بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح الله العيش بعدك. وقال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الأسدي، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله ﷺ فيك، والله لو علمت أنى أقتل دونك ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، لأحببت ذلك، وإنما هي قتلة واحدة.
وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، وأنفسنا الفداء لك، نقيك بنحورنا وجباهنا، وأيدينا وأبداننا، فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا. وقال أخوه العباس: لا أرانا الله يوم فقدك ولا حاجة لنا في الحياة بعدك. وتتابع أصحابه على ذلك] (١)
وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن على بن الحسين زين العابدين.
قال: إني لجالس تلك العشية التي قتل أبى في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبى في خبائه ومعه أصحابه، وعنده حوى مولى أبى ذر الغفاريّ، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول: -
يا دهر أف لك من خليل … كم لك بالإشراق والأصيل
من صاحب أو طالب قتيل … والدهر لا يقنع بالبديل
وإنما الأمر إلى الجليل … وكل حي سالك السبيل
فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى حفظتها وفهمت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها، ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت: وا ثكلاه!! ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم، ماتت أمى فاطمة وعلى أبى، وحسن أخى، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي فنظر إليها وقال: يا أخيّه، [لا يذهبن حلمك الشيطان، فقالت: بأبي أنت وأمى يا أبا عبد الله، استقتلت؟ ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها، فقام إليها فصبّ على وجهها الماء وقال يا أخيه] (٢) اتّق الله واصبري وتعزى بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الّذي خلق الخلق بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعبدونه وحده، وهو فرد وحده، واعلمي أن أبى خير منى، وأخى خير منى، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة، ثم حرّج عليها أن لا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردّها إلى عندي، ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضها من بعض حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من جهة واحدة، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن ورائهم. وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم، عليها عزرة بن قيس
стр. 2662
الأحمسي [والحسين يقرأ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون ميزنا الله منكم. قال فعرفته فقلت لزيد (١) بن حضير: أتدري من هذا؟ قال:
لا! فقلت هذا أبو حرب السبيعي عبيد الله بن شمير - وكان مضحاكا بطالا - وكان شريفا شجاعا فاتكا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في خبائه. فقال له يزيد بن حصين: يا فاسق متى كنت من الطيبين؟ فقال: من أنت ويلك؟ قال: أنا يزيد بن حصين. قال: إنا لله! هلكت والله عدو الله! على م يريد قتلك؟ قال فقلت له: يا أبا حرب هل لك أن تتوب من ذنوبك العظام؟ فو الله إنا لنحن الطيبون وإنكم لأنتم الخبيثون. قال: نعم وأنا على ذلك من الشاهدين. قال: ويحك أفلا ينفعك معرفتك؟ قال فانتهره عزرة بن قيس أمير السيرة التي تحرسنا فانصرف عنا] (٢) قالوا: فلما صلى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة وقيل يوم السبت - وكان يوم عاشوراء - انتصب للقتال، وصلى الحسين أيضا بأصحابه وهم اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، ثم انصرف فصفهم فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى الميسرة حبيب بن المطهر، وأعطى رايته العباس بن على أخاه، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم، وقد أمر الحسين من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقا وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا، ثم أضرمت فيه النار لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها. وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بنى الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجالة شبيث بن ربعي، وأعطى الراية لوردان مولاه، وتواقف الناس في ذلك الموضع، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت فاغتسل فيها واطلى بالنورة وتطيب بمسك كثير، ودخل بعده بعض الأمراء ففعلوا كما فعل، فقال بعضهم لبعض: ما هذا في هذه الساعة؟ فقال بعضهم:
دعنا منك، والله ما هذه بساعة باطل، فقال يزيد بن حصين: والله لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاحقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا.
ثم ركب الحسين على فرسه وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره: اللهمّ أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، إلى آخره. وركب ابنه على بن الحسين - وكان ضعيفا مريضا - فرسا يقال له الأحمق ونادى الحسين أيها الناس: اسمعوا منى نصيحة أقولها لكم، فأنصت الناس كلهم، فقال بعد حمد
стр. 2663
الله والثناء عليه: أيها الناس إن قبلتم منى وأنصفتمونى كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم على سبيل، وإن لم تقبلوا منى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾.
﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾.
فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فقال عند ذلك: لا يبعد الله ابن عباس.
- يعنى حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الأمر - ثم بعث أخاه العباس فسكتهن، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه وعلو قدره وشرفه، ويقول: راجعوا أنفسكم وحاسبوها: هل يصلح لكم قتال مثلي، وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري؟ وعلى أبى، وجعفر ذو الجناحين عمى، وحمزة سيد الشهداء عم أبى؟ وقال لي رسول الله ﷺ ولأخى: «هذان سيدا شباب أهل الجنة».
فان صدقتموني بما أقول فهو الحق، فو الله ما تعمدت كذبة منذ علمت أن الله يمقت على الكذب، وإلا فاسألوا أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، جابر بن عبد الله، وأبا سعيد، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم بذلك، ويحكم! أما تتقون الله؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف: إن كنت أدرى ما يقول؟ فقال له حبيب بن مطهر (١): والله يا شمر إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وأما نحن فو الله إنا لندرى ما يقول، وإنه قد طبع على قلمك. ثم قال: أيها الناس ذروني أرجع إلى مأمني من الأرض، فقالوا: وما يمنعك أن تنزل على حكم بنى عمك؟، فقال: معاذ الله ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ ثم أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها [ثم قال: أخبرونى أتطلبوني بقتيل لكم قتلته؟ أو مال لكم أكلته؟ أو بقصاصة من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه. قال: فنادى يا شبيث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أنه قد أينعت الثمار وأخضر الجناب، فأقدم علينا فإنك إنما تقدم على جند مجندة؟ فقالوا له: لم نفعل.
فقال: سبحان الله! والله لقد فعلتم، ثم قال: يا أيها الناس! إذ قد كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم، فقال له قيس بن الأشعث: ألا تنزل على حكم بنى عمك فإنهم لن يؤذوك، ولا ترى منهم إلا ما تحب؟ فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم ابن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لهم إقرار العبيد]. (٢)
قال: وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسا فيما قيل، منهم الحر بن يزيد أمير مقدمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسين مما كان منهم،
стр. 2664
قال: ولو أعلم أنهم على هذه النية لسرت معك إلى يزيد، فقبل منه الحسين، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين فخاطب عمر بن سعد فقال: ويحكم ألا تقبلون من ابن بنت رسول الله ﷺ ما يعرض عليكم من الخصال الثلاث واحدة منها؟ فقال: لو كان ذلك إليّ قبلت.
[قال: وخرج من أصحاب الحسين زهير بن القين على فرس له شاك في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد، وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيّه لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية، عبيد الله بن زياد، فإنكم لم تدركوا منهما إلا سوء عموم سلطانهما، يسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه. قال: فسبوه وأثنوا على ابن زياد ودعوا له، وقالوا: لا ننزع حتى نقتل صاحبك ومن معه. فقال لهم: إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فان أنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، خلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، نذهب حيث شاء، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال له: اسكت أسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك، فقال له زهير: يا ابن البوّال على عقبيه، إياك أخاطب؟ إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك بعد ساعة، فقال له زهير: أبالموت تخوفني؟ فو الله للموت معه أحب إليّ من الخلد معكم.
ثم إن زهيرا أقبل على الناس رافعا صوته يقول: عباد الله لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فو الله لا ينال شفاعة محمد ﷺ قوم أهرقوا دماء ذريته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم.
وقال الحر بن يزيد لعمر بن سعد: أصلحك الله! أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي، وكان الحر من أشجع أهل الكوفة، فلامه بعض أصحابه على الذهاب إلى الحسين، فقال له: والله إني أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة غيرها ولو قطعت وحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فاعتذر إليه بما تقدم، ثم قال:
يا أهل الكوفة لأمكم الهبل، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، ومنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة الوسيعة التي لا يمنع فيها الكلب والخنزير، وحلتم بينه وبين الماء الفرات الجاري الّذي يشرب منه الكلب والخنزير وقد صرعهم
стр. 2665
العطش؟ بئس ما خلفتم محمدا في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر إن لم تتوبوا وترجعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين] (١) وقال لهم عمر بن سعد: لو كان الأمر لي لأجبت الحسين إلى ما طلب ولكن أبى على عبيد الله بن زياد، وقد خاطب أهل الكوفة وأنبهم ووبخهم وسبهم، فقال لهم الحر بن يزيد: ويحكم منعتم الحسين ونساءه وبناته الماء الفرات الّذي يشرب منه اليهود والنصارى ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، فهو كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا.
قال فتقدم عمر بن سعد وقال لمولاه: يا دريد أدن رأيتك، فأدناها ثم شمر عمر عن ساعده ورمى بسهم وقال: اشهدوا أنى أول من رمى القوم، قال: فترامى الناس بالنبال، وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله، فقالا: من يبارز؟ فبرز لهما عبيد الله بن عمر الكلبي بعد استئذانه الحسين فقتل يسارا أولا ثم قتل سالما بعده،
وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى، وحمل رجل يقال له عبد الله بن حوزة حتى وقف بين يدي الحسين فقال له: يا حسين أبشر بالنار! فقال له الحسين: كلا ويحك إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، بل أنت أولى بالنار. قالوا: فانصرف فوقصته فرسه فسقط وتعلقت قدمه بالركاب، وكان الحسين قد سأل عنه فقال: أنا ابن حوزة، فرفع الحسين يده وقال: اللهمّ حزه إلى النار، فغضب ابن حوزة وأراد أن يقحم عليه الفرس وبينه وبينه نهر، فحالت به الفرس فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الآخر متعلقا بالركاب، وشد عليه مسلم بن عوسجة فضربه فأطار رجله اليمنى، وغارت به فرسه فلم يبق حجر يمر به إلا ضربه في رأسه حتى مات.
[وروى أبو مخنف عن أبى جناب قال: كان منا رجل يدعى عبد الله بن نمير من بنى عليم، كان قد نزل الكوفة واتخذ دارا عند بئر الجعد من همدان، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط، فرأى الناس يتهيئون للخروج إلى قتال الحسين، فقال: والله لقد كنت على قتال أهل الشرك حريصا، وإني لأرجو أن يكون جهادي مع ابن بنت رسول الله ﷺ لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين، وأيسر ثوابا عند الله، فدخل إلى امرأته فأخبرها بما هو عازم عليه، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك. قال: فخرج بها ليلا حتى أتى الحسين، ثم ذكر قصة رمى عمر بن سعد بالسهم، وقصة قتله يسار مولى زياد، وسالم مولى ابن زياد،
وأن عبد الله ابن عمير استأذن الحسين في الخروج إليهما فنظر إليه الحسين، فرأى رجلا آدم طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران قتّالا، أخرج إن شئت،
стр. 2666
فخرج فقالا له: من أنت؟ فانتسب لهما، فقالا: لا نعرفك إلا هو خير منكما، ثم شد على يسار فكان كأمس الذاهب، فإنه لمشتغل به إذ حمل عليه سالم مولى ابن زياد فصاح به صائح قد رهقك العبد، قال: فلم ينتبه حتى غشيه فضربه على يده اليسرى فأمطار أصابعه، ثم مال على الكلبي فضربه حتى قتله وأقبل يرتجز ويقول: -
إن تنكرانى فأنا ابن كلب نسبي … بيتي في عليم حسبي إني امرؤ ذو مروءة وغضب
ولست بالخوار عند الكرب … إني زعيم لك أم وهب بالطعن فيهم مقدما والضرب
ضرب غلام مؤمن بالرب
فأخذت أم وهب عمودا ثم أقبلت نحو زوجها تقول له: فداؤك أبى وأمى، قاتل دون الطيبين، ذرية محمد ﵇، فأقبل إليها يردها نحو النساء فأقبلت تجاذبه ثوبه، قالت: دعني أكون معك،
فناداها الحسين: انصرفي إلى النساء فاجلسى معهن فإنه ليس على النساء قتال، فانصرفت إليهن] (١) قال: وكثرت المبارزة يومئذ بين الفريقين والنصر في ذلك لأصحاب الحسين لقوة بأسهم، وأنهم مستميتون لا عاصم لهم إلا سيوفهم، فأشار بعض الأمراء على عمر بن سعد بعدم المبارزة، وحمل عمرو بن الحجاج أمير ميمنة جيش ابن زياد. وجعل يقول: قاتلوا من مرق من الدين وفارق الجماعة. فقال له الحسين: ويحك يا حجاج أعلي تحرض الناس؟ أنحن مرقنا من الدين وأنت تقيم عليه؟ ستعلمون إذا فارقت أرواحنا أجسادنا من أولى بصلي النار. وقد قتل في هذه الحملة مسلم بن عوسجة، وكان أول من قتل من أصحاب الحسين فمشى إليه الحسين فترحم عليه، وهو على آخر رمق، وقال له حبيب بن مطهر: ابشر بالجنة، فقال له بصوت ضعيف: بشرك الله بالخير. ثم قال له حبيب: لولا أنى أعلم أنى على أثرك لا حقك لكنت أقضى ما توصي به، فقال له مسلم بن عوسجة:
أوصيك بهذا - وأشار إلى الحسين - إلى أن تموت دونه. قالوا: ثم حمل شمر بن ذي الجوشن بليسرة وقصدوا نحو الحسين فدافعت عنه الفرسان من أصحابه دفاعاً عظيما، وكافحوا دونه مكافحة بليغة، فأرسلوا يطلبون من عمر بن سعد طائفة من الرماة الرجالة، فبعث إليهم نحوا من خمسمائة، فجعلوا يرمون خيول أصحاب الحسين فعقروها كلها حتى بقي جميعهم رجالة، ولما عقروا جواد الحر ابن يزيد نزل عنه وفي يده السيف كأنه ليث وهو يقول:
إن تعقروا بى فانا ابن الحر … أشجع من ذي لبد هزبر
ويقال إن عمر بن سعد أمر بتقويض تلك الأبنية التي تمنع من القتال من أتى ناحيتها، فجعل أصحاب الحسين يقتلون من يتعاطى ذلك، فأمر بتحريقها فقال الحسين: دعوهم يحرقونها فإنهم
стр. 2667
لا يستطيعون أن يجوزوا منها وقد أحرقت. وجاء شمر بن ذي الجوشن قبحه الله إلى فسطاط الحسين فطعنه برمحه - يعنى الفسطاط - وقال: ايتوني بالنار لأحرقه على من فيه، فصاحت النسوة وخرجن منه، فقال له الحسين: أحرقك الله بالنار، وجاء شبيث بن ربعي إلى شمر قبحه الله فقال له: ما رأيت أقبح من قولك ولا من فعلك وموقفك هذا، أتريد أن ترعب النساء؟ فاستحيى وهم بالرجوع وقال حميد بن مسلم: قلت لشمر سبحان الله!! إن هذا لا يصلح لك، أتريد أن تجمع على نفسك خصلتين؟ تعذب بعذاب الله وتقتل الولدان والنساء؟ والله إن في قتلك الرجال لما ترضى به أميرك. قال فقال لي: من أنت؟ قلت: لا أخبرك من أنا - وخشيت أنى إن أخبرته فعرفني أن يسوءنى عند السلطان -.
وشد زهير بن القين في رجال من أصحاب الحسين على شمر بن ذي الجوشن فأزالوه عن موقفه، وقتلوا أبا عزة الضبابي - وكان من أصحاب شمر - وكان الرجل من أصحاب الحسين إذا قتل بان فيهم الخلل، وإذا قتل من أصحاب ابن زياد الجماعة الكثيرة لم يتبين ذلك فيهم لكثرتهم،
ودخل عليهم وقت الظهر فقال الحسين: مروهم فليكفوا عن القتال حتى نصلي، فقال رجل من أهل الكوفة: إنها لا تقبل منكم، فقال له حبيب بن مطهر: ويحك!! أتقبل منكم ولا تقبل من آل رسول الله ﷺ ؟ [وقاتل حبيب قتالا شديدا حتى قتل رجلا يقال له بديل بن صريم من بنى عقفان وجعل يقول:
أنا حبيب وأبى مطهر … فارس هيجاء وحرب مسعر
أنتم أوفر عدة وأكثر … ونحن أوفى منكم وأصبر
ونحن أعلى حجة وأظهر … حقا وأبقى منكم وأطهر
ثم حمل على حبيب هذا رجل من بنى تميم فطعنه فوقع، ثم ذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير على رأسه بالسيف فوقع، ونزل إليه التميمي فاحتز رأسه وحمله إلى ابن زياد، فرأى ابن حبيب رأس أبيه فعرفه فقال لحامله: أعطني رأس أبى حتى أدفنه، ثم بكى. قال: فمكث الغلام إلى أن بلغ أشده ثم لم تكن له همة إلا قتل قاتل أبيه، قال: فلما كان زمن مصعب بن عمير دخل الغلام عسكر مصعب فإذا قاتل أبيه في فسطاطه، فدخل عليه وهو قائل فضربه بسيفه حتى برد.
وقال أبو مخنف: حدثني محمد بن قيس قال: لما قتل حبيب بن مطهر هدّ ذلك الحسين، وقال عند ذلك: أحتسب نفسي، وأخذ الحرّ يرتجز ويقول للحسين:
آليت لا تقتل حتى أقتلا … ولن أصاب اليوم إلا مقبلا
أضربهم بالسيف ضربا مقصلا … لأنا كلا عنهم ولا مهملا
ثم قاتل هو وزهير بن القين قتالا شديدا فكان إذا شد أحدهما حتى استلحم شد الآخر حتى
стр. 2668
يخلصه، فعلا ذلك ساعة، ثم إن رجالا شدوا على الحر بن يزيد فقتلوه، وقتل أبو ثمامة الصائدى ابن عم له كان عدوا له. ثم صلى الحسين بأصحابه الظهر صلاة الخوف، ثم اقتتلوا بعدها قتالا شديدا ودافع عن الحسين صناديد أصحابه، وقاتل زهير بن القين بين يدي الحسين قتالا شديدا، ورمى بعض أصحابه بالنبل حتى سقط بين يدي الحسين وجعل زهير يرتجز ويقول: -
أنا زهير وأنا ابن القين … أذودكم بالسيف عن الحسين
قال: وأخذ يضرب على منكب الحسين ويقول:
أقدم هديت هاديا مهديا … فاليوم تلقى جدك النبيا
وحسنا والمرتضى عليا … وذا الجناحين الفتى الكميا
وأسد الله الشهيد الحيا
قال: فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي ومهاجر بن أوس فقتلاه.
قال: وكان من أصحاب الحسين نافع بن هلال الجملي، وكان قد كتب على فوق نبله فجعل يرمى بها مسمومة وهو يقول:
أرمى بها معلما أفواقها … والنفس لا ينفعها شقاقها
أنا الجملي أنا على دين علي
فقتل اثنى عشر من أصحاب عمر بن سعد، سوى من جرح، ثم ضرب حتى كسرت عضداه، ثم أسروه فأتوا به عمر بن سعد فقال له: ويحك يا نافع، ما حملك على ما صنعت بنفسك؟ فقال:
إن ربى يعلم ما أردت، والدماء تسيل عليه وعلى لحيته، ثم قال: والله لقد قتلت من جندكم اثنى عشر سوى من جرحت، وما ألوم نفسي على الجهد، ولو بقيت لي عضد وساعد ما أسرتمونى. فقال شمر لعمر: اقتله، قال: أنت جئت به، فان شئت اقتله. فقام شمر فأنضى سيفه فقال له نافع: أما والله يا شمر لو كنت من المسلمين لعظم عليك أن تلقى الله بدمائنا، فالحمد لله الّذي جعل منايانا على يدي شرار خلقه. ثم قتله، ثم أقبل شمر فحمل على أصحاب الحسين وتكاثر معه الناس حتى كادوا أن يصلوا إلى الحسين،
فلما رأى أصحاب الحسين أنهم قد كثروا عليهم، وأنهم لا يقدرون على أن يمنعوا الحسين ولا أنفسهم، تنافسوا أن يقتلوا بين يديه، فجاء عبد الرحمن وعبد الله ابنا عزرة الغفاريّ، فقالا: أبا عبد الله عليك السلام، حازنا العدو إليك فأحببنا أن نقتل بين يديك وندفع عنك. فقال: مرحبا بكما، ادنوا منى، فدنوا منه فجعلا يقاتلان قريبا منه وهما يقولان:
قد علمت حقا بنو غفار … وخندف بعد بنى نزار
لنضربن معشر الفجار … بكل عضب قاطع بتار
يا قوم ذودوا عن بنى الأخيار … بالمشرفيّ والقنا الخطّار
стр. 2669
ثم أتاه أصحابه مثنى وفرادى يقاتلون بين يديه وهو يدعو لهم ويقول: جزاكم الله أحسن جزاء المتقين، فجعلوا يسلمون على الحسين ويقاتلون حتى يقتلوا، ثم جاء عابس بن أبى شبيب فقال:
يا أبا عبد الله! أما والله ما أمسى على ظهر الأرض قريب ولا بعيد أعزّ عليّ منك، ولو قدرت أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز على من نفسي ودمي لفعلته، السلام عليك يا أبا عبد الله، اشهد لي أنى على هديك. ثم مشى بسيفه صلتا وبه ضربة على جبينه - وكان أشجع الناس - فنادى: ألا رجل لرجل؟ ألا ابرزوا إليّ. فعرفوه فنكلوا عنه، ثم قال عمر بن سعد: ارضخوه بالحجارة، فرمى بالحجارة من كل جانب، فلما رأى ذلك ألقى درعه ومغفره، ثم شد على الناس، والله لقد رأيته يكرد أكثر من مائتين من الناس بين يديه، ثم إنهم عطفوا عليه من كل جانب فقتل ﵀، فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوى عدد، كل يدعى قتله، فأتوا به عمر بن سعد فقال لهم: لا تختصموا فيه، فإنه لم يقتله إنسان واحد، ففرق بينهم بهذا القول] (١) ثم قاتل أصحاب الحسين بين يديه حتى تفانوا ولم يبق معه أحد إلا سويد بن عمرو بن أبى مطاع الخثعميّ، وكان أول قتيل قتل من أهل الحسين من بنى أبى طالب على الأكبر بن الحسين بن على، وأمه ليلى بنت أبى مرة بن عروة بن مسعود الثقفي، طعنه مرة بن منقذ بن النعمان العبديّ فقتله، لأنه جعل يقي أباه، وجعل يقصد أباه، فقال على بن الحسين:
أنا على بن الحسين بن على … نحن وبيت الله أولى بالنبيّ
تالله لا يحكم فينا ابن الدعي … كيف ترون اليوم سترى عن أبى
فلما طعنه مرة احتوشته الرجال فقطعوه بأسيافهم،
فقال الحسين: قتل الله قوما قتلوك يا بنى ما أجرأهم على الله وعلى انتهاك محارمه؟! فعلى الدنيا بعدك العفاء. قال: وخرجت جارية كأنها الشمس حسنا فقالت: يا أخياه ويا ابن أخاه، فإذا هي زينب بنت على من فاطمة، فأكبت عليه وهو صريع. قال: فجاء الحسين فأخذ بيدها فأدخلها الفسطاط، وأمر به الحسين فحوّل من هناك إلى بين يديه عند فسطاطه، ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل. ثم قتل عون ومحمد ابنا عبد الله بن جعفر، ثم قتل عبد الرحمن وجعفر ابنا عقيل بن أبى طالب، ثم قتل القاسم بن الحسن بن على بن أبى طالب.
[قال أبو مخنف: وحدثني فضيل بن خديج الكندي أن يزيد بن زياد، وكان راميا، وهو أبو الشعثاء الكناني من بنى بهدلة. جثى على ركبتيه بين يدي الحسين فرمى بمائة سهم ما سقط منها على الأرض خمسة أسهم، فلما فرغ من الرمي قال: قد تبين لي أنى قتلت خمسة نفر:
أنا يزيد وأنا المهاجر … أشجع من ليث قوى حادر
стр. 2670
برب إني للحسين ناصر … ولابن سعد تارك وهاجر] (١)
قالوا: ومكث الحسين نهارا طويلا وحده لا يأتى أحد إليه إلا رجع عنه، لا يحب أن يلي قتله، حتى جاءه رجل من بنى بدّاء، يقال له مالك بن البشير، فضرب الحسين على رأسه بالسيف فأدمى رأسه، وكان على الحسين برنس فقطعه وجرح رأسه فامتلأ البرنس دما، فقال له الحسين: لا أكلت بها ولا شربت، وحشرك الله مع الظالمين. ثم ألقى الحسين ذلك البرنس ودعا بعمامة فلبسها.
[وقال أبو مخنف: حدثني سليمان بن أبى راشد عن حميد. قال: خرج إلينا غلام كأن وجهه فلقة قمر في يده السيف وعليه قميص وإزار ونعلان قد انقطع شسع أحدهما، ما أنسى أنها اليسرى، فقال لنا عمر بن سعد بن نفيل الأزدي: والله لأشدن عليه. فقلت له: سبحان الله!! وما تريد إلى ذلك؟ يكفيك. قتل هؤلاء الذين تراهم قد احتولوهم. فقال: والله لأشدّنّ عليه، فشد عليه عمر بن سعد أمير الجيش، فضربه وصاح الغلام: يا عماه، قال: فشد الحسين على عمر بن سعد شدة ليث أعضب، فضرب عمر بالسيف فاتقاه بالساعد فأطّنها من لدن المرفق فصاح ثم تنحى عنه، وحملت خيل أهل الكوفة ليستنقذوا عمر من الحسين، فاستقبلت عمر بصدورها وحركت حوافرها، وجالت بفرسانها عليه، ثم انجلت الغبرة
فإذا بالحسين قائم على رأس الغلام، والغلام يفحص برجله والحسين يقول: بعدا لقوم قتلوك، ومن خصمهم يوم القيامة فيك جدك. ثم قال: عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك، أو يجيبك ثم لا ينفعك، صوت والله كثر واتره وقل ناصره. ثم احتمله فكأني انظر إلى رجلي الغلام يخطان في الأرض، وقد وضع الحسين صدره على صدره، ثم جاء به حتى ألقاه مع ابنه على الأكبر ومع من قتل من أهل بيته، فسألت عن الغلام فقيل لي هو القاسم بن الحسن بن على بن أبى طالب.
وقال هانئ بن ثبيت الحضرميّ: إني لواقف يوم مقتل الحسين عاشر عشرة ليس منا رجل إلا على فرس، إذ خرج غلام من آل الحسين وهو ممسك بعود من تلك الأبنية، وعليه إزار وقميص، وهو مذعور يلتفت يمينا وشمالا، فكأني انظر إلى درتين في أذنيه تذبذبان كلما التفت، إذ أقبل رجل يركض فرسه حتى إذا دنا من الغلام مال عن فرسه ثم أخذ الغلام فقطعه بالسيف. قال هشام السكونيّ: هانئ بن ثبيت هو الّذي قتل الغلام، خاف أن يعاب ذلك عليه فكنى عن نفسه] (١) قال: ثم إن الحسين أعيا فقعد على باب فسطاطه وأتى بصبي صغير من أولاده اسمه عبد الله، فأجلسه في حجره، ثم جعل يقبله ويشمه ويودعه ويوصى أهله،
فرماه رجل من بنى أسد يقال له «ابن موقد النار» بسهم فذبح ذلك الغلام، فتلقى حسين دمه في يده وألقاه نحو السماء وقال: رب
стр. 2671
إن تك قد حبست عنا النصر من السماء فاجعله لما هو خير، وانتقم لنا من الظالمين. ورمى عبد الله ابن عقبة الغنوي أبا بكر بن الحسين بسهم فقتله أيضا، ثم قتل عبد الله والعباس وعثمان وجعفر ومحمد بني على بن أبى طالب، إخوة الحسين. وقد اشتد عطش الحسين فحاول أن يصل إلى أن يشرب من ماء الفرات فما قدر، بل مانعوه عنه، فخلص إلى شربة منه، فرماه رجل يقال له حصين بن تميم بسهم في حنكه فأثبته، فانتزعه الحسين من حنكه ففار الدم فتلقاه بيديه ثم رفعهما إلى السماء وهما مملوءتان دما، ثم رمى به إلى السماء
وقال: اللهمّ أحصهم عددا واقتلهم بددا، ولا تذر على الأرض منهم أحدا. ودعا عليهم دعاء بليغا.
[قال: فو الله إن مكث الرجل الرامي له إلا يسيرا حتى صب الله عليه الظمأ، فجعل لا يروى ويسقى الماء مبردا، وتارة يبرد له اللبن والماء جميعا، ويسقى فلا يروى، بل يقول: ويلكم اسقوني قتلني الظمأ. قال: فو الله ما لبث إلا يسيرا حتى أنفد بطنه انفداد بطن البعير. ثم إن شمر بن ذي الجوشن أقبل في نحو من عشرة من رجّالة الكوفة قبل منزل الحسين الّذي فيه ثقله وعياله، فمشى نحوهم فحالوا بينه وبين رحله،
فقال لهم الحسين: ويلكم!! إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون يوم المعاد فكونوا في دنياكم أحرارا وذوى أحساب، امنعوا رحلي وأهلي من طغاتكم وجهالكم، فقال ابن ذي الجوشن ذلك لك يا ابن فاطمة، ثم أحاطوا به فجعل شمر يحرضهم على قتله، فقال له أبو الجنوب: وما يمنعك أنت من قتله؟ فقال له شمر: إلى تقول ذا؟ فقال أبو الجنوب: إلى تقول ذا؟ فاستبا ساعة، فقال له أبو الجنوب - وكان شجاعا -: والله لقد هممت أن أخضخض هذا السنان في عينك، فانصرف عنه شمر] (١).
ثم جاء شمر ومعه جماعة من الشجعان حتى أحاطوا بالحسين وهو عند فسطاطه ولم يبق معه أحد يحول بينهم وبينه، فجاء غلام يشتد من الخيام كأنه البدر، وفي أذنيه درّتان، فخرجت زينب بنت عليّ لترده فامتنع عليها،
وجاء يحاجف عن عمه فضربه رجل منهم بالسيف فاتقاه بيده فأطنها سوى جلده، فقال: يا أبتاه، فقال له الحسين: يا بنى احتسب أجرك عند الله، فإنك تلحق بآبائك الصالحين. ثم حمل على الحسين الرجال من كل جانب وهو يجول فيهم بالسيف يمينا وشمالا، فيتنافرون عنه كتنافر المعزى عن السبع، وخرجت أخته زينب بنت فاطمة إليه فجعلت تقول: ليت السماء تقع على الأرض، وجاءت عمر بن سعد فقالت: يا عمر أرضيت أن يقتل أبو عبد الله وأنت تنظر؟ فتحادرت الدموع على لحيته وصرف وجهه عنها، ثم جعل لا يقدم أحد على قتله، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن: ويحكم ماذا تنتظرون بالرجل؟ فاقتلوه ثكلتكم أمهاتكم. فحملت الرجال من كل جانب
стр. 2672
على الحسين وضربه زرعة بن شريك التميمي على كتفه اليسرى، وضرب على عاتقه، ثم انصرفوا عنه وهو ينوء ويكبو، ثم جاء إليه سنان بن أبى عمرو بن أنس النخعي فطعنه بالرمح فوقع، ثم نزل فذبحه وحز رأسه، ثم دفع رأسه إلى خولى بن يزيد. وقيل: إن الّذي قتله شمر بن ذي الجوشن، وقيل رجل من مذحج، وقيل عمر بن سعد بن أبى وقاص، وليس بشيء، وإنما كان عمر أمير السرية التي قتلت الحسين فقط. [والأول أشهر. وقال عبد الله بن عمار: رأيت الحسين حين اجتمعوا عليه يحمل على من على يمينه حتى انذغروا عنه، فو الله ما رأيت مكثورا قط قد قتل أولاده وأصحابه أربط جأشا منه ولا أمضى جنانا منه، والله ما رأيت قبله ولا بعده مثله. وقال: ودنا عمر بن سعد من الحسين فقالت له زينب: يا عمر أيقتل أبو عبد الله وأنت تنظر؟ فبكى وصرف وجهه عنها.
وقال أبو مخنف: حدثني الصقعب بن زهير عن حميد بن مسلم قال: جعل الحسين يشد على الرجال وهو يقول: أعلى قتلى تحابون؟ أما والله لا تقتلون بعدي عبدا من عباد الله أسخط عليكم بقتله منى، وأيم الله إني أرجو أن يكرمني الله بهوانكم ثم ينتقم الله لي منكم من حيث لا تشعرون، أما والله لو قد قتلتموني لقد ألقى الله بأسكم بينكم، وسفك دماءكم، ثم لا يرضى لكم بذلك حتى يضاعف لكم العذاب الأليم. قال: ولقد مكث طويلا من النهار ولو شاء الناس أن يقتلوه لفعلوا، ولكن كان يتقى بعضهم ببعض دمه، ويحب هؤلاء أن يكفيهم هؤلاء مؤنة قتله، حتى نادى شمر بن ذي الجوشن ماذا تنتظرون بقتله؟ فتقدم إليه زرعة بن شريك التميمي فضربه بالسيف على عاتقه، ثم طعنه سنان بن أنس بن عمرو النخعي بالرمح، ثم نزل فاحتز رأسه ودفعه إلى خولى. وقد روى ابن عساكر في ترجمة شمر بن ذي الجوشن، وذو الجوشن صحابى جليل، قيل اسمه شرحبيل، وقيل عثمان بن نوفل، ويقال ابن أوس بن الأعور العامري الضبابي، بطن من كلاب، ويكنى شمر بأبي السابغة.
ثم روى من طريق عمر بن شبة: ثنا أبو أحمد حدثني عمى فضيل بن الزبير عن عبد الرحيم بن ميمون عن محمد بن عمرو بن حسن. قال: كنا مع الحسين بنهرى كربلاء، فنظر إلى شمر بن ذي الجوشن فقال: صدق الله ورسوله، قال رسول الله ﷺ : «كأنى انظر إلى كلب أبقع يلغ في دماء أهل بيتي» وكان شمر قبحه الله أبرص] (١) وأخذ سنان وغيره سلبه، وتقاسم الناس ما كان من أمواله وحواصله، وما في خبائه حتى ما على النساء من الثياب الطاهرة.
وقال أبو مخنف عن جعفر بن محمد. قال: وجدنا بالحسين حين قتل ثلاثة وثلاثين طعنة، وأربعة وثلاثين ضربة، وهمّ شمر بن ذي الجوشن بقتل على بن الحسين الأصغر «زين العابدين» وهو صغير مريض حتى صرفه عن ذلك حميد بن مسلم أحد أصحابه. وجاء عمر بن سعد فقال: ألا لا يدخلن
стр. 2673
على هذه النسوة أحد، ولا يقتل هذا الغلام أحد، ومن أخذ من متاعهم شيئا فليرده عليهم، قال:
فو الله ما ردّ أحد شيئا.
فقال له على بن الحسين: جزيت خيرا فقد دفع الله عنى بمقالتك شرا، قالوا: ثم جاء سنان بن أنس إلى باب فسطاط عمر بن سعد فنادى بأعلى صوته:
أوقر ركابي فضة وذهبا … أنا قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا
فقال عمر بن سعد: أدخلوه عليّ، فلما دخل رماه بالسوط وقال: ويحك أنت مجنون، والله لو سمعك ابن زياد تقول هذا لضرب عنقك. ومنّ عمر بن سعد على عقبة بن سمعان حين أخبره أنه مولى، فلم ينج منهم غيره. والمرفع بن يمانة أسر فمنّ عليه ابن زياد، وقتل من أصحاب الحسين اثنان وسبعون نفسا، فدفنهم أهل الغاضرية من بنى أسد بعد ما قتلوا بيوم واحد، قال: ثم أمر عمر بن سعد أن يوطأ الحسين بالخيل، ولا يصح ذلك والله أعلم. وقتل من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون نفسا. وروى عن محمد بن الحنفية أنه قال: قتل مع الحسين سبعة عشر رجلا كلهم من أولاد فاطمة، وعن الحسن البصري أنه قال: قتل مع الحسين ستة عشر رجلا كلهم من أهل بيته، ما على وجه الأرض يومئذ لهم شبه. وقال غيره: قتل معه من ولده وإخوته وأهل بيته ثلاثة وعشرون رجلا، فمن أولاد على ﵁ جعفر، والحسين، والعباس، ومحمد، وعثمان، وأبو بكر. ومن أولاد الحسين على الأكبر وعبد الله. ومن أولاد أخيه الحسن ثلاثة، عبد الله، والقاسم، وأبو بكر بنو الحسن بن على ابن أبى طالب. ومن أولاد عبد الله بن جعفر اثنان، عون ومحمد. ومن أولاد عقيل، جعفر، وعبد الله وعبد الرحمن، ومسلم قتل قبل ذلك كما قدمنا. فهؤلاء أربعة لصلبه، واثنان آخران هما عبد الله بن مسلم بن عقيل ومحمد بن أبى سعيد بن عقيل، فكملوا ستة من ولد عقيل، وفيهم يقول الشاعر. -
واندبي تسعة لصلب على … قد أصيبوا وستة لعقيل
وسمى النبي غودر فيهم … قد علوه بصارم مصقول
وممن قتل مع الحسين بكربلاء أخوه من الرضاعة عبد الله بن يقطر، وقد قيل إنه قتل قبل ذلك حيث بعث معه كتابا إلى أهل الكوفة فحمل إلى ابن زياد فقتله. وقتل من أهل الكوفة من أصحاب عمر بن سعد ثمانية وثمانون رجلا سوى الجرحى، فصلى عليهم عمر بن سعد ودفنهم. ويقال إن عمر بن سعد أمر عشرة فرسان فداسوا الحسين بحوافر خيولهم حتى ألصقوه بالأرض يوم المعركة، وأمر برأسه أن يحمل من يومه إلى ابن زياد مع خولى بن يزيد الأصبحي، فلما انتهى به إلى القصر وجده مغلقا فرجع به إلى منزله فوضعه تحت إجّانة وقال لامرأته نوار بنت مالك: جئتك بعز الدهر، فقالت:
وما هو؟ فقال: برأس الحسين. فقالت: جاء الناس بالذهب والفضة، وجئت أنت برأس ابن بنت
стр. 2674
رسول الله ﷺ ؟ والله لا يجمعني وإياك فراش أبدا، ثم نهضت عنه من الفراش، واستدعى بامرأة له أخرى من بنى أسد فنامت عنده قالت المرأة الثانية الاسدية: والله ما زلت أرى النور ساطعا من تلك الاجانة إلى السماء، وطيورا بيضا ترفرف حولها، فلما أصبح غدا به إلى ابن زياد فأحضره بين يديه، ويقال إنه كان معه رءوس بقية أصحابه، وهو المشهور. ومجموعها اثنان وسبعون رأسا، وذلك أنه ما قتل قتيل إلا احتزوا رأسه وحملوه إلى ابن زياد، ثم بعث بها ابن زياد إلى يزيد بن معاوية إلى الشام.
قال الامام أحمد: حدثنا حسين ثنا جرير عن محمد عن أنس. قال: أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين فجعل في طست فجعل ينكت عليه وقال في حسنه شيئا، فقال أنس: إنه كان أشبههم برسول الله ﷺ ، وكان مخضوبا بالوشمة. ورواه البخاري في المناقب عن محمد بن الحسن بن إبراهيم - هو ابن إشكاب - عن حسين بن محمد عن جرير بن حازم عن محمد بن سيرين عن أنس فذكره. وقد رواه الترمذي من حديث حفصة بنت سيرين عن أنس. وقال: حسن صحيح، وفيه «فجعل ينكت بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا». وقال البزار: حدثنا مفرّج بن شجاع بن عبيد الله الموصلي ثنا غسان بن الربيع ثنا يونس بن عبيدة عن ثابت وحميد عن أنس. قال: لما أتى عبيد الله بن زياد برأس الحسين جعل ينكت بالقضيب ثناياه ويقول: لقد كان - أحسبه قال جميلا - فقلت: والله لأسوءنك «إني رأيت رسول الله ﷺ يلثم حيث يقع قضيبك». قال فانقبض.
تفرد به البزار من هذا الوجه وقال: لا نعلم رواه عن حميد غير يونس بن عبدة وهو رجل من أهل البصرة مشهور وليس به بأس. ورواه أبو يعلى الموصلي عن إبراهيم بن الحجاج عن حماد بن سلمة عن على بن زيد عن أنس فذكره. ورواه قرة بن خالد عن الحسن عن أنس فذكره.
وقال أبو مخنف عن سليمان بن أبى راشد عن حميد بن مسلم. قال: دعاني عمر بن سعد فسرّحنى إلى أهله لأبشرهم بما فتح الله عليه وبعافيته، فأجد ابن زياد قد جلس للناس، وقد دخل عليه الوفد الذين قدموا عليه، فدخلت فيمن دخل. فإذا رأس الحسين موضوع بين يديه، وإذا هو ينكت فيه بقضيب بين ثناياه ساعة، فقال له زيد بن أرقم: ارفع هذا القضيب عن هاتين الثنيتين، فو الله الّذي لا إله إلا هو لقد رأيت شفتي رسول الله ﷺ على هاتين الثنيتين يقبلهما» ثم انفضخ الشيخ يبكى، فقال له ابن زياد: أبكى الله عينك، فو الله لولا أنك شيخ قد خرفت وذهب عقلك لضربت عنقك، قال: فنهض فخرج، فلما خرج قال الناس: والله لقد قال زيد بن أرقم كلاما لو سمعه ابن زياد لقتله، قال: فقلت ما قال؟ قالوا: مر بنا وهو يقول: ملك عبد عبيدا * فاتخذهم تليدا * أنتم يا معشر العرب العبيد بعد اليوم، قتلتم ابن فاطمة، وأمرتم ابن مرجانة، فهو يقتل خياركم، ويستعبد شراركم، فبعدا لمن رضى بالذل. وقد روى من طريق أبى داود باسناده عن زيد بن أرقم بنحوه.
стр. 2675
ورواه الطبراني من طريق ثابت عن زيد.
وقد قال الترمذي: حدثنا واصل بن عبد الأعلى ثنا أبو معاوية عن الأعمش عن عمارة بن عمير. قال: لما جيء برأس عبيد الله بن زياد وأصحابه فنصبت في المسجد في الرحبة فانتهيت إليهم وهم يقولون: قد جاءت قد جاءت، فإذا حية قد جاءت تتخلل الرءوس حتى دخلت في منخري عبيد الله بن زياد، فمكثت هنيهة ثم خرجت، فذهبت حتى، تغيب ثم قالوا: قد جاءت قد جاءت، ففعلت ذلك مرتين أو ثلاثا. ثم قال الترمذي: حسن صحيح.
وأمر ابن زياد فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فصعد المنبر فذكر ما فتح الله عليه من قتل الحسين الّذي أراد أن يسلبهم الملك ويفرق الكلمة عليهم، فقام إليه عبد الله بن عفيف الأزدي، فقال: ويحك يا ابن زياد!! تقتلون أولاد النبيين وتتكلمون بكلام الصّديقين! فأمر به ابن زياد فقتل وصلب. ثم أمر برأس الحسين فنصب بالكوفة وطيف به في أزقتها، ثم سيره مع زحر بن قيس ومعه رءوس أصحابه إلى يزيد بن معاوية بالشام، وكان مع زحر جماعة من الفرسان، منهم أبو بردة بن عوف الأزدي: وطارق بن أبى ظبيان الأزدي، فخرجوا حتى قدموا بالرءوس كلها على يزيد بن معاوية.
قال هشام: فحدثني عبد الله بن يزيد بن روح بن زنباع الجذامي عن أبيه عن الغاز بن ربيعة الجرشى من حمير. قال: والله إني لعند يزيد بن معاوية بدمشق إذ أقبل زحر بن قيس فدخل على يزيد، فقال له يزيد: ويحك ما وراءك؟ [فقال أبشر يا أمير المؤمنين بفتح الله عليك ونصره، ورد علينا الحسين بن على بن أبى طالب وثمانية عشر من أهل بيته، وستون رجلا من شيعته، فسرنا إليهم فسألناهم أن يستسلموا وينزلوا على حكم الأمير عبيد الله بن زياد أو القتال، فاختاروا القتال، فغدونا إليهم مع شروق الشمس فأحطنا بهم من كل ناحية حتى أخذت السيوف مأخذها من هام القوم، فجعلوا يهربون إلى غير مهرب ولا وزر، ويلوذون منا بالآكام والحفر، لواذا كما لاذ الحمام من صقر، فو الله ما كانوا إلا حزر جزور، أو نومة قائل، حتى أتينا على آخرهم، فهاتيك أجسادهم مجردة، وثيابهم مزمّلة، وخدودهم معفرة، تصهرهم الشمس وتسفى عليهم الريح، وازرهم العقبان والرخم] (١) قال: فدمعت عينا يزيد بن معاوية وقال: كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن سمية، أما والله لو أنى صاحبه لعفوت عنه، ورحم الله الحسين. ولم يصل الّذي جاء برأسه بشيء. ولما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد قال: أما والله لو أنى صاحبك ما قتلتك، ثم أنشد قول الحسين بن الحمام المري الشاعر
يفلقن هاماً من رجال أعزّة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
стр. 2676
قال أبو مخنف: فحدثني أبو جعفر العبسيّ قال: وقام يحيى بن الحكم - أخو مروان بن الحكم - فقال: -
لهام بجنب الطف أدنى قرابة … من ابن زياد العبد ذي الحسب الوغل
سمية أضحى نسلها عدد الحصى … وليس لآل المصطفى اليوم من نسل
قال: فضرب يزيد في صدر يحيى بن الحكم وقال له: اسكت، وقال محمد بن حميد الرازيّ - وهو شيعي -: ثنا محمد بن يحيى الأحمري ثنا ليث عن مجاهد قال، لما جيء برأس الحسين فوضع بين يدي يزيد تمثل بهذه الأبيات: -
ليت أشياخى ببدر شهدوا … جزع الخزرج في وقع الأسل
فأهلّوا واستهلوا فرحا … ثم قالوا لي هنيا لا تسل
حين حكت بفناء بركها … واستحر القتل في عبد الأسل
قد قتلنا الضعف من أشرافكم … وعدلنا ميل بدر فاعتدل (١)
قال مجاهد: نافق فيها، والله ثم والله ما بقي في جيشه أحد إلا تركه أي ذمه وعابه.
وقد اختلف العلماء بعدها في رأس الحسين هل سيّره ابن زياد إلى الشام إلى يزيد أم لا، على قولين، الأظهر منهما أنه سيره إليه، وقد ورد في ذلك آثار كثيرة فالله أعلم. وقال أبو مخنف عن أبى حمزة الثمالي عن عبد الله اليماني عن القاسم بن بخيت، قال: لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد بن معاوية جعل ينكت بقضيب كان في يده في ثغره، ثم قال: إن هذا وإيانا كما قال الحصين ابن الحمام المري: -
يفلقن هاما من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعق وأظلما
فقال له أبو برزة الأسلمي: أما والله لقد أخذ قضيبك هذا مأخذا لقد رأيت رسول الله ﷺ يرشفه، ثم قال: ألا إن هذا سيجيء يوم القيامة وشفيعه محمد، وتجيء وشفيعك ابن زياد. ثم قام فولى. وقد رواه ابن أبى الدنيا عن أبى الوليد عن خالد بن يزيد بن أسد عن عمار الدّهنى عن جعفر. قال:
لما وضع رأس الحسين بين يدي يزيد وعنده أبو برزة وجعل ينكت بالقضيب فقال له: «ارفع قضيبك فلقد رأيت رسول الله ﷺ يلثمه». قال ابن أبى الدنيا: وحدثني مسلمة بن شبيب عن الحميدي عن سفيان سمعت سالم بن أبى حفصة قال قال الحسن: لما جيء برأس الحسين جعل يزيد
стр. 2677
يطعن بالقضيب، قال سفيان وأخبرت أن الحصين كان ينشد على إثر هذا: -
سمية أمسى نسلها عدد الحصى … وبنت رسول الله ليس لها نسل
وأما بقية أهله ونسائه فان عمر بن سعد وكلّ بهم من يحرسهم ويكلؤهم، ثم أركبوهم على الرواحل في الهوادج، فلما مرّوا بمكان المعركة ورأوا الحسين وأصحابه مطرحين لك بكته النساء، وصرخن، وندبت زينب أخاها الحسين وأهلها، فقالت وهي تبكى:
يا محمداه، يا محمداه * صلّى عليك الله * وملك السماه * هذا حسين بالعراه * مزمل بالدماه، مقطع الأعضاء يا محمداه * وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة، تسفى عليها الصبا. قال فأبكت والله كل عدوّ وصديق.
[قال قرة بن قيس لما مرّت النسوة بالقتلى صحن ولطمن خدودهن، قال: فما رأيت من منظر من نسوة قط أحسن منظر رأيته منهن ذلك اليوم، والله إنهن لأحسن من مهابيرين. وذكر الحديث كما تقدم] (١). ثم قال: ثم ساروا بهم من كربلاء حتى دخلوا الكوفة فأكرمهم ابن زياد وأجرى عليهم النفقات والكساوى وغيرها، [قال: ودخلت زينب ابنة فاطمة في أرذل ثيابها قد تنكرت وحفّت بها إماؤها، فلما دخلت على عبيد الله بن زياد قال: من هذه؟ فلم تكلمه، فقال بعض إمائها: هذه زينب بنت فاطمة، فقال: الحمد لله الّذي فضحكم وقتلكم وكذّب أحدوثتكم.
فقالت: بل الحمد لله الّذي أكرمنا بمحمد وطهرنا تطهيرا لا كما نقول، وإنما يفتضح الفاسق ويكذب الفاجر. قال: كيف رأيت صنع الله بأهل بيتكم؟ فقالت: كتب عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم، وسيجمع الله بينك وبينهم فيحاجونك إلى الله. فغضب ابن زياد واستشاط، فقال له عمرو بن حريث: أصلح الله الأمير! إنما هي امرأة، وهل تؤاخذ المرأة بشيء من منطقها؟ إنها لا تؤاخذ بما تقول ولا تلام على خطل.
وقال أبو مخنف عن المجالد عن سعيد: إن ابن زياد لما نظر إلى على بن الحسين «زين العابدين» قال لشرطى: انظر أأدرك هذا الغلام، فان كان أدرك فانطلقوا به فاضربوا عنقه؟ فكشف إزاره عنه فقال: نعم! فقال: اذهب به فاضرب عنقه، فقال له على بن الحسين: إن كان بينك وبين هؤلاء النسوة قرابة فابعث معهن رجلا يحافظ عليهنّ، فقال له ابن زياد: تعال أنت! فبعثه معهن.
قال أبو مخنف: وأما سليمان بن أبى راشد فحدثني عن حميد بن مسلم قال: إني لقائم عند ابن زياد حين عرض عليه على بن الحسين، فقال له ما اسمك؟ قال: أنا على بن الحسين، قال: أو لم يقتل الله على ابن الحسين؟ فسكت، فقال له ابن زياد. مالك لا تتكلم؟ قال: كان لي أخ يقال له على أيضا قتله
стр. 2678
الناس. قال: إن الله قتله، فسكت، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها﴾ ﴿وَما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاّ بِإِذْنِ اللهِ﴾ قال: أنت والله منهم، ويحك!! انظروا هذا أدرك؟ والله إني لأحسبه رجلا، فكشف عنه مري بن معاد الأحمري فقال: نعم قد أدرك، فقال: اقتله، فقال على بن الحسين: من يوكل بهذه النسوة؟ وتعلقت به زينب عمته فقالت: يا ابن زياد حسبك منا ما فعلت بنا، أما رويت من دمائنا؟ وهل أبقيت منا أحدا؟ قال: واعتنقته وقالت: أسألك بالله إن كنت مؤمنا إن قتلته لما قتلني معه، وناداه على فقال: يا ابن زياد!! إن كان بينك وبينهن قرابة فابعث معهن رجلا تقيا يصحبهن بصحبة الإسلام. قال: فنظر إليهن ساعة ثم نظر إلى القوم فقال: عجبا للرحم!! والله إني لأظن أنها ودّت لو أنى قتلته أن أقتلها معه، دعوا الغلام، انطلق مع نسائك. قال: ثم إن ابن زياد أمر بنساء الحسين وصبيانه وبناته فجهزن إلى يزيد، وأمر بعلي بن الحسين فغل بغل إلى عنقه، وأرسلهم مع محقر بن ثعلبة العائذى - من عائذة قريش - ومع شمر بن ذي الجوشن قبحه الله، فلما بلغوا باب يزيد بن معاوية رفع محقر بن ثعلبة صوته فقال: هذا محقر بن ثعلبة، أنى أمير المؤمنين باللئام الفجرة، فأجابه يزيد بن معاوية: ما ولدت أم محقر شر وألأم] (١).
فلما دخلت الرءوس والنساء على يزيد دعا أشراف الشام فأجلسهم حوله، ثم دعا بعلي بن الحسين وصبيان الحسين ونسائه، فأدخلن عليه والناس ينظرون، فقال لعلى بن الحسين: يا على أبوك قطع رحمي وجهل حقي ونازعنى سلطاني، فصنع الله به ما قد رأيت. فقال على: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ﴾ فقال يزيد لابنه خالد: أجبه. قال: فما دري خالد ما يرد عليه، فقال له يزيد: قل ﴿ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ فسكت عنه ساعة ثم دعا بالنساء والصبيان فرأى هيئة قبيحة، فقال: قبح الله بن مرجانة، لو كانت بينهم وبينه قرابة ورحم ما فعل هذا بهم، ولا بعث بكم هكذا.
وروى أبو مخنف عن الحارث بن كعب عن فاطمة بنت على قالت: لما أجلسنا بين يدي يزيد رق لنا وأمر لنا بشيء وألطفنا، ثم إن رجلا من أهل الشام أحمر قام إلى يزيد فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه - يعنيني - وكنت جارية وضيئة، فارتعدت فزعة من قوله، وظننت أن ذلك جائز لهم، فأخذت بثياب أختى زينب - وكانت أكبر منى وأعقل، وكانت تعلم أن ذلك لا يجوز - فقالت لذلك الرجل: كذبت والله ولؤمت، ما ذلك لك وله: فغضب يزيد فقال لها: كذبت! والله إن ذلك لي، ولو شئت أن أفعله لفعلت. قالت: كلا! والله ما جعل الله ذلك لك إلا أن تخرج من ملتنا وتدين بغير ديننا. قالت: فغضب يزيد واستطار ثم قال: إياي تستقبلين بهذا؟ إنما خرج من
стр. 2679
الدين أبوك وأخوك، فقالت زينب: بدين الله ودين أبى ودين أخى وجدي اهتديت أنت وأبوك وجدك. قال: كذبت يا عدوة الله. قالت: أنت أمير المؤمنين مسلط تشتم ظالما وتقهر بسلطانك.
قالت: فو الله لكأنه استحى فسكت، ثم قام ذلك الرجل فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه. فقال له يزيد: اعزب وهب الله لك حتفا قاضيا. ثم أمر يزيد النعمان بن بشير أن يبعث معهم إلى المدينة رجلا أمينا معه رجال وخيل، ويكون على بن الحسين معهن. ثم أنزل النساء عند حريمه في دار الخلافة فاستقبلهن نساء آل معاوية يبكين وينحن على الحسين، ثم أقمن المناحة ثلاثة أيام، وكان يزيد لا يتغدى ولا يتعشى إلا ومعه على بن الحسين وأخوه عمر بن الحسين، فقال يزيد يوما لعمر بن الحسين - وكان صغيرا جدا - أتقاتل هذا؟ - يعنى ابنه خالد بن يزيد - يريد بذلك ممازحته وملاعبته، فقال: أعطني سكينا وأعطه سكينا حتى نتقاتل، فأخذه يزيد فضمه إليه وقال: شنشنة أعرفها من أخزم، هل تلد الحية إلا حية؟ ولما ودعهم يزيد قال لعلى بن الحسين: قبح الله بن سمية، أما والله لو أنى صاحب أبيك ما سألني خصلة إلا أعطيته إياها، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدى، ولكن الله قضى ما رأيت، ثم جهزه وأعطاه مالا كثيراً وكساهم وأوصى بهم ذلك الرسول، وقال له: كاتبني بكل حاجة تكون لك، فكان ذلك الرسول الّذي أرسله معهن يسير عنهن بمعزل من الطريق، ويبعد عنهن بحيث يدركهن طرفه وهو في خدمتهم حتى وصلوا المدينة، فقالت فاطمة بنت على:
قلت لأختى زينب: إن هذا الرجل الّذي أرسل معنا قد أحسن صحبتنا فهل لك أن نصله؟ فقالت:
والله ما معنا شيء نصله به إلا حلينا، قالت وقلت لها: نعطيه حلينا، قالت: فأخذت سواري ودملجي، وأخذت أختى سوارها ودملجها وبعثنا به إليه واعتذرنا إليه وقلنا: هذا جزاؤك بحسن صحبتك لنا، فقال: لو كان الّذي صنعت معكم إنما هو للدنيا كان في هذا الّذي أرسلتموه ما يرضيني وزيادة، ولكن والله ما فعلت ذلك إلا لله تعالى ولقرابتكم من رسول الله ﷺ .
[وقيل إن يزيد لما رأى رأس الحسين قال: أتدرون من أين أتى ابن فاطمة؟ وما الحامل له على ما فعل، وما الّذي أوقعه فيما وقع فيه؟ قالوا: لا! قال: يزعم أن أباه خير من أبى، وأمه فاطمة بنت رسول الله ﷺ خير من أمى، وجده رسول الله خير من جدي، وأنه خير منى وأحق بهذا الأمر منى، فأما قوله أبوه خير من أبى فقد حاج أبى أباه إلى الله ، وعلم الناس أيهما حكم له، وأما قوله أمه خير من أمى فلعمري إن فاطمة بنت رسول الله ﷺ خير من أمى، وأما قوله جده رسول الله خير من جدي، فلعمري ما أحد يؤمن بالله واليوم الآخر يرى أن لرسول الله فينا عدلا ولا ندا، ولكنه إنما أتى من قلة فقهه لم يقرأ ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ﴾
стр. 2680
تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ الآية، وقوله تعالى ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾. فلما دخلت النساء على يزيد قالت فاطمة بنت الحسين - وكانت أكبر من سكينة - يا يزيد! بنات رسول الله ﷺ سبايا. فقال يزيد: يا بنت أخي، أنا لهذا كنت أكره. قالت قلت والله ما تركوا لنا خرصاً، فقال: ابنة أخى! ما أتى إليك أعظم مما ذهب لك. ثم أدخلهن داره ثم أرسل إلى كل امرأة منهن ماذا أخذ لك؟ فليس منهن امرأة تدعى شيئا بالغا ما بلغ إلا أضعفه لها.
وقال هشام عن أبى مختف: حدثني أبو حمزة الثمالي عن عبد الله الثمالي عن القاسم بن نجيب.
قال: لما أقبل وفد الكوفة برأس الحسين دخلوا به مسجد دمشق فقال لهم مروان بن الحكم: كيف صنعتم؟ قالوا: ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلا فأتينا والله على آخرهم، وهذه الرءوس والسبايا، فوثب مروان وانصرف، وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما صنعتم؟ فقالوا له مثل ما قالوا لأخيه، فقال لهم: حجبتم عن محمد ﷺ يوم القيامة، لن أجامعكم على أمر أبدا، ثم قام فانصرف. قال:
ولما بلغ أهل المدينة مقتل الحسين بكى عليه نساء بنى هاشم ونحن عليه. وروى أن يزيد استشار الناس في أمرهم فقال رجال ممن قبحهم الله: يا أمير المؤمنين لا يتخذن من كلب سوء جروا، اقتل على ابن الحسين حتى لا يبقى من ذرية الحسين أحد، فسكت يزيد فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين اعمل معهم كما كان يعمل معهم رسول الله ﷺ لو رآهم على هذه الحال. فرق عليهم يزيد وبعث بهم إلى الحمام وأجرى عليهم الكساوى والعطايا والاطعمة، وأنزلهم في داره] (١).
وهذا يرد قول الرافضة: إنهم حملوا على جنائب الإبل سبايا عرايا، حتى كذب من زعم منهم أن الإبل البخاتي إنما نبتت لها الأسنمة من ذلك اليوم لتستر عوراتهن من قبلهن ودبرهن.
ثم كتب ابن زياد إلى عمرو بن سعيد أمير الحرمين يبشره بمقتل الحسين، فأمر مناديا فنادى بذلك. فلما سمع نساء بنى هاشم ارتفعت أصواتهن بالبكاء والنوح، فجعل عمرو بن سعيد يقول: هذا ببكاء نساء عثمان بن عفان. وقال عبد الملك بن عمير: دخلت على عبيد الله بن زياد وإذا رأس الحسين بن على بين يديه على ترس، فو الله ما لبثت إلا قليلا حتى دخلت على المختار بن أبى عبيد وإذا رأس عبيد الله بن زياد بين يدي المختار على ترس، ووالله ما لبثت إلا قليلا حتى دخلت على عبد الملك بن مروان وإذا رأس مصعب بن الزبير على ترس بين يديه.
وقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تاريخه: حدثني زكريا بن يحيى الضرير ثنا أحمد بن خباب المصيصي ثنا خالد بن يزيد عن عبد الله القسري ثنا عمار الدهني قال: قلت لأبى جعفر: حدثني عن مقتل الحسين كأنى حضرته، فقال: أقبل الحسين بكتاب مسلم بن عقيل الّذي كان قد كتبه إليه يأمره
стр. 2681
فيه بالقدوم عليه، حتى إذا كان بينه وبين القادسية ثلاث أميال، لقيه الحر بن يزيد التميمي فقال له: أين تريد؟ فقال: أريد هذا المصر، فقال له: أرجع فانى لم أدع لك خلفي خيرا أرجوه، فهمّ الحسين أن يرجع، وكان معه إخوة مسلم بن عقيل، فقالوا: والله لا نرجع حتى نأخذ بثأرنا ممن قتل أخانا أو نقتل. فقال: لا خير في الحياة بعدكم، فسار فلقيه أوائل خيل ابن زياد، فلما رأى ذلك عاد إلى كربلاء فأسند ظهره إلى قصيتا وحلفا ليقاتل من جهة واحدة. فنزل وضرب أبنيته وكان أصحابه خمسة وأربعين فارسا ومائة راجل، وكان عمر بن سعد بن أبى وقاص قد ولاه بن زياد الري وعهد إليه عهده، فقال: اكفني هذا الرجل واذهب إلى عملك، فقال: اعفنى. فأبى أن يعفيه، فقال: أنظرني الليلة، فأخره فنظر في أمره، فلما أصبح غدا عليه راضيا بما أمره به، فتوجه إليه عمر بن سعد فلما أتاه قال له الحسين: اختر واحدة من ثلاث، إما أن تدعوني فأنصرف من حيث جئت، وإما أن تدعوني فأذهب إلى يزيد، وإما أن تدعوني فألحق بالثغور. فقبل ذلك عمر، فكتب إليه عبيد الله ابن زياد لا ولا كرامة حتى يضع يده في يدي، فقال الحسين: لا والله لا يكون ذلك أبدا. فقاتله فقتل أصحاب الحسين كلهم وفيهم بضعة عشر شابا من أهل بيته، وجاءه سهم فأصاب ابنا له في حجره فجعل يمسح الدم ويقول: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم دعونا لينصرونا فقتلونا، ثم أمر بحبرة فشقها ثم لبسها وخرج بسيفه فقاتل حتى قتل، قتله رجل من مذحج وحز رأسه فانطلق به إلى ابن زياد وقال في ذلك: -
أوقر ركابي فضة وذهبا … فقد قتلت الملك المحجبا
قتلت خير الناس أما وأبا … وخيرهم إذ ينسبون نسبا
قال فأوفده إلى يزيد بن معاوية فوضع رأسه بين يديه، وعنده أبو برزة الأسلمي، فجعل يزيد ينكت بالقضيب على فيه ويقول: -
يفلّقن هاما من رجال أعزة … علينا وهم كانوا أعقّ وأظلما
فقال له أبو برزة: ارفع قضيبك، فو الله لربما رأيت رسول الله ﷺ واضعا فيه على فيه يلثمه.
قال: وأرسل عمر بن سعد بحرمة وعياله إلى ابن زياد، ولم يكن بقي من آل الحسين إلا غلام، وكان مريضا مع النساء، فأمر به ابن زياد ليقتل فطرحت زينب نفسها عليه وقالت: والله لا يقتل حتى تقتلوني، فرّق لها وكف عنه، قال: فأرسلهم إلى يزيد فجمع يزيد من كان بحضرته من أهل الشام ثم دخلوا عليه فهنّوه بالفتح، فقام رجل منهم أحمر أزرق - ونظر إلى وصيفة من بناته - فقال: يا أمير المؤمنين هب لي هذه، فقالت زينب: لا ولا كرامة لك ولا له، إلا أن تخرجا من دين الله، قال:
فأعادها الأزرق فقال له يزيد: كف عن هذا. ثم أدخلهم على عياله، ثم حملهم إلى المدينة، فلما دخلوها خرجت امرأة من بنى عبد المطلب ناشرة شعرها واضعة كمها على رأسها تتلقاهم وهي تبكى
стр. 2682
وتقول:
ماذا تقولون إن قال النبي لكم … ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم
بعترتي وبأهلى بعد مفتقدي … منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم
ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم … أن تخلفوني بسوء في ذوى رحم
وقد روى أبو مخنف عن سليمان بن أبى راشد عن عبد الرحمن بن عبيد أبى الكنود أن بنت عقيل هي التي قالت هذا الشعر، وهكذا حكى الزبير بن بكار أن زينب الصغرى بنت عقيل بن أبى طالب هي التي قالت ذلك حين دخل آل الحسين المدينة النبويّة. وروى أبو بكر بن الأنباري باسناده أن زينب بنت على بن أبى طالب من فاطمة - وهي زوج عبد الله بن جعفر أم بنيه - رفعت سجف خبائها يوم كربلاء يوم قتل الحسين وقالت هذه الأبيات فالله أعلم. وقال هشام بن الكلبي:
حدثني بعض أصحابنا عن عمرو بن المقدام قال: حدثني عمر بن عكرمة قال: أصبحنا صبيحة قتل الحسين بالمدينة فإذا مولاة لنا تحدثنا قالت: سمعت البارحة مناديا ينادى وهو يقول:
أيها القاتلون ظلما حسينا … أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم … من نبي ومالك وقبيل
لقد لعنتم على لسان بن داود … وموسى وحامل الإنجيل
قال ابن هشام: حدثني عمرو بن حيزوم الكلبي عن أمه قالت: سمعت هذا الصوت. وقال الليث وأبو نعيم يوم السبت. ومما أنشده الحاكم أبو عبد الله النيسابورىّ وغيره لبعض المتقدمين في مقتل الحسين
جاءوا برأسك يا ابن بنت محمد … متزملا بدمائه تزميلا
وكأنما بك يا ابن بنت محمد … قتلوا جهارا عامدين رسولا
قتلوك عطشانا ولم يتدبروا … في قتلك القرآن والتنزيلا
ويكبرون بأن قتلت وإنما … قتلوا بك التكبير والتهليلا
فصل
وكان مقتل الحسين ﵁ يوم الجمعة، يوم عاشوراء من المحرم سنة إحدى وستين. وقال هشام بن الكلبي، سنة ثنتين وستين، وبه قال على بن المديني. وقال ابن لهيعة: سنة ثنتين أو ثلاث وستين. وقال غيره سنة ستين. والصحيح الأول. بمكان من الطّفّ يقال له كربلاء من أرض العراق وله من العمر ثمان وخمسون سنة أو نحوها، وأخطأ أبو نعيم في قوله: إنه قتل وله من العمر خمس أو ست وستون سنة
стр. 2683
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة - يعنى ابن زاذان - عن ثابت عن أنس قال: «استأذن ملك القطر أن يأتى النبي ﷺ فأذن له، فقال لأم سلمة: احفظى علينا الباب لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن على فوثب حتى دخل، فجعل يصعد على منكب النبي ﷺ ، فقال الملك: أنحبه؟ قال! نعم: فقال: إن أمتك تقتله، وإن شئت أريتك المكان الّذي يقتل فيه، قال: فضرب بيده فأراه ترابا أحمر، فأخذت أم سلمة ذلك التراب فصرته في طرف ثوبها». قال: فكنا نسمع أنه يقتل بكربلاء *
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع حدثني عبد الله ابن سعيد عن أبيه عن عائشة - أو أم سلمة - أن رسول الله ﷺ قال: «لقد دخل على البيت ملك لم يدخل قبلها، فقال لي: إن ابنك هذا حسين مقتول، وإن شئت أريتك الأرض التي يقتل بها، قال: فأخرج تربة حمراء». وقد روى هذا الحديث من غير وجه عن أم سلمة. ورواه الطبراني عن أبى أمامة وفيه قصة أم سلمة. ورواه محمد بن سعد عن عائشة بنحو رواية أم سلمة فالله أعلم. وروى ذلك من حديث زينب بنت جحش ولبابة أم الفضل امرأة العباس. وأرسله غير واحد من التابعين.
وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا محمد بن هارون أبو بكر ثنا إبراهيم بن محمد الرقى وعلى بن الحسن الرازيّ قالا: ثنا سعيد بن عبد الملك أبو واقد الحراني ثنا عطاء بن مسلم ثنا أشعث بن سحيم عن أبيه قال سمعت أنس بن الحارث يقول سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن ابني - يعنى الحسين - يقتل بأرض يقال لها كربلاء، فمن شهد منكم ذلك فلينصره». قال: فخرج أنس بن الحارث إلى كربلاء فقتل مع الحسين، قال: ولا أعلم رواه غيره.
وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن عبيد ثنا شراحيل بن مدرك عن عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه سار مع على - وكان صاحب مطهرته - فلما جاءوا نينوى وهو منطلق إلى صفين، فنادى على: اصبر أبا عبد الله، اصبر أبا عبد الله، بشط الفرات قلت: وماذا تريد؟ قال: «دخلت على رسول الله ﷺ ذات يوم وعيناه تفيضان فقلت: ما أبكاك يا رسول الله؟ قال: بلى قام من عندي جبريل قبل، فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، قال فقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ قال: فمد يده فقبض قبضة من تراب فأعطانيها فلم أملك عيني أن فاضتا». تفرد به أحمد.
وروى محمد بن سعد عن على بن محمد عن يحيى بن زكريا عن رجل عن عامر الشعبي عن على مثله.
وقد روى محمد بن سعد وغيره من غير وجه عن على بن أبى طالب أنه مرّ بكربلاء عند أشجار الحنظل وهو ذاهب إلى صفين، فسأل عن اسمها فقيل كربلاء، فقال: كرب وبلاء، فنزل وصلّى عند شجرة هناك ثم قال: يقتل هاهنا شهداء هم خير الشهداء غير الصحابة، يدخلون الجنة بغير حساب،
стр. 2684
- وأشار إلى مكان هناك - فعلموه بشيء فقتل فيه الحسين. وقد روى عن كعب الأحبار آثار في كربلاء وقد حكى أبو الجناب الكلبي وغيره أن أهل كربلاء لا يزالون يسمعون نوح الجن على الحسين وهن يقلن: -
مسح الرسول جبينه … فله بريق في الخدود
أبواه من عليا قريش … جده خير الجدود
وقد أجابهم بعض الناس فقال: -
خرجوا به وفدا إليه … فهم له شر الوفود
قتلوا ابن بنت نبيهم … سكنوا به ذات الخدود
وروى ابن عساكر أن طائفة من الناس ذهبوا في غزوة إلى بلاد الروم فوجدوا في كنيسة مكتوبا
أترجو أمة قتلت حسينا … شفاعة جده يوم الحساب؟
فسألوهم: من كتب هذا؟ فقالوا: إن هذا مكتوب هاهنا من قبل مبعث نبيكم بثلاثمائة سنة.
وروى أن الذين قتلوه رجعوا فباتوا وهم يشربون الخمر والرأس معهم، فبرز لهم قلم من حديد فرسم لهم في الحائط بدم هذا البيت
أترجو أمة قتلت حسينا … شفاعة جده يوم الحساب؟
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن وعفان ثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن ابن عباس. قال: «رأيت رسول الله ﷺ في المنام نصف النهار أشعث أغبر، معه قارورة فيها دم، فقلت: بأبي وأمى يا رسول الله ما هذا؟ قال: هذا دم الحسين وأصحابه لم أزل ألتقطه منذ اليوم». قال عمار: فأحصينا ذلك اليوم فوجدناه قد قتل في ذلك اليوم. تفرد به أحمد وإسناده قوى.
وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا عبد الله بن محمد بن هانئ أبو عبد الرحمن النحويّ ثنا مهدي ابن سليمان ثنا على بن زيد بن جدعان. قال: استيقظ ابن عباس من نومه فاسترجع وقال: قتل الحسين والله، فقال له أصحابه: لم يا ابن عباس؟ فقال: «رأيت رسول الله ﷺ ومعه زجاجة من دم فقال: أتعلم ما صنعت أمتى من بعدي؟ قتلوا الحسين وهذا دمه ودم أصحابه أرفعهما إلى الله».
فكتب ذلك اليوم الّذي قال فيه، وتلك الساعة، فما لبثوا إلا أربعة وعشرين يوما حتى جاءهم الخبر بالمدينة أنه قتل في ذلك اليوم وتلك الساعة. وروى الترمذي عن أبى سعيد الأشج عن أبى خالد الأحمر عن رزين عن سلمى قالت: دخلت على أم سلمة وهي تبكى فقلت: ما يبكيك؟ فقالت:
رأيت رسول الله ﷺ وعلى رأسه ولحيته التراب، فقلت: ما لك يا رسول الله؟ قال: «شهدت قتل الحسين آنفا»
стр. 2685
وقال محمد بن سعد: أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري أنبأنا قرة بن خالد أخبرنى عامر بن عبد الواحد عن شهر بن حوشب قال: إنا لعند أم سلمة زوج النبي ﷺ فسمعنا صارخة فأقبلت حتى انتهت إلى أم سلمة فقالت: قتل الحسين. فقالت: قد فعلوها، ملأ الله قبورهم - أو بيوتهم - عليهم نارا، ووقعت مغشيا عليها، وقمنا. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا ابن مسلم عن عمار قال: سمعت أم سلمة قالت: سمعت الجن يبكين على الحسين وسمعت الجن تنوح على الحسين. رواه الحسين بن إدريس عن هاشم بن هاشم عن أمه عن أم سلمة قالت: سمعت الجن ينحن على الحسين وهن يقلن.
أيها القاتلون جهلا حسينا … أبشروا بالعذاب والتنكيل
كل أهل السماء يدعو عليكم … ونبي ومرسل وقبيل
قد لعنتم على لسان ابن داود … وموسى وصاحب الإنجيل
وقد روى من طريق أخرى عن أم سلمة بشعر غير هذا فالله أعلم.
وقال الخطيب: أنبأنا أحمد بن عثمان بن ساج السكرى ثنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم الشافعيّ ثنا محمد بن شداد المسمعي ثنا أبو نعيم ثنا عبيد الله بن حبيب بن أبى ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. قال: «أوحى الله تعالى إلى محمد إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفا، وأنا قاتل بابن بنتك سبعين ألفا وسبعين ألفا». هذا حديث غريب جداً، وقد رواه الحاكم في مستدركه. وقد ذكر الطبراني هاهنا آثارا غريبة جدا، ولقد بالغ الشيعة في يوم عاشوراء، فوضعوا أحاديث كثيرة كذبا فاحشا، من كون الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وما رفع يومئذ حجر إلا وجد تحته دم، وأن أرجاء السماء احمرت، وأن الشمس كانت تطلع وشعاعها كأنه الدم، وصارت السماء كأنها علقة، وأن الكواكب ضرب بعضها بعضاً، وأمطرت السماء دما أحمر، وأن الحمرة لم تكن في السماء قبل يومئذ، ونحو ذلك. وروى ابن لهيعة عن أبى قبيل المعافري أن الشمس كسفت يومئذ حتى بدت النجوم وقت الظهر، وأن رأس الحسين لما دخلوا به قصر الامارة جعلت الحيطان تسيل دما، وأن الأرض أظلمت ثلاثة أيام، ولم يمس زعفران ولا ورس (١) بما كان معه يومئذ إلا احترق من مسه، ولم يرفع حجر من حجارة بيت المقدس إلا ظهر تحته دم عبيط، وأن الإبل التي غنموها من إبل الحسين حين طبخوها صار لحمها مثل العلقم. إلى غير ذلك من الأكاذيب والأحاديث الموضوعة التي لا يصح منها شيء.
وأما ما روى من الأحاديث والفتن التي أصابت من قتله فأكثرها صحيح، فإنه قل من نجا من
стр. 2686
أولئك الذين قتلوه من آفة وعاهة في الدنيا، فلم يخرج منها حتى أصيب بمرض، وأكثرهم أصابهم الجنون. وللشيعة والرافضة في صفة مصرع الحسين كذب كثير وأخبار باطلة، وفيما ذكرنا كفاية، وفي بعض ما أوردناه نظر، ولولا أن ابن جرير وغيره من الحفاظ والأئمة ذكروه ما سقته، وأكثره من رواية أبى مخنف لوط بن يحيى، وقد كان شيعيا، وهو ضعيف الحديث عند الأئمة، ولكنه أخبارى حافظ، عنده من هذه الأشياء ما ليس عند غيره، ولهذا يترامى عليه كثير من المصنفين في هذا الشأن ممن بعده والله أعلم.
وقد أسرف الرافضة في دولة بنى بويه في حدود الأربعمائة وما حولها فكانت الدبادب تضرب ببغداد ونحوها من البلاد في يوم عاشوراء، ويذر الرماد والتبن في الطرقات والأسواق، وتعلق المسوح على الدكاكين، ويظهر الناس الحزن والبكاء، وكثير منهم لا يشرب الماء ليلتئذ موافقة للحسين لانه قتل عطشانا. ثم تخرج النساء حاسرات عن وجوههن ينحن ويلطمن وجوههن وصدورهن، حافيات في الأسواق إلى غير ذلك من البدع الشنيعة، والأهواء الفظيعة، والهتائك المخترعة وإنما يريدون بهذا وأشباهه أن يشنعوا على دولة بنى أمية، لانه قتل في دولتهم.
[وقد عاكس الرافضة والشيعة يوم عاشوراء النواصب من أهل الشام، فكانوا إلى يوم عاشوراء يطبخون الحبوب ويغتسلون ويتطيبون ويلبسون أفخر ثيابهم ويتخذون ذلك اليوم عيداً يصنعون فيه أنواع الأطعمة، ويظهرون السرور والفرح، يريدون بذلك عناد الروافض ومعاكستهم] (١).
وقد تأول عليه من قتله أنه جاء ليفرق كلمة المسلمين بعد اجتماعها وليخلع من بايعه من الناس واجتمعوا عليه، وقد ورد في صحيح مسلم الحديث بالزجر عن ذلك، والتحذير منه، والتوعد عليه وبتقدير أن تكون طائفة من الجهلة قد تأوّلوا عليه وقتلوه ولم يكن لهم قتله، بل كان يجب عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخصال الثلاثة المتقدم ذكرها، فإذا ذمت طائفة من الجبارين تذم الأمة كلها بكمالها وتتهم على نبيها ﷺ ، فليس الأمر كما ذهبوا إليه، ولا كما سلكوه، بل أكثر الأئمة قديما وحديثا كاره ما وقع من قتله وقتل أصحابه، سوى شرذمة قليلة من أهل الكوفة قبحهم الله، وأكثرهم كانوا قد كاتبوه ليتوصلوا به إلى أغراضهم ومقاصدهم الفاسدة [فلما علم ذلك ابن زياد منهم بلغهم ما يريدون من الدنيا وآخذهم على ذلك وحملهم عليه بالرغبة والرهبة، فانكفوا عن الحسين وخذلوه ثم قتلوه] (٢). وليس كل ذلك الجيش كان راضيا بما وقع من قتله، بل ولا يزيد بن معاوية رضى بذلك والله أعلم، ولا كرهه، والّذي يكاد يغلب على الظن أن يزيد لو قدر عليه قبل أن يقتل لعفا عنه كما أوصاه بذلك أبوه، وكما صرح هو به مخبرا عن
стр. 2687
نفسه بذلك. [وقد لعن ابن زياد على فعله ذلك وشتمه فيما يظهر ويبدو، ولكن لم يعزله على ذلك ولا عاقبه ولا أرسل يعيب عليه ذلك والله أعلم] (١).
فكل مسلم ينبغي له أن يحزنه قتله ﵁، فإنه من سادات المسلمين، وعلماء الصحابة وابن بنت رسول الله ﷺ التي هي أفضل بناته، وقد كان عابدا وشجاعا وسخيا، ولكن لا يحسن ما يفعله الشيعة من إظهار الجزع والحزن الّذي لعل أكثره تصنع ورياء، وقد كان أبوه أفضل منه فقتل، وهم لا يتخذون مقتله مأتما كيوم مقتل الحسين، فان أباه قتل يوم الجمعة وهو خارج إلى صلاة الفجر في السابع عشر من رمضان سنة أربعين، وكذلك عثمان كان أفضل من على عند أهل السنة والجماعة، وقد قتل وهو محصور في داره في أيام التشريق من شهر ذي الحجة سنة ست وثلاثين، وقد ذبح من الوريد إلى الوريد، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك عمر بن الخطاب وهو أفضل من عثمان وعلى، قتل وهو قائم يصلى في المحراب صلاة الفجر ويقرأ القرآن، ولم يتخذ الناس يوم قتله مأتما، وكذلك الصديق كان أفضل منه ولم يتخذ الناس يوم وفاته مأتما، ورسول الله ﷺ سيد ولد آدم في الدنيا والآخرة، وقد قبضه الله إليه كما مات الأنبياء قبله، ولم يتخذ أحد يوم موتهم مأتما يفعلون فيه ما يفعله هؤلاء الجهلة من الرافضة يوم مصرع الحسين. [ولا ذكر أحد أنه ظهر يوم موتهم وقبلهم شيء مما ادعاه هؤلاء يوم مقتل الحسين من الأمور المتقدمة، مثل كسوف الشمس والحمرة التي تطلع في السماء وغير ذلك] (٢).
وأحسن ما يقال عند ذكر هذه المصائب وأمثالها ما
رواه على بن الحسين عن جده رسول الله ﷺ أنه قال: «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيتذكرها وإن تقادم عهدها فيحدث لها استرجاعا إلا أعطاه الله من الأجر مثل يوم أصيب منها». رواه الإمام أحمد وابن ماجة.
وأما قبر الحسين ﵁
فقد اشتهر عند كثير من المتأخرين أنه في مشهد على. بمكان من الطف عند نهر كربلاء، فيقال إن ذلك المشهد مبنى على قبره فالله أعلم. وقد ذكر ابن جرير وغيره أن موضع قتله عفى أثره حتى لم يطلع أحد على تعيينه بخبر: وقد كان أبو نعيم، الفضل بن دكين، ينكر على من يزعم أنه يعرف قبر الحسين. وذكر هشام بن الكلبي أن الماء لما أجرى على قبر الحسين ليمحى أثره نضب الماء بعد أربعين يوما، فجاء أعرابى من بنى أسد فجعل يأخذ قبضة قبضة ويشمها حتى وقع على قبر الحسين فبكى وقال: بأبي أنت وأمى، ما كان أطيبك وأطيب تربتك!! ثم أنشأ يقول: -
أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه … فطيب تراب القبر دل على القبر
стр. 2688
وأما رأس الحسين ﵁
فالمشهور عند أهل التاريخ وأهل السير أنه بعث به ابن زياد إلى يزيد بن معاوية، ومن الناس من أنكر ذلك. وعندي أن الأول أشهر فالله أعلم. ثم اختلفوا بعد ذلك في المكان الّذي دفن فيه الرأس، فروى محمد بن سعد أن يزيد بعث برأس الحسين إلى عمرو بن سعيد نائب المدينة فدفنه عند أمه بالبقيع، وذكر ابن أبى الدنيا من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن محمد بن عمر بن صالح - وهما ضعيفان - أن الرأس لم يزل في خزانة يزيد بن معاوية حتى توفى فأخذ من خزانته فكفن ودفن داخل باب الفراديس من مدينة دمشق. قلت: ويعرف مكانه بمسجد الرأس اليوم داخل باب الفراديس الثاني. وذكر ابن عساكر في تاريخه في ترجمته ريّا حاضنة يزيد بن معاوية، أن يزيد حين وضع رأس الحسين بين يديه تمثل بشعر ابن الزبعري يعنى قوله: -
ليت أشياخى ببدر شهدوا … جزع الخزرج من وقع الأسل
قال: ثم نصبه بدمشق ثلاثة أيام ثم وضع في خزائن السلاح، حتى كان زمن سليمان بن عبد الملك جيء به إليه، وقد بقي عظما أبيض، فكفنه وطيبه وصلى عليه ودفنه في مقبرة المسلمين، فلما جاءت المسوّدة - يعنى بنى العباس - نبشوه وأخذوه معهم. وذكر ابن عساكر أن هذه المرأة بقيت بعد دولة بنى أمية، وقد جاوزت المائة سنة فالله أعلم. وادعت الطائفة المسمون بالفاطميين الذين ملكوا الديار المصرية قبل سنة أربعمائة إلى ما بعد سنة ستين وستمائة، أن رأس الحسين وصل إلى الديار المصرية ودفنوه بها وبنوا عليه المشهد المشهور به بمصر، الّذي يقال له تاج الحسين، بعد سنة خمسمائة. وقد نص غير واحد من أئمة أهل العلم على أنه لا أصل لذلك، وإنما أرادوا أن يرجوا بذلك بطلان (١) ما ادعوه من النسب الشريف، وهم في ذلك كذبة خونة، وقد نص على ذلك القاضي الباقلاني وغير واحد من أئمة العلماء، في دولتهم في حدود سنة أربعمائة، كما سنبين ذلك كله إذا انتهينا إليه في مواضعه إن شاء الله تعالى. [قلت: والناس أكثرهم يروج عليهم مثل هذا، فإنهم جاءوا برأس فوضعوه في مكان هذا المسجد المذكور، وقالوا: هذا رأس الحسين، فراج ذلك عليهم واعتقدوا ذلك والله أعلم] (٢).
فصل في ذكر شيء من فضائله
روى البخاري من حديث شعبة ومهدي بن ميمون عن محمد بن أبى يعقوب سمعت ابن أبى نعيم
стр. 2689
قال: سمعت عبد الله بن عمر وسأله رجل من أهل العراق عن المحرم يقتل الذباب فقال: أهل العراق يسألون عن قتل الذباب وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ ، وقد قال رسول الله ﷺ : «هما ريحانتاي من الدنيا». ورواه الترمذي عن عقبة بن مكرم عن وهب بن جرير عن أبيه عن محمد ابن أبى يعقوب به نحوه: أن رجلا من أهل العراق سأل ابن عمر عن دم البعوض يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض وقد قتلوا ابن بنت محمد ﷺ .
وذكر تمام الحديث. ثم قال: حسن صحيح.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو أحمد ثنا سفيان عن أبى الحجاف عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال قال رسول الله ﷺ : «من أحبهما فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضنى» - يعنى حسنا وحسينا -.
وقال الامام أحمد: حدثنا تليد بن سليمان كوفى ثنا أبو الحجاف عن أبى حازم عن أبى هريرة. قال: «نظر النبي ﷺ إلى على والحسن والحسين وفاطمة فقال: أنا حرب لمن حاربكم، سلم لمن سالمكم». تفرد بهما الامام أحمد.
وقال الامام أحمد:
حدثنا ابن نمير ثنا حجاج - يعنى ابن دينار - عن جعفر بن إياس عن عبد الرحمن بن مسعود عن أبى هريرة. قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ ، ومعه حسن وحسين، هذا على عاتقه الواحد، وهذا على عاتقه الآخر، وهو يلثم هذا مرة وهذا مرة، حتى انتهى إلينا، فقال له رجل يا رسول الله! والله إنك لتحبهما، فقال: من أحبهما فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضنى». تفرد به أحمد.
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا أبو سعيد الأشج حدثني عقبة بن خالد حدثني يوسف بن إبراهيم التميمي أنه سمع أنس بن مالك يقول: سئل رسول الله ﷺ أيّ أهل بيتك أحب إليك؟ قال: «الحسن والحسين». قال: وكان يقول «ادع لي ابنىّ فيشمهما ويضمهما إليه». وكذا رواه الترمذي عن أبي سعيد الأشج به، وقال: حسن غريب من حديث أنس.
وقال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر وعفان عن حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن أنس. أن رسول الله ﷺ «كان يمر ببيت فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر فيقول: الصلاة يا أهل البيت، ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ ورواه الترمذي عن عبد بن حميد عن عفان به، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة.
وقال الترمذي: حدثنا محمود بن غيلان ثنا أبو أسامة عن فضيل بن مرزوق عن عدي عن ثابت عن البراء أن رسول الله ﷺ «أبصر حسنا وحسينا فقال: اللهمّ إني أحبهما فأحبهما».
ثم قال: حسن صحيح.
وقد روى الامام أحمد عن زيد بن الحباب عن الحسين بن واقد وأهل السنن الأربعة من حديث الحسين بن واقد عن بريدة عن أبيه. قال: «كان رسول الله ﷺ يخطبنا إذ جاء الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر
стр. 2690
فحملهما فوضعهما بين يديه ثم قال: صدق الله، ﴿أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتها». وهذا لفظ الترمذي، وقال غريب لا نعرفه إلا من حديث الحسين بن واقد. ثم
قال: حدثنا الحسين بن عرفة ثنا إسماعيل بن عيّاش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن سعيد بن راشد عن يعلى بن مرة. قال قال رسول الله ﷺ : «حسين منى وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط». ثم قال الترمذي.
هذا حديث حسن. ورواه أحمد عن عفان عن وهب عن عبد الله بن عثمان بن خيثم به.
ورواه الطبراني عن بكر بن سهل عن عبد الله بن صالح عن معاوية بن صالح بن راشد بن سعد عن يعلى بن مرة ان رسول الله ﷺ قال: «الحسن والحسين سبطان من الأسباط».
وقال الامام أحمد:
حدثنا أبو نعيم ثنا سفيان عن يزيد بن أبى زياد عن أبى نعيم عن أبى سعيد الخدريّ. قال: قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ورواه الترمذي من حديث سفيان الثوري وغيره عن يزيد بن أبى زياد، وقال: حسن صحيح.
وقد رواه أبو القاسم البغوي عن داود بن رشيد عن مروان الفزاري عن الحكم بن عبد الرحمن بن أبى نعيم عن أبيه عن أبى سعيد. قال قال رسول الله ﷺ : «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة إلا ابني الخالة، يحيى وعيسى ﷺ ». وأخرجه النسائي من حديث [مروان بن معاوية الفزاري به، ورواه سويد بن سعيد عن محمد بن حازم عن الأعمش عن عطية عن أبى سعيد.
وقال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن ربيع بن سعد عن أبى سابط قال: دخل حسين بن على المسجد فقال جابر بن عبد الله: من أحبّ أن ينظر إلى سيد شباب أهل الجنة فلينظر إلى هذا، سمعته من رسول الله ﷺ ». تفرد به أحمد،
وروى الترمذي والنسائي من حديث] (١) إسرائيل عن ميسرة بن حبيب عن المنهال بن عمرو عن زر بن حبيش عن حذيفة أن أمه بعثته ليستغفر له رسول الله ﷺ ولها، قال: فأتيته فصليت معه المغرب ثم صلى حين صلى العشاء، ثم انفتل فتبعته فسمع صوتي فقال: «من هذا؟ حذيفة؟ قلت: نعم! قال: ما حاجتك غفر الله لك ولأمك؟ إن هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قبل هذه الليلة، استأذن ربه بأن يسلم عليّ ويبشرني بان فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة». ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، ولا يعرف إلا من حديث إسرائيل. وقد روى مثل هذا من حديث على بن أبى طالب ومن حديث الحسين نفسه، وعمر وابنه عبد الله وابن عباس وابن مسعود وغيرهم، وفي أسانيده كلها ضعف والله أعلم.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا موسى بن عطية عن أبى عن أبى هريرة. قال: سمعت رسول
стр. 2691
الله ﷺ يقول في الحسن والحسين: «من أحبنى فليحب هذين».
وقال الامام أحمد: حدثنا سليمان بن داود ثنا إسماعيل - يعنى ابن جعفر - أخبرنى محمد - يعنى ابن حرملة - عن عطاء. أن رجلا أخبره أنه رأى النبي ﷺ «يضم إليه حسنا وحسينا ويقول: اللهمّ إني أحبهما فأحبهما».
وقد روى عن أسامة بن زيد وسليمان الفارسي شيء يشبه هذا وفيه ضعف وسقم والله أعلم.
وقد قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا كامل وأبو المنذر ابنا كامل قال أسود: أنبأنا المعنى عن أبى صالح عن أبى هريرة. قال: «كنا نصلي مع رسول الله ﷺ العشاء فإذا سجد وثب الحسين والحسن على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما أخذا رفيقا فيضعهما على الأرض، فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته أقعدهما على فخذيه، قال: فقمت إليه فقلت: يا رسول الله أردهما إلى أمهما؟ قال فبرقت برقة فقال لهما: الحقا بأمكما، قال فمكث ضوؤها حتى دخلا على أمهما». وقد روى موسى بن عثمان الحضرميّ عن الأعمش عن أبى صالح عن أبى هريرة نحوه، وقد روى عن أبى سعيد وابن عمر قريب من هذا،
فقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا معاذ بن معاذ ثنا قيس بن الربيع عن أبى المقدام عبد الرحمن الأزرق عن على. قال: «دخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا نائم، فاستسقى الحسن أو الحسين فقام رسول الله ﷺ إلى شاة لنا كي يحلبها فدرت فجاءه الآخر فنحاه، فقالت فاطمة: يا رسول الله كأنه أحبهما إليك؟ قال: لا ولكنه استسقى قبله، ثم قال: إني وإياك وهذين وهذا الراقد في مكان واحد يوم القيامة». تفرد به أحمد. ورواه أبو داود الطيالسي عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن أبى فاختة عن على فذكر نحوه. وقد ثبت أن عمر بن الخطاب كان يكرمهما ويحملهما ويعطيهما كما يعطى أباهما، وجيء مرة بحلل من اليمن فقسمها بين أبناء الصحابة ولم يعطهما منها شيئا، وقال: ليس فيها شيء يصلح لهما، ثم بعث إلى نائب اليمن فاستعمل لهما حلتين تناسبهما.
وقال محمد بن سعد: أنبأنا قبيصة بن عقبة ثنا يونس بن أبى إسحاق عن العبزار بن حريث قال: بينما عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة إذ رأى الحسين مقبلا فقال: هذا أحب أهل الأرض إلى أهل السماء.
وقال الزبير بن بكار: حدثني سليمان بن الدراوَرْديّ عن جعفر بن محمد عن أبيه «أن رسول الله ﷺ بايع الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر وهم صغار لم يبلغوا، ولم يبايع صغيرا إلاّ منّا». وهذا مرسل غريب. وقال محمد بن سعد: أخبرنى يعلى ابن عبيد ثنا عبد الله بن الوليد الرصافيّ عن عبد الله بن عبيد الله بن عميرة. قال: حج الحسين ابن على خمسا وعشرين حجة ماشيا ونجائبه تقاد بين يديه. وحدثنا أبو نعيم الفضل بن دكين ثنا حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه أن الحسين بن على حج ماشيا وإن نجائبه لتقاد وراءه.
والصواب أن ذلك إنما هو الحسن أخوه، كما حكاه البخاري.
وقال المدائني: جرى بين
стр. 2692
الحسن والحسين كلام فتهاجرا، فلما كان بعد ذلك أقبل الحسن إلى الحسين فأكب على رأسه يقبله، فقام الحسين فقبله أيضا، وقال: إن الّذي منعني من ابتدائك بهذا أنى رأيت أنك أحق بالفضل منى فكرهت أن أنازعك ما أنت أحق به منى.
وحكى الأصمعي عن ابن عون أن الحسن كتب إلى الحسين يعيب عليه إعطاء الشعراء فقال الحسين إن أحسن المال ما وقى العرض.
[وقد روى الطبراني: حدثنا أبو حنيفة محمد بن حنيفة الواسطي ثنا يزيد بن البراء بن عمرو ابن البراء الغنوي ثنا سليمان بن الهيثم قال: كان الحسين بن على يطوف بالبيت فأراد أن يستلم فما وسع له الناس، فقال رجل: يا أبا فراس من هذا فقال الفرزدق
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم … هذا التقى النقي الطاهر العلم
يكاد يمسكه عرفان راحته … ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
إذا رأته قريش قال قائلها … إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
يغضى حياء ويغضى من مهابته … فما يكلم إلا حين يبتسم
في كفه خيزران ريحها عبق … بكف أورع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نسبته … طابت عناصره والخيم والشيم
لا يستطيع جواد بعد غايته … ولا يدانيه قوم إن هموا كرموا
من يعرف الله يعرف أوّلية ذا … فالدين من بيت هذا ناله أمم
أي العشائر هم ليست رقابهم … لا ولية هذا أوله نعم
هكذا أوردها الطبراني في ترجمة الحسين في معجمه الكبير وهو غريب، فان المشهور أنها من قبل الفرزدق في على بن الحسين لا في أبيه، وهو أشبه فان الفرزدق لم ير الحسين إلا وهو مقبل إلى الحج والحسين ذاهب إلى العراق، فسأل الحسين الفرزدق عن الناس فذكر له ما تقدم، ثم إن الحسين قتل بعد مفارقته له بأيام يسيرة، فمتى رآه يطوف بالبيت والله أعلم، وروى هشام عن عوانة قال:
قال عبيد الله بن زياد لعمر بن سعد: أين الكتاب الّذي كتبته إليك في قتل الحسين؟ فقال:
مضيت لأمرك وضاع الكتاب، فقال له ابن زياد: لتحيئن به، قال: ضاع، قال: والله لتجيئن به، قال: ترك والله يقرأ على عجائز قريش أعتذر إليهن بالمدينة، أما والله لقد نصحتك في حسين نصيحة لو نصحتها إلى سعد بن أبى وقاص لكنت قد أديت حقه، فقال عثمان بن زياد أخو عبيد الله، صدق عمر والله. ولوددت والله أنه ليس من بنى زياد رجل إلا وفي أنفه خزامة إلى يوم القيامة وأن حسينا لم يقتل، قال: فو الله ما أنكر ذلك عليه عبيد الله بن زياد]. (١)
стр. 2693
فصل في ذكر شيء من أشعاره التي رويت عنه
فمن ذلك ما أنشده أبو بكر بن كامل عن عبد الله بن إبراهيم وذكر أنه للحسين بن على بن أبى طالب ﵄: -
اغن عن المخلوق بالخالق … تسد على الكاذب والصادق
واسترزق الرحمن من فضله … فليس غير الله من رازق
من ظن أن الناس يغنونه … فليس بالرحمن بالواثق
أو ظن أن المال من كسبه … زلت به النعلان من حالق
وعن الأعمش أن الحسين بن على قال: -
كلما زيد صاحب المال مالا … زيد في همه وفي الاشتغال
قد عرفناك يا منغصة العيش … ويا دار كل فان وبالي
ليس يصفو لزاهد طلب الزهد … إذا كان مثقلا بالعيال
وعن إسحاق بن إبراهيم قال: بلغني أن الحسين زار مقابر الشهداء بالبقيع فقال: -
ناديت سكان القبور فأسكتوا … وأجابني عن صمتهم ترب الحصا
قالت أتدري ما فعلت بساكنى … مزقت لحمهم وخرّقت الكسا
وحشوت أعينهم ترابا بعد ما … كانت تأذى باليسير من القذى
أما العظام فاننى مزقتها … حتى تباينت المفاصل والشوا
قطعت ذا زاد من هذا كذا … فتركتها رمما يطوف بها البلا
وأنشد بعضهم للحسين ﵁ أيضا: -
لئن كانت الدنيا تعد نفيسة … فدار ثواب الله أعلى وأنبل
وإن كانت الأبدان للموت أنشئت … فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل
وإن كانت الأرزاق شيئا مقدرا … فقلة سعى المرء في الرزق أجمل
وإن كانت الأموال للترك جمعها … فما بال متروك به المرء يبخل
ومما أنشد الزبير بن بكار من شعره في امرأته الرباب بنت أنيف، ويقال بنت امرئ القيس ابن عدي بن أوس الكلبي أم ابنته سكينة.
لعمرك إنني لأحب دارا … تحل بها سكينة والرباب
стр. 2694
أحبهما وأبذل جل مالي … وليس للائمى فيها عتاب
ولست لهم وإن عتبوا مطيعا … حياتي أو يعلينى التراب
وقد أسلم أبوها على يدي عمر بن الخطاب وأمره عمر على قومه، فلما خرج من عنده خطب إليه على بن أبى طالب أن يزوج ابنه الحسن أو الحسين من بناته، فزوج الحسن ابنته سلمى، والحسين ابنته الرباب، وزوج عليا ابنته الثالثة، وهي المحياة بنت امرئ القيس في ساعة واحدة، فأحب الحسين زوجته الرباب حبا شديدا وكان بها معجبا يقول فيها الشعر، ولما قتل بكربلاء كانت معه فوجدت عليه وجدا شديدا، وذكر أنها أقامت على قبره سنة ثم انصرفت وهي تقول:
إلى الحول ثم اسم السلام عليكما … ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر
وقد خطبها بعده خلق كثير من أشراف قريش فقالت: ما كنت لأتخذ حموا بعد رسول الله ﷺ ، ووالله لا يؤوينى ورجلا بعد الحسين سقف أبدا. ولم تزل عليه كمدة حتى ماتت، ويقال إنها إنما عاشت بعده أياما يسيرة فالله أعلم، وابنتها سكينة بنت الحسين كانت من أجمل النساء حتى إنه لم يكن في زمانها أحسن منها فالله أعلم.
وروى أبو مخنف عن عبد الرحمن بن جندب أن ابن زياد بعد مقتل الحسين تفقد أشراف أهل الكوفة فلم ير عبيد الله بن الحر بن يزيد، فتطلبه حتى جاءه بعد أيام فقال: أين كنت يا ابن الحر؟ قال: كنت مريضا، قال. مريض القلب أم مريض البدن؟ قال: أما قلبي فلم يمرض، وأما بدني فقد منّ الله عليه بالعافية، فقال له ابن زياد: كذبت، ولكنك كنت مع عدونا، قال: لو كنت مع عدوك لم يخف مكان مثلي، ولكان الناس شاهدوا ذلك، قال: وعقل عن ابن زياد عقلة فخرج ابن الحر فقعد على فرسه. ثم قال: أبلغوه أنى لا آتيه والله طائعا فقال ابن زياد: أين ابن الحر؟ قال:
خرج، فقال على به، فخرج الشرط في طلبه فأسمعهم غليظ ما يكرهون، وترضى عن الحسين وأخيه وأبيه ثم أسمعهم في ابن زياد غليظا من القول ثم امتنع منهم وقال في الحسين وفي أصحابه شعرا: -
يقول أمير غادر حق غادر … ألا كنت قاتلت الشهيد ابن فاطمة
فيا ندمي أن لا أكون نصرته … لذو حسرة ما إن تفارق لازمه
سقى الله أرواح الذين تبارزوا … على نصره سقيا من الغيث دائمة
وقفت على أجداثهم وقبورهم … فكان الحشى ينقض والعين ساجمه
لعمري لقد كانوا مصاليت في الوغى … سراعا إلى الهيجا حماة حضارمه
تأسوا على نصر بن بنت نبيهم … بأسيافهم أسّاد غيل ضراغمه
فان يقتلوا تلك النفوس التقية … على الأرض قد أضحت لذلك واجمه
стр. 2695
فما إن رأى الراءون أفضل منهم … لدى الموت سادات وزهر قماقمه
أتقتلهم ظلما وترجو ودادنا … فذى خطة ليست لنا بملائمة
لعمري لقد راغمتمونا بقتلهم … فكم ناقم منا عليكم وناقمه
أهمّ مرارا أن أسير بجحفل … إلى فئة زاغت عن الحق ظالمه
فيا ابن زياد استعد لحربنا … وموقف ضنك تقصم الظهر قاصمه
وقال الزبير بن بكار: قال سليمان بن قتيبة يرثى الحسين ﵁
وإن قتيل الطّف من آل هاشم … أذل رقابا من قريش فذلت
فان تتبعوه عائذا لبيت تصبحوا … كعاد تعمت عن هداها فضلت
مررت على أبيات آل محمد … فألفيتها أمثالها حيث حلت
وكانوا لنا غنما فعادوا رزية … لقد عظمت تلك الرزايا وجلت
فلا يبعد الله الديار وأهلها … وإن أصبحت منهم بزعمي تحلت
إذا افتقرت قيس خبرنا فقيرها … وتفلنا قيس إذا النعل زلت
وعند يزيد قطرة من دمائنا … سنجزيهم يوما بها حيث حلت
ألم تر أن الأرض أضحت مريضة … لقتل حسين والبلاد اقشعرت
ومما وقع من الحوادث في هذه السنة - أعنى سنة إحدى وستين - بعد مقتل الحسين ففيها ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد سجستان وخراسان حين وفد عليه، وله من العمر أربعة وعشرون سنة، وعزل عنها أخويه عبادا وعبد الرحمن، وسار سلم إلى عمله فجعل ينتخب الوجوه والفرسان، ويحرض الناس على الجهاد، ثم خرج في جحفل عظيم ليغزو بلاد الترك، ومعه امرأته أم محمد بنت عبد الله بن عثمان بن أبى العاص، فكانت أول امرأة من العرب قطع بها النهر، وولدت هناك ولدا أسموه صغدى، وبعثت إليها امرأة صاحب صغدى بتاجها من ذهب ولآل. وكان المسلمون قبل ذلك لا يشتون في تلك البلاد، فشتى بها سلم بن زياد. [وبعث المهلب بن أبى صفرة إلى تلك المدينة التي هي للترك، وهي خوارزم فحاصرهم حتى صالحوه على نيف وعشرين ألف ألف، وكان يأخذ منهم عروضا عوضا، فيأخذ الشيء بنصف قيمته فبلغت قيمة ما أخذ منهم خمسين ألف ألف، فحظي بذلك المهلب عند سلم بن زياد] (١) ثم بعث من ذلك ما اصطفاه ليزيد بن معاوية مع مرزبان ومعه وفد، وصالح سلم أهل سمرقند في هذه الغزوة على مال جزيل. وفيها عزل يزيد عن إمرة الحرمين عمرو بن سعيد وأعاد إليها الوليد بن
стр. 2696
عتبة بن أبى سفيان، فولاه المدينة، وذلك أن ابن الزبير لما بلغه مقتل الحسين شرع يخطب الناس ويعظم قتل الحسين وأصحابه جدا، ويعيب على أهل الكوفة وأهل العراق ما صنعوه من خذلانهم الحسين، ويترحم على الحسين ويلعن من قتله، ويقول: أما والله لقد قتلوه طويلا بالليل قيامه، كثيرا في النهار صيامه، أما والله ما كان يستبدل بالقرآن الغنا والملاهي، ولا بالبكاء من خشية الله اللغو والحداء، ولا بالصيام شرب المدام وأكل الحرام، ولا بالجلوس في حلق الذكر طلب الصيد، - يعرّض في ذلك بيزيد بن معاوية - فسوف يلقون غيا، ويؤلب الناس على بنى أمية ويحثهم على مخالفته وخلع يزيد. فبايعه خلق كثير في الباطن، وسألوه أن يظهرها فلم يمكنه ذلك مع وجود عمرو بن سعيد، وكان شديدا عليه ولكن فيه رفق، وقد كان كاتبه أهل المدينة وغيرهم، وقال الناس: أما إذ قتل الحسين فليس ينازع أحد ابن الزبير، فلما بلغ ذلك يزيد شق ذلك عليه وقيل له: إن عمرو بن سعيد لو شاء لبعث إليك برأس ابن الزبير، أو يحاصره حتى يخرجه من الحرم، فبعث فعزله وولى الوليد بن عتبة فيها، وقيل في مستهل ذي الحجة، فأقام للناس الحج فيها، وحلف يزيد ليأتينى ابن الزبير في سلسلة من فضة، وبعث بها مع البريد ومعه برنس من خز ليبر يمينه، فلما مر البريد على مروان وهو بالمدينة وأخبره بما هو قاصد له وما معه من الغل أنشأ مروان يقول: -
فخذها فما هي للعزيز بخطة … وفيها مقال لامرئ متذلل
أعامر إن القوم ساموك خطة … وذلك في الجيران غزل بمغزل
أراك إذا ما كنت في القوم ناصحا … يقال له بالدلو أدبر وأقبل
فلما انتهت الرسل إلى عبد الله بن الزبير بعث مروان ابنيه عبد الملك وعبد العزيز ليحضرا مراجعته في ذلك، وقال: أسمعاه قولي في ذلك، قال عبد العزيز: فلما جلس الرسل بين يديه جعلت أنشده ذلك وهو يسمع ولا أشعره، فالتفت إليّ فقال: أخبرا أباكما أنى أقول: -
إني لمن نبعة صم مكاسرها … إذا تناوحت القصباء والعشر
ولا ألين لغير الحق أسأله … حتى يلين لضرس الماضغ الحجر
قال عبد العزيز: فما أدرى أيما كان أعجب!! قال أبو معشر: لا خلاف بين أهل السير أن الوليد بن عتبة حج بالناس في هذه السنة وهو أمير الحرمين وعلى البصرة والكوفة عبيد الله بن زياد، وعلى خراسان وسجستان سلم بن زياد أخو عبيد الله ابن زياد، وعلى قضاء الكوفة شريح، وعلى قضاء البصرة هشام بن هبيرة.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الحسين بن على ﵄ ومعه بضعة عشر من أهل بيته قتلوا جميعا بكربلاء، وقيل بضعة
стр. 2697
وعشرون كما تقدم. وقتل معهم جماعة من الأبطال والفرسان.
جابر بن عتيك بن قيس
أبو عبد الله الأنصاري السلمي، شهد بدرا وما معه، وكان حامل راية الأنصار يوم الفتح، كذا قال ابن الجوزي، قال: وتوفى في هذه السنة عن إحدى وسبعين سنة.
حمزة بن عمرو الأسلمي
صحابى جليل
ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: سأل حمزة بن عمرو رسول الله ﷺ فقال: إني كثير الصيام أفأصوم في السفر؟ فقال له: «إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر». وقد شهد فتح الشام، وكان هو البشير للصديق يوم أجنادين، قال الواقدي: وهو الّذي بشر كعب بن مالك بتوبة الله عليه فأعطاه ثوبيه، وروى البخاري في التاريخ باسناد جيد عنه أنه قال: «كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة مظلمة فأضاءت لي أصابعى حتى جمعت عليها كل متاع كان للقوم».
اتفقوا على أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة إحدى وستين -
شيبة بن عثمان بن أبى طلحة العبدري الحجبي
صاحب مفتاح الكعبة كان أبوه ممن قتله على بن أبى طالب يوم أحد كافرا، وأظهر شيبة الإسلام يوم الفتح، وشهد حنينا وفي قلبه شيء من الشك، وقد همّ بالفتك برسول الله ﷺ ، فأطلع الله على ذلك رسوله فأخبره بما همّ به فأسلم باطنا وجاد إسلامه، وقاتل يومئذ وصبر فيمن صبر. قال الواقدي عن أشياخه: إن شيبة قال: كنت أقول والله لو آمن بمحمد جميع الناس ما آمنت به، فلما فتح مكة وخرج إلى هوازن خرجت معه رجاء أن أجد فرصة آخذ بثأر قريش كلها منه، قال: فاختلط الناس ذات يوم ونزل رسول الله ﷺ عن بغلته فدنوت منه وانتضيت سيفي لأضربه به، فرفع لي شواظ من نار كاد يمحشني، فالتفت إليّ رسول الله ﷺ
وقال: «يا شيبة ادن منى، فدنوت منه فوضع يده على صدري وقال: اللهمّ أعذه من الشيطان. قال: فو الله ما رفع يده حتى لهو يومئذ أحب إلى من سمعي وبصرى، ثم قال: اذهب فقاتل، قال: فتقدمت إلى العدو والله لو لقيت أبى لقتلته لو كان حيا، فلما تراجع الناس قال لي: يا شيبة الّذي أراد الله بك خير مما أردت لنفسك، ثم حدثني بكل ما كان في نفسي مما لم يطلع عليه أحد إلا الله ، فتشهدت وقلت: أستغفر الله، فقال:
غفر الله لك». ولى الحجابة بعد عثمان بن طلحة واستقرت الحجابة في بنيه وبيته إلى اليوم، وإليه ينسب بنو شيبة، وهم حجبة الكعبة. قال خليفة بن خياط وغير واحد: توفى سنة تسع وخمسين.
وقال محمد بن سعد: بقي إلى أيام يزيد بن معاوية. وقال ابن الجوزي في المنتظم: مات في هذه السنة.
عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم صحابى انتقل إلى دمشق وله بها دار،
стр. 2698
ولما مات أوصى إلى يزيد بن معاوية وهو أمير المؤمنين.
الوليد بن عقبة بن أبى معيط
ابن أبان بن أبى عمر وذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي، أبو وهب القرشي العبشمي، وهو أخو عثمان بن عفان لأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، وأمها أم حكيم البيضاء بنت عبد المطلب، وللوليد من الإخوة خالد وعمارة وأم كلثوم،
وقد قتل رسول الله ﷺ أباه بعد وقعة بدر من بين الأسرى صبرا بين يديه، فقال: يا محمد من للصبية؟ فقال: «لهم النار» وكذلك فعل بالنضر بن الحارث، وأسلم الوليد هذا يوم الفتح، وقد بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بنى المصطلق فخرجوا يتلقونه فظن أنهم إنما خرجوا لقتاله فرجع، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ فأراد أن يجهز إليهم جيشا، فبلغهم ذلك فجاء من جاء منهم ليعتذروا إليه ويخبرونه بصورة ما وقع، فأنزل الله تعالى في الوليد ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ﴾ الآية. ذكر ذلك غير واحد من المفسرين والله أعلم بصحة ذلك. وقد حكى أبو عمرو بن عبد البر على ذلك الإجماع. وقد ولاه عمر صدقات بنى تغلب، وولاه عثمان نيابة الكوفة بعد سعد ابن أبى وقاص، سنة خمس وعشرين، ثم شرب الخمر وصلى بأصحابه ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ ووقع منه تخبيط، ثم إن عثمان جلده وعزله عن الكوفة بعد أربع سنين فأقام بها، فلما جاء على إلى العراق سار إلى الرقة واشترى له عندها ضيعة وأقام بها معتزلا جميع الحروب التي كانت أيام على ومعاوية وما بعدها إلى أن توفى بضيعته في هذه السنة، ودفن بضيعته وهي على خمسة عشر ميلا من الرقة، ويقال: إنه توفى في أيام معاوية فالله أعلم. روى له الامام أحمد وأبو داود حديثا واحدا في فتح مكة، وقد ذكر ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وذكر أيضا وفاة أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية، وقد تقدم ذكر وفاتها في سنة إحدى وخمسين، وقيل إنها توفيت سنة ثلاث وستين، وقيل سنة ست وستين، والصواب ما ذكرناه.
أم سلمة أم المؤمنين
هند بنت أبى أمية حذيفة وقيل سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، القرشية المخزومية كانت أولا تحت ابن عمها أبى سلمة بن عبد الأسد فمات عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ ودخل بها في شوال سنة ثنتين بعد وقعة بدر،
وقد كانت سمعت من زوجها أبى سلمة: حديثا عن رسول الله ﷺ . أنه قال «ما من مسلم يصاب بمصيبة فيقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ اللهمّ أجرنى في مصيبتي واخلف لي خيرا منها، إلا أبدله الله خيرا منها» قالت: فلما مات أبو سلمة قلت ذلك ثم قلت: ومن هو خير من أبى سلمة أو رجل هاجر؟ ثم عزم الله لي فقلتها فأبدلنى الله خيرا
стр. 2699
منه، رسول الله ﷺ وكانت من حسان النساء وعابداتهن. قال الواقدي: توفيت سنة تسع وخمسين وصلى عليها أبو هريرة. وقال ابن أبى خيثمة: توفيت في أيام يزيد بن معاوية. قلت: والأحاديث المتقدمة في مقتل الحسين تدل على أنها عاشت إلى ما بعد مقتله والله أعلم. ورضى الله عنها والله سبحانه أعلم
ثم دخلت سنة ثنتين وستين
يقال فيها قدم وفد المدينة النبويّة على يزيد بن معاوية فأكرمهم وأجازهم بجوائز سنية، ثم عادوا من عنده بالجوائز فخلعوه وولوا عليهم عبد الله بن حنظلة الغسيل، فبعث إليهم يزيد جندا في السنة الآتية [إلى المدينة فكانت وقعة الحرة على ما سنبينه في التي بعدها إن شاء الله تعالى، وقد كان يزيد عزل عن الحجاز عمرو بن سعيد بن العاص، وولى عليهم الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، فلما دخل المدينة] (١) احتاط على الأموال والحواصل والأملاك، وأخذ العبيد الذين لعمرو بن سعيد فحبسهم -، وكانوا نحوا من ثلاثمائة عبد - فتجهز عمرو بن سعيد إلى يزيد وبعث إلى عبيده أن يخرجوا من السجن ويلحقوا به، وأعدّ لهم إبلا يركبونها، ففعلوا ذلك، فما لحقوه حتى وصل إلى يزيد فأكرمه واحترمه ورحب به يزيد، وأدنى مجلسه، ثم إنه عاتبه في تقصيره في شأن ابن الزبير، فقال له: يا أمير المؤمنين الشاهد يرى ما لا يرى الغائب، وإن جل أهل مكة والحجاز مالئوه علينا وأحبوه ولم يكن لي جند أقوى بهم عليه لو ناهضته، وقد كان يحذرني ويحترس منى، وكنت أرفق به كثيرا وأداريه لأستمكن منه فأثب عليه، مع أنى قد ضيقت عليه ومنعته من أشياء كثيرة، وجعلت على مكة وطرقها وشعابها رجالا لا يدعون أحدا يدخلها حتى يكتبوا اسمه واسم أبيه، ومن أي بلاد هو وما جاء له، وماذا يريد، فان كان من أصحابه أو ممن عرف أنه يريده رددته صاغرا، وإلا خليت سبيله. وقد وليت الوليد وسيأتيك من عمله وأمره ما لعلك تعرف به فضل مسارعتي واجتهادي في أمرك ومناصحتى لك إن شاء الله، والله يصنع لك ويكبت عدوك. فقال له يزيد: أنت أصدق ممّن رماك وحملني عليك، وأنت ممّن أثق به وأرجو معونته وأدخره لذات الصدع، وكفاية المهم وكشف نوازل الأمور العظام. في كلام طويل، وأما الوليد بن عتبة فإنه أقام بالحجاز وقد هم مرارا أن يبطش بعبد الله بن الزبير فيجده متحذرا ممتنعا قد أعد للأمور أقرانها. وثار باليمامة رجل آخر يقال له نجدة بن عامر الحنفي حين قتل الحسين، وخالف يزيد بن معاوية، ولم يخالف ابن الزبير بل بقي على حدة، له أصحاب يتبعونه، فإذا كان ليلة عرفة دفع الوليد بن عتبة بالجمهور وتخلف عنه ابن الزبير وأصحاب نجدة، ثم يدفع كل فريق وحدهم. ثم كتب نجدة إلى يزيد: إنك بعثت إلينا رجلا أخرق لا يتجه لأمر رشد ولا يرعوى لعظة
стр. 2700
الحكيم، فلو بعثت إلينا رجلا سهل الخلق لين الكنف، رجوت أن يسهل به من الأمور ما استوعر منها وأن يجتمع ما تفرق، فانظر في ذلك فان فيه صلاح خواصنا وعوامنا إن شاء الله تعالى. قالوا:
فعزل يزيد الوليد وولى عثمان محمد بن أبى سفيان، فسار إلى الحجاز وإذا هو فتى غر حدث غمر لم يمارس الأمور، فطمعوا فيه، ولما دخل المدينة بعث إلى يزيد منها وفدا فيهم عبد الله بن حنظلة الغسيل الأنصاري، وعبد الله بن أبى عمرو بن حفص بن المغيرة الحضرميّ، والمنذر بن الزبير، ورجال كثير من أشراف أهل المدينة، فقدموا على يزيد فأكرمهم وأحسن إليهم وعظم جوائزهم، ثم انصرفوا راجعين إلى المدينة، إلا المنذر بن الزبير فإنه سار إلى صاحبه عبيد الله بن زياد بالبصرة، وكان يزيد قد أجازه بمائة ألف نظير أصحابه من أولئك الوفد، ولما رجع وفد المدينة إليها أظهروا شتم يزيد وعيبه وقالوا: قدمنا من عند رجل ليس له دين يشرب الخمر وتعزف عنده القينات بالمعازف، وإنا نشهدكم أنا قد خلعناه، فتابعهم الناس على خلعه، وبايعوا عبد الله بن حنظلة الغسيل على الموت، وأنكر عليهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، ورجع المنذر بن الزبير من البصرة إلى المدينة فوافق أولئك على خلع يزيد، وأخبرهم عنه أنه يشرب الخمر ويسكر حتى ترك الصلاة، وعابه أكثر مما عابه أولئك. فلما بلغ ذلك يزيد قال: اللهمّ إني آثرته وأكرمته ففعل ما قد رأيت، فأدركه وانتقم منه. ثم إن يزيد بعث إلى أهل المدينة النعمان بن بشير ينهاهم عما صنعوا ويحذرهم غبّ ذلك ويأمرهم بالرجوع إلى السمع والطاعة ولزوم الجماعة، فسار إليهم ففعل ما أمره يزيد وخوفهم الفتنة وقال لهم: إن الفتنة وخيمة، وقال: لا طاقة لكم بأهل الشام، فقال له عبد الله بن مطيع: ما يحملك يا نعمان على تفريق جماعتنا وفساد ما أصلح الله من أمرنا؟ فقال له النعمان: أما والله لكأنّي وقد تركت تلك الأمور التي تدعو إليها، وقامت الرجال على الركب التي تضرب مفارق القوم وجباههم بالسيوف، ودارت رحى الموت بين الفريقين، وكأنى بك قد ضربت جنب بغلتك إليّ وخلفت هؤلاء المساكين - يعنى الأنصار - يقتلون في سككهم ومساجدهم، وعلى أبواب دورهم. فعصاه الناس فلم يسمعوا منه فانصرف وكان الأمر والله كما قال سواء. قال ابن جرير: وحج بالناس في هذه السنة الوليد بن عتبة كذا قال وفيه نظر، فإنه إن كان في وفد أهل المدينة وقد رجعوا من عند يزيد فإنما وفد عثمان بن محمد بن أبى سفيان، وإن كان قد حج بالناس فيها الوليد فما قدم وفد المدينة إلى يزيد إلا في أول سنة ثلاث وستين وهو أشبه والله أعلم.
وممن توفى في هذه السنة من الأعيان
بريدة بن الحصيب الأسلمي كان إسلامه حين اجتاز به رسول الله ﷺ وهو مهاجر إلى المدينة عند كراع الغميم، فلما كان هناك تلقاه بريدة في ثمانين نفسا من أهل فأسلموا، وصلى بهم صلاة العشاء وعلمه