← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

نبيه ﷺ ، قال عبيدة قلت لعلى: أنت سمعته من رسول الله ﷺ ؟ قال: إي ورب الكعبة إي ورب الكعبة وقال أحمد: ثنا يزيد ثنا هشام عن محمد عن عبيدة قال قال على لأهل النهروان: فيهم رجل مثدون اليد أو مخدوج اليد، ولولا أن تبطروا لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قتلهم، قال عبيدة: فقلت لعلى: أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة، يحلف عليها ثلاثا. وقال أحمد: ثنا ابن أبى عدي عن أبى بن عون عن محمد قال قال عبيدة: لا أحدثك إلا ما سمعت منه، قال محمد، فحلف لنا عبيدة ثلاث مرات، وحلف له على قال قال: لولا أن تبطروا لأنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد ﷺ قال: قلت أنت سمعته؟ قال: إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، إي ورب الكعبة، فيهم رجل مخدج اليد أو مثدون اليد أحسبه قال: أو مودن اليد. وقد رواه مسلم من حديث إسماعيل بن علية وحماد بن زيد كلاهما عن أيوب وعن محمد بن المثنى عن ابن أبى عدي عن ابن عون كلاهما عن محمد بن سيرين عن عبيدة عن على. وقد ذكرناه من طرق متعددة تفيد القطع عند كثيرين عن محمد بن سيرين. وقد حلف على أنه سمعه من عبيدة وحلف عبيدة أنه سمعه من على أنه سمعه من رسول الله ﷺ ، وقد قال على: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أكذب على رسول الله ﷺ . طريق أخرى قال عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل: حدثني إسماعيل أبو معمر ثنا عبد الله بن إدريس ثنا عاصم بن كليب عن أبيه قال: كنت جالسا عند على إذ دخل رجل عليه ثياب السفر فاستأذن على على وهو يكلم الناس فشغل عنه فقال على: إني دخلت على رسول الله ﷺ وعنده عائشة فقال: «كيف أنت ويوم كذا وكذا؟ فقلت: الله ورسوله أعلم. قال: فقال قوم يخرجون من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فيهم رجل مخدج اليد كأن يديه يدي حبشية، أنشدكم بالله هل أخبرتكم أنه فيهم» فذكر الحديث بطوله، ثم رواه عبد الله ابن أحمد عن أبى خيثمة زهير بن حرب عن القاسم بن مالك عن عاصم بن كليب عن أبيه عن على، فذكر نحوه إسناده جيد. طريق أخرى قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: أخبرنا أبو القاسم الأزهري أنا على بن عبد الرحمن الكناني أنا محمد بن عبد الله بن عطاء عن سليمان الحضرميّ أنا يحيى بن عبد الحميد الحماني أنا خالد ابن عبيد الله عن عطاء بن السائب عن ميسرة قال قال أبو جحيفة: قال على حين فرغنا من الحرورية إن فيهم رجلا ليس في عضده عظم ثم عضده كحلمة الثدي عليها شعرات طوال عقف، فالتمسوه فلم

стр. 2417

يجدوه قال: فما رأيت عليا جزع جزعا أشد من جزعه يومئذ، فقالوا: ما نجده يا أمير المؤمنين، فقال: ويلكم ما اسم هذا المكان؟ قالوا: النهروان، قال: كذبتم إنه لفيهم، فثورنا القتلى فلم نجده فعدنا إليه فقلنا: يا أمير المؤمنين ما نجده، قال: ما اسم هذا المكان؟ قلنا: النهروان، قال: صدق الله ورسوله وكذبتم، إنه لفيهم فالتمسوه، فالتمسناه فوجدناه في ساقية فجئنا به فنظرت إلى عضده ليس فيها عظم وعليها كحلمة ثدي المرأة عليها شعرات طوال عقف. طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا أبو سعيد مولى بنى هاشم ثنا إسماعيل بن مسلم العبديّ ثنا أبو كثير مولى الأنصار قال: كنت مع سيدي مع على بن أبى طالب حيث قتل أهل النهروان، فكأن الناس وجدوا في أنفسهم من قتلهم، فقال على: يا أيها الناس إن رسول الله ﷺ «قد حدثنا بأقوام يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يرجعون فيه أبدا حتى يرجع السهم على فوقه، وإن آية ذلك أن فيهم رجلا أسود مخدج اليد إحدى يديه كثدي المرأة، لها حلمة كحلمة ثدي المرأة، حوله سبع هلبات فالتمسوه فانى أراه فيهم، فالتمسوه فوجدوه إلى شفير النهر تحت القتلى فأخرجوه فكبر على، فقال: الله أكبر! صدق الله ورسوله، وإنه لمتقلد قوسا له عربية فأخذها بيده فجعل يطعن بها في مخدجته ويقول: صدق الله ورسوله. وكبر الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدون» تفرد به أحمد. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد: حدثنا أبو خيثمة ثنا شبابة بن سوار حدثني نعيم بن حكيم حدثني أبو مريم ثنا على بن أبى طالب أن رسول الله ﷺ قال: «إن قوما يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، علامتهم رجل مخدج» وقال أبو داود في سننه: حدثنا بشر بن خالد ثنا شبابة بن سوار عن نعيم بن حكيم عن أبى مريم قال: إن كان ذاك المخدج لمعنا يومئذ في المسجد نجالسه الليل والنهار، وكان فقيرا، ورأيته مع المساكين يشهد طعام على مع الناس، وقد كسوته برنسا لي، قال أبو مريم: وكان المخدج يسمى نافعا ذا الثدية، ودان في يده مثل ثدي المرأة، على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعرات مثل سبالة السنور. طريق أخرى قال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أخبرنا أبو على الروذباري أنا أبو محمد عبد الله بن عمرو ابن شوذب المقري الواسطي بها ثنا شعيب بن أيوب ثنا أبو الفضل بن دكين عن سفيان - هو الثوري - عن محمد بن قيس عن أبى موسى رجل من قومه قال: كنت مع على فجعل يقول: التمسوا المخدج فالتمسوه فلم يجدوه، قال: فأخذ يعرق ويقول: والله ما كذبت ولا كذبت، فوجدوه في نهر

стр. 2418

أود إليه فسجد. طريق أخرى قال أبو بكر البزار: حدثني محمد بن مثنى ومحمد بن معمر ثنا عبد الصمد ثنا سويد بن عبيد العجليّ ثنا أبو مؤمن. قال: شهدت على بن أبى طالب يوم قتل الحرورية وأنا مع مولاي فقال: انظروا فان فيهم رجلا إحدى يديه مثل ثدي المرأة، وأخبرنى النبي ﷺ أنى صاحبه، فقلبوا القتلى فلم يجدوه، وقالوا: سبعة نفر تحت النخلة لم نقلبهم بعد، قال: ويلكم انظروا، قال أبو مؤمن: فرأيت في رجليه حبلين يجرونه بهما حتى ألقوه بين يديه فخر على ساجدا وقال: أبشروا قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار، ثم قال البزار: لا نعلم روى أبو موسى عن على غير هذا الحديث. طريق أخرى قال البزار: حدثنا يوسف بن موسى ثنا إسحاق بن سليمان الرازيّ سمعت أبا سفيان عن حبيب ابن أبى ثابت قال: قلت لشقيق بن سلمة - يعنى أبا وائل - حدثني عن ذي الثدية، قال: لما قاتلناهم قال على: اطلبوا رجلا علامته كذا وكذا، فطلبناه فلم نجده، فبكى وقال: اطلبوه، فو الله ما كذبت ولا كذبت، قال: فطلبناه فلم نجده فبكى وقال: اطلبوه فو الله ما كذبت ولا كذبت، قال: فطلبناه فلم نجده قال: وركب بغلته الشهباء فطلبناه فوجدناه تحت بردي فلما رآه سجد. ثم قال البزار: لا نعلم روى حبيب عن شقيق عن على إلا هذا الحديث. طريق أخرى قال عبد الله بن أحمد: حدثني عبيد الله بن عمرو القواريري ثنا حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة عن أبى الوضى قال: شهدت عليا حين قتل أهل النهروان قال: التمسوا المخدج: فطلبوه في القتلى فقالوا ليس نجده فقال: ارجعوا فالتمسوه فو الله ما كذبت ولا كذبت، فرجعوا فطلبوه فردد ذلك مرارا، كل ذلك يحلف بالله ما كذبت ولا كذبت، فانطلقوا فوجدوه تحت القتلى في طين فاستخرجوه فجيء به، قال أبو الوضى: فكأني انظر إليه حبشي عليه ثدي قد طبق، إحدى يديه مثل ثدي المرأة، عليها شعرات مثل شعرات تكون على ذنب اليربوع» وقد رواه أبو داود عن محمد بن عبيد بن حساب عن حماد بن زيد ثنا جميل بن مرة ثنا أبو الوضى - واسمه عباد بن نسيب - ولكنه اختصره وقال عبد الله بن أحمد أيضا: حدثنا حجاج بن يوسف الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه أنه قال: كنا عائدين إلى الكوفة مع على بن أبى طالب. فلما بلغنا مسيرة ليلتين أو ثلاثا من حروراء شذ منا ناس كثيرون فذكرنا ذلك لعلى فقال: لا يهولنكم أمرهم فإنهم سيرجعون فذكر الحديث بطوله قال: فحمد الله على بن أبى طالب وقال: إن خليلي أخبرنى أن قائد هؤلاء رجل مخدج اليد على حلمة ثديه شعرات كأنهن ذنب اليربوع، فالتمسوه فلم يجدوه فأتيناه

стр. 2419

فقلنا: إنا لم نجده، فجعل يقول: اقلبوا ذا، اقلبوا ذا؟ حتى جاء رجل من أهل الكوفة فقال: هو هذا؟ فقال على: الله أكبر، لا يأتيكم أحد يخبركم من أبوه، فجعل الناس يقولون: هذا مالك، هذا مالك، فقال على: ابن من؟ وقال عبد الله بن أحمد أيضا: حدثني حجاج بن الشاعر حدثني عبد الصمد بن عبد الوارث ثنا يزيد بن أبى صالح أن أبا الوضى عبادا حدثه قال: كنا عائدين إلى الكوفة مع على فذكر حديث المخدج قال على: «فو الله ما كذبت ولا كذبت ثلاثا، ثم قال على: أما أن خليلي أخبرنى بثلاثة إخوة من الجن هذا أكبرهم والثاني له جمع كثير، والثالث فيه ضعف» وهذا السياق فيه غرابة جدا. وقد يمكن أن يكون ذو الثدية من الجن؟ بل هو من الشياطين إما شياطين الانس أو شياطين الجن، إن صح هذا السياق والله تعالى أعلم. والمقصود أن هذه طرق متواترة عن على إذ قد روى من طرق متعددة عن جماعة متباينة لا يمكن تواطؤهم على الكذب، فأصل القصة محفوظ وإن كان بعض الألفاظ وقع فيها اختلاف بين الرواة ولكن معناها وأصلها الّذي تواطأت الروايات عليه صحيح لا يشك فيه عن على أنه رواه عن رسول الله ﷺ أنه أخبر عن صفة الخوارج وذي الثدية الّذي هو علامة عليهم. وقد روى ذلك من طريق جماعة من الصحابة غير على كما تراها بأسانيدها وألفاظها وبالله المستعان. وقد رواه جماعة من الصحابة منهم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ورافع بن عمرو الغفاريّ، وسعد بن أبى وقاص، وأبو سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، وسهل بن حنيف، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن مسعود، وعلى، وأبو ذر، وعائشة أم المؤمنين ﵃ أجمعين. وقد قدمنا حديث على بطرقه لأنه أحد الخلفاء الأربعة وأحد العشرة وصاحب القصة. ولنذكر بعده حديث ابن مسعود لتقدم وفاته على وقعة الخوارج. الحديث الثاني عن ابن مسعود ﵁ قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن أبى بكير ثنا أبو بكر بن عياش عن عاصم عن ذر عن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : «يخرج قوم في آخر الزمان سفهاء الأحلام، أحداث - أو حدثاء - الأسنان، يقولون من خير قول الناس يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، فمن أدركهم فليقتلهم فان في قتلهم أجرا عظيما عند الله لمن قتلهم» وقد رواه الترمذي عن أبى كريب وأخرجه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وعبد الله بن عامر بن ذرارة ثلاثتهم عن أبى بكر بن عياش به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ابن مسعود مات قبل ظهور الخوارج بنحو من خمس سنين فخبره في ذلك من أقوى الأسانيد.

стр. 2420

الحديث الثالث عن أنس بن مالك ﵁ قال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل ثنا سليمان التميمي ثنا أنس قال: ذكر لي أن نبي الله ﷺ قال - ولم أسمعه منه -: «إن فيكم فرقة يتعبدون ويدينون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». طريق أخرى قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا الأوزاعي حدثني قتادة عن أنس بن مالك وأبى سعيد قال أحمد وقد حدثنا أبو المغيرة فقال عن أنس عن أبى سعيد، ثم رجع أن النبي ﷺ قال: «سيكون في أمتى اختلاف وفرقة قوم يحسنون القيل ويسيئون الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، صيامه مع، وصيامهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ثم لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم أو قتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء، من قاتلهم كان أولى بالله منهم، قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق». وقد رواه أبو داود في سننه عن نصر بن عاصم الأنطاكي عن الوليد بن مسلم وقيس بن إسماعيل الحلبي كلاهما عن الأوزاعي عن قتادة وأبى سعيد عن أنس به. وأخرجه أبو داود وابن ماجة من حديث عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن أنس وحده. وقد روى البزار من طريق أبى سفيان وأبو يعلى من طريق يزيد الرقاشيّ كلاهما عن أنس بن مالك حديثا في الخوارج قريبا من حديث أبى سعيد كما سيأتي إن شاء الله تعالى. الحديث الرابع عن جابر بن عبد الله ﵄ قال الامام أحمد: حدثنا حسن بن موسى ثنا ابن شهاب عن يحيى بن سعيد عن أبى الزبير عن جابر بن عبد الله قال: كنت مع رسول الله ﷺ عام الجعرانة وهو يقسم فضة في ثوب بلال للناس فقال رجل: يا رسول الله اعدل، فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت إن لم أكن أعدل، فقال عمر: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، أو تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية» وقال أحمد: حدثنا على بن عياش ثنا إسماعيل بن عياش حدثني يحيى بن سعيد أخبرنى أبو الزبير قال: سمعت جابرا يقول: بصر عيني وسمع أذنى رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل فقال: «ويلك من يعدل إذا لم أكن أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: دعني أقتل هذا المنافق الخبيث، فقال رسول الله ﷺ : معاذ الله أن يتحدث الناس أنى أقتل أصحابى، هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم،

стр. 2421

يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ثم رواه أحمد عن أبى المغيرة عن معاذ بن رفاعة ثنا أبو الزبير عن جابر بن عبد الله قال: لما قسم رسول الله ﷺ غنائم هوازن بالجعرانة قام رجل من بنى تميم فقال: اعدل يا محمد فقال: «ويلك ومن يعدل إن لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل قال: فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق؟ قال: معاذ الله أن يتسامع الأمم أن محمدا يقتل أصحابه، ثم قال رسول الله ﷺ : «إن هذا وأصحابا له يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» قال معاذ: فقال لي أبو الزبير: فعرضت هذا الحديث على الزهري فما خالفني فيه إلا أنه قال النضو وقلت القدح قال: ألست رجلا عربيا؟. وقد رواه مسلم عن محمد بن رمح عن الليث وعن محمد بن مثنى عن عبد الوهاب الثقفي وأخرجه النسائي من حديث الليث ومالك بن أنس كلهم عن يحيى بن سعيد الأنصاري به بنحوه حديث رافع بن عمرو الأنصاري مع حديث أبى ذر ﵄. الحديث الخامس عن سعد بن مالك بن أهيب الزهري وهو سعد بن أبى وقاص ﵁ قال يعقوب بن سفيان: حدثنا الحميدي ثنا سفيان - هو ابن عيينة - حدثني العلاء بن أبى عياش أنه سمع أبا الطفيل يحدث عن بكر بن قرواش عن سعد بن أبى وقاص قال: «ذكر رسول الله ﷺ ذا الثدية فقال: شيطان الردهة كراعى الخيل يحتذره رجل من بجيلة يقال له الأشهب أو ابن الأشهب علابة في قوم ظلمة» قال سفيان: فأخبرني عمار الذهبي أنه جاء رجل يقال له: الأشهب وقد روى هذا الحديث الإمام أحمد عن سفيان بن عيينة به مختصرا ولفظه «شيطان الردهة يحتذره رجل من بجيلة» تفرد به أحمد وحكى البخاري عن على بن المديني قال: لم أسمع بذكر بكر بن قرواش إلا في هذا الحديث. وروى يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن معاذ عن أبيه عن شعبة عن أبى إسحاق عن حامد الهمدانيّ قال: سمعت سعيد بن أبى وقاص يقول: «قتل على شيطان الردهة» قال الحافظ أبو بكر البيهقي: يريد والله أعلم قتله أصحاب على بأمره. وقال الهيثم بن عدي: حدثنا إسرائيل بن يونس عن جده أبى إسحاق السبيعي عن رجل قال: بلغ سعد بن أبى وقاص أن عليا بن أبى طالب قتل الخوارج فقال: قتل على بن أبى طالب شيطان الردهة. الحديث السادس عن أبى سعيد سعد بن مالك بن سنان الأنصاري ﵁ وله طرق عنه الأولى منها قال الإمام أحمد: حدثنا بكر بن عيسى ثنا جامع بن قطر الحبطى ثنا أبو روية شداد بن عمر

стр. 2422

العنسيّ عن أبى سعيد الخدريّ أن أبا بكر جاء إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله إني مررت بوادي كذا وكذا فإذا رجل متخشع حسن الهيئة يصلى، فقال له رسول الله ﷺ : «اذهب إليه فأقتله» قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه على تلك الحالة كره أن يقتله. فجاء إلى رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ لعمر: «اذهب إليه فأقتله» قال: فذهب عمر فرآه على تلك الحال التي رآه أبو بكر فكره أن يقتله فرجع فقال: يا رسول الله إني رأيته متخشعا فكرهت أن أقتله. قال: «يا على اذهب فأقتله» فذهب على فلم يره فرجع، فقال: يا رسول الله إني لم أره فقال رسول الله ﷺ «هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية لا يعودون فيه حتى يعود السهم في فوقه فاقتلوهم هم شر البرية» تفرد به أحمد. وقد روى البزار في مسندة من طريق الأعمش عن أبى سفيان عن أنس بن مالك وأبو يعلى عن أبى خيثمة عن عمر بن يونس عن عكرمة بن عمار وعن يزيد الرقاشيّ عن أنس من هذه القصة وأطول منها وفيها زيادات اخرى. * الطريق الثاني * قال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن الضحاك المشرقي عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ في حديث «ذكر قوما يخرجون على فرقة من الناس مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق» أخرجاه في الصحيحين كما سيأتي في ترجمة أبى سلمة عن أبى سعيد. الطريق الثالث قال الامام أحمد: ثنا وكيع ثنا عكرمة بن عمار ثنا عاصم بن شميخ عن أبى سعيد الخدريّ قال: كان رسول الله ﷺ إذا حلف فاجتهد في اليمين قال «والّذي نفس أبى القاسم بيده ليخرجن قوم من أمتى تحقرون أعمالكم عند أعمالهم يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية. قالوا: فهل من علامة يعرفون بها؟ قال: فيهم رجل ذو يدية أو ثدية محلقي رءوسهم» قال أبو سعيد: فحدثني عشرون أو بضع وعشرون من أصحاب النبي ﷺ ان عليا ولى قتلهم قال فرأيت أبا سعيد بعد ما كبر ويديه ترتعش ويقول: قتالهم عندي أحل من قتال عدتهم من الترك. وقد رواه أبو داود عن أحمد بن حنبل به. الطريق الرابع قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا سفيان عن أبيه عن ابن أبى نعيم عن أبى سعيد الخدريّ قال: «بعث على وهو باليمن إلى رسول الله ﷺ بذهبية في تربتها فقسمها رسول الله ﷺ بين الأقرع ابن حابس الحنظليّ ثم أحد بنى مجاشع، وبين عيينة بن بدر الفزاري وبين علقمة بن علاثة أو عامر ابن الطفيل أحد بنى كلاب، وبين زيد الخيل الطائي، ثم أحد بنى نبهان. قال: فغضبت قريش

стр. 2423

والأنصار قالوا تعطى صناديد أهل نجد وتدعنا؟ قال: إنما أتألفهم. قال: فأقبل رجل غائر العينين ناتئ الجبين كث اللحية مشرف الوجنتين محلوق الرأس فقال: يا محمد اتّق الله فقال: من يطيع الله إذا عصيته؟ يأمننى على أهل الأرض ولا تأمنونى، قال: فسأل رجل من القوم قتله النبي ﷺ أراه خالد بن الوليد - فمنعه، فلما ولى قال: إن من ضئضئ هذا قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان، لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد. رواه البخاري من حديث عبد الرزاق به، ثم رواه أحمد عن محمد ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع عن عبد الرحمن بن أبى نعم عن أبى سعيد وفيه الجزم بأن خالدا سأل أن يقتل ذلك الرجل، ولا ينافي سؤال عمر بن الخطاب. وهو في الصحيحين من حديث عمارة بن القعقاع من سيرته: وقال فيه إنه سيخرج من صلبه ونسله، لأن الخوارج الذين ذكرنا لم يكونوا من سلالة هذا، بل ولا أعلم أحدا منهم من نسله وإنما أراد من ضئضئ هذا أي من شكله وعلى صفته فالله أعلم. وهذا لرجل هو ذو الخويصرة التميمي وسماه بعضهم حرقوصا فالله أعلم. الطريق الخامس قال الإمام أحمد: ثنا عفان ثنا مهدي بن ميمون ثنا محمد بن سيرين عن معبد بن سيرين عن أبى سعيد عن النبي ﷺ قال: «يخرج أناس من قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه حتى يعود السهم على فوقه، قيل: ما سيماهم؟ قال: سيماهم التحليق أو التسبيد» ورواه البخاري عن أبى النعمان محمد بن الفضل عن مهدي بن ميمون به. الطريق السادس قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد ثنا سويد بن نجيح عن يزيد الفقير قال: قلت لأبى سعيد: إن منا رجالا هم أقرؤنا للقرآن، وأكثرنا صلاة وأوصلنا للرحم، وأكثرنا صوما، خرجوا علينا بأسيافهم. فقال أبو سعيد: سمعت النبي ﷺ يقول: «يخرج قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» تفرد به أحمد ولم يخرجوه في الكتب الستة ولا واحد منهم، وإسناده لا بأس به رجاله كلهم ثقات وسويد بن نجيح هذا مستور. الطريق السابع قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق ثنا معمر عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى سعيد قال بينا رسول الله ﷺ يقسم قسما إذ جاءه ابن ذي الخويصرة التميمي فقال: اعدل يا رسول الله. فقال: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله أتأذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: دعه فان له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون

стр. 2424

من الدين كما يمرق السهم من الرمية فينظر في قذذه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نضيه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في رضافه فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر في نصله فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم، آيتهم رجل أسود إحدى يديه مثل ثدي المرأة، أو مثل البضعة تدردر، يخرجون على حين فترة من الناس، فنزلت فيه (ومنهم من يلمزك في الصدقات) الآية» قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله ﷺ وأشهد أن عليا حين قتلهم وأنا معه جيء بالرجل على النعت الّذي نعت رسول الله ﷺ . ورواه البخاري عن أبى بكر بن أبى شيبة عن هشام بن يوسف عن معمر، ورواه البخاري من حديث شعبة، ومسلم من حديث يونس بن يزيد عن الزهري به، لكن في رواية مسلم عن حرملة وأحمد بن عبد الرحمن كلاهما عن ابن وهب عن يونس عن الزهري عن أبى سلمة، والضحاك الهمدانيّ عن أبى سعيد به. ثم رواه أحمد بن محمد بن مصعب عن الأوزاعي عن الزهري عن أبى سلمة والضحاك المشرقي عن أبى سعيد فذكر نحو ما تقدم من هذا السياق، وفيه أن عمر هو استأذن في قتله، وفيه «يخرجون على حين فرقة من الناس يقتلهم أولى الطائفتين بالله» قال أبو سعيد: فأشهد أنى سمعت هذا من رسول الله ﷺ ، وأنى شهدت عليا حين قتلهم، فالتمس في القتلى فوجد على النعت الّذي نعته رسول الله ﷺ . ورواه البخاري عن دحيم عن الوليد عن الأوزاعي كذلك. وقال أحمد: قرأت على عبد الرحمن بن مالك عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبى سعيد أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، وصيامكم مع صيامهم، وأعمالكم مع أعمالهم، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، ينظر في النصل فلا يرى شيئا، ثم ينظر في القدح فلا يرى شيئا، ثم ينظر في الريش فلا يرى شيئا ويتمارى في الفوق» قال عبد الرحمن: حدثنا به مالك - يعنى هذا الحديث - ورواه البخاري عن عبد الله بن يوسف عن مالك به. ورواه البخاري ومسلم عن محمد بن المثنى عن عبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن محمد بن إبراهيم عن أبى سلمة وعطاء بن يسار عن أبى سعيد به وقال أحمد: حدثنا يزيد أنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة قال: جاء رجل إلى أبى سعيد فقال: هل سمعت رسول الله ﷺ يذكر في الحرورية شيئا؟ فقال: سمعته يذكر قوما يتعمقون في الدين يحقر أحدكم صلاته عند صلاتهم، وصومه عند صومهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، أخذ سهمه فينظر في نصله فلم ير شيئا ثم ينظر في رضافه فلم ير شيئا، ثم ينظر في القذذ فيمارى هل يرى شيئا أم لا» ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة عن يزيد بن هارون به.

стр. 2425

الطريق الثامن قال الامام أحمد: حدثنا ابن أبى عدي عن سليمان عن أبى نضرة عن أبى سعيد أن رسول الله ﷺ «ذكر قوما يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم هم شر الخلق، ومن شر الخلق، تقتلهم أولى الطائفتين بالحق، قال: فضرب النبي ﷺ لهم مثلا - أو قال قولا - الرجل يرمى الرمية - أو قال الغرض - فينظر في النصل فلا يرى بصيرة، وينظر في النضي فلا يرى بصيرة، وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة» فقال أبو سعيد: وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق. وقد رواه عن محمد بن المثنى عن محمد بن أبى عدي عن سليمان - وهو ابن طرخان التيمي عن أبى نضرة واسمه المنذر بن مالك بن قطعة عن أبى سعيد الخدريّ بنحوه. الحديث الثامن عن سلمان الفارسي ﵁ قال الهيثم بن عدي ثنا سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال قال: جاء رجل إلى قوم فقال: لمن هذه الخباء؟ قالوا: لسلمان الفارسي، قال أفلا تنطلقون معى فيحدثنا ونسمع منه، فانطلق معه بعض القوم فقال: يا أبا عبد الله لو أدنيت خباك وكنت منا قريبا فحدثتنا وسمعنا منك؟ فقال: ومن أنت؟ قال: فلان بن فلان. قال سلمان: قد بلغني عنك معروف. بلغني أنك تخف في سبيل الله، وتقاتل العدو، وتخدم أصحاب رسول الله ﷺ ، فان اخطأتك واحدة أن تكون من هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله ﷺ . قالوا: فوجد ذلك الرجل قتيلا في أصحاب النهروان. الحديث التاسع عن سهل بن حنيف الأنصاري ﵁ قال الامام أحمد! حدثنا أبو النضر ثنا حزام بن إسماعيل العامري عن أبى إسحاق الشيباني عن بسر بن عمرو قال: دخلت على سهل بن حنيف فقلت حدثني ما سمعت من رسول الله ﷺ قال في الحرورية، قال: أحدثك ما سمعت من النبي ﷺ لا أزيدك عليه شيئا، سمعت رسول الله ﷺ «يذكر قوما يخرجون من هاهنا - وأشار بيده نحو العراق - يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» قال: قلت هل ذكر لهم علامة؟ قال: هذا ما سمعت لا أزيدك عليه. وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث عبد الواحد بن زياد ومسلم من حديث على ابن مسهر والعوام بن حوشب والنسائي من حديث محمد بن فضيل كلهم عن أبى إسحاق الشيباني به وقد رواه مسلم ثنا أبو بكر بن أبى شيبة ثنا على بن مسهر عن الشيباني عن بسر بن عمرو قال: سألت سهل بن حنيف سمعت رسول الله ﷺ يذكر الخوارج؟ فقال: سمعته - وأشار بيده نحو المشرق -

стр. 2426

قوم يقرءون القرآن بألسنتهم لا يعدو تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية حدثناه أبو كامل ثنا عبد الواحد ثنا سليمان الشيباني بهذا الاسناد وقال: «يخرج منه أقوام» حدثنا أبو بكر بن أبى شيبة وإسحاق جميعا عن يزيد قال أبو بكر: حدثنا يزيد بن هارون عن العوام بن حوشب ثنا أبو إسحاق الشيباني عن بسر بن عمرو عن سهل بن حنيف عن النبي ﷺ قال: فتنة قوم قبل المشرق محلقة رءوسهم. الحديث العاشر عن ابن عباس ﵁ قال الحافظ أبو بكر البزار: ثنا يوسف بن موسى ثنا الحسن بن الربيع ثنا أبو الأحوص عن سماك عن عكرمة عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ : «يقرأ القرآن أقوام من أمتى يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية». ورواه ابن ماجة عن أبى بكر بن أبى شيبة وسويد بن سعيد كلاهما عن أبى الأحوص باسناده مثله. الحديث الحادي عشر عن ابن عمر ﵁ قال الامام أحمد: حدثنا يزيد ثنا أبو حساب يحيى بن أبى حبة عن شهر بن حوشب قال: سمعت عبد الله بن عمر يقول: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من أمتى قوم يسيئون الأعمال يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم» قال يزيد: لا أعلمه إلا قال: «يحقر أحدكم عمله مع عملهم يقتلون أهل الإسلام فإذا خرجوا فاقتلوهم فطوبى لمن قتلهم وطوبى لمن قتلوه، كلما طلع منهم قرن قطعه الله كلما طلع منهم قرن قطعه الله، كلما طلع منهم قرن قطعه الله» فردد ذلك رسول الله ﷺ عشرين مرة أو أكثر وأنا أسمع. تفرد به أحمد من هذا الوجه. وقد ثبت من حديث سالم ونافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: «الفتنة من هاهنا من حيث يطلع قرن الشيطان - وأشار بيده نحو المشرق -». الحديث الثاني عشر عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق أنا معمر عن قتادة عن شهر بن حوشب قال: لما جاءتنا بيعة يزيد بن معاوية، قدمت الشام فأخبرت بمقام يقومه نوف البكالي، فجئته فجاء رجل فانتبذ الناس عليه خميصة فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص فلما رآه نوف أمسك عن الحديث فقال عبد الله: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنها ستكون هجرة بعد هجرة، ينحاز الناس إلى مهاجر إبراهيم، لا يبقى في الأرض إلا شرار أهلها، تلفظهم أرضهم، تقذرهم نفس الرحمن، تحشرهم النار مع القردة والخنازير، تبيت معهم إذا باتوا، وتقيل معهم إذا قالوا، وتأكل من تخلف -» قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول: «سيخرج ناس من أمتى قبل المشرق يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم كلما خرج منهم قرن قطع حتى عدها زيادة على عشر مرات، كلما خرج منهم قرن قطع حتى يخرج الدجال في

стр. 2427

بقيتهم» وقد روى أبو داود أوله في كتاب الجهاد من سننه عن القواريري عن معاذ بن هشام عن أبيه عن قتادة. وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود وحديث أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵄. الحديث الثالث عشر عن أبى ذر ﵁ قال مسلم بن الحجاج: حدثنا شيبان بن فروخ ثنا سليمان بن المغيرة ثنا حبيب بن هلال عن عبد الله بن الصامت عن أبى ذر. قال قال رسول الله ﷺ : «إن بعدي من أمتى - أو سيكون بعدي من أمتى - قوم يقرءون القرآن لا يجاوز حلاقيمهم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية لا يعودون فيه شر الخلق والخليقة قال ابن الصامت: فلقيت زلفع بن عمرو الغفاريّ أخا الحاكم الغفاريّ قال: ما حدث سمعت من أبى ذر كذا كذا؟ فقال: وأنا سمعته من رسول الله ﷺ . لم يروه البخاري. الحديث الرابع عشر عن أم المؤمنين عائشة ﵂ قال الحافظ البيهقي: أنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبى عمرو ثنا أبو العباس الأصم ثنا السري عن يحيى ثنا أحمد بن يونس ثنا على بن عباس عن حبيب بن مسلمة. قال قال على: «لقد علمت عائشة أن جيش المردة وأهل النهروان ملعونون على لسان محمد ﷺ » قال ابن عباس: جيش المشرق قتله عثمان ﵁ وقال الهيثم بن عدي: حدثني إسرائيل عن يونس عن جده أبى إسحاق السبيعي عن رجل عن عائشة قال: بلغها قتل على الخوارج فقالت: قتل على بن أبى طالب شيطان الردهة - تعنى المخدج - وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن عمارة بن صبيح ثنا سهل بن عامر البجلي ثنا أبو خالد عن مجالد عن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: ذكر رسول الله ﷺ الخوارج فقال: «شرار أمتى يقتلهم خيار أمتى» قال: وحدثناه إبراهيم بن سعيد ثنا حسين بن محمد ثنا سليمان بن قرم ثنا عطاء ابن السائب عن أبى الضحى عن مسروق عن عائشة عن النبي ﷺ فذكر نحوه قال: فرأيت عليا قتلهم وهم أصحاب النهروان. ثم قال البزار: لا نعلم روى عن عطاء عن أبى الضحى عن مسروق إلا هذا الحديث، ولا نعلم رواه عن عطاء إلا سليمان بن قرم وسليمان بن قرم قد تكلموا فيه لكن الاسناد الأول يشهد لهذا كما أن هذا يشهد للأول فهما متعاضدان، وهو غريب من حديث أم المؤمنين، وقد تقدم في حديث عبد الله بن شداد عن على ما يدل على أن عائشة استغربت حديث الخوارج ولا سيما خبر ذي الثدية كما تقدم، وإنما أوردنا هذه الطرق كلها ليعلم الواقف عليها أن ذلك حق وصدق وهو من أكبر دلالات النبوة، كما ذكره غير واحد من الأئمة فيها والله تعالى أعلم. وقال: سألت عائشة ﵂ بعد ذلك عن خبر ذي الثدية فتيقنته من طرق متعددة. وقال الحافظ أبو بكر البيهقي في الدلائل: أنا أبو عبد الله أنا الحسين بن الحسن بن عامر الكندي بالكوفة من أصل سماعه ثنا محمد بن صدقة الكاتب حدثني

стр. 2428

أحمد بن أبان فقرأت فيه حدثني الحسن بن عيينة، وعبد الله بن أبى السفر بن عامر الشعبي عن مسروق قالت عائشة: عندك علم عن ذي الثدية الّذي أصابه على في الحرورية: قلت! لا قالت: فاكتب لي بشهادة من شهدهم، فرجعت إلى الكوفة وبها يومئذ أسباع فكتبت شهادة عشرة من كل سبع ثم أتيتها بشهادتهم فقرأتها عليها، قالت: أكل هؤلاء عاينوه؟ قلت: لقد سألتهم فأخبروني بأن كلهم قد عاينوه، فقالت: لعن الله فلانا فإنه كتب إلى أنه أصابهم بنيل مصر ثم أرخت عينيها فبكت فلما سكنت عبرتها قالت: رحم الله عليا لقد كان على الحق، وما كان بيني وبينه إلا كما يكون بين المرأة وأحمائها. حديث آخر عن رجلين مبهمين من الصحابة في ذلك قال الهيثم بن عدي في كتاب الخوارج: حدثني سليمان بن المغيرة عن حبيب بن هلال قال: أقبل رجلان من أهل الحجاز حتى قدما العراق فقيل لهما: ما أقدمكما العراق؟ قالا: رجونا أن ندرك هؤلاء القوم الذين ذكرهم لنا رسول الله ﷺ ، فوجدنا على بن أبى طالب قد سبقنا إليهم - يعنيان أهل النهروان -. حديث في مدح على ﵁ على قتال الخوارج قبحهم الله قال الامام أحمد: حدثنا حسين بن محمد ثنا مطر عن إسماعيل بن رجاء بن ربيعة الزبيدي عن أبيه قال: سمعت أبا سعيد يقول: «كنا جلوسا ننتظر رسول الله ﷺ فخرج علينا من بيوت بعض نسائه قال فقمنا معه، فانقطعت نعله فتخلف عليها على يخصفها فمضى رسول الله ﷺ ومضينا معه ثم قام ينتظره وقمنا معه، فقال إن منكم من يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيل فاستشرف لها وفيهم أبو بكر، وعمر فقال: لا ولكنه خاصف النعل، قال: فجئنا نبشره قال: فكأنه قد سمعه» ورواه أحمد عن وكيع وأبى أسامة عن قطر بن خليفة فأما الحديث الّذي قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسماعيل بن موسى ثنا الربيع بن سهل عن سعيد بن عبيد عن على بن ربيعة قال: سمعت عليا على منبركم هذا يقول: «عهد إلى النبي ﷺ أن أقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين» وقد رواه أبو بكر بن المقرئ عن الجد بن عبادة البصري عن يعقوب بن عباد عن الربيع بن سهل الفزاري به، فإنه حديث غريب ومنكر، على أنه قد روى من طرق عن على وعن غيره ولا تخلو واحدة منها عن ضعف والمراد بالناكثين يعنى أهل الجمل وبالقاسطين أهل الشام وأما المارقون فالخوارج لأنهم مرقوا من الدين وقد رواه الحافظ أبو أحمد بن عدي في كامله عن أحمد بن حفص البغدادي عن سليمان بن يوسف عن عبيد الله بن موسى عن قطر عن حكيم بن جبير عن إبراهيم عن علقمة عن على قال: أمرت بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. وقال الحافظ: أبو بكر الخطيب

стр. 2429

البغدادي: أخبرنى الأزهري ثنا محمد بن المظفر ثنا محمد بن أحمد بن ثابت قال: وجدت في كتاب جدي محمد بن ثابت ثنا شعيب بن الحسن السلمي عن جعفر الأحمر عن يونس بن الأرقم عن أبان عن خليد المصري قال: سمعت عليا أمير المؤمنين يقول يوم النهروان: «أمرنى رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين» وقد رواه الحافظ أبو القاسم بن عساكر من حديث محمد بن فرج الجنديسابوري أنا هارون بن إسحاق ثنا أبو غسان عن جعفر - أحسبه الأحمر - عن عبد الجبار الهمدانيّ عن أنس بن عمرو عن أبيه عن على. قال: «أمرت بقتال ثلاثة المارقين والقاسطين والناكثين» وقال الحاكم أبو عبد الله أنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن غنم الحنظليّ بقنطرة بردان ثنا محمد بن الحسن بن عطية بن سعد العوفيّ حدثني أبى حدثني عمى عن عمرو بن عطية بن سعد عن أخيه الحسن بن عطية حدثني جدي سعد بن جنادة عن على ﵁ قال: أمرت بقتال ثلاثة، القاسطين، والناكثين، والمارقين. فأما القاسطون فأهل الشام، وأما الناكثون فذكرهم، وأما المارقون فأهل النهروان - يعنى الحرورية - وقال الحافظ ابن عساكر: أنا أبو القسم زاهر بن طاهر أنا أبو سعد الأديب أنا السيد أبو الحسن محمد بن على بن الحسين ثنا محمد بن أحمد الصوفي ثنا محمد بن عمرو الباهلي ثنا كثير بن يحيى ثنا أبو عوانة عن أبى الجارود عن زيد بن على بن الحسين بن على عن أبيه عن جده عن على قال: أمرنى رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين. حديث ابن مسعود في ذلك قال الحافظ: حدثنا الامام أبو بكر أحمد بن الحسن الفقيه أنا الحسن بن على ثنا زكريا بن يحيى الخراز المقرئ ثنا إسماعيل بن عباد المقرئ ثنا شريك عن منصور عن إبراهيم عن علقمة عن عن عبد الله قال: خرج رسول الله ﷺ فأتى منزل أم سلمة فجاء على فقال رسول الله ﷺ : «يا أم سلمة هذا والله قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين من بعدي». حديث أبى سعيد في ذلك قال الحاكم: حدثنا أبو جعفر محمد بن على بن دحيم الشيباني ثنا الحسين بن الحكم الحيريّ ثنا إسماعيل بن أبان ثنا إسحاق بن إبراهيم الأزدي عن أبى هارون العبديّ عن أبى سعيد الخدريّ قال: «أمرنا رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين فقلت: يا رسول الله! أمرتنا بقتال هؤلاء فمع من؟ فقال: مع على بن أبى طالب معه يقتل عمار بن ياسر». حديث أبى أيوب في ذلك قال الحاكم: أنا أبو الحسين على بن حماد المعدل ثنا إبراهيم بن الحسين بن ديزيل ثنا عبد العزيز

стр. 2430

ابن الخطاب ثنا محمد بن كثير عن الحرث بن خضيرة عن أبى صادق عن مخنف بن سليمان. قال: أتينا أبا أيوب فقلنا: قاتلت بسيفك المشركين مع رسول الله ﷺ ثم جئت تقاتل المسلمين؟ فقال: «أمرنى رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والمارقين والقاسطين» قال الحاكم: وحدثنا أبو بكر محمد ابن أحمد بن بالويه ثنا الحسن بن على بن شبيب العمرى ثنا محمد بن حميد ثنا سلمة بن الفضل حدثني أبو زيد الأموي عن عتاب بن ثعلبة في خلافة عمر بن الخطاب قال: «أمرنى رسول الله ﷺ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين مع على بن أبى طالب وقال الخطيب البغدادي: حدثنا الحسن بن على بن عبد الله المقرئ ثنا أحمد بن محمد بن يوسف ثنا محمد بن جعفر المطيري ثنا أحمد بن عبد الله المؤدب بسر من راى ثنا المعلى بن عبد الرحمن ببغداد ثنا شريك عن سليمان بن مهران عن الأعمش عن علقمة والأسود قالا: أتينا أبا أيوب الأنصاري عند منصرفه من صفين فقلنا له: يا أبا أيوب! إن الله أكرمك بنزول محمد ﷺ وبمجيء ناقته تفضلا من الله وإكراما لك حين أناخت ببابك دون الناس ثم جئت بسيفك على عاتقك تضرب به أهل لا إله إلا الله؟ فقال: يا هذا إن الرائد لا يكذب أهله، وإن رسول الله ﷺ أمرنا بقتال ثلاثة مع على، بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. فأما الناكثون فقد قاتلناهم وهم أهل الجمل، طلحة والزبير، وأما القاسطون فهذا منصرفنا من عندهم - يعنى معاوية وعمرا - وأما المارقون فهم أهل الطرفات وأهل السعيفات وأهل النخيلات وأهل النهروان، والله ما أدرى أين هم ولكن لا بد من قتالهم إن شاء الله. قال: وسمعت رسول الله ﷺ يقول لعمار: «يا عمار تقتلك الفئة الباغية وأنت مذ ذاك مع الحق والحق معك، يا عمار بن ياسر إن رأيت عليا قد سلك واديا وسلك الناس غيره فاسلك مع على فإنه لن يدليك في ردى ولن يخرجك من هدى، يا عمار من تقلد سيفا أعان به عليا على عدوه قلده الله يوم القيامة وشاحين من در، ومن تقلد سيفا أعان به عدو على عليه قلده الله يوم القيامة وشاحين من نار فقلنا: يا هذا! حسبك رحمك الله حسبك رحمك الله»، هذا السياق الظاهر أنه موضوع وآفته من جهة المعلى بن عبد الرحمن فإنه متروك الحديث. فصل قال الهيثم بن عدي في كتابه الّذي جمعه: في الخوارج وهو من أحسن ما صنف في ذلك قال: وذكر عيسى بن داب قال: لما انصرف على ﵁ من النهروان قام في الناس خطيبا فقال: بعد حمد الله والثناء عليه والصلاة على رسول الله ﷺ : أما بعد فان الله قد أعز نصركم فتوجهوا من فوركم هذا إلى عدوكم من أهل الشام فقاموا إليه فقالوا: يا أمير المؤمنين نفذت نبالنا وكلت سيوفنا

стр. 2431

ونصلت أسنتنا، فانصرف بنا إلى مصرنا حتى نستعد بأحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة من فارقنا وهلك منا فإنه أقوى لنا على عدونا - وكان الّذي تكلم بهذا الأشعث بن قيس الكندي فبايعهم وأقبل بالناس حتى نزل بالنخيلة وأمرهم أن يلزموا معسكرهم ويوطنوا أنفسهم على جهاد عدوهم ويقلوا زيارة نسائهم وأبنائهم، فأقاموا معه أياما متمسكين برأيه وقوله، ثم تسللوا حتى لم يبق منهم أحد إلا رءوس أصحابه، فقام على فيهم خطيبا فقال: الحمد لله فاطر الخلق وفالق الأصباح وناشر الموتى وباعث من في القبور، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأوصيكم بتقوى الله فان أفضل ما توسل به العبد الايمان والجهاد في سبيله وكلمة الإخلاص فإنها الفطرة، وإقام الصلاة، فإنها الملة، وإيتاء الزكاة فإنها من فريضته، وصوم شهر رمضان فإنه جنة من عذابه، وحج البيت فإنه منفاة للفقر مدحضة للذنب، وصلة الرحم فإنها مثراة في المال، منسأة في الأجل، محبة في الأهل، وصدقة السر فإنها تكفر الخطيئة وتطفئ غضب الرب، وصنع المعروف فإنه يدفع ميتة السوء ويقي مصارع الهول، أفيضوا في ذكر الله فإنه أحسن الذكر، وارغبوا فيما وعد المتقون فان وعد الله أصدق الوعد، واقتدوا بهدى نبيكم ﷺ فإنه أفضل الهدى، واستسنوا بسنته فإنها أفضل السنن، وتعلموا كتاب الله فأنه أفضل الحديث، وتفقهوا في الدين فإنه ربيع القلوب، واستشفوا بنوره فإنه شفاء لما في الصدور، وأحسنوا تلاوته فإنه أحسن القصص، وإذا قرئ عليكم فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون، وإذا هديتم لعلمه فاعملوا بما علمتم به لعلكم تهتدون، فان العالم العامل بغير علمه كالجاهل الجائر الّذي لا يستقيم عن جهله، بل قد رأيت أن الحجة أعظم، والحسرة أدوم على هذا العالم المنسلخ من علمه على هذا الجاهل المتحير في جهله، وكلاهما مضلل مثبور، لا ترتابوا فتشكوا، ولا تشكوا فتكفروا، ولا ترخصوا لأنفسكم فتذهلوا، ولا تذهلوا في الحق فتخسروا، ألا وان من الحزم أن تثقوا، ومن الثقة أن لا تغتروا، وإن أنصحكم لنفسه أطوعكم لربه وإن أغشكم لنفسه أعصاكم لربه، من يطع الله يأمن ويستبشر، ومن يعص الله يخف ويندم، ثم سلوا الله اليقين وارغبوا إليه في العافية، وخير ما دام في القلب اليقين، إن عوازم الأمور أفضلها، وإن محدثاتها شرارها وكل محدث بدعة وكل محدث مبتدع، ومن ابتدع فقد ضيع، وما أحدث محدث بدعة إلا ترك بها سنة، المغبون من غبن دينه، والمغبون من خسر نفسه، وإن الرياء من الشرك، وإن الإخلاص من العمل والايمان، ومجالس اللهو تنسى القرآن ويحضرها الشيطان، وتدعو إلى كل غى، ومجالسة النساء تزيغ القلوب وتطمح إليه الأبصار، وهي مصائد الشيطان، فأصدقوا الله فان الله مع من صدق وجانبوا الكذب فان الكذب مجانب للايمان ألا إن الصدق على شرف منجاة وكرامة، وإن الكذب على شرف ردى وهلكة، ألا وقولوا الحق تعرفوا به

стр. 2432

واعملوا به تكونوا من أهله، وأدوا الأمانة إلى من ائتمنكم، وصلوا أرحام من قطعكم وعودوا بالفضل على من حرمكم، وإذ عاهدتم فأوفوا، وإذا حكمتم فاعدلوا، ولا تفاخروا بالآباء، ولا تنابزوا بالألقاب، ولا نمازحوا، ولا يغضب بعضكم بعضا، وأعينوا الضعيف والمظلوم والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وارحموا الأرملة واليتيم، وأفشوا السلام وردوا التحية على أهلها بمثلها أو بأحسن منها ﴿وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَاِتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ﴾ وأكرموا الضيف، وأحسنوا إلى الجار، وعودوا المرضى، وشيعوا الجنائز، وكونوا عباد الله إخوانا، أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أظلت وأشرفت باطلاع، وان المضمار اليوم وغدا السباق وإن السبقة الجنة والغاية النار، ألا وإنكم في أيام مهل من ورائها أجل يحثه عجل، فمن أخلص لله عمله في أيام مهلة قبل حضور أجله فقد أحسن عمله ونال أمله، ومن قصر عن ذلك فقد خسر عمله وخاب أمله، وضره أمله، فاعملوا في الرغبة والرهبة فان نزلت بكم رغبة فاشكروا الله وأجمعوا معها رهبة، وإن نزلت بكم رهبة فاذكروا الله وأجمعوا معها رغبة، فان الله قد تأذن المسلمين بالحسنى، ولمن شكر بالزيادة، وإني لم أر مثل الجنة نام طالبها، ولا كالنار نام هاربها، ولا أكثر مكتسبا من شيء كسبه ليوم تدخر فيه الذخائر، وتبلى فيه السرائر، وتجتمع فيه الكبائر، وإنه من لا ينفعه الحق يضره الباطل، ومن لا يستقيم به الهدى يجر به الضلال، ومن لا ينفعه اليقين يضره الشك، ومن لا ينفعه حاضره فعازبه عنه أعور، وغائبة عنه أعجز: وإنكم قد أمرتم بالظعن ودللتم على الزاد، ألا وإن أخوف ما أخاف عليكم اثنان طول الأمل واتباع الهوى، فأما طول الأمل فينسى الآخرة، وأما اتباع الهوى فيبعد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ترحلت مدبرة، وإن الآخرة قد ترحلت مقبلة، ولهما بنون فكونوا من أبناء الآخرة إن استطعتم، ولا تكونوا من بنى الدنيا فان اليوم عمل ولا حساب وغدا حساب ولا عمل، وهذه خطبة بليغة نافعة جامعة للخير ناهية عن الشر. وقد روى لها شواهد من وجوه أخر متصلة ولله الحمد والمنة. وقد ذكر ابن جرير: أن عليا ﵁ لما نكل أهل العراق عن الذهاب إلى الشام خطبهم فوبخهم وأنبهم وتوعدهم وهددهم وتلا عليهم آيات في الجهاد من سور متفرقة، وحث على المسير إلى عدوهم فأبوا من ذلك وخالفوه ولم يوافقوه، واستمروا في بلادهم، وتفرقوا عنه هاهنا وهاهنا، فدخل على الكوفة فصل وقد ذكر الهيثم بن عدي أنه خرج على على بعد النهروان رجل يقال له: الحارث بن راشد الناجي، قدم مع أهل البصرة، فقال لعلى: إنك قد قاتلت أهل النهروان في كونهم أنكروا عليك

стр. 2433

قصة التحكيم وتزعم أنك قد أعطيت أهل الشام عهودك ومواثيقك، وأنك لست بناقضها، وهذان الحكمان قد اتفقا على خلعك ثم اختلفا في ولاية معاوية فولاه عمرو وامتنع أبو موسى من ذلك، فأنت مخلوع باتفاقهما، وأنا قد خلعتك وخلعت معاوية معك، وتبع الحارث هذا بشر كثير من قومه - بنى ناجية وغيرهم - وتحيزوا ناحية، فبعث إليهم على معقل بن قيس الرماحى في جيش كثيف فقتلهم معقل قتلا ذريعا وسبى من بنى ناجية خمسمائة أهل بيت فقدم بهم ليقدم بهم على على فتلقاه رجل يقال له: مصقلة بن هبيرة أبو المغلس - وكان عاملا لعلى على بعض الأقاليم - فتضرروا إليه وشكوا ما هم فيه من السبي، فاشتراهم مصقلة من معقل بخمسمائة ألف درهم وأعتقهم، فطالبه بالثمن فهرب منه إلى ابن عباس بالبصرة، فكتب معقل إلى ابن عباس فقال له مصقلة: إني انما جئت لأدفع ثمنهم إليك ثم هرب منه إلى على فكتب ابن عباس ومعقل إلى على فطالبه على فدفع من الثمن مائتي ألف ثم انشمر هاربا فلحق بمعاوية بن أبى سفيان بالشام، فأمضى على عتقهم وقال: ما بقي من المال في ذمة مصقلة؟ وأمر بداره في الكوفة فهدمت. وقد روى الهيثم عن سفيان الثوري وإسرائيل عن عمار الذهبي عن أبى الطفيل أن بنى ناجية ارتدوا فبعث إليهم: معقل بن قيس فسباهم فاشتراهم مصقلة من على بثلاثمائة ألف فأعتقهم ثم هرب إلى معاوية. قال الهيثم وهذا قول الشيعة ولم يسمع بحيي من العرب ارتد وأبعد الردة التي كانت في أيام الصديق. وقال الهيثم: حدثني عبد الله (١) بن تميم بن طرفة الطائي حدثني أبى أن عدي بن حاتم قال مرة لعلى بن أبى طالب وهو يخطب: قتلت أهل النهروان على انكار الحكومة، وقتلت الحريث بن راشد على مسألتهم إياك أيضا الحكومة، والله ما بينهما موضع قدم. فقال له على: اسكت إنما كنت أعرابيا تأكل الضبع بجبل طيِّئ بالأمس. فقال له عدي: وأنت والله قد رأيناك بالأمس تأكل البلح بالمدينة. قال الهيثم: ثم خرج على على رجل من أهل البصرة فقتل فأمر أصحابه عليهم الأشرس بن عوف الشيباني، فقتل هو وأصحابه، قال: ثم. خرج على على الأشهب بن بشر البجلي ثم أحد عرينة من أهل الكوفة فقتل هو وأصحابه. قال: ثم خرج على على سعيد بن نغد التميمي ثم من بنى ثعلبة من أهل الكوفة فقتل بقنطرة درزيجان فوق المدائن. قال الهيثم: أخبرنى بذلك عبد الله بن عياش عن مشيخته. فصل ذكر ابن جرير عن أبى مخنف لوط بن يحيى - وهو أحد أئمة هذا الشأن - أن قتال على للخوارج يوم النهروان، كان في هذه السنة - أعنى سنة سبع وثلاثين - قال ابن جرير: وأكثر أهل السير

стр. 2434

على أن ذلك كان في سنة ثمان وثلاثين وصححه ابن جرير، قلت: وهو الأشبه كما سننبه عليه في السنة الآتية إن شاء الله تعالى. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة - يعنى سنة سبع وثلاثين - عبيد الله بن عباس نائب عليّ على اليمن ومخالفيها. وكان نائب مكة قثم بن العباس، وعلى المدينة تمام بن عباس، وقيل سهل بن حنيف، وعلى البصرة عبد الله بن عباس، وعلى قضائها أبو الأسود الدؤلي، وعلى مصر محمد بن أبى بكر، وعلى بن أبى طالب أمير المؤمنين مقيم بالكوفة، ومعاوية بن أبى سفيان مستحوذ على الشام. قلت: ومن نيته أن يأخذ مصر من محمد بن أبى بكر. ذكر من توفى فيها من الأعيان خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة كان قد أصابه سبى في الجاهلية فاشترته أنمار الخزاعية التي كانت تختن النساء، وهي أم سباع بن عبد العزى الّذي قتله حمزة يوم أحد وحالف بنى زهرة، أسلم خباب قديما قبل دار الأرقم، وكان ممن يؤذى في الله فيصبر ويحتسب، وهاجر وشهد بدرا وما بعدها من المشاهد. قال الشعبي: دخل يوما على عمر فأكرم مجلسه وقال: ما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا بلال. فقال: يا أمير المؤمنين إن بلالا كان يؤذى وكان له من يمنعه، وإني كنت لا ناصر لي والله لقد سلقوني يوما في نار أججوها ووضع رجل رجله على صدري فما اتقيت الأرض إلا بظهرى، ثم كشف عن ظهره فإذا هو برص ﵁، ولما مرض دخل عليه أناس من الصحابة يعودونه فقالوا: أبشر غدا تلقى الأحبة محمدا وحزبه فقال: والله إن إخواني مضوا ولم يأكلوا من دنياهم شيئا، وإنا قد أينعت لنا ثمرتها فنحن نهد بها، فهذا الّذي يهمني. قال: وتوفى بالكوفة في هذه السنة عن ثلاث وستين سنة وهو أول من دفن بظاهر الكوفة. خزيمة بن ثابت ابن الفاكه بن ثعلبة بن ساعدة الأنصاري ذو الشهادتين وكانت راية بنى حطمة معه يوم الفتح، وشهد صفين مع على، وقتل يومئذ ﵁. سفينة مولى رسول الله ﷺ قد قدمنا ترجمته في الموالي المنسوبين إليه صلوات الله وسلامه عليه. عبد الله بن الأرقم بن أبى الأرقم أسلم عام الفتح وكتب بين يدي رسول الله ﷺ . وقد تقدم مع كتاب الوحي * عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، قتل يوم صفين وكان أمير الميمنة لعلى فصارت أمرتها للأشتر النخعي * عبد الله بن خباب بن الأرت. ولد في حياة النبي ﷺ وكان موصوفا بالخير، قتله الخوارج كما قدمنا بالنهروان في هذه السنة، فلما جاء على قال لهم: أعطونا قتلته ثم أنتم آمنون فقالوا: كلنا قتله فقاتلهم * عبد الله بن سعد بن أبى سرح: أحد كتاب الوحي أيضا، أسلم قديما وكتب الوحي

стр. 2435

ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام عام الفتح واستأمن له عثمان - وكان أخاه لأمه - وحسن إسلامه وقد ولاه عثمان نيابة مصر بعد موت عمرو بن العاص، فغزا إفريقية وبلاد النوبة، وفتح الأندلس وغزا ذات الصواري مع الروم في البحر فقتل منهم ما صبغ وجه الماء من الدماء، ثم لما حصر عثمان تغلب عليه محمد بن أبى حذيفة وأخرجه من مصر فمات في هذه السنة وهو معتزل عليا ومعاوية، في صلاة الفجر بين التسليمتين ﵁. عمار بن ياسر أبو اليقظان العبسيّ من عبس اليمن، وهو حليف بنى مخزوم، أسلم قديما وكان ممن يعذب في الله هو وأبوه وأمه سمية، ويقال إنه أول من اتخذ مسجدا في بيته يتعبد فيه، وقد شهد بدرا وما بعدها وقد قدمنا كيفية مقتله يوم صفين وأن رسول الله ﷺ قال: «تقتلك الفئة الباغية» وروى الترمذي من حديث الحسن عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: «إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة، على وعمار وسلمان» وفي الحديث الآخر الّذي رواه الثوري وقيس بن الربيع وشريك القاضي وغيرهم عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على أن عمارا استأذن على رسول الله ﷺ فقال: «مرحبا بالطيب المطيب» وقال إبراهيم ابن الحسين: حدثنا يحيى حدثني نصر ثنا سفيان الثوري عن أبى الأعمش عن أبى عمار عن عمرو ابن شرحبيل عن رجل من أصحاب رسول الله أن رسول الله ﷺ قال: «لقد ملئ عمار إيمانا من قدمه إلى مشاشه» وحدثنا يحيى بن معلى عن الأعمش عن مسلم عن مسروق عن عائشة أنها قالت: «ما من أحد من أصحاب رسول الله ﷺ أشاء أن أقول فيه إلا عمار بن ياسر فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن عمار بن ياسر حشى ما بين أخمص قدميه إلى شحمة أذنه إيمانا» وحدثنا يحيى ثنا عمرو بن عون أنا هشيم عن العوام بن حوشب عن سلمة بن كهيل عن علقمة قال: أتيت أهل الشام فلقيت خالد بن الوليد فحدثني قال: كان بيني وبين عمار بن ياسر كلام في شيء فشكاني إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا خالد! لا تؤذ عمارا فإنه من يبغض عمارا يبغضه الله، ومن يعاد عمارا يعاده الله «قال: فعرضت له بعد ذلك فسللت ما في نفسه. وله أحاديث كثيرة في فضائله ﵁ قتل بصفين عن إحدى وقيل ثلاث وقيل أربع وتسعين سنة طعنه أبو الغادية فسقط ثم أكب عليه رجل فاحتز رأسه، ثم اختصما إلى معاوية أيهما قتله فقال لهما عمرو بن العاص: اندرا فو الله إنكما لتختصمان في النار، فسمعها منه معاوية فلامه على تسميعه إياهما ذلك، فقال له عمرو: والله إنك لتعلم ذلك، ولوددت أنى مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة. قال الواقدي، حدثني الحسن بن الحسين بن عمارة عن أبى إسحاق عن عاصم أن عليا صلى عليه ولم يغسله وصلى معه على هاشم بن عتبة، فكان عمار مما يلي عليا، وهاشم إلى نحو القبلة. قالوا، وقبر هنالك، وكان آدم اللون، طويلا بعيدا ما بين

стр. 2436

المنكبين: أشهل العينين، رجلا لا يغير شيبة ﵁. الربيع بنت معوذ بن عفراء أسلمت قديما وكانت تخرج مع رسول الله ﷺ إلى الغزوات فتداوى الجرحى، وتسقى الماء للكلمى، وروت أحاديث كثيرة * وقد قتل في هذه السنة في أيام صفين خلق كثير وجم غفير، فقيل قتل من أهل الشام خمسة وأربعون ألفا ومن أهل العراق خمسة وعشرون ألفا. وقيل قتل من أهل العراق أربعون ألفا - من مائة وعشرين ألفا - وقتل من أهل الشام عشرون ألفا من ستين ألفا وبالجملة فقد كان فيهم أعيان ومشاهير يطول استقصاؤهم وفيما ذكرنا كفاية والله تعالى أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين فيها بعث معاوية عمرو بن العاص إلى ديار مصر فأخذها من محمد بن أبى بكر واستناب معاوية عمرا عليها، وذلك كما سنبينه، وقد كان على ﵁ استناب عليها قيس بن سعد بن عبادة وانتزعها من يد محمد بن أبى حذيفة حين كان استحوذ عليها ومنع عبد الله بن سعد بن أبى سرح من التصرف فيها، حين حصر عثمان - وقد كان عثمان استخلفه عليها وعزل عنها عمرو بن العاص - وعمرو كان هو الّذي افتتحها كما قدمنا ذكر ذلك. ثم إن عليا عزل قيس بن سعد عنها وولى عليها محمد بن أبى بكر وقد ندم على على عزل قيس بن سعد عنها، وذلك أنه كان كفوا لمعاوية وعمرو، ولما ولى محمد بن أبى بكر لم يكن فيه قوة تعادل معاوية وعمرا، وحين عزل قيس بن سعد عنها رجع إلى المدينة ثم سار إلى على بالعراق فكان معه، وكان معاوية يقول: والله لقيس بن سعد عند على أبغض إلى من مائة ألف مقاتل بدله عنده، فشهد معه صفين فلما فرغ على من صفين وبلغه أن أهل مصر قد استخفوا بمحمد بن أبى بكر لكونه شاب ابن ست وعشرين سنة أو نحو ذلك عزم على رد مصر إلى قيس بن سعد وكان قد جعله على شرطته أو إلى الأشتر النخعي وقد كان نائبة على الموصل ونصيبين، فكتب إليه بعد صفين فاستقدمه عليه ثم ولاه مصر، فلما بلغ معاوية تولية على للأشتر النخعي ديار مصر بدل محمد بن أبى بكر عظم ذلك عليه، وذلك أنه كان قد طمع في مصر واستنزاعها من يد محمد ابن أبى بكر، وعلم أن الأشتر سيمنعها منه لحزمه وشجاعته، فلما سار الأشتر إليها وانتهى إلى القلزم استقبله الخانسار وهو مقدم على الخراج فقدم إليه طعاما وسقاه شرابا من عسل فمات منه، فلما بلغ ذلك معاوية وعمرا، وأهل الشام قالوا: إن لله جنودا من عسل. وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن معاوية كان قد تقدم إلى هذا الرجل في أن يحتال على الأشتر ليقتله ووعده على ذلك بأمور ففعل ذلك، وفي هذا نظر، وبتقدير صحته فمعاوية يستجيز قتل الأشتر لأنه من قتلة عثمان ﵁. والمقصود أن معاوية وأهل الشام فرحوا فرحا شديدا بموت الأشتر النخعي، ولما بلغ ذلك عليا

стр. 2437

تأسف على شجاعته وغنائه، وكتب إلى محمد بن أبى بكر باستقراره واستمراره بديار مصر، غير أنه ضعف جأشه مع ما كان فيه من الخلاف عليه من العثمانية الذين ببلد خربتا وقد كانوا استفحل أمرهم حين انصرف على من صفين، وحين كان من أمر التحكيم ما كان، وحين نكل أهل العراق عن قتال أهل الشام، وقد كان أهل الشام حين انقضت الحكومة بدومة الجندل سلموا على معاوية بالخلافة وقوى أمرهم جدا، فعند ذلك جمع معاوية أمراءه عمرو بن العاص، وشرحبيل بن السمط وعبد الرحمن ابن خالد بن الوليد، والضحاك بن قيس، وبسر بن أبى أرطاة، وأبا الأعور السلمي، وحمزة بن سنان الهمدانيّ وغيرهم، فاستشارهم في المسير إلى ديار مصر فاستجابوا له وقالوا: سر حيث شئت فنحن معك، وعين معاوية نيابتها لعمرو بن العاص إذا فتحها ففرح بذلك عمرو بن العاص، ثم قال عمرو لمعاوية: أرى أن تبعث إليهم رجالا مع رجل مأمون عارف بالحرب، فان بها جماعة ممن يوالي عثمان فيساعدونه على حرب من خالفهم، فقال معاوية: لكن أرى أن أبعث إلى شيعتنا ممن هنالك كتابا يعلمهم بقدومهم عليهم، ونبعث إلى مخالفينا كتابا ندعوهم فيه إلى الصلح. وقال معاوية: إنك يا عمرو رجل بورك لك في العجلة وإني امرؤ بورك لي في التؤدة، فقال عمرو: افعل ما أراك الله، فو الله ما أمرك وأمرهم الا سيصير إلى الحرب العوان، فكتب عند ذلك معاوية إلى مسلمة بن مخلد الأنصاري، وإلى معاوية بن خديج السكونيّ - وهما رئيسا العثمانية ببلاد مصر ممن لم يبايع عليا ولم يأتمر بأمر نوابه بمصر في نحو من عشرة آلاف - يخبرهم بقدوم الجيش عليهم سريعا، وبعث به مع مولى له يقال له سبيع، فلما وصل الكتاب إلى مسلمة ومعاوية بن خديج فرحا به وردا جوابه بالاستبشار والمعاونة والمناصرة له ولمن يبعثه من الجيوش والجند والمدد إن شاء الله تعالى، فعند ذلك جهز معاوية عمرو بن العاص في ستة آلاف، وخرج معاوية مودعا وأوصاه بتقوى الله والرّفق والمهل والتؤدة، وإن يقتل من قاتل ويعفو عمن أدبر، وأن يدعو الناس إلى الصلح والجماعة، فإذا أنت ظهرت فليكن أنصارك آثر الناس عندك، فسار عمرو بن العاص إلى مصر، فلما قدمها اجتمعت عليه العثمانية فقادهم، وكتب عمرو بن العاص إلى محمد بن أبى بكر: أما بعد فتنح فانى لا أحب أن يصيبك منى ظفر، فان الناس قد اجتمعوا بهذه البلاد على خلافك ورفض أمرك، وندموا على اتباعك، فهم مسلموك لو قد التقت حلقتا البطان، فاخرج منها فانى لك لمن الناصحين والسلام. وبعث إليه عمرو أيضا بكتاب معاوية إليه: أما بعد فان غب البغي والظلم عظيم الوبال، وإن سفك الدم الحرام لا يسلم صاحبه من النقمة في الدنيا والتبعة الموبقة في الآخرة وإنا لا نعلم أحدا كان أشد خلافا على عثمان منك حين تطعن بمشاقصك بين حشاشته وأوداجه، ثم إنك تظن أنى عنك نائم أو ناس ذلك لك، حتى تأتى فتأمر على بلاد أنت بها جاري وجل أهلها أنصارى وقد بعثت إليك بجيوش يتقربون إلى الله

стр. 2438

بجهادك ولن يسلمك الله من القصاص أينما كنت والسلام. قال: فطوى محمد بن أبى بكر الكتابين وبعث بهما إلى على وأعلمه بقدوم عمرو إلى مصر في جيش من قبل معاوية، فان كانت لك بأرض مصر حاجة فابعث إلى بأموال ورجال والسلام. فكتب إليه يأمره بالصبر وبمجاهدة العدو، وأنه سيبعث إليه الرجال والأموال، ويمده بما أمكنه من الجيوش. وكتب محمد بن أبى بكر كتابا إلى معاوية في جواب ما قال وفيه غلظة، وكذلك كتب إلى عمرو بن العاص وفيه كلام غليظ وقام محمد ابن أبى بكر في الناس فخطبهم وحثهم على الجهاد ومناجزة من قصدهم من أهل الشام، وتقدم عمرو ابن العاص إلى مصر في جيوشه، ومن لحق به من العثمانية المصريين، والجميع في قريب من ستة عشر ألفا، وركب محمد بن أبى بكر في ألفى فارس الذين انتدبوا معه من المصريين وقدم على جيشه بين يديه كنانة بن بشر فجعل لا يلقاه أحد من الشاميين إلا قاتلهم حتى يلحقهم مغلوبين إلى عمرو ابن العاص، فبعث عمرو بن العاص إليه معاوية بن خديج فجاءه من ورائه وأقبل إليه الشاميون حتى أحاطوا به من كل جانب، فترجل عند ذلك كنانة وهو يتلو ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ كِتاباً مُؤَجَّلاً﴾ الآية، ثم قاتل حتى قتل وتفرق أصحاب محمد بن أبى بكر عنه ورجع يمشى فرأى خربة فآوى إليها ودخل عمرو بن العاص فسطاط مصر وذهب معاوية بن خديج في طلب محمد بن أبى بكر فمر بعلوج في الطريق فقال لهم: هل مر بكم أحد تستنكرونه؟ قالوا: لا! فقال رجل منهم: إني رأيت رجلا جالسا في هذه الخربة، فقال: هو هو ورب الكعبة: فدخلوا عليه فاستخرجوه منها - وقد كاد يموت عطشا - فانطلق أخوه عبد الرحمن بن أبى بكر إلى عمرو بن العاص - وكان قد قدم معه إلى مصر - فقال: أيقتل أخى صبرا؟ فبعث عمرو بن العاص إلى معاوية بن خديج أن يأتيه بمحمد بن أبى بكر ولا يقتله فقال معاوية: كلا والله، أيقتلون كنانة بن بشر وأترك محمد بن أبى بكر، وقد كان ممن قتل عثمان وقد سألهم عثمان الماء، وقد سألهم محمد بن أبى بكر أن يسقوه شربة من الماء فقال معاوية: لا سقاني الله إن سقيتك قطرة من الماء أبدا، إنكم منعتم عثمان أن يشرب الماء حتى قتلتموه صائما محرما فتلقاه الله بالرحيق المختوم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن محمد بن أبى بكر نال من معاوية بن خديج هذا ومن عمرو بن العاص ومن معاوية ومن عثمان بن عفان أيضا، فعند ذلك غضب معاوية بن خديج فقدمه فقتله ثم جعله في جيفة حمار فأحرقه بالنار، فلما بلغ ذلك عائشة جزعت عليه جزعا شديدا وضمت عياله إليها، وكان فيهم ابنه القاسم وجعلت تدعو على معاوية وعمرو بن العاص دبر الصلوات. وذكر الواقدي أن عمرو بن العاص قدم مصر في أربعة آلاف فيهم أبو الأعور السلمي فالتقوا مع المصريين بالمسناة فاقتتلوا قتالا شديدا حتى قتل كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي، فهرب عند

стр. 2439

ذلك محمد بن أبى بكر فاختبأ عند رجل يقال له جبلة بن مسروق، فدل عليه فجاء معاوية بن خديج وأصحابه فأحاطوا به فخرج إليهم محمد بن أبى بكر فقاتل حتى قتل. قال الواقدي: وكان ذلك في صفر من هذه السنة، قال الواقدي: ولما قتل محمد بن أبى بكر بعث على الأشتر النخعي إلى مصر فمات في الطريق فالله أعلم. قال: وكانت أدرخ في شعبان في هذه السنة أيضا، وكتب عمرو بن العاص إلى معاوية يخبره بما كان من الأمر وأن الله قد فتح عليه بلاد مصر ورجعوا إلى اسمع والطاعة واجتماع الجماعة، وبما عهد لهم من الأمر. وقد زعم هشام بن محمد الكلبي أن محمد بن أبى حذيفة بن عتبة مسك بعد مقتل محمد بن أبى بكر - وكان من جملة المحرضين على قتل عثمان - فبعثه عمرو بن العاص إلى معاوية ولم يبادر إلى قتله لأنه ابن خال معاوية، فحبسه معاوية بفلسطين فهرب من السجن، فلحقه رجل يقال له عبد الله بن عمرو بن ظلام بأرض البلقاء، فاختفى محمد بغار فجاءت حمر وحش لتأوى إليه فلما رأته فيه نفرت فتعجب من نفرها جماعة من الحصادين لك، فذهبوا إلى الغار فوجدوه فيه، فجاء أولئك إليه فخشي عبد الله بن عمرو بن ظلام أن يرده إلى معاوية فيعفو عنه، فضرب عنقه، هكذا ذكر ذلك ابن الكلبي. وقد ذكر الواقدي وغيره أن محمد بن أبى حذيفة قتل في سنة ست وثلاثين كما قدمنا فالله أعلم. وقال إبراهيم بن الحسين بن ديزيل في كتابه: ثنا عبد الله بن صالح حدثني ابن لهيعة عن يزيد ابن أبى حبيب أن عمرو بن العاص استحل مال قبطى من قبط مصر لأنه استقر عنده أنه كان يظهر الروم على عورات المسلمين - يكتب إليهم بذلك - فاستخرج منه بضعا وخمسين أردبا دنانير، قال أبو صالح: والإردب ست ويبات والويبة مثل القفيز واعتبرنا الويبة فوجدناها تسعا (١) وثلاثين ألف دينار، قلت: فعلى هذا يكون يبلغ ما كان أخذ من القبطي ما يقارب ثلاثة عشر ألف ألف دينار. قال أبو مخنف باسناده: ولما بلغ على بن أبى طالب مقتل محمد بن أبى بكر وما كان بمصر من الأمر، وتملك عمرو لها، واجتماع الناس عليه وعلى معاوية قام في الناس خطيبا فحثهم على الجهاد والصبر والمسير إلى أعدائهم من الشاميين والمصريين، وواعدهم الجرعة بين الكوفة والحيرة، فلما كان الغد خرج يمشى إليها حتى نزلها فلم يخرج إليه أحد من الجيش، فلما كان العشي بعث إلى أشراف الناس فدخلوا عليه وهو حزين كئيب فقام فيهم خطيبا فقال: الحمد لله على ما قضى من أمر وقدر من فعل وابتلاني بكم وبمن لا يطيع إذا أمرت، ولا يجيب إذا دعوت، أو ليس عجبا أن معاوية يدعو الجفاة الطغام فيتبعونه بغير عطاء ولا معونة، ويجيبونه في السنة مرتين والثلاث إلى أي وجه شاء؟ وأنا أدعوكم وأنتم أولو النهى وبقية الناس على المعونة وطائفة من العطاء فتفرقون عنى وتعصوننى وتختلفون على؟

стр. 2440

فقام إليه مالك بن كعب الأوسي فندب الناس إلى امتثال أمر على والسمع والطاعة له فانتدب ألفان فأمر عليهم مالك بن كعب هذا فسار بهم خمسا، ثم قدم على عليّ جماعة ممن كان مع محمد بن أبى بكر بمصر فأخبروه كيف وقع الأمر وكيف قتل محمد بن أبى بكر وكيف استقر أمر عمرو بها، فبعث إلى مالك بن كعب فرده من الطريق - وذلك أنه خشي عليهم من أهل الشام قبل وصولهم إلى مصر واستقر أمر العراقيين على مخالفة على فيما يأمرهم به وينهاهم عنه، والخروج عليه والبعد عن أحكامه وأقواله وأفعاله، لجهلهم وقلة عقلهم وجفائهم وغلظتهم وفجور كثير منهم، فكتب على عند ذلك إلى ابن عباس - وهو نائبة على البصرة - يشكو إليه ما يلقاه من الناس من المخالفة والمعاندة، فرد عليه ابن عباس يسليه في ذلك، ويعزيه في محمد بن أبى بكر ويحثه على تلافى الناس والصبر على مسيئهم، فان ثواب الله خير من الدنيا، ثم ركب ابن عباس من البصرة إلى على وهو بالكوفة واستخلف ابن عباس على البصرة زيادا، وفي هذا الحين بعث معاوية بن أبى سفيان كتابا مع عبد الله بن عمرو الحضرميّ إلى أهل البصرة يدعوهم إلى الإقرار بما حكم له عمرو بن العاص، فلما قدمها نزل على بنى تميم فأجاروه فنهض إليه زياد وبعث إليه أعين بن ضبيعة في جماعة من الناس فساروا إليهم فاقتتلوا فقتل أعين بن ضبيعة، فكتب زياد إلى على يعلمه بما وقع بالبصرة بعد خروج ابن عباس منها، فبعث عند ذلك على جارية بن قدامة التميمي في خمسين رجلا إلى قومه بنى تميم، وكتب معه كتابا إليهم فرجع أكثرهم عن ابن الحضرميّ وقصده جارية فحصره في دار هو وجماعة معه، قيل: كان عددهم أربعين، وقيل سبعين، فحرقهم بالنار بعد أن أعذر إليهم وأنذرهم فلم يقبلوا ولم يرجعوا عما جاءوا له. فصل وقد صحح ابن جرير أن قتال على لأهل النهروان كان في هذه السنة، وكذلك خروج الحريث ابن راشد الناجي كان في هذه السنة أيضا، وكان مع الحريث ثلاثمائة رجل من قومه بنى ناجية - وكان مع على بالكوفة - فجاء إلى على فقام بين يديه وقال: والله يا على لا أطيع أمرك ولا أصلى خلفك، إني لك غدا لمفارق. فقال له على: ثكلتك أمك إذا تعصى ربك وتنقض عهدك ولا تضر إلا نفسك، ولم تفعل ذلك؟ قال: لأنك حكمت في الكتاب وضعفت عن قيام الحق إذ جد الجد، وركنت إلى القوم الظالمين، فانا عليك زارى وعليك ناقم، وإنا لكم جميعا مباينون. ثم رجع إلى أصحابه فسار بهم نحو بلاد البصرة فبعث إليهم معقل بن قيس ثم أردفه بخالد بن معدان الطائي - وكان من أهل الصلاح والدين والبأس والنجدة - وأمره أن يسمع له ويطيع، فلما اجتمعوا صاروا جيشا واحدا، ثم خرجوا في آثار الحريث وأصحابه فلحقوهم - وقد أخذوا في جبال رامهرمز - قال فصففنا لهم ثم أقبلنا

стр. 2441

إليهم فجعل معقل على ميمنته يزيد بن معقل، وعلى ميسرته منجاب بن راشد الضبيّ، ووقف الحريث فيمن معه من العرب فكانوا ميمنة، وجعل من اتبعه من الأكراد والعلوج ميسرة، قال: وسار فينا معقل بن قيس فقال: عباد الله! لا تبدءوا القوم وغضوا أبصاركم، وأقلوا الكلام، ووطنوا أنفسكم على الطعن والضرب، وأبشروا في قتالكم بالأجر إنما تقاتلون مارقة مرقت من الدين، وعلوجا كسروا الخراج، ولصوصا وأكرادا، فإذا حملت فشدوا شدة رجل واحد. ثم تقدم فحرك دابته تحريكتين ثم حمل عليهم في الثالثة وحملنا معه جميعنا فو الله ما صبروا لنا ساعة واحدة حتى ولوا منهزمين، وقتلنا من العلوج والأكراد نحوا من ثلاثمائة، وفر الحريث منهزما حتى لحق باساف - وبها جماعة من قومه كثيرة - فاتبعوه فقتلوه مع جماعة من أصحابه بسيف البحر، قتله النعمان بن صهبان، وقتل معه في المعركة مائة وسبعون رجلا. ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بين أصحاب على والخوارج فيها أيضا ثم قال: حدثني عمر بن شيبة ثنا أبو الحسن - يعنى المدائني - على بن محمد بن على بن مجاهد قال قال الشعبي: لما قتل على أهل النهر خالفه قوم كثير، وانتقضت أطرافه وخالفه بنو ناجية، وقدم ابن الحضرميّ إلى البصرة، وانتقض أهل الجبال، وطمع أهل الخراج في كسره وأخرجوا سهل بن حنيف من فارس - وكان عاملا عليها - فأشار عليه ابن عباس بزياد بن أبيه أن يوليه إياها فولاه إياها فسار إليها في السنة الآتية في جمع كثير، فوطئهم حتى أدوا الخراج قال ابن جرير وغيره: وحج بالناس في هذه السنة قثم بن العباس، نائب على على مكة، وأخوه عبيد الله ابن عباس نائب اليمن، وأخوهما عبد الله نائب البصرة، وأخوهم تمام بن عباس نائب المدينة، وعلى خراسان خالد بن قرة اليربوعي وقيل ابن أبزى، وأما مصر فقد استقرت بيد معاوية فاستناب عليها عمرو بن العاص ذكر من توفى في هذه السنة من الأعيان سهل بن حنيف ابن واهب بن العليم بن ثعلبة الأنصاري الأوسي، شهد بدرا، وثبت يوم أحد، وحضر بقية المشاهد، وكان صاحبا لعلى بن أبى طالب، وقد شهد معه مشاهده كلها أيضا غير الجمل فإنه كان قد استخلفه على المدينة، ومات سهل بن حنيف في سنة ثمان وثلاثين بالكوفة، وصلى عليه على فكبر خمسا وقيل ستا وقال إنه من أهل بدر ﵁. صفوان بن بيضاء أخو سهيل بن بيضاء شهد المشاهد كلها وتوفى في هذه السنة في رمضانها وليس له عقب. صهيب بن سنان بن مالك الرومي وأصله من اليمن أبو يحيى بن قاسط وكان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على الايلة، وكانت

стр. 2442

منازلهم على دجلة عند الموصل، وقيل على الفرات، فأغارت على بلادهم الروم فأسرته وهو صغير، فأقام عندهم حينا ثم اشترته بنو كلب فحملوه إلى مكة فابتاعه عبد الله بن جدعان فأعتقه وأقام بمكة حينا، فلما بعث رسول الله ﷺ آمن به، وكان ممن أسلم قديما هو وعمار في يوم واحد بعد بضعة وثلاثين رجلا، وكان من المستضعفين الذين يعذبون في الله ، ولما هاجر رسول الله ﷺ هاجر صهيب بعده بأيام فلحقه قوم من المشركين يريدون أن يصدوه عن الهجرة، فلما أحس بهم نثل كنانته فوضعها بين يديه وقال: والله لقد علمتم أنى من أرماكم، ووالله لا تصلون إلى حتى أقتل بكل سهم من هذه رجلا منكم، ثم أقاتلكم بسيفي حق أقتل. وإن كنتم تريدون المال فأنا أدلكم على مالي هو مدفون في مكان كذا وكذا، فانصرفوا عنه فأخذوا ماله، فلما قدم قال له رسول الله ﷺ : «ربح البيع أبا يحيى» وأنزل الله ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ ورواه حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب، وشهد بدرا وأحدا وما بعدهما، ولما جعل عمر الأمر شورى كان هو الّذي يصلى بالناس حتى تعين عثمان، وهو الّذي ولى الصلاة على عمر - وكان له صاحبا - وكان أحمر شديد الحمرة ليس بالطويل ولا بالقصير أقرن الحاجبين كثير الشعر وكان لسانه في عجمة شديدة، وكان مع فضله ودينه فيه دعابة وفكاهة وانشراح، روى أن رسول الله ﷺ رآه يأكل بقثاء رطبا وهو أرمد إحدى العينين، فقال: «أتأكل رطبا وأنت أرمد»؟ فقال: إنما آكل من ناحية عيني الصحيحة، فضحك رسول الله ﷺ . وكانت وفاته بالمدينة سنة ثمان وثلاثين، وقيل سنة تسع وثلاثين، وقد نيف على السبعين. محمد بن أبى بكر الصديق ولد في حياة النبي ﷺ في حجة الوداع تحت الشجرة عند الحرم وأمه أسماء بنت عميس، ولما احتضر الصديق أوصى أن تغسله فغسلته، ثم لما انفضت عدتها تزوجها على فنشأ في حجره، فلما صارت إليه الخلافة استنابه على بلاد مصر بعد قيس بن سعد بن عبادة كما قدمنا، فلما كانت هذه السنة بعث معاوية عمرو بن العاص فاستلب منه بلاد مصر وقتل محمد بن أبى بكر كما تقدم، وله من العمر دون الثلاثين، ﵀ ورضى عنه. أسماء بنت عميس ابن معبد بن الحارث الخثعمية، أسلمت بمكة وهاجرت مع زوجها جعفر بن أبى طالب إلى الحبشة وقدمت معه إلى خيبر، ولها منه عبد الله، ومحمد، وعون. ولما قتل جعفر بموتة تزوجها بعده أبو بكر الصديق فولدت منه محمد بن أبى بكر أمير مصر ثم لما مات الصديق تزوجها بعده على بن أبى طالب فولدت له يحيى وعونا، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها. وكذلك هي أخت أم

стр. 2443

الفضل امرأة العباس لأمها، وكان لها من الأخوات لأمها تسع أخوات، وهي أخت سلمى بنت عميس امرأة العباس التي له منها بنت اسمها عمارة. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين فيها جهز معاوية بن أبى سفيان جيوشا كثيرة ففرقها في أطراف معاملات على بن أبى طالب، وذلك أن معاوية رأى بعد أن ولاه عمرو بن العاص بعد اتفاقه مع أبى موسى على عزل على، أن ولايته وقعت الموقع، فهو الّذي يجب طاعته فيما يعتقده، ولأن جيوش على من أهل العراق لا تطيعه في كثير من الأمر ولا يأتمرون بأمره، فلا يحصل بمباشرته المقصود من الامارة والحالة هذه، فهو يزعم أنه أولى منه إذ كان الأمر كذلك. وكان ممن بعث في هذه السنة النعمان بن بشير في ألفى فارس إلى عين التمر، وعليها مالك بن كعب الأرحبي في ألف فارس مسلحة لعلى، فلما سمعوا بقدوم الشاميين ارفضوا عنه فلم يبق مع مالك بن كعب إلا مائة رجل فكتب عند ذلك إلى على يعلمه بما كان من الأمر، فندب على الناس إلى مالك بن كعب فتثاقلوا ونكلوا عنه ولم يجيبوا إلى الخروج، فخطبهم على عند ذلك فقال في خطبته: «يا أهل الكوفة! كلما سمعتم بمنسر من مناسر أهل الشام انجحر كل منكم في بيته، وغلق عليه بابه. انجحار الضب في جحره، والضبع في وجاره، المغرور والله من غررتموه، ولمن فارقكم فاز بالسهم الأصيب، لا أحرار عند النداء، ولا إخوان ثقة عند النجاة، ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ ماذا منيت به منكم، عمى لا تبصرون، وبكم لا تنطقون، وصم لا تسمعون، ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ» ودهمهم النعمان بن بشير فاقتتلوا قتالا شديدا وليس مع مالك بن كعب إلا مائة رجل قد كسر واجفون سيوفهم واستقتلوا، فبينا هم كذلك إذ جاءهم نجدة من جهة مخنف بن سليم مع ابنه عبد الرحمن بن مخنف في خمسين رجلا، فلما رآهم الشاميون ظنوا أنهم مدد عظيم ففروا هرابا، فاتبعهم مالك بن كعب فقتل منهم ثلاثة أنفس وذهب الباقون على وجوههم ولم يتم لهم أمر من هذا الوجه. وفيها بعث معاوية سفيان بن عوف في ستة آلاف وأمره بأن يأتى هيت فيغير عليها، ثم يأتى الأنبار والمدائن. فسار حتى انتهى إلى هيت فلم يجد بها أحدا، ثم إلى الأنبار وفيها مسلحة لعلى نحو من خمسمائة، فتفرقوا ولم يبق منهم إلا مائة رجل، فقاتلوا مع قلتهم وصبروا حتى قتل أميرهم - وهو أشرس بن حسان البلوى - في ثلاثين رجلا من أصحابه، واحتملوا ما كان بالأنبار من الأموال وكروا راجعين إلى الشام، فلما بلغ الخبر عليا ﵁ ركب بنفسه فنزل بالنخيلة فقال له الناس: نحن نكفيك ذلك يا أمير المؤمنين. فقال: والله ما تكفوننى ولا أنفسكم، وسرح سعد بن قيس في أثر القوم فسار وراءهم حتى بلغ هيت فلم يلحقهم فرجع. وفيها بعث معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري في ألف وسبعمائة إلى تيماء وأمره أن يصدق أهل البوادي ومن

стр. 2444

امتنع من إعطائه فليقتله ثم يأتى المدينة ومكة والحجاز. فسار إلى تيماء واجتمع عليه بشر كثير، فلما بلغ عليا بعث المسيب بن نجيبة الفزاري في ألفى رجل فالتقوا بتيماء فاقتتلوا قتالا شديدا عند زوال الشمس، وحمل المسيب بن نجية على ابن مسعدة فضربه ثلاث ضربات وهو لا يريد قتله بل يقول له: النجا النجا، فانحاز ابن مسعدة في طائفة من قومه إلى حصن هناك فتحصنوا به وهرب بقيتهم إلى الشام، وانتهبت الأعراب ما كان جمعه ابن نجية من إبل الصدقة، وحاصرهم المسيب بن نجية ثلاثة أيام ثم ألقى الحطب على الباب وألهب فيه النار، فلما أحسوا بالهلاك أشرفوا من الحصن، ومتوا إليه بأنهم من قومه فرق لهم وأطفأ النار، فلما كان الليل فتح باب الحصن وخرجوا هرابا إلى الشام، فقال عبد الرحمن بن شبيب للمسيب بن نجية: سر حتى ألحقهم! فقال: لا! فقال: غششت أمير المؤمنين داهنت في أمرهم. وفيها وجه معاوية الضحاك بن قيس في ثلاثة آلاف وأمره أن يغير على أطراف جيش على، فجهز على حجر بن عدي في أربعة آلاف وأنفق فيهم خمسين درهما خمسين درهما، فالتقوا بتدمر فقتل من أصحاب الضحاك تسعة عشر رجلا، ومن أصحاب حجر بن عدي رجلان، وغشيهم الليل فتفرقوا، واستمر الضحاك بأصحابه فارا إلى الشام. وفيها سار معاوية بنفسه في جيش كثيف حتى بلغ دجلة ثم كر راجعا. ذكره محمد بن سعد عن الواقدي باسناده وأبو معشر أيضا وفي هذه السنة ولى على بن أبى طالب زياد بن أبيه على أرض فارس، وكانوا قد منعوا الخراج والطاعة، وسبب ذلك حين قتل ابن الحضرميّ وأصحابه بالنار حين حرقهم جارية بن قدامة في تلك الدار كما قدمنا، فلما اشتهر هذا الصنيع في البلاد تشوش قلوب كثير من الناس على على، واختلفوا على على، ومنع أكثر أهل تلك النواحي خراجهم، ولا سيما أهل فارس فإنهم تمردوا وأخرجوا عاملهم سهل بن حنيف - كما تقدم في العام الماضي - من بين أظهرهم، فاستشار على الناس فيمن يوليه عليهم، فأشار ابن عباس وجارية بن قدامة أن يولى عليهم زياد بن أبيه، فإنه صليب الرأى، عالم بالسياسة. فقال على: هو لها، فولاه فارس وكرمان وجهزه إليهما في أربعة آلاف فارس، فسار إليها في هذه السنة فدوخ أهلها وقهرهم حتى استقاموا وأدوا الخراج وما كان عليهم من الحقوق، ورجعوا إلى السمع والطاعة، وسار فيهم بالمعدلة والأمانة، حتى كان أهل تلك البلاد يقولون: ما رأينا سيرة أشبه بسيرة كسرى أنوشروان من سيرة هذا العربيّ في اللين والمداراة والعلم بما يأتى، وصفت له تلك البلاد بعدله وعلمه وصرامته، واتخذ للمال قلعة حصينة، فكانت تعرف بقلعة زياد، ثم لما تحصن فيها منصور اليشكري فيما بعد ذلك عرفت به فكان يقال لها قلعة منصور. قال الواقدي: وفي هذه السنة بعث على بن أبى طالب عبد الله بن عباس على الموسم وبعث معاوية يزيد بن سخبرة الرهاوي ليقيم للناس الحج فلما اجتمعا بمكة تنازعا وأبى كل واحد

стр. 2445

منهما أن يسلم لصاحبه فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبى طلحة الحجبي فحج بالناس وصلى بهم في أيام الموسم قال أبو الحسن المدائني: لم يشهد عبد الله بن عباس الموسم في أيام على حتى قتل، والّذي نازعه يزيد بن سخبرة إنما هو قثم بن العباس حتى اصطلحا على شيبة بن عثمان. قال ابن جرير: وكما قال أبو الحسن المدائني قال أبو مصعب. قال ابن جرير: وأما عمال على على الأمصار فهم الذين ذكرنا في السنة الماضية غير أن ابن عباس كان قد سار من البصرة الى الكوفة واستخلف على البصرة زياد بن أبيه ثم سار زياد في هذه السنة إلى فارس وكرمان كما ذكرنا. ذكر من توفى من الأعيان في هذه السنة سعد القرظي مؤذن مسجد قبا في زمان رسول الله ﷺ ، فلما ولى عمر الخلافة ولاه أذان المسجد النبوي وكان أصله مولى لعمار بن ياسر، وهو الّذي كان يحمل العنزة بين يدي أبى بكر وعمر وعلى إلى المصلى يوم العيد وبقي الأذان في ذريته مدة طويلة. عقبة بن عمرو بن ثعلبة أبو مسعود البدري سكن ماء بدر ولم يشهد الوقعة بها على الصحيح، وقد شهد العقبة، وهو من سادات الصحابة وكان ينوب لعلى بالكوفة إذا خرج لصفين وغيرها. سنة أربعين من الهجرة النبويّة فيها كان مقتل على بن أبى طالب ﵁ على ما سنذكره مفصلا قال ابن جرير: فمما كان في هذه السنة من الأمور الجليلة توجيه معاوية بسر بن أبى أرطاة في ثلاثة آلاف من المقاتلة إلى الحجاز، فذكر عن زياد بن عبد الله البكائي عن عوانة قال: أرسل معاوية بعد تحكيم الحكمين بسر بن أبى أرطاة - وهو رجل من بنى عامر بن لؤيّ - في جيش فساروا من الشام حتى قدموا المدينة - وعامل على عليها يومئذ أبو أيوب - ففر منهم أبو أيوب فأتى عليا بالكوفة، ودخل بسر المدينة ولم يقاتله أحد، فصعد منبرها فنادى على المنبر: يا دينار ويا نجار ويا رزيق شيخي شيخي عهدي به هاهنا بالأمس فأين هو؟ - يعنى عثمان بن عفان - ثم قال: يا أهل المدينة والله لولا ما عهد إلى معاوية ما تركت بها محتلما إلا قتلته، ثم بايع أهل المدينة وأرسل إلى بنى سلمة فقال: والله ما لكم عندي من أمان ولا مبايعة حتى تأتونى بجابر بن عبد الله - يعنى حتى يبايعه - فانطلق جابر إلى أم سلمة فقال لها: ماذا ترين إني خشيت أن أقتل وهذه بيعة ضلالة؟ فقالت: أرى أن تبايع فانى قد أمرت ابني عمر وختني عبد الله بن زمعة - وهو زوج ابنتها زينب - أن يبايعا فأتاه جابر فبايعه. قال: وهدم بسر دورا بالمدينة ثم مضى حتى أتى مكة فخافه أبو موسى الأشعري أن يقتله فقال

стр. 2446

له بسر: ما كنت لأفعل بصاحب رسول الله ﷺ ذلك، فخلى عنه، وكتب أبو موسى قبل ذلك إلى أهل اليمن أن خيلا مبعوثة من عند معاوية تقتل من أبى أن يقر بالحكومة، ثم مضى بسر إلى اليمن وعليها عبيد الله بن عباس ففر إلى الكوفة حتى لحق بعلي، واستخلف على اليمن عبد الله بن عبد الله بن المدان الحاوي، فلما دخل بسر اليمن قتله وقتل ابنه، ولقي بسر ثقل عبيد الله بن عباس وفيه ابنان صغيران له فقتلهما وهما عبد الرحمن وقثم، ويقال إن بسرا قتل خلقا من شيعة على في مسيره هذا وهذا الخبر مشهور عند أصحاب المغازي والسير، وفي صحته عندي نظر والله تعالى أعلم. ولما بلغ عليا خبر بسر وجه جارية بن قدامة في ألفين، ووهب بن مسعود في ألفين، فسار جارية حتى بلغ نجران فخرق بها وقتل ناسا من شيعة عثمان، وهرب بسر وأصحابه فاتبعهم حتى بلغ مكة، فقال لهم جارية: بايعوا فقالوا: لمن نبايع وقد هلك أمير المؤمنين فلمن نبايع؟ فقال: بايعوا لمن بايع له أصحاب على، فتثاقلوا ثم بايعوا من خوف، ثم سار حتى أتى المدينة وأبو هريرة يصلى بهم فهرب منه فقال جارية: والله لو أخذت أبا سنور لضربت عنقه، ثم قال لأهل المدينة: بايعوا للحسن ابن على، فبايعوا وأقام عندهم ثم خرج منصرفا إلى الكوفة وعاد أبو هريرة يصلى بهم. قال ابن جرير: وفي هذه السنة جرت بين على ومعاوية المهادنة بعد مكاتبات يطول ذكرها على وضع الحرب بينهما، وأن يكون ملك العراق لعلى ولمعاوية الشام، ولا يدخل أحدهما على صاحبه في عمله بجيش ولا غارة ولا غزوة. ثم ذكر عن زياد عن ابن إسحاق ما هذا مضمونه أن معاوية كتب إلى على: أما بعد فان الأمة قد قتل بعضها بعضا يعنى فلك العراق ولى الشام. فأقر بذلك على ﵁. وأمسك كل واحد منهما عن قتال الآخر، وبعث الجيوش إلى بلاده، واستقر الأمر على ذلك. قال ابن جرير: وفي هذه السنة خرج ابن عباس من البصرة إلى مكة وترك العمل في قول عامة أهل السير، وقد أنكر ذلك بعضهم وزعم أنه لم يزل عاملا على البصرة حتى صالح على معاوية، وأنه كان شاهدا للصلح، ممن نص على ذلك أبو عبيدة كما سيأتي. ثم ذكر ابن جرير سبب خروج ابن عباس عن البصرة وذلك أنه كلم أبا الأسود الدؤلي القاضي بكلام فيه غض من أبى الأسود فكتب أبو الأسود إلى على يشكو إليه ابن عباس وينال من عرضه فإنه تناول شيئا من أموال بيت المال فبعث على إلى ابن عباس فعاتبه في ذلك وحرر عليه التبعة فغضب ابن عباس من ذلك وكتب إلى على: ابعث إلى عملك من أحببت فانى ظاعن عنه والسلام. ثم سار ابن عباس إلى مكة مع أخواله بنى هلال وتبعهم قيس كلها، وقد أخذ شيئا من بيت المال مما كان اجتمع له من العمالة والفيء، ولما سار تبعته أقوام أخر فلحقهم بنو غنم وأرادوا منعهم من المسير فكان بينهم قتال، ثم تحاجزوا ودخل ابن عباس مكة.

стр. 2447

ذكر مقتل أمير المؤمنين على بن أبى طالب ﵁ وما ورد فيه من الأحاديث النبويّة من الأخبار بمقتله وكيفيته وما في ذلك من دلائل النبوة وآيات المعجزة كان أمير المؤمنين ﵁ قد تنغصت عليه الأمور، واضطرب عليه جيشه، وخالفه أهل العراق، ونكلوا عن القيام معه، واستفحل أمر أهل الشام، وصالوا وجالوا يمينا وشمالا، زاعمين أن الإمرة لمعاوية بمقتضى حكم الحكمين في خلعهما عليا وتولية عمرو بن العاص معاوية عند خلو الامرة عن أحد، وقد كان أهل الشام بعد التحكيم يسمون معاوية الأمير، وكلما ازداد أهل الشام قوة ضعف جأش أهل العراق، هذا وأميرهم على بن أبى طالب خير أهل الأرض في ذلك الزمان، أعبدهم وأزهدهم، وأعلمهم وأخشاهم لله ، ومع هذا كله خذلوه وتخلوا عنه حتى كره الحياة وتمنى الموت، وذلك لكثرة الفتن وظهور المحن، فكان يكثر أن يقول: ما يحبس أشقاها، أي ما ينتظر؟ ما له لا يقتل؟ ثم يقول: والله لتخضبن هذه ويشير إلى لحيته من هذه ويشير إلى هامته، كما قال البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن محمد بن إسحاق الصنعاني ثنا أبو الحراب الأحوص بن حراب ثنا عمار بن زريق عن الأعمش عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة بن يزيد قال قال على: «والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه للحيته من رأسه فما يحبس أشقاها»؟ فقال عبد الله بن سبع: والله يا أمير المؤمنين لو أن رجلا فعل ذلك لأبدنا عترته: فقال أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلي. فقالوا: يا أمير المؤمنين ألا تستخلف؟ فقال: لا ولكن أترككم كما ترككم رسول الله. قالوا: فما تقول لربك إذا لقيته وقد تركتنا هملا؟ قال: أقول اللهمّ استخلفتنى فيهم ما بدا لك ثم قبضتني وتركتك فيهم فان شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم. طريق أخرى قال أبو داود الطياليسى في مسندة: ثنا شريك عن عثمان بن المغيرة عن زيد بن وهب. قال: جاءت الخوارج إلى على فقالوا له: اتّق الله فإنك ميت. قال: لا! والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة، ولكن مقتول من ضربة على هذه تخضب هذه - وأشار بيده إلى لحيته - عهد معهود وقضى مقضي، وقد خاب من افترى. طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو يعلى: ثنا سويد بن سعيد ثنا رشدين بن سعد عن يزيد بن عبد الله بن أسامة عن عثمان بن صهيب عن أبيه. قال قال على: قال لي رسول الله ﷺ : «من أشقى الأولين؟ قلت: عاقر الناقة، قال: صدقت فمن أشقى الآخرين؟ قلت: لا علم لي يا رسول الله، قال: الّذي يضربك

стр. 2448

على هذه - وأشار بيده - على يافوخه فيخضب هذه من هذه يعنى لحيته من دم رأسه قال: «فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم». طريق أخرى عن على ﵁ قال الامام أحمد: حدثنا وكيع ثنا الأعمش عن سالم بن أبى الجعد عن عبد الله بن سبع. قال: سمعت عليا يقول لتخضبن هذه من هذه فما ينتظر بى إلا شقي، فقالوا: يا أمير المؤمنين أخبرنا به نبد عترته، قال: إذا تالله تقتلون بى غير قاتلي، قالوا: فاستخلف علينا، قال: لا! ولكن أترككم إلى ما ترككم إليه رسول الله ﷺ ، قالوا: فما تقول لربك إذا أتيته؟ قال: أقول: اللهمّ تركتني فيهم ما بدا لك ثم قبضتني إليك وأنت فيهم، إن شئت أصلحتهم وإن شئت أفسدتهم. وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا أبو بكر عن الأعمش عن سلمة بن كهيل عن عبد الله ابن بسع قال: خطبنا على فقال: «والّذي فلق الحبة وبرأ النسمة لتخضبن هذه من هذه، قال فقال الناس: فأعلمنا من هو والله لنبيدنه أو لنبيدن عترته. قال: أنشدكم بالله أن يقتل غير قاتلي، قالوا: إن كنت علمت ذلك فاستخلف قال لا ولكن أكلكم إلى ما وكلكم إليه رسول الله ﷺ » تفرد به أحمد. طريق أخرى عن على بن أبى طالب ﵁ قال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم ثنا محمد - يعنى ابن راشد - عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن فضالة بن أبى فضالة الأنصاري - وكان ابن فضالة من أهل بدر -: وقال «خرجت مع أبى عائدا لعلى بن أبى طالب من مرض أصابه ثقل منه، قال فقال له أبى: ما يقيمك بمنزلك هذا لو أصابك أجلك الا أعراب جهينة؟ تحمل إلى المدينة فان أصابك أجلك وليك أصحابك وصلوا عليك. فقال على: إن رسول الله ﷺ عهد إلى أن لا أموت حتى أؤمر ثم تخضب هذه - يعنى ليحته - من دم هذه - يعنى هامته - قال فقتل وقتل ابن فضالة يوم صفين» تفرد به أحمد أيضا. وقد رواه البيهقي في الدلائل عن الحاكم عن الأصم عن الحسن بن مكرم عن أبى النضر هاشم بن القاسم به. طريق أخرى عنه قال الحافظ أبو بكر البزار في مسندة: حدثنا أحمد بن أبان القرشي ثنا سفيان بن عيينة ثنا كوفى يقال له عبد الملك بن أعين عن أبى حرب بن أبى الأسود عن أبيه قال: سمعت على بن أبى طالب يقول: «قال لي عبد الله بن سلام وقد وضعت رجلي في غرز الركاب لا تأتى العراق فإنك إن أتيتها أصابك بها ذباب السيف قال: وايم الله لقد قالها ولقد قالها النبي ﷺ لي قبله. قال أبو الأسود فقلت: تالله ما رأيت رجلا محاربا يحدث بهذا قبلك غيرك». ثم قال البزار: ولا نعلم رواه إلا على ابن أبى طالب بهذا الاسناد، ولا نعلم رواه إلا عبد الملك بن أعين عن أبى حرب، ولا رواه عنه

стр. 2449

إلا ابن عيينة. هكذا قال: وقد رأيت من الطرق المتعددة خلاف ذلك. وقال البيهقي بعد ذكره طرفا من هذه الطرق: وقد روينا في كتاب السنن باسناد صحيح عن زيد بن أسلم عن أبى سنان الدؤلي عن على في إخبار النبي ﷺ بقتله. حديث آخر في ذلك قال الخطيب البغدادي. أخبرنى على بن القاسم البصري ثنا على بن إسحاق المارداني أنا محمد ابن إسحاق الصنعاني ثنا إسماعيل بن أبان الوراق ثنا ناصح بن عبد الله المحلمي عن سماك عن جابر ابن سمرة قال قال رسول الله ﷺ لعلى: «من أشقى الأولين، قال: عاقر الناقة، قال: فمن أشقى الآخرين؟ قال الله ورسوله أعلم، قال: قاتلك». حديث آخر في معنى ذلك وروى البيهقي من طريق فطر بن خليفة وعبد العزيز بن سياه كلاهما عن حبيب بن أبى ثابت عن ثعلبة الحماني قال سمعت عليا على المنبر وهو يقول: «والله إنه لعهد النبي الأمي إلى إن الأمة ستغدر بك بعدي» قال البخاري: ثعلبة بن زيد الحماني في حديثه هذا نظر. قال البيهقي: وقد رويناه باسناد آخر عن على ان كان محفوظا. أخبرنا أبو على الروذبارى أنا أبو محمد بن شوذب الواسطي بها ثنا شعيب بن أيوب ثنا عمرو بن عون عن هشيم عن إسماعيل بن سالم عن أبى إدريس الأزدي عن على. قال: «إن مما عهد إلى رسول الله ﷺ أن الأمة ستغدر بك بعدي» قال البيهقي: فان صح فيحتمل أن يكون المراد به والله أعلم في خروج من خرج عليه ثم في قتله. وقال الأعمش عن عمرو بن مرة ابن عبد الله بن الحارث عن زهير بن الأرقم. قال: خطبنا على يوم جمعة فقال نبئت أن بسرا قد طلع اليمن، وإني والله لأحسب أن هؤلاء القوم سيظهرون عليكم، وما يظهرون عليكم إلا بعصيانكم إمامكم وطاعتهم إمامهم، وخيانتكم وأمانتهم، وإفسادكم في أرضكم وإصلاحهم، قد بعثت فلانا فخان وغدر، وبعثت فلانا فخان وغدر، وبعث المال إلى معاوية لو ائتمنت أحدكم على قدح لأخذ علاقته، اللهمّ سئمتهم وسئموني، وكرهتهم وكرهوني، اللهمّ فأرحهم منى وأرحنى منهم» قال: فما صلى الجمعة الأخرى حتى قتل ﵁ وأرضاه. صفة مقتله ﵁ ذكر ابن جرير وغير واحد من علماء التاريخ والسير وأيام الناس: أن ثلاثة من الخوارج وهم عبد الرحمن بن عمرو المعروف بابن ملجم الحميري ثم الكندي حليف بنى حنيفة من كندة المصري وكان أسمر حسن الوجه أبلح شعره مع شحمة أذنيه وفي وجهه أثر السجود. والبرك بن عبد الله التميمي. وعمرو بن بكر التميمي أيضا - اجتمعوا فتذاكروا قتل على إخوانهم من أهل النهروان فترحموا عليهم

стр. 2450

وقالوا: ماذا نصنع بالبقاء بعدهم؟ كانوا لا يخافون في الله لومة لائم، فلو شرينا أنفسنا فأتينا أئمة الضلال فقتلناهم فأرحنا منهم البلاد وأخذنا منهم ثأر إخواننا؟ فقال ابن ملجم: أما أنا فأكفيكم على ابن أبى طالب. وقال البرك وأنا أكفيكم معاوية: وقال عمرو بن بكر وأنا أكفيكم عمرو بن العاص. فتعاهدوا وتواثقوا أن لا ينكص رجل منهم عن صاحبه حتى يقتله أو يموت دونه فأخذوا أسيافهم فسموها واتعدوا لسبع عشرة من رمضان أن يبيت كل واحد منهم صاحبه في بلده الّذي هو فيه فأما ابن ملجم فسار إلى الكوفة فدخلها وكتم أمره حتى عن أصحابه من الخوارج الذين هم بها، فبينما هو جالس في قوم من بنى الرباب يتذاكرون قتلاهم يوم النهروان إذ أقبلت امرأة منهم يقال لها قطام بنت الشجنة، قد قتل على يوم النهروان أباها وأخاها، وكانت فائقة الجمال مشهورة به، وكانت قد انقطعت في المسجد الجامع تتعبد فيه، فلما رآها ابن ملجم سلبت عقله ونسي حاجته التي جاء لها، وخطبها إلى نفسها فاشترطت عليه ثلاثة آلاف درهم وخادما وقينة. وأن يقتل لها على بن أبى طالب. قال: فهو لك ووالله ما جاء بى إلى هذه البلدة إلا قتل على، فتزوجها ودخل بها ثم شرعت تحرضه على ذلك وندبت له رجلا من قومها، من تيم الرباب يقال له وردان، ليكون معه ردءا، واستمال عبد الرحمن ابن ملجم رجلا آخر يقال له شبيب بن نجدة الأشجعي الحروري قال له ابن ملجم: هل لك في شرف الدنيا والآخرة؟ فقال: وما ذاك: قال؟ قتل على، فقال: ثكلتك أمك، لقد جئت شيئا إدا كيف تقدر عليه؟ قال أكمن له في المسجد فإذا خرج لصلاة الغداة شددنا عليه فقتلناه، فان نجونا شفينا أنفسنا وأدركنا ثأرنا، وإن قتلنا فما عند الله خير من الدنيا. فقال: ويحك لو غير على كان أهون على؟ قد عرفت سابقته في الإسلام وقرابته من رسول الله ﷺ فما أجدنى أنشرح صدرا لقتله. فقال: أما تعلم أنه قتل أهل النهروان؟ فقال: بلى قال: فنقتله بمن قتل من إخواننا. فأجابه إلى ذلك بعد لأى ودخل شهر رمضان فواعدهم ابن ملجم ليلة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت، وقال: هذه الليلة التي واعدت أصحابى فيها أن يثأروا بمعاوية وعمرو بن العاص فجاء هؤلاء الثلاثة - وهم ابن ملجم، ووردان، وشبيب - وهم مشتملون على سيوفهم فجلسوا مقابل السدة التي يخرج منها على، فلما خرج جعل ينهض الناس من النوم إلى الصلاة، ويقول: الصلاة الصلاة فثار إليه شبيب بالسيف فضربه فوقع في الطاق، فضربه ابن ملجم بالسيف على قرنه فسال دمه على لحيته ﵁، ولما ضربه ابن ملجم قال: لا حكم الا لله ليس لك يا على ولا لأصحابك، وجعل يتلو قوله تعالى ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ اِبْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ وَاللهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ﴾ ونادى على: عليكم به، وهرب وردان فأدركه رجل من حضر موت فقتله، وذهب شبيب فنجا بنفسه وفات الناس، ومسك ابن ملجم وقدم على جعدة بن هبيرة بن أبى وهب فصلى بالناس صلاة الفجر، وحمل

стр. 2451

عليّ إلى منزله، وحمل إليه عبد الرحمن بن ملجم فأوقف بين يديه وهو مكتوف - قبحه الله - فقال له: أي عدو الله ألم أحسن إليك؟ قال: بلى قال. فما حملك على هذا: قال؟ شحذته أربعين صباحا وسألت الله أن يقتل به شر خلقه، فقال له على لا أراك إلا مقتولا به، ولا أراك إلا من شر خلق الله، ثم قال: إن مت فاقتلوه وإن عشت فانا أعلم كيف أصنع به، فقال جندب بن عبد الله: يا أمير المؤمنين إن مت نبايع الحسن؟ فقال لا آمركم ولا أنهاكم، أنتم أبصر. ولما احتضر على جعل يكثر من قول لا إله إلا الله، لا يتلفظ بغيرها. وقد قيل إن آخر ما تكلم به ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾. وقد أوصى ولديه الحسن والحسين بتقوى الله والصلاة والزكاة وكظم الغيظ وصلة الرحم والحلم عن الجاهل والتفقه في الدين والتثبت في الأمر، والتعاهد للقرآن، وحسن الجوار، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، واجتناب الفواحش، ووصاهما بأخيهما محمد بن الحنفية ووصاه بما وصاهما به، وأن يعظمهما ولا يقطع أمرا دونهما وكتب ذلك كله في كتاب وصيته ﵁ وأرضاه. وصورة الوصية: «بسم الله الرحمن الرحيم! هذا ما أوصى به على بن أبى طالب أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين، أوصيك يا حسن وجميع ولدى ومن بلغه كتابي بتقوى الله ربكم ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا فانى سمعت أبا القاسم ﷺ يقول: «إن صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام» انظروا إلى ذوى أرحامكم فصلوها يهون الله عليكم الحساب الله الله في الأيتام فلا تعفو أفواههم ولا يضيعن بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، ما زال يوصى بهم حتى ظننا أنه سيورثهم، والله الله في القرآن فلا يسبقنكم إلى العمل به غيركم، والله الله في الصلاة فإنها عمود دينكم، والله الله في بيت ربكم فلا يخلون منكم ما بقيتم فإنه إن ترك لم تناظروا، والله الله في شهر رمضان فان صيامه جنة من النار، والله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، والله الله في الزكاة فإنها تطفئ غضب الرب، والله الله في ذمة نبيكم لا تظلمن بين ظهرانيكم، والله الله في أصحاب نبيكم فان رسول الله ﷺ أوصى بهم، والله الله في الفقراء والمساكين فأشركوهم في معاشكم، والله الله فيما ملكت أيمانكم فان آخر ما تكلم به رسول الله ﷺ أن قال: «أوصيكم بالضعيفين نسائكم وما ملكت أيمانكم» الصلاة الصلاة لا تخافن في الله لومة لائم يكفكم من أرادكم وبغى عليكم، وقولوا للناس حسنا كما أمركم الله، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فيولي الأمر شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم، وعليكم بالتواصل والتباذل، وإياكم

стр. 2452

والتدابير والتقاطع والتفرق، وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله إن الله شديد العقاب، حفظكم الله من أهل بيت، وحفظ عليكم نبيكم، أستودعكم الله وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. ثم لم ينطق إلا بلا إله إلا الله حتى قبض في شهر رمضان سنة أربعين. وقد غسله ابناه الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر وصلى عليه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات. وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري ثنا شريك عن عمران بن ظبيان عن أبى يحيى قال: لما ضرب ابن ملجم عليا قال لهم «افعلوا به كما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل برجل أراد قتله فقال: اقتلوه ثم حرقوه». وقد روى أن أم كلثوم قالت لابن ملجم وهو واقف: ويحك! لم ضربت أمير المؤمنين؟ قال: إنما ضربت أباك فقالت: إنه لا بأس عليه، فقال: لم تبكين؟ والله لقد ضربته ضربة لو أصابت أهل المصر لماتوا أجمعين، والله لقد سمعت هذا السيف شهرا ولقد اشتريته بألف وسممته بألف. قال الهيثم بن عدي: حدثني رجل من بجيلة عن مشيخة قومه أن عبد الرحمن بن ملجم رأى امرأة من تيم الرباب يقال لها قطام كانت من أجمل النساء ترى رأى الخوارج، قد قتل على قومها على هذا الرأى فلما أبصرها عشقها فخطبها فقالت: لا أتزوجك إلا على ثلاثة آلاف وعبد وقينة، فتزوجها على ذلك فلما بنى بها قالت له: يا هذا قد فرعت فافرع فخرج ملبسا سلاحه وخرجت معه فضربت له قبة في المسجد وخرج على يقول: الصلاة الصلاة، فاتبعه عبد الرحمن فضربه بالسيف على قرن رأسه فقال الشاعر: - قال ابن جرير: هو ابن مياس المرادي. فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة … كمهر قطام بيّنا غير معجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة … وقتل على بالحسام المصمم فلا مهر أغلا من على وإن غلا … ولا فتك إلا دون فتك (١) ابن ملجم وقد عزى ابن جرير هذه الأبيات إلى ابن شاس المرادي وأنشد له ابن جرير في قتلهم عليا: ونحن ضربنا مالك الخير حيدرا … أبا حسن مأمومة فتقطرا ونحن خلعنا ملكه من نظامه … بضربة سيف إذ علا وتجبرا ونحن كرام في الهياج أعزة … إذا الموت بالموت ارتدى وتأزرا وقد امتدح ابن ملجم بعض الخوارج المتأخرين في زمن التابعين وهو عمران بن حطان وكان أحد العباد ممن يروى عن عائشة في صحيح البخاري فقال فيه: يا ضربة من تقى ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا

стр. 2453

إني لأذكره يوما فأحسبه … أو في البرية عند الله ميزانا وأما صاحب معاوية - وهو البرك - فإنه حمل عليه وهو خارج إلى صلاة الفجر في هذا اليوم فضربه بالسيف، وقيل بخنجر مسموم فجاءت الضربة في وركه فجرحت أليته ومسك الخارجي فقتل، وقد قال لمعاوية: اتركني فانى أبشرك ببشارة، فقال: وما هي؟ فقال: إن أخى قد قتل في هذا اليوم على بن أبى طالب، قال: فلعله لم يقدر عليه، قال: بلى إنه، لا حرس معه، فأمر به فقتل، وجاء الطبيب فقال لمعاوية: إن جرحك مسموم فاما أن أكويك وأما أن أسقيك شربة فيذهب السم ولكن ينقطع نسلك فقال معاوية: أما النار فلا طاقة لي بها، وأما النسل ففي يزيد وعبد الله ما تقر به عيني. فسقاه شربة فبرأ من ألمه وجراحة واستقل وسلم ﵁. ومن حينئذ عملت المقصورة في المسجد الجامع وجعل الحرس حولها في حال السجود، فكان أول من اتخذها معاوية لهذه الحادثة. وأما صاحب عمرو بن العاص - وهو عمرو بن بكر - فإنه كمن له ليخرج إلى الصلاة فاتفق أن عرض لعمرو بن العاص مغص شديد في ذلك اليوم فلم يخرج إلا نائبة إلى الصلاة - وهو خارجة بن أبى حبيبة من بنى عامر بن لؤيّ وكان على شرطة عمرو بن العاص فحمل عليه الخارجي فقتله وهو يعتقده عمرو بن العاص، فلما أخذ الخارجي قال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، فأرسلها مثلا، وقتل قبحه الله، وقد قيل إن الّذي قالها عمرو بن العاص، وذلك حين جيء بالخارجي فقال: ما هذا؟ قالوا قتل نائبك خارجة، ثم أمر به فضربت عنقه. والمقصود أن عليا ﵁ لما مات صلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه تسع تكبيرات ودفن بدار الامارة بالكوفة خوفا عليه من الخوارج أن ينبشوا عن جثته، هذا هو المشهور ومن قال إنه حمل على راحلته فذهبت به فلا يدرى أين ذهب فقد أخطأ وتكلف ما لا علم له به ولا يسيغه عقل ولا شرع، وما يعتقده كثير من جهلة الروافض من أن قبره بمشهد النجف فلا دليل على ذلك ولا أصل له، ويقال إنما ذاك قبر المغيرة بن شعبة، حكاه الخطيب البغدادي عن أبى نعيم الحافظ عن أبى بكر الطلحي عن محمد بن عبد الله الحضرميّ الحافظ عن مطر أنه قال: لو علمت الشيعة قبر هذا الّذي يعظمونه بالنجف لرجموه بالحجارة، هذا قبر المغيرة بن شعبة. قال الواقدي: حدثني أبو بكر ابن عبد الله بن أبى سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبى فروة قال: سألت أبا جعفر محمد بن على الباقر كم كان سن على يوم قتل؟ قال: ثلاثا وستين سنة. قلت: أين دفن؟ قال: دفن بالكوفة ليلا وقد غبي عن دفنه، وفي رواية عن جعفر الصادق أنه كان عمره ثمانية وخمسين سنة، وقد قيل إن عليا دفن قبلي المسجد الجامع من الكوفة. قاله الواقدي، والمشهور بدار الامارة. وقد حكى الخطيب البغدادي عن أبى نعيم الفضل بن دكين أن الحسن والحسين حولاه فنقلاه إلى المدينة فدفناه بالبقيع

стр. 2454

عند قبر فاطمة، وقيل إنهم لما حملوه على البعير ضل منهم فأخذته طيئ يظنونه ما لا فلما رأوا أن الّذي في الصندوق ميت ولم يعرفوه دفنوا الصندوق بما فيه فلا يعلم أحد أين قبره، حكاه الخطيب أيضا. وروى الحافظ ابن عساكر عن الحسن قال: دفنت عليا في حجرة من دور آل جعدة. وعن عبد الملك بن عمير قال: لما حفر خالد بن عبد الله أساس دار ابنه يزيد استخرجوا شيخا مدفونا أبيض الرأس واللحية كأنما دفن بالأمس فهم بإحراقه ثم صرفه الله عن ذلك فاستدعى بقباطى فلفه فيها وطيبه وتركه مكانه. قالوا وذلك المكان بحذاء باب الوراقين مما يلي قبلة المسجد في بيت إسكاف وما يكاد يقر في ذلك الموضع أحد إلا انتقل منه. وعن جعفر بن محمد الصادق قال: صلى على على ليلا ودفن بالكوفة وعمى موضع قبره ولكنه عند قصر الامارة. وقال ابن الكلبي: شهد دفنه في الليل الحسن والحسين وابن الحنفية وعبد الله بن جعفر وغيرهم من أهل بيتهم فدفنوه في ظاهر الكوفة وعموا قبره خيفة عليه من الخوارج وغيرهم، وحاصل الأمر أن عليا قتل يوم الجمعة سحرا وذلك لسبع عشرة خلت من رمضان من سنة أربعين وقيل إنه قتل في ربيع الأول والأول هو الأصح الأشهر والله أعلم. ودفن بالكوفة عن ثلاث وستين سنة وصححه الواقدي وابن جرير وغير واحد، وقيل عن خمس وستين وقيل عن ثمان وستين سنة ﵁. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر. فلما مات على ﵁ استدعى الحسن بابن ملجم فقال له ابن ملجم: إني أعرض عليك خصلة قال: وما هي؟ قال: إني كنت عاهدت الله عند الحطيم أن أقتل عليا ومعاوية أو أموت دونهما، فان خليتني ذهبت إلى معاوية على أنى إن لم أقتله أو قتله وبقيت فلله على أن أرجع إليك حتى أضع يدي في يدك. فقال له الحسن: كلا والله حتى تعاين النار، ثم قدمه فقتله ثم أخذه الناس فأدرجوه في بواري ثم أحرقوه بالنار، وقد قيل إن عبد الله بن جعفر قطع يديه ورجليه وكحلت عيناه وهو مع ذلك يقرأ سورة اقرأ باسم ربك الّذي خلق إلى آخرها ثم جاءوا ليقطعوا لسانه فجزع وقال: إني أخشى أن تمر على ساعة لا أذكر الله فيها ثم قطعوا لسانه ثم قتلوه ثم حرقوه في قوصرة والله أعلم. وروى ابن جرير قال: حدثني الحارث ثنا ابن سعد عن محمد بن عمر قال: ضرب على يوم الجمعة فمكث يوم الجمعة، وليلة السبت وتوفى ليلة الأحد لإحدى عشرة ليلة بقيت من رمضان سنة أربعين عن ثلاث وستين سنة. قال الواقدي: وهو المثبت عندنا والله أعلم بالصواب. فصل في ذكر زوجاته وبنيه وبناته ﵃ أجمعين قال الامام أحمد: حدثنا حجاج ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على قال: «لما ولد الحسن جاء رسول الله ﷺ فقال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا، فقال: بل هو حسن، فلما ولد الحسين قال: أرونى ابني، ما سميتموه؟ فقلت: سميته حربا قال: بل هو

стр. 2455

حسين، فلما ولد الثالث جاء النبي ﷺ فقال أرونى ابني ما سميتموه؟ فقلت: حربا فقال: بل هو محسن، ثم قال: إني سميتهم باسم ولد هارون شبر وشبير ومشبر» وقد رواه محمد بن سعد عن يحيى ابن عيسى التيمي عن الأعمش عن سالم بن أبى الجعد قال قال على: كنت رجلا أحب الحرب فلما ولد الحسن هممت أن أسميه حربا، فذكر الحديث بنحو ما تقدم لكن لم يذكر الثالث. وقد ورد في بعض الأحاديث أن عليا سمى الحسن أولا بحمزة وحسينا بجعفر فغير اسميهما رسول الله ﷺ . فأول زوجة تزوجها على ﵁ فاطمة بنت رسول الله ﷺ بنى بها بعد وقعة بدر فولدت له الحسن وحسينا ويقال ومحسنا ومات وهو صغير، وولدت له زينب الكبرى وأم كلثوم وهذه تزوج بها عمر بن الخطاب كما تقدم. ولم يتزوج على على فاطمة حتى توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر، فلما ماتت تزوج بعدها بزوجات كثيرة، منهن من توفيت في حياته ومنهن من طلقها، وتوفى عن أربع كما سيأتي، فمن زوجاته أم البنين بنت حرام وهو المحل بن خالد بن ربيعة بن كعب بن عامر ابن كلاب فولدت له العباس وجعفرا وعبد الله وعثمان. وقد قتل هؤلاء مع أخيهم الحسين بكربلاء. ولا عقب لهم سوى العباس. ومنهن ليلى بنت مسعود بن خالد بن مالك بن بنى تميم فولدت له عبيد الله وأبا بكر، قال هشام بن الكلبي: وقد قتلا بكربلاء أيضا. وزعم الواقدي أن عبيد الله قتله المختار بن أبى عبيد يوم الدار. ومنهن أسماء بنت عميس الخثعمية فولدت له يحيى ومحمدا الأصغر قاله الكلبي. وقال الواقدي: ولدت له يحيى وعونا قال الواقدي: فأما محمد الأصغر فمن أم ولد. ومنهن أم حبيبة بنت زمعة بن بحر بن العبد بن علقمة وهي أم ولد من السبي الذين سباهم خالد من بنى تغلب حين أغار على عين التمر فولدت له عمر - وقد عمر خمسا وثلاثين سنة - ورقية. ومنهن أم سعيد بنت عروة بن مسعود بن مغيث بن مالك الثقفي فولدت له أم الحسن ورملة الكبرى. ومنهن ابنة امرئ القيس بن عدي بن أوس بن جابر بن كعب بن عليم بن كلب الكلبية فولدت له جارية فكانت تخرج مع على إلى المسجد وهي صغيرة فيقال لها: من أخوالك؟ فتقول: وه وه تعنى بنى كلب. ومنهن أمامة بنت أبى العاص بن الربيع بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي وأمها زينب بنت رسول الله ﷺ ، وهي التي كان رسول الله ﷺ يحملها وهو في الصلاة إذا قام حملها وإذا سجد وضعها، فولدت له محمدا الأوسط، وأما ابنه محمد الأكبر فهو ابن الحنفية وهي خولة بنت جعفر بن قيس ابن مسلمة بن عبيد بن ثعلبة بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة بن لجيم بن صعب بن على ابن بكر بن وائل سباها خالد أيام الصديق أيام الردة من بنى حنيفة فصارت لعلى بن أبى طالب فولدت له محمدا هذا، ومن الشيعة من يدعى فيه الإمامة والعصمة، وقد كان من سادات المسلمين ولكن ليس بمعصوم ولا أبوه معصوم بل ولا من هو أفضل من أبيه من الخلفاء الراشدين قبله ليسوا
следующие страницы →