← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ثوبا من حواصل الطير، ثم ثقل عليه بعد ذلك، فقال: تبا لك من دار، ملكتك أربعين سنة، عشرين أميرا، وعشرين خليفة، ثم هذا حالي فيك، ومصيري منك، تبا للدنيا ولمحبيها. وقال محمد بن سعد: أنبأنا أبو عبيدة عن أبى يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير. قال: لما ثقل معاوية وتحدث الناس بموته قال لأهله: احشوا عيني إثمدا، وأوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا وغرقوا وجهه بالدهن، ثم مهد له مجلس وقال: أسندوني، ثم قال: ائذنوا للناس فليسلموا على قياما ولا يجلس أحد، فجعل الرجل يدخل فيسلم قائما فيراه مكتحلا متدهنا فيقول متقول الناس إن أمير المؤمنين لما به وهو أصح الناس، فلما خرجوا من عنده قال معاوية في ذلك: - وتجلدي للشامتين أريهم … أنى لريب الدهر لا أتضعضع وإذا المنية أنشبت أظفارها … ألفيت كل تميمة لا تنفع قال: وكان به النقابة - يعنى لوقة - فمات من يومه ذلك ﵀. وقال موسى بن عقبة: لما نزل بمعاوية الموت قال: يا ليتني كنت رجلا من قريش بذي طوى، ولم أل من هذا الأمر شيئا. وقال أبو السائب المخزومي: لما حضرت معاوية الوفاة تمثل بقول الشاعر: - إن تناقش يكن نقاشك يا رب … عذابا لا طوق لي بالعذاب أو تجاوز تجاوز العفو واصفح … عن مسيء ذنوبه كالتراب وقال بعضهم: لما احتضر معاوية جعل أهله يقلبونه فقال لهم: أي شيخ تقلبون؟ إن نجاه الله من عذاب النار غدا. وقال محمد بن سيرين: جعل معاوية لما احتضر يضع خدا على الأرض ثم يقلب وجهه ويضع الخد الآخر ويبكى ويقول: اللهمّ إنك قلت في كتابك ﴿إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ﴾ اللهمّ فاجعلني فيمن تشاء أن تغفر له. وقال العتبى عن أبيه: تمثل معاوية عند موته بقول بعضهم وهو في السياق. هو الموت لا منجا من الموت والّذي … نحاذر بعد الموت أدهى وأفظع ثم قال: اللهمّ أقل العثرة، وأعف عن الزلة، وتجاوز بحلمك عن جهل من لم يرج غيرك، فإنك واسع المغفرة، ليس لذي خطيئة من خطيئته مهرب إلا إليك. ورواه ابن دريد عن أبى حاتم عن أبى عبيدة عن أبى عمرو بن العلاء فذكر مثله، وزاد: ثم مات. وقال غيره: أغمى عليه ثم أفاق فقال لأهله: اتقوا الله فان الله تعالى يقي من اتقاه، ولا يقي من لا يتقى، ثم مات ﵀. وقد روى أبو مخنف عن عبد الملك بن نوفل. قال: لما مات معاوية صعد الضحاك بن قيس المنبر فخطب الناس - وأكفان معاوية على يديه - فقال بعد حمد الله والثناء عليه: إن معاوية الّذي كان سور

стр. 2627

العرب وعونهم وجدهم، قطع الله به الفتنة، وملكه على العباد، وفتح به البلاد، ألا إنه قد مات وهذه أكفانه، فنحن مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ومخلون بينه وبين عمله، ثم هول البرزخ إلى يوم القيامة، فمن كان منكم يريد أن يشهده فليحضر عند الأولى. ثم نزل وبعث البريد إلى يزيد بن معاوية يعلمه ويستحثه على المجيء. ولا خلاف أنه توفى بدمشق في رجب سنة ستين. فقال جماعة: ليلة الخميس للنصف من رجب سنة ستين، وقيل ليلة الخميس لثمان بقين من رجب سنة ستين. قاله ابن إسحاق وغير واحد، وقيل لأربع خلت من رجب، قاله الليث. وقال سعد بن إبراهيم لمستهل رجب، قال محمد بن إسحاق والشافعيّ: صلى عليه ابنه يزيد، وقد ورد من غير وجه أنه أوصى إليه أن يكفن في ثوب رسول الله ﷺ الّذي كساه إياه، وكان مدّخرا عنده لهذا اليوم، وأن يجعل ما عنده من شعره وقلامة أظفاره في فمه وأنفه وعينيه وأذنيه. وقال آخرون: بل كان ابنه يزيد غائبا فصلى عليه الضحاك بن قيس بعد صلاة الظهر بمسجد دمشق، ثم دفن فقيل بدار الامارة وهي الخضراء، وقيل بمقابر باب الصغير، وعليه الجمهور فالله أعلم. وكان عمره إذ ذاك ثمانيا وسبعين سنة، وقيل جاوز الثمانين وهو الأشهر والله أعلم. ثم ركب الضحاك بن قيس في جيش وخرج ليتلقى يزيد بن معاوية - وكان يزيد بحوارين - فلما وصلوا إلى ثنية العقاب تلقتهم أثقال يزيد، وإذا يزيد راكب على بختي وعليه الحزن ظاهر، فسلم عليه الناس بالإمارة وعزوه في أبيه، وهو يخفض صوته في رده عليهم، والناس صامتون لا يتكلم معه إلا الضحاك بن قيس، فانتهى إلى باب توما، فظن الناس أنه يدخل منه إلى المدينة، فأجازه مع السور حتى انتهى إلى الباب الشرقي، فقيل: يدخل منه لأنه باب خالد، فجازه حتى أتى الباب الصغير فعرف الناس أنه قاصد قبر أبيه، فلما وصل إلى باب الصغير ترجل عند القبر ثم دخل فصلى على أبيه بعد ما دفن ثم انفتل، فلما خرج من المقبرة أتى بمراكب الخلافة فركب. ثم دخل البلد وأمر فنودي في الناس إن الصلاة جامعة، ودخل الخضراء فاغتسل ولبس ثيابا حسنة ثم خرج فخطب الناس أول خطبة خطبها وهو أمير المؤمنين، فقال بعد حمد الله والثناء عليه: أيها الناس! إن معاوية كان عبدا من عبيد الله، أنعم الله عليه ثم قبضه إليه، وهو خير ممن بعده ودون من قبله، ولا أزكيه على الله فإنه أعلم به، إن عفى عنه فبرحمته، وإن عاقبه فبذنبه، وقد وليت الأمر من بعده، ولست آسى على طلب، ولا أعتذر من تفريط، وإذا أراد الله شيئا كان. وقال لهم في خطبته هذه: وإن معاوية كان يغزيكم في البحر، وإني لست حاملا أحدا من المسلمين في البحر، وإن معاوية كان يشتيكم بأرض الروم ولست مشتيا أحدا بأرض الروم، وإن معاوية كان يخرج لكم العطاء أثلاثا وأنا أجمعه لكم كله. قال: فافترق الناس عنه وهم لا يفضلون

стр. 2628

عليه أحدا. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: سمعت الشافعيّ يقول: بعث معاوية وهو مريض إلى ابنه يزيد، فلما جاءه البريد ركب وهو يقول: - جاء البريد بقرطاس يخب به … فأوجس القلب من قرطاسه فزعا قلنا لك الويل ماذا في صحيفتكم … قال الخليفة أمسى مثقلا وجعا فمادت الأرض أو كادت تميد بنا … كأن أغبر من أركانها انقلعا ثم انبعثنا إلى خوص مضمرة … نرمي الفجاج بها ما نأتلى سرعا فما نبالى إذا بلّغن أرجلنا … ما مات منهن بالمرمات أو طلعا لما انتهينا وباب الدار منصفق … بصوت رملة ريع القلب فانصدعا من لا تزل نفسه توفى على شرف … توشك مقاليد تلك النفس أن تقعا أودى ابن هند وأودى المجد يتبعه … كأنا جميعا خليطا سالمين معا أغر أبلج يستسقى الغمام به … لو قارع الناس عن أحلامهم قرعا لا يرقع الناس ما أوهى وإن جهدوا … أن يرقعوه ولا يوهون ما رقعا وقال الشافعيّ: سرق يزيد هذين البيتين من الأعشى، ثم ذكر أنه دخل قبل موت أبيه دمشق وأنه أوصى إليه، وهذا قد قاله ابن إسحاق وغير واحد، ولكن الجمهور على أن يزيد لم يدخل دمشق إلا بعد موت أبيه، وأنه صلى على قبره بالناس كما قدمناه والله أعلم. وقال أبو الورد العنبري يرثى معاوية ﵁: - ألا أنعى معاوية بن حرب … نعاة الحل للشهر الحرام نعاه الناعيات بكل فج … خواضع في الأزمة كالسهام فهاتيك النجوم وهنّ خرس … ينحن على معاوية الهمام وقال أيمن بن خريم يرثيه أيضا: - رمى الحدثان نسوة آل حرب … بمقدار سمدن له سمودا فرد شعورهن السود بيضا … ورد وجوههن البيض سودا فإنك لو شهدت بكاء هند … ورملة إذ يصفقن الخدودا بكيت بكاء معولة قريح … أصاب الدهر واحدها الفريدا ذكر من تزوج من النساء ومن ولد له من الأولاد الذكور والإناث كان له عبد الرحمن وبه كان يكنى، وعبد الله، وكان ضعيف العقل، وأمهما فاختة بنت قرظة ابن عمرو بن نوفل بن عبد مناف، وقد تزوج بأختها منفردة عنها بعدها، وهي كنوة بنت قرظة وهي

стр. 2629

التي كانت معه حين افتتح قبرص، وتزوج نائلة بنت عمارة الكلبية فأعجبته وقال لميسون بنت بحدل: ادخلى فانظرى إلى ابنة عمك، فدخلت فسألها عنها فقالت: إنها لكاملة الجمال، ولكن رأيت تحت سرتها خالا، وإني لأرى هذه يقتل زوجها ويوضع رأسه في حجرها. فطلقها معاوية فتزوجها بعده حبيب بن سلمة الفهري، ثم خلف عليها بعده النعمان بن بشير فقتل ووضع رأسه في حجرها. ومن أشهر أولاده يزيد وأمه ميسون بنت بحدل بن أنيف بن دجلة بن قنافة الكلبي، وهي التي دخلت على نائلة فأخبرت معاوية عنها بما أخبرته، وكانت حازمة عظيمة الشأن جمالا ورياسة وعقلا ودينا، دخل عليها معاوية يوما ومعه خادم خصى فاستترت منه وقالت: ما هذا الرجل معك؟ فقال: إنه خصى فاظهرى عليه، فقالت: ما كانت المثلة لتحل له ما حرم الله عليه، وحجبته عنها. وفي رواية أنها قالت له: إن مجرد مثلتك له لن تحل ما حرمه الله عليه، فلهذا أولى الله ابنها يزيد الخلافة بعد أبيه. وذكر ابن جرير أن ميسون هذه ولدت لمعاوية بنتا أخرى يقال لها: أمة رب المشارق، ماتت صغيرة، ورملة تزوجها عمرو بن عثمان بن عفان، كانت دارها بدمشق عند عقبة السمك تجاه زقاق الرمان، قاله ابن عساكر قال: ولها طاحون معروفة إلى الآن، وهند بنت معاوية تزوجها عبد الله بن عامر، فلما أدخلت عليه بالخضراء جوار الجامع أرادها على نفسها فتمنعت عليه وأبت أشد الاباء، فضربها فصرخت، فلما سمع الجواري صوتها صرخن وعلت أصواتهن، فسمع معاوية فنهض إليهن فاستعلمهن ما الخبر؟ فقلن: سمعنا صوت سيدتنا فصحنا، فدخل فإذا بها تبكى من ضربه، فقال لابن عامر: ويحك!! مثل هذه تضرب في مثل هذه الليلة؟ ثم قال له: اخرج من هاهنا، فخرج ابن عامر وخلا بها معاوية فقال لها: يا بنية إنه زوجك الّذي أحله الله لك، أو ما سمعت قول الشاعر: - من الخفرات البيض أما حرامها … فصعب وأما حلها فذلول؟ ثم خرج معاوية من عندها وقال لزوجها: ادخل فقد مهدت لك خلقها ووطأته. فدخل ابن عامر فوجدها قد طابت أخلاقها فقضى حاجته منها رحمهم الله تعالى. فصل [كان على قضاء معاوية أبو الدرداء بولاية عمر بن الخطاب، فلما حضره الموت أشار على معاوية بتولية فضالة بن عبيد، ثم مات فضالة فولى أبا إدريس الخولانيّ. وكان على حرسه رجل من الموالي يقال له المختار وقيل مالك، ويكنى أبا المخارق - مولى لحمير - وكان معاوية أول من اتخذ الحرس، وعلى حجابته سعد مولاه وعلى الشرطة قيس بن حمزة، ثم زميل بن عمرو العذري، ثم الضحاك بن

стр. 2630

قيس الفهري، وكان صاحب أمره سرجون بن منصور الرومي. وكان معاوية أول من اتخذ ديوان الخاتم وختم الكتب] (١). فصل وممن ذكر أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة ستين - (صفوان بن المعطل) بن رخصة بن المؤمل ابن خزاعيّ أبو عمرو، وأول مشاهده المريسيع، وكان في الساقة يومئذ، وهو الّذي رماه أهل الافك بأم المؤمنين فبرأه الله وإياها مما قالوا، وكان من سادات المسلمين، وكان ينام نوما شديدا حتى كان ربما طلعت عليه الشمس وهو نائم لا يستيقظ، فقال له رسول الله ﷺ : «إذا استيقظت فصل» وقد قتل صفوان شهيدا. أبو مسلم الخولانيّ عبد بن ثوب الخولانيّ من خولان ببلاد اليمن. دعاه الأسود العنسيّ إلى أن يشهد أنه رسول الله فقال له: أتشهد أنى رسول الله؟ فقال: لا أسمع، أشهد أن محمدا رسول الله، فأجج له نارا وألقاه فيها فلم تضره، وأنجاه الله منها فكان يشبه بإبراهيم الخليل، ثم هاجر فوجد رسول الله ﷺ قد مات، فقدم على الصديق فأجلسه بينه وبين عمر وقال له عمر: الحمد لله الّذي لم يمتنى حتى أرى في أمة محمد من فعل به كما فعل بإبراهيم الخليل، وقبله بين عينيه، وكانت له أحوال ومكاشفات والله سبحانه أعلم. ويقال إنه توفى فيها النعمان بن بشير، والأظهر أنه مات بعد ذلك كما سيأتي إن شاء الله تعالى. إمارة يزيد بن معاوية وما جرى في أيامه من الحوادث والفتن بويع له بالخلافة بعد أبيه في رجب سنة ستين، وكان مولده سنة ست وعشرين، فكان يوم بويع ابن أربع وثلاثين سنة، فأقر ثواب أبيه على الأقاليم، لم يعزل أحدا منهم، وهذا من ذكائه. قال هشام بن محمد الكلبي عن أبى مخنف لوط بن يحيى الكوفي الأخباري: ولى يزيد في هلال رجب سنة ستين، وأمير المدينة الوليد بن عتبة بن أبى سفيان، وأمير الكوفة النعمان بن بشير، وأمير البصرة عبد الله بن زياد، وأمير مكة عمرو بن سعيد بن العاص، ولم يكن ليزيد همة حين ولى إلا بيعة النفر الذين أبوا على معاوية البيعة ليزيد، فكتب إلى نائب المدينة الوليد بن عتبة: «بسم الله الرحمن الرحيم من يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد فان معاوية كان عبدا من عباد الله أكرمه الله واستخلفه وخوّله ومكّن له، فعاش بقدر ومات بأجل، فرحمه الله، فقد عاش محمودا ومات برا تقيا والسلام. وكتب إليه في صحيفة كأنها أذن الفأرة: أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن عمرو عبد الله بن

стр. 2631

الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا والسلام. فلما أتاه نعى معاوية فظع به وكبر عليه، فبعث إلى مروان فقرأ عليه الكتاب واستشاره في أمر هؤلاء النفر، فقال: أرى أن تدعوهم قبل أن يعلموا بموت معاوية إلى البيعة، فان أبو ضربت أعناقهم. فأرسل من فوره عبد الله ابن عمرو بن عثمان بن عفان إلى الحسين وابن الزبير - وهما في المسجد - فقال لهما: أجيبا الأمير، فقالا: انصرف الآن نأتيه، فلما انصرف عنهما قال الحسين لابن الزبير: إني أرى طاغيتهم قد هلك، قال ابن الزبير: وأنا ما أظن غيره. قال: ثم نهض حسين فأخذ معه مواليه وجاء باب الأمير فاستأذن فأذن له، فدخل وحده، وأجلس مواليه على الباب، وقال: إن سمعتم أمرا يريبكم فادخلوا، فسلم وجلس ومروان عنده، فناوله الوليد بن عتبة الكتاب ونعى إليه معاوية، فاسترجع وقال: رحم الله معاوية، وعظم لك الأجر، فدعاه الأمير إلى البيعة فقال له الحسين: إن مثلي لا يبايع سرا، وما أراك تجتزي منى بهذا، ولكن إذا اجتمع الناس دعوتنا معهم فكان أمرا واحدا، فقال له الوليد - وكان يحب العافية - فانصرف على اسم الله حتى تأتينا في جماعة الناس. فقال مروان للوليد: والله لئن فارقك ولم يبايع الساعة ليكثرن القتل بينكم وبينه، فاحبسه ولا تخرجه حتى يبايع وإلا ضربت عنقه، فنهض الحسين وقال: يا ابن الزرقاء أنت تقتلني؟ كذبت والله وأثمت. ثم انصرف إلى داره، فقال مروان للوليد: والله لا تراه بعدها أبداً. فقال الوليد: والله يا مروان ما أحب أن لي الدنيا وما فيها وأنى قتلت الحسين، سبحان الله! أقتل حسينا أن قال لا أبايع؟ والله إني لأظن أن من يقتل الحسين يكون خفيف الميزان يوم القيامة. وبعث الوليد إلى عبد الله بن الزبير فامتنع عليه وماطله يوما وليلة، ثم إن ابن الزبير ركب في مواليه واستصحب معه أخاه جعفرا وسار إلى مكة على طريق الفرع، وبعث الوليد خلف ابن الزبير الرجال والفرسان فلم يقدروا على رده، وقد قال جعفر لأخيه عبد الله وهما سائران متمثلا بقول صبرة الحنظليّ: - وكل بنى أم سيمسون ليلة … ولم يبق من أعقابهم غير واحد فقال: سبحان الله! ما أردت إلى هذا؟ فقال: والله ما أردت به شيئا يسوءك، فقال: إن كان إنما جرى على لسانك فهو أكره إلى، قالوا وتطير به. وأما الحسين بن على فان الوليد تشاغل عنه بابن الزبير وجعل كلما بعث إليه يقول حتى تنظر وننظر، ثم جمع أهله وبنيه وركب ليلة الأحد لليلتين بقيتا من رجب من هذه السنة، بعد خروج ابن الزبير بليلة، ولم يتخلف عنه أحد من أهله سوى محمد بن الحنفية، فإنه قال له: والله يا أخى لأنت أعز أهل الأرض على، وإني ناصح لك لا تدخلن مصراً من هذه الأمصار، ولكن اسكن البوادي والرمال، وابعث إلى الناس فإذا بايعوك واجتمعوا عليك فادخل المصر، وإن أبيت إلا سكنى المصر فاذهب إلى مكة، فان رأيت ما تحب وإلا ترفعت

стр. 2632

إلى الرمال والجبال. فقال له: جزاك الله خيرا فقد نصحت وأشفقت، وسار الحسين إلى مكة فاجتمع هو وابن الزبير بها، وبعث الوليد إلى عبد الله بن عمر فقال: بايع ليزيد، فقال: إذا بايع الناس بايعت، فقال رجل: إنما تريد أن تختلف الناس ويقتتلون حتى يتفانوا، فإذا لم يبق غيرك بايعوك؟ فقال ابن عمر: لا أحب شيئا مما قلت، ولكن إذا بايع الناس فلم يبق غيري بايعت، وكانوا يتخوّفونه. وقال الواقدي: لم يكن ابن عمر بالمدينة حين قدم نعى معاوية، وإنما كان هو وابن عباس بمكة فلقبهما وهما مقبلان منها الحسين وابن الزبير، فقال: ما وراءكما؟ قالا: موت معاوية والبيعة ليزيد بن معاوية، فقال لهما ابن عمر: اتقيا الله ولا تفرقا بين جماعة المسلمين، وقدم ابن عمر وابن عباس إلى المدينة فلما جاءت البيعة من الأمصار بايع ابن عمر مع الناس، وأما الحسين وابن الزبير فإنهما قدما مكة فوجدا بها عمرو بن سعيد بن العاص فخافاه وقالا: إنا جئنا عواذا بهذا البيت. وفي هذه السنة في رمضان منها عزل يزيد بن معاوية الوليد بن عتبة عن إمرة المدينة لتفريطه، وأضافها إلى عمرو بن سعيد بن العاص نائب مكة، فقدم المدينة في رمضان، وقيل في ذي القعدة، وكان متآلها متكبرا، وسلط عمرو بن الزبير - وكان عدوا لأخيه عبد الله - على حربه وجرده له، وجعل عمرو بن سعيد يبعث البعوث إلى مكة لحرب ابن الزبير. وقد ثبت في الصحيحين أن أبا شريح الخزاعي قال لعمرو بن سعيد وهو يبعث البعوث إلى مكة: ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك حديثا قام به رسول الله ﷺ الغد من يوم الفتح، سمعته أذناى ووعاه قلبي حين تكلم به إنه حمد الله وأثنى عليه وقال: «إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنه لم يحل القتال فيها لأحد كان قبلي، ولم تحل لأجد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار، ثم قد صارت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب». وفي رواية: «فان أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فيها فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم» فقيل لأبى شريح: ما قال لك؟ فقال: قال لي نحن أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصياً ولا فاراً بدم، ولا فاراً بخربة. قال الواقدي: ولى عمرو بن سعيد شرطة المدينة عمرو بن الزبير فتتبع أصحاب أخيه ومن يهوى هواه، فضربهم ضربا شديدا حتى ضرب من جملة من ضرب أخاه المنذر بن الزبير، وانه لا بد أن يأخذ أخاه عبد الله في جامعة من فضة حتى يقدم به على الخليفة، فضرب المنذر بن الزبير، وابنه محمد بن المنذر، وعبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث وعثمان بن عبد الله بن حكيم بن حزام، وخبيب بن عبد الله بن الزبير، ومحمد بن عمار بن ياسر وغيرهم، ضربهم من الأربعين إلى الخمسين إلى الستين جلدة، وفر منه عبد الرحمن بن عثمان التيمي، وعبد الرحمن بن عمرو بن سهل في أناس من مكة. ثم جاء العزم من يزيد إلى عمرو بن سعيد في تطلب ابن الزبير، وأنه لا يقبل منه وإن

стр. 2633

بايع حتى يؤتى به إلى في جامعة (١) من ذهب أو من فضة تحت برنسه، فلا ترى إلا أنه يسمع صوتها، وكان ابن الزبير قد منع الحارث بن خالد المخزومي من أن يصلى بأهل مكة، وكان نائب عمرو بن سعيد عليها، فحينئذ صمم عمرو على تجهيز سرية إلى مكة بسبب ابن الزبير، فاستشار عمرو بن سعيد عمرو ابن الزبير: من يصلح أن نبعثه إلى مكة لأجل قتاله؟ فقال له عمرو بن الزبير: إنك لا تبعث إليه من هو أنكى له منى، فعينه على تلك السرية وجعل على مقدمته أنيس بن عمرو الأسلمي في سبعمائة مقاتل. وقال الواقدي: إنما عينهما يزيد بن معاوية نفسه، وبعث بذلك إلى عمرو بن سعيد، فعسكر أنيس بالجرف وأشار مروان بن الحكم على عمرو بن سعيد أن لا يغزو مكة وأن يترك ابن الزبير بها، فإنه عما قليل إن لم يقتل يمت، فقال أخوه عمرو بن الزبير: والله لنغزونه ولو في جوف الكعبة على رغم أنف من رغم. فقال مروان: والله إن ذلك ليسرني. فسار أنيس واتبعه عمرو بن الزبير في بقية الجيش - وكانوا ألفين - حتى نزل بالأبطح، وقيل بداره عند الصفا، ونزل أنيس بذي طوى، فكان عمرو بن الزبير يصلى بالناس، ويصلى وراءه أخوه عبد الله بن الزبير، وأرسل عمرو إلى أخيه يقول له: بريمين الخليفة، وأته وفي عنقك جامعة من ذهب أو فضة، ولا تدع الناس يضرب بعضهم بعضا، واتّق الله فإنك في بلد حرام. فأرسل عبد الله يقول لأخيه: موعدك المسجد. وبعث عبد الله ابن الزبير عبد الله بن صفوان بن أمية في سرية فاقتتلوا مع عمرو بن أنيس الأسلمي فهزموا أنيسا هزيمة قبيحة، وتفرق عن عمرو بن الزبير أصحابه وهرب عمرو إلى دار ابن علقمة، فأجاره أخوه عبيدة بن الزبير، فلامه أخوه عبد الله بن الزبير وقال: تجير من في عنقه حقوق الناس؟ ثم ضربه بكل من ضربه بالمدينة إلا المنذر بن الزبير وابنه فإنهما أبيا أن يستقيدا من عمرو، وسجنه ومعه عارم، فسمى سجن عارم، وقد قيل إن عمرو بن الزبير مات تحت السياط والله أعلم. قصة الحسين بن على بن أبى طالب ﵄ وسبب خروجه بأهله من مكة إلى العراق في طلب الامارة وكيفية مقتله ﵁ ولنبدأ قبل ذلك بشيء من ترجمته ثم نتبع الجميع بذكر مناقبه وفضائله. هو الحسين بن على بن أبى طالب بن عبد المطلب بن هاشم أبو عبد الله القرشي الهاشمي، السبط الشهيد بكربلاء ابن بنت رسول الله ﷺ فاطمة الزهراء، وريحانته من الدنيا، ولد بعد أخيه الحسن، وكان مولد الحسن في سنة ثلاث من الهجرة، وقال بعضهم: إنما كان بينهما طهر واحد ومدة الحمل، وولد لخمس ليال خلون من شعبان سنة أربع. وقال قتادة: ولد الحسين لست سنين وخمسة أشهر ونصف من التاريخ، وقتل يوم الجمعة يوم عاشوراء في المحرم سنة إحدى وستين، وله

стр. 2634

أربع وخمسون سنة وستة أشهر ونصف، ﵁. وروى عن النبي ﷺ أنه حنكه وتفل في فيه ودعا له وسماه حسينا، وقد كان سماه أبوه قبل ذلك حربا، وقيل جعفرا، وقيل: إنما سماه يوم سابعه وعق عنه. وقال جماعة عن إسرائيل عن أبى إسحاق عن هانئ بن هانئ عن على ﵁ قال: الحسن أشبه برسول الله ﷺ ما بين الصدر إلى الرأس، والحسين أشبه به ما بين أسفل من ذلك، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك الحزامي. قال: كان وجه الحسن يشبه وجه رسول الله ﷺ ، وكان جسد الحسين يشبه جسد رسول الله ﷺ . وروى محمد بن سيرين وأخته حفصة، عن أنس. قال: كنت عند ابن زياد فجيء برأس الحسين فجعل يقول بقضيب في أنفه ويقول: ما رأيت مثل هذا حسنا، فقلت له: إنه كان من أشبههم برسول الله ﷺ . وقال سفيان: قلت لعبيد الله بن أبى زياد: رأيت الحسين؟ قال: نعم أسود الرأس واللحية إلا شعرات هاهنا في مقدم لحيته، فلا أدرى أخضب وترك ذلك المكان تشبها برسول الله ﷺ ، أو لم يكن شاب منه غير ذلك؟ وقال ابن جريج: سمعت عمر بن عطاء قال: رأيت الحسين بن على يصبغ بالوشمة، أما هو فكان ابن ستين سنة، وكان رأسه ولحيته شديدي السواد، فأما الحديث الّذي روى من طريقين ضعيفين أن فاطمة سألت رسول الله ﷺ في مرض الموت أن ينحل ولديها شيئا فقال: «أما الحسن فله هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فله جرأتى وجودي» فليس بصحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب المعتبرة، وقد أدرك الحسين من حياة النبي ﷺ خمس سنين أو نحوها، وروى عنه أحاديث، وقال مسلم بن الحجاج له رؤية من النبي ﷺ ، وقد روى صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه أنه قال في الحسن بن على: إنه تابعي ثقة، وهذا غريب فلأن يقول في الحسين إنه تابعي بطريق الأولى. وسنذكر ما كان رسول الله ﷺ يكرمهما به، وما كان يظهر من محبتهما والحنو عليهما. والمقصود أن الحسين عاصر رسول الله ﷺ وصحبه إلى أن توفى وهو عنه راض، ولكنه كان صغيراً. ثم كان الصديق يكرمه ويعظمه، وكذلك عمر وعثمان، وصحب أباه وروى عنه، وكان معه في مغازيه كلها، في الجمل وصفين، وكان معظما موقرا، ولم يزل في طاعة أبيه حتى قتل، فلما آلت الخلافة إلى أخيه وأراد أن يصالح شق ذلك عليه ولم يسدد رأى أخيه في ذلك، بل حثه على قتال أهل الشام، فقال له أخوه: والله لقد هممت أن أسجنك في بيت وأطبق عليك بابه حتى أفرغ من هذا الشأن ثم أخرجك. فلما رأى الحسين ذلك سكت وسلم، فلما استقرت الخلافة لمعاوية كان الحسين يتردد إليه مع أخيه الحسن فيكرمهما معاوية إكراماً زائداً، ويقول لهما: مرحبا وأهلا، ويعطيهما عطاء جزيلا، وقد أطلق لهما في يوم واحد مائتي ألف، وقال: خذاها وأنا ابن هند، والله

стр. 2635

لا يعطيكماها أحد قبلي ولا بعدي، فقال الحسين: والله لن تعطى أنت ولا أحد قبلك ولا بعدك رجلا أفضل منا. ولما توفى الحسن كان الحسين يفد إلى معاوية في كل عام فيعطيه ويكرمه، وقد كان في الجيش الذين غزوا القسطنطينية مع ابن معاوية يزيد، في سنة إحدى وخمسين. ولما أخذت البيعة ليزيد في حياة معاوية كان الحسين ممن امتنع من مبايعته هو وابن الزبير وعبد الرحمن بن أبى بكر وابن عمر وابن عباس، ثم مات ابن أبى بكر وهو مصمم على ذلك، فلما مات معاوية سنة ستين وبويع ليزيد، بايع ابن عمر وابن عباس، وصمم على المخالفة الحسين وابن الزبير، وخرجا من المدينة فارين إلى مكة فأقاما بها، فعكف الناس على الحسين يفدون إليه ويقدمون عليه ويجلسون حواليه، ويستمعون كلامه، حين سمعوا بموت معاوية وخلافة يزيد، وأما ابن الزبير فإنه لزم مصلاه عند الكعبة، وجعل يتردد في غبون ذلك إلى الحسين في جملة الناس، ولا يمكنه أن يتحرك بشيء مما في نفسه مع وجود الحسين، لما يعلم من تعظيم الناس له وتقديمهم إياه عليه، غير أنه قد تعينت السرايا والبعوث إلى مكة بسببه، ولكن أظفره الله بهم كما تقدم ذلك آنفا، فانقشعت السرايا عن مكة مفلولين وانتصر عبد الله بن الزبير على من أراد هلاكه من اليزيديين، وضرب أخاه عمراً وسجنه واقتص منه وأهانه، وعظم شأن ابن الزبير عند ذلك ببلاد الحجاز، واشتهر أمره وبعد صيته، ومع هذا كله ليس هو معظماً عند الناس مثل الحسين، بل الناس إنما ميلهم إلى الحسين لانه السيد الكبير، وابن بنت رسول الله ﷺ ، فليس على وجه الأرض يومئذ أحد يساميه ولا يساويه، ولكن الدولة اليزيدية كانت كلها تناوئه. وقد كثر ورود الكتب عليه من بلاد العراق يدعونه إليهم - وذلك حين بلغهم موت معاوية وولاية يزيد، ومصير الحسين إلى مكة فراراً من بيعة يزيد - فكان أول من قدم عليه عبد الله بن سبع الهمدانيّ، وعبد الله بن وال، معهما كتاب فيه السلام والتهنئة بموت معاوية، فقدما على الحسين لعشر مضين من رمضان من هذه السنة، ثم بعثوا بعدهما نفرا منهم قيس بن مسهر الصدائى، وعبد الرحمن بن عبد الله بن الكواء الأرحبي، وعمارة بن عبد الله السلولي، ومعهم نحو من مائة وخمسين كتابا إلى الحسين، ثم بعثوا هانئ بن هانئ السبيعي وسعيد بن عبد الله الحنفي ومعهما كتاب فيه الاستعجال في السير إليهم، وكتب إليه شيث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث ابن رويم، وعمرو بن حجاج الزبيدي، ومحمد بن عمر بن يحيى التميمي: أما بعد فقد اخضرت الجنان وأينعت الثمار ولطمت الجمام، فإذا شئت فأقدم على جند لك مجندة والسلام عليك. فاجتمعت الرسل كلها بكتبها عند الحسين، وجعلوا يستحثونه ويستقدمونه عليهم ليبايعوه عوضا عن يزيد بن معاوية، ويذكرون في كتبهم أنهم فرحوا بموت معاوية، وينالون منه ويتكلمون في دولته، وأنهم

стр. 2636

لما يبايعوا أحدا إلى الآن، وأنهم ينتظرون قدومك إليهم ليقدموك عليهم، فعند ذلك بعث ابن عمه مسلم بن عقيل بن أبى طالب إلى العراق، ليكشف له حقيقة هذا الأمر والاتفاق، فان كان متحتما وأمرا حازماً محكما بعث إليه ليركب في أهله وذويه، ويأتى الكوفة ليظفر بمن يعاديه، وكتب معه كتابا إلى أهل العراق بذلك، فلما سار مسلم من مكة اجتاز بالمدينة فأخذ منها دليلين فسارا به على براري مهجورة المسالك، فكان أحد الدليلين منهما أول هالك، وذلك من شدة العطش، وقد أضلوا الطريق فهلك الدليل الواحد بمكان يقال له المضيق، من بطن خبيت، فتطير به مسلم بن عقيل، فتلبث مسلم على ما هنالك ومات الدليل الآخر فكتب إلى الحسين يستشيره في أمره، فكتب إليه يعزم عليه أن يدخل العراق، وأن يجتمع بأهل الكوفة ليستعلم أمرهم ويستخبر خبرهم. فلما دخل الكوفة نزل على رجل يقال له مسلم بن عوسجة الأسدي، وقيل نزل في دار المختار ابن أبى عبيد الثقفي فالله أعلم. فتسامع أهل الكوفة بقدومه فجاءوا إليه فبايعوه على إمرة الحسين، وحلفوا له لينصرنه بأنفسهم وأموالهم، فاجتمع على بيعته من أهلها اثنا عشر ألفا، ثم تكاثروا حتى بلغوا ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين ليقدم عليها فقد تمهدت له البيعة والأمور، فتجهز الحسين من مكة قاصدا الكوفة كما سنذكره. وانتشر خبرهم حتى بلغ أمير الكوفة النعمان بن بشير خبّره رجل بذلك، فجعل يضرب عن ذلك صفحاً ولا يعبأ به، ولكنه خطب الناس ونهاهم عن الاختلاف والفتنة، وأمرهم بالائتلاف والسنة، وقال: إني لا أقاتل من لا يقاتلني، ولا أثب على من لا يثب عليّ، ولا آخذكم بالظنة، ولكن والله الّذي لا إله إلا هو لئن فارقتم إمامكم ونكثتم بيعته لأقاتلنكم ما دام في يدي من سيفي قائمته. فقام إليه رجل يقال له عبد الله بن مسلم بن شعبة الحضرميّ فقال له: إن هذا الأمر لا يصلح إلا بالغشمة، وإن الّذي سلكته أيها الأمير مسلك المستضعفين. فقال له النعمان: لأن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلى من أن أكون من الأقوياء الأعزين في معصية الله. ثم نزل فكتب ذلك الرجل إلى يزيد يعلمه بذلك، وكتب إلى يزيد عمارة ابن عقبة وعمرو بن سعد بن أبى وقاص، فبعث يزيد فعزل النعمان عن الكوفة وضمها إلى عبيد الله ابن زياد مع البصرة، وذلك بإشارة سرجون مولى يزيد بن معاوية، وكان يزيد يستشيره، فقال سرجون: أكنت قابلا من معاوية ما أشار به لو كان حيا؟ قال: نعم! قال: فاقبل منى فإنه ليس للكوفة إلا عبيد الله بن زياد، فوله إياها. وكان يزيد يبغض عبيد الله بن زياد، وكان يريد أن يعزله عن البصرة، فولاه البصرة والكوفة معا لما يريده الله به وبغيره. ثم كتب يزيد إلى ابن زياد: إذا قدمت الكوفة فاطلب مسلم بن عقيل فان قدرت عليه فأقتله أو انفه، وبعث الكتاب مع العهد مع مسلم بن عمرو الباهلي، فسار ابن زياد من البصرة إلى

стр. 2637

الكوفة، فلما دخلها دخلها متلثما بعمامة سوداء، فجعل لا يمر بملإ من الناس إلا قال: سلام عليكم، فيقولون: وعليكم السلام مرحبا بابن رسول الله - يظنون أنه الحسين وقد كانوا ينتظرون قدومه - وتكاثر الناس عليه، ودخلها في سبعة عشر راكبا، فقال لهم مسلم بن عمرو من جهة يزيد: تأخّروا، هذا الأمير عبيد الله بن زياد، فلما علموا ذلك علتهم كآبة وحزن شديد، فتحقق عبيد الله الخبر، ونزل قصر الإمارة من الكوفة، فلما استقر أمره أرسل مولى أبى رهم - وقيل كان مولى له يقال له معقل - ومعه ثلاثة آلاف درهم في صورة قاصد من بلاد حمص، وأنه إنما جاء لهذه البيعة، فذهب ذلك المولى فلم يزل يتلطف ويستدل على الدار التي يبايعون بها مسلم بن عقيل حتى دخلها، وهي دار هانئ بن عروة التي تحول إليها من الدار الأولى، فبايع وأدخلوه على مسلم بن عقيل فلزمهم أياما حتى اطلع على جلية أمرهم، فدفع المال إلى أبى ثمامة العامري بأمر مسلم بن عقيل - وكان هو الّذي يقبض ما يؤتى به من الأموال ويشترى السلاح - وكان من فرسان العرب، فرجع ذلك المولى وأعلم عبيد الله بالدار وصاحبها، وقد تحول مسلم بن عقيل إلى دار هانئ بن حميد بن عروة المرادي، ثم إلى دار شريك بن الأعور وكان من الأمراء الأكابر، وبلغه أن عبيد الله يريد عيادته، فبعث إلى هانئ يقول له: ابعث مسلم بن عقيل حتى يكون في داري ليقتل عبيد الله إذا جاء يعودني، فبعثه إليه فقال له شريك: كن أنت في الخباء، فإذا جلس عبيد الله فانى أطلب الماء وهي إشارتي إليك، فاخرج فأقتله، فلما جاء عبيد الله جلس على فراش شريك وعنده هانئ بن عروة، وقام من بين يديه غلام يقال له مهران، فتحدث عنده ساعة ثم قال شريك: اسقوني، فتجبن مسلم عن قتله، وخرجت جارية بكوز من ماء فوجدت مسلما في الخباء فاستحيت ورجعت بالماء ثلاثا، ثم قال: اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي أتحمونني من الماء؟ ففهم مهران الغدر فغمز مولاه فنهض سريعا وخرج، فقال شريك: أيها الأمير، إني أريد أن أوصى إليك، فقال: سأعود! فخرج به مولاه فأركبه وطرد به - أي ساق به - وجعل يقول له مولاه: إن القوم أرادوا قتلك فقال: ويحك إني بهم لرفيق. فما بالهم؟ وقال شريك لمسلم: ما منعك أن تخرج فقتله؟ قال: حديث بلغني عن رسول الله ﷺ أنه قال «الايمان ضد الفتك، لا يفتك مؤمن» وكرهت أن أقتله في بيتك، فقال: أما لو قتلته لجلست في القصر لم يستعد منه أحد وليكفينك أمر البصرة، ولو قتلته لقتلت ظالما فاجرا، ومات شريك بعد ثلاث. ولما انتهى ابن زياد إلى باب القصر وهو متلثم ظنه النعمان بن بشير الحسين قد قدم، فأغلق باب القصر وقال: ما أنا بمسلم إليك أمانتى، فقال له عبيد الله: افتح لا فتحته، ففتح وهو يظنه الحسين، فلما تحقق أنه عبيد الله أسقط في يده، فدخل عبيد الله إلى قصر الامارة وأمر مناديا فنادى: إن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان

стр. 2638

أمير المؤمنين قد ولأني أمركم وثغركم وفيئكم، وأمرنى بإنصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على مريبكم وعاصيكم، وإنما أنا ممتثل فيكم أمره ومنفذ عهده، ثم نزل وأمر العرفاء أن يكتبوا من عندهم من الزورية وأهل الريب والخلاف والشقاق، وأيما عريف لم يطلعنا على ذلك صلب أو نفى وأسقطت عرافته من الديوان - وكان هانئ أحد الأمراء الكبار - ولم يسلم على عبيد الله منذ قدم وتمارض، فذكره عبيد الله وقال: ما بال هانئ لم يأتنى مع الأمراء؟ فقالوا: أيها الأمير إنه يشتكي، فقال: إنه بلغني أنه يجلس على باب داره. وزعم بعضهم أنه عاده قبل شريك بن الأعور ومسلم بن عقيل عنده، وقد هموا بقتله فلم يمكنهم هانئ لكونه في داره، فجاء الأمراء إلى هانئ بن عروة فلم يزالوا به حتى أدخلوه على عبيد الله بن زياد، فالتفت عبيد الله إلى القاضي شريح فقال متمثلا بقول الشاعر: أريد حياته ويريد قتلى … عذيرك من خليلك من مراد فلما سلم هانئ على عبيد الله قال: يا هانئ أين مسلم بن عقيل؟ قال: لا أدرى، فقام ذلك المولى التميمي الّذي دخل دار هانئ في صورة قاصد من حمص فبايع في داره ودفع الدراهم بحضرة هانئ إلى مسلم، فقال: أتعرف هذا؟ قال: نعم! فلما رآه هانئ قطع وأسقط في يده، فقال: أصلح الله الأمير، والله ما دعوته إلى منزلي، ولكنّه جاء فطرح نفسه عليّ، فقال عبيد الله: فأتنى به، فقال: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه، فقال: أدنوه منى، فأدنوه فضربه بحربة على وجهه فشجه على حاجبه وكسر أنفه، وتناول هانئ سيف شرطي ليسله فدفع عن ذلك، وقال عبيد الله: قد أحل الله لي دمك، لأنك حروري، ثم أمر به فحبسه في جانب الدار وجاء قومه من بنى مذحج مع عمرو بن الحجاج فوقفوا على باب القصر يظنون أنه قد قتل، فسمع عبيد الله لهم جلبة، فقال شريح القاضي وهو عنده: أخرج إليهم فقل لهم: إن الأمير لم يحبسه إلا ليسأله عن مسلم بن عقيل، فقال لهم: إنّ صاحبكم حي وقد ضربه سلطاننا ضربا لم يبلغ نفسه، فانصرفوا ولا تحلوا بأنفسكم ولا بصاحبكم. فتفرقوا إلى منازلهم، وسمع مسلم بن عقيل الخبر فركب ونادى بشعاره «يا منصور أمت» وفاجتمع إليه أربعة آلاف من أهل الكوفة، وكان معه المختار بن أبى عبيد، ومعه راية خضراء، عبد الله بن نوفل بن الحارث براية حمراء، فرتبهم ميمنة وميسرة وسار هو في القلب إلى عبيد الله، وهو يخطب الناس في أمر هانئ ويحذرهم من الاختلاف، وأشراف الناس وأمراؤهم تحت منبره، فبينما هو كذلك إذ جاءت النظارة يقولون: جاء مسلم بن عقيل، فبادر عبيد الله فدخل القصر ومن معه وأغلقوا عليهم الباب، فلما انتهى مسلم إلى باب القصر وقف بجيشه هناك، فأشرف أمراء القبائل الذين عند عبيد الله في القصر، فأشاروا إلى قومهم الذين مع مسلم بالانصراف، وتهددوهم وتوعدوهم،

стр. 2639

وأخرج عبيد الله بعض الأمراء وأمرهم أن يركبوا في الكوفة يخذلون الناس عن مسلم بن عقيل، ففعلوا ذلك، فجعلت المرأة تجيء إلى ابنها وأخيها وتقول له: ارجع إلى البيت، الناس يكفونك ويقول الرجل لابنه وأخيه: كأنك غدا بجنود الشام قد أقبلت فماذا تصنع معهم؟ فتخاذل الناس وقصّروا وتصرّموا وانصرفوا عن مسلم بن عقيل حتى لم يبق إلا في خمسمائة نفس، ثم تقالّوا حتى بقي في ثلاثمائة ثم تقالوا حتى بقي معه ثلاثون رجلا، فصلى بهم المغرب وقصد أبواب كندة فخرج منها في عشرة، ثم انصرفوا عنه فبقي وحده ليس معه من يدله على الطريق، ولا من يؤانسه بنفسه، ولا من يأويه إلى منزله، فذهب على وجهه واختلط الظلام وهو وحده يتردد في الطريق لا يدرى أين يذهب، فأتى بابا فنزل عنده وطرقه فخرجت منه امرأة يقال لها طوعة، كانت أم ولد للأشعث بن قيس، وقد كان لها ابن من غيره يقال له بلال بن أسيد، خرج مع الناس وأمه قائمة بالباب تنتظره، فقال لها مسلم بن عقيل: اسقني ماء فسقته، ثم دخلت وخرجت فوجدته، فقالت: ألم تشرب؟ قال: بلى! قالت: فاذهب إلى أهلك عافاك الله، فإنه لا يصلح لك الجلوس على بابي ولا أجمله لك، فقام فقال: يا أمة الله ليس لي في هذا البلد منزل ولا عشيرة، فهل إلى أجر ومعروف وفعل نكافئك به بعد اليوم؟ فقالت: يا عبد الله وما هو؟ قال أنا مسلم بن عقيل، كذبني هؤلاء القوم وغرّونى، فقالت: أنت مسلم؟ قال: نعم! قالت ادخل! فأدخلته بيتا من دارها غير البيت الّذي يكون فيه وفرشت له وعرضت عليه العشاء فلم يتعش، فلم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول والخروج، فسألها عن شأنها فقالت: يا بنى اله عن هذا، فألح عليها فأخذت عليه أن لا يحدث أحدا، فأخبرته خبر مسلم، فاضطجع إلى الصباح ساكتا لا يتكلم. وأما عبيد الله بن زياد فإنه نزل من القصر بمن معه من الأمراء والاشراف بعد العشاء الآخرة فصلى بهم العشاء في المسجد الجامع، ثم خطبهم وطلب منهم مسلم بن عقيل وحث على طلبه، ومن وجد عنده ولم يعلم به فدمه هدر، ومن جاء به فله ديته، وطلب الشرط وحثهم على ذلك وتهددهم. فلما أصبح ابن تلك العجوز ذهب إلى عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فأعلمه بأن مسلم بن عقيل في دارهم، فجاء عبد الرحمن فسارّ أباه بذلك وهو عند ابن زياد، فقال ابن زياد: ما الّذي سارّك به؟ فأخبره الخبر فنخس بقضيب في جنبه وقال: قم فأتنى به الساعة. وبعث ابن زياد عمر بن حريث المخزومي - وكان صاحب شرطته - ومعه عبد الرحمن ومحمد بن الأشعث في سبعين أو ثمانين فارسا، فلم يشعر مسلم إلا وقد أحيط بالدار التي هو فيها، فدخلوا عليه فقام إليهم بالسيف فأخرجهم من الدار ثلاث مرات، وأصيبت شفته العليا والسفلى، ثم جعلوا يرمونه بالحجارة ويلهبون النار في أطناب القصب فضاق بهم ذرعا، فخرج إليهم بسيفه فقاتلهم، فأعطاه عبد الرحمن الأمان فأمكنه من يده، وجاءوا ببغلة فأركبوه عليها وسلبوا عنه سيفه فلم يبق يملك من نفسه شيئا، فبكى عند ذلك وعرف أنه مقتول،

стр. 2640

فيئس من نفسه، وقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. فقال بعض من حوله: إن من يطلب مثل الّذي تطلب لا يبكى إذا نزل به هذا، فقال: أما والله لست أبكى على نفسي، ولكن أبكى على الحسين، وآل الحسين، إنه قد خرج إليكم اليوم أو أمس من مكة، ثم التفت إلى محمد بن الأشعث فقال: إن استطعت أن تبعث إلى الحسين على لساني تأمره بالرجوع فافعل، فبعث محمد بن الأشعث إلى الحسين يأمره بالرجوع فلم يصدق الرسول في ذلك، وقال: كل ما حم الإله واقع. قالوا: ولما انتهى مسلم بن عقيل إلى باب القصر إذا على بابه جماعة من الأمراء من أبناء الصحابة ممن يعرفهم ويعرفونه، ينتظرون أن يؤذن لهم على ابن زياد، ومسلم مخضب بالدماء في وجهه وثيابه، وهو مثخن بالجراح، وهو في غاية العطش، وإذا قلة من ماء بارد هنالك فأراد أن يتناولها ليشرب منها فقال له رجل من أولئك: والله لا تشرب منها حتى تشرب من الحميم، فقال له: ويلك يا ابن ناهلة، أنت أولى بالحميم والخلود في نار الجحيم منى، ثم جلس فتساند إلى الحائط من التعب والكلال والعطش، فبعث عمارة بن عقبة بن أبى معيط مولى له إلى داره فجاء بقلة عليها منديل ومعه قدح، فجعل يفرغ له في القدح ويعطيه فيشرب فلا يستطيع أن يسيغه من كثرة الدماء التي تعلو على الماء مرتين أو ثلاثا، فلما شرب سقطت ثناياه مع الماء فقال: الحمد لله لقد كان بقي لي من الرزق المقسوم شربة ماء، ثم أدخل على ابن زياد، فلما وقف بين يديه لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الأمير؟! فقال: لا! إن كان يريد قتلى فلا حاجة لي بالسلام عليه، وإن لم يرد قتلى فسأسلم عليه كثيرا، فأقبل ابن زياد عليه فقال: إيه يا ابن عقيل، أتيت الناس وأمرهم جميع وكلمتهم واحدة لتشتتهم وتفرق كلمتهم وتحمل بعضهم على قتل بعض؟ قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن أباك قتل خيارهم وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر، فأتيناهم لنأمر بالعدل وندعو إلى حكم الكتاب. قال: وما أنت وذاك يا فاسق؟ لم لا كنت تعمل بذلك فيهم إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟. فقال: أنا أشرب الخمر! والله إن الله ليعلم أنك غير صادق، وأنك قلت بغير علم، وأنت أحق بذلك منى، [فانى لست كما ذكرت، وإن أولى بها منى من يلغ في دماء المسلمين ولغا، ويقتل النفس التي حرم الله بغير نفس، ويقتل على الغضب والظن، وهو يلهو ويلعب كأنه لم يصنع شيئا. فقال له ابن زياد: يا فاسق إن نفسك تمنيك ما حال الله دونك ودونه، ولم يرك أهله، قال: فمن أهله يا ابن زياد؟ قال: أمير المؤمنين يزيد. قال: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم. قال: كأنك تظن أن لكم في الأمر شيئا؟ قال: لا والله ما هو بالظن ولكنه اليقين. قال له: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الإسلام من الناس. قال: أما إنك أحق من أحدث في الإسلام ما لم يكن فيه،

стр. 2641

أما إنك لا تدع سوء القتلة وقبح المثلة وخبث السيرة المكتسبة عن كتابكم وجهالكم] (١) وأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم حسينا وعليا، ومسلم ساكت لا يكلمه رواه ابن جرير عن أبى مخنف وغيره من رواة الشيعة. ثم قال له ابن زياد: إني قاتلك. قال: كذلك؟ قال: نعم. قال: فدعني أوصى إلى بعض قومي، قال: أوص. فنظر في جلسائه وفيهم عمر بن سعد بن أبى وقاص. فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولى إليك حاجة، وهي سر فقم معى إلى ناحية القصر حتى أقولها لك، فأبى أن يقوم معه حتى أذن له ابن زياد، فقام فتنحى قريبا من ابن زياد فقال له مسلم: إنّ عليّ دينا في الكوفة سبعمائة درهم فاقضها عنى، واستوهب جثتي من ابن زياد فوارها، وابعث إلى الحسين، فانى كنت قد كتبت إليه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا، فقام عمر فعرض على ابن زياد ما قال له فأجاز ذلك له كله، وقال: أما الحسين فإنه لم يردنا لا نرده، وإن أرادنا لم نكف عنه، ثم أمر ابن زياد بمسلم بن عقيل فأصعد إلى أعلا القصر وهو يكبر ويهلل ويسبح ويستغفر ويصلى على ملائكة الله ويقول: اللهمّ احكم بيننا وبين قوم غرّونا وخذلونا، ثم ضرب عنقه رجل يقال له بكير ابن حمران، ثم ألقى رأسه إلى أسفل القصر، وأتبع رأسه بجسده. ثم أمر بهانئ بن عروة المذحجي فضربت عنقه بسوق الغنم، وصلب بمكان من الكوفة يقال له الكناسة، فقال رجل شاعر في ذلك قصيدة: - فان كنت لا تدرين ما الموت فانظرى … إلى هانئ في السوق وابن عقيل أصابهما أمر الامام فأصبحا … أحاديث من يغشى بكل سبيل [إلى بطل قد هشم السيف وجهه … وآخر يهوى في طمار قتيل ترى جسدا قد غير الموت لونه … ونضح دم قد سال كلّ مسيل فان أنتم لم تثأروا بأخيكم … فكونوا بغيا أرضيت بقليل ثم إن ابن زياد قتل معهما أناسا آخرين،] (٢) ثم بعث برءوسهما إلى يزيد بن معاوية إلى الشام، وكتب له كتابا صورة ما وقع من أمرهما وقد كان عبيد الله قبل أن يخرج من البصرة بيوم خطب أهلها خطبة بليغة ووعظهم فيها وحذرهم وأنذرهم من الاختلاف والفتنة والتفرق، وذلك لما رواه هشام بن الكلبي وأبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن أبى عثمان النهدي. قال: بعث الحسين مع مولى له يقال له سلمان كتابا إلى أشراف أهل البصرة فيه: أما بعد فان الله اصطفى محمدا على خلقه وأكرمه بنبوته، واختاره لرسالته، ثم قبضه إليه وقد نصح لعباده وبلغ ما أرسل به، وكنا أهله وأولياءه وورثته وأحق الناس به وبمقامه

стр. 2642

في الناس، فاستأثر علينا قومنا بذلك، فرضينا وكرهنا الفرقة، وأحببنا العافية، ونحن نعلم أنا أحق بذلك الحق المستحق علينا ممن تولاه، وقد أحسنوا وأصلحوا، وتحروا الحق فرحمهم الله وغفر لنا ولهم، وقد بعثت إليكم بهذا الكتاب وأنا أدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، فان السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، فتسمعوا قولي وتطيعوا أمرى، فان فعلتم أهدكم سبيل الرشاد، والسلام عليكم ورحمة الله. وعندي في صحة هذا عن الحسين نظر، والظاهر أنه مطرز بكلام مزيد من بعض رواة الشيعة. قال: فكل من قرأ ذلك من الأشراف كتمه إلا المنذر بن الجارود فإنه ظن أنه دسيسة من ابن زياد فجاء به إليه، فبعث خلف الرسول الّذي جاء به من حسين فضرب عنقه، وصعد عبيد الله ابن زياد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فو الله ما بى تقرن الصعبة، وما يقعقع لي بالشنان، وإني لنكال لمن عاداني، وسهام لمن حاربني، أنصف «القارة» (١) من رماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين ولاني الكوفة وأنا غاد إليها الغداة، وقد استخلفت عليكم عثمان بن زياد بن أبى سفيان، وإياكم والخلاف والإرجاف، فو الّذي لا إله غيره لئن بلغني عن رجل منكم خلاف لأقتلنه وعريفه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى، حتى يستقيم لي الأمر، ولا يكن فيكم مخالف ولا مشاقق، أنا ابن زياد أشبهته من بين من وطئ الحصى، ولم يتنزعنى شبه خال ولا عم. ثم خرج من البصرة ومعه مسلم ابن عمرو الباهلي فكان من أمره ما تقدم. قال أبو مخنف عن الصقعب بن زهير عن عون بن جحيفة قال: كان مخرج مسلم بن عقيل بالكوفة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة، وقتل يوم الأربعاء لتسع مضين من ذي الحجة، وذلك يوم عرفة سنة ستين، وكان ذلك بعد مخرج الحسين من مكة قاصدا أرض العراق بيوم واحد، وكان خروج الحسين من المدينة إلى مكة يوم الأحد لليلتين بقيتا من رجب سنة ستين، ودخل مكة ليلة الجمعة لثلاث مضين من شعبان، فأقام بمكة بقية شعبان ورمضان وشوال والقعدة، وخرج من مكة لثمان مضين من ذي الحجة يوم الثلاثاء يوم التروية [وفي رواية ذكرها ابن جرير أن مسلم بن عقيل لما بكى قال له عبيد الله بن عباس السلمي. إن من يطلب مثل ما تطلب لا يبكى إذ انزل به مثل الّذي نزل بك، قال: إني والله ما لنفسي أبكى، وما لها من القتل أرثى، وإن كنت لم أحب لها طرفة عين تلفا، ولكنني أبكى لأهلى المقبلين إلى الكوفة، أبكى الحسين وآل حسين، ثم أقبل على محمد بن الأشعث فقال: يا عبد الله! إني والله أراك ستعجز عن أمانى، فهل عندك خير تستطيع أن تبعث رجلا على لساني يبلغ حسينا عنى رسالة؟ فانى لا أراه إلا قد خرج إليكم اليوم أو غدا هو وأهل بيته، وإن ما تراه من جزعي لذلك، فتقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك وهو في أيدي القوم

стр. 2643

أسير لا يدرى أيصبح أم يمسى حتى يقتل، وهو يقول لك: ارجع بأهلك ولا يغرنك أهل الكوفة فإنهم أصحاب أبيك الّذي كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وكذبوني وليس لكاذب رأى، فقال ابن الأشعث: والله لأفعلن ولأعلمن ابن زياد أنى قد أمنتك. قال أبو مخنف: فدعا محمد بن الأشعث إياس بن العباس الطائي من بنى مالك بن ثمامة - وكان شاعرا - فقال له: اذهب فالق حسينا فأبلغه هذا الكتاب - وكتب فيه الّذي أمره به ابن عقيل - ثم أعطاه راحلة وتكفل له بالقيام بأهله وداره، فخرج حتى لقي الحسين بزبالة، لا ربع ليال من الكوفة فأخبره الخبر وأبلغه الرسالة، فقال الحسين: كل ما حم نازل، عند الله نحتسب وأنفسنا وفساد أئمتنا. ولما انتهى مسلم إلى باب القصر وأراد شرب الماء قال له مسلم بن عمرو الباهلي: أتراها ما أبردها؟ والله لا تذوقها أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم. فقال له ابن عقيل: ويحك من أنت؟ قال: أنا من عرف الحق إذ أنكرته، ونصح لإمامه إذ غششته، وسمع وأطاع إذ عصيت، أنا مسلم بن عمرو الباهلي. فقال له مسلم: لأمك الويل! ما أجفاك وأفظّك، وأغلظك يا ابن ناهلة!! أنت والله أولى بالحميم ونار الجحيم] (١) صفة مخرج الحسين إلى العراق وما جرى له بعد ذلك لما تواترت الكتب إلى الحسين من جهة أهل العراق وتكررت الرسل بينهم وبينه، وجاءه كتاب مسلم بن عقيل بالقدوم عليه بأهله، ثم وقع في غبون ذلك ما وقع من قتل مسلم بن عقيل، والحسين لا يعلم بشيء من ذلك، بل قد عزم على المسير إليهم والقدوم عليهم، فاتفق خروجه من مكة أيام التروية قبل مقتل مسلم بيوم واحد - فان مسلما قتل يوم عرفة - ولما استشعر الناس خروجه أشفقوا عليه من ذلك، وحذروه منه، وأشار عليه ذوو الرأى منهم والمحبة له بعدم الخروج إلى العراق، وأمروه بالمقام بمكة، وذكروه ما جرى لأبيه وأخيه معهم. قال سفيان بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس. قال: استشارني الحسين بن على في الخروج فقلت: لولا أن يزرى بى وبك الناس لشبثت يدي في رأسك فلم أتركك تذهب، فكان الّذي ردّ عليّ أن قال: لأن أقتل في مكان كذا وكذا أحب إلى من أن أقتل بمكة. قال: فكان هذا الّذي سلّى نفسي عنه. وروى أبو مخنف عن الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. أن حسينا لما أجمع المسير إلى الكوفة أتاه ابن عباس فقال: يا ابن عم إنه قد أرجف الناس أنك سائر إلى العراق، فبين لي ما أنت صانع؟ فقال: إني قد أجمعت المسير في أحد يومى هذين إن شاء الله تعالى، فقال له ابن عباس: أخبرنى إن كان قد دعوك بعد ما قتلوا أميرهم ونفوا عدوهم وضبطوا بلادهم فسر إليهم، وإن كان أميرهم حي وهو مقيم عليهم، قاهر لهم، وعماله تجبى بلادهم، فإنهم إنما دعوك للفتنة والقتال، ولا آمن عليك

стр. 2644

أن يستفزوا عليك الناس ويقلبوا قلوبهم عليك، فيكون الّذي دعوك أشد الناس عليك. فقال الحسين: إني أستخير الله وانظر ما يكون. فخرج ابن عباس عنه، ودخل ابن الزبير فقال له: ما أدرى ما تركنا لهؤلاء القوم ونحن أبناء المهاجرين، وولاة هذا الأمر دونهم، أخبرنى ما تريد أن تصنع؟ فقال الحسين: والله لقد حدثت نفسي بإتيان الكوفة، ولقد كتب إلى شيعتي بها وأشرافها بالقدوم عليهم، وأستخير الله. فقال ابن الزبير: أما لو كان لي بها مثل شيعتك ما عدلت عنها. فلما خرج من عنده قال الحسين: قد علم ابن الزبير أنه ليس له من الأمر معى شيء، وأن الناس لم يعدلوا بى غيري، فود أنى خرجت لتخلو له. فلما كان من العشي أو من الغد، جاء ابن عباس إلى الحسين فقال له يا ابن عم! إني أتصبر ولا أصبر، إني أتخوف عليك في هذا الوجه الهلاك، إن أهل العراق قوم غدر فلا تغترن بهم، أقم في هذا البلد حتى ينفى أهل العراق عدوهم ثم أقدم عليهم، وإلا فسر إلى اليمن فان به حصونا وشعابا، ولأبيك به شيعة، وكن عن الناس في معزل، واكتب إليهم وبث دعاتك فيهم، فانى أرجو إذا فعلت ذلك أن يكون ما تحب. فقال الحسين: يا ابن عم! والله إني لأعلم أنك ناصح شفيق، ولكنى قد أزمعت المسير. فقال له: فان كنت ولا بد سائرا فلا تسر بأولادك ونسائك، فو الله إني لخائف أن تقتل كما قتل عثمان ونساؤه وولده ينظرون إليه. ثم قال ابن عباس: أقررت عين ابن الزبير بتخليتك إياه بالحجاز، فو الله الّذي لا إله إلا هو لو أعلم أنك إذا أخذت بشعرك وناصيتك حتى يجتمع عليّ وعليك الناس أطعتنى وأقمت لفعلت ذلك. قال: ثم خرج من عنده فلقى ابن الزبير فقال قرت عينك يا ابن الزبير؟ ثم قال: يا لك من قنبرة بمعمر … خلالك الجو فبيضي واصفرى ونقرى ما شئت أن تنقرى … صيادك اليوم قتيل فابشرى ثم قال ابن عباس: هذا حسين يخرج إلى العراق ويخليك والحجاز وقال غير واحد عن شبابة بن سوار. قال: حدثنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسدي قال سمعت الشعبي يحدث عن ابن عمر أنه كان بمكة فبلغه أن الحسين بن على قد توجه إلى العراق فلحقه على مسيرة ثلاث ليال، فقال: أين تريد؟ قال: العراق، وإذا معه طوامير وكتب، فقال: هذه كتبهم وبيعتهم، فقال: لا تأتهم، فأبى. فقال ابن عمر: إني محدثك حديثا، إن جبريل أتى النبي ﷺ فخيره بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة ولم يرد الدنيا، وإنك بضعة من رسول الله، والله ما يليها أحد منكم أبدا، وما صرفها الله عنكم إلا للذي هو خير لكم، فأبى أن يرجع. قال فاعتنقه ابن عمرو بكى وقال: أستودعك الله من قتيل. وقال يحيى بن معين: حدثنا أبو عبيدة ثنا سليم بن حيان عن سعيد ابن مينا. قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: عجل حسين قدره، والله لو أدركته ما تركته يخرج

стр. 2645

إلا أن يغلبني، ببني هاشم فتح هذا الأمر، وببني هاشم يختم، فإذا رأيت الهاشمي قد ملك فقد ذهب الزمان. قلت: وهذا مع حديث ابن عمر يدل على أن الفاطميين أدعياء كذبة، لم يكونوا من سلالة فاطمة كما نص عليه غير واحد من الأئمة على ما سنذكره في موضعه إن شاء الله. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان ثنا عبد الله بن شريك عن بشر ابن غالب. قال قال ابن الزبير للحسين: أين تذهب؟ إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك؟ فقال: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أن تستحل بى - يعنى مكة - وقال الزبير بن بكار: حدثني عمى مصعب بن عبد الله أخبرنى من سمع هشام بن يوسف يقول عن معمر قال: سمعت رجلا يحدّث عن الحسين أنه قال لعبد الله بن الزبير: أتتنى بيعة أربعين ألفاً يحلفون بالطلاق والعتاق إنهم معى، فقال له ابن الزبير: أتخرج إلى قوم قتلوا أباك وأخرجوا أخاك؟ قال هشام: فسألت معمرا عن الرجل فقال: هو ثقة. قال الزبير: وقال عمى: وزعم بعض الناس أن ابن عباس هو الّذي قال هذا. وقد ساق محمد بن سعد كاتب الواقدي هذا سياقا حسنا مبسوطا. فقال: أنبأنا على ابن محمد عن يحيى بن إسماعيل بن أبى المهاجر عن أبيه، وعن لوط بن يحيى العامري عن محمد بن بشير الهمدانيّ وغيره، وعن محمد بن الحجاج عن عبد الملك بن عمير عن هارون بن عيسى عن يونس بن إسحاق عن أبيه، وعن يحيى بن زكريا بن أبى زائدة عن مجالد عن الشعبي. قال محمد بن سعد: وغير هؤلاء قد حدثني أيضا في هذا الحديث بطائفة فكتبت جوامع حديثهم في مقتل الحسين ﵁ وأرضاه: قالوا: لما بايع الناس معاوية ليزيد كان حسين ممن لم يبايع له، وكان أهل الكوفة يكتبون إليه يدعونه إلى الخروج إليهم في خلافة معاوية، كل ذلك يأبى عليهم، فقدم منهم قوم إلى محمد بن الحنفية يطلبون إليه أن يخرج معهم فأبى، وجاء إلى الحسين يعرض عليه أمرهم، فقال له الحسين: إن القوم إنما يريدون أن يأكلوا بنا، ويستطيلوا بنا، ويستنبطوا دماء الناس ودماءنا، فأقام حسين على ما هو عليه من الهموم، مرة يريد أن يسير إليهم، ومرة يجمع الاقامة عنهم. فجاءه أبو سعيد الخدريّ فقال: يا أبا عبد الله! إني لكم ناصح، وإني عليكم مشفق، وقد بلغني أنه قد كاتبك قوم من شيعتكم بالكوفة يدعونك إلى الخروج إليهم، فلا تخرج إليهم، فانى سمعت أباك يقول بالكوفة: والله لقد مللتهم وأبغضتهم، وملونى وأبغضونى، وما يكون منهم وفاء قط، ومن فاز بهم فاز بالسهم الأخيب، والله ما لهم نيات ولا عزم على أمر، ولا صبر على السيف. قال: وقدم المسيب بن عتبة الفزاري في عدة معه إلى الحسين بعد وفاة الحسن، فدعوه إلى خلع معاوية وقالوا: قد علمنا رأيك ورأى أخيك، فقال: إني لأرجو أن يعطى الله أخى على نيته في حبه الكف، وأن يعطيني على نيتي

стр. 2646

في حبي جهاد الظالمين. وكتب مروان إلى معاوية: إني لست آمن أن يكون حسين مرصدا للفتنة، وأظن يومكم من حسين طويلا. فكتب معاوية إلى الحسين: إن من أعطى الله صفقة يمينه وعهده لجدير بالوفاء، وقد أنبئت أن قوما من أهل الكوفة قد دعوك إلى الشقاق، وأهل العراق من قد جربت قد أفسدوا على أبيك وأخيك، فاتق الله واذكر الميثاق، فإنك متى تكدني أكدك. فكتب اليه الحسين: أتانى كتابك وأنا بغير الّذي بلغك عنى جدير، والحسنات لا يهدى لها إلا الله، وما أردت لك محاربة ولا عليك خلافا، وما أظن لي عند الله عذرا في ترك جهادك، وما أعلم فتنة أعظم من ولايتك أمر هذه الأمة. فقال معاوية: إن أثرنا بأبي عبد الله إلا شرا. وكتب إليه معاوية أيضا في بعض ما بلغه عنه: إني لأظن أن في رأسك نزوة فوددت أنى أدركها فأغفرها لك. قالوا: فلما احتضر معاوية دعا يزيد فأوصاه بما أوصاه به، وقال له: انظر حسين بن على بن فاطمة بنت رسول الله، فإنه أحب الناس إلى الناس، فصل رحمه، وارفق به، يصلح لك أمره، فان يكن منه شيء فانى أرجو أن يكفيكه الله بمن قتل أباه وخذل أخاه. وتوفى معاوية ليلة النصف من رجب سنة ستين، وبايع الناس يزيد، فكتب يزيد مع عبد الله بن عمرو بن أويس العامري عامر بن لؤيّ، إلى الوليد بن عتبة بن أبى سفيان وهو على المدينة: أن ادع الناس فبايعهم، وابدأ بوجوه قريش، وليكن أول من تبدأ به الحسين بن على، فان أمير المؤمنين عهد إليّ في أمره الرّفق به واستصلاحه. فبعث الوليد من ساعته نصف الليل إلى الحسين بن على وعبد الله بن الزبير فأخبرهما بوفاة معاوية، ودعاهما إلى البيعة ليزيد ابن معاوية، فقالا: إلى أن نصبح وننظر ما يصنع الناس، ووثب الحسين فخرج وخرج معه ابن الزبير وقالا: هو يزيد الّذي نعرف، والله ما حدث له عزم ولا مروءة. وقد كان الوليد أغلظ للحسين فشتمه الحسين وأخذ بعمامته فنزعها من رأسه، فقال الوليد: إن هجنا بأبي عبد الله إلا شرا. فقال له مروان - أو بعض جلسائه - اقتله، فقال: إن ذلك لدم مضنون به مصون في بنى عبد مناف. قالوا: وخرج الحسين وابن الزبير من ليلتهما إلى مكة، وأصبح الناس فغدوا على البيعة ليزيد، وطلب الحسين وابن الزبير فلم يوجدا، فقال المسور بن مخرمة: عجل الحسين وابن الزبير يلفته ويرجيه ليخلو بمكة، فقد ما مكة فنزل الحسين دار العباس، ولزم ابن الزبير الحجر، ولبس المعافري وجعل يحرض الناس على بنى أمية، وكان يغدو ويروح إلى الحسين ويشير عليه أن يقدم العراق، ويقول: هم شيعتك وشيعة أبيك، وكان ابن عباس ينهاه عن ذلك، وقال له عبد الله بن مطيع: إني فداؤك وأبى وأمى، فأمتعنا بنفسك ولا تسر إلى العراق، فو الله لئن قتلك هؤلاء القوم ليتخذونا عبيدا وخولا. قالوا: ولقيهما عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وابن أبى ربيعة بالأبواء منصرفين

стр. 2647

من العمرة فقال لهما ابن عمر: أذكركما الله إلا رجعتما فدخلتما في صالح ما يدخل فيه الناس، وتنظرا فان اجتمع الناس عليه فلم تشدا، وإن افترقوا عليه كان الّذي تريدان. وقال ابن عمر للحسين: لا تخرج فان رسول الله ﷺ خيره الله بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة، وإنك بضعة منه ولا تنالها - يعنى الدنيا - واعتنقه وبكى وودعه، فكان ابن عمر يقول: غلبنا حسين بن على بالخروج، ولعمري لقد رأى في أبيه وأخيه عبرة، فرأى من الفتنة وخذلان الناس لهما ما كان ينبغي له أن لا يتحرك ما عاش، وأن يدخل في صالح ما دخل فيه الناس، فان الجماعة خير. وقال له ابن عباس: وأين تريد يا ابن فاطمة؟ فقال: العراق وشيعتي، فقال: إني لكاره لوجهك هذا تخرج إلى قوم قتلوا أباك وطعنوا أخاك حتى تركهم سخطة وملالة لهم؟ أذكرك الله أن تغرر بنفسك. وقال أبو سعيد الخدريّ: غلبني الحسين على الخروج، وقلت له: اتّق الله في نفسك والزم بيتك ولا تخرج على إمامك. وقال أبو واقد الليثي: بلغني خروج الحسين بن على فأدركته بملل فناشدته الله أن لا يخرج فإنه يخرج في غير وجه خروج، إنما خرج يقتل نفسه، فقال: لا أرجع. وقال جابر بن عبد الله: كلمت حسينا فقلت: اتّق الله ولا تضرب الناس بعضهم ببعض، فو الله ما حمدتم ما صنعتم فعصاني. وقال سعيد بن المسيب: لو أن حسينا لم يخرج لكان خيرا له. وقال أبو سلمة ابن عبد الرحمن: وقد كان ينبغي لحسين أن يعرف أهل العراق ولا يخرج إليهم، ولكن شجعه على ذلك ابن الزبير. وكتب إليه المسور بن مخرمة: إياك أن تغتر بكتب أهل العراق وبقول ابن الزبير: الحق بهم فإنهم ناصروك. وقال له ابن عباس: لا تبرح الحرم فإنهم إن كانت بهم إليك حاجة فسيضربون إليك آباط الإبل حتى يوافوك فتخرج في قوة وعدة. فجزاه خيرا وقال: أستخير الله في ذلك. وكتبت إليه عمرة بنت عبد الرحمن تعظم عليه ما يريد أن يصنع، وتأمره بالطاعة ولزوم الجماعة، وتخبره أنه إن لم يفعل إنما يساق إلى مصرعه. وتقول: أشهد لسمعت عائشة تقول إنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يقتل الحسين بأرض بابل» فلما قرأ كتابها قال: فلا بد لي إذا من مصرعي ومضى. وأتاه بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال له: يا ابن عم قد رأيت ما صنع أهل العراق بأبيك وأخيك، وأنت تريد أن تسير إليهم وهم عبيد الدنيا، فيقاتلك من قد وعدك أن ينصرك، ويخذلك من أنت أحب إليه ممن ينصره، فأذكرك الله في نفسك. فقال: جزاك الله يا ابن عم خيرا، مهما يقضى الله من أمر يكن. فقال أبو بكر: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ نحتسب أبا عبد الله عند الله. وكتب إليه عبد الله بن جعفر كتابا يحذره أهل العراق ويناشده الله إن شخص إليهم. فكتب إليه الحسين: إني رأيت رؤيا، ورأيت رسول الله ﷺ أمرنى بأمر وأنا ماض له، ولست بمخبر بها أحدا حتى ألاقى عملي. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن

стр. 2648

العاص نائب الحرمين: إني أسأل الله أن يلهمك رشدك، وأن يصرفك عما يرديك، بلغني أنك قد عزمت على الشخوص إلى العراق، وإني أعيذك الله من الشقاق، فإنك إن كنت خائفا فاقبل إلى، فلك عندي الأمان والبر والصلة. فكتب إليه الحسين: إن كنت أردت بكتابك بري وصلتي فجزيت خيرا في الدنيا والآخرة، وإنه لم يشاقق من دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، وخير الأمان أمان الله، ولم يؤمن بالله من لم يخفه في الدنيا، فنسأل الله مخافة في الدنيا توجب لنا أمانا يوم القيامة عنده. قالوا: وكتب يزيد بن معاوية إلى ابن عباس يخبره بخروج الحسين إلى مكة، وأحسبه قد جاءه رجال من أهل المشرق فمنوه الخلافة، وعندك منهم خبر وتجربة، فان كان قد فعل فقد قطع راسخ القرابة، وأنت كبير أهل بيتك والمنظور إليه، فاكففه عن السعي في الفرقة. وكتب بهذه الأبيات إليه وإلى من بمكة والمدينة من قريش: - يا أيها الراكب العادي مطيته … على غذافرة في سيرها فحم أبلغ قريشا على نأى المزار بها … بيني وبين حسين الله والرحم وموقف بفناء البيت أنشده … عهد الإله وما توفى به الذمم عنيتم قومكم فخرا بأمكم … أم لعمري حصان برة كرم هي التي لا يدانى فضلها أحد … بنت الرسول وخير الناس قد علموا وفضلها لكم فضل وغيركم … من قومكم لهم في فضلها قسم إني لأعلم أو ظنا كعالمه … والظن يصدق أحيانا فينتظم أن سوف يترككم ما تدعون بها … قتلى تهاداكم العقبان والرخم يا قومنا لا تشبوا الحرب إذ مسكت … ومسكوا بحبال السلم واعتصموا قد جرب الحرب من قد كان قبلكم … من القرون وقد بادت بها الأمم فانصفوا قومكم لا تهلكوا برحا … فرب ذي برح زلت به القدم قال: فكتب إليه ابن عباس: إني لأرجو أن لا يكون خروج الحسين لأمر تكرهه، ولست أدع النصيحة له في كل ما تجتمع به الألفة وتطفى به الثائرة، ودخل ابن عباس على الحسين فكلمه طويلا وقال له: أنشدك أن تهلك غدا بحال مضيعة لا تأتى العراق، وإن كنت لا بد فاعلا فأقم حتى ينقضي الموسم وتلقى الناس وتعلم ما يصدرون، ثم ترى رأيك، وذلك في عشر ذي الحجة. فأبى الحسين إلا أن يمضى إلى العراق، فقال له ابن عباس: والله إني لأظنك ستقتل غدا بين نسائك وبناتك كما قتل عثمان بين نسائه وبناته، والله إني لأخاف أن تكون أنت الّذي يقاد به عثمان، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. فقال له الحسين: أبا العباس إنك شيخ قد كبرت، فقال له ابن عباس: لولا أن يزرى

стр. 2649

ذلك بى وبك لنشبت يدي في رأسك، ولو أعلم أنا إذا تباصينا أقمت لفعلت، ولكن لا أخال ذلك مانعك. فقال الحسين: لأن أقتل بمكان كذا وكذا أحب إلى من أن أقتل بمكة وتستحل بى، قال: فبكى ابن عباس وقال: أقررت عين ابن الزبير بذلك، وذلك الّذي سلى نفسي عنه قال: ثم خرج ابن عباس عنه وهو مغضب وابن الزبير على الباب، فلما رآه قال: يا ابن الزبير قد أتى ما أحببت، قرت عينك، هذا أبو عبد الله خارج ويتركك والحجاز، ثم قال: يا لك من قنبرة بمعمر … خلالك الجو فبيضي واصفرى ونقرى ما شئت أن تنقرى … صيادك اليوم قتيل فابشرى قال: وبعث الحسين إلى المدينة يقدم عليه من خف من بنى عبد المطلب، وهم تسعة عشر رجلا ونساء وصبيان من إخوته وبناته ونسائه، وتبعهم محمد بن الحنفية، فأدرك حسينا بمكة، فأعلمه أن الخروج ليس له برأي يومه هذا، فأبى الحسين أن يقبل، فحبس محمد بن الحنفية ولده فلم يبعث أحدا منهم حتى وجد الحسين في نفسه على محمد، وقال: ترغب بولدك عن موضع أصاب فيه؟ فقال: وما حاجتي إلى أن تصاب ويصابون معك؟ وإن كانت مصيبتك أعظم عندنا منهم؟ قالوا: وبعث أهل العراق إلى الحسين الرسل والكتب يدعونه إليهم، فخرج متوجها إليهم في أهل بيته وستين شخصا من أهل الكوفة صحبته، وذلك يوم الاثنين في عشر ذي الحجة، فكتب مروان إلى ابن زياد: أما بعد فان الحسين بن على قد توجه إليك، وهو الحسين بن فاطمة. وفاطمة بنت رسول الله ﷺ ، وتالله ما أحد يسلمه الله أحب إلينا من الحسين، فإياك أن تهيج على نفسك ما لا يسده شيء، ولا تنساه العامة، ولا تدع ذكره آخر الدهر والسلام. وكتب إليه عمرو بن سعيد بن العاص: أما بعد فقد توجه إليك الحسين، وفي مثلها تعتق أو تكون عبدا تسترق كما يسترق العبيد، وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه. قال: كتب يزيد إلى ابن زياد: إنه قد بلغني أن حسينا قد سار إلى الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الأزمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت أنت به من بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا كما ترق العبيد وتعبّد، فقتله ابن زياد وبعث برأسه إليه. قلت: والصحيح أنه لم يبعث برأس الحسين إلى الشام كما سيأتي [وفي رواية أن يزيد كتب إلى ابن زياد: قد بلغني أن الحسين قد توجه إلى نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس واحبس على الظنة وخذ على التهمة، غير أن لا تقتل إلا من قاتلك، واكتب إليّ في كل ما يحدث من خبر والسلام] (١).

стр. 2650

قال الزبير بن بكار: وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما أراد الحسين الخروج من مكة إلى الكوفة مر بباب المسجد الحرام وقال: لا ذعرت السوام في فلق الصبح … مغيرا ولا دعيت يزيدا يوم أعطى مخافة الموت ضيما … والمنايا ترصدننى أن أحيدا وقال أبو مخنف: قال أبو جناب يحيى بن أبى خيثمة عن عدي بن حرملة الأسدي عن عبد الله ابن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا: خرجنا حاجين من الكوفة فقدمنا مكة فدخلنا يوم التروية فإذا نحن بالحسين وابن الزبير قائمين عند ارتفاع الضحى فيما بين الحجر والباب، فسمعنا ابن الزبير وهو يقول للحسين: إن شئت أن تقيم أقمت فوليت هذا الأمر فوازرناك وساعدناك ونصحنا لك وبايعناك؟. فقال الحسين: إن أبى حدثني أن لها كبشا يستحل حرمتها يقتل، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش. فقال له ابن الزبير: فأقم إن شئت وولنى أنا الأمر فتطاع ولا تعصى، فقال: وما أريد هذا أيضا، ثم إنهما أخفيا كلامهما دوننا، فما زالا يتناجيان حتى سمعنا دعاة الناس متوجهين إلى منى عند الظهيرة، قالا: فطاف الحسين بالبيت وبين الصفا والمروة، وقصّر من شعره، وحل من عمرته، ثم توجه نحو الكوفة وتوجهنا نحن مع الناس إلى منى. وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب الوالبي عن عقبة بن سمعان. قال: لما خرج الحسين من مكة اعترضه رسل عمرو بن سعيد - يعنى نائب مكة - عليهم أخوه يحيى بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تريد؟ فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان وتضاربوا بالسياط والعصي، ثم إن حسينا وأصحابه امتنعوا منهم امتناعا قويا، ومضى الحسين على وجهه ذلك، فناداه: يا حسين ألا تتقى الله؟ تخرج من الجماعة وتفرق بين الأمة بعد اجتماع الكلمة؟ قال: فتأول الحسين هذه الآية ﴿لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ قال: ثم إن الحسين مر بالتنعيم فلقى بها عيرا قد بعث بها يجير بن زياد الحميري نائب اليمن قد أرسلها من اليمن إلى يزيد بن معاوية، عليها ورس وحلل كثيرة، فأخذها الحسين وانطلق بها، واستأجر أصحاب الجمال عليها إلى الكوفة، ودفع إليهم أجرتهم، ثم ساق أبو مخنف باسناده الأول أن الفرزدق لقي الحسين في الطريق فسلم عليه وقال له: أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب. فسأله الحسين عن أمر الناس وما وراءه فقال له: قلوب الناس معك، وسيوفهم مع بنى أمية، والقضاء ينزل من السماء، والله يفعل ما يشاء. فقال له: صدقت، لله الأمر من قبل ومن بعد، يفعل ما يشاء، وكل يوم ربنا في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على نعمائه. وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء فلم يتعدّ من كان الحق نيته، والتقوى سريرته، ثم حرك الحسين راحلته وقال:

стр. 2651

السلام عليكم ثم افترقا. وقال هشام بن الكلبي عن عوانة بن الحكم عن ليطة بن غالب بن الفرزدق عن أبيه. قال: حججت بأمي فبينما أنا أسوق بها بعيرها حين دخلت الحرم في أيام الحج، وذلك في سنة ستين، إذ لقيت الحسين خارجا من مكة معه أسيافه وأتراسه، فقلت له: بأبي وأمى يا ابن رسول الله، ما أعجلك عن الحج؟ فقال: لو لم أعجل لأخذت، ثم سألني: ممن أنت؟ فقلت: امرؤ من العراق، فسألني عن الناس فقلت له: القلوب معك والسيوف مع بنى أمية، وذكر نحو ما تقدم. [قال الفرزدق: وسألت الحسين عن أشياء وعن المناسك فأخبرني بها قال. وإذا هو ثقيل اللسان من برسام كان أصابه بمن بالعراق] (١) قال: ثم مضيت فإذا فسطاط مضروب في الحرم وهيئة حسنه، فإذا هو عبد الله بن عمرو بن العاص، فسألني فأخبرته أنى لقيت الحسين، قال: فهلا اتبعته؟ فان الحسين لا يحيك فيه السلاح ولا يجوز فيه وفي أصحابه. فندم الفرزدق وهمّ أن يلحق به، ووقع في قلبه مقالة ابن عمرو، ثم ذكرت الأنبياء وقتلهم فصدنى ذلك عن اللحاق به، فلما بلغه أنه قتل لعن ابن عمرو، وكان ابن عمرو يقول: والله لا تبلغ الشجرة ولا النخلة ولا الصغير حتى يبلغ هذا الأمر ويظهر، وإنما أراد ابن عمرو بقوله: لا يحيك فيه السلاح، أي السلاح الّذي لم يقدر أن يقتل به، وقيل غير ذلك وقيل أراد الهزل بالفرزدق. قالوا: ثم سار الحسين لا يلوى على شيء حتى نزل ذات عرق. قال أبو مخنف: فحدثني الحارث بن كعب الوالبي عن على بن الحسين بن على. قال: لما خرجنا من مكة كتب عبد الله بن جعفر إلى الحسين مع ابنه عون ومحمد: أما بعد فانى أسائلك بالله لما انصرفت حتى تنظر في كتابي هذا، فانى مشفق عليك من الوجه الّذي توجهت له أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك، إن هلكت اليوم طفئ نور الإسلام، فإنك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، فلا تعجل بالسير فانى في أثر كتابي والسلام. ثم نهض عبد الله بن جعفر إلى عمرو بن سعيد نائب مكة فقال له: اكتب إلى الحسين كتابا تجعل له فيه الأمان، وتمنيه في البر والصلة، وتوثق له في كتابك، وتسأله الرجوع لعله يطمئن إلى ذلك فيرجع. فقال له عمرو: اكتب عنى ما شئت وأتنى به حتى أختمه. فكتب ابن جعفر على لسان عمرو بن سعيد ما أراد عبد الله، ثم جاء بالكتاب إلى عمرو فختمه بخاتمه، وقال عبد الله لعمرو بن سعيد: ابعث معى أمانك، فبعث معه أخاه يحيى، فانصرفا حتى لحقا الحسين فقرءا عليه الكتاب فأبى أن يرجع وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام وقد أمرنى فيها بأمر وأنا ماض له، فقالا: وما تلك الرؤيا؟ فقال: لا أحدث بها أحداً حتى ألقى ربى . قال أبو مخنف: وحدثني محمد بن قيس أن الحسين أقبل حتى إذا بلغ الحاجر من بطن ذي الرمة،

стр. 2652

بعث قيس بن مسهر الصيداوي إلى أهل الكوفة، وكتب معه إليهم: بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن على إلى إخوانه من المؤمنين والمسلمين، سلام عليكم فانى أحمد إليكم الله الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني فيه بحسن رأيكم واجتماع ملئكم على نصرنا، والطلب بحقنا، فنسأل الله أن يحسن لنا الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الأجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلاثاء لثمان مضين من ذي الحجة يوم التروية، فإذا قدم عليكم رسولي فاكتموا أمركم وجدوا فانى قادم عليكم في أيامى هذه إن شاء الله تعالى، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قال: وكان كتاب مسلم قد وصل إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة، ومضمونه: أما بعد فان الرائد لا يكذب أهله، وإن جميع أهل الكوفة معك، فأقبل حين تقرأ كتابي هذا والسلام عليكم. قال: وأقبل قيس بن مسهر الصيداوي بكتاب الحسين إلى الكوفة، حتى إذا انتهى إلى القادسية أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد فقال له ابن زياد: اصعد إلى أعلا القصر فسب الكذاب ابن الكذاب على بن أبى طالب وابنه الحسين، فصعد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إن هذا الحسين بن على خير خلق الله، وهو ابن فاطمة بنت رسول الله ﷺ وأنا رسوله إليكم، وقد فارقته بالحاجر من بطن ذي الرمة، فأجيبوه واسمعوا له وأطيعوا. ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه، واستغفر لعلى والحسين. فأمر به ابن زياد فألقى من رأس القصر فتقطع، ويقال بل تكسرت عظامه وبقي فيه بقية رمق، فقام إليه عبد الملك بن عمير البجلي فذبحه، وقال: إنما أردت إراحته من الألم، وقيل إنه رجل يشبه عبد الملك بن عمير وليس به، وفي رواية أن الّذي قدم بكتاب الحسين إنما هو عبد الله بن يقطر أخو الحسين من الرضاعة، فألقى من أعلى القصر والله أعلم. ثم أقبل الحسين يسير نحو الكوفة ولا يعلم بشيء مما وقع من الأخبار. قال أبو مخنف عن أبى على الأنصاري عن بكر بن مصعب المزني. قال: وكان الحسين لا يمر بماء من مياه العرب إلا اتبعوه، قال قال أبو مخنف عن أبى جناب عن عدي بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمنذر بن المشمعل الأسديين قالا: لما قضينا حجنا لم يكن لنا همة إلا اللحاق بالحسين، فأدركناه وقد مر برجل من بنى أسد فهم الحسين أن يكلمه ويسأله ثم ترك، فجئنا ذلك الرجل فسألناه عن أخبار الناس فقال: والله لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق. قالا: فلحقنا الحسين فأخبرناه فجعل يقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ مرارا. فقلنا له الله الله في نفسك. فقال: لا خير في العيش بعدهما. قلنا: خار الله لك. وقال له بعض أصحابه: والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل ولو قد قدمت الكوفة لكان الناس إليك أسرع. وقال غيرهما: لما سمع أصحاب الحسين بمقتل مسلم بن عقيل، وثب عند ذلك بنو عقيل بن أبى طالب وقالوا: لا والله

стр. 2653

لا نرجع حتى ندرك ثأرنا، أو نذوق ما ذاق أخونا. فسار الحسين حتى إذا كان بزرود بلغه أيضا مقتل الّذي بعثه بكتابه إلى أهل الكوفة بعد أن خرج من مكة ووصل إلى حاجر، فقال: خذلتنا شيعتنا، فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه، وليس عليه منا ذمام، قال: فتفرق الناس عنه أيادي سبا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه الذين جاءوا معه من مكة، [وإنما فعل ذلك لأنه ظن أن من اتبعه من الأعراب إنما اتبعوه لأنه يأتى بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا معه إلا وهم يعلمون على م يقدمون، وقد علم أنه إذا بين لهم الأمر لم يصحبه إلا من يريد مواساته في الموت معه] (١) قال: فلما كان السحر أمر فتيانه أن يستقوا من الماء ويكثروا منه، ثم سار حتى مر ببطن العقبة فنزل بها. وقال محمد بن سعد: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا جعفر بن سليمان عن يزيد الرشك قال: حدثني من شافه الحسين قال: رأيت أخبية مضروبة بفلاة من الأرض فقلت: لمن هذه؟ قالوا: هذه لحسين قال فأتيته فإذا شيخ يقرأ القرآن والدموع تسيل على خديه ولحيته، قال قلت: بأبي وأمى يا ابن بنت رسول الله ما أنزلك هذه البلاد والفلاة التي ليس بها أحد؟ فقال: هذه كتب أهل الكوفة إلى ولا أراهم إلا قاتلي، فإذا فعلوا ذلك لم يدعوا لله حرمة إلا انتهكوها، فيسلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة - يعنى مقنعتها - وأخبرنا على بن محمد عن الحسن بن دينار عن معاوية بن قرة. قال قال الحسين: والله لتعتدنّ على كما اعتدت بنو إسرائيل في السبت. وحدثنا على بن محمد عن جعفر بن سليمان الضبعي. قال قال الحسين: والله لا يدعوني حتى يستخرجوا هذه العلقة من جوفي، فإذا فعلوا ذلك سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل من قرم الأمة. فقتل بنينوى يوم عاشوراء سنة إحدى وستين. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو بكر الحميدي ثنا سفيان ثنا شهاب بن حراش عن رجل من قومه. قال: كنت في الجيش الذين بعثهم ابن زياد إلى الحسين، وكانوا أربعة آلاف يريدون قتال الديلم، فعينهم ابن زياد وصرفهم إلى قتال الحسين، فلقيت حسينا فرأيته أسود الرأس واللحية، فقلت له: السلام عليك أبا عبد الله، فقال: وعليك السلام - وكانت فيه غنة - فقال: لقد باتت فيكم سللة منذ الليلة - يعنى سراقا - قال شهاب: فحدثت به زيد بن على فأعجبه وكانت فيه غنة - قال سفيان بن عيينة: وهي في الحسينيين. قال أبو مخنف عن أبى خالد الكاهلي. قال: لما صبحت الخيل الحسين بن على رفع يديه فقال: اللهمّ أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، وأنت لي من كل أمر نزل ثقة وعدة، فكم من هم يضعف فيه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة، ويخذل فيه الصديق، ويشمت فيه العدو، فأنزلته بك

стр. 2654

وشكوته إليك، رغبة فيه إليك عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيتنيه، فأنت لي ولىّ كل نعمة، وصاحب كل حسنة، ومنتهى كل غاية. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: حدثني حجاج بن محمد عن أبى معشر عن بعض مشيخته. قال قال الحسين حين نزلوا كربلاء: ما اسم هذه الأرض؟ قالوا كربلاء، قال: كرب وبلاء. وبعث عبيد الله بن زياد عمر بن سعد لقتالهم، فقال له الحسين: يا عمر اختر منى إحدى ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فان أبيت هذه فسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده فيحكم فىّ ما رأى، فان أبيت هذه فسيرني إلى الترك فأقاتلهم حتى أموت. فأرسل إلى ابن زياد بذلك، فهمّ أن يسيره إلى يزيد، فقال شمر بن ذي الجوشن: لا! إلا أن ينزل على حكمك، فأرسل إلى الحسين بذلك فقال الحسين: والله لا أفعل، وأبطأ عمر عن قتاله فأرسل ابن زياد شمر بن ذي الجوشن وقال له: إن تقدم عمر فقاتل وإلا فأقتله وكن مكانه، فقد وليتك الامرة. وكان مع عمر قريب من ثلاثين رجلا من أعيان أهل الكوفة، فقالوا له: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ﷺ ثلاث خصال فلا تقبلوا منها شيئا؟ فتحولوا مع الحسين يقاتلون معه. وقال أبو زرعة: حدثنا سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام عن حصين. قال: أدركت من مقتل الحسين قال: فحدثني سعد بن عبيدة قال: فرأيت الحسين وعليه جبة برود ورماه رجل يقال له عمرو ابن خالد الطهوي بسهم، فنظرت إلى السهم معلقا بجبته. وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عمار الرازيّ حدثني سعيد بن سليمان ثنا عباد بن العوام ثنا حصين أن الحسين بعث إليه أهل الكوفة: إن معك مائة ألف. فبعث إليهم مسلم بن عقيل فذكر قصة مقتل مسلم كما تقدم. قال حصين: فحدثني هلال بن يساف أن ابن زياد أمر الناس أن يأخذوا ما بين واقصة إلى طريق الشام إلى طريق البصرة حفظا فلا يدعون أحدا يلج ولا أحداً يخرج، وأقبل الحسين ولا يشعر بشيء حتى أتى الأعراب فسألهم عن الناس فقالوا: والله لا ندري، غير أنك لا تستطيع أن تلج ولا تخرج، قال: فانطلق يسير نحو يزيد بن معاوية، فتلقته الخيول بكربلاء فنزل يناشدهم الله والإسلام، قال: وكان بعث إليه ابن زياد عمر بن سعد وشمر بن ذي الجوشن وحصين بن نمير، فناشدهم الله والإسلام أن يسيروه إلى أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده، فقالوا له: لا! إلا أن تنزل على حكم ابن زياد، وكان في جملة من معهم الحر بن يزيد الحنظليّ ثم النهشلي على خيل، فلما سمع ما يقول الحسين قال لهم: ألا تتقون الله؟ ألا تقبلون من هؤلاء ما يعرضون عليكم، والله لو سألتكم هذا الترك والديلم ما حل لكم أن تردوهم فأبوا إلا حكم ابن زياد؟ فضرب الحر وجه فرسه وانطلق إلى الحسين، فظنوا أنه إنما جاء ليقاتلهم، فلما دنا منهم قلب ترسه وسلم عليهم ثم كرّ على أصحاب ابن زياد فقتل منهم رجلين ثم قتل ﵀. وذكر أن زهير بن القين البجلي لقي الحسين وكان حاجا فأقبل معه، وخرج إليه ابن أبى مخرمة

стр. 2655

المرادي ورجلان آخران، وهما عمرو بن الحجاج ومعن السلمي، وأقبل الحسين يكلم من بعث إليه ابن زياد وعليه جبة من برود، فلما كلمهم انصرف فرماه رجل من بنى تميم يقال له عمرو الطهوي بسهم بين كتفيه، فانى لأنظر إلى السهم بين كتفيه متعلقا بجبته، فلما أبوا عليه رجع إلى مصافّه وإني لأنظر إليهم وهم قريب من مائة رجل، فيهم لصلب على خمسة، ومن بنى هاشم ستة عشر، ورجل من بنى سليم حليف لهم، ورجل من بنى كنانة حليف لهم، وابن عم ابن زياد. وقال حصين، حدثني سعد بن عبيدة قال: إنا لمستنقعون في الماء مع عمر بن سعد إذ أتاه رجل فسارّه فقال له: قد بعث إليك ابن زياد جويرية بن بدر التميمي وأمره إن لم تقاتل القوم أن يضرب عنقك. قال: فوثب إلى فرسه فركبها ثم دعا بسلاحه فلبسه وإنه لعلى فرسه، ونهض بالناس إليهم فقاتلوهم فجيء برأس الحسين إلى ابن زياد فوضع بين يديه فجعل يقول بقضيبه في أنفه ويقول: إن أبا عبد الله كان قد شمط. قال: وجيء بنسائه وبناته وأهله قال: وكان أحسن شيء صنعه أن أمر لهم بمنزل في مكان معتزل وأجرى عليهم رزقا، وأمر لهم بنفقة وكسوة. قال: وانطلق غلامان منهم من أولاد عبد الله بن جعفر - أو ابن أبى جعفر - فأتيا رجلا من طيِّئ فلجآ إليه مستجيران به، فضرب أعناقها وجاء برأسيهما حتى وضعهما بين يدي ابن زياد، قال: فهم ابن زياد بضرب عنقه وأمر بداره فهدمت. قال: وحدثني مولى لمعاوية بن أبى سفيان قال: لما أتى يزيد برأس الحسين فوضع بين يديه رأيته يبكى ويقول: لو كان بين ابن زياد وبينه رحم ما فعل هذا - يعنى ابن زياد - قال الحصين: ولما قتل الحسين لبثوا شهرين أو ثلاثة كأنما تلطخ الحوائط بالدماء ساعة تطلع الشمس حتى ترتفع [قال أبو مخنف: حدثني لوذان حدثني عكرمة أن أحد عمومته سأل الحسين: أين تريد؟ فحدثه، فقال له: أنشدك الله لما انصرفت راجعا، فو الله ما بين يديك من القوم أحد يذب عنك ولا يقاتل معك، وإنما والله أنت قادم على الأسنة والسيوف، فان هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا كفوك مؤنة القتال ووطئوا لك الأشياء، ثم قدمت عليهم بعد ذلك كان ذلك رأيا، فأما على هذه الصفة فانى لا أرى لك أن تفعل. فقال له الحسين: إنه ليس بخفي عليّ ما قلت وما رأيت، ولكن الله لا يغلب على أمره، ثم ارتحل قاصدا الكوفة. وقال خالد بن العاص: - ربّ مستنصح يغش ويردى … وظنين بالغيب يلقى نصيحا] (١) وقد حج بالناس في هذه السنة عمرو بن سعيد بن العاص وكان عامل المدينة ومكة ليزيد، وقد عزل يزيد عن إمرة المدينة الوليد بن عتبة وولاها عمرو بن سعيد بن العاص في شهر رمضان منها والله أعلم.

стр. 2656

ثم دخلت سنة إحدى وستين استهلت هذه السنة والحسين بن على سائر إلى الكوفة فيما بين مكة والعراق ومعه أصحابه وقراباته، فقتل في يوم عاشوراء من شهر المحرم من هذه السنة على المشهور الّذي صححه الواقدي وغير واجد، وزعم بعضهم أنه قتل في صفر منها والأول أصح. وهذه صفة مقتله ﵁ مأخوذة من كلام أئمة هذا الشأن لا كما يزعمه أهل التشيع من الكذب الصريح والبهتان قال أبو مخنف عن أبى جناب عن عدي بن حرملة عن عبد الله بن حرملة عن عبد الله بن سليم والمذرى (١) بن المشمعل الأسديين قالا: أقبل الحسين فلما نزل شرف قال لغلمانه وقت السحر: استقوا من الماء فأكثروا، ثم ساروا إلى صدر النهار فسمع الحسين رجلا يكبر فقال له: مم كبرت؟ فقال: رأيت النخيلة، فقال له الأسديان: إن هذا المكان لم ير أحد منه نخيلة، فقال الحسين: فماذا تريانه رأى؟ فقالا: هذه الخيل قد أقبلت، فقال الحسين: أما لنا ملجأ نجعله في ظهورنا ونستقبل القوم من وجه واحد؟ فقالا: بلى: ذو حسم. فأخذ ذات اليسار إليها فنزل، وأمر بأبنيته فضربت، وجاء القوم وهم ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي، وهم مقدمة الجيش الذين بعثهم ابن زياد، حتى وقفوا في مقابلته في نحو الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون سيوفهم، فأمر الحسين أصحابه أن يترووا من الماء ويسقوا خيولهم، وأن يسقوا خيول أعدائهم أيضا. وروى هو وغيره قالوا: لما دخل وقت الظهر أمر الحسين الحجاج بن مسروق الجعفي فأذن ثم خرج الحسين في إزار ورداء ونعلين فخطب الناس من أصحابه وأعدائه واعتذر إليهم في مجيئه هذا إلى هاهنا، بأنه قد كتب إليه أهل الكوفة أنهم ليس لهم إمام، وإن أنت قدمت علينا بايعناك وقاتلنا معك، ثم أقيمت الصلاة فقال الحسين للحر: تريد أن تصلى بأصحابك؟ قال لا! ولكن صل أنت ونحن نصلي وراءك. فصلى بهم الحسين، ثم دخل إلى خيمته واجتمع به أصحابه، وانصرف الحر إلى جيشه وكل على أهبته، فلما كان وقت العصر صلى بهم الحسين ثم انصرف فخطبهم وحثهم على السمع والطاعة له وخلع من عاداهم من الأدعياء السائرين فيكم بالجور. فقال له الحر: إنا لا ندري ما هذه الكتب، ولا من كتبها، فأحضر الحسين خرجين مملوءين كتبا فنثرها بين يديه وقرأ منها طائفة، فقال الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك في شيء، وقد أمرنا إذا نحن لقيناك أن لا نفارقك حتى نقدمك على عبيد الله بن زياد، فقال الحسين: الموت أدنى من ذلك، ثم قال الحسين لأصحابه: اركبوا! فركبوا وركب النساء، فلما أراد الانصراف حال القوم بينه وبين الانصراف، فقال الحسين للحر: ثكلتك أمك، ماذا تريد؟

стр. 2657

فقال له الحر: أما والله لو غيرك يقولها لي من العرب وهو على مثل الحال التي أنت عليها لأقتصن منه، ولما تركت أمه، ولكن لا سبيل إلى ذكر أمك إلا بأحسن ما نقدر عليه، وتقاول القوم وتراجعوا فقال له الحر: إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت أن لا أفارقك حتى أقدمك الكوفة على ابن زياد، فإذا أبيت فخذ طريقا لا يقدمك الكوفة ولا تردك إلى المدينة، واكتب أنت إلى يزيد، وأكتب أنا إلى ابن زياد إن شئت، فلعل الله أن يأتى بأمر يرزقني فيه العافية من أن أبتلي بشيء من أمرك. قال: فأخذ الحسين يساراً عن طريق العذيب والقادسية، والحر بن يزيد يسايره وهو يقول له: يا حسين إني أذكرك الله في نفسك، فانى أشهد لئن قاتلت لتقتلن، ولئن قوتلت لتهلكن فيما أرى. فقال له الحسين: أفبالموت تخوفني؟ ولكن أقول كما قال أخو الأوس لابن عمه وقد لقيه وهو يريد نصرة رسول الله ﷺ فقال: أين تذهب فإنك مقتول؟ فقال: - سأمضي وما بالموت عار على الفتى … إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما وآسى الرجال الصالحين بنفسه … وفارق خوفا أن يعيش ويرغما ويروى على صفة أخرى سأمضي وما بالموت عار على امرئ … إذا ما نوى حقاً ولم يلف مجرما فان مت لم أندم وإن عشت لم ألم … كفى بك موتا أن تذل وترغما فلما سمع ذلك الحر منه تنحى عنه وجعل يسير بأصحابه ناحية عنه، فانتهوا إلى عذيب الهجانات وإذا سفر أربعة - أي أربعة نفر - قد أقبلوا من الكوفة على رواحلهم يخبون ويجنبون فرسا لنافع بن هلال يقال له الكامل [قد أقبلوا من الكوفة يقصدون الحسين ودليلهم رجل يقال له الطرماح بن عدي راكب على فرس] (١) وهو يقول يا نافتى لا تذعري من زجري … وشمري قبل طلوع الفجر بخير ركبان وخير سفر … حتى تحلى بكريم النجر الماجد الحرّ رحيب الصدر … أتى به الله لخير أمر ثمت أبقاه بقاء الدهر فأراد الحر أن يحول بينهم وبين الحسين فمنعه الحسين من ذلك، فلما خلصوا إليه قال لهم: أخبرونى عن الناس وراءكم، فقال له مجمع بن عبد الله العامري أحد النفر الأربعة: أما أشراف الناس فهم إلب عليك، لأنهم قد عظمت رشوتهم وملئت غرائرهم، يستميل بذلك ودهم ويستخلص به نصيحتهم، فهم إلب واحد عليك، وأما سائر الناس فأفئدتهم تهوى إليك، وسيوفهم غدا مشهورة عليك. قال

стр. 2658

لهم: فهل لكم برسولي علم؟ قالوا: ومن رسولك؟ قال: قيس بن مسهر الصيداوي. قالوا: نعم أخذه الحصين بن نمير فبعث به إلى ابن زياد فأمره ابن زياد أن يلعنك ويلعن أباك، فصلى عليك وعلى أبيك ولعن بن زياد وأباه، ودعا الناس إلى نصرتك وأخبرهم بقدومك فأمر به فألقى من رأس القصر فمات، فترقرقت عينا الحسين، وقرأ قوله تعالى ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ الآية ثم قال: اللهمّ اجعل منازلهم الجنة نزلا، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، ورغائب مدخور ثوابك. ثم إن الطرماح بن عدي قال للحسين: انظر فما معك؟ لا أرى معك أحدا إلا هذه الشرذمة اليسيرة، وإني لأرى هؤلاء القوم الذين يسايرونك أكفاء لمن معك، فكيف وظاهر الكوفة مملوء بالخيول والجيوش يعرضون ليقصدونك، فأنشدك الله، إن قدرت أن لا تتقدم إليهم شبرا فافعل، فان أردت أن تنزل بلدا يمنعك الله به من ملوك غسان وحمير، ومن النعمان بن المنذر، ومن الأسود والأحمر، والله إن دخل علينا ذل قط فأسير معك حتى أنزلك القرية، ثم تبعث إلى الرجال من باجا وسلمى من طيِّئ، ثم أقم معنا ما بدا لك، فأنا زعيم بعشرة آلاف طائى يضربون بين يديك بأسيافهم، والله لا يوصل إليك أبدا ومنهم عين تطرف. فقال له الحسين: جزاك الله خيرا، فلم يرجع عما هو بصدده، فودعه الطرماح، ومضى الحسين، فلما كان من الليل أمر فتيانه أن يستقوا من الماء كفايتهم، ثم سرى فنعس في مسيره حتى خفق برأسه، واستيقظ وهو يقول: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ والحمد لله رب العالمين. ثم قال: رأيت فارسا على فرس وهو يقول: القوم يسيرون والمنايا تسرى إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فلما طلع الفجر صلى بأصحابه وعجل الركوب ثم تياسر في مسيره حتى انتهى إلى نينوى، فإذا راكب متنكب قوسا قد قدم من الكوفة، فسلم على الحر بن يزيد ولم يسلم على الحسين، ودفع إلى الحر كتابا من ابن زياد ومضمونه أن يعدل بالحسين في السير إلى العراق في غير قرية ولا حصن، حتى تأتيه رسله وجنوده، وذلك يوم الخميس الثاني من المحرم سنة إحدى وستين، فلما كان من الغد قدم عمر بن سعد بن أبى وقاص في أربعة آلاف، وكان قد جهّزه ابن زياد في هؤلاء إلى الديلم، وخيم بظاهر الكوفة، فلما قدم عليهم أمر الحسين قال له: سر إليه، فإذا فرغت منه فسر إلى الديلم، فاستعفاه عمر بن سعد من ذلك. فقال: له ابن زياد. إن شئت عفيتك وعزلتك عن ولاية هذه البلاد التي قد استنبتك عليها، فقال: حتى انظر في أمرى، فجعل لا يستشير أحدا إلا نهاه عن المسير إلى الحسين، حتى قال له ابن أخته حمزة بن المغيرة بن شعبة: إياك أن تسير إلى الحسين فتعصى ربك وتقطع رحمك، فو الله لأن تخرج من سلطان الأرض كلها أحب إليك من أن تلقى الله بدم الحسين، فقال: إني أفعل إن شاء الله تعالى. ثم إن عبيد الله بن زياد تهدده وتوعده بالعزل والقتل، فسار إلى الحسين فنازله في المكان الّذي ذكرنا، ثم بعث إلى الحسين الرسل: ما الّذي أقدمك؟ فقال

стр. 2659

كتب إلى أهل الكوفة أن أقدم عليهم، فاذ قد كرهوني فأنا راجع إلى مكة وأذركم. فلما بلغ عمر بن سعد هذا قال: أرجو أن يعافيني الله من حربه، وكتب إلى ابن زياد بذلك، فرد عليه ابن زياد: أن حل بينهم وبين الماء كما فعل بالتقى الزكي المظلوم أمير المؤمنين عثمان بن عفان، واعرض على الحسين أن يبايع هو ومن معه لأمير المؤمنين يزيد بن معاوية، فإذا فعلوا ذلك رأينا رأينا، وجعل أصحاب عمر بن سعد يمنعون أصحاب الحسين من الماء، وعلى سرية منهم عمرو بن الحجاج، فدعا عليهم بالعطش فمات هذا الرجل من شدة العطش. ثم إن الحسين طلب من عمر بن سعد أن يجتمع به بين العسكرين، فجاء كل واحد منهما في نحو من عشرين فارسا، فتكلما طويلا حتى ذهب هزيع من الليل، ولم يدر أحد ما قالا، ولكن ظن بعض الناس أنه سأله أن يذهب معه إلى يزيد بن معاوية إلى الشام ويتركا العسكرين متواقفين، فقال عمر إذاً يهدم ابن زياد داري، فقال الحسين: أنا أبنيها لك أحسن مما كانت، قال: إذا يأخذ ضياعي، قال أنا أعطيك خيرا منها من مالي بالحجاز، قال: فتكره عمر بن سعد من ذلك. وقال بعضهم: بل سأل منه إما أن يذهبا إلى يزيد، أو يتركه يرجع إلى الحجاز أو يذهب إلى بعض الثغور فيقاتل الترك، فكتب عمر إلى عبيد الله بذلك، فقال: نعم! قد قبلت، فقام الشمر بن ذي الجوشن فقال: لا والله حتى ينزل على حكمك هو وأصحابه، ثم قال: والله لقد بلغني أن حسينا وابن سعد يجلسان بين العسكرين فيتحدثان عامة الليل، فقال له ابن زياد: فنعم ما رأيت. وقد روى أبو مخنف: حدثني عبد الرحمن بن جندب عن عقبة بن سمعان. قال: لقد صحبت الحسين من مكة إلى حين قتل، والله ما من كلمة قالها في موطن إلا وقد سمعتها، وإنه لم يسأل أن يذهب إلى يزيد فيضع يده إلى يده، ولا أن يذهب إلى ثغر من الثغور، ولكن طلب منهم أحد أمرين، إما أن يرجع من حيث جاء، وإما أن يدعوه يذهب في الأرض العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه. ثم إن عبيد الله بعث شمر بن ذي الجوشن فقال: اذهب فان جاء حسين وأصحابه على حكمي وإلا فمر عمر بن سعد أن يقاتلهم، فان تباطأ عن ذلك فاضرب عنقه ثم أنت الأمير على الناس. وكتب إلى عمر بن سعد يتهدده على توانيه في قتال الحسين، وأمره إن لم يجئ الحسين إليه أن يقاتله ومن معه، فإنهم مشاقون. فاستأمن عبيد الله بن أبى المحل لبني عمته أم البنين بنت حرام من على، وهم العباس وعبد الله وجعفر وعثمان. فكتب لهم ابن زياد كتاب أمان وبعثه عبيد الله بن المحل مع مولى له يقال له كرمان، فلما بلغهم ذلك قالوا: أما أمان ابن سمية. فلا نريده، وإنا لنرجو أمانا خيرا من أمان ابن سمية. ولما قدم شمر بن ذي الجوشن على عمر بن سعد بكتاب عبيد الله بن زياد، قال عمر: أبعد الله دارك، وقبح ما جئت به، والله إني لأظنك الّذي صرفته عن الّذي عرضت عليه من الأمور الثلاثة التي طلبها الحسين، فقال له شمر: فأخبرني ما أنت صانع؟ أتقاتلهم أنت أو تاركي وإياهم؟

стр. 2660

فقال له عمر: لا ولا كرامة لك! أنا أتولى ذلك، وجعله على الرجالة ونهضوا إليهم عشية يوم الخميس التاسع من المحرم، فقام شمر بن ذي الجوشن فقال: أين بنو أختنا؟ فقام إليه العباس وعبد الله، وجعفر وعثمان بنو على بن أبى طالب، فقال: أنتم آمنون. فقالوا: إن أمنتنا وابن رسول الله ﷺ ، وإلا فلا حاجة لنا بأمانك. قال: ثم نادى عمر بن سعد في الجيش: يا خيل الله اركبي وابشرى، فركبوا وزحفوا إليهم بعد صلاة العصر من يومئذ، هذا وحسين جالس أمام خيمته محتبيا بسيفه، ونعس فخفق برأسه وسمعت أخته الضجة فدنت منه فأيقظته، فرجع برأسه كما هو، وقال: إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام فقال لي: «إنك تروح إلينا» فلطمت وجهها وقالت: يا ويلتنا. فقال: ليس لك الويل يا أخته: اسكني رحمك الرحمن، وقال له أخوه العباس بن على: يا أخى جاءك القوم، فقال: اذهب إليهم فسلهم ما بدا لهم، فذهب إليهم في نحو من عشرين فارسا فقال: ما لكم؟ فقالوا جاء أمر الأمير إما أن تأتوا على حكمه وإما أن نقاتلكم. فقال: مكانكم حتى أذهب إلى أبى عبد الله فأعلمه، فرجع ووقف أصحابه فجعلوا يتراجعون القول ويؤنب بعضهم بعضا، يقول أصحاب الحسين: بئس القوم، أنتم تريدون قتل ذريّة نبيكم وخيار الناس في زمانهم؟ ثم رجع العباس بن على من عند الحسين إليهم فقال لهم: يقول لكم أبو عبد الله: انصرفوا عشيتكم هذه حتى ينظر في أمره الليلة، فقال عمر بن سعد لشمر بن ذي الجوشن: ما تقول؟ فقال: أنت الأمير والرأى رأيك، فقال عمرو بن الحجاج بن سلمة الزبيدي: سبحان الله! والله لو سألكم ذلك رجل من الديلم لكان ينبغي إجابته. وقال قيس بن الأشعث: أجبهم إلى ما سألوك، فلعمري ليصبحنك بالقتال غدوة، وهكذا جرى الأمر، فان الحسين لما رجع العباس قال له: ارجع فارددهم هذه العشية لعلنا نصلي لربنا هذه الليلة ونستغفره وندعوه، فقد علم الله منى أنى أحب الصلاة له، وتلاوة كتابه، والاستغفار والدعاء. وأوصى الحسين في هذه الليلة إلى أهله، وخطب أصحابه في أول الليل فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على رسوله بعبارة فصيحة بليغة، وقال لأصحابه: من أحب أن ينصرف إلى أهله في ليلته هذه فقد أذنت له فان القوم إنما يريدونني. [فقال مالك بن النضر: على دين ولى عيال، فقال هذا الليل قد غشيكم فاتخذوه حجلا، ليأخذ كل منكم بيد رجل من أهل بيتي ثم أذهبوا في بسيط الأرض في سواد هذا الليل إلى بلادكم ومدائنكم، فان القوم إنما يريدونني، فلو قد أصابونى لهوا عن طلب غيري، فاذهبوا حتى يفرج الله . فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه: لا بقاء لنا بعدك، ولا أرانا الله فيك ما نكره، فقال الحسين: يا بنى عقيل حسبكم بمسلم أخيكم، اذهبوا فقد أذنت لكم، قالوا: فما تقول الناس إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبنى عمومتنا خير الأعمام، لم نرم معهم بسهم، ولم نطعن معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، رغبة في الحياة الدنيا، لا والله لا نفعل، ولكن نفديك

стр. 2661

بأنفسنا وأموالنا وأهلينا، ونقاتل معك حتى نرد موردك. فقبح الله العيش بعدك. وقال نحو ذلك مسلم بن عوسجة الأسدي، وكذلك قال سعيد بن عبد الله الحنفي: والله لا نخليك حتى يعلم الله أنا قد حفظنا غيبة رسول الله ﷺ فيك، والله لو علمت أنى أقتل دونك ألف قتلة، وأن الله يدفع بذلك القتل عنك وعن أنفس هؤلاء الفتية من أهل بيتك، لأحببت ذلك، وإنما هي قتلة واحدة. وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا من وجه واحد، فقالوا: والله لا نفارقك، وأنفسنا الفداء لك، نقيك بنحورنا وجباهنا، وأيدينا وأبداننا، فإذا نحن قتلنا وفينا وقضينا ما علينا. وقال أخوه العباس: لا أرانا الله يوم فقدك ولا حاجة لنا في الحياة بعدك. وتتابع أصحابه على ذلك] (١) وقال أبو مخنف: حدثني الحارث بن كعب وأبو الضحاك عن على بن الحسين زين العابدين. قال: إني لجالس تلك العشية التي قتل أبى في صبيحتها، وعمتي زينب تمرضني إذ اعتزل أبى في خبائه ومعه أصحابه، وعنده حوى مولى أبى ذر الغفاريّ، وهو يعالج سيفه ويصلحه وأبى يقول: - يا دهر أف لك من خليل … كم لك بالإشراق والأصيل من صاحب أو طالب قتيل … والدهر لا يقنع بالبديل وإنما الأمر إلى الجليل … وكل حي سالك السبيل فأعادها مرتين أو ثلاثا حتى حفظتها وفهمت ما أراد، فخنقتني العبرة فرددتها، ولزمت السكوت، وعلمت أن البلاء قد نزل، وأما عمتي فقامت حاسرة حتى انتهت إليه فقالت: وا ثكلاه!! ليت الموت أعدمنى الحياة اليوم، ماتت أمى فاطمة وعلى أبى، وحسن أخى، يا خليفة الماضي، وثمال الباقي فنظر إليها وقال: يا أخيّه، [لا يذهبن حلمك الشيطان، فقالت: بأبي أنت وأمى يا أبا عبد الله، استقتلت؟ ولطمت وجهها وشقت جيبها وخرت مغشيا عليها، فقام إليها فصبّ على وجهها الماء وقال يا أخيه] (٢) اتّق الله واصبري وتعزى بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون، وأن أهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله الّذي خلق الخلق بقدرته، ويميتهم بقهره وعزته، ويعيدهم فيعبدونه وحده، وهو فرد وحده، واعلمي أن أبى خير منى، وأخى خير منى، ولي ولهم ولكل مسلم برسول الله أسوة حسنة، ثم حرّج عليها أن لا تفعل شيئا من هذا بعد مهلكه، ثم أخذ بيدها فردّها إلى عندي، ثم خرج إلى أصحابه فأمرهم أن يدنوا بيوتهم بعضها من بعض حتى تدخل الأطناب بعضها في بعض، وأن لا يجعلوا للعدو مخلصا إليهم إلا من جهة واحدة، وتكون البيوت عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن ورائهم. وبات الحسين وأصحابه طول ليلهم يصلون ويستغفرون ويدعون ويتضرعون، وخيول حرس عدوهم تدور من ورائهم، عليها عزرة بن قيس

стр. 2662

الأحمسي [والحسين يقرأ ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ * ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية فسمعها رجل من تلك الخيل التي كانت تحرس من أصحاب ابن زياد فقال: نحن ورب الكعبة الطيبون ميزنا الله منكم. قال فعرفته فقلت لزيد (١) بن حضير: أتدري من هذا؟ قال: لا! فقلت هذا أبو حرب السبيعي عبيد الله بن شمير - وكان مضحاكا بطالا - وكان شريفا شجاعا فاتكا، وكان سعيد بن قيس ربما حبسه في خبائه. فقال له يزيد بن حصين: يا فاسق متى كنت من الطيبين؟ فقال: من أنت ويلك؟ قال: أنا يزيد بن حصين. قال: إنا لله! هلكت والله عدو الله! على م يريد قتلك؟ قال فقلت له: يا أبا حرب هل لك أن تتوب من ذنوبك العظام؟ فو الله إنا لنحن الطيبون وإنكم لأنتم الخبيثون. قال: نعم وأنا على ذلك من الشاهدين. قال: ويحك أفلا ينفعك معرفتك؟ قال فانتهره عزرة بن قيس أمير السيرة التي تحرسنا فانصرف عنا] (٢) قالوا: فلما صلى عمر بن سعد الصبح بأصحابه يوم الجمعة وقيل يوم السبت - وكان يوم عاشوراء - انتصب للقتال، وصلى الحسين أيضا بأصحابه وهم اثنان وثلاثون فارسا وأربعون راجلا، ثم انصرف فصفهم فجعل على ميمنته زهير بن القين، وعلى الميسرة حبيب بن المطهر، وأعطى رايته العباس بن على أخاه، وجعلوا البيوت بما فيها من الحرم وراء ظهورهم، وقد أمر الحسين من الليل فحفروا وراء بيوتهم خندقا وقذفوا فيه حطبا وخشبا وقصبا، ثم أضرمت فيه النار لئلا يخلص أحد إلى بيوتهم من ورائها. وجعل عمر بن سعد على ميمنته عمرو بن الحجاج الزبيدي، وعلى الميسرة شمر بن ذي الجوشن - واسم ذي الجوشن شرحبيل بن الأعور بن عمرو بن معاوية من بنى الضباب بن كلاب - وعلى الخيل عزرة بن قيس الأحمسي، وعلى الرجالة شبيث بن ربعي، وأعطى الراية لوردان مولاه، وتواقف الناس في ذلك الموضع، فعدل الحسين إلى خيمة قد نصبت فاغتسل فيها واطلى بالنورة وتطيب بمسك كثير، ودخل بعده بعض الأمراء ففعلوا كما فعل، فقال بعضهم لبعض: ما هذا في هذه الساعة؟ فقال بعضهم: دعنا منك، والله ما هذه بساعة باطل، فقال يزيد بن حصين: والله لقد علم قومي أنى ما أحببت الباطل شابا ولا كهلا، ولكن والله إني لمستبشر بما نحن لاحقون، والله ما بيننا وبين الحور العين إلا أن يميل علينا هؤلاء القوم فيقتلوننا. ثم ركب الحسين على فرسه وأخذ مصحفا فوضعه بين يديه، ثم استقبل القوم رافعا يديه يدعو بما تقدم ذكره: اللهمّ أنت ثقتي في كل كرب، ورجائي في كل شدة، إلى آخره. وركب ابنه على بن الحسين - وكان ضعيفا مريضا - فرسا يقال له الأحمق ونادى الحسين أيها الناس: اسمعوا منى نصيحة أقولها لكم، فأنصت الناس كلهم، فقال بعد حمد

стр. 2663

الله والثناء عليه: أيها الناس إن قبلتم منى وأنصفتمونى كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم على سبيل، وإن لم تقبلوا منى ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اُقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾. ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصّالِحِينَ﴾. فلما سمع ذلك أخواته وبناته ارتفعت أصواتهن بالبكاء فقال عند ذلك: لا يبعد الله ابن عباس. - يعنى حين أشار عليه أن لا يخرج بالنساء معه ويدعهن بمكة إلى أن ينتظم الأمر - ثم بعث أخاه العباس فسكتهن، ثم شرع يذكر للناس فضله وعظمة نسبه وعلو قدره وشرفه، ويقول: راجعوا أنفسكم وحاسبوها: هل يصلح لكم قتال مثلي، وأنا ابن بنت نبيكم، وليس على وجه الأرض ابن بنت نبي غيري؟ وعلى أبى، وجعفر ذو الجناحين عمى، وحمزة سيد الشهداء عم أبى؟ وقال لي رسول الله ﷺ ولأخى: «هذان سيدا شباب أهل الجنة». فان صدقتموني بما أقول فهو الحق، فو الله ما تعمدت كذبة منذ علمت أن الله يمقت على الكذب، وإلا فاسألوا أصحاب رسول الله ﷺ عن ذلك، جابر بن عبد الله، وأبا سعيد، وسهل بن سعد، وزيد بن أرقم، وأنس بن مالك، يخبرونكم بذلك، ويحكم! أما تتقون الله؟ أما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟ فقال عند ذلك شمر بن ذي الجوشن: هو يعبد الله على حرف: إن كنت أدرى ما يقول؟ فقال له حبيب بن مطهر (١): والله يا شمر إنك لتعبد الله على سبعين حرفا، وأما نحن فو الله إنا لندرى ما يقول، وإنه قد طبع على قلمك. ثم قال: أيها الناس ذروني أرجع إلى مأمني من الأرض، فقالوا: وما يمنعك أن تنزل على حكم بنى عمك؟، فقال: معاذ الله ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ﴾ ثم أناخ راحلته وأمر عقبة بن سمعان فعقلها [ثم قال: أخبرونى أتطلبوني بقتيل لكم قتلته؟ أو مال لكم أكلته؟ أو بقصاصة من جراحة؟ قال: فأخذوا لا يكلمونه. قال: فنادى يا شبيث بن ربعي، يا حجار بن أبجر، يا قيس بن الأشعث، يا زيد بن الحارث، ألم تكتبوا إليّ أنه قد أينعت الثمار وأخضر الجناب، فأقدم علينا فإنك إنما تقدم على جند مجندة؟ فقالوا له: لم نفعل. فقال: سبحان الله! والله لقد فعلتم، ثم قال: يا أيها الناس! إذ قد كرهتموني فدعوني أنصرف عنكم، فقال له قيس بن الأشعث: ألا تنزل على حكم بنى عمك فإنهم لن يؤذوك، ولا ترى منهم إلا ما تحب؟ فقال له الحسين: أنت أخو أخيك، أتريد أن تطلبك بنو هاشم بأكثر من دم مسلم ابن عقيل؟ لا والله لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أقر لهم إقرار العبيد]. (٢) قال: وأقبلوا يزحفون نحوه وقد تحيز إلى جيش الحسين من أولئك طائفة قريب من ثلاثين فارسا فيما قيل، منهم الحر بن يزيد أمير مقدمة جيش ابن زياد، فاعتذر إلى الحسين مما كان منهم،

стр. 2664

قال: ولو أعلم أنهم على هذه النية لسرت معك إلى يزيد، فقبل منه الحسين، ثم تقدم بين يدي أصحاب الحسين فخاطب عمر بن سعد فقال: ويحكم ألا تقبلون من ابن بنت رسول الله ﷺ ما يعرض عليكم من الخصال الثلاث واحدة منها؟ فقال: لو كان ذلك إليّ قبلت. [قال: وخرج من أصحاب الحسين زهير بن القين على فرس له شاك في السلاح، فقال: يا أهل الكوفة، نذار لكم من عذاب الله نذار، إن حقا على المسلم نصيحة أخيه المسلم، ونحن حتى الآن إخوة، وعلى دين واحد، وملة واحدة، ما لم يقع بيننا وبينكم السيف، فإذا وقع السيف انقطعت العصمة، وكنا أمة وأنتم أمة، إن الله قد ابتلانا وإياكم بذرية نبيّه لينظر ما نحن وأنتم عاملون، إنا ندعوكم إلى نصره وخذلان الطاغية ابن الطاغية، عبيد الله بن زياد، فإنكم لم تدركوا منهما إلا سوء عموم سلطانهما، يسملان أعينكم، ويقطعان أيديكم وأرجلكم، ويمثلان بكم، ويقتلان أماثلكم وقراءكم، أمثال حجر بن عدي وأصحابه، وهانئ بن عروة وأشباهه. قال: فسبوه وأثنوا على ابن زياد ودعوا له، وقالوا: لا ننزع حتى نقتل صاحبك ومن معه. فقال لهم: إن ولد فاطمة أحق بالود والنصر من ابن سمية، فان أنتم لم تنصروهم فأعيذكم بالله أن تقتلوهم، خلوا بين هذا الرجل وبين ابن عمه يزيد بن معاوية، نذهب حيث شاء، فلعمري إن يزيد ليرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين. قال: فرماه شمر بن ذي الجوشن بسهم وقال له: اسكت أسكت الله نامتك، أبرمتنا بكثرة كلامك، فقال له زهير: يا ابن البوّال على عقبيه، إياك أخاطب؟ إنما أنت بهيمة، والله ما أظنك تحكم من كتاب الله آيتين، فأبشر بالخزي يوم القيامة والعذاب الأليم. فقال له شمر: إن الله قاتلك وصاحبك بعد ساعة، فقال له زهير: أبالموت تخوفني؟ فو الله للموت معه أحب إليّ من الخلد معكم. ثم إن زهيرا أقبل على الناس رافعا صوته يقول: عباد الله لا يغرنكم عن دينكم هذا الجلف الجافي وأشباهه، فو الله لا ينال شفاعة محمد ﷺ قوم أهرقوا دماء ذريته، وقتلوا من نصرهم وذب عن حريمهم. وقال الحر بن يزيد لعمر بن سعد: أصلحك الله! أمقاتل أنت هذا الرجل؟ قال: إي والله قتالا أيسره أن تسقط الرءوس وتطيح الأيدي، وكان الحر من أشجع أهل الكوفة، فلامه بعض أصحابه على الذهاب إلى الحسين، فقال له: والله إني أخير نفسي بين الجنة والنار، ووالله لا أختار على الجنة غيرها ولو قطعت وحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق بالحسين فاعتذر إليه بما تقدم، ثم قال: يا أهل الكوفة لأمكم الهبل، أدعوتم الحسين إليكم حتى إذا أتاكم أسلمتموه وزعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه، ثم عدوتم عليه لتقتلوه، ومنعتموه التوجه في بلاد الله العريضة الوسيعة التي لا يمنع فيها الكلب والخنزير، وحلتم بينه وبين الماء الفرات الجاري الّذي يشرب منه الكلب والخنزير وقد صرعهم

стр. 2665

العطش؟ بئس ما خلفتم محمدا في ذريته، لا سقاكم الله يوم الظمأ الأكبر إن لم تتوبوا وترجعوا عما أنتم عليه من يومكم هذا في ساعتكم هذه. فحملت عليه رجالة لهم ترميه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين] (١) وقال لهم عمر بن سعد: لو كان الأمر لي لأجبت الحسين إلى ما طلب ولكن أبى على عبيد الله بن زياد، وقد خاطب أهل الكوفة وأنبهم ووبخهم وسبهم، فقال لهم الحر بن يزيد: ويحكم منعتم الحسين ونساءه وبناته الماء الفرات الّذي يشرب منه اليهود والنصارى ويتمرغ فيه خنازير السواد وكلابه، فهو كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا. قال فتقدم عمر بن سعد وقال لمولاه: يا دريد أدن رأيتك، فأدناها ثم شمر عمر عن ساعده ورمى بسهم وقال: اشهدوا أنى أول من رمى القوم، قال: فترامى الناس بالنبال، وخرج يسار مولى زياد وسالم مولى عبيد الله، فقالا: من يبارز؟ فبرز لهما عبيد الله بن عمر الكلبي بعد استئذانه الحسين فقتل يسارا أولا ثم قتل سالما بعده، وقد ضربه سالم ضربة أطار أصابع يده اليسرى، وحمل رجل يقال له عبد الله بن حوزة حتى وقف بين يدي الحسين فقال له: يا حسين أبشر بالنار! فقال له الحسين: كلا ويحك إني أقدم على رب رحيم وشفيع مطاع، بل أنت أولى بالنار. قالوا: فانصرف فوقصته فرسه فسقط وتعلقت قدمه بالركاب، وكان الحسين قد سأل عنه فقال: أنا ابن حوزة، فرفع الحسين يده وقال: اللهمّ حزه إلى النار، فغضب ابن حوزة وأراد أن يقحم عليه الفرس وبينه وبينه نهر، فحالت به الفرس فانقطعت قدمه وساقه وفخذه وبقي جانبه الآخر متعلقا بالركاب، وشد عليه مسلم بن عوسجة فضربه فأطار رجله اليمنى، وغارت به فرسه فلم يبق حجر يمر به إلا ضربه في رأسه حتى مات. [وروى أبو مخنف عن أبى جناب قال: كان منا رجل يدعى عبد الله بن نمير من بنى عليم، كان قد نزل الكوفة واتخذ دارا عند بئر الجعد من همدان، وكانت معه امرأة له من النمر بن قاسط، فرأى الناس يتهيئون للخروج إلى قتال الحسين، فقال: والله لقد كنت على قتال أهل الشرك حريصا، وإني لأرجو أن يكون جهادي مع ابن بنت رسول الله ﷺ لهؤلاء أفضل من جهاد المشركين، وأيسر ثوابا عند الله، فدخل إلى امرأته فأخبرها بما هو عازم عليه، فقالت: أصبت أصاب الله بك أرشد أمورك، افعل وأخرجني معك. قال: فخرج بها ليلا حتى أتى الحسين، ثم ذكر قصة رمى عمر بن سعد بالسهم، وقصة قتله يسار مولى زياد، وسالم مولى ابن زياد، وأن عبد الله ابن عمير استأذن الحسين في الخروج إليهما فنظر إليه الحسين، فرأى رجلا آدم طويلا شديد الساعدين بعيد ما بين المنكبين، فقال الحسين: إني لأحسبه للأقران قتّالا، أخرج إن شئت،
следующие страницы →