فمن امرأته عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وأبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلم، وذو الكلاع الحميري، وعبيد الله بن عمر بن الخطاب، وشرحبيل بن السمط، وحمزة بن مالك الهمدانيّ، وربما اقتتل الناس في اليوم مرتين، وذلك في شهر ذي الحجة بكماله، وحج بالناس في هذه السنة عبد الله ابن عباس عن أمر على له بذلك، فلما انسلخ ذو الحجة ودخل المحرم تداعى الناس للمتاركة، لعل الله أن يصلح بينهم على أمر يكون فيه حقن دمائهم، فكان ما سنذكره
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين
استهلت هذه السنة وأمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ متواقف هو ومعاوية بن أبى سفيان ﵁، كل منهما في جنوده بمكان يقال له صفين بالقرب من الفرات شرقى بلاد الشام، وقد اقتتلوا في مدة شهر ذي الحجة كل يوم، وفي بعض الأيام ربما اقتتلوا مرتين، وجرت بينهم حروب يطول ذكرها، والمقصود أنه لما دخل شهر المحرم تحاجز القوم رجاء أن يقع بينهم مهادنة وموادعة يؤول أمرها إلى الصلح بين الناس وحقن دمائهم، فذكر ابن جرير من طريق هشام عن أبى مخنف مالك حدثني سعيد بن المجاهد الطائي عن محل بن خليفة أن عليا بعث عدي بن حاتم ويزيد ابن قيس الأرحبي، وشبيث بن ربعي وزياد بن حفصة إلى معاوية، فلما دخلوا عليه - وعمرو بن العاص إلى جانبه - قال عدي بعد حمد الله والثناء عليه: أما بعد يا معاوية فانا جئناك ندعوك إلى أمر يجمع الله به كلمتنا وأمرنا، وتحقن به الدماء، ويأمن به السبل، ويصلح ذات البين، إن ابن عمك سيد المسلمين أفضلها سابقة، وأحسنها في الإسلام أثرا وقد استجمع له الناس وقد أرشدهم الله بالذي رأوا فلم يبق أحد غيرك وغير من معك من شيعتك، فانته يا معاوية لا يصبك الله وأصحابك مثل يوم الجمل، فقال له معاوية: كأنك إنما جئت مهددا ولم تأت مصلحا، هيهات والله يا عدي، كلام والله إني لابن حرب، لا يقعقع لي بالشنان، أما والله إنك لمن المجلبين على ابن عفان، وإنك لمن قتلته، وإني لأرجو أن تكون ممن يقتله الله به، وتكلم شبيث بن ربعي وزياد بن حفصة فذكرا من فضل على وقالا: اتّق الله يا معاوية ولا تخالفه فأنا والله ما رأينا رجالا قط أعمل بالتقوى، ولا أزهد في الدنيا، ولا أجمع لخصال الخير كلها منه. فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم دعوتموني إلى الجماعة والطاعة، فأما الجماعة فمعنا هي، وأما الطاعة فكيف أطيع رجلا أعان على قتل عثمان وهو يزعم أنه لم يقتله؟ ونحن لا نرد ذلك عليه ولا نتهمه به، ولكنه آوى قتلته، فيدفعهم إلينا حتى نقتلهم ثم نحن نجيبكم إلى الطاعة والجماعة. فقال له شبيث بن ربعي: أنشدك الله يا معاوية، لو تمكنت من عمار أكنت قاتله بعثمان؟ قال معاوية: لو تمكنت من ابن سمية ما قتلته بعثمان، ولكنى كنت قتلته بغلام عثمان. فقال له شبيث بن ربعي: وإله الأرض والسماء لا تصل إلى قتل عمار حتى تندر الرءوس
стр. 2382
عن كواهلها، ويضيق فضاء الأرض ورحبها عليك. فقال معاوية: لو قد كان ذلك كانت عليك أضيق. وخرج القوم من بين يديه فذهبوا إلى على فأخبروه بما قال. وبعث معاوية حبيب بن مسلمة الهفرى، وشرحبيل بن السمط، ومعن بن يزيد بن الأخنس إلى على، فدخلوا عليه فبدأ حبيب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان عثمان بن عفان كان خليفة مهديا عمل بكتاب الله وثبت لأمر الله، فاستثقلتم حياته، واستبطأتم وفاته، فعدوتم عليه فقتلتموه فادفع إلينا قتلته إن زعمت أنك لم تقتله، ثم اعتزل أمر الناس فيكون أمرهم شورى بينهم، فيولي الناس أمرهم من جمع عليه رأيهم.
فقال له على: وما أنت لا أم لك، وهذا الأمر وهذا العزل، فاسكت فإنك لست هناك ولا بأهل لذاك. فقال له حبيب: أما والله لتريني حيث تكره، فقال له على: وما أنت ولو أجلبت بخيلك ورجلك لا أبقى الله عليك إن أبقيت، اذهب فصعّد وصوّب ما بدا لك. ثم ذكر أهل السير كلاما طويلا جرى بينهم وبين على، وفي صحة ذلك عنهم وعنه نظر فان في مطاوى ذلك الكلام من على ما ينتقص فيه معاوية وأباه، وإنهم انما دخلوا في الإسلام ولم يزالا في تردد فيه وغير ذلك وإنه قال في غبون ذلك: لا أقول إن عثمان قتل مظلوما ولا ظالما. فقالوا: نحن نبرأ ممن لم يقل إن عثمان قتل مظلوما، وخرجوا من عنده،
فقال على: (إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين وما أنت بهادي العمى عن ضلالتهم إن تسمع إلى من يؤمن بئايتنا فهم مسلمون) ثم قال لأصحابه: لا يكن هؤلاء أولى بالجد في ضلالتهم منكم بالجد في حقكم وطاعة نبيكم، وهذا عندي لا يصح عن على ﵁.
وروى ابن ديزيل من طريق عمرو بن سعد باسناده أن قراء أهل العراق وقراء أهل الشام عسكروا ناحية وكانوا قريبا من ثلاثين ألفا، وأن جماعة من قراء العراق منهم عبيدة السلماني، وعلقمة بن قيس، وعامر بن عبد قيس، وعبد الله بن عتبة بن مسعود، وغيرهم جاءوا معاوية فقالوا له: ما تطلب؟ قال: أطلب بدم عثمان قالوا: فمن تطلب به؟ قال: عليا، قالوا: أهو قتله؟ قال:
نعم! وآوى قتلته. فانصرفوا إلى على فذكروا له ما قال فقال: كذب! لم أقتله وأنتم تعلمون أنى لم أقتله. فرجعوا إلى معاوية فقال: إن لم يكن قتله بيده فقد أمر رجالا. فرجعوا إلى على فقال: والله لا قتلت ولا أمرت ولا ماليت. فرجعوا فقال معاوية فان كان صادقا فليقدنا من قتلة عثمان، فإنهم في عسكره وجنده فرجعوا فقال على: تأول القوم عليه القرآن في فتنة ووقعت الفرقة لأجلها وقتلوه في سلطانه وليس لي عليهم وسبيل. فرجعوا إلى معاوية فأخبروه فقال: إن كان الأمر على ما يقول فما له أنفذ الأمر دوننا من غير مشورة منا ولا ممن هاهنا؟ فرجعوا إلى على فقال على: إنما الناس مع المهاجرين والأنصار، فهم شهود الناس على ولايتهم وأمر دينهم، ورضوا وبايعوني، ولست أستحل
стр. 2383
أن أدع مثل معاوية يحكم على الأمة ويشق عصاها، فرجعوا إلى معاوية فقال: ما بال من هاهنا من المهاجرين والأنصار لم يدخلوا في هذا الأمر؟ فرجعوا فقال على: إنما هذا للبدرين دون غيرهم، وليس على وجه الأرض بدري إلا وهو معى، وقد بايعنى وقد رضى، فلا يغرنكم من دينكم وأنفسكم، قال: فأقاموا يتراسلون في ذلك شهر ربيع الآخر وجماديين ويقرعون في غبون ذلك القرعة بعد القرعة ويزحف بعضهم على بعض، ويحجر بينهم القراء، فلا يكون قتال قال: فقرعوا في ثلاثة أشهر خمسة وثمانين قرعة. قال: وخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فدخلا على معاوية فقالا له: يا معاوية على م تقاتل هذا الرجل؟ فو الله إنه أقدم منك ومن أبيك إسلاما، وأقرب منك إلى رسول الله ﷺ وأحق بهذا الأمر منك. فقال: أقاتله على دم عثمان وإنه آوى قتلته، فاذهبا إليه فقولا له فليقدنا من قتلة عثمان ثم أنا أول من بايعه من أهل الشام، فذهبا إلى على فقالا له ذلك فقال: هؤلاء الذين تريان فخرج خلق كثير فقالوا: كلنا قتلة عثمان فمن شاء فليرمنا. قال: فرجع أبو الدرداء وأبو أمامة فلم يشهدا لهم حربا. قال عمرو بن سعد باسناده حتى إذا كان رجب وخشي معاوية أن تبايع القراء كلهم عليا كتب في سهم من عبد الله الناصح: يا معشر أهل العراق! إن معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات ليغرقكم فخذوا حذركم، ورمى به في جيش أهل العراق. فأخذه الناس فقرءوه وتحدثوا به،
وذكروه لعلى فقال: إن هذا ما لا يكون ولا يقع. وشاع ذلك، وبعث معاوية مائتي فاعل يحفرون في جنب الفرات وبلغ الناس ذلك فتشوش أهل العراق من ذلك وفزعوا إلى على فقال: ويحكم! إنه يريد خديعتكم ليزيلكم عن مكانكم هذا وينزل فيه لأنه خير من مكانه. فقالوا: لا بد من أن نخلي عن هذا الموضع فارتحلوا منه، وجاء معاوية فنزل بجيشه - وكان على آخر من ارتحل - فنزل بهم وهو يقول:
فلو أنى أطعت عصمت قومي … إلى ركن اليمامة أو شآم
ولكنى إذا أبرمت أمرا … يخالفه الطغام بنو الطغام
قال: فأقاموا إلى شهر ذي الحجة ثم شرعوا في المقاتلة فجعل على يؤمر على الحرب كل يوم رجلا وأكثر من كان يؤمر الأشتر. وكذلك معاوية يؤمر كل يوم أميرا فاقتتلوا شهر ذي الحجة بكماله، وربما اقتتلوا في بعض الأيام مرتين قال ابن جرير ﵀: ثم لم تزل الرسل تتردد بين على ومعاوية والناس كافّون عن القتال حتى انسلخ المحرم من هذه السنة ولم يقع بينهم صلح، فأمر على ابن أبى طالب يزيد بن الحارث الجشمي فنادى أهل الشام عند غروب الشمس ألا إن أمير المؤمنين يقول لكم: إني قد استأنيتكم لتراجعوا الحق، وأقمت عليكم الحجة فلم تجيبوا، وإني قد نبذت إليكم على سواء إن الله لا يحب الخائنين. ففزع أهل الشام إلى أمرائهم فأعلموهم بما سمعوا المنادي
стр. 2384
ينادى فنهض عند ذلك معاوية وعمرو فعبيا الجيش ميمنة وميسرة، وبات على يعبى جيشه من ليلته، فجعل على خيل أهل الكوفة الأشتر النخعي، وعلى رجالتهم عمار بن ياسر، وعلى خيل أهل البصرة سهل بن حنيف، وعلى رجالتهم قيس بن سعد وهاشم بن عتبة، وعلى قرائهم سعد بن فدكي التميمي، وتقدم على إلى الناس أن لا يبدءوا واحدا بالقتال حتى يبدأ أهل الشام، وأنه لا يذفف على جريح ولا يتبع مدبر ولا يكشف ستر امرأة ولا تهان، وإن شتمت أمراء الناس وصلحاءهم وبرز معاوية صبح تلك الليلة وقد جعل على الميمنة ابن ذي الكلاع الحميري، وعلى الميسرة حبيب بن مسلمة الفهري، وعلى المقدمة أبا الأعور السلمي، وعلى خيل دمشق عمرو بن العاص، وعلى رجالتهم الضحاك بن قيس. ذكره ابن جرير.
وروى ابن ديزيل من طريق جابر الجعفي عن أبى جعفر الباقر ويزيد بن الحسن بن على وغيرهما.
قالوا: لما بلغ معاوية سير على سار معاوية نحو على واستعمل على مقدمته سفيان بن عمرو أبا الأعور السلمي وعلى الساقة بسر بن أبى أرطاة حتى توافقوا جميعا سائرين إلى جانب صفين. وزاد ابن الكلبي فقال: جعل على المقدمة أبا الأعور السلمي، وعلى الساقة بسرا، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر ودفع اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد وجعل على الميمنة حبيب بن مسلمة، وعلى رجالتها يزيد بن زحر العنسيّ، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى رجالتها حابس بن سعد الطائي، وعلى خيل دمشق الضحاك بن قيس وعلى رجالتهم يزيد بن لبيد بن كرز البجلي، وجعل على أهل حمص ذا الكلاع وعلى أهل فلسطين مسلمة بن مخلد وقام معاوية في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! والله ما أصبت الشام إلا بالطاعة ولا أضبط حرب أهل العراق إلا بالصبر ولا أكابد أهل الحجاز إلا باللطف، وقد تهيأتم وسرتم لتمنعوا الشام وتأخذوا العراق، وسار القوم ليمنعوا العراق ويأخذوا الشام ولعمري اما للشام رجال العراق ولا أموالها، ولا للعراق خبرة أهل الشام ولا بصائرها، مع أن القوم وبعدهم أعدادهم، وليس بعدكم غيركم فان غلبتموهم لم تغلبوا إلا من أناتكم وإن غلبوكم غلبوا من بعدكم والقوم لاقوكم بكيد أهل العراق، ورقة أهل اليمن وبصائر أهل الحجاز، وقسوة أهل مصر، وإنما ينصر غدا من ينصر اليوم و ﴿اِسْتَعِينُوا بِاللهِ وَاِصْبِرُوا﴾ ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ وقد بلغ عليا خطبة معاوية فقام في أصحابه فحرضهم على الجهاد ومدحهم بالصبر وشجعهم بكثرتهم بالنسبة إلى أهل الشام، قال جابر الجعفي عن أبى جعفر الباقر وزيد بن أنس وغيرهما قالوا:
سار على في مائة وخمسين ألفا من أهل العراق وأقبل معاوية في نحو منهم من أهل الشام. وقال غيرهم:
أقبل على في مائة ألف أو يزيدون، وأقبل معاوية في مائة ألف وثلاثين ألفا - رواها ابن ديزيل في كتابه - وقد تعاقد جماعة من أهل الشام على أن لا يفروا فعقلوا أنفسهم بالعمائم، وكان هؤلاء خمسة
стр. 2385
صفوف ومعهم ستة صفوف آخرين وكذلك أهل العراق كانوا أحد عشر صفا أيضا فتواقفوا على هذه الصفة أول يوم من صفر وكان ذلك يوم الأربعاء، وكان أمير الحرب يومئذ للعراقيين الأشتر النخعي، وأمير الحرب يومئذ للشاميين حبيب بن مسلمة، فاقتتلوا ذلك اليوم قتالا شديدا ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد انتصف بعضهم من بعض وتكافئوا في القتال ثم أصبحوا من الغد يوم الخميس وأمير حرب أهل العراق هاشم بن عتبة، وأمير الشاميين يومئذ أبا الأعور السلمي فاقتتلوا قتالا شديدا تحمل الخيل على الخيل والرجال على الرجال ثم تراجعوا من آخر يومهم وقد صبر كل من الفريقين للآخر وتكافئوا ثم خرج في اليوم الثالث - وهو يوم الجمعة - عمار بن ياسر من ناحية أهل العراق وخرج إليه عمرو بن العاص في الشاميين فاقتتل الناس قتالا شديدا وحمل عمار على عمرو بن العاص فأزاله عن موقفه وبارز زياد بن النضر الحارثي وكان على الخيالة رجلا فلما تواقفا تعارفا فإذا هما أخوان من أم، فانصرف كل واحد منهما إلى قومه وترك صاحبه، وتراجع الناس من العشي وقد صبر كل فريق لصاحبه، وخرج في اليوم الرابع - وهو يوم السبت - محمد بن على - وهو ابن الحنفية - ومعه جمع عظيم فخرج إليه في كثير من جهة الشاميين عبيد الله بن عمر، فاقتتل الناس قتالا شديدا،
وبرز عبيد الله بن عمر فطلب من ابن الحنفية أن يبرز إليه فبرز إليه؟ فلما كادا أن يقتربا قال على: من المبارز؟ قالوا محمد ابنك وعبيد الله، فيقال إن عليا حرك دابته وأمر ابنه أن يتوقف وتقدم إلى عبيد الله فقال له: تقدم إلى قال له: لا حاجة لي في مبارزتك، فقال: بلى، فقال: لا! فرجع عنه على وتحاجز الناس يومهم ذلك ثم خرج في اليوم الخامس - وهو يوم الأحد - في العراقيين عبد الله بن عباس وفي الشاميين الوليد بن عقبة، واقتتل الناس قتالا شديدا، وجعل الوليد ينال من ابن عباس، فيما ذكره أبو مخنف ويقول: قتلتم خليفتكم ولم تنالوا ما طلبتم، ووالله إن الله ناصرنا عليكم.
فقال له ابن عباس: فابرز إلى فأبى عليه ويقال إن ابن عباس قاتل يومئذ قتالا شديدا بنفسه ﵁، ثم خرج في اليوم السادس - وهو يوم الاثنين - وعلى الناس من جهة العراقيين قيس بن سعد، ومن جهة أهل الشام بن ذي الكلاع فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا وتصابروا ثم تراجعوا، ثم خرج الأشتر النخعي في اليوم السابع - وهو يوم الثلاثاء وخرج إليه قرنه حبيب بن مسلمة فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا ولم يغلب أحد أحدا في هذه الأيام كلها. قال أبو مخنف:
حدثني مالك بن أعين الجهنيّ عن زيد بن وهب أن عليا قال: حتى متى لا نناهض هؤلاء القوم بأجمعنا؟ ثم قام في الناس عشية الأربعاء بعد العصر فقال: الحمد لله الّذي لا يبرم ما نقض وما أبرم لم ينقضه الناقضون، لو شاء ما اختلف اثنان من خلقه، ولا تنازعت الأمة في شيء من أمره، ولا جحد المفضول ذا الفضل فضله، وقد ساقتنا وهؤلاء القوم الأقدار وألقت بيننا في هذا المكان، فنحن من ربنا بمرأى ومسمع
стр. 2386
فلو شاء لعجل النقمة وكان منه التعسير حتى يكذب الله الظالم، ويعلم الحق أين مصيره، ولكنه جعل الدنيا دار الأعمال، وجعل الآخرة عنده هي دار القرار ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ ألا وانكم لاقوا القوم غدا فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، واسألوا الله النصر والصبر والقوة بالجد والحزم وكونوا صادقين. قال: فوثب الناس إلى سيوفهم ورماحهم ونبالهم يصلحونها قال: ومر بالناس وهم كذلك كعب بن جعل التغلبي فرأى ما يصفون فجعل يقول:
أصبحت الأمة في أمر عجب … والملك مجموع غدا لمن غلب
فقلت قولا صادقا غير كذب … إن غدا تهلك أعلام العرب
قال: ثم أصبح على في جنوده قد عبأهم كما أراد، وركب معاوية في جيشه قد عبأهم كما أراد، وقد أمر على كل قبيلة من أهل العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام فتقاتل الناس قتالا عظيما لا يفر أحد من أحد ولا يغلب أحد أحدا، ثم تحاجزوا عند العشي، وأصبح على فصلى الفجر بغلس وباكر القتال، ثم استقبل أهل الشام فاستقبلوه بوجوههم،
فقال على فيما رواه ابن مخنف عن مالك بن أعين عن زيد بن وهب: اللهمّ رب السقف المحفوظ المكفوف الّذي جعلته سقفا لليل والنهار، وجعلت فيه مجرى الشمس والقمر ومنازل النجوم، وجعلت فيه سبطا من الملائكة لا يسأمون العبادة، ورب الأرض التي جعلتها قرارا للأنام والهوام والأنعام، وما لا يحصى مما نرى وما لا نرى من خلقك العظيم، ورب الفلك التي تجرى في البحر بما ينفع الناس، ورب السحاب المسخر بين السماء والأرض، ورب البحر المسجور المحيط بالعالم، ورب الجبال الرواسي التي جعلتها للأرض أوتادا وللخلق متاعا، إن أظهرتنا على عدونا فجنبنا البغي والفساد وسددنا للحق، وإن أظهرتهم علينا فارزقني الشهادة وجنب بقية أصحابى من الفتنة. ثم تقدم على وهو في القلب في أهل المدينة وعلى ميمنته يومئذ عبد الله بن بديل، وعلى الميسرة، عبد الله بن عباس، وعلى القراء عمار بن ياسر وقيس بن سعد، والناس على راياتهم فزحف بهم إلى القوم، وأقبل معاوية - وقد بايعه أهل الشام على الموت - فتواقف الناس في موطن مهول وأمر عظيم، وحمل عبد الله بن بديل أمير ميمنة على على ميسرة أهل الشام وعليها حبيب ابن مسلمة، فاضطره حتى ألجأه إلى القلب، وفيه معاوية، وقام عبد الله بن بديل خطيبا في الناس يحرّضهم على القتال ويحثهم على الصبر والجهاد، وحرض أمير المؤمنين على الناس على الصبر والثبات والجهاد، وحثهم على قتال أهل الشام، وقام كل أمير في أصحابه يحرضهم، وتلا عليهم آيات القتال من أماكن متفرقة من القرآن، فمن ذلك قوله تعالى ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ثم قال: قدموا المدارع وأخروا الحاسر وعضوا على الأضراس، فإنه أنكى للسيوف
стр. 2387
عن الهام، وألبوا إلى أطراف الرماح فإنه أفوق للأسنة، وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش وأسكن للقلب، وأميتوا الأصوات فإنه أطرد للفشل وأولى بالوقار، راياتكم لا تميلوها ولا نزيلوها ولا تجعلوها إلا بأيدي شجعانكم.
وقد ذكر علماء التاريخ وغيرهم أن عليا ﵁ بارز في أيام صفين وقاتل وقتل خلقا حتى ذكر بعضهم أنه قتل خمسمائة، فمن ذلك أن كريب بن الصباح قتل أربعة من أهل العراق تم وضعهم تحت قدميه ثم نادى: هل من مبارز؟ فبرز إليه على فتجاولا ساعة ثم ضربه على فقتله ثم قال على: هل من مبارز؟ فبرز إليه الحارث بن وداعة الحميري فقتله، ثم برز إليه رواد ابن الحارث الكلاعي فقتله، ثم برز إليه المطاع بن المطلب القيسي فقتله. فتلا على قوله تعالى ﴿وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ ثم نادى ويحك يا معاوية! ابرز إلى ولا تفنى العرب بيني وبينك، فقال له عمرو بن العاص: اغتنمه فإنه قد أثخن بقتل هؤلاء الأربعة، فقال له معاوية: والله لقد علمت أن عليا لم يقهر قط، وإنما أردت قتلى لتصيب الخلافة من بعدي، اذهب إليك! فليس مثلي يخدع وذكروا أن عليا حمل على عمرو بن العاص يوما فضربه بالرمح فألقاه إلى الأرض فبدت سوأته فرجع عنه، فقال له أصحابه: مالك يا أمير المؤمنين رجعت عنه؟ فقال: أتدرون ما هو؟ قالوا: لا! قال: هذا عمرو بن العاص تلقاني بسوءته فذكرني بالرحم فرجعت عنه، فلما رجع عمرو إلى معاوية قال له: احمد الله واحمد استك.
وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: ثنا يحيى ثنا نصر ثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن نمير الأنصاري قال: والله لكأنّي أسمع عليا وهو يقول لأصحابه يوم صفين أما تخافون مقت الله حتى متى، ثم انفتل إلى القبلة يدعو ثم قال: والله ما سمعنا برئيس أصاب بيده ما أصاب على يومئذ إنه قتل فيما ذكر العادون زيادة على خمسمائة رجل، يخرج فيضرب بالسيف حتى ينحنى ثم يجيء فيقول معذرة إلى الله وإليكم والله لقد هممت أن أقلعه ولكن يحجزني عنه أنى سمعت رسول الله ﷺ يقول «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا على» قال: فيأخذه فيصلحه ثم يرجع به. وهذا إسناد ضعيف وحديث منكر وحدثنا يحيى ثنا ابن وهب أخبرنى الليث عن يزيد بن حبيب أنه أخبره من حضر صفين مع على ومعاوية قال ابن وهب: وأخبرنى ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط قال: شهدنا صفين مع على ومعاوية قال فمطرت السماء علينا دما عبيطا قال الليث في حديثه حتى أن كانوا ليأخذونه بالصحاف والآنية قال ابن لهيعة: فتمتلى ونهريقها وقد ذكرنا أن عبد الله بن بديل كسر الميسرة التي فيها حبيب بن مسلمة حتى أضافها إلى القلب فأمر معاوية الشجعان أن يعاونوا حبيبا على الكرة وبعث إليه معاوية يأمره بالحملة والكرة على ابن بديل، فحمل حبيب بمن معه من الشجعان على ميمنة أهل العراق فأزالوهم عن أماكنهم وانكشفوا عن أميرهم حتى لم يبق معه إلا زهاء ثلاثمائة وانجفل بقية أهل العراق، ولم يبق مع على من تلك القبائل إلا أهل
стр. 2388
مكة وعليهم سهل بن حنيف، وثبت ربيعة مع على ﵁ واقترب أهل الشام منه حتى جعلت نبالهم تصل إليه، وتقدم إليه مولى لبني أمية فاعترضه مولى لعلى فقتله الأموي وأقبل يريد عليا وحوله بنوه الحسن الحسين ومحمد بن حنفية، فلما وصل إلى على أخذه على بيده فرفعه ثم ألقاه على الأرض فكسر عضده ومنكبه وابتدره الحسين ومحمد بأسيافهما فقتلاه
فقال على للحسن ابنه وهو واقف معه: ما منعك أن تصنع كما صنعا فقال: كفيان أمره يا أمير المؤمنين وأسرع إلى على أهل الشام فجعل على لا يزيده قربهم منه سرعة في مشيته، بل هو سائر على هينته، فقال له ابنه الحسن: يا أبة لو سعيت أكثر من مشيتك هذه فقال. يا بنى إن لأبيك يوما لن يعدوه ولا يبطئ به عنه السعي ولا يعجل به إليه المشي إن أباك والله ما يبالي وقع على الموت أو وقع عليه ثم إن عليا أمر الأشتر النخعي أن يلحق المنهزمين فيردهم فسار فأسرع حتى استقبل المنهزمين من العراق فجعل يؤنبهم ويوبخهم ويحرض القبائل والشجعان منهم على الكرة فجعل طائفة تتابعه وآخرون يستمرون في هزيمتهم فلم يزل ذلك دأبه حتى اجتمع عليه خلق عظيم من الناس فجعل لا يلقى قبيلة إلا كشفها ولا طائفة إلا ردها حتى انتهى إلى أمير الميمنة وهو عبد الله بن بديل ومعه نحو في ثلاثمائة قد ثبتوا في مكانهم فسألوا عن أمير المؤمنين فقالوا حي صالح فالتفوا إليه، فتقدم بهم حتى تراجع كثير من الناس وذلك ما بين صلاة العصر إلى الغروب، وأراد ابن بديل أن يتقدم إلى أهل الشام فأمره الأشتر أن يثبت مكانه فإنه خير له فأبى عليه ابن بديل، وحمل نحو معاوية، فلما انتهى إليه وجده واقفا أمام أصحابه وفي يده سيفان وحوله كتائب أمثال الجبال، فلما اقترب ابن بديل تقدم إليه جماعة منهم فقتلوه وألقوه إلى الأرض قتيلا، وفر أصحابه منهزمين وأكثرهم مجروح فلما انهزم أصحابه قال معاوية لأصحابه انظروا إلى أميرهم، فجاءوا إليه فلم يعرفوه فتقدم معاوية إليه فإذا هو عبد الله بن بديل، فقال معاوية:
هذا والله كما قال الشاعر، وهو حاتم الطائي:
أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها … وإن شمرت يوما به الحرب شمرا
ويحمى إذا ما الموت كان لقاؤه … كذلك ذو الأشبال يحمى إذا ما تأمرا
كليث هزبر كان يحمى ذماره … رمته المنايا سهمها فتقطرا
ثم حمل الأشتر النخعي بمن رجع معه من المنهزمين فصدق الحملة حتى خالط الصفوف الخمسة الذين تعاقدوا أن لا يفروا وهم حول معاوية، فخرق منهم أربعة وبقي بينه وبين معاوية صف، قال الأشتر فرأيت هولا عظيما، وكدت أن أفر فما ثبتني إلا قول ابن الاطنابة وهي أمه من بلقين وكان هو من الأنصار وهو جاهلى:
أبت لي عفتي وأبى بلائي … وإقدامي على البطل المشيح
стр. 2389
وإعطائي على المكروه مالي … وضربي هامة الرجل السميح
وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تسريحى
قال: فهذا الّذي ثبتني في ذلك الموقف. والعجب أن ابن ديزيل روى في كتابه أن أهل العراق حملوا حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أزالوه حتى أفضوا إلى معاوية فدعا بفرسه لينجو عليه، قال معاوية: فلما وضعت رجلي في الركاب تمثلت بأبيات عمرو بن الاطنابة:
أبت لي عفتي وأبى بلائي … وأخذى الحمل بالثمن الربيح
وإعطائي على المكروه مالي … وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلما جشأت وجاشت … مكانك تحمدي أو تستريحي
قال: فثبت ونظر معاوية إلى عمرو بن العاص فقال: اليوم صبر وغدا فخر، فقال له عمرو: صدقت قال معاوية فأصبت خير الدنيا وأنا أرجو أن أصيب خير الآخرة، ورواه محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن عبد الرحمن بن حاطب عن معاوية، وبعث معاوية إلى خالد بن المعتمر وهو أمير الخيالة لعلى فقال له: اتبعنى على ما أنت عليه ولك إمرة العراق، فطمع فيه، فلما ولى معاوية ولاه العراق فلم يصل إليها خالد ﵀، ثم إن عليا لما رأى الميمنة قد اجتمعت رجع إلى الناس فأنب بعضهم وعذر بعضهم وحرض الناس وثبتهم ثم تراجع أهل العراق فاجتمع شملهم ودارت رحى الحرب بينهم وجالوا في الشاميين وصالوا، وتبارز الشجعان فقتل خلق كثير من الأعيان من الفريقين ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وقيل ممن قتل في هذا اليوم عبيد الله بن عمر بن الخطاب من الشاميين، واختلفوا فيمن قتله من العراقيين، وقد ذكر إبراهيم بن الحسين بن ديزيل أن عبيد الله لما خرج يومئذ أميرا على الحرب أحضر امرأتيه أسماء بنت عطارد بن حاجب التميمي وبحرية بنت هانئ بن قبيصة الشيباني - فوقفتا وراءه في راحلتين لينظرا إلى قتاله وشجاعته وقوته، فواجهته من جيش العراقيين ربيعة الكوفة وعليهم زياد بن حفصة التميمي، فشدوا عليه شدة رجل واحد فقتلوه بعد ما انهزم عنه أصحابه، ونزلت ربيعة فضربوا لأميرهم خيمة فبقي طنب منها لم يجدوا له وتدا فشدوه برجل عبيد الله، وجاءت امرأتاه يولولان حتى وقفتا عليه وبكتا عنده، وشفعت امرأته بحرية إلى الأمير فأطلقه لهما فاحتملتاه معهما في هودجهما وقتل معه أيضا ذو الكلاع، قال الشعبي: ففي مقتل عبيد الله بن عمر يقول كعب بن جعل التغلبي
ألا إنما تبكى العيون لفارس … بصفين ولت خيله وهو واقف
تبدل من أسماء أسياف وائل … وكان فتى لو أخطأته المتالف
تركن عبيد الله بالقاع ثاويا … تسيل دماه والعروق نوازف
стр. 2390
ينوء ويغشاه شآبيب من دم … كما لاح من جيب القميص الكفائف
وقد صبرت حول ابن عم محمد … لدى الموت أرباب المناقب شارف
فما برحوا حتى رأى الله صبرهم … وحتى رقت فوق الأكف المصاحف
وزاد غيره فيها
معاوي لا تنهض بغير وثيقة … فإنك بعد اليوم بالذل عارف
وقد أجابه أبو جهم الأسدي بقصيدة فيها أنواع من الهجاء تركناها قصدا.
وهذا مقتل عمار بن ياسر ﵁ مع أمير المؤمنين على بن أبى طالب قتله أهل الشام
[وبان وظهر بذلك سرّ ما أخبر به الرسول ﷺ من أنه تقتله الفئة الباغية وبان بذلك أن عليا محق وأن معاوية باغ، وما في ذلك من دلائل النبوة] (١)، ذكر ابن جرير من طريق أبى مخنف حدثني مالك بن أعين الجهنيّ عن زيد بن وهب الجهنيّ أن عمارا قال يومئذ: من يبتغى رضوان ربه ولا يلوى إلى مال ولا ولد، قال: فأتته عصابة من الناس فقال: أيها الناس اقصدوا بنا نحو هؤلاء القوم الذين يبتغون دم عثمان ويزعمون أنه قتل مظلوما والله ما قصدهم الأخذ بدمه ولا الأخذ بثأره، ولكن القوم ذاقوا الدنيا واستحلوها واستمروا الآخرة فقلوها، وعلموا أن الحق إذا لزمهم حال بينهم وبين ما يتمرغون فيه من دنياهم وشهواتهم، ولم يكن للقوم سابقة في الإسلام يستحقون بها [طاعة الناس لهم ولا الولاية عليهم ولا تمكنت من قلوبهم خشية الله التي تمنع من تمكنت من قلبه عن نيل الشهوات، وتعقله عن إرادة الدنيا وطلب العلو فيها، وتحمله على اتباع الحق والميل إلى أهله] (٢) فخدعوا أتباعهم بقولهم إمامنا قتل مظلوما، ليكونوا بذلك جبابرة ملوكا، وتلك مكيدة بلغوا بها ما ترون، ولولا ذلك ما تبعهم من الناس رجلان ولكانوا أذل وأخس وأقلّ، ولكن قول الباطل له حلاوة في أسماع الغافلين، فسيروا إلى الله سيرا جميلا، واذكروا ذكرا كثيرا ثم تقدم فلقيه عمرو بن العاص وعبيد الله بن عمر فلامهما وأنبهما ووعظهما، وذكروه من كلامه لهما ما فيه غلظة فالله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة سمعت عبد الله بن سلمة يقول:
رأيت عمارا يوم صفين شيخا كبيرا آدم طوالا أخذ الحربة بيده ويده ترعد، فقال: والّذي نفسي بيده لقد قاتلت بهذه الراية مع رسول الله ﷺ ثلاث مرات وهذه الرابعة، والّذي نفسي بيده لو ضربونا حتى يبلغوا بنا سعفات هجر لعرفت أن مصلحينا على الحق، وأنهم على الضلالة. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة وحجاج حدثني شعبة سمعت قتادة يحدث عن أبى نضرة قال حجاج سمعت أبا نضرة عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار بن ياسر أرأيت قتالكم مع على رأيا
стр. 2391
رأيتموه، فان الرأى يخطئ ويصيب، أو عهد عهده إليكم رسول الله ﷺ ؟ فقال: ما عهد إلينا رسول الله ﷺ شيئا لم يعهده إلى الناس كافة. وقد رواه مسلم من حديث شعبة وله تمام عن عمار عن حذيفة [في المنافقين.
وهذا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من التابعين، منهم الحارث بن سويد، وقيس ابن عبادة، وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائى، ويزيد بن شريك، وأبو حسان الأجرد وغيرهم أن كلا منهم قال:
قلت لعلى: هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله ﷺ لم يعهده إلى الناس؟ فقال:
لا والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهما يؤتيه الله عبدا في القرآن، وما في هذه الصحيفة، قلت:
وما في هذه الصحيفة؟ فإذا فيها العقل وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المدينة حرم ما بين ثبير إلى ثور.
وثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبى وائل عن سفيان بن مسلم عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: يا أيها الناس! اتهموا الرأى على الدين، فلقد رأيتني يوم أبى جندل ولو أقدر لرددت على رسول الله ﷺ أمره، ووالله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه، غير أمرنا هذا، فانا لا نسد منه خصما إلا انفتح لنا غيره لا ندري كيف نبالى له] (١)
وقال أحمد: حدثنا وكيع ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن أبى البختري. قال قام عمار يوم صفين فقال: ايتوني بشربة لبن، فان رسول الله ﷺ قال «آخر شربة تشربها من الدنيا تشربها يوم تقتل»
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن حبيب عن أبى البختري أن عمارا أتى بشربة لبن فضحك وقال: إن رسول الله قال لي: «آخر شراب أشربه لبن حين أموت» وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل: ثنا يحيى بن نصر ثنا عمرو بن شمر عن جابر الجعفي قال:
سمعت الشعبي عن الأحنف بن قيس: قال ثم حمل عمار بن ياسر عليهم فحمل عليه ابن جوى السكسكي وأبو الغادية الفزاري، فأما أبو الغادية فطعنه، وأما ابن جوى فاحتز رأسه.
وقد كان ذو الكلاع سمع قول عمرو بن العاص يقول: قال رسول الله ﷺ لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية، وآخر شربة تشربها صاع لبن» فكان ذو الكلاع يقول لعمرو: ويحك! ما هذا يا عمرو؟! فيقول له عمرو: إنه سيرجع إلينا. قال: فلما أصيب عمار بعد ذو الكلاع قال عمرو لمعاوية: ما أدرى بقتل أيهما أنا أشد فرحا، بقتل عمار أو ذي الكلاع والله لو بقي ذو الكلاع بعد قتل عمار لمال بعامة أهل الشام ولأفسد علينا جندنا. قال: وكان لا يزال يجيء رجل فيقول لمعاوية وعمرو: أنا قتلت
стр. 2392
عمارا فيقول له عمرو فما سمعته يقول فيخلطون حتى جاء جوى فقال أنا سمعته يقول:
اليوم ألقى الأحبه … محمدا وحزبه
فقال له عمرو: صدقت أنت إنك لصاحبه، ثم قال له: رويدا، أما والله ما ظفرت يداك ولقد أسخطت ربك [وقد روى ابن ديزيل من طريق أبى يوسف عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبى بكر عن عبد الرحمن الكندي عن أبيه عن عمرو بن العاص. أن رسول الله ﷺ قال لعمار:
«تقتلك الفئة الباغية» ورواه أيضا من حديث جماعة من التابعين أرسلوه منهم عبد الله بن أبى الهذيل ومجاهد وحبيب بن أبى ثابت وحبة العرني، وساقه من طريق أبان عن أنس مرفوعا،
ومن حديث عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن أبى الزبير عن حذيفة مرفوعا: «ما خير عمار بين شيئين إلا اختار أرشدهما»] (١)
وبه عن عمرو بن شمر عن السري عن يعقوب بن راقط قال: اختصم رجلان في سلب عمار وفي قتله فأتيا عبد الله بن عمرو بن العاص ليتحاكما إليه، فقال لهما: ويحكما! اخرجا عنى، فان رسول الله ﷺ قال - ولعبت قريش بعمار -: «ما لهم ولعمار؟ عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قاتله وسالبه في النار» قال: فبلغني أن معاوية قال إنما قتله من أخرجه يخدع بذلك أهل الشام.
وقال إبراهيم بن الحسين: حدثنا يحيى ثنا عدي بن عمر ثنا هشيم ثنا العوام بن حوشب بن الأسود بن مسعود عن حنظلة بن خويلد - وكان ناس عند على ومعاوية - قال: بينا هو عند معاوية إذ جاءه رجلان يختصمان في قتل عمار، فقال لهما عبد الله بن عمرو: ليطب كل واحد منكما نفسا لصاحبه بقتل عمار، فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تقتله الفئة الباغية» فقال معاوية لعمرو: «ألا تنهى عنا مجنونك هذا؟! ثم أقبل معاوية على عبد الله فقال له: فلم تقاتل معنا؟ فقال له إن رسول الله ﷺ أمرنى بطاعة والدي ما كان حيا وأنا معكم ولست أقاتل.
وحدثنا يحيى بن نصر ثنا حفص بن عمران البرجمي حدثني نافع بن عمر الجمحيّ عن ابن أبى مليكة أن عبد الله ابن عمرو قال لأبيه: لولا أن رسول الله ﷺ أمرنى بطاعتك ما سرت معك هذا المسير، أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار بن ياسر «تقتلك الفئة الباغية» وحدثنا يحيى ثنا عبد الرحمن بن زياد؟ ثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي قال: جاء قاتل عمار يستأذن على معاوية وعنده عمرو فقال: ائذن له وبشره بالنار. فقال الرجل: أو ما تسمع ما يقول عمرو. قال: صدق؟ إنما قتله الذين جاءوا به!
وهذا كما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن جماعة من التابعين منهم الحارث بن سويد وقيس بن عبادة وأبو جحيفة وهب بن عبد الله السوائى ويزيد بن شريك وأبو حسان الأجرد وغيرهم أن كلا منهم قال:
قلت لعلى هل عندكم شيء عهده إليكم رسول الله ﷺ لم يعهده إلى الناس، فقال: لا! والّذي فلق
стр. 2393
الحبة وبرأ النسمة إلا فهما يؤتيه الله عبدا في القرآن وما في هذه الصحيفة، قلت: وما في هذه الصحيفة؟ فإذا فيها العقل وفكاك الأسير وأن لا يقتل مسلم بكافر، وأن المدينة حرام ما بين ثبير إلى ثور، وثبت في الصحيحين أيضا من حديث الأعمش عن أبى وائل شقيق بن سلمة عن سهل بن حنيف أنه قال يوم صفين: أيها الناس اتهموا الرأى على الدين فلقد رأيتني يوم أبى جندل ولو أقدر أن أرد على رسول الله ﷺ أمره لرددته، والله ما حملنا سيوفنا على عواتقنا منذ أسلمنا لأمر يقطعنا إلا أسهل بنا إلى أمر نعرفه غير أمرنا هذا. وقال ابن جرير: وحدثنا أحمد بن محمد ثنا الوليد بن صالح ثنا عطاء بن مسلم عن الأعمش قال قال أبو عبد الرحمن السلمي: قال كنا مع على بصفين وكنا قد وكلنا بفرسه نفسين يحفظانه يمنعانه أن يحمل، فكان إذا حانت منهما غفلة حمل فلا يرجع حتى يخضب سيفه، وإنه حمل ذات يوم فلم يرجع حتى انثنى سيفه، فألقاه إليهم وقال: لولا أنه انثنى ما رجعت، قال: ورأيت عمارا لا يأخذ واديا من أودية صفين إلا اتبعه من كان هناك من أصحاب رسول الله ﷺ ، ورأيته جاء إلى هاشم بن عتبة وهو صاحب راية على فقال: يا هاشم تقدم! الجنة تحت ظلال السيوف، والموت في أطراف الأسنة، وقد فتحت أبواب الجنة وتزينت الحور العين.
اليوم ألقى الأحبه … محمدا وحزبه
ثم حملا هو وهاشم فقتلا رحمهما الله تعالى، قال: وحمل حينئذ على وأصحابه على أهل الشام حملة رجل واحد كأنهما: كان - يعنى عمارا وهاشما - عاما لهم قال: فلما كان الليل قلت لأدخلن الليلة إلى العسكر الشاميين حتى أعلم هل بلغ منهم قتل عمار ما بلغ منا؟ - وكنا إذا توادعنا من القتال تحدثوا إلينا وتحدثنا إليهم - فركبت فرسي وقد هدأت الرجل، ثم دخلت عسكرهم فإذا أنا بأربعة يتسامرون، معاوية، وأبو الأعور السلمي، وعمرو بن العاص، وابنه عبد الله بن عمرو وهو خير الأربعة. قال: فأدخلت فرسي بينهم مخافة أن يفوتني ما يقول بعضهم لبعض، فقال عبد الله لأبيه:
يا أبة قتلتم هذا الرجل في يومكم هذا وقد قال فيه رسول الله ما قال، قال: وما قال؟ قال: ألم يكن معنا ونحن نبنى المسجد والناس ينقلون حجرا حجرا، ولبنة لبنة، وعمار ينقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين؟
فأتاه رسول الله ﷺ فجعل يمسح التراب عن وجهه ويقول: «ويحك يا ابن سمية الناس ينقلون حجرا حجرا ولبنة لبنة وأنت تنقل حجرين حجرين ولبنتين لبنتين رغبة منك في الأجر وكنت مع ذلك ويحك تقتلك الفئة الباغية» قال فرجع عمر وصدر فرسه ثم جذب معاوية إليه فقال:
يا معاوية أما تسمع ما يقول عبد الله؟ قال: وما يقول؟ قال: يقول وأخبره الخبر فقال معاوية إنك شيخ أخرق ولا تزال تحدث بالحديث وأنت تدحض في بولك، أو نحن قتلنا عمارا؟ إنما قتل عمارا من جاء به؟ قال: فخرج الناس من عند فساطيطهم وأخبيتهم وهم يقولون: إنما قتل عمارا من جاء
стр. 2394
به، فلا أدرى من كان أعجب هو أوهم.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا الأعمش عن عبد الرحمن بن أبى زياد قال: إني لأسير مع معاوية منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص فقال عبد الله بن عمرو: يا أبة أما سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية قال فقال عمرو لمعاوية: ألا تسمع ما يقول عبد الله هذا فقال معاوية لا يزال يأتينا بهنة بعد هنة، أنحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به. ثم رواه أحمد عن أبى نعيم عن سفيان الثوري عن الأعمش به نحوه، تفرد به أحمد بهذا السياق من هذا الوجه، وهذا التأويل الّذي سلكه معاوية ﵁ بعيد، ثم لم ينفرد عبد الله بن عمرو بهذا الحديث بل قد روى من وجوه أخر،
قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن خالد عن عكرمة عن أبى سعيد الخدريّ أن رسول الله ﷺ قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية».
وقد روى البخاري في صحيحه من حديث عبد العزيز بن المختار وعبد الوهاب الثقفي عن خالد الحذاء عن عكرمة عن أبى سعيد في قصة بناء المسجد أن رسول الله ﷺ قال لعمار: «يا ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار» قال يقول عمار: أعوذ بالله من الفتن وفي بعض نسخ البخاري يا ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار،
وقال أحمد: حدثنا سليمان بن داود ثنا شعبة ثنا عمرو بن دينار عن أبى هشام عن أبى سعيد الخدريّ أن رسول الله قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية،
وروى مسلم من حديث شعبة عن أبى نضرة عن أبى سعيد قال: حدثني من هو خير منى - يعنى أبا قتادة - أن رسول الله ﷺ قال لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»
وروى مسلم أيضا من حديث شعبة عن خالد الحذاء عن الحسن وسعيد ابني أبى الحسن عن أمهما حرة عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال لعمار: تقتلك الفئة الباغية، ورواه عن أبى بكر بن أبى شيبة عن ابن علية عن ابن عون عن الحسن عن أبيه عن أم سلمة به وفي رواية وقاتله في النار.
وروى البيهقي عن الحاكم وغيره عن الأصم عن أبى بكر محمد بن إسحاق الصنعاني عن أبى الجواب عن عمار بن زريق عن عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق»
وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل - في سيرة على - ثنا يحيى بن عبيد الله الكرابيسي ثنا أبو كريب ثنا أبو معاوية عن عمار بن زريق عن عمار الذهبي عن سالم بن أبى الجعد قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إن الله قد أمننا أن يظلمنا ولو يؤمنا أن يفتننا، أرأيت إذا نزلت فتنة كيف أصنع؟ قال:
عليك بكتاب الله، قلت: أرأيت إن جاء قوم كلهم يدعون إلى كتاب الله؟ فقال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا اختلف الناس كان ابن سمية مع الحق». وروى ابن ديزيل عن عمرو بن العاص نفسه حديثا في ذكر عمار وأنه مع فرقة الحق، وإسناده غريب، وقال البيهقي: أنا على بن
стр. 2395
أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الله الصفار ثنا الأسقاطي ثنا أبو مصعب ثنا يوسف بن الماجشون عن أبيه عن أبى عبيدة عن محمد بن عمار بن ياسر عن مولاة لعمار قالت: «اشتكى عمار شكوى أرق منها فغشى عليه، فأفاق ونحن نبكي حوله، فقال: ما تبكون؟ أتخشون أن أموت على فراشي؟ أخبرنى حبيبي ﷺ أنه تقتلني الفئة الباغية، وأن آخر زادي من الدنيا مذقة من لبن» وقال أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن داود عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ ببناء المسجد فجعلنا ننقل لبنة لبنة وكان عمار ينقل لبنتين لبنتين، فتترب رأسه قال: فحدثني أصحابى ولم أسمعه من رسول الله أنه جعل ينفض رأسه ويقول: ويحك يا ابن سمية تقتلك الفئة الباغية» تفرد به أحمد وما زاده الروافض في هذا الحديث بعد قوله الباغية «لا أنا لها والله شفاعتي يوم القيامة فهو كذب وبهت على رسول الله ﷺ ، فإنه قد ثبتت الأحاديث عنه صلوات الله عليه وسلامه بتسمية الفريقين مسلمين، كما سنورده قريبا إن شاء الله. قال ابن جرير وقد ذكر أن عمارا لما قتل قال على لربيعة وهمدان: أنتم درعي ورمحي، فانتدب له نحو من اثنى عشر ألفا، وتقدمهم على ببلغته فحمل وحملوا معه حملة رجل واحد، فلم يبق لأهل الشام صف إلا انتقض وقتلوا كل من انتهوا إليه حتى بلغوا معاوية وعلى يقاتل ويقول:
أضربهم ولا أرى معاوية … الجاحظ العين عظيم الحاوية
قال: ثم دعي على معاوية إلى أن يبارزه فأشار عليه بالخروج إليه عمرو بن العاص فقال له معاوية: إنك لتعلم أنه لم يبارزه رجل قط إلا قتله، ولكنك طمعت فيها بعدي، ثم قدم على ابنه محمد في عصابة كثيرة من الناس، فقاتلوه قتالا شديدا ثم تبعه على في عصابة أخرى، فحمل بهم فقتل في هذا الموطن خلق كثير من الفريقين لا يعلمهم إلا الله وقتل من العراقيين خلق كثير أيضا، وطارت أكف ومعاصم ورءوس عن كواهلها، ﵏. ثم حانت صلاة المغرب فما صلى بالناس إلا إيماء صلاتي العشاء واستمر القتال في هذه الليلة كلها وهي من أعظم الليالي شرا بين المسلمين، وتسمى هذه الليلة ليلة الهرير، وكانت ليلة الجمعة تقصفت الرماح ونفذت النبال، وصار الناس إلى السيوف، وعلى ﵁ يحرض القبائل، ويتقدم إليهم يأمر بالصبر والثبات وهو أمام الناس في قلب الجيش، وعلى الميمنة الأشتر، تولاها بعد قتل عبد الله بن بديل عشية الخميس ليله الجمعة - وعلى الميسرة ابن عباس، والناس يقتتلون من كل جانب فذكر غير واحد من علمائنا علماء السير - أنهم اقتتلوا بالرماح حتى تقصفت، وبالنبال حتى فنيت، وبالسيوف حتى تحطمت ثم صاروا إلى أن تقاتلوا بالأيدي والرمي بالحجارة والتراب في الوجوه، وتعاضوا بالأسنان يقتتل الرجلان حتى يثخنا ثم يجلسان يستريحان، وكل واحد منهما يهمر على الآخر ويهمر عليه ثم يقومان فيقتتلان كما كانا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ﴾
стр. 2396
وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ولم يزل ذلك دأبهم حتى أصبح الناس من يوم الجمعة وهم كذلك وصلى الناس الصبح إيماء وهم في القتال حتى تضاحى النهار وتوجه النصر لأهل العراق على أهل الشام، وذلك أن الأشتر النخعي صارت إليه إمرة الميمنة، فحمل بمن فيها على أهل الشام وتبعه عليّ فتنقضت غالب صفوفهم وكادوا ينهزمون، فعند ذلك رفع أهل الشام المصاحف فوق الرماح: وقالوا، هذا بيننا وبينكم قد فنى الناس فمن للثغور؟ ومن لجهاد المشركين والكفار.
وذكر ابن جرير وغيره من أهل التاريخ أن الّذي أشار بهذا هو عمرو بن العاص، وذلك لما رأى، أن أهل العراق قد استظهروا في ذلك الموقف، أحب أن ينفصل الحال وأن يتأخر الأمر فان كلا من الفريقين صابر للآخر، والناس يتفانون. فقال إلى معاوية: إني قد رأيت أمرا لا يزيدنا هذه الساعة إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة، أرى أن نرفع المصاحف وندعوهم إليها، فان أجابوا كلهم إلى ذلك برد القتال، وإن اختلفوا فيما بينهم فمن قائل نجيبهم، وقائل لا نجيبهم، فشلوا وذهب ريحهم، وقال الامام أحمد، حدثنا يعلى بن عبيد عن عبد العزيز بن سياه عن حبيب بن أبى ثابت. قال أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم على بالنهروان فيما استجابوا له وفيما فارقوه، وفيما استحل قتالهم فقال: كنا بصفين فلما استحر القتال بأهل الشام اعتصموا بتل
فقال عمرو بن العاص لمعاوية: أرسل إلى على بمصحف فأدعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى عليك فجاء به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ … ﴿يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ بعد ذلك ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ فقال على: نعم! أنا أولى بذلك بيننا وبينكم كتاب الله قال فجاءته الخوارج ونحن ندعوهم يومئذ القراء وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ينتظر هؤلاء القوم الذين على التل ألا نمشي إليهم سيوفنا حتى بحكم الله بيننا وبينهم؟ فتكلم سهل بن حنيف فقال: يا أيها الناس اتهموا أنفسكم فلقد رأيتنا يوم الحديبيّة - يعنى الصلح الّذي كان بين رسول الله وبين المشركين - ولو نرى قتالا لقاتلنا فجاء عمر إلى رسول الله فقال: يا رسول الله ألسنا على حق وهم على باطل؟ وذكر تمام الحديث كما تقدم في موضعه.
رفع أهل الشام المصاحف
فلما رفعت المصاحف قال أهل العراق: نجيب إلى كتاب الله وننيب إليه. قال أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب الأزدي عن أبيه أن عليا قال: عباد الله أمضوا إلى حقكم وصدقكم وقتال عدوكم، فان معاوية وعمرو بن العاص وابن أبى معيط وحبيب بن مسلمة وابن أبى سرح والضحاك ابن قيس ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، أنا أعرف بهم منكم، صحبتهم أطفالا، وصحبتهم رجالا، فكانوا شر أطفال وشر رجال، ويحكم والله إنهم ما رفعوها إنهم يقرءونها ولا يعملون بما فيها وما
стр. 2397
رفعوها إلا خديعة ودهاء ومكيدة. فقالوا له: ما يسعنا أن ندعى إلى كتاب الله فنأبى أن نقبله. فقال لهم: إني إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب فإنهم قد عصوا الله فيما أمرهم به، وتركوا عهده، ونبذوا كتابه.
فقال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي ثم السبائى في عصابة معهما من القراء الذين صاروا بعد ذلك خوارج، يا على أجب إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم أو نفعل بك ما فعلنا بابن عفان، إنه غلبنا أن يعمل بكتاب الله فقتلناه، والله لتفعلنها أو لنفعلنها بك. قال: فاحفظوا عنى نهيي إياكم واحفظوا مقالتكم لي، أما أنا فان تطيعوني فقاتلوا، وإن تعصوني فاصنعوا ما بدا لكم، قالوا: فابعث إلى الأشتر فليأتك ويكف عن القتال، فبعث إليه على ليكف عن القتال، وقد ذكر الهيثم بن عدي في كتابه الّذي صنفه في الخوارج فقال: قال ابن عباس:
فحدثني محمد بن المنتشر الهمدانيّ عن من شهد صفين وعن ناس من رءوس الخوارج ممن لا يتهم على كذب أن عمار بن ياسر كره ذلك وأبى وقال في على بعض ما أكره ذكره، ثم قال: من رائح إلى الله قبل أن يبتغى غير الله حكما؟ فحمل فقاتل حتى قتل رحمة الله عليه. وكان ممن دعا إلى ذلك سادات الشاميين عبد الله بن عمرو بن العاص قام في أهل العراق فدعاهم إلى الموادعة والكف وترك القتال والائتمار بما في القرآن، وذلك عن أمر معاوية له بذلك ﵄، وكان ممن أشار على على بالقبول والدخول في ذلك الأشعث بن قيس الكندي ﵁،
فروى أبو مخنف من وجه آخر أن عليا لما بعث إلى الأشتر قال: قل له إنه ليس هذه ساعة ينبغي أن لا تزيلني عن موقفي فيها، إني قد رجوت أن يفتح الله على، فلا تعجلني، فرجع الرسول - وهو يزيد بن هانئ - إلى على فأخبره عن الأشتر بما قال، وصمم الأشتر على القتال لينتهز الفرصة، فارتفع الهرج وعلت الأصوات
فقال أولئك القوم لعلى: والله ما نراك إلا أمرته أن يقاتل، فقال: أرأيتموني ساررته؟ ألم أبعث إليه جهرة وأنتم تسمعون؟ فقالوا: فابعث إليه فليأتك وإلا والله اعتزلناك، فقال على لزيد بن هانئ:
ويحك! قل له أقبل إلى فان الفتنة قد وقعت، فلما رجع إليه يزيد بن هانئ فأبلغه عن أمير المؤمنين أنه ينصرف عن القتال ويقبل إليه، جعل يتململ ويقول: ويحك ألا ترى إلى ما نحن فيه من النصر ولم يبق إلا القليل؟ فقلت: أيهما أحب إليك أن تقبل أو يقتل أمير المؤمنين كما قتل عثمان؟ ثم ماذا يغنى عنك نصرتك هاهنا؟ قال: فأقبل الأشتر إلى على وترك القتال فقال: يا أهل العراق! يا أهل الذل والوهن أحين علوتم القوم وظنوا أنكم لهم قاهرون رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها، وسنة من أنزلت عليه، فلا تجيبوهم، أمهلونى فانى قد أحسست بالفتح، قالوا: لا! قال: أمهلونى عدو الفرس فانى قد طمعت في النصر، قالوا إذا ندخل معك في خطيئتك، ثم أخذ الأشتر يناظر أولئك القراء الداعين إلى إجابة أهل الشام
стр. 2398
بما حاصله: إن كان أول قتالكم هؤلاء حقا فاستمروا عليه، وإن كان باطلا فاشهدوا لقتلاكم بالنار، فقالوا: دعنا منك فانا لا نطيعك ولا صاحبك أبدا، ونحن قاتلنا هؤلاء في الله، وتركنا قتالهم لله، فقال لهم الأشتر: خدعتم والله فانخدعتم، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم، يا أصحاب السوء كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله، فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت، يا أشباه النيب الجلالة ما أنتم بربانيين بعدها. فابعدوا كما بعد القوم الظالمون. فسبوه وسبهم فضربوا وجه دابته بسياطهم، وجرت بينهم أمور طويلة، ورغب أكثر الناس من العراقيين وأهل الشام بكمالهم إلى المصالحة والمسالمة مدة لعله يتفق أمر يكون فيه حقن لدماء المسلمين، فان الناس تفانوا في هذه المدة، ولا سيما في هذه الثلاثة الأيام المتأخرة التي آخر أمرها ليلة الجمعة وهي ليلة الهرير. كل من الجيشين فيه من الشجاعة والصبر ما ليس يوجد في الدنيا مثله، ولهذا لم يفر أحد عن أحد، بل صبروا حتى قتل من الفريقين فيما ذكره غير واحد سبعون ألفا. خمسة وأربعون ألفا من أهل الشام، وخمسة وعشرون ألفا من أهل العراق. قاله غير واحد منهم ابن سيرين وسيف وغيره. وزاد أبو الحسن ابن البراء - وكان في أهل العراق - خمسة وعشرون بدريا، قال: وكان بينهم في هذه المدة تسعون زحفا واختلفا في مدة المقام بصفين فقال سيف: سبعة أشهر أو تسعة أشهر. وقال أبو الحسن بن البراء مائة وعشرة أيام. قلت: ومقتضى كلام أبى مخنف أنه كان من مستهل ذي الحجة في يوم الجمعة لثلاث عشرة خلت من صفر وذلك سبعة وسبعون يوما فالله أعلم، وقال الزهري: بلغني أنه كان يدفن في القبر الواحد خمسون نفسا. هذا كله ملخص من كلام ابن جرير وابن الجوزي في المنتظم وقد روى البيهقي من طريق يعقوب بن سفيان عن أبى اليمان عن صفوان بن عمرو كان أهل الشام ستين ألفا فقتل منهم عشرون ألفا، وكان أهل العراق مائة وعشرين ألفا فقتل منهم أربعون ألفا. وحمل البيهقي هذه الوقعة على الحديث الّذي أخرجاه في الصحيحين من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة ورواه البخاري من حديث شعيب عن الزهري عن أبى سلمة عن أبى هريرة،
ومن حديث شعيب عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ انه قال: «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان يقتل بينهما مقتلة عظيمة ودعواهما واحدة».
ورواه مجالد عن أبى الحواري عن أبى سعيد مرفوعا مثله
ورواه الثوري عن ابن جدعان عن أبى نضرة عن أبى سعيد. قال قال رسول الله ﷺ : «لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعوتهما واحدة فبينما هم كذلك مرق منهما مارقة تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» وقد تقدم ما
رواه الامام أحمد عن مهدي وإسحاق عن سفيان عن منصور عن ربعي بن خراش عن البراء بن ناجية الكاهلي عن ابن مسعود. قال قال رسول الله ﷺ : «إن رحى الإسلام ستزول لخمس وثلاثين أو ست
стр. 2399
وثلاثين، فان يهلكوا فسبيل من هلك، وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما، فقال عمر: يا رسول الله أمما مضى أم مما بقي؟ قال: بل مما بقي». وقد رواه إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتاب جمعه في سيرة على عن أبى نعيم الفضل بن دكين عن شريك عن منصور به مثله. وقال أيضا:
حدثنا أبو نعيم ثنا شريك بن عبد الله النخعي عن مجالد عن عامر الشعبي عن مسروق عن عبد الله. قال قال لنا رسول الله ﷺ «إن رحى الإسلام ستزول بعد خمس وثلاثين سنة فان يصطلحوا فيما بينهم يأكلوا الدنيا سبعين عاما رغدا، وإن يقتتلوا يركبوا سنن من كان قبلهم»
وقال ابن ديزيل: حدثنا عبد الله بن عمر ثنا عبد الله بن خراش الشيباني عن العوام بن حوشب عن إبراهيم التميمي. قال قال رسول الله ﷺ : «تدور رحى الإسلام عند قتل رجل من بنى أمية» - يعنى عثمان ﵁
وقال أيضا: حدثنا الحكم عن نافع عن صفوان بن عمرو عن الأشياخ أن رسول الله ﷺ دعي إلى جنازة رجل من الأنصار فقال - وهو قاعد ينتظرها - «كيف أنتم إذا راعيتم حملين [كذا] في الإسلام؟ قال أبو بكر: أو يكون ذلك في أمة إلهها واحد ونبيها واحد؟ قال: نعم! قال: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: لا! قال عمر: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: لا! قال عثمان: أفأدرك ذلك يا رسول الله؟ قال: نعم! بك يفتنون» وقال أيضا عمر لابن عباس: كيف يختلفون وإلههم واحد وكتابهم واحد وملتهم واحدة؟ فقال: إنه سيجيء قوم لا يفهمون القرآن كما نفهمه، فيختلفون فيه فإذا اختلفوا فيه اقتتلوا. فأقر عمر بن الخطاب بذلك. وقال أيضا: حدثنا أبو نعيم ثنا سعيد بن عبد الرحمن - أخو أبى حمزة - ثنا محمد بن سيرين قال: لما قتل عثمان قال عدي بن حاتم: لا ينتطح في قتله عنزان. فلما كان يوم صفين فقئت عينه فقيل: لا ينتطح في قتله عنزان، فقال: بلى وتفقأ عيون كثيرة. وروى عن كعب الأحبار أنه مر بصفين فرأى حجارتها فقال: لقد اقتتل في هذا الموضع بنو إسرائيل تسع مرات، وإن العرب ستقتتل فيها العاشرة، حتى يتقاذفوا بالحجارة التي تقاذف فيها بنو إسرائيل ويتفانوا كما تفانوا.
وقد ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ قال: «سألت ربى أن لا يهلك أمتى بسنة عامة فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط عليهم عدوا من سواهم فيستبيح بيضتهم فأعطانيها، وسألته أن لا يسلط بعضهم على بعض فمنعنيها» ذكرنا ذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ قال رسول الله: هذا أهون.
قصة التحكيم
ثم تراوض الفريقان بعد مكاتبات ومراجعات يطول ذكرها على التحكيم، وهو أن يحكم كل واحد من الأميرين - على ومعاوية - رجلا من جهته. ثم يتفق الحكمان على ما فيه مصلحة للمسلمين. فوكّل معاوية عمرو بن العاص، وأراد عليّ أن يوكل عبد الله بن عباس - وليته فعل -
стр. 2400
ولكنه منعه القراء ممن ذكرنا وقالوا: لا نرضى إلا بأبي موسى الأشعري. وذكر الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج له أن أول من أشار بأبي موسى الأشعري الأشعث بن قيس، وتابعه أهل اليمن، ووصفوه أنه كان ينهى الناس عن الفتنة والقتال، وكان أبو موسى قد اعتزل في بعض أرض الحجاز.
قال على: فانى أجعل الأشتر حكما، فقالوا: وهل سعر الحرب وشعر الأرض إلا الأشتر؟ قال:
فاصنعوا ما شئتم، فقال الأحنف لعلى: والله لقد رميت بحجر إنه لا يصلح هؤلاء القوم إلا رجل منهم، يدنو منهم حتى يصير في أكفهم، ويبتعد حتى يصير بمنزلة النجم، فان أبيت أن تجعلني حكما فاجعلني ثانيا وثالثا، فإنه لن يعقد عقدة إلا أحلها، ولا يحل عقدة عقدتها إلا عقدت لك أخرى مثلها أو أحكم منها. قال: فأبوا إلا أبا موسى الأشعري فذهبت الرسل إلى أبى موسى الأشعري - وكان قد اعتزل - فلما قيل له إن الناس قد اصطلحوا قال: الحمد لله، قيل له: وقد جعلت حكما، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ثم أخذوه حتى أحضروه إلى على ﵁ وكتبوا بينهم كتابا هذه صورته.
بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما قاضى عليه على بن أبى طالب أمير المؤمنين، فقال عمرو بن العاص: اكتب اسمه واسم أبيه، هو أميركم وليس بأميرنا، فقال الأحنف: لا تكتب إلا أمير المؤمنين، فقال على: امح أمير المؤمنين واكتب هذا ما قاضى عليه على بن أبى طالب ثم استشهد على بقصة الحديبيّة حين امتنع أهل مكة هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله، فامتنع المشركون من ذلك وقالوا: اكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله، فكتب الكاتب: هذا ما تقاضى عليه على بن أبى طالب ومعاوية بن أبى سفيان، قاضى عليّ على أهل العراق ومن معهم من شيعتهم والمسلمين، وقاضى معاوية على أهل الشام ومن كان معه من المؤمنين والمسلمين إنا ننزل عند حكم الله وكتابه ونحيى ما أحيى الله، ونميت ما أمات الله فما وجد الحكمان في كتاب الله - وهما أبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص - عملا به وما لم يجدا في كتاب الله فالسنة العادلة الجامعة غير المتفرقة ثم أخذ الحكمان من على ومعاوية ومن الجندين العهود والمواثيق أنهما آمنان على أنفسهما وأهلهما، والأمة لهما أنصار على الذين يتقاضيان عليه، وعلى المؤمنين والمسلمين من الطائفتين كليهما عهد الله وميثاقه أنهما على ما في هذه الصحيفة، وأجلا القضاء إلى رمضان وإن أحبا أن يؤخرا ذلك على تراض منهما، وكتب في يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع وثلاثين، على أن يوافي على ومعاوية موضع الحكمين بدومة الجندل في رمضان، ومع كل واحد من الحكمين أربعمائة من أصحابه، فان لم يجتمعا لذلك اجتمعا من العام المقبل بأذرح، وقد ذكر الهيثم في كتابه في الخوارج أن الأشعث بن قيس لما ذهب إلى معاوية بالكتاب وفيه: «هذا ما قاضى عبد الله على
стр. 2401
أمير المؤمنين معاوية بن أبى سفيان» قال معاوية: لو كان أمير المؤمنين لم أقاتله، ولكن ليكتب اسمه وليبدأ به قبل اسمى لفضله وسابقته، فرجع إلى على فكتب كما قال معاوية. وذكر الهيثم أن أهل الشام أبوا أن يبدأ باسم على قبل معاوية، وباسم أهل العراق قبلهم، حتى كتب كتابان كتاب لهؤلاء فيه تقديم معاوية على على وكتاب آخر لأهل العراق بتقديم اسم على وأهل العراق على معاوية وأهل الشام وهذه تسمية من شهد على هذا التحكيم من جيش على: عبد الله بن عباس، والأشعث ابن قيس الكندي، وسعيد بن قيس الهمدانيّ، وعبد الله بن الطفيل المعافري، وحجر بن يزيد الكندي، وورقاء بن سمى العجليّ، وعبد الله بن بلال العجليّ، وعقبة بن زياد الأنصاري، ويزيد ابن جحفة التميمي، ومالك بن كعب الهمدانيّ. فهؤلاء عشرة. وأما من الشاميين فعشرة آخرون، وهم أبو الأعور السلمي، وحبيب بن مسلمة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ومخارق بن الحارث الزبيدي، ووائل بن علقمة العدوي، وعلقمة بن يزيد الحضرميّ، وحمزة بن مالك الهمدانيّ، وسبيع بن يزيد الحضرميّ، وعتبة بن أبى سفيان أخو معاوية، ويزيد بن الحر العبسيّ. وخرج الأشعث بن قيس بذلك الكتاب يقرؤه على الناس ويعرضه على الطائفتين. ثم شرع الناس في دفن قتلاهم قال الزهري: بلغني أنه دفن في كل قبر خمسون نفسا، وكان على قد أسر جماعة من أهل الشام، فلما أراد الانصراف أطلقهم، وكان مثلهم أو قريب منهم في يد معاوية وكان قد عزم على قتلهم لظنه أنه قد قتل أسراهم، فلما جاءه أولئك الذين أطلقهم أطلق معاوية الذين في يده، ويقال إن رجلا يقال له عمرو بن أوس - من الأزد - كان من الأسارى فأراد معاوية قتله فقال: امنن على فإنك خالي، فقال: ويحك! من أين أنا خالك؟ فقال: إن أم حبيبة زوجة رسول الله ﷺ وهي أم المؤمنين وأنا ابنها وأنت أخوها وأنت خالي، فأعجب ذلك معاوية وأطلقه. وقال عبد الرحمن بن زياد بن أنعم - وذكر أهل صفين - فقال: كانوا عربا يعرف بعضهم بعضا في الجاهلية فالتقوا في الإسلام معهم على الحمية وسنة الإسلام، فتصابروا واستحيوا من الفرار، وكانوا إذا تحاجزوا دخل هؤلاء في عسكر هؤلاء، وهؤلاء في عسكر هؤلاء، فيستخرجون قتلاهم فيدفنونهم. قال الشعبي: هم أهل الجنة، لقي بعضهم بعضا فلم يفر أحد من أحد.
خروج الخوارج
وذلك أن الأشعث بن قيس مر على ملأ من بنى تميم فقرأ عليهم الكتاب فقام إليه عروة بن أذينة وهي أمه وهو عروة بن جرير من بنى ربيعة بن حنظلة وهو أخو أبى بلال بن مرداس بن جرير فقال: أتحكمون في دين الله الرجال؟ ثم ضرب بسيفه عجز دابة الأشعث بن قيس، فغضب الأشعث وقومه، وجاء الأحنف بن قيس وجماعة من رؤسائهم يعتذرون إلى الأشعث بن قيس من ذلك،
стр. 2402
قال الهيثم بن عدي: والخوارج يزعمون أن أول من حكم عبد الله بن وهب الراسبي. قلت: والصحيح الأول وقد أخذ هذه الكلمة من هذا الرجل طوائف من أصحاب عليّ من القراء وقالوا: لا حكم إلا لله، فسموا المحكية. وتفرق الناس إلى بلادهم من صفين، وخرج معاوية إلى دمشق بأصحابه،
ورجع على إلى الكوفة على طريق هيت فلما دخل الكوفة سمع رجلا يقول: ذهب على ورجع في غير شيء.
فقال على: للذين فارقناهم خير من هؤلاء وأنشأ يقول:
أخوك الّذي إن أحرجتك ملمة … من الدهر لم يبرح لبثك راحما
وليس أخوك بالذي إن تشعبت … عليك أمور ظل يلحاك لائما
ثم مضى فجعل يذكر الله حتى دخل قصر الامارة من الكوفة، ولما كان قد قارب دخول الكوفة اعتزل من جيشه قريب من - اثنى عشر ألفا - وهم الخوارج، وأبوا أن يساكنوه في بلده، ونزلوا بمكان يقال له حروراء وأنكروا عليه أشياء فيما يزعمون أنه ارتكبها، فبعث إليهم على ﵁ عبد الله بن عباس فناظرهم فرجع أكثرهم وبقي بقيتهم، فقاتلهم على بن أبى طالب وأصحابه كما سيأتي بيانه وتفصيله قريبا إن شاء الله تعالى. والمقصود أن هؤلاء الخوارج هم المشار إليهم في الحديث المتفق على صحته
أن رسول الله ﷺ : «قال تمرق مارقة على حين فرقة من الناس - وفي رواية من المسلمين، وفي رواية من أمتى - فيقتلها أولى الطائفتين». وهذا الحديث له طرق متعددة وألفاظ كثيرة
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع وعفان بن القاسم بن الفضل عن أبى نضرة عن أبى سعيد.
قال قال رسول الله ﷺ : «تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين تقتلهم أولى الطائفتين بالحق» رواه مسلم عن شيبان بن فروخ عن القاسم بن محمد به.
وقال أحمد: حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ عن رسول الله ﷺ «تكون أمتى فرقتين تخرج بينهما مارقة تلى قتلها أولاهما» ورواه مسلم من حديث قتادة وداود بن أبى هند عن أبى نضرة به.
وقال احمد: حدثنا ابن أبى عدي عن سليمان عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ «ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس، سيماهم التحليق هم شر الخلق - أو من شر الخلق - يقتلهم أدنى الطائفتين من الحق» قال أبو سعيد: فأنتم قتلتموهم يا أهل العراق.
وقال أحمد: حدثنا محمد بن جعفر ثنا عوف عن أبى نضرة عن أبى سعيد الخدريّ. قال قال رسول الله ﷺ : «تفترق أمتى فرقتين فتمرق بينهما مارقة فيقتلها أولى الطائفتين بالحق» ورواه عن يحيى القطان عن عوف وهو الأعرابي به مثله فهذه طرق متعددة عن أبى نضرة المنذر بن مالك بن قطعة العبديّ، وهو أحد الثقات الرفعاء ورواه مسلم أيضا من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد بنحوه.
стр. 2403
فهذا الحديث من دلائل النبوة إذ قد وقع الأمر طبق ما أخبر به ﵊، وفيه الحكم بإسلام الطائفتين أهل الشام وأهل العراق، لا كما يزعمه فرقة الرافضة والجهلة الطغام، من تكفيرهم أهل الشام، وفيه أن أصحاب على أدنى الطائفتين إلى الحق، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة أن عليا هو المصيب وإن كان معاوية مجتهدا، وهو مأجور إن شاء الله، ولكن على هو الإمام فله أجران كما
ثبت في صحيح البخاري من حديث عمرو بن العاص أن رسول الله ﷺ قال:
«إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر» وسيأتي بيان كيفية قتال على ﵁ للخوارج، وصفة المخدج الّذي أخبر عنه ﵇ فوجد كما أخبر ففرح بذلك على ﵁ وسجد للشكر.
فصل
قد تقدم أن عليا ﵁ لما رجع من الشام بعد وقعة صفين، ذهب إلى الكوفة، فلما دخلها انعزل عنه طائفة من جيشه، قيل ستة عشر ألفا وقيل اثنى عشر ألفا، وقيل أقل من ذلك، فباينوه وخرجوا عليه وأنكروا أشياء، فبعث إليهم عبد الله بن عباس فناظرهم فيها ورد عليهم ما توهموه شبهة، ولم يكن له حقيقة في نفس الأمر، فرجع بعضهم واستمر بعضهم على ضلالهم حتى كان منهم ما سنورده قريبا، ويقال إن عليا ﵁ ذهب إليهم فناظرهم فيما نقموا عليه حتى استرجعهم عما كانوا عليه، ودخلوا معه الكوفة، ثم إنهم عاهدوا فنكثوا ما عاهدوا عليه وتعاهدوا فيما بينهم على القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والقيام على الناس في ذلك ثم تحيزوا إلى موضع يقال له النهروان، وهناك قاتلهم على كما سيأتي. قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى الطباع حدثني يحيى بن سليم عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الله بن عياض بن عمرو القارئ قال:
جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ونحن عندها مرجعه من العراق ليالي قبل على، فقالت له:
يا عبد الله بن شداد هل أنت صادقي عما أسألك عنه؟ فحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم على، فقال:
وما لي لا أصدقك؟ قالت: فحدثني عن قصتهم، قال: فان عليا لما كاتب معاوية وحكم الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة، وأنهم عتبوا عليه فقالوا: انسلخت من قميص ألبسكه الله، واسم سماك به الله ثم انطلقت فحكمت في دين الله ولا حكم إلا لله،
فلما أن بلغ عليا ما عتبوا عليه وفارقوه عليه، أمر فأذن مؤذن أن لا يدخل على أمير المؤمنين رجل إلا رجلا قد حمل القرآن، فلما أن امتلأت الدار من قراء الناس دعا بمصحف إمام عظيم فوضعه بين يديه فجعل يصكه بيده ويقول: أيها المصحف! حدث الناس فناداه الناس فقالوا:
стр. 2404
يا أمير المؤمنين ما تسأل عنه إنما هو مداد في ورق، ونحن نتكلم بما روينا منه، فماذا تريد؟ قال:
أصحابكم هؤلاء الذين خرجوا بيني وبينهم كتاب الله يقول الله تعالى في كتابه في امرأة ورجل:
﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقاقَ بَيْنِهِما فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِها إِنْ يُرِيدا إِصْلاحاً يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُما﴾ فأمة محمد ﷺ أعظم دما وحرمة من امرأة ورجل، ونقموا على أن كاتب معاوية كتبت على بن أبى طالب، وقد جاءنا سهيل بن عمرو ونحن مع رسول الله ﷺ بالحديبية حين صالح قومه قريشا فكتب رسول الله ﷺ بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أكتب بسم الله الرحمن الرحيم، قال: كيف تكتب؟ «قال أكتب باسمك اللهمّ! فقال رسول الله ﷺ اكتب فكتب، فقال:
اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال: لو أعلم أنك رسول الله لم أخالفك، فكتب هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله قريشا، يقول الله تعالى في كتابه ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ فبعث إليهم عبد الله بن عباس فخرجت معه حتى إذا توسطت عسكرهم فقام ابن الكواء فخطب الناس فقال يا حملة القرآن هذا عبد الله بن عباس فمن لم يكن يعرفه فأنا أعرفه ممن يخاصم في كتاب الله بما لا يعرفه، هذا ممن نزل فيه وفي قومه (بل هم قوم خصمون) فردوه إلى صاحبه ولا تواضعوه كتاب الله، فقال بعضهم: والله لنواضعنه فان جاء بحق نعرفه لنتبعنه وإن جاء بباطل لنكبتنه بباطله، فواضعوا عبد الله الكتاب ثلاثة أيام، فرجع منهم أربعة آلاف كلهم تائب، فيهم ابن الكواء، حتى أدخلهم على عليّ الكوفة، فبعث على إلى بقيتهم فقال: قد كان من أمرنا وأمر الناس ما قد رأيتم، فقفوا حيث شئتم حتى تجتمع أمة محمد ﷺ بيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما أو تقطعوا سبيلا أو تظلموا ذمة فإنكم إن فعلتم فقد نبذنا إليكم الحرب على سواء ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾ فقالت له عائشة: يا ابن شداد فقتلهم فقالوا والله ما بعثت إليهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدماء واستحلوا أهل الذمة، فقالت الله، قال: الله لا إله إلا هو قد كان ذلك! قالت: فما شيء بلغني عن أهل العراق يقولون ذو الثدي وذو الثدية؟ قال: قد رأيته وكنت مع على في القتلى فدعا الناس فقال: أتعرفون هذا؟ فما أكثر من جاء يقول: قد رأيته في مسجد بنى فلان، ورأيته في مسجد بنى فلان يصلى ولم يأتوا فيه بثبت يعرف إلا ذلك. قالت:
فما قول على حيث قام عليه كما يزعم أهل العراق؟ قال سمعته يقول صدق الله ورسوله قالت: هل سمعت منه أنه قال غير ذلك؟ قال: اللهمّ لا! قالت أجل! صدق الله ورسوله، يرحم الله عليا إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله، فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون عليه في الحديث تفرد به أحمد وإسناده صحيح واختاره الضياء ففي هذا السياق ما يقتضي أن عدتهم كانوا ثمانية آلاف، لكن من القراء، وقد يكون واطأهم على مذهبهم آخرون من غيرهم حتى بلغوا
стр. 2405
اثنى عشر ألفا، أو ستة عشر ألفا. ولما ناظرهم ابن عباس رجع منهم أربعة آلاف وبقي بقيتهم على ما هم عليه، وقد رواه يعقوب بن سفيان عن موسى بن مسعود عن عكرمة بن عمار عن سماك أبى زميل عن ابن عباس فذكر القصة وأنهم عتبوا عليه في كونه حكم الرجال، وأنه محى اسمه من الإمرة، وأنه غزا يوم الجمل فقتل الأنفس الحرام ولم يقسم الأموال والسبي، فأجاب عن الأولين بما تقدم، وعن الثالث بما قال: قد كان في السبي أم المؤمنين فان قلتم ليست لكم بأم فقد كفرتم، وإن استحللتم سبى أمهاتكم فقد كفرتم. قال: فرجع منهم ألفان وخرج سائرهم فتقاتلوا. وذكر غيره أن ابن عباس لبس حلة لما دخل عليهم، فناظروه في لبسه إياها، فاحتج بقوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ الآية. وذكر ابن جرير أن عليا خرج بنفسه إلى بقيتهم فلم يزل يناظرهم حتى رجعوا معه إلى الكوفة وذلك يوم عيد الفطر أو الأضحى شك الراويّ في ذلك، ثم جعلوا يعرضون له في الكلام ويسمعونه شتما ويتأولون بتأويل في قوله.
قال الشافعيّ ﵀: قال رجل من الخوارج لعلى وهو في الصلاة ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ فقرأ على ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ﴾.
وقد ذكر ابن جرير أن هذا كان وعلى في الخطبة.
وذكر ابن جرير أيضا أن عليا بينما هو يخطب يوما إذ قام إليه رجل من الخوارج فقال: يا على أشركت في دين الله الرجال ولا حكم إلا لله، فتنادوا من كل جانب لا حكم إلا لله، لا حكم إلا لله، فجعل على يقول: هذه كلمة حق يراد بها باطل، ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم فيئا ما دامت أيديكم معنا، وأن لا نمنعكم مساجد الله، وأن لا نبدأكم بالقتال حتى تبدءونا. ثم إنهم خرجوا بالكلية عن الكوفة وتحيزوا إلى النهروان على ما سنذكره بعد حكم الحكمين.
صفة اجتماع الحكمين أبى موسى وعمرو بن العاص ﵄ بدومة الجندل
وذلك في شهر رمضان كما تشارطوا عليه وقت التحكيم بصفين، وقال الواقدي اجتمعوا في شعبان، وذلك أن عليا ﵁ لما كان مجيء رمضان بعث أربعمائة فارس مع شريح بن هانئ، ومعهم أبو موسى، وعبد الله بن عباس، وإليه الصلاة وبعث معاوية عمرو بن العاص في أربعمائة فارس من أهل الشام ومنهم عبد الله بن عمر، فتوافوا بدومة الجندل بأذرح - وهي نصف [المسافة] بين الكوفة والشام، بينها وبين كل من البلدين تسع مراحل - وشهد معهم جماعة من رءوس الناس، كعبد الله ابن عمر، وعبد الله بن الزبير، والمغيرة بن شعبة، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي.
стр. 2406
وعبد الرحمن بن عبد يغوث الزهري وأبى جهم بن حذيفة. وزعم بعض الناس أن سعد بن أبى وقاص شهدهم أيضا، وأنكر حضوره آخرون. وقد ذكر ابن جرير أن عمر بن سعد خرج إلى أبيه وهو على ماء لبني سليم بالبادية معتزل: فقال يا أبة: قد بلغك ما كان من الناس بصفين، وقد حكم الناس أبا موسى الأشعري وعمرو بن العاص، وقد شهدهم نفر من قريش، فاشهدهم فإنك صاحب رسول الله ﷺ وأحد أصحاب الشورى ولم تدخل في شيء كرهته هذه الأمة فاحضر إنك أحق الناس بالخلافة. فقال: لا أفعل!
إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنه ستكون فتنة خير الناس فيها الخفى التقي» والله لا أشهد شيئا من هذا الأمر أبدا.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو بكر الحنفي عبد الكبير بن عبد المجيد ثنا بكر بن سمار عن عامر بن سعد أن أخاه عمر انطلق إلى سعد في غنم له خارجا من المدينة فلما رآه سعد قال: أعوذ بالله من شر هذا الراكب، فلما أتاه قال: يا أبة أرضيت أن تكون أعرابيا في غنمك والناس يتنازعون في الملك بالمدينة؟ فضرب سعد صدر عمرو قال: اسكت فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفى» وهكذا رواه مسلم في صحيحه.
وقال أحمد أيضا: حدثنا عبد الملك بن عمرو ثنا كثير بن زيد الأسلمي عن المطلب عن عمر بن سعد عن أبيه أنه جاءه ابنه عامر فقال: يا أبة: الناس يقاتلون على الدنيا وأنت هاهنا؟ فقال: يا بنى أفي الفتنة تأمرنى أن أكون رأسا؟ لا والله حتى أعطى سيفا إن ضربت به مؤمنا نبا عنه وإن ضربت به كافرا قتلته، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يحب الغنى الخفى التقى» وهذا السياق كان عكس الأول، والظاهر أن عمر بن سعد استعان بأخيه عامر على أبيه ليشير عليه أن يحضر أمر التحكيم لعلهم يعدلون عن معاوية وعلى ويولونه فامتنع سعد من ذلك وأباه أشد الإباء وقنع بما هو فيه من الكفاية والخفاء
كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: قد «أفلح من أسلم ورزق كفافا وقنعه الله بما آتاه» وكان عمر بن سعد هذا يحب الامارة، فلم يزل ذلك دأبه حتى كان هو أمير السرية التي قتلت الحسين بن على ﵁ كما سيأتي بيانه في موضعه، ولو قنع بما كان أبوه عليه لم يكن شيء من ذلك. وللمقصود أن سعدا لم يحضر أمر التحكيم ولا أراد ذلك ولا هم به، وإنما حضره من ذكرنا. فلما اجتمع الحكمان تراوضا على المصلحة للمسلمين، ونظرا في تقدير أمور ثم اتفقا على أن يعزلا عليا ومعاوية ثم يجعلا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على الأصلح لهم منهما أو من غيرهما، وقد أشار أبو موسى بتولية عبد الله بن عمر بن الخطاب، فقال له عمرو: فول ابني عبد الله فإنه يقاربه في العلم والعمل والزهد. فقال له أبو موسى: إنك قد غمست ابنك في الفتن معك، وهو مع ذلك رجل صدق.
قال أبو مخنف: فحدثني محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال قال عمرو بن العاص: إن هذا
стр. 2407
الأمر لا يصلحه إلا رجل له ضرس يأكل ويطعم. وكان ابن عمر فيه غفلة، فقال له ابن الزبير: افطن وانتبه، فقال ابن عمر: لا والله لا أرشو عليها شيئا أبدا، ثم قال: يا ابن العاص إن العرب قد أسندت إليك أمرها بعد ما تقارعت بالسيوف وتشاكت بالرماح، فلا تردنهم في فتنة مثلها أو أشد منها.
ثم إن عمرو بن العاص حاول أبا موسى على أن يقر معاوية وحده على الناس فأبى عليه، ثم حاوله ليكون ابنه عبد الله بن عمرو هو الخليفة، فأبى أيضا، وطلب أبو موسى من عمرو أن يوليا عبد الله بن عمر فامتنع عمرو أيضا، ثم اصطلحا على أن يخلعا معاوية وعليا ويتركا الأمر شورى بين الناس ليتفقوا على من يختاروه لأنفسهم، ثم جاءا إلى المجمع الّذي فيه الناس - وكان عمرو لا يتقدم بين يدي أبى موسى بل يقدمه في كل الأمور أدبا وإجلالا -، فقال له: يا أبا موسى قم فأعلم الناس بما اتفقنا عليه، فخطب أبو موسى الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم صلى على رسول الله ﷺ ثم قال: أيها الناس إنا قد نظرنا في أمر هذه الأمة فلم نر أمرا أصلح لها ولا ألم لشعثها من رأى اتفقت أنا وعمرو عليه، وهو أنا نخلع عليا ومعاوية ونترك الأمر شورى، وتستقبل الأمة هذا الأمر فيولوا عليهم من أحبوه، وإني قد خلعت عليا ومعاوية. ثم تنحى وجاء عمرو فقام مقامه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن هذا قد قال ما سمعتم، وإنه قد خلع صاحبه، وإني قد خلعته كما خلعه وأثبت صاحبي معاوية فإنه ولى عثمان بن عفان، والطالب بدمه، وهو أحق الناس بمقامه - وكان عمرو بن العاص رأى أن ترك الناس بلا إمام والحالة هذه يؤدى إلى مفسدة طويلة عريضة أربى مما الناس فيه من الاختلاف، فأقر معاوية لما رأى ذلك من المصلحة، والاجتهاد يخطئ ويصيب. ويقال إن أبا موسى تكلم معه بكلام فيه غلظة ورد عليه عمرو بن العاص مثله.
وذكر ابن جرير أن شريح بن هانئ - مقدم جيش على - وثب على عمرو بن العاص فضربه بالسوط وقام إليه ابن لعمرو فضربه بالسوط، وتفرق الناس في كل وجه إلى بلادهم، فأما عمرو وأصحابه فدخلوا على معاوية فسلموا عليه بتحية الخلافة، وأما أبو موسى فاستحيى من على فذهب إلى مكة، ورجع ابن عباس وشريح بن هانئ إلى على فأخبراه بما فعل أبو موسى وعمرو، فاستضعفوا رأى أبى موسى وعرفوا أنه لا يوازن عمرو بن العاص. فذكر أبو مخنف عن أبى حباب الكلبي أن عليا لما بلغه ما فعل عمرو كان يلعن في قنوته معاوية، وعمرو بن العاص، وأبا الأعور السلمي، وحبيب ابن مسلمة، والضحاك بن قيس وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، والوليد بن عتبة، فلما بلغ ذلك معاوية كان يلعن في قنوته عليا وحسنا وحسينا وابن عباس والأشتر النخعي، ولا يصح هذا والله أعلم. فأما الحديث الّذي قال البيهقي في الدلائل:
أخبرنا على بن أحمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار ثنا إسماعيل بن الفضل ثنا قتيبة بن سعيد عن جرير عن زكريا بن يحيى عن عبد الله
стр. 2408
ابن يزيد وحبيب بن يسار عن سويد بن غفلة قال: إني لأمشى مع على بشط الفرات فقال: قال رسول الله ﷺ : «إن بنى إسرائيل اختلفوا فلم يزل اختلافهم بينهم حتى بعثوا حكمين فضلا وأضلاّ، وإن هذه الأمة ستختلف فلا يزال اختلافهم بينهم حتى يبعثوا حكمين فيضلان ويضلان من أتبعهما» فإنه حديث منكر ورفعه موضوع والله أعلم. إذ لو كان هذا معلوما عند على لم يوافق على تحكيم الحكمين حتى لا يكون سببا لا ضلال الناس، كما نطق به هذا الحديث. وآفة هذا الحديث هو زكريا بن يحيى وهو الكندي الحميري الأعمى قال ابن معين ليس بشيء.
ذكر خروج الخوارج من الكوفة ومبارزتهم عليا ﵁ بالعداوة والمخالفة وقتال على إياهم وما ورد فيهم من الأحاديث
لما بعث على أبا موسى ومن معه من الجيش إلى دومة الجندل اشتد أمر الخوارج وبالغوا في النكير على عليّ وصرحوا بكفره، فجاء إليه رجلان منهم، وهما زرعة بن البرج الطائي، وحرقوص بن زهير السعدي فقالا: لا حكم إلا لله، فقال على: لا حكم إلا لله، فقال له حرقوص: تب من خطيئتك واذهب بنا إلى عدونا حتى نقاتلهم حتى نلقى ربنا. فقال على: قد أردتكم على ذلك فأبيتم، وقد كتبنا بيننا وبين القوم عهودا وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عاهَدْتُمْ﴾ الآية فقال له حرقوص:
ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه، فقال على: ما هو بذنب ولكنه عجز من الرأى، وقد تقدمت إليكم فيما كان منه، ونهيتكم عنه، فقال له زرعة بن البرج: أما والله يا على لئن لم تدع تحكيم الرجال في كتاب الله لأقاتلنك أطلب بذلك رحمة الله ورضوانه، فقال على: تبا لك ما أشقاك! كأنى بك قتيلا تسفى عليك الريح، فقال: وددت أن قد كان ذلك، فقال له على: إنك لو كنت محقا كان في الموت تعزية عن الدنيا، ولكن الشيطان قد استهواكم. فخرجا من عنده يحكمان وفشا فيهم ذلك، وجاهروا به الناس، وتعرضوا لعلى في خطبه وأسمعوه السب والشتم والتعريض بآيات من القرآن، وذلك أن عليا قام خطيبا في بعض الجمع فذكر أمر الخوارج فذمه وعابه. فقام جماعة منهم كل يقول لا حكم إلا لله، وقام رجل منهم وهو واضع إصبعه في أذنيه يقول: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾
فجعل على يقلب يديه هكذا وهكذا وهو على المنبر ويقول: حكم الله ننتظر فيكم. ثم قال: إن لكم علينا أن لا نمنعكم مساجدنا ما لم تخرجوا علينا ولا نمنعكم نصيبكم من هذا الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا، ولا تقاتلكم حتى تقاتلونا. وقال أبو مخنف عن عبد الملك عن أبى حرّة أن عليا لما بعث أبا موسى لإنفاذ الحكومة اجتمع الخوارج في منزل عبد الله بن وهب الراسبي فخطبهم خطبة بليغة زهدهم في هذه الدنيا ورغبهم في الآخرة والجنة،
стр. 2409
وحثهم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ثم قال: فاخرجوا بنا إخواننا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى جانب هذا السواد إلى بعض كور الجبال، أو بعض هذه المدائن، منكرين لهذه الأحكام الجائرة. ثم قام حرقوص بن زهير فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، فلا يدعونكم زينتها أو بهجتها إلى المقام بها، ولا تلتفت بكم عن طلب الحق وإنكار الظلم ف ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ فقال سنان بن حمزة الأسدي: يا قوم إن الرأى ما رأيتم، وإن الحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون بها وترجعون إليها، فبعثوا إلى زيد بن حصن الطائي - وكان من رءوسهم - فعرضوا عليه الإمارة فأبى، ثم عرضوها على حرقوص بن زهير فأبى، وعرضوها على حمزة بن سنان فأبى، وعرضوها على شريح بن أبى أوفى العبسيّ فأبى وعرضوها على عبد الله بن وهب الراسبي فقبلها وقال: أما والله لا أقبلها رغبة في الدنيا ولا أدعها فرقا من الموت. واجتمعوا أيضا في بيت زيد بن حصن الطائي السنبسي فخطبهم وحثهم على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وتلا عليهم آيات من القرآن منها قوله تعالى ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ وكذا التي بعدها وبعدها الظالمون الفاسقون ثم قال: فأشهد على أهل دعوتنا من أهل قبلتنا أنهم قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم الكتاب، وجاروا في القول والأعمال، وأن جهادهم حق على المؤمنين، فبكى رجل منهم يقال له عبد الله بن سخبرة السلمي، ثم حرض أولئك على الخروج على الناس، وقال في كلامه:
اضربوا وجوههم وجباههم بالسيوف حتى يطاع الرحمن الرحيم، فان أنتم ظفرتم وأطيع الله كما أردتم أثابكم ثواب المطيعين له العاملين بأمره - وإن قتلتم فأى شيء أفضل من المصير إلى رضوان الله وجنته؟ قلت: وهذا الضرب من الناس من أغرب أشكال بنى آدم، فسبحان من نوع خلقه كما أراد، وسبق في قدره العظيم. وما أحسن ما قال بعض السلف في الخوارج إنهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً﴾.
﴿* أُولئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وَلِقائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَزْناً﴾ والمقصود أن هؤلاء الجهلة الضلال، والأشقياء في الأقوال والأفعال، اجتمع رأيهم على الخروج من بين أظهر المسلمين، وتواطئوا على المسير إلى المدائن ليملكوها على الناس ويتحصنوا بها ويبعثوا إلى إخوانهم وأضرابهم - ممن هو على رأيهم ومذهبهم، من أهل البصرة وغيرها - فيوافوهم إليها. ويكون اجتماعهم عليها. فقال لهم زيد بن حصن الطائي: إن المدائن لا تقدرون عليها، فإن بها جيشا لا تطيقونه وسيمنعونها منكم، ولكن واعدوا إخوانكم إلى جسر نهر جوخى، ولا تخرجوا من الكوفة جماعات،
стр. 2410
ولكن أخرجوا وحدانا لئلا يفطن بكم، فكتبوا كتابا عاما إلى من هو على مذهبهم ومسلكهم من أهل البصرة وغيرها وبعثوا به إليهم ليوافوهم إلى النهر ليكونوا يدا واحدة على الناس، ثم خرجوا يتسللون وجدانا لئلا يعلم أحد بهم فيمنعوهم من الخروج فخرجوا من بين الآباء والأمهات والأخوال والخالات وفارقوا سائر القرابات، يعتقدون بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم أن هذا الأمر يرضى رب الأرض والسموات، ولم يعلموا أنه من أكبر الكبائر الموبقات، والعظائم والخطيئات، وأنه مما زينه لهم إبليس الشيطان الرجيم المطرود عن السموات الّذي نصب العداوة لأبينا آدم ثم لذريته ما دامت أرواحهم في أجسادهم مترددات، والله المسئول أن يعصمنا منه بحوله وقوته إنه مجيب الدعوات، وقد تدارك جماعة من الناس بعض أولادهم وإخوانهم فردوهم وأنبوهم ووبخوهم فمنهم من استمر على الاستقامة، ومنهم من فر بعد ذلك فلحق بالخوارج فخسر إلى يوم القيامة، وذهب الباقون إلى ذلك الموضع ووافى إليهم من كانوا كتبوا إليه من أهل البصرة وغيرها، واجتمع الجميع بالنهروان وصارت لهم شوكة ومنعة، وهم جند مستقلون وفيهم شجاعة وعندهم أنهم متقربون بذلك.
فهم لا يصطلى لهم بنار، ولا يطمع في أن يؤخذ منهم بثأر، وبالله المستعان. وقال أبو مخنف عن أبى روق عن الشعبي أن عليا لما خرجت الخوارج إلى النهروان وهرب أبو موسى إلى مكة، ورد ابن عباس إلى البصرة، قام في الناس بالكوفة خطيبا فقال: الحمد لله وإن أتى الدهر بالخطب الفادح، والحدثان الجليل الكادح، وأشهد أن لا إله غيره وأن محمدا رسول الله، أما بعد فان المعصية تشين وتسوء وتورث الحسرة، وتعقب الندم، وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين وفي هذه الحكومة بأمرى، ونحلتكم رأيي، فأبيتم إلا ما أردتم، فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن:
بذلت لهم نصحى بمنعرج اللوى … فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد
ثم تكلم فيما فعله الحكمان فرد عليهما ما حكما به وأنبهما، وقال ما فيه حط عليهما، ثم ندب الناس إلى الخروج إلى الجهاد في أهل الشام، وعين لهم يوم الاثنين يخرجون فيه، وكتب إلى ابن عباس والى البصرة يستنفر له الناس إلى الخروج إلى أهل الشام، وكتب إلى الخوارج يعلمهم أن الّذي حكم به الحكمان مردود عليهما، وأنه قد عزم على الذهاب إلى الشام، فهلموا حتى نجتمع على قتالهم. فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لربك، وإنما غضبت لنفسك وإن شهدت على نفسك بالكفر واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك، وإلا فقد نابذناك على سواء ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ﴾، فلما قرأ على كتابهم يئس منهم وعزم على الذهاب إلى أهل الشام ليناجزهم، وخرج من الكوفة إلى النخيلة في عسكر كثيف - خمسة وستين ألفا - وبعث إليه ابن عباس بثلاثة آلاف ومائتي فارس من أهل البصرة مع جارية بن قدامة ألف وخمسمائة، ومع أبى الأسود
стр. 2411
الدؤلي ألف وسبعمائة، فكمل جيش على في ثمانية وستين ألف فارس ومائتي فارس وقام على أمير المؤمنين خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر عند لقاء العدو، وهو عازم على الشام، فبينما هو كذلك إذ بلغه أن الخوارج قد عاثوا في الأرض فسادا وسفكوا الدماء وقطعوا السبل واستحلوا المحارم، وكان من جملة من قتلوه عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ ، أسروه وامرأته معه وهي حامل فقالوا: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ وانكم قد روعتمونى فقالوا: لا بأس عليك،
حدثنا ما سمعت من أبيك فقال: سمعت أبى يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الساعي» فاقتادوه بيده فبينما هو يسير معهم إذ لقي بعضهم خنزيرا لبعض أهل الذمة فضربه بعضهم فشق جلده فقال له آخر: لم فعلت هذا وهو لذمي؟ فذهب إلى ذلك الذمي فاستحله وأرضاه وبينا هو معهم إذ سقطت تمرة من نخلة فأخذها أحدهم فألقاها في فمه، فقال له آخر: بغير إذن ولا ثمن؟ فألقاها ذاك من فمه، ومع هذا قدموا عبد الله بن خباب فذبحوه، وجاءوا إلى امرأته فقالت: إني امرأة حبلى، ألا تتقون الله، فذبحوها وبقروا بطنها عن ولدها، فلما بلغ الناس هذا من صنيعهم خافوا إن هم ذهبوا إلى الشام واشتغلوا بقتال أهله أن يخلفهم هؤلاء في ذراريهم وديارهم بهذا الصنع، فخافوا غائلتهم، وأشاروا على عليّ بأن يبدأ بهؤلاء، ثم إذا فرغ منهم ذهب إلى أهل الشام بعد ذلك والناس آمنون من شر هؤلاء فاجتمع الرأى على هذا وفيه خيرة عظيمة لهم ولأهل الشام أيضا
فأرسل على إلى الخوارج رسولا من جهته وهو الحرب بن مرة العبديّ، فقال: أخبر لي خبرهم، واعلم لي أمرهم واكتب إلى به على الجلية، فلما قدم عليهم قتلوه ولم ينظروه، فلما بلغ ذلك عليا عزم على الذهاب إليهم أولا قبل أهل الشام.
ذكر مسير أمير المؤمنين على ﵁ إلى الخوارج
لما عزم على ومن معه من الجيش على البداءة بالخوارج، نادى مناديه في الناس بالرحيل فعبر الجسر فصلى ركعتين عنده ثم سلك على دير عبد الرحمن، ثم دير أبى موسى، ثم على شاطئ الفرات، فلقيه هنالك منجم فأشار عليه بوقت من النهار يسير فيه ولا يسير في غيره، فإنه يخشى عليه فخالفه على فسار على خلاف ما قال فأظفره الله،
وقال على: إنما أردت أن أبين للناس خطأه وخشيت أن يقول جاهل، إنما ظفر لكونه وافقه، وسلك عليّ ناحية الأنبار وبعث بين يديه قيس ابن سعد، وأمره أن يأتى المدائن وأن يتلقاه بنائبها سعد بن مسعود، وهو أخو عبد الله بن مسعود الثقفي - في جيش المدائن
فاجتمع الناس هنالك على على، وبعث إلى الخوارج: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم حتى أقتلهم ثم أنا تارككم وذاهب إلى العرب - يعنى أهل الشام - ثم لعل الله أن يقبل بقلوبكم ويردكم إلى خير مما أنتم عليه. فبعثوا إلى على يقولون: كلنا قتل إخوانكم ونحن
стр. 2412
مستحلون دماءهم ودماءكم. فتقدم إليهم قيس بن سعد بن عبادة فوعظهم فيما ارتكبوه من الأمر العظيم، والخطب الجسيم، فلم ينفع وكذلك أبو أيوب الأنصاري أنبهم ووبخهم فلم ينجع، وتقدم أمير المؤمنين على بن أبى طالب إليهم فوعظهم وخوفهم وحذرهم وأنذرهم وتوعدهم وقال: إنكم أنكرتم على أمرا أنتم دعوتموني إليه فنهيتكم عنه فلم تقبلوا وها أنا وأنتم فارجعوا إلى ما خرجتم منه ولا ترتكبوا محارم الله فإنكم قد سولت لكم أنفسكم أمرا تقتلون عليه المسلمين، والله لو قتلتم عليه دجاجة لكان عظيما عند الله، فكيف بدماء المسلمين؟ فلم يكن لهم جواب إلا أن تنادوا فيما بينهم أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيّئوا للقاء الرب ، الرواح الرواح إلى الجنة. وتقدموا فاصطفوا للقتال وتأهبوا للنزال فجعلوا على ميمنتهم زيد بن حصن الطائي السنبسي، وعلى الميسرة شريح بن أوفى، وعلى خيالتهم حمزة بن سنان، وعلى الرجالة حرقوص بن زهير السعدي. ووقفوا مقاتلين لعلى وأصحابه. وجعل على على ميمنته حجر بن عدي، وعلى الميسرة شبيث بن ربعي ومعقل بن قيس الرياحي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة الأنصاري، وعلى أهل المدينة - وكانوا في سبعمائة - قيس بن سعد بن عبادة،
وأمر عليّ أبا أيوب الأنصاري أن يرفع راية أمان للخوارج ويقول لهم: من جاء إلى هذه الراية فهو آمن، ومن انصرف إلى الكوفة والمدائن فهو آمن، إنه لا حاجة لنا فيكم إلا فيمن قتل إخواننا، فانصرف منهم طوائف كثيرون - وكانوا في أربعة آلاف - فلم يبق منهم إلا ألف أو أقل مع عبد الله بن وهب الراسبي، فزحفوا إلى على فقدّم على بين يديه الخيل وقدم منهم الرماة وصف الرجالة وراء الخيالة، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدؤكم، وأقبلت الخوارج يقولون: لا حكم إلا لله، الرواح الرواح إلى الجنة، فحملوا على الخيالة الذين قدمهم على، ففرقوهم حتى أخذت طائفة من الخيالة إلى الميمنة، وأخرى إلى الميسرة، فاستقبلتهم الرماة بالنبل، فرموا وجوههم، وعطفت عليهم الخيالة من الميمنة، والميسرة ونهض إليهم الرجال بالرماح والسيوف فأناموا الخوارج فصاروا صرعى تحت سنابك الخيول، وقتل أمراؤهم عبد الله بن وهب، وحرقوص بن زهير، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سخبرة السلمي، قبحهم الله. قال أبو أيوب: وطعنت رجلا من الخوارج بالرمح فأنفذته من ظهره وقلت له: أبشر يا عدو الله بالنار، فقال:
ستعلم أينا أينا أولى بها صليا. قالوا: ولم يقتل من أصحاب على إلا سبعة نفر
وجعل على يمشى بين القتلى منهم ويقول: بؤسا لكم! لقد ضركم من غركم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ومن غيرهم؟ قال: الشيطان وأنفس بالسوء أمارة، غرتهم بالأماني وزينت لهم المعاصي، ونبأتهم أنهم ظاهرون ثم أمر بالجرحى من بينهم فإذا هم أربعمائة، فسلمهم إلى قبائلهم ليداووهم، وقسم ما وجد من سلاح ومتاع لهم. وقال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: وحدثنا محمد بن قيس الأسدي ومنصور بن دينار عن عبد الملك
стр. 2413
ابن ميسرة عن النزال بن سبرة أن عليا لم يخمس ما أصاب من الخوارج يوم النهروان ولكن رده إلى أهله كله حتى كان آخر ذلك مرجل أتى به فرده. وقال أبو مخنف: حدثني عبد الملك بن أبى حرة أن عليا خرج في طلب ذي الثدية ومعه سليمان بن ثمامة الحنفي أبو حرة والريان بن صبرة بن هوذة فوجده الرياني في حفرة على جانب النهر في أربعين أو خمسين قتيلا، قال: فلما استخرج نظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع على منكبه كثدي المرأة له حلمة عليها شعرات سود، فإذا مدت امتدت حتى تحاذي يده الأخرى ثم تنزل فتعود إلى منكبه كثدي المرأة،
فلما رآه على قال: أما والله ما كذبت لولا أن تتكلوا على العمل لأخبرتكم بما قضى الله في قتالهم عارفا للحق. وقال الهيثم بن عدي في كتابه في الخوارج: وحدثني محمد بن ربيعة الأخنسي عن نافع بن مسلمة الأخنسي قال كان ذو الثدية رجلا من عرنة من بجيلة، وكان أسود شديد السواد، له ريح منتنة معروف في العسكر، وكان يرافقنا قبل ذلك وينازلنا وننازله. وحدثني أبو إسماعيل الحنفي عن الريان بن صبرة الحنفي. قال: شهدنا النهروان مع على، فلما وجد المخدج سجد سجدة طويلة. وحدثني سفيان الثوري عن محمد بن قيس الهمدانيّ عن رجل من قومه يكنى أبا موسى أن عليا لما وجد المخدج سجد سجدة طويلة.
وحدثني يونس بن أبى إسحاق حدثني إسماعيل عن حبة العرني. قال: لما أقبل أهل النهروان جهل الناس يقولون: الحمد لله يا أمير المؤمنين الّذي قطع دابرهم. فقال على: كلا والله إنهم لفي أصلاب الرجال وأرحام النساء، فإذا خرجوا من بين الشرايين فقل ما يلقون أحدا إلا ألبوا أن يظهروا عليه، قال:
وكان عبد الله بن وهب الراسبي قد قحلت مواضع السجود منه من شدة اجتهاده وكثرة السجود، وكان يقال له: ذو البينات. وروى الهيثم عن بعض الخوارج أنه قال: ما كان عبد الله بن وهب من بغضه عليا يسميه إلا الجاحد.
وقال الهيثم بن عدي: ثنا إسماعيل عن خالد عن علقمة بن عامر قال: سئل على عن أهل النهروان أمشركون هم؟ فقال: من الشرك فروا، قيل أفمنافقون؟ قال:
إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا: فقيل فماهم يا أمير المؤمنين؟ قال: إخواننا بغوا علينا فقاتلناهم ببغيهم علينا. فهذا ما أورده ابن جرير وغيره في هذا المقام.
ولنذكر الآن ما ورد فيهم من الأحاديث المرفوعة إلى رسول الله ﷺ
الحديث الأول:
عن على ﵁، ورواه عنه زيد بن وهب، وسويد بن غفلة، وطارق ابن زياد، وعبد الله بن شداد، وعبيد الله بن أبى رافع، وعبيدة بن عمرو السلماني، وكليب أبو عاصم، وأبو كثير وأبو مريم، وأبو موسى، وأبو وائل الوضى فهذه اثنتا عشرة طريقا إليه ستراها بأسانيدها وألفاظها ومثل هذا يبلغ حد التواتر.
стр. 2414
الطريق الأولى
قال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد ثنا عبد الرزاق عن همام ثنا عبد الملك ابن أبى سليمان ثنا سلمة بن كهيل حدثني زيد بن وهب الجهنيّ أنه كان في الجيش الذين كانوا مع الذين ساروا إلى الخوارج فقال على: يا أيها الناس إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتى يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم ﷺ لا تكلوا على العمل، وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد ليس لها ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض، فيذهبون إلى معاوية وأهل الشام ويتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم، وإني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله. قال سلمة: فذكر زيد بن وهب منزلا منزلا حتى مروا على قنطرة فلما التقينا - وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي - فقال لهم: ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم وكسروا جفونها فانى أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فرجعوا فوحشوا برماحهم وسلوا السيوف فشجرهم الناس برماحهم. قال: وقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان،
قال على: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه، فقام على بنفسه حتى أتى ناسا بعضهم إلى بعض، فقال: أخروه فوجدوه مما يلي الأرض فقال: أخروهم فوجدوهم مما يلي الأرض فكبر ثم قال: صدق الله وبلغ رسوله قال: فقام إليه عبيدة السلماني فقال: يا أمير المؤمنين والله الّذي لا إله إلا هو لسمعت هذا من رسول الله ﷺ إني والله الّذي لا إله إلا هو، فاستحلفه ثلاثا وهو يحلف له أنه سمعه من رسول الله ﷺ »، هذا لفظ مسلم، وقد رواه أبو داود عن الحسن بن على الخلال عن عبد الرزاق بنحوه.
طريق أخرى عن على
قال الامام أحمد: حدثنا وكيع ثنا الأعمش وعبد الرحمن عن سفيان عن الأعمش بن خيثمة عن سويد بن غفلة قال قال على: إذا حدثتكم عن رسول الله ﷺ فلأن أخر من السماء أحب إلى من أن أكذب عليه وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فان الحرب خدعة، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج قوم من أمتى في آخر الزمان أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم - قال عبد الرحمن لا يجاوز إيمانهم حناجرهم - يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا لمن قاتلهم عند الله يوم القيامة» وأخرجاه في الصحيحين من طرق عن الأعمش به.
стр. 2415
طريق أخرى
قال الامام أحمد: حدثنا أبو نعيم ثنا الوليد بن القاسم الهمدانيّ ثنا إسرائيل عن إبراهيم بن عبد الأعلى عن طارق بن زياد قال: سار على إلى النهروان قال الوليد في روايته: وخرجنا معه فقتل الخوارج فقال اطلبوا المخدج فان رسول الله ﷺ قال: «سيجيء قوم يتكلمون بكلمة الحق لا تجاوز حلوقهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية سيماهم أو فيهم رجل أسود مخدج اليد في يده شعرات سود، إن كان فيهم فقد قتلتم شر الناس، وإن لم يكن فيهم فقد قتلتم خير الناس.
قال الوليد، في روايته: فبكينا قال: إنا وجدنا المخدج فخررنا سجودا وخر على ساجدا معنا» تفرد به أحمد من هذا الوجه.
طريق أخرى
رواه عبد الله بن شداد عن على كما تقدم قريبا إيراده بطوله.
طريق أخرى عن على ﵁
قال مسلم: حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبد الأعلى ثنا عبد الله بن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج عن بشر بن سعيد عن عبيد الله بن أبى رافع مولى رسول الله أن الحرورية لما خرجت - وهو مع على بن أبى طالب - قالوا: لا حكم إلا لله، قال على: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف ناسا إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون: الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم - وأشار إلى خلقة - من أبغض خلق الله منهم أسود إحدى يديه طبي شاة أو حلمة ثدي» فلما قتلهم على بن أبى طالب قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال: ارجعوا فانظروا، فو الله ما كذبت ولا كذبت - مرتين أو ثلاثا - فوجدوه في خربة فأتوا به عليا حتى وضعوه بين يديه، قال عبيد الله: وأنا حاضر ذلك من أمرهم، وقول على فيهم، زاد يونس في روايته قال بكير:
وحدثني رجل عن ابن حنين أنه قال: رأيت ذلك الأسود. تفرد به مسلم.
طريق أخرى
قال أحمد: حدثنا إسماعيل ثنا أيوب عن محمد عن عبيدة عن على قال: ذكرت الخوارج عند على فقال: فيهم مخدج اليد أو مثدون اليد؟ - أو قال مودن اليد - ولولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ ، قال قلت: أنت سمعته من محمد؟ قال: إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة،
وقال أحمد: ثنا وكيع ثنا جرير بن حازم وأبو عمرو بن العلاء عن ابن سيرين سمعاه عن عبيدة عن على قال قال رسول الله ﷺ : «يخرج قوم فيهم رجل مودن اليد أو مثدون اليد أو مخدج اليد ولولا أن تبطروا لأنبأتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان
стр. 2416
نبيه ﷺ ، قال عبيدة قلت لعلى: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة
وقال أحمد: ثنا يزيد ثنا هشام عن محمد عن عبيدة قال قال على لأهل النهروان: فيهم رجل مثدون اليد أو مخدوج اليد، ولولا أن تبطروا لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قتلهم، قال عبيدة: فقلت لعلى: أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة، يحلف عليها ثلاثا.
وقال أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن أبى بن عون عن محمد قال قال عبيدة: لا أحدثك إلا ما سمعت منه، قال محمد، فحلف لنا عبيدة ثلاث مرات، وحلف له على قال قال: لولا أن تبطروا لأنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ قال: قلت أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، فيهم رجل مخدج اليد أو مثدون اليد أحسبه قال: أو مودن اليد. وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن علية وحماد بن زيد كلاهما عن أيوب وعن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدي عن ابن عون كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن على. وقد ذكرناه من طرق متعددة تفيد القطع عند كثيرين عن محمد بن سيرين.
وقد حلف على أنه سمعه من عبيدة وحلف عبيدة أنه سمعه من على أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، وقد قال على: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أكذب على رسول الله ﷺ .
طريق أخرى
قال عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل: حدثني إسماعيل أبو معمر ثنا عبد الله بن إدريس ثنا عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنت جالسا عند على إذ دخل رجل عليه ثياب السفر فاستأذن على على وهو يكلم الناس فشغل عنه فقال على: إني دخلت على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فقال:
«كيف أنت ويوم كذا وكذا؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: فقال قوم يخرجون من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل مخدج اليد كأن يديه يدي حبشية، أنشدكم بالله هل أخبرتكم أنه فيهم» فذكر الحديث بطوله، ثم رواه عبد الله ابن أحمد عن أبى خيثمة زهير بن حرب عن القاسم بن مالك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن على، فذكر نحوه إسناده جيد.
طريق أخرى
قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو القاسم الأزهري أنا على بن عبد الرحمن الكناني أنا محمد بن عبد الله بن عطاء عن سليمان الحضرميّ أنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أنا خالد ابن عبيد الله عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال قال أبو جحيفة: قال على حين فرغنا من الحرورية إن فيهم رجلا ليس في عضده عظم ثم عضده كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف، فالتمسوه فلم
стр. 2417
يجدوه قال: فما رأيت عليا جزع جزعا أشد من جزعه يومئذ، فقالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين، فقال: ويلكم ما اسم هذا المكان؟ قالوا: النهروان، قال: كذبتم إنه لفيهم، فثورنا القتلى فلم نجده فعدنا إليه فقلنا: يا أمير المؤمنين ما نجده، قال: ما اسم هذا المكان؟ قلنا: النهروان، قال: صدق الله ورسوله وكذبتم، إنه لفيهم فالتمسوه، فالتمسناه فوجدناه في ساقية فجئنا به فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم وعليها كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف.
طريق أخرى
قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم ثنا إسماعيل بن مسلم العبديّ ثنا أبو كثير مولى الأنصار قال: كنت مع سيدي مع على بن أبى طالب حيث قتل أهل النهروان، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال على: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ «قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون فيه أبدا حتى يرجع السهم على فوقه، وإن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد إحدى يديه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات فالتمسوه فانى أراه فيهم، فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى فأخرجوه فكبر على، فقال: الله أكبر! صدق الله ورسوله، وإنه لمتقلد قوسا له عربية فأخذها بيده فجعل يطعن بها في مخدجته ويقول: صدق الله ورسوله. وكبر الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدون» تفرد به أحمد.
طريق أخرى
قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو خيثمة ثنا شبابة بن سوار حدثني نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم ثنا على بن أبى طالب أن رسول الله ﷺ قال: «إن قوما يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم رجل مخدج» وقال أبو داود في سننه: حدثنا بشر بن خالد ثنا شبابة بن سوار عن نعيم بن حكيم عن أبى مريم قال: إن كان ذاك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه الليل والنهار، وكان فقيرا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام على مع الناس، وقد كسوته برنسا لي، قال أبو مريم: وكان المخدج يسمى نافعا ذا الثدية، ودان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعرات مثل سبالة السنور.
طريق أخرى
قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو على الروذباري أنا أبو محمد عبد الله بن عمرو ابن شوذب المقري الواسطي بها ثنا شعيب بن أيوب ثنا أبو الفضل بن دكين عن سفيان - هو الثوري - عن محمد بن قيس عن أبى موسى رجل من قومه قال: كنت مع على فجعل يقول: التمسوا المخدج فالتمسوه فلم يجدوه، قال: فأخذ يعرق ويقول: والله ما كذبت ولا كذبت، فوجدوه في نهر
стр. 2418
أود إليه فسجد.
طريق أخرى
قال أبو بكر البزار: حدثني محمد بن مثنى ومحمد بن معمر ثنا عبد الصمد ثنا سويد بن عبيد العجليّ ثنا أبو مؤمن. قال: شهدت على بن أبى طالب يوم قتل الحرورية وأنا مع مولاي فقال: انظروا فان فيهم رجلا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، وأخبرنى النبي ﷺ أنى صاحبه، فقلبوا القتلى فلم يجدوه، وقالوا: سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد، قال: ويلكم انظروا، قال أبو مؤمن: فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه فخر على ساجدا وقال: أبشروا قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو موسى عن على غير هذا الحديث.
طريق أخرى
قال البزار: حدثنا يوسف بن موسى ثنا إسحاق بن سليمان الرازيّ سمعت أبا سفيان عن حبيب ابن أبى ثابت قال: قلت لشقيق بن سلمة - يعنى أبا وائل - حدثني عن ذي الثدية، قال: لما قاتلناهم قال على: اطلبوا رجلا علامته كذا وكذا، فطلبناه فلم نجده، فبكى وقال: اطلبوه، فو الله ما كذبت ولا كذبت، قال: فطلبناه فلم نجده فبكى وقال: اطلبوه فو الله ما كذبت ولا كذبت، قال: فطلبناه فلم نجده قال: وركب بغلته الشهباء فطلبناه فوجدناه تحت بردي فلما رآه سجد. ثم قال البزار: لا نعلم روى حبيب عن شقيق عن على إلا هذا الحديث.
طريق أخرى
قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبيد الله بن عمرو القواريري ثنا حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة عن أبى الوضى قال: شهدت عليا حين قتل أهل النهروان قال: التمسوا المخدج: فطلبوه في القتلى فقالوا ليس نجده فقال: ارجعوا فالتمسوه فو الله ما كذبت ولا كذبت، فرجعوا فطلبوه فردد ذلك مرارا، كل ذلك يحلف بالله ما كذبت ولا كذبت، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين فاستخرجوه فجيء به، قال أبو الوضى: فكأني انظر إليه حبشي عليه ثدي قد طبق، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع» وقد رواه أبو داود عن محمد بن عبيد بن حساب عن حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة ثنا أبو الوضى - واسمه عباد بن نسيب - ولكنه اختصره
وقال عبد الله بن أحمد أيضا: حدثنا حجاج بن يوسف الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه أنه قال: كنا عائدين إلى الكوفة مع على بن أبى طالب.
فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاثا من حروراء شذ منا ناس كثيرون فذكرنا ذلك لعلى فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون فذكر الحديث بطوله قال: فحمد الله على بن أبى طالب وقال: إن خليلي أخبرنى أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع، فالتمسوه فلم يجدوه فأتيناه
стр. 2419
فقلنا: إنا لم نجده، فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا؟ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو هذا؟ فقال على: الله أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك، فقال على: ابن من؟
وقال عبد الله بن أحمد أيضا: حدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه قال: كنا عائدين إلى الكوفة مع على فذكر حديث المخدج قال على: «فو الله ما كذبت ولا كذبت ثلاثا، ثم قال على: أما أن خليلي أخبرنى بثلاثة إخوة من الجن هذا أكبرهم والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف» وهذا السياق فيه غرابة جدا. وقد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن؟ بل هو من الشياطين إما شياطين الانس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق والله تعالى أعلم. والمقصود أن هذه طرق متواترة عن على إذ قد روى من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ وإن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة ولكن معناها وأصلها الّذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يشك فيه عن على أنه رواه عن رسول الله ﷺ أنه أخبر عن صفة الخوارج وذي الثدية الّذي هو علامة عليهم. وقد روى ذلك من طريق جماعة من الصحابة غير على كما تراها بأسانيدها وألفاظها وبالله المستعان. وقد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورافع بن عمرو الغفاريّ، وسعد بن أبى وقاص، وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعلى، وأبو ذر، وعائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين.
وقد قدمنا حديث على بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة وصاحب القصة. ولنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج.
الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁
قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكير ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن ذر عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : «يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث - أو حدثاء - الأسنان، يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم فان في قتلهم أجرا عظيما عند الله لمن قتلهم» وقد رواه الترمذي عن أبى كريب وأخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وعبد الله بن عامر بن ذرارة ثلاثتهم عن أبى بكر بن عياش به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد.
стр. 2420
الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁
قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل ثنا سليمان التميمي ثنا أنس قال: ذكر لي أن نبي الله ﷺ قال - ولم أسمعه منه -: «إن فيكم فرقة يتعبدون ويدينون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية».
طريق أخرى
قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي حدثني قتادة عن أنس بن مالك وأبى سعيد قال أحمد وقد حدثنا أبو المغيرة فقال عن أنس عن أبى سعيد، ثم رجع أن النبي ﷺ قال:
«سيكون في أمتى اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، صيامه مع، وصيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال:
التحليق». وقد رواه أبو داود في سننه عن نصر بن عاصم الأنطاكي عن الوليد بن مسلم وقيس بن إسماعيل الحلبي كلاهما عن الأوزاعي عن قتادة وأبى سعيد عن أنس به. وأخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس وحده. وقد روى البزار من طريق أبى سفيان وأبو يعلى من طريق يزيد الرقاشيّ كلاهما عن أنس بن مالك حديثا في الخوارج قريبا من حديث أبى سعيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
الحديث الرابع عن جابر بن عبد الله ﵄
قال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى ثنا ابن شهاب عن يحيى بن سعيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ عام الجعرانة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس فقال رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية»
وقال أحمد: حدثنا على بن عياش ثنا إسماعيل بن عياش حدثني يحيى بن سعيد أخبرنى أبو الزبير قال: سمعت جابرا يقول: بصر عيني وسمع أذنى رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل فقال: «ويلك من يعدل إذا لم أكن أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: دعني أقتل هذا المنافق الخبيث، فقال رسول الله ﷺ : معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم،