقتص من نفسك، فان أبيت فان القوم قاتلوك. فقال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله، وأما أن أقتص لهم من نفسي، فو الله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي، ولا تصلون بعدي جميعا، ولا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا. قال: وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع، وجاء محمد بن أبى بكر في ثلاثة عشر رجلا، فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر، وما أغنت عنك كتبك، قال:
أرسل لحيتي يا ابن أخى، قال: فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه - يعنى أشار إليه - فقام إليه بمشقص فوجئ به رأسه. قلت: ثم مه؟ قال: ثم تعاوروا عليه حتى قتلوه.
وقال سيف بن عمر التميمي ﵀ عن العيص بن القاسم عن رجل عن خنساء مولاة أسامة بن زيد - وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان - أنها كانت في الدار ودخل محمد بن أبى بكر فأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه فيجاء بها في حلقه، فقال مهلا يا ابن أخى، فو الله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه وانصرف مستحييا نادما، فاستقبله القوم على باب الصفة فردّهم طويلا حتى غلبوه، فدخلوا وخرج محمد راجعا. فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تعاوروا عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، ورتبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه، وقالت:
стр. 2306
يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين؟ وأخذت السيف، فقطع الرجل يدها، وانتهبوا متاع (١) [الدار] ومرّ رجل على عثمان ورأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ولا مضجع كافر أكرم. قال: والله ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به.
وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار وأحرقوا الباب ودخلوا عليه، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم، إلا محمد بن أبى بكر، وسبقه بعضهم، فضربوه حتى غشي عليه وصاح النسوة فانزعروا وخرجوا ودخل محمد بن أبى بكر وهو يظن أنه قد قتل، فلما رآه قد أفاق قال: على أي دين أنت يا نعثل؟ قال:
على دين الإسلام، ولست بنعثل ولكنى أمير المؤمنين، فقال: غيرت كتاب الله، فقال: كتاب الله بيني وبينكم، فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: (ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا) وشطحه بيده من البيت إلى باب الدار، وهو يقول: يا ابن أخى ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي. وجاء رجل من كندة من أهل مصر، يلقب حمارا، ويكنى بأبي رومان. وقال قتادة: اسمه رومان، وقال غيره: كان أزرق أشقر، وقيل كان اسمه سودان بن رومان [المرادي]. وعن ابن عمر قال: كان اسم الّذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة وبيده السيف صلتا قال ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه، ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكى عليه وتحامل حتى قتله، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها ﵂، ويروى أن محمد بن أبى بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه. والصحيح أن الّذي فعل ذلك غيره، وأنه استحى ورجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وحاجز دونه فلم يفد وكان أمر الله قدرا مقدورا، وكان ذلك في الكتاب مسطورا.
وروى ابن عساكر عن ابن عون أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبيه، وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خرج لجنبه فقتله، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره، وبه رمق، فطعنه تسع طعنات، وقال: أما ثلاث منهن فلله، وست لما كان في صدري عليه.
وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، وإسحاق بن داود الصواف التستري قالا: ثنا محمد بن خالد بن خداش ثنا مسلم بن قتيبة ثنا مبارك عن الحسن. قال: «حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا ابن أخى فلست بقاتلي، قال: وكيف
стр. 2307
علمت ذلك؟ قال: لأنه أتى بك النبي ﷺ يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة. ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبى بكر فقال: أنت قاتلي. قال: وما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتى بك رسول الله ﷺ يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة، فخريت على رسول الله ﷺ ، قال: فوثب على صدره وقبض على لحيته، ووجأه بمشاقص كانت في يده». هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة. وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه، وليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن.
وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال: بسم الله توكلت على الله، فلما قطر الدم قال: سبحان الله العظيم. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ﴾ وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ﵁ من جملة المفسدين في الأرض، ولا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزور على خطه، وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين، على تأمير محمد بن أبى بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، ولهذا لما وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، وظنوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رءوس الصحابة، وأعانهم على ذلك قوم آخرون، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان ﵁، فلما قيل لعثمان ﵁ في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين، حلف بالله العظيم، وهو الصادق البار الراشد، أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه، ولا علم به، فقالوا له: فان عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه وخاتمه قالوا: فإنه مع غلامك وعلى جملك. فقال: والله لم أشعر بشيء من ذلك. فقالوا له - بعد كل مقالة - إن كنت قد كتبته فقد خنت، وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت، ومثلك لا يصلح للخلافة، إما لخيانتك، وإما لعجزك، وهذا الّذي قالوا باطل على كل تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب، وهو لم يكتبه في نفس الأمر، لا يضره ذلك لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الامام، وأما إذا لم يكن قد علم به فأى
стр. 2308
عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه؟ وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه ﵁، وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة، ظلمة مفترون، ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه، حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد، وتهددوه بالقتل، ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها، ومن أنه
أسمع رسول الله ﷺ يقول: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة» وذكر أنه لم يقتل نفسا، ولا ارتد بعد إيمانه، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله ﷺ ، وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل. ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولى الأمر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان، ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، وضاق المجال، ونفد ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب على بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهله أولئك كلام غليظ، وتنفير لدابته، وإخراق عظيم بليغ، وكان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال لهم فيما قال: والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار. وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها، فقالوا، ما جاء بك؟ فقالت: إن عنده وصايا بنى أمية، لأيتام وأرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك ونالها منهم شدة عظيمة، وقطعوا حزام البغلة وندّت بها، وكادت أو سقطت عنها، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، ووقع أمر كبير جدا، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾.
ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا، ولزم أكثر الناس بيوتهم، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك، فقالت: إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالنى منهم من الأذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج. واستخلف عثمان ﵁ في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس، فقال له عبد الله ابن عباس: إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج. فعزم عليه، فخرج بالناس إلى الحج واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع اليسير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. وبلغهم
стр. 2309
أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة، وأن عبد الله بن سعد بن أبى سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، وأن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع ابن عمرو في جيش، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش، فعند ذلك صمموا على أمرهم، وبالغوا فيه، وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج، وأحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، وأحرقوا الباب، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار، كدار عمرو بن حزم وغيرها، وحاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة، واقتتلوا على الباب قتالا شديدا، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم، وجعل أبو هريرة يقول: هذا يوم طاب في الضراب فيه. وقتل طائفة من أهل الدار وآخرون من أولئك الفجار، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة، وكذلك جرح الحسن بن على ومروان ابن الحكم فقطع إحدى علباويه فعاش أو قص حتى مات. ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري، والمغيرة بن الأخنس بن شريق، ونيار بن عبد الله الأسلمي، في أناس وقت المعركة، ويقال إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا. ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، ومن الجدران وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه، وكان سريع القراءة - فقرأها والناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف، وجعل يتلو هذه الآية ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إِنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَقالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، وجعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه وهو يظن انه قد قتله، ودخل ابن أبى بكر فمسك بلحيته ثم ند وخرج، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها: وقيل: بل قطعها ولم يبنها، إلا أن عثمان قال: والله إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها. ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضى الله عن عثمان. وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبى بكر فضربه بحديدة في فيه، ورفس المصحف الّذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان ﵁. وسالت عليه الدماء، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فما نعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده وقال: إنها لكبيرة العجيزة. وضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له قترة فقتله.
وذكر ابن جرير أنهم أرادوا حرز رأسه بعد قتله، فصاح النساء وضربن وجوههن، فيهن امرأتاه
стр. 2310
نائلة وأم البنين، (١) وبناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه، وذلك أنه نادى مناد منهم: أيحل لنادمه ولا يحل لنا ماله، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، وجعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، وقتل الغلام أيضا، ثم تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا: يا قوم النجا النجا، فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله وكذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا.
فصل
ولما وقع هذا الأمر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه جدا، وندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا، وأشبهوا من تقدمهم ممن قصّ الله علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ ولما بلغ الزبير مقتل عثمان - وكان قد خرج من المدينة - قال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ ثم ترحم على عثمان، وبلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم، ثم تلا قوله تعالى ﴿ما يَنْظُرُونَ إِلاّ صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ * فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾ وبلغ عليا قتله فترحم عليه. وسمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ ولما بلغ سعد بن أبى وقاص قتل عثمان استغفر له وترحم عليه، وتلا في حق الذين قتلوه ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾ ثم قال سعد: اللهمّ اندمهم ثم خذهم. وقد أقسم بعض السلف بالله إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير.
وهكذا ينبغي أن يكون لوجوه (منها) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح.
وقال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. وقال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الّذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي. وكانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج وما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمرج سمعنا رجلا يغنى تحت الليل:
стр. 2311
ألا إن خير الناس بعد ثلاثة … قتيل التجيبي الّذي جاء من مضر
ولما رجع الحج وجدوا عثمان ﵁ قد قتل، وبايع الناس على بن أبى طالب ﵁. ولما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي
فصل
كانت مدة حصار عثمان ﵁ في داره أربعين يوما على المشهور، وقيل كانت بضعا وأربعين يوما. وقال الشعبي: كانت ثنتين وعشرين ليلة. ثم كان قتله ﵁ في يوم الجمعة بلا خلاف.
قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها، ونص عليه مصعب بن الزبير وآخرون.
وقال آخرون ضحوة نهارها، وهذا أشبه، وكان ذلك لثماني عشر ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور، وقيل في أيام التشريق، رواه ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير ثنا أبو خيثمة ثنا وهب بن جرير سمعت يونس عن يزيد عن الزهري. قال: قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق، وقال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث خلت من ذي الحجة. وقيل قتل يوم النحر، حكاه ابن عساكر ويستشهد له بقول الشاعر:
ضحوا بأشمط عنوان السجود به … يقطع الليل تسبيحا وقرآنا
قال: والأول هو الأشهر، وقيل إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين على الصحيح المشهور، وقيل سنة ست وثلاثين، قال مصعب بن الزبير وطائفة: وهو غريب. فكانت خلافته ثنتى عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما، لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع وعشرين. فأما عمره ﵁ فإنه جاوز ثنتين وثمانين سنة، وقال صالح بن كيسان: توفى عن ثنتين وثمانين سنة وأشهر، وقيل: أربع وثمانون سنة، وقال قتادة: توفى عن ثمان وثمانين أو تسعين سنة. وفي رواية عنه توفى عن ست وثمانين سنة. وعن هشام بن الكلبي: توفى عن خمس وسبعين سنة، وهذا غريب جدا، وأغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه، وهم محمد وطلحة وأبو عثمان وأبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان ﵁ عن ثلاث وستين سنة.
وأما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب - شرقى البقيع - وقد بنى عليه زمان بنى أمية قبة عظيمة وهي باقية إلى اليوم. قال الامام مالك ﵁: بلغني أن عثمان ﵁ كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح.
وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ﵁ بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: وكأنه
стр. 2312
اشتغل الناس عنه بمبايعة على ﵁ حتى تمت، وقيل إنه مكث ليلتين، وقيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه ما بين المغرب والعشاء خيفة من الخوارج، وقيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم. فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وأبو الجهم بن حذيفة، ونيار بن مكرم الأسلمي، وجبير بن مطعم، وزيد بن ثابت، وكعب بن مالك، وطلحة والزبير، وعلى بن أبى طالب وجماعة من أصحابه ونسائه، منهن امرأتاه نائلة وأم البنين بنت عتبة بن حصين، وصبيان. - وهذا مجموع من كلام الواقدي وسيف بن عمر التميمي - وجماعة من خدمة حملوه على باب بعد ما غسلوه وكفنوه. وزعم بعضهم أنه لم يغسل ولم يكفن، والصحيح الأول. وصلى عليه جبير بن مطعم، وقيل الزبير بن العوام، وقيل حكيم بن حزام، وقيل مروان ابن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة وقد عارضه بعض الخوارج وأرادوا رجمه، وإلقاءه عن سريره، وعزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث على ﵁ إليهم من نهاهم عن ذلك وحمل جنازته حكيم بن حزام، وقيل مروان بن الحكم، وقيل المسور بن مخرمة، وأبو جهم بن حذيفة ونيار بن مكرم، وجبير بن مطعم، وذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلي عليه - عند مصلى الجنائز - أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى الله عليه وملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع ولكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقى البقيع تحت نخلات هناك.
وذكر الواقدي أن عمير بن ضابئ نزا على سريره وهو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه وقال: أحبست ضابئا حتى مات في السجن. وقد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا.
وقال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة وإذا رجل يقول: اللهمّ اغفر لي، وما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد الله ما سمعت أحدا يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت لله عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت والناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأنى أصلى عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه ولحيته ولطمته وقد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار، وهما صبيح ونجيح، ﵄، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، وقيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب، وقد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، ورفع الجدار بينه وبين البقيع، وأمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين.
стр. 2313
ذكر صفته ﵁
كان ﵁ حسن الوجه دقيق البشرة، كبير اللحية، معتدل القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، حسن الثغر، فيه سمرة، وقيل كان في وجهه شيء من آثار الجدري، ﵁. وعن الزهري: كان حسن الوجه والثغر، مربوعا، أصلع، أزوج الرجلين يخضب بالصفرة وقد كان شد أسنانه بالذهب وقد كسى ذراعيه الشعر وقال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة عن سعيد بن أبى زيد عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة. قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل، ثلاثون ألف ألف درهم وخمسمائة ألف درهم، ومائة ألف دينار، فانتهبت وذهبت، وترك ألف بعير بالربذة، وترك صدقات كان تصدق بها، بئر أريس، وخيبر، ووادي القرى، فيه مائتا ألف دينار. [وبئر رومة كان اشتراها في حياة النبي ﷺ وسبّلها] (١)
فصل
قال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن الدجال.
وروى الحافظ بن عساكر من طريق شبابة عن حفص بن مورق الباهلي، عن حجاج بن أبى عمار الصواف عن زيد بن وهب عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، وآخر الفتن خروج الدجال، والّذي نفسي بيده لا يموت رجل وفي قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، وإن لم يدركه، آمن به في قبره. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا وغيره: أنا محمد بن سعد أنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا أبو الأشهب حدثني عوف عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال: اللهمّ إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا. فليس لي فيه نصيب، وإن كان قتله شرا فأنا منه بريء، والله لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، وإن كان قتله شرا ليمتص به دما. وقد ذكره البخاري في صحيحه.
طريق أخرى عنه
قال محمد بن عائذ: ذكر محمد بن حمزة حدثني أبو عبد الله الحراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الّذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه وهو يناجي امرأته ففتح عينيه فسألهما فقالا خيرا، فقال:
إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل - يعنى عثمان - قال: فاسترجع ثم قال: اللهمّ إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فان كان خيرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، وإن كان شرا فهو لمن حضره وأنا منه بريء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد لله الّذي سبق بى الفتن، قادتها وعلوجها الخطى، من تردى بغيره فشبع شحما وقبل عمله. وقال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن
стр. 2314
علية عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى موسى الأشعري، قال لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، ولكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما، وهذا منقطع. وقال محمد بن سعد: أنا حازم بن الفضل أنا الصعق بن حزن ثنا قتادة عن زهدم الجرمي. قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. وقد روى من غير هذا الوجه عنه. وقال الأعمش وغيره عن ثابت بن عبيد عن أبى جعفر الأنصاري. قال: لما قتل عثمان جئت عليا وهو جالس في المسجد وعليه عمامة سوداء فقلت له: قتل عثمان، فقال: تبا لهم آخر الدهر. وفي رواية: خيبة لهم.
وقال أبو القاسم البغوي: أنبأنا على بن الجعد أنا شريك عن عبد الله بن عيسى عن ابن أبى ليلى. قال: سمعت عليا وهو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول: اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان. وقال أبو هلال عن قتادة عن الحسن. قال: قتل عثمان وعليّ غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللهمّ إني لم أرض ولم أمالئ وروى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة عن أبى العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه وجعل يبكى حتى ظنوا أنه سيلحق به. وقال الثوري وغيره عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال: قال على يوم قتل عثمان: والله ما قتلت ولا أمرت ولكنى غلبت. ورواه غير ليث عن طاووس عن ابن عباس عن على نحوه.
وقال حبيب بن أبى العالية عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال على إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم بالله ما قتلت عثمان ولا أمرت بقتله، ولقد نهيتهم فعصونى، وقد روى من غير وجه عن على بنحوه.
وقال محمد بن يونس الكديمي: ثنا هارون بن إسماعيل ثنا قرة بن خالد عن الحسن عن قيس بن عباد. قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول: اللهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، ولقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، وأنكرت نفسي، وجاءوني للبيعة فقلت: والله إني لأستحيى من الله أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول الله ﷺ : «إني لأستحيى ممن تستحي منه الملائكة» وإني لأستحي من الله أن أبايع وعثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألونى البيعة فقلت: اللهمّ إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي وأسكت نفرة من ذلك. وقد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن على أنه تبرأ من دم عثمان، وكان يقسم على ذلك في خطبه وغيرها أنه لم يقتله ولا أمر بقتله ولا مالأ ولا رضى به، ولقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث ولله الحمد والمنة. وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه
قال: إني لأرجو أن أكون أنا وعثمان ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ﴾ وثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال: ﴿وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اِتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اِتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾
وفي رواية
стр. 2315
أنه قال: كان عثمان ﵁ خيرنا وأوصلنا للرحم، وأشدنا حياء، وأحسننا طهورا، وأتقانا للرب .
وروى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مجالد عن عمير ابن رودي (كذا) أبى كثير. قال: خطب على فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال: إن مثلي ومثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة، أحمر وأبيض وأسود، ومعهم في أجمة أسد، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران، فقال للأسود والأحمر: إن هذا الأبيض قد فضحنا في هذه الأجمة فخليا عنه حتى آكله، فخليا عنه فأكله، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر فقال للأحمر: إن هذا الأسود قد فضحنا في هذه الأجمة، وإن لوني على لونك فلو خليت عنه أكلته فخلى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر: إني آكلك، فقال: دعني حتى أصيح ثلاث صيحات، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض ثلاثا فلو أنى نصرته لما أكلت. ثم قال على:
وإنما أنا وهنت يوم قتل عثمان ولو أني نصرته لما وهنت، قالها ثلاثا.
وروى ابن عساكر من طريق محمد بن هارون الحضرميّ عن سويد بن عبد الله القشيري القاضي عن ابن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: كانت المرأة تجيء في زمان عثمان إلى بيت المال فتحمل وقرها وتقول: اللهمّ بدل، اللهمّ غير. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان ﵁
قلتم بدّل فقد بدلكم … سنّة حرى وحربا كاللهب
ما نقمتم من ثياب خلفة … وعبيد وإماء وذهب
قال: وقال أبو حميد أخو بنى ساعدة - وكان ممن شهد بدرا، وكان ممن جانب عثمان - فلما قتل قال: والله ما أردنا قتله، ولا كنا نرى أن يبلغ منه القتل، اللهمّ إن لك على أن لا أفعل كذا وكذا ولا أضحك حتى ألقاك، وقال محمد بن سعد أنا عبد الله بن إدريس أنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. قال: لقد رأيتني وأن عمر موثقى وأخته على الإسلام، ولو ارفض أحد فيما صنعتم بابن عفان لكان حقيقا. وهكذا رواه البخاري في صحيحه.
وروى محمد بن عائد عن إسماعيل بن عباس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير. قال:
سمع عبد الله بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام أجل! إن البقر والمعز لا تنتطح في قتل الخليفة، ولكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، والله لتقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد. وقال ليث عن طاووس. قال: قال ابن سلام: يحكّم عثمان يوم القيامة في القتال والخاذل. وقال أبو عبد الله المحاملي: ثنا أبو الأشعث ثنا حزم بن أبى حزم سمعت أبا الأسود يقول سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أشرك في قتل عثمان. وقال أبو يعلى: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا محمد بن عباد الهبانى ثنا البراء