← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

النسخ لا محالة فقال موسى يا رب إنهم لا يستطيعون أن يصعدوه وقد نهيتهم عن ذلك فأمره الله تعالى أن يذهب فيأتى معه بأخيه هارون وليكن الكهنة وهم العلماء والشعب وهم بقية بنى إسرائيل غير بعيد ففعل موسى وكلمه ربه فأمره حينئذ بالعشر كلمات. وعندهم أن بنى إسرائيل سمعوا كلام الله ولكن لم يفهموا حتى فهّمهم موسى وجعلوا يقولون لموسى بلغنا أنت عن الرب فانا نخاف أن نموت فبلغهم عنه فقال هذه العشر الكلمات وهي الأمر بعبادة الله وحده لا شريك له. والنهى عن الحلف بالله كاذبا. والأمر بالمحافظة على السبت. ومعناه تفرغ يوم من الأسبوع للعبادة * وهذا حاصل بيوم الجمعة الّذي نسخ الله به السبت. أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض الّذي يعطيك الله ربك. لا تقتل. لا تزن لا تسرق. لا تشهد على صاحبك شهادة زور لا تمد عينك الى بيت صاحبك. ولا تشته امرأة صاحبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا من الّذي لصاحبك. ومعناه النهى عن الحسد. وقد قال كثير من علماء السلف وغيرهم مضمون هذه العشر الكلمات في آيتين من القرآن وهما قوله تعالى في سورة الانعام ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ. وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ. وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ﴾ الآية وذكروا بعد العشر الكلمات وصايا كثيرة وأحكاما متفرقة عزيزة كانت فزالت وعملت بها حينا من الدهر * ثم طرأ عليها عصيان من المكلفين بها ثم عمدوا اليها فبدلوها وحرفوها وأولوها. ثم بعد ذلك كله سلبوها فصارت منسوخة مبدلة بعد ما كانت مشروعة مكملة فلله الأمر من قبل ومن بعد وهو الّذي يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد الإله الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. وقد قال الله تعالى ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ قَدْ أَنْجَيْناكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَواعَدْناكُمْ جانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى * كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى * وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى﴾ يذكر تعالى منته وإحسانه الى بنى إسرائيل بما أنجاهم من أعدائهم وخلصهم من الضيق والحرج وأنه وعدهم صحبة نبيهم الى جانب الطور الأيمن أي منهم لينزل عليه أحكاما عظيمة فيها مصلحة لهم في دنياهم وأخراهم وأنه تعالى أنزل عليهم في حال شدتهم وضرورتهم في سفرهم في الأرض التي ليس فيها زرع ولا ضرع منا من السماء يصبحون فيجدونه خلال بيوتهم فيأخذون منه قدر حاجتهم في ذلك اليوم الى مثله من الغد ومن ادخر منه لأكثر من ذلك فسد. ومن أخذ منه قليلا - كفاه أو كثيرا لم يفضل عنه فيصنعون منه مثل الخبز وهو

стр. 282

في غاية البياض والحلاوة فإذا كان من آخر النهار غشيهم طير السلوى فيقتنصون منه بلا كلفة ما يحتاجون اليه حسب كفايتهم لعشاهم * وإذا كان فصل الصيف ظلل الله عليهم الغمام وهو السحاب الّذي يستر عنهم حر الشمس وضوأها الباهر. كما قال تعالى في سورة البقرة ﴿يا بَنِي إِسْرائِيلَ اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيّايَ فَارْهَبُونِ * وَآمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيّايَ فَاتَّقُونِ﴾ الى أن قال ﴿وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ * وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اِتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ * ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ * وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ الى أن قال ﴿وَإِذِ اِسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاِشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ * وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ فذكر تعالى إنعامه عليهم وإحسانه اليهم بما يسر لهم من المن والسلوى طعامين شهيين بلا كلفة ولا سعى لهم فيه بل ينزل الله المن باكرا ويرسل عليهم طير السلوى عشيا وأنبع الماء لهم بضرب موسى ﵇ حجرا كانوا يحملونه معهم بالعصا فتفجر منه اثنتا عشرة عينا لكل سبط عين منه تنبجس * ثم تتفجر ماء زلالا فيستقون ويسقون دوابهم ويدخرون كفايتهم. وظلل عليهم الغمام من الحر * وهذه نعم من الله عظيمة وعطيات جسيمة فما رعوها حق رعايتها ولا قاموا بشكرها وحق عبادتها ثم ضجر كثير منها وتبرموا بها وسألوا أن يستبدلوا منها ببدلها مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها. فقرعهم الكليم ووبخهم وأنبهم على هذه المقالة وعنفهم قائلا ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اِهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ﴾ أي هذا الّذي تطلبونه وتريدونه بدل هذه النعم التي أنتم فيها حاصل لأهل الأمصار الصغار والكبار موجود بها وإذا هبطتم اليها أي ونزلتم عن هذه المرتبة التي لا تصلحون لمنصبها تجدوا بها ما تشتهون وما ترومون مما ذكرتم من المآكل الدنية

стр. 283

والاغذية الردية ولكنى لست أجيبكم الى سؤال ذلك هاهنا ولا أبلغكم ما تعنتم به من المنى وكل هذه الصفات المذكورة عنهم الصادرة منهم تدل على أنهم لم ينتهوا عما نهوا عنه كما قال تعالى ﴿وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ أي فقد هلك وحق له والله الهلاك والدمار وقد حل عليه غضب الملك الجبار ولكنه تعالى مزج هذا الوعيد الشديد بالرجاء لمن أناب وتاب ولم يستمر على متابعة الشيطان المريد فقال ﴿وَإِنِّي لَغَفّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اِهْتَدى﴾ سؤال الرؤية قال تعالى ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقالَ مُوسى لِأَخِيهِ هارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ * وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً. فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ * قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ * وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ * سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ. وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ * وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قال جماعة من السلف منهم ابن عباس ومسروق ومجاهد الثلاثون ليلة هي شهر ذي القعدة بكماله وأتمت أربعين ليلة بعشر ذي الحجة فعلى هذا يكون كلام الله له يوم عيد النحر وفي مثله أكمل الله لمحمد ﷺ دينه وأقام حجته وبراهينه. والمقصود أن موسى ﵇ لما استكمل الميقات وكان فيه صائما يقال إنه لم يستطعم الطعام فلما كمل الشهر أخذ لحا شجرة فمضغه ليطيب ريح فمه فامر الله أن يمسك عشرا أخرى فصارت أربعين ليلة. ولهذا ثبت في الحديث أن خلو فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك فلما عزم على الذهاب استخلف على شعب بنى إسرائيل أخاه هارون المحبب المبجل الجليل وهو ابن أمه وأبيه ووزيره في الدعوة الى مصطفيه فوصاه وأمره وليس في هذا لعلو منزلته في نبوته منافاة قال الله تعالى ﴿وَلَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا﴾ أي في الوقت الّذي أمر بالمجيء فيه ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ أي كلمه الله من وراء حجاب الا أنه أسمعه الخطاب فناداه وناجاه وقربه وأدناه وهذا مقام رفيع ومعقل منيع ومنصب شريف ومنزل منيف فصلوات الله عليه تترى وسلامه عليه في الدنيا والأخرى * ولما أعطى هذه المنزلة

стр. 284

العلية والمرتبة السنية وسمع الخطاب سأل رفع الحجاب فقال للعظيم الّذي لا تدركه الابصار القوى البرهان ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي﴾. ثم بين تعالى أنه لا يستطيع أن يثبت عند تجليه ﵎ لان الجبل الّذي هو أقوى وأكبر ذاتا وأشد ثباتا من الإنسان لا يثبت عند التجلي من الرحمان ولهذا قال ﴿وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال له يا موسى إنه لا يراني حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده وفي الصحيحين عن أبى موسى عن رسول الله ﷺ انه قال حجابه النور. وفي رواية النار لو كشفه لا حرقت سبحات وجهه ما انتهى اليه بصره من خلقه. وقال ابن عباس في قوله تعالى ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ﴾ ذاك نوره الّذي هو نوره إذا تجلى لشيء لا يقوم له شيء ولهذا قال تعالى ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال مجاهد ﴿وَلكِنِ اُنْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اِسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ فإنه أكبر منك وأشد خلقا فلما تجلى ربه للجبل فنظر الى الجبل لا يتمالك وأقبل الجبل فدك على أوله ورأى موسى ما يصنع الجبل فخر صعقا * وقد ذكرنا في التفسير ما رواه الامام احمد والترمذي وصححه ابن جرير والحاكم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت. زاد ابن جرير وليث عن أنس أن رسول الله ﷺ قرأ ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ قال هكذا بإصبعه ووضع النبي ﷺ الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر فساخ الجبل لفظ ابن جرير. وقال السدي عن عكرمة وعن ابن عباس ما تجلى يعنى من العظمة الا قدر الخنصر فجعل الجبل دكا قال ترابا ﴿وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً﴾ أي مغشيا عليه وقال قتادة ميتا. والصحيح الأول لقوله ﴿فَلَمّا أَفاقَ﴾ فان الافاقة انما تكون عن غشي قال ﴿سُبْحانَكَ﴾ تنزيه وتعظيم وإجلال أن يراه بعظمته أحد ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ أي فلست أسأل بعد هذا الرؤية ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنه لا يراك حي إلا مات ولا يابس إلا تدهده. وقد ثبت في الصحيحين من طريق عمرو بن يحيى بن عمارة بن ابى حسن المازني الأنصاري عن أبيه عن أبى سعيد الخدريّ قال قال رسول الله ﷺ (لا تخيرونى من بين الأنبياء فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدرى أفاق قبلي أو جوزي بصعقة الطور) لفظ البخاري وفي أوله قصة اليهودي الّذي لطم وجهه الأنصاري حين قال لا والّذي اصطفى موسى على البشر فقال رسول الله (لا تخيرونى من بين الأنبياء). وفي الصحيحين من طريق الزهري عن أبى سلمة وعبد الرحمن الأعرج عن أبى هريرة عن النبي ﷺ بنحوه وفيه (لا تخيرونى على موسى) وذكر تمامه. وهذا من باب الهضم والتواضع أو نهى عن التفضيل بين الأنبياء على وجه الغضب والعصبية أو ليس هذا إليكم بل الله هو الّذي رفع بعضهم فوق بعض درجات وليس ينال هذا بمجرد الرأى بل بالتوقيف. ومن قال ان هذا قاله قبل أن يعلم أنه أفضل ثم نسخ باطلاعه على أفضليته

стр. 285

عليهم كلهم ففي قوله نظر لأن هذا من رواية أبى سعيد وأبى هريرة وما هاجر أبو هريرة إلا عام حنين متأخرا فيبعد أنه لم يعلم بهذا الا بعد هذا والله أعلم ولا شك أنه صلوات الله وسلامه عليه أفضل البشر بل الخليقة. قال الله تعالى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ وما كملوا الا بشرف نبيهم وثبت بالتواتر عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر) ثم ذكر اختصاصه بالمقام المحمود الّذي يغبطه به الأولون والآخرون الّذي تحيد عنه الأنبياء والمرسلون حتى أولو العزم الاكملون نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم. وقوله ﷺ (فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش) أي آخذا بها (فلا أدرى أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور) دليل على أن هذا الصعق الّذي يحصل للخلائق في عرصات القيامة حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين عباده فيصعقون من شدة الهيبة والعظمة والجلال فيكون أولهم إفاقة محمد خاتم الأنبياء ومصطفى رب الأرض والسماء على سائر الأنبياء فيجد موسى باطشا بقائمة العرش قال الصادق المصدوق (لا أدرى أصعق فأفاق قبلي) أي كانت صعقته خفيفة لأنه قد ناله بهذا السبب في الدنيا صعق أو جوزي بصعقة الطور يعنى فلم يصعق بالكلية وهذا فيه شرف كبير لموسى ﵇ من هذه الحيثية. ولا يلزم تفضيله بها مطلقا من كل وجه * ولهذا نبه رسول الله ﷺ على شرفه وفضيلته بهذه الصفة لان المسلم لما ضرب وجه اليهودي حين قال (لا والّذي اصطفى موسى على البشر) قد يحصل في نفوس المشاهدين لذلك هضم بجناب موسى ﵇ فبين النبي ﷺ فضيلته وشرفه. وقوله تعالى ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾ أي في ذلك الزمان لا ما قبله لأن إبراهيم الخليل أفضل منه كما تقدم بيان ذلك في قصة إبراهيم ولا ما بعده لأن محمدا ﷺ أفضل منهما كما ظهر شرفه ليلة الاسراء على جميع المرسلين والأنبياء وكما ثبت أنه قال سأقوم مقاما يرغب الى الخلق حتى إبراهيم وقوله تعالى ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ أي فخذ ما أعطيتك من الرسالة والكلام ولا تسأل زيادة عليه وكن من الشاكرين على ذلك. قال الله تعالى ﴿وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وكانت الألواح من جوهر نفيس ففي الصحيح أن الله كتب له التوراة بيده وفيها مواعظ عن الآثام وتفصيل لكل ما يحتاجون إليه من الحلال والحرام ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾ أي بعزم ونية صادقة قوية ﴿وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها﴾ أي يضعوهما على أحسن وجوهها وأجمل محاملها ﴿سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ﴾ أي ستروا عاقبة الخارجين عن طاعتي المخالفين لأمري المكذبين لرسلي. ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آياتِيَ﴾ عن فهمها وتدبرها وتعقل معناها الّذي أريد منها ودل عليه مقتضاها ﴿الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ أي ولو شاهدوا مهما شاهدوا من الخوارق والمعجزات لا ينقادوا لاتباعها ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً﴾ أي لا يسلكوه ولا يتبعوه ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا﴾ أي صرفناهم

стр. 286

عن ذلك لتكذيبهم بآياتنا وتغافلهم عنها وإعراضهم عن التصديق بها والتفكر في معناها وترك العمل بمقتضاها ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاّ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾. قصة عبادتهم العجل في غيبة كليم الله عنهم قال الله تعالى ﴿وَاِتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ * وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ * وَلَمّا رَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْواحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قالَ اِبْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اِسْتَضْعَفُونِي وَكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْداءَ وَلا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظّالِمِينَ * قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ * إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ * وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ وقال تعالى ﴿وَما أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يا مُوسى * قالَ هُمْ أُولاءِ عَلى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى * قالَ فَإِنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ * فَرَجَعَ مُوسى إِلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أَسِفاً قالَ يا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً أَفَطالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي * قالُوا ما أَخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا وَلكِنّا حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ * فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ * أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً * وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾. ﴿* قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى * قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قالَ يَا بْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي * قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ * قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً * إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ يذكر تعالى ما كان من أمر بنى إسرائيل حين ذهب موسى ﵇ الى ميقات ربه فمكث على الطور يناجيه ربه ويسأله موسى ﵇ عن أشياء كثيرة وهو تعالى يجيبه عنها فعمد رجل منهم يقال له هارون السامري فاخذ ما كان استعاره من الحلي فصاغ منه عجلا وألقى فيه قبضة من التراب كان أخذها من أثر فرس جبريل حين رآه يوم أغرق الله فرعون على يديه فلما ألقاها فيه خاركما

стр. 287

يخور العجل الحقيقي. ويقال إنه استحال عجلا جسدا أي لحما ودما حيا يخور. قاله قتادة وغيره وقيل بل كانت الريح إذا دخلت من دبره خرجت من فمه فيخور كما تخور البقرة فيرقصون حوله ويفرحون ﴿فَقالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ أي فنسي موسى ربه عندنا وذهب يتطلبه وهو هاهنا تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا وتقدست أسماؤه وصفاته وتضاعفت آلاؤه وعداته. قال الله تعالى مبينا بطلان ما ذهبوا اليه وما عولوا عليه من إلهية هذا الّذي قصاراه أن يكون حيوانا بهيما وشيطانا رجيما ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلاّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً﴾ وقال ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اِتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ﴾ فذكر أن هذا الحيوان لا يتكلم ولا يرد جوابا ولا يملك ضرا ولا نفعا ولا يهدى الى رشد اتخذوه وهم ظالمون لأنفسهم عالمون في أنفسهم بطلان ما هم عليه من الجهل والضلال ﴿وَلَمّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ﴾ أي ندموا على ما صنعوا ﴿وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾. ولما رجع موسى ﵇ اليهم ورأى ما هم عليه من عبادة العجل ومعه الألواح المتضمنة التوراة ألقاها فيقال إنه كسرها. وهكذا هو عند أهل الكتاب وإن الله أبدله غيرها وليس في اللفظ القرآني ما يدل على ذلك إلا أنه ألقاها حين عاين ما عاين. وعند أهل الكتاب أنهما كانا لوحين وظاهر القرآن أنها ألواح متعددة ولم يتأثر بمجرد الخبر من الله تعالى عن عبادة العجل فأمره بمعاينة ذلك. ولهذا جاء في الحديث الّذي رواه الامام أحمد وابن حبان عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ (ليس الخبر كالمعاينة) ثم أقبل عليهم فعنفهم ووبخهم وهجنهم في صنيعهم هذا القبيح فاعتذروا اليه بما ليس بصحيح قالوا إنا ﴿حُمِّلْنا أَوْزاراً مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْناها فَكَذلِكَ أَلْقَى السّامِرِيُّ﴾ تحرجوا من تملك حلى آل فرعون وهم أهل حرب وقد أمرهم الله بأخذه وأباحه لهم ولم يتحرجوا بجهلهم وقلة علمهم وعقلهم من عبادة العجل الجسد الّذي له خوار مع الواحد الأحد الفرد الصمد القهار. ثم أقبل على أخيه هارون ﵉ قائلا له ﴿يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلاّ تَتَّبِعَنِ﴾ أي هلا لما رأيت ما صنعوا اتبعتنى فاعلمتنى بما فعلوا فقال ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾ أي تركتهم وجئتني وأنت قد استخلفتني فيهم ﴿قالَ رَبِّ اِغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ وقد كان هارون ﵇ نهاهم عن هذا الصنيع الفظيع أشد النهى وزجرهم عنه أتم الزجر قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي إنما قدر الله أمر هذا العجل وجعله يخور فتنة واختبارا لكم ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمنُ﴾ أي لا هذا ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ أي فيما أقول لكم ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي * قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إِلَيْنا مُوسى﴾ يشهد الله لهارون ﵇ ﴿وَكَفى بِاللهِ شَهِيداً﴾ أنه نهاهم وزجرهم عن ذلك فلم يطيعوه ولم يتبعوه ثم أقبل موسى على السامري ﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ﴾ أي ما حملك على ما صنعت ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي رأيت جبرائيل وهو راكب

стр. 288

فرسا ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي من أثر فرس جبريل. وقد ذكر بعضهم أنه رآه وكلما وطئت بحوافرها على موضع أخضر وأعشب فأخذ من أثر حافرها فلما ألقاه في هذا العجل المصنوع من الذهب كان من أمره ما كان ولهذا قال ﴿فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ وهذا دعاء عليه بأن لا يمس أحدا معاقبة له على مسه ما لم يكن له مسه. هذا معاقبة له في الدنيا ثم توعده في الأخرى فقال ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ وقرئ لن نخلفه ﴿وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ قال فعمد موسى ﵇ الى هذا العجل فحرقه بالنار كما قاله قتادة وغيره. وقيل بالبارد كما قاله على وابن عباس وغيرهما وهو نص أهل الكتاب ثم ذراه في البحر وأمر بنى إسرائيل فشربوا فمن كان من عابديه علق على شفاههم من ذلك الرماد منه ما يدل عليه وقيل بل اصفرت ألوانهم ثم قال تعالى اخبارا عن موسى أنه قال لهم ﴿إِنَّما إِلهُكُمُ اللهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً﴾ وقال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ وهكذا وقع وقد قال بعض السلف ﴿وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ مسجلة لكل صاحب بدعة الى يوم القيمة. ثم أخبر تعالى عن حلمه ورحمته بخلقه وإحسانه على عبيده في قبوله توبة من تاب اليه بتوبته عليه فقال ﴿وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِنْ بَعْدِها وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ لكن لم يقبل الله توبة عابدى العجل إلا بالقتل كما قال تعالى ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ فيقال إنهم أصبحوا يوما وقد أخذ من لم يعبد العجل في أيديهم السيوف والقى الله عليهم ضبابا حتى لا يعرف القريب قريبه ولا النسيب نسيبه. ثم مالوا على عابديه فقتلوهم وحصدوهم فيقال إنهم قتلوا في صبيحة واحدة سبعين ألفا. ثم قال تعالى ﴿وَلَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْواحَ وَفِي نُسْخَتِها هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ استدل بعضهم بقوله وفي نسختها على انها تكسرت وفي هذا الاستدلال نظر وليس في اللفظ ما يدل على أنها تكسرت والله أعلم. وقد ذكر ابن عباس في حديث الفتون كما سيأتي أن عبادتهم العجل كانت على أثر خروجهم من البحر وما هو ببعيد لأنهم حين خرجوا ﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ﴾. وهكذا عند أهل الكتاب فان عبادتهم العجل كانت قبل مجيئهم بلاد بيت المقدس وذلك أنهم لما أمروا بقتل من عبد العجل قتلوا في أول يوم ثلاثة آلاف. ثم ذهب موسى يستغفر لهم فغفر لهم بشرط أن يدخلوا الأرض المقدسة. ﴿وَاِخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلاً لِمِيقاتِنا فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ * وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾

стр. 289

إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاِتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ذكر السدي وابن عباس وغيرهما أن هؤلاء السبعين كانوا علماء بنى إسرائيل ومعهم موسى وهارون ويوشع وناداب وابيهو ذهبوا مع موسى ﵇ ليعتذروا عن بنى إسرائيل في عبادة من عبد منهم العجل وكانوا قد أمروا أن يتطيبوا ويتطهروا ويغتسلوا فلما ذهبوا معه واقتربوا من الجبل وعليه الغمام وعمود النور ساطع وصعد موسى الجبل فذكر بنو إسرائيل أنهم سمعوا كلام الله وهذا قد وافقهم عليه طائفة من المفسرين وحملوا عليه قوله تعالى ﴿وَقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ وليس هذا بلازم لقوله تعالى ﴿فَأَجِرْهُ حَتّى يَسْمَعَ كَلامَ اللهِ﴾ أي مبلغا وهكذا هؤلاء سمعوه مبلغا من موسى ﵇ وزعموا أيضا أن السبعين رأوا الله وهذا غلط منهم لأنهم لما سألوا الرؤية أخذتهم الرجفة كما قال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقال هاهنا ﴿فَلَمّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ﴾ الآية قال محمد بن إسحاق اختار موسى من بنى إسرائيل سبعين رجلا الخير فالخير. وقال انطلقوا الى الله فتوبوا اليه مما صنعتم وسلوه التوبة على من تركتم وراءكم من قومكم صوموا وتطهروا وطهروا ثيابكم فخرج بهم الى طور سيناء لميقات وقته له ربه وكان لا يأتيه إلا بأذن منه وعلم فطلب منه السبعون أن يسمعوا كلام الله فقال أفعل فلما دنا موسى من الجبل وقع عليه عمود الغمام حتى تغشى الجبل كله ودنا موسى فدخل في الغمام وقال للقوم أدنوا وكان موسى إذا كلمه الله وقع على جبهته نور ساطع لا يستطيع أحد من بنى آدم أن ينظر اليه فضرب دونه بالحجاب ودنا القوم حتى إذا دخلوا في الغمام وقعوا سجودا فسمعوه وهو يكلم موسى يأمره وينهاه افعل ولا تفعل * فلما فرغ الله من أمره وانكشف عن موسى الغمام أقبل اليهم قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتهم الرجفة وهي الصاعقة فالتقت أرواحهم فماتوا جميعا فقام موسى يناشد ربه ويدعوه ويرغب اليه ويقول ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيّايَ أَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ أي لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء الذين عبدوا العجل منا فانا براء مما عملوا. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج إنما أخذتهم الرجفة لأنهم لم ينهوا قومهم عن عبادة العجل وقوله ﴿إِنْ هِيَ إِلاّ فِتْنَتُكَ﴾ أي اختبارك وابتلاؤك وامتحانك قاله ابن عباس وسعيد بن جبير وأبو العالية والربيع بن أنس وغير واحد من علماء السلف والخلف. يعنى أنت الّذي قدرت هذا وخلقت ما كان من أمر العجل اختبارا تختبرهم

стр. 290

به كما ﴿قالَ لَهُمْ هارُونُ مِنْ قَبْلُ يا قَوْمِ إِنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ أي أختبرتم ولهذا قال ﴿تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ﴾ أي من شئت أضللته باختبارك إياه ومن شئت هديته * لك الحكم والمشيئة ولا مانع ولا راد لما حكمت وقضيت ﴿أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَاِرْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ * وَاُكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنّا هُدْنا إِلَيْكَ﴾ أي تبنا إليك ورجعنا وأنبنا قاله ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وأبو العالية وإبراهيم التيمي والضحاك والسدي وقتادة وغير واحد وهو كذلك في اللغة. ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ أي أنا أعذب من شئت بما أشاء من الأمور التي أخلقها وأقدرها ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ كما ثبت في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال (ان الله لما فرغ من خلق السموات والأرض كتب كتابا فهو موضوع عنده فوق العرش ان رحمتي تغلب غضبى ﴿فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ أي فسأوحيها حتما لمن يتصف بهذه الصفات ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ الآية وهذا فيه تنويه بذكر محمد ﷺ وأمته من الله لموسى ﵇ في جملة ما ناجاه به وأعلمه وأطلعه عليه * وقد تكلمنا على هذه الآية وما بعدها في التفسير بما فيه كفاية ومقنع ولله الحمد والمنة. وقال قتادة قال موسى يا رب أجد في الألواح أمة خير أمة أخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر رب اجعلهم أمتى قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون في الخلق السابقون في دخول الجنة رب اجعلهم أمتى. قال تلك أمة أحمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرءونها وكان من قبلهم يقرءون كتابهم نظرا حتى إذا رفعوها لم يحفظوا شيئا ولم يعرفوه وان الله أعطاكم أيتها الأمة من الحفظ شيئا لم يعطه أحدا عن الأمم قال رب اجعلهم أمتي قال تلك امة احمد قال رب إني أجد في الألواح امة يؤمنون بالكتاب الأول وبالكتاب الآخر ويقاتلون فصول الضلالة حتى يقاتلوا الأعور الكذاب فاجعلهم أمتي. قال تلك امة احمد. قال رب إني أجد في الألواح أمة صدقاتهم يأكلونها في بطونهم ويؤجرون عليها وكان من قبلهم إذا تصدق بصدقة فقبلت منه بعث الله عليها نارا فأكلتها وان ردت عليه تركت فتأكلها السباع والطير وان الله أخذ صدقاتكم من غنيكم لفقيركم قال رب فاجعلهم أمتى. قال تلك أمة أحمد. قال رب فانى أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة ثم لم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر أمثالها الى سبعمائة ضعف قال رب اجعلهم أمتى قال تلك أمة احمد قال رب إني أجد في الألواح أمة هم المشفعون المشفوع لهم فاجعلهم أمتى قال تلك أمة أحمد * قال قتادة فذكر لنا أن موسى ﵇ نبذ الألواح وقال اللهمّ اجعلني من أمة أحمد. وقد ذكر كثير من الناس ما كان من مناجاة موسى ﵇ وأوردوا أشياء كثيرة لا أصل لها ونحن نذكر ما تيسر ذكره من الأحاديث والآثار بعون الله وتوفيقه وحسن هدايته ومعونته وتأييده.

стр. 291

قال الحافظ أبو حاتم محمد بن حاتم بن حبان في صحيحه ذكر سؤال كليم الله ربه عن ادنى أهل الجنة وأرفعهم منزلة أخبرنا عمر بن سعيد الطائي بمنبج حدثنا حامد بن يحيى البلخي حدثنا سفيان حدثنا مطرف بن طريف وعبد الملك بن ابجر شيخان صالحان سمعنا الشعبي يقول سمعت المغيرة بن شعبة يقول على المنبر عن النبي ﷺ إن موسى ﵇ سأل ربه أي أهل الجنة أدنى منزلة فقال رجل يحيى بعد ما يدخل أهل الجنة فيقال أدخل الجنة فيقول كيف أدخل الجنة وقد نزل الناس منازلهم وأخذوا إخاذاتهم فيقال له ترضى أن يكون لك من الجنة مثل ما كان لملك من ملوك الدنيا. فيقول نعم أي رب فيقال لك هذا ومثله ومثله فيقول أي رب رضيت فيقال له لك مع هذا ما اشتهت نفسك ولذت عينك وسأل ربه أي أهل الجنة ارفع منزلة قال سأحدثك عنهم غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر * ومصداق ذلك في كتاب الله ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية وهكذا رواه مسلم والترمذي كلاهما عن ابن أبى عمر عن سفيان وهو ابن عيينة به ولفظ مسلم (فيقال له أترضى أن يكون لك مثل ملك ملك من ملوك الدنيا فيقول رضيت رب فيقول لك ذلك ومثله ومثله ومثله ومثله فيقول في الخامسة رضيت رب فيقال هذا لك وعشرة أمثاله ولك ما اشتهت نفسك ولذت عينك فيقول رضيت رب قال رب فاعلاهم منزلة قال أولئك الذين أردت غرس كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر قال ومصداقه من كتاب الله ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقال الترمذي حسن صحيح. قال ورواه بعضهم عن الشعبي عن المغيرة فلم يرفعه والمرفوع أصح. وقال ابن حبان (ذكر سؤال الكليم ربه عن خصال سبع) حدثنا عبد الله بن محمد بن مسلم ببيت المقدس حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث أن أبا السمح حدثه عن ابن حجيرة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ أنه قال (سأل موسى ربه عن ست خصال كان يظن أنها له خالصة والسابعة لم يكن موسى يحبها. قال يا رب أي عبادك اتقى. قال الّذي يذكر ولا ينسى قال فأى عبادك أهدى قال الّذي يتبع الهدى قال فأى عبادك احكم قال الّذي يحكم للناس كما يحكم لنفسه. قال فأى عبادك أعلم قال عالم لا يشبع من العلم يجمع علم الناس الى علمه. قال فأى عبادك أعز. قال الّذي إذا قدر غفر قال فأى عبادك أغنى قال الّذي يرضى بما يؤتى قال فأى عبادك أفقر قال صاحب منقوص. قال رسول الله ﷺ (ليس الغنى عن ظهر إنما الغنى غنى النفس) وإذا أراد الله بعبد خيرا جعل غناه في نفسه وتقاه في قلبه. وإذا أراد بعبد شرا جعل فقره بين عينيه. قال ابن حبان قوله صاحب منقوص يريد به منقوص حالته يستقل ما أوتى ويطلب الفضل. وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن ابن حميد عن يعقوب التميمي عن هارون بن عبيرة عن أبيه عن ابن عباس قال سأل موسى ربه فذكر نحوه وفيه قال (أي رب فأى عبادك أعلم قال الّذي يبتغى علم الناس

стр. 292

الى علمه عسى أن يجد كلمة تهديه الى هدى أو ترده عن ردى. قال أي رب فهل في الأرض أحد أعلم منى قال نعم الخضر فسأل السبيل الى لقيه فكان ما سنذكره بعد إن شاء الله وبه الثقة ذكر حديث آخر بمعنى ما ذكره ابن حبان قال الامام أحمد حدثنا يحيى بن إسحاق حدثنا ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد الخدريّ عن النبي ﷺ أنه قال إن موسى قال أي رب عبدك المؤمن مقتر عليه في الدنيا. قال ففتح له باب من الجنة فنظر اليها قال يا موسى هذا ما أعددت له. فقال موسى يا رب وعزتك وجلالك لو كان مقطع اليدين والرجلين يسحب على وجهه منذ يوم خلقته الى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير بؤسا قط قال ثم قال أي رب عبدك الكافر موسع عليه في الدنيا. قال ففتح له باب الى النار فيقول يا موسى هذا ما أعددت له فقال أي رب وعزتك وجلالك لو كانت له الدنيا منذ يوم خلقته الى يوم القيامة وكان هذا مصيره لم ير خيرا قط. تفرد به احمد من هذا الوجه. وفي صحته نظر والله أعلم. وقال ابن حبان (ذكر سؤال كليم الله ربه جل وعلا أن يعلمه شيئا يذكره به) حدثنا ابن سلمة حدثنا حرملة بن يحيى حدثنا ابن وهب أخبرنى عمرو بن الحارث إن دراجا حدثه عن أبى الهيثم عن أبى سعيد عن النبي ﷺ أنه قال قال موسى يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به) قال قل يا موسى لا إله إلا الله قال يا رب كل عبادك يقول هذا. قال قل لا إله إلا الله. قال إنما أريد شيئا تخصني به. قال يا موسى لو أن أهل السموات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهم لا إله إلا الله. ويشهد لهذا الحديث حديث البطاقة. وأقرب شيء الى معناه الحديث المروي في السنن عن النبي ﷺ أنه قال أفضل الدعاء دعاء عرفة وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير وقال ابن أبى حاتم عند تفسير آية الكرسي حدثنا احمد بن القاسم بن عطية. حدثنا احمد بن عبد الرحمن الدسكى حدثني أبى عن أبيه حدثنا أشعث بن إسحاق عن جعفر بن أبى المغيرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن بنى إسرائيل قالوا لموسى هل ينام ربك قال اتقوا الله فناداه ربه يا موسى سألوك هل ينام ربك فخذ زجاجتين في يديك فقم الليل ففعل موسى فلما ذهب من الليل ثلث نعس فوقع لركبتيه ثم انتعش فضبطهما حتى إذا كان آخر الليل نعس فسقطت الزجاجتان فانكسرتا. فقال يا موسى لو كنت أنام لسقطت السموات والأرض فهلكن كما هلكت الزجاجتان في يديك. قال وأنزل الله على رسوله آية الكرسي. وقال ابن جرير حدثنا إسحاق بن أبى إسرائيل حدثنا هشام بن يوسف عن أمية بن شبل عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن أبى هريرة قال سمعت رسول الله ﷺ يحكى عن موسى ﵇ على المنبر قال وقع في نفس موسى ﵇ هل ينام الله فأرسل

стр. 293

الله اليه ملكا فارقه ثلاثا ثم أعطاه قارورتين في كل يد قارورة وأمره أن يحتفظ بهما قال فجعل ينام وكادت يداه تلتقيان فيستيقظ فيحبس إحداهما على الأخرى حتى نام نومة فاصطفقت يداه فانكسرت القارورتان قال ضرب الله له مثلا أن لو كان ينام لم يستمسك السماء والأرض. وهذا حديث غريب رفعه. والأشبه أن يكون موقوفا. وأن يكون أصله إسرائيليا. وقال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ وقال تعالى ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاُذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قال ابن عباس وغير واحد من السلف لما جاءهم موسى بالالواح فيها التوراة أمرهم بقبولها والأخذ بها بقوة وعزم فقالوا انشرها علينا فان كانت أوامرها ونواهيها سهلة قبلناها فقال بل اقبلوها بما فيها فراجعوه مرارا فامر الله الملائكة فرفعوا الجبل على رءوسهم حتى صار كأنه ظلة أي غمامة على رءوسهم وقيل لهم إن لم تقبلوها بما فيها وإلا سقط هذا الجبل عليكم فقبلوا ذلك وأمروا بالسجود فسجدوا فجعلوا ينظرون الى الجبل بشق وجوههم فصارت سنة لليهود الى اليوم يقولون لا سجدة أعظم من سجدة رفعت عنا العذاب. وقال سنيد بن داود عن حجاج بن محمد عن أبى بكر بن عبد الله قال فلما نشرها لم يبق على وجه الأرض جبل ولا شجر ولا حجر إلا اهتز فليس على وجه الأرض يهودي صغير ولا كبير تقرأ عليه التوراة إلا اهتز ونفض لها رأسه. قال الله تعالى ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ﴾ أي ثم بعد مشاهدة هذا الميثاق العظيم والأمر الجسيم نكثتم عهودكم ومواثيقكم ﴿فَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ بان تدارككم بالإرسال إليكم وإنزال الكتب عليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ قصة بقرة بنى إسرائيل قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً. قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ * قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ * قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ * قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ * قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها. قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ * وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادّارَأْتُمْ فِيها وَاللهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ * فَقُلْنا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس وعبيدة السلماني وأبو العالية ومجاهد والسدي وغير واحد من السلف كان رجل في بنى إسرائيل كثير المال وكان شيخا كبيرا وله

стр. 294

بنو أخ وكانوا يتمنون موته ليرثوه فعمد أحدهم فقتله في الليل وطرحه في مجمع الطرق ويقال على باب رجل منهم فلما أصبح الناس اختصموا فيه وجاء ابن أخيه فجعل يصرخ ويتظلم فقالوا ما لكم تختصمون ولا تأتون نبي الله فجاء ابن أخيه فشكى أمر عمه الى رسول الله موسى ﷺ فقال موسى ﵇ أنشد الله رجلا عنده علم من أمر هذا القتيل إلا أعلمنا به فلم يكن عند أحد منهم علم منه وسألوه أن يسأل في هذه القضية ربه فسأل ربه في ذلك فأمره الله أن يأمرهم بذبح بقرة فقال ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَتَتَّخِذُنا هُزُواً﴾ يعنون نحن نسألك عن أمر هذا القتيل وأنت تقول هذا ﴿قالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ﴾ أي أعوذ بالله أن أقول عنه غير ما أوحى الى. وهذا هو الّذي أجابني حين سألته عما سألتموني عنه أن أسأله فيه. قال ابن عباس وعبيدة ومجاهد وعكرمة والسدي وأبو العالية وغير واحد فلو أنهم عمدوا الى أي بقرة فذبحوها لحصل المقصود منها ولكنهم شددوا فشدد عليهم وقد ورد فيه حديث مرفوع. وفي إسناده ضعف فسألوا عن صفتها ثم عن لونها ثم عن سنها فأجيبوا بما عز وجوده عليهم وقد ذكرنا في تفسير ذلك كله في التفسير. والمقصود أنهم أمروا بذبح بقرة عوان وهي الوسط بين النصف الفارض وهي الكبيرة والبكر وهي الصغيرة قاله ابن عباس ومجاهد وأبو العالية وعكرمة والحسن وقتادة وجماعة. ثم شددوا وضيقوا على أنفسهم فسألوا عن لونها فأمروا بصفراء فاقع لونها اى مشرب بحمرة تسر الناظرين * وهذا اللون عزيز. ثم شددوا أيضا ف ﴿قالُوا اُدْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَإِنّا إِنْ شاءَ اللهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ففي الحديث المرفوع الّذي رواه ابن أبى حاتم وابن مردويه لولا أن بنى إسرائيل استثنوا لما أعطوا وفي صحته نظر والله أعلم ﴿قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها. قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ وهذه الصفات أضيق مما تقدم حيث أمروا بذبح بقرة ليست بالذلول وهي المذللة بالحراثة وسقى الأرض بالسانية مسلمة وهي الصحيحة التي لا عيب فيها قاله أبو العالية وقتادة. وقوله ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ أي ليس فيها لون يخالف لونها بل هي مسلمة من العيوب ومن مخالطة سائر الألوان غير لونها فلما حددها بهذه الصفات وحصرها بهذه النعوت والأوصاف ﴿قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ ويقال إنهم لم يجدوا هذه البقرة بهذه الصفة إلا عند رجل منهم كان بارا بابيه فطلبوها منه فأبى عليهم فارغبوه في ثمنها حتى أعطوه فيما ذكره السدي بوزنها ذهبا فأبى عليهم حتى أعطوه بوزنها عشر مرات فباعها منهم فأمرهم نبي الله موسى بذبحها ﴿فَذَبَحُوها وَما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ أي وهم يترددون في أمرها. ثم أمرهم عن الله أن يضربوا ذلك القتيل ببعضها. قيل بلحم فخذها. وقيل بالعظم الّذي يلي الغضروف. وقيل بالبضعة التي بين الكتفين فلما ضربوه ببعضها أحياه الله تعالى فقام وهو يشخب أوداجه فسأله نبي الله من قتلك قال قتلني ابن أخى. ثم عاد ميتا كما كان قال الله تعالى

стр. 295

﴿كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ أي كما شاهدتم إحياء هذا القتيل عن أمر الله له كذلك أمره في سائر الموتى إذا شاء إحياءهم أحياهم في ساعة واحدة كما قال ﴿ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلاّ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ الآية قصة موسى والخضر ﵉ قال الله تعالى ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ لا أَبْرَحُ حَتّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً * فَلَمّا بَلَغا مَجْمَعَ بَيْنِهِما نَسِيا حُوتَهُما فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَباً * فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً * قالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً * قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً * فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً * قالَ لَهُ مُوسى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَها. قالَ أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً * أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَها وَكانَ وَراءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً * وَأَمَّا الْغُلامُ فَكانَ أَبَواهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينا أَنْ يُرْهِقَهُما طُغْياناً وَكُفْراً * فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً * وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما وَيَسْتَخْرِجا كَنزَهُما رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ قال بعض أهل الكتاب إن موسى هذا الّذي رحل الى الخضر هو موسى بن ميشا بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل وتابعهم على ذلك بعض من يأخذ من صحفهم وينقل عن كتبهم منهم نوف بن فضالة الحميري الشامي البكالي. ويقال إنه دمشقي وكانت أمه زوجة كعب الأحبار * والصحيح الّذي دل عليه ظاهر سياق القرآن ونص الحديث الصحيح الصريح المتفق عليه أنه موسى بن عمران صاحب بنى إسرائيل. قال البخاري حدثنا الحميدي حدثنا سفيان حدثنا عمر بن دينار أخبرنى سعيد بن

стр. 296

جبير قال قلت لابن عباس إن نوفا البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى صاحب بنى إسرائيل. قال ابن عباس كذب عدو الله. حدثنا أبى بن كعب أنه سمع رسول الله ﷺ يقول إن موسى قام خطيبا في بنى إسرائيل فسئل اى الناس أعلم فقال أنا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم اليه فأوحى الله اليه إن لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك. قال موسى يا رب وكيف لي به. قال تأخذ معك حوتا فتجعله بمكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثم. فأخذ حوتا فجعله بمكتل ثم انطلق وانطلق معه فتاه يوشع بن نون حتى إذا أتيا الصخرة وضعا رءوسهما فناما واضطرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر واتخذ سبيله في البحر سربا. وأمسك الله عن الحوت جرية الماء فصار عليه مثل الطاق فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت فانطلقا بقية يومهما وليلتهما حتى إذا كان من الغد ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الّذي أمره الله به قال له فتاه ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَما أَنْسانِيهُ إِلاَّ الشَّيْطانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاِتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَباً﴾ قال فكان للحوت سربا ولموسى ولفتاه عجبا ﴿قالَ ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ فَارْتَدّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً﴾ قال فرجعا يقصان أثرهما حتى انتهيا الى الصخرة فإذا رجل مسجى بثوب فسلم عليه موسى فقال الخضر وانى بأرضك السلام قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا ﴿قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ يا موسى إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه أنت وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه فقال ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ قال له الخضر ﴿فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ فانطلقا يمشيان على ساحل البحر فمرت سفينة فكلمهم ان يحملوهم فعرفوا الخضر فحملوهم بغير نول. فلما ركبا في السفينة لم يفجأ الا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم فقال له موسى قوم حملونا بغير نول عمدت الى سفينتهم فخرقتها ﴿لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾ قال وقال رسول الله ﷺ وكانت الاولى من موسى نسيانا قال وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة فنقر في البحر نقرة فقال له الخضر ما علمي وعلمك في علم الله الا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر. ثم خرجا من السفينة فبينما هما يمشيان على الساحل إذ بصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان فأخذ الخضر رأسه بيده فاقتلعه بيده فقتله فقال له موسى ﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً * قالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ قال وهذه أشد من الأولى ﴿قالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَها فَلا تُصاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا أَتَيا أَهْلَ قَرْيَةٍ اِسْتَطْعَما أَهْلَها فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُما فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ قال مائل فقال الخضر بيده ﴿فَأَقامَهُ﴾ فقال موسى قوم أتيناهم فلم يطمعونا ولم يضيفونا ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً * قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ﴾

стр. 297

ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً قال رسول الله ﷺ وددنا أن موسى كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما قال سعيد بن جبير فكان ابن عباس يقرأ وكان أمامهم ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ﴾ صالحة ﴿غَصْباً﴾ وكان يقرأ «وأما الغلام فكان كافرا وكان أبواه مؤمنين.» ثم رواه البخاري أيضا عن قتيبة عن سفيان بن عيينة باسناده نحوه. وفيه فخرج موسى ومعه فتاه يوشع بن نون ومعهما الحوت حتى انتهيا الى الصخرة فنزلا عندها قال فوضع موسى رأسه فنام قال سفيان وفي حديث غير عمرو قال وفي أصل الصخرة عين يقال لها الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي فأصاب الحوت من ماء تلك العين قال فتحرك وانسل من المكتل ودخل البحر فلما استيقظ ﴿قالَ لِفَتاهُ آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا﴾ وساق الحديث وقال ووقع عصفور على حرف السفينة فغمس منقاره في البحر فقال الخضر لموسى ما علمي وعلمك وعلم الخلائق في علم الله إلا مقدار ما غمس هذا العصفور منقاره وذكر تمام الحديث. وقال البخاري حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال أخبرنى يعلى بن مسلم وعمرو بن دينار عن سعيد بن جبير يزيد أحدهما على صاحبه. وغيرهما قد سمعته يحدثه عن سعيد بن جبير قال إنا لعند ابن عباس في بيته إذ قال سلوني فقلت أي أبا عباس جعلني الله فداك بالكوفة رجل قاصّ يقال له نوف يزعم أنه ليس بموسى بنى إسرائيل أما عمرو فقال لي قال قد كذب عدو الله وأما يعلى فقال لي قال ابن عباس حدثني أبى بن كعب قال قال رسول الله ﷺ موسى رسول الله قال ذكر الناس يوما حتى إذا فاضت العيون ورقت القلوب ولى فأدركه رجل فقال أي رسول الله هل في الأرض أحد أعلم منك قال لا فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إلى الله * قيل بلى قال أي رب فأين قال بمجمع البحرين قال أي رب اجعل لي علما أعلم ذلك به قال لي عمرو قال حيث يفارقك الحوت وقال لي يعلى قال خذ حوتا ميتا حيث ينفخ فيه الروح فاخذ حوتا فجعله في مكتل فقال لفتاه لا أكلفك إلا أن تخبرني بحيث يفارقك الحوت قال ما كلفت كبيرا فذلك قوله ﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ يوشع بين نون. ليست عن سعيد ابن جبير قال فبينما هو في ظل صخرة في مكان ثريان إذ تضرّب الحوت وموسى نائم فقال فتاه لا أوقظه حتى إذا استيقظ نسي أن يخبره وتضرّب الحوت حتى دخل البحر فامسك الله عنه جرية البحر حتى كأن أثره في حجر قال لي عمرو هكذا كان أثره في حجر وحلق بين إبهاميه واللتين تليان ﴿لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً﴾ قال وقد قطع الله عنك النصب ليست هذه عن سعيد أخبره فرجعا فوجدا خضرا قال لي عثمان بن أبى سليمان على طنفسة خضراء على كبد البحر قال سعيد مسجى بثوبه قد جعل طرفه تحت رجليه وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى فكشف عن وجهه وقال هل بأرض من سلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم قال فما شأنك قال جئتك ﴿أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾ قال أما يكفيك أن التوراة بيديك وأن الوحي يأتيك يا موسى إن لي علما لا ينبغي لك أن تعلمه وإن لك علما لا ينبغي لي أن أعلمه فاخذ طائر بمنقاره من البحر فقال والله ما علمي وعلمك

стр. 298

في جنب علم الله إلا كما أخذ هذا الطائر بمنقاره من البحر ﴿حَتّى إِذا رَكِبا فِي السَّفِينَةِ﴾ وجدا معابر صغارا تحمل أهل هذا الساحل إلى أهل هذا الساحل الآخر عرفوه فقالوا عبد الله الصالح. قال فقلنا لسعيد (خضر) قال نعم. لا نحمله بأجر ﴿خَرَقَها﴾ ووتد فيها وتدا قال موسى ﴿أَخَرَقْتَها لِتُغْرِقَ أَهْلَها لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ قال مجاهد منكرا ﴿قالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ كانت الأولى نسيانا والوسطى شرطا والثالثة عمدا ﴿قالَ لا تُؤاخِذْنِي بِما نَسِيتُ وَلا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً * فَانْطَلَقا حَتّى إِذا لَقِيا غُلاماً فَقَتَلَهُ﴾ قال يعلى قال سعيد وجد غلمانا يلعبون فأخذ غلاما كافرا ظريفا فأضجعه ثم ذبحه بالسكين ﴿قالَ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً﴾ لم تعمل بالخبث * ابن عباس قرأها زكية زاكية مسلمة كقولك غلاما زكيا فانطلقا ﴿فَوَجَدا فِيها جِداراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقامَهُ﴾ قال بيده هكذا ورفع يده فاستقام قال يعلى حسبت أن سعيدا قال فمسحه بيده فاستقام ﴿قالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ قال سعيد أجرا نأكله ﴿وَكانَ وَراءَهُمْ﴾ وكان امامهم قرأها ابن عباس أمامهم. ملك يزعمون عن غير سعيد أنه هدد بن بدد والغلام المقتول يزعمون جيسور ﴿مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً﴾ فإذا هي مرت به يدعها بعيبها فإذا جاوزوا أصلحوها فانتفعوا بها. منهم من يقول سدوها بقارورة ومنهم من يقول بالقار «كان أبواه مؤمنين وكان كافرا فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا» أي يحملهما حبه على أن يتابعاه على دينه ﴿فَأَرَدْنا أَنْ يُبْدِلَهُما رَبُّهُما خَيْراً مِنْهُ زَكاةً﴾ لقوله أقتلت نفسا زكية ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ هما به أرحم منهما بالأول الّذي قتل خضر * وزعم سعيد بن جبير أنه ابن لا جارية وأما داود بن أبى عاصم فقال عن غير واحد إنها جارية * وقد رواه عبد الرزاق عن معمر عن أبى إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خطب موسى بنى إسرائيل فقال ما أحد أعلم بالله وبأمره منى فأمر أن يلقى هذا الرجل. فذكر نحو ما تقدم وهكذا رواه محمد بن إسحاق عن الحسن بن عمارة عن الحكم بن عيينة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن رسول الله ﷺ كنحو ما تقدم أيضا ورواه العوفيّ عنه موقوفا * وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس أنه تمارى هو والحر بن قيس بن حصن الفزاري في صاحب موسى فقال ابن عباس هو خضر فمر بهما أبى بن كعب فدعاه ابن عباس فقال إني تماريت أنا وصاحبي هذا في صاحب موسى الّذي سأل السبيل إلى لقيه فهل سمعت من رسول الله فيه شيئا قال نعم وذكر الحديث وقد تقصينا طرق هذا الحديث وألفاظه في تفسير سورة الكهف ولله الحمد. وقوله ﴿وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ قال السهيليّ وهما أصرم وصريم ابنا كاشح. ﴿وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما﴾ قيل كان ذهبا قاله عكرمة وقيل علما قاله ابن عباس والأشبه أنه كان لوحا من ذهب مكتوبا فيه علم قال البزار حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا بشر ابن المنذر حدثنا الحرث بن عبد الله اليحصبى عن عياش بن عباس الغساني عن بن حجيرة عن أبى ذر رفعه قال إن الكنز الّذي ذكر الله في كتابه لوح من الذهب مصمت. عجبت لمن أيقن بالقدر كيف نصب وعجبت

стр. 299

لمن ذكر النار لم ضحك وعجبت لمن ذكر الموت كيف غفل لا إله إلا الله. وهكذا روى عن الحسن البصري وعمر مولى عفرة وجعفر الصادق نحو هذا وقوله ﴿وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً﴾ وقد قيل إنه كان الأب السابع وقيل العاشر. وعلى كل تقدير فيه دلالة على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته فالله المستعان. وقوله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ دليل على أنه كان نبيا وأنه ما فعل شيئا من تلقاء نفسه بل بأمر ربه فهو نبي وقيل رسول وقيل ولى واغرب من هذا من قال كان ملكا قلت وقد أغرب جدا من قال هو ابن فرعون وقيل إنه ابن ضحاك الّذي ملك الدنيا ألف سنة. قال ابن جرير والّذي عليه جمهور أهل الكتاب أنه كان في زمن أفريدون ويقال إنه كان على مقدمة ذي القرنين الّذي قيل إنه كان أفريدون وذو الفرس هو الّذي كان في زمن الخليل. وزعموا أنه شرب من ماء الحياة فخلد وهو باق الى الآن. وقيل إنه من ولد بعض من آمن بإبراهيم وهاجر معه من ارض بابل وقيل اسمه ملكان وقيل أرميا بن خلقيا وقيل كان نبيا في زمن سباسب بن لهراسب قال ابن جرير وقد كان بين أفريدون وبين سباسب دهور طويلة لا يجهلها أحد من أهل العلم بالأنساب قال ابن جرير والصحيح أنه كان في زمن أفريدون واستمر حيا إلى أن أدركه موسى ﵇ وكانت نبوة موسى في زمن منو شهر الّذي هو من ولد إيرج بن أفريدون أحد ملوك الفرس وكان اليه الملك بعد جده أفريدون لعهده وكان عادلا وهو أول من خندق الخنادق وأول من جعل في كل قرية دهقانا وكانت مدة ملكه قريبا من مائة وخمسين سنة ويقال انه كان من سلالة إسحاق بن إبراهيم وقد ذكر عنه من الخطب الحسان والكليم البليغ النافع الفصيح ما يبهر العقل ويحير السامع وهذا يدل على أنه من سلالة الخليل. والله أعلم. وقد قال الله تعالى ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ﴾ الآية فأخذ الله ميثاق كل نبي على أن يؤمن بمن يجيء بعده من الأنبياء وينصره فلو كان الخضر حيا في زمانه لما وسعه إلا اتباعه والاجتماع به والقيام بنصره ولكان من جملة من تحت لوائه يوم بدر كما كان تحتها جبريل وسادات من الملائكة وقصارى الخضر ﵇ أن يكون نبيا وهو الحق أو رسولا كما قيل أو ملكا فيما ذكر وأيا ما كان فجبريل رئيس الملائكة وموسى أشرف من الخضر ولو كان حيا لوجب عليه الايمان بمحمد ونصرته فكيف ان كان الخضر وليا كما يقوله طوائف كثيرون فأولى أن يدخل في عموم البعثة وأحرى ولم ينقل في حديث حسن بل ولا ضعيف يعتمد أنه جاء يوما واحدا الى رسول الله ﷺ ولا اجتمع به وما ذكر من حديث التعزية فيه وان كان الحاكم قد رواه فاسناده ضعيف والله أعلم وسنفرد لخضر ترجمة على حدة بعد هذا

стр. 300

ذكر الحديث الملقب بحديث الفتون المتضمن قصة موسى مبسوطة من أولها الى آخرها قال الامام ابو عبد الرحمن النسائي في كتاب التفسير من سننه عند قوله تعالى في سورة طه ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ (حديث الفتون) حدثنا عبد الله بن محمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا أصبغ بن زيد حدثنا القاسم بن أبى أيوب أخبرني سعيد بن جبير قال سألت عبد الله بن عباس عن قول الله تعالى ﴿وَفَتَنّاكَ فُتُوناً﴾ فسأله عن الفتون ما هو فقال استأنف النهار يا ابن جبير فان لها حديثا طويلا فلما أصبحت غدوت الى ابن عباس لأنتجز منه ما وعدني من حديث الفتون فقال تذكر فرعون وجلساؤه ما كان الله وعد إبراهيم ﵇ أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا فقال بعضهم إن بنى إسرائيل ينتظرون ذلك ما يشكون فيه وكانوا يظنون انه يوسف بن يعقوب فلما هلك قالوا ليس هكذا كان وعد إبراهيم فقال فرعون فكيف ترون فأتمروا وأجمعوا أمرهم على أن يبعث رجالا معهم الشفار يطوفون في بنى إسرائيل فلا يجدون مولودا ذكرا إلا ذبحوه ففعلوا ذلك فلما رأوا أن الكبار من بنى إسرائيل يموتون بآجالهم والصغار يذبحون قالوا توشكون أن تفنوا بنى إسرائيل فتصيروا الى أن تباشروا من الأعمال والخدمة الّذي كانوا يكفونكم فاقتلوا عاما كل مولود ذكر فتقل بناتهم ودعوا عاما فلا تقتلوا منهم أحدا فيشب الصغار مكان من يموت من الكبار فإنهم لن يكثروا بمن تستحيون منهم فتخافوا مكاثرتهم إياكم ولن تفتنوا بمن تقتلون وتحتاجون اليهم فاجمعوا أمرهم على ذلك فحملت أم موسى بهارون في العام الّذي لا تقتل فيه الغلمان فولدته علانية آمنة. فلما كان من قابل حملت بموسى ﵇ فوقع في قلبها الهم والحزن وذلك من الفتون يا ابن جبير ما دخل عليه في بطن أمه مما يراد فأوحى الله اليها أن لا تخافي ولا تحزني انا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين فأمرها إذا ولدت أن تجعله في تابوت وتلقيه في اليم فلما ولدت فعلت ذلك فلما توارى عنها ابنها أتاها الشيطان فقالت في نفسها ما فعلت بابني لو ذبح عندي فواريته وكفنته كان أحب الى من أن ألقيه الى دواب البحر وحيتانه فانتهى الماء به حتى أوفى عند فرضة تستقي منها جواري امرأة فرعون فلما رأينه أخذنه فهممن أن يفتحن التابوت فقال بعضهن ان في هذا مالا وإنا إن فتحناه لم تصدقنا امرأة الملك بما وجدنا فيه فحملته كهيئته لم يخرجن منه شيئا حتى دفعنه اليها فلما فتحته رأت فيه غلاما فالقى عليه منها محبة لم تلق منها على أحد قط وأصبح فؤاد أم موسى فارغا من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى. فلما سمع الذباحون بأمره أقبلوا بشفارهم الى امرأة فرعون ليذبحوه وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت لهم أقروه فان هذا الواحد لا يزيد في بنى إسرائيل حتى آتى فرعون

стр. 301

فاستوهبه منه فان وهبه منى كنتم قد أحسنتم وأجملتم وان أمر بذبحه لم ألمكم فأتت فرعون فقالت ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ فقال فرعون يكون لك فأما لي فلا حاجة لي فيه فقال رسول الله ﷺ (والّذي يحلف به لو أقر فرعون أن يكون قرة عين له كما أقرت امرأته لهداه الله كما هداها ولكن حرمه ذلك) فأرسلت الى من حولها الى كل امرأة لها لأن تختار ظئرا فجعل كلما أخذته امرأة منهن لترضعه لم يقبل على ثديها حتى أشفقت امرأة فرعون أن يمتنع من اللبن فيموت فأحزنها ذلك فأمرت به فاخرج الى السوق ومجمع الناس ترجو أن تجد له ضئرا يأخذه منها فلم يقبل وأصبحت أم موسى والها فقالت لأخته قصي أثره واطلبيه هل تسمعين له ذكرا أحىّ ابني أم قد أكلته الدواب ونسيت ما كان الله وعدها فيه فبصرت به أخته عن جنب وهم لا يشعرون والجنب أن يسمو بصر الإنسان الى شيء بعيد وهو الى جنبه لا يشعر به فقالت من الفرح حين أعياهم الظؤرات أنا أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون فقالوا ما يدريك ما نصحهم هل يعرفونه حتى شكوا في ذلك. وذلك من الفتون يا ابن جبير فقالت نصحهم له وشفقتهم عليه ورغبتهم في صهر الملك ورجاء منفعة الملك فأرسلوها فانطلقت الى أمها فأخبرتها الخبر فجاءت أمه فلما وضعته في حجرها نزا الى ثديها فمصه حتى امتلأ جنباه ريا وانطلق البشير الى امرأة فرعون يبشرها أن قد وجدنا لابنك ظئرا فأرسلت اليها فاتت بها وبه. فلما رأت ما يصنع بها قالت امكثي ترضعى ابني هذا فانى لم أحب شيئا حبه قط قالت أم موسى لا أستطيع أن أترك بيتي وولدى فيضيع فان طابت نفسك أن تعطينيه فأذهب به إلى بيتي فيكون معى لا آلوه خيرا فعلت فانى غير تاركة بيتي وولدى وذكرت أم موسى ما كان الله وعدها فتعاسرت على امرأة فرعون وأيقنت أن الله منجز موعودة فرجعت الى بيتها من يومها وأنبته الله نباتا حسنا وحفظ لما قد قضى فيه فلم يزل بنو إسرائيل وهم في ناحية القرية ممتنعين من السخرة والظلم ما كان فيهم فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لام موسى أرينى ابني فوعدتها يوما تريها إياه فيه وقالت امرأة فرعون لخزانها وظئورها وقهارمتها لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني اليوم بهدية وكرامة لأرى ذلك فيه وأنا باعثة أمينا يحصى كل ما يصنع كل إنسان منكم فلم تزل الهدايا والكرامة والنحل تستقبله من حين خرج من بيت أمه الى أن دخل على امرأة فرعون. فلما دخل عليها نحلته وأكرمته فرحت به ونحلت أمه بحسن أثرها عليه. ثم قالت لآتين به فرعون فلينحلنه وليكرمنه فلما دخلت به وعليه جعله في حجره فتناول موسى لحية فرعون فمدها الى الأرض فقال الغواة من أعداء الله لفرعون ألا ترى ما وعد الله إبراهيم نبيه أنه زعم أن يرثك ويعلوك ويصرعك فأرسل الى الذباحين ليذبحوه. وذلك من الفتون يا بن جبير بعد كل بلاء ابتلى به وأريد به فجاءت امرأة فرعون تسعى الى فرعون فقالت ما بدا لك في هذا الغلام الّذي وهبته لي فقال ألا ترينه يزعم أنه يصرعني ويعلوني فقالت اجعل بيني وبينك أمرا تعرف فيه الحق ائت بجمرتين ولؤلؤتين فقربهن اليه فان بطش باللؤلؤتين

стр. 302

واجتنب الجمرتين عرفت أنه يعقل وان تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين علمت أن أحدا لا يؤثر الجمرتين على اللؤلؤتين وهو يعقل فقرب اليه فتناول الجمرتين فانتزعهما منه مخافة أن يحرقا يده فقالت المرأة ألا ترى فصرفه الله عنه بعد ما كان هم به وكان الله بالغا فيه أمره. فلما بلغ أشده وكان من الرجال لم يكن أحد من آل فرعون يخلص الى أحد من بنى إسرائيل معه بظلم ولا سخرة حتى امتنعوا كل الامتناع. فبينما موسى ﵇ يمشى في ناحية المدينة إذا هو برجلين يقتتلان أحدهما فرعوني والآخر إسرائيلي فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فغضب موسى غضبا شديدا لأنه تناوله وهو يعلم منزلته من بنى إسرائيل وحفظه لهم ما لم يطلع عليه غيره فوكز موسى الفرعوني فقتله وليس يراهما أحد إلا الله والإسرائيلي فقال موسى حين قتل الرجل ﴿هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ ثم قال ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ * فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ الاخبار فأتى فرعون فقيل له إن بنى إسرائيل قتلوا رجلا من آل فرعون فخذ لنا بحقنا ولا ترخص لهم فقال ابغوني قاتله من يشهد عليه فان الملك وان كان صفوه مع قومه لا ينبغي له أن يقتل بغير بينة ولا ثبت فاطلبوا لي علم ذلك آخذ لكم بحقكم فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة إذا موسى من الغد قد رأى ذلك الإسرائيلي يقاتل رجلا من آل فرعون آخر فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني فصادف موسى قد ندم على ما كان منه وكره الّذي رأى فغضب الإسرائيلي وهو يريد أن يبطش بالفرعوني فقال للاسرائيلى لما فعل بالأمس واليوم ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فنظر الإسرائيلي الى موسى بعد ما قال له ما قال فإذا هو غضبان كغضبه بالأمس الّذي قتل فيه الفرعوني فخاف أن يكون بعد ما قال له إنك لغويّ مبين أن يكون إياه أراد ولم يكن أراده انما أراد الفرعوني فخاف الإسرائيلي * وقال موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس وانما قال له مخافة أن يكون إياه أراد موسى ليقتله فتتاركا وانطلق الفرعوني فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي من الخبر حين يقول أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالأمس فأرسل فرعون الذباحين ليقتلوا موسى فأخذ رسل فرعون الطريق الأعظم يمشون على هينتهم يطلبون موسى وهم لا يخافون ان يفوتهم فجاء رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقا حتى سبقهم الى موسى فأخبره. وذلك من الفتون يا ابن جبير فخرج موسى متوجها نحو مدين لم يلق بلاء قبل ذلك وليس له بالطريق علم إلا حسن ظنه بربه فإنه قال ﴿عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ * وَلَمّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ اِمْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ﴾ يعنى بذلك حابستين غنمهما فقال لهما ﴿ما خَطْبُكُما﴾ معتزلتين لا تسقيان مع الناس قالتا ليس لنا قوة تزاحم القوم وإنما ننتظر فضول حياضهم فسقى لهما فجعل يغرف من الدلو ماء كثيرا حتى كان أول الرعاء وانصرفتا بغنمهما الى أبيهما وانصرف موسى فاستظل بشجرة وقال ﴿رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ واستنكر أبوهما سرعة صدورهما بغنمهما حفلا بطانا فقال ان لكما اليوم لشأنا فأخبرتاه بما

стр. 303

صنع موسى فامر إحداهما أن تدعوه فاتت موسى فدعته فلما كلمه قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين ليس لفرعون ولا قومه علينا من سلطان ولسنا في مملكته ﴿قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اِسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اِسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ فاحتملته الغيرة على أن قال لها ما يدريك ما قوته وما أمانته فقالت أما قوته فما رأيت منه في الدلو حين سقى لنا لم أر رجلا قط أقوى في ذلك السقي منه. وأما الأمانة فإنه نظر الى حين أقبلت اليه وشخصت له فلما علم أنى امرأة صوب رأسه فلم يرفعه حتى بلغته رسالتك. ثم قال لي امشي خلفي وانعتى لي الطريق فلم يفعل هذا إلا وهو أمين فسرى عن أبيها وصدقها وظن به الّذي قالت فقال له هل لك ﴿أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى اِبْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ ففعل فكانت على نبي الله موسى ثمان سنين واجبة وكانت السنتان عدة منه فقضى الله عنه عدته فأتمها عشرا. قال سعيد هو ابن جبير فلقيني رجل من أهل النصرانية من علمائهم قال هل تدري أي الأجلين قضى موسى قلت لا وأنا يومئذ لا أدرى فلقيت ابن عباس فذكرت ذلك له فقال أما علمت أن ثمانية كانت على نبي الله واجبة لم يكن نبي الله لينقص منها شيئا وتعلم أن الله كان قاضيا عن موسى عدته التي وعده فإنه قضى عشر سنين فلقيت النصراني فأخبرته ذلك فقال الّذي سألته فأخبرك أعلم منك بذلك قلت أجل وأولى فلما سار موسى بأهله كان من أمر النار والعصي ويده ما قص الله عليك في القرآن فشكا الى الله تعالى ما يتخوف من آل فرعون في القتيل وعقدة لسانه فإنه كان في لسانه عقدة تمنعه من كثير من الكلام وسأل ربه أن يعينه بأخيه هارون يكون له ردءا ويتكلم عنه بكثير مما لا يفصح به لسانه فأتاه الله وحل عقدة من لسانه وأوحى الله الى هارون فأمره أن يلقاه فاندفع موسى بعصاه حتى لقي هارون فانطلقا جميعا الى فرعون فأقاما على بابه حينا لا يؤذن لهما. ثم أذن لهما بعد حجاب شديد فقالا إنا رسولا ربك فقال فمن ربكما فأخبره بالذي قص الله عليك في القرآن قال فما تريدان وذكره القتيل فاعتذر بما قد سمعت قال أريد ان تؤمن بالله وترسل معى بنى إسرائيل فأبى عليه وقال ائت ﴿بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ﴾ عظيمة فاغرة فاها مسرعة الى فرعون فلما رأى فرعون قاصدة اليه خافها واقتحم عن سريره وأستغاث بموسى أن يكفها عنه ففعل ثم أخرج يده من جيبه فرآها بيضاء من غير سوء يعنى من غير برص. ثم ردها فعادت الى لونها الأول فاستشار الملأ حوله فيما رأى فقالوا له ﴿هذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أَنْ يُخْرِجاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِما وَيَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلى﴾ يعنى ملكهم الّذي هم فيه والعيش وأبوا على موسى أن يعطوه شيئا مما طلب وقالوا له اجمع السحرة فإنهم بأرضك كثير حتى تغلب بسحرك سحرهما فأرسل الى المدائن فحشر له كل ساحر متعالم فلما أتوا فرعون قالوا بم يعمل السحر قالوا يعمل بالحيات قالوا فلا والله ما أحد من الأرض يعمل السحر بالحيات والحبال والعصي الّذي نعمل وما أجرنا إن نحن غلبنا قال لهم أنتم أقاربى وخاصتي وأنا صانع

стр. 304

إليكم كل شيء أحببتم فتواعدوا ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ قال سعيد فحدثني ابن عباس أن ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ اليوم الّذي أظهر الله فيه موسى على فرعون والسحرة هو يوم عاشوراء فلما اجتمعوا في صعيد قال الناس بعضهم لبعض انطلقوا فلنحضر هذا الأمر ﴿لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ﴾ يعنون موسى وهارون استهزاء بهما فقالوا يا موسى بعد تريثهم بسحرهم ﴿إِمّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. قال بل ألقوا فالقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون فرأى موسى من سحرهم ما أوجس في نفسه خيفة فأوحى الله اليه أن الق عصاك فلما ألقاها صارت ثعبانا عظيمة فاغرة فاها فجعلت العصي تلتبس بالحبال حتى صارت جرزا على الثعبان أن تدخل فيه حتى ما أبقت عصا ولا حبلا إلا ابتلعته فلما عرف السحرة ذلك قالوا لو كان هذا سحرا لم تبلع من سحرنا كل هذا ولكنه أمر من الله تعالى آمنا بالله وبما جاء به موسى ونتوب الى الله مما كنا عليه فكسر الله ظهر فرعون في ذلك الموطن وأشياعه وظهر ﴿الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ * فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَاِنْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ وامرأة فرعون بارزة مبتذلة تدعوا لله بالنصر لموسى على فرعون وأشياعه فمن رآها من آل فرعون ظن أنها إنما ابتذلت للشفقة على فرعون وأشياعه وإنما كان حزنها وهمها لموسى فلما طال مكث موسى بمواعيد فرعون الكاذبة كلما جاء بآية وعده عندها أن يرسل معه بنى إسرائيل فإذا مضت أخلف من غده وقال ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ﴾ يصنع غير هذا فأرسل الله على قومه الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات كل ذلك يشكو إلى موسى ويطلب اليه أن يكفها عنه ويوافقه على أن يرسل معه بنى إسرائيل فإذا كف ذلك عنه أخلف بوعده ونكث عهده حتى أمر موسى بالخروج بقومه فخرج بهم ليلا فلما أصبح فرعون ورأى أنهم قد مضوا أرسل في المدائن حاشرين فتبعه بجنود عظيمة كثيرة وأوحى الله الى البحر إذا ضربك موسى عبدي بعصاه فانفلق اثنتي عشرة فرقة حتى يجوز موسى ومن معه * ثم التقى على من بقي بعد من فرعون وأشياعه فنسي موسى أن يضرب البحر بالعصا وانتهى الى البحر وله قصيف مخافة أن يضربه موسى بعصاه وهو غافل فيصير عاصيا لله فلما تراءى الجمعان وتقاربا قال أصحاب موسى إنا لمدركون افعل ما أمرك به ربك فإنه لم يكذب ولم تكذب قال وعدني ربى إذا أتيت البحر انفرق اثنتي عشرة فرقة حتى أجاوزه ثم ذكر بعد ذلك العصي فضرب البحر بعصاه حين دنا أوائل جند فرعون من أواخر جند موسى فانفرق البحر كما أمره ربه وكما وعد موسى فلما جاوز موسى وأصحابه كلهم البحر ودخل فرعون وأصحابه التقى عليهم البحر كما أمر فلما جاوز موسى قال أصحابه إنا نخاف أن لا يكون فرعون غرق ولا نؤمن بهلاكه فدعا ربه فأخرجه له ببدنه حتى استيقنوا بهلاكه ثم مروا بعد ذلك على قوم يعكفون على أصنام لهم ﴿قالُوا يا مُوسَى اِجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هُمْ فِيهِ وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قد رأيتم من العبر وسمعتم ما يكفيكم ومضى فأنزلهم موسى منزلا

стр. 305

وقال أطيعوا هارون فان الله قد استخلفه عليكم فانى ذاهب الى ربى وأجلهم ثلاثين يوما أن يرجع اليهم فيها فلما أتى ربه وأراد أن يكلمه في ثلاثين يوما وقد صامهن ليلهن ونهارهن وكره أن يكلم ربه وريح فيه ريح فم الصائم فتناول موسى شيئا من نبات الأرض فمضغه فقال له ربه حين أتاه لم أفطرت وهو أعلم بالذي كان قال يا رب إني كرهت أن أكلمك الا وفمي طيب الريح. قال أو ما علمت يا موسى ان ريح فم الصائم أطيب من ريح المسك ارجع فصم عشرا ثم ائتني ففعل موسى ما أمره به ربه فلما رأى قوم موسى أنه لم يرجع اليهم في الأجل ساءهم ذلك وكان هارون قد خطبهم فقال إنكم خرجتم من مصر ولقوم فرعون عندكم عواري وودائع ولكم فيها مثل ذلك وانا أرى ان تحتسبوا ما لكم عندهم ولا أحل لكم وديعة استودعتموها ولا عارية ولسنا برادين اليهم شيئا من ذلك ولا ممسكيه لأنفسنا فحفر حفيرا وأمر كل قوم عندهم من ذلك متاع أو حلية أن يقذفوه في ذلك الحفير. ثم أوقد عليه النار فأحرقه فقال لا يكون لنا ولا لهم * وكان السامري من قوم يعبدون البقر جيران لبني إسرائيل ولم يكن من بنى إسرائيل فاحتمل مع موسى وبنى إسرائيل حين احتملوا فقضى له أن رأى أثرا فقبض منه قبضة فمر بهارون فقال له هارون يا سامرى الا تلقى ما في يديك وهو قابض عليه لا يراه أحد طوال ذلك فقال هذه قبضة من أثر الرسول الّذي جاوز بكم البحر ولا ألقيها لشيء الا أن تدعو الله إذا ألقيتها أن يكون ما أريد فألقاها ودعا له هارون فقال أريد أن تكون عجلا فاجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلا أجوف ليس فيه روح له خوار قال ابن عباس لا والله ما كان فيه صوت قط إنما كانت الريح تدخل من دبره وتخرج من فيه فكان ذلك الصوت من ذلك فتفرق بنو إسرائيل فرقا فقالت فرقة يا سامرى ما هذا وأنت أعلم به قال هذا ربكم ولكن موسى أضل الطريق وقالت فرقة لا نكذب بهذا حتى يرجع إلينا موسى فان كان ربنا لم نكن ضيعناه وعجزنا فيه حتى رأيناه وان لم يكن ربنا فانا نتبع قول موسى وقالت فرقة هذا من عمل الشيطان وليس بربنا ولا نؤمن به ولا نصدق واشرب فرقة في قلوبهم الصدق بما قال السامري في العجل وأعلنوا التكذيب به فقال لهم هارون ﵇ يا قوم إنما فتنتم به وان ربكم الرحمن ليس هذا قالوا فما بال موسى وعدنا ثلاثين يوما ثم اخلفنا. هذه أربعون يوما قد مضت قال سفهاؤهم اخطأ ربه فهو يطلبه ويبتغيه فلما كلم الله موسى وقال له ما قال أخبره بما لقي قومه من بعده فرجع الى قومه غضبان أسفا فقال لهم ما سمعتم ما في القرآن ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ وألقى الألواح من الغضب ثم إنه عذر أخاه بعذره واستغفر له فانصرف الى السامري فقال له ما حملك على ما صنعت قال قبضت ﴿قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ وفطنت لها وعميت عليكم ﴿فَنَبَذْتُها وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَياةِ أَنْ تَقُولَ لا مِساسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِداً لَنْ تُخْلَفَهُ وَاُنْظُرْ إِلى إِلهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عاكِفاً لَنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفاً﴾ ولو كان إلها لم يخلص الى ذلك منه فاستيقن بنو إسرائيل بالفتنة واغتبط

стр. 306

الذين كان رأيهم فيه مثل رأى هارون فقالوا لجماعتهم يا موسى سل لنا أن يفتح لنا باب توبة نصنعها فتكفر عنا ما عملنا فاختار موسى قومه سبعين رجلا لذلك لا يألوا الخير خيار بنى إسرائيل ومن لم يشرك في الحق فانطلق بهم يسأل لهم التوبة فرجفت بهم الأرض فاستحيا نبي الله ﵇ من قومه ومن وفده حين فعل بهم ما فعل فقال لو شئت لأهلكتهم من قبل وإياي أتهلكنا بما فعل السفهاء منا وفيهم من كان الله اطلع منه على ما أشرب قلبه من حب العجل وإيمان به فلذلك رجفت بهم الأرض فقال ﴿رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ فقال يا رب سألتك التوبة لقومي فقلت إن رحمتي كتبتها لقوم غير قومي فليتك أخرتنى حتى تخرجني في أمة ذلك الرجل المرحوم فقال له إن توبتهم أن يقتل كل رجل من لقي من والد وولد فيقتله بالسيف لا يبالي من قتل في ذلك الموطن. وتاب أولئك الذين كان خفي على موسى وهارون واطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا وغفر الله للقاتل والمقتول ثم سار بهم موسى ﵇ متوجها نحو الأرض المقدسة وأخذ الألواح بعد ما سكت عنه الغضب فأمرهم بالذي أمر به من الوظائف فثقل ذلك عليهم وأبوا أن يقروا بها ونتق الله عليهم الجبل كأنه ظلة ودنا منهم حتى خافوا أن يقع عليهم وأخذوا الكتاب بايمانهم وهم مصغون ينظرون الى الجبل والكتاب بأيديهم وهم من وراء الجبل مخافة أن يقع عليهم ثم مضوا حتى أتوا الأرض المقدسة فوجدو مدينة فيها قوم جبارون خلقهم خلق منكر وذكر من ثمارهم أمرا عجبا من عظمها فقالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين لا طاقة لنا بهم ولا ندخلها ما داموا فيها فان يخرجوا منها فانا داخلون. قال رجلان من الذين يخافون قيل ليزيد هكذا قراه قال نعم من الجبارين آمنا بموسى وخرجنا اليه فقالوا نحن أعلم بقومنا إن كنتم إنما تخافون ما رأيتم من أجسامهم وعددهم فإنهم لا قلوب لهم ولا منعة عندهم فادخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون ويقول أناس إنهم من قوم موسى فقال الذين يخافون من بنى إسرائيل ﴿قالُوا يا مُوسى إِنّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ فاغضبوا موسى فدعا عليهم وسماهم فاسقين ولم يدع عليهم قبل ذلك لما رأى منهم من المعصية وإساءتهم حتى كان يومئذ فاستجاب الله لهم وسماهم كما سماهم فاسقين فحرمها عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض يصبحون كل يوم فيسيرون ليس لهم قرار ثم ظلل عليهم الغمام في التيه وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل لهم ثيابا لا تبلى ولا تتسخ وجعل بين ظهرانيهم حجرا مربعا وأمر موسى فضربه بعصاه ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اِثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ في كل ناحية ثلاثة أعين وأعلم كل سبط عينهم التي يشربون منها فلا يرتحلون من محله إلا وجدوا ذلك الحجر بالمكان الّذي كان فيه بالأمس * رفع ابن عباس هذا الحديث الى النبي ﷺ وصدق ذلك عندي أن معاوية سمع ابن عباس هذا الحديث فأنكر عليه أن يكون الفرعوني الّذي أفشى على موسى أمر القتيل الّذي

стр. 307

قتل فقال كيف يفشي عليه ولم يكن علم به ولا ظهر عليه إلا الإسرائيلي الّذي حضر ذلك فغضب ابن عباس فاخذ بيد معاوية فانطلق به الى سعد بن مالك الزهري فقال له يا أبا إسحاق هل تذكر يوم حدثنا رسول الله ﷺ عن قتيل موسى الّذي قتل من آل فرعون. الإسرائيلي الّذي أفشى عليه أم الفرعوني قال إنما أفشى عليه الفرعوني بما سمع الإسرائيلي الّذي شهد ذلك وحضره هكذا ساق هذا الحديث الامام النسائي وأخرجه ابن جرير وابن أبى حاتم في تفسيرهما من حديث يزيد بن هارون والأشبه والله أعلم أنه موقوف وكونه مرفوعا فيه نظر وغالبة متلقى من الإسرائيليات وفيه شيء يسير مصرح برفعه في أثناء الكلام وفي بعض ما فيه نظر ونكارة والأغلب أنه كلام كعب الأحبار وقد سمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك والله أعلم ذكر بناء قبة الزمان قال أهل الكتاب وقد أمر الله موسى ﵇ بعمل قبة من خشب الشمشار وجلود الانعام وشعر الأغنام وأمر بزينتها بالحرير المصبغ والذهب والفضة على كيفيات مفصلة عند أهل الكتاب ولها عشر سرادقات طول كل واحد ثمانية وعشرون ذراعا وعرضه أربعة أذرع ولها أربعة أبواب وأطناب من حرير ودمقس مصبغ وفيها رفوف وصفائح من ذهب وفضة ولكل زاوية بابان وأبواب أخر كبيرة وستور من حرير مصبغ وغير ذلك مما يطول ذكره وبعمل تابوت من خشب الشمشار يكون طوله ذراعين ونصفا وعرضه ذراعين وارتفاعه ذراعا ونصفا ويكون مضببا بذهب خالص من داخله وخارجة وله أربع حلق في أربع زواياه ويكون على حافتيه كروبيان من ذهب يعنون صفة ملكين باجنحة وهما متقابلان صفة رجل اسمه بصليال وأمراه أن يعمل مائدة من خشب الشمشار طولها ذراعا وعرضها ذراع ونصف لها ضباب ذهب وإكليل ذهب بشفة مرتفعة باكليل من ذهب واربع حلق من نواحيها من ذهب معزرة في مثل الرمان من خشب ملبس ذهبا واعمل صحافا ومصافى وقصاعا على المائدة واصنع منارة من الذهب دلى فيها ست قصبات من ذهب من كل جانب ثلاثة. على كل قصبة ثلاث سرج وليكن في المنارة أربع قناديل ولتكن هي وجميع هذه الآنية من قنطار من ذهب صنع ذلك بصليال أيضا وهو الّذي عمل المذبح أيضا ونصب هذه القبة أول يوم من سنتهم وهو أول يوم من الربيع ونصب تابوت الشهادة وهو والله أعلم المذكور في قوله تعالى ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقد بسط هذا الفصل في كتابهم مطولا جدا وفيه شرائع لهم وأحكام وصفة قربانهم وكيفيته وفيه ان قبة الزمان كانت موجودة قبل عبادتهم العجل الّذي هو متقدم على مجيء بيت المقدس وانها كانت لهم كالكعبة

стр. 308

يصلون فيها واليها ويتقربون عندها وأن موسى ﵇ كان إذا دخلها يقفون عندها وينزل عمود الغمام على بابها فيخرون عند ذلك سجدا لله ويكلم الله موسى ﵇ من ذلك العمود الغمام الّذي هو نور ويخاطبه ويناجيه ويأمره وينهاه وهو واقف عند التابوت صامد الى ما بين الكروبين فإذا فصل الخطاب يخبر بنى إسرائيل بما أوحاه الله اليه من الأوامر والنواهي وإذا تحاكموا اليه في شيء ليس عنده من الله فيه شيء يجيء الى قبة الزمان ويقف عند التابوت ويصمد لما بين ذينك الكروبين فيأتيه الخطاب بما فيه فصل تلك الحكومة وقد كان هذا مشروعا لهم في زمانهم أعنى استعمال الذهب والحرير المصبغ واللآلئ في معبدهم وعند مصلاهم فاما في شريعتنا فلا بل قد نهينا عن زخرفة المساجد وتزيينها لئلا تشغل المصلين كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لما وسع في مسجد رسول الله ﷺ للذي وكله على عمارته ابن للناس ما يكنهم وإياك أن تحمر أو تصفر فتفتن الناس * وقال ابن عباس لنزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى كنائسهم وهذا من باب التشريف والتكريم والتنزيه فهذه الأمة غير مشابهة من كان قبلهم من الأمم إذ جمع الله همهم في صلاتهم على التوجه اليه والإقبال عليه وصان أبصارهم وخواطرهم عن الاشتغال والتفكر في غير ما هم بصدده من العبادة العظيمة فلله الحمد والمنة وقد كانت قبة الزمان هذه مع بنى إسرائيل في التيه يصلون اليها وهي قبلتهم وكعبتهم وإمامهم كليم الله موسى ﵇ ومقدم القربان أخوه هارون ﵇ * فلما مات هارون ثم موسى ﵉ استمرت بنو هارون في الّذي كان يليه أبوهم من أمر القربان وهو فيهم الى الآن وقام بأعباء النبوة بعد موسى وتدبير الأمر بعده فتاه يوشع بن نون ﵇ وهو الّذي دخل بهم بيت المقدس كما سيأتي بيانه والمقصود هنا أنه لما استقرت يده على البيت المقدس نصب هذه القبة على صخرة بيت المقدس فكانوا يصلون اليها فلما بادت صلوا إلى محلتها وهي الصخرة فلهذا كانت قبلة الأنبياء بعده إلى زمان رسول الله ﷺ وقد صلى اليها رسول الله ﷺ قبل الهجرة وكان يجعل الكعبة بين يديه * فلما هاجر أمر بالصلاة الى بيت المقدس فصلى اليها ستة عشر * وقيل سبعة عشر شهرا * ثم حولت القبلة الى الكعبة وهي قبلة إبراهيم في شعبان سنة ثنتين في وقت صلاة العصر وقيل الظهر كما بسطنا ذلك في التفسير عند قوله تعالى سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها الى قوله قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام. الآيات

стр. 309

قصة قارون مع موسى ﵇ قال الله تعالى ﴿إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ * قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ * فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقّاها إِلاَّ الصّابِرُونَ * فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ * تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال الأعمش عن المنهال بن عمرو ابن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال كان قارون بن عم موسى وكذا قال إبراهيم النخعي وعبد الله ابن الحرث بن نوفل وسماك بن حرب وقتادة ومالك ابن دينار وابن جريج وزاد فقال هو قارون بن يصهر بن قاهث وموسى بن عمران بن قاهث. قال ابن جريج وهذا قول أكثر أهل العلم أنه كان ابن عم موسى. ورد قول ابن إسحاق إنه كان عم موسى قال قتادة وكان يسمى النور لحسن صوته بالتوراة ولكن عدو الله نافق كما نافق السامري فأهلكه البغي لكثرة ماله. وقال شهر بن حوشب زاد في ثيابه شبرا طولا ترفعا على قومه. وقد ذكر الله تعالى كثرة كنوزه حتى أن مفاتيحه كان يثقل حملها على القيام من الرجال الشداد وقد قيل إنها كانت من الجلود وإنها كانت تحمل على ستين بغلا فالله أعلم وقد وعظه النصحاء من قومه قائلين لا تفرح أي لا تبطر بما أعطيت وتفخر على غيرك ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَاِبْتَغِ فِيما آتاكَ اللهُ الدّارَ الْآخِرَةَ﴾ يقولون لتكن همتك مسروفة لتحصيل ثواب الله في الدار الاخرة فإنه خير وأبقى ومع هذا ﴿لا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ أي وتناول منها بمالك ما أحل الله لك فتمتع لنفسك بالملاذ الطيبة الحلال ﴿وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ﴾ أي وأحسن الى خلق الله كما أحسن الله خالقهم وبارئهم إليك ﴿وَلا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الْأَرْضِ﴾ أي ولا تسئ اليهم ولا تفسد فيهم فتقابلهم ضد ما أمرت فيهم فيعاقبك ويسلبك ما وهبك ﴿إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ فما كان جواب قومه. لهذه النصيحة الصحيحة الفصيحة إلا أن ﴿قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ يعنى أنا لا أحتاج الى استعمال ما ذكرتم ولا الى ما اليه أشرتم فان الله إنما أعطانى هذا لعلمه أنى أستحقه وأنى أهل له ولولا أنى حبيب اليه وحظي عنده لما

стр. 310

أعطانى ما أعطانى قال الله تعالى ردا عليه ما ذهب اليه ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ أي قد أهلكنا من الأمم الماضين بذنوبهم وخطاياهم من هو أشد من قارون قوة وأكثر أموالا وأولادا فلو كان ما قال صحيحا لم نعاقب أحدا ممن كان أكثر ما لا منه ولم يكن ماله دليلا على محبتنا له واعتنائنا به كما قال تعالى ﴿وَما أَمْوالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنا زُلْفى إِلاّ مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ وقال تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ * نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ﴾ وهذا الرد عليه يدل على صحة ما ذهبنا اليه من معنى قوله ﴿إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ وأما من زعم أن المراد من ذلك أنه كان يعرف صنعة الكيمياء أو أنه كان يحفظ الاسم الأعظم فاستعمله في جمع الأموال فليس بصحيح لان الكيمياء تخييل وصبغة لا تحيل الحقائق ولا تشابه صنعة الخالق والاسم الأعظم لا يصعد الدعاء به من كافر به وقارون كان كافرا في الباطن منافقا في الظاهر. ثم لا يصح جوابه لهم بهذا على هذا التقدير ولا يبقى بين الكلامين تلازم وقد وضحنا هذا في كتابنا التفسير ولله الحمد. قال الله تعالى ﴿فَخَرَجَ عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ ذكر كثير من المفسرين أنه خرج في تجمل عظيم من ملابس ومراكب وخدم وحشم فلما رآه من يعظم زهرة الحياة الدنيا تمنوا أن لو كانوا مثله وغبطوه بما عليه وله فلما سمع مقالتهم العلماء ذوو الفهم الصحيح الزهاد الألباء قالوا لهم ﴿وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً﴾ أي ثواب الله في الدار الاخرة خير وأبقى وأجل وأعلى قال الله تعالى ولا يلقاها إلا الصابرون أي وما يلقى هذه النصيحة وهذه المقالة وهذه الهمة السامية الى الدار الاخرة العلية عند النظر الى زهرة هذه الدنيا الدنية إلا من هدى الله قلبه وثبت فؤاده وأيد لبه وحقق مراده وما أحسن ما قال بعض السلف إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات والعقل الكامل عند حلول الشهوات. قال الله تعالى ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾. لما ذكر تعالى خروجه في زينته واختياله فيها وفخره على قومه بها قال ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ كما روى البخاري من حديث الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ قال بينا رجل يجر إزاره إذ خسف به فهو يتجلجل في الأرض الى يوم القيامة. ثم رواه البخاري من حديث جرير بن زيد عن سالم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه. وقد ذكر ابن عباس والسدي أن قارون أعطى امرأة بغيا مالا على أن تقول لموسى ﵇ وهو في ملأ من الناس إنك فعلت بى كذا وكذا فيقال إنها قالت له ذلك فارعد من الفرق وصلّى ركعتين. ثم أقبل عليها فاستحلفها من ذلك على ذلك وما حملك عليه فذكرت أن قارون هو الّذي حملها على ذلك واستغفرت الله وتابت اليه فعند ذلك خر موسى لله ساجدا ودعا الله على قارون فأوحى الله اليه انى قد أمرت الأرض أن تطيعك فيه فامر موسى الأرض أن تبتلعه وداره فكان ذلك فالله أعلم وقد قيل إن قارون لما خرج على قومه في زينته مر

стр. 311

بجحفله وبغاله وملابسه على مجلس موسى ﵇ وهو يذكر قومه بأيام الله فلما رآه الناس انصرفت وجوه كثير من الناس ينظرون اليه فدعا موسى ﵇ فقال له ما حملك على هذا فقال يا موسى أما لئن كنت فضلت على بالنّبوّة فلقد فضلت عليك بالمال ولئن شئت لتخرجن فلتدعون على ولأدعون عليك فخرج وخرج قارون في قومه فقال له موسى تدعو أو أدعو قال أدعو أنا فدعى قارون فلم يجب في موسى فقال موسى أدعو قال نعم فقال موسى اللهمّ مر الأرض فلتطغى اليوم فأوحى الله اليه إني قد فعلت فقال موسى يا أرض خذيهم فاخذتهم الى أقدامهم ثم قال خذيهم فاخذتهم الى ركبهم ثم الى مناكبهم ثم قال أقبلي بكنوزهم وأموالهم فأقبلت بها حتى نظروا اليها ثم أشار موسى بيده فقال اذهبوا بنى لاوى فاستوت بهم الأرض. وقد روى عن قتادة أنه قال يخسف بهم كل يوم قامة الى يوم القيامة. وعن ابن عباس أنه قال خسف بهم الى الأرض السابعة. وقد ذكر كثير من المفسرين هاهنا إسرائيليات كثيرة اضربنا عنها صفحا وتركناها قصدا. وقوله تعالى ﴿فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ﴾ لم يكن له ناصر من نفسه ولا من غيره كما قال ﴿فَما لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا ناصِرٍ﴾ ولما حل به ما حل من الخسف وذهاب الأموال وخراب الدار وإهلاك النفس والأهل والعقار ندم من كان تمنى مثل ما أوتى وشكروا الله تعالى الّذي يدبر عباده بما يشاء من حسن التدبير المخزون ولهذا قالوا ﴿لَوْلا أَنْ مَنَّ اللهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾ وقد تكلمنا على لفظ ويك في التفسير وقد قال قتادة ويكأن بمعنى ألم تر ان وهذا قول حسن من حيث المعنى والله أعلم. ثم أخبر تعالى (أن الدار الاخرة) وهي دار القرار وهي الدار التي يغبط من أعطيها ويعزى من حرمها إنما هي معدة للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا. فالعلو هو التكبر والفخر والأشر والبطر والفساد هو عمل المعاصي اللازمة والمتعدية من أخذ أموال الناس وإفساد معايشهم والإساءة اليهم وعدم النصح لهم ثم قال تعالى ﴿وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ وقصة قارون هذه قد تكون قبل خروجهم من مصر لقوله ﴿فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ﴾ فان الدار ظاهرة في البنيان وقد تكون بعد ذلك في التيه وتكون الدار عبارة عن المحلة التي تضرب فيها الخيام كما قال عنترة. يا دار عبلة بالجواء تكلمي … وعمى صباحا دار عبلة وأسلمي والله أعلم. وقد ذكر الله تعالى مذمة قارون في غير ما آية من القرآن. قال الله ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ * إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذّابٌ﴾ وقال تعالى في سورة العنكبوت بعد ذكر عاد وثمود. وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءتهم رسلنا ﴿بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ * فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ فالذي خسف به

стр. 312

الأرض قارون كما تقدم والّذي أغرق فرعون وهامان وجنودهما أنهم كانوا خاطئين. وقد قال الامام احمد حدثنا أبو عبد الرحمن حدثنا سعيد حدثنا كعب بن علقمة عن عيسى بن هلال الصدفي عن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يوما فقال من حافظ عليها كانت له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وابى بن خلف. انفرد به احمد ﵀. باب ذكر فضائل موسى ﵇ وشمائله وصفاته ووفائه قال الله تعالى ﴿وَاُذْكُرْ فِي الْكِتابِ مُوسى إِنَّهُ كانَ مُخْلَصاً وَكانَ رَسُولاً نَبِيًّا * وَنادَيْناهُ مِنْ جانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْناهُ نَجِيًّا * وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾. وقال تعالى ﴿قالَ يا مُوسى إِنِّي اِصْطَفَيْتُكَ عَلَى النّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي﴾. وتقدم في الصحيحين عن رسول الله ﷺ أنه قال لا تفضلوني على موسى فان الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق فأجد موسى باطشا بقائمة العرش فلا أدرى أصعق فأفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور. وقدمنا أنه من رسول الله ﷺ من باب الهضم والتواضع وإلا فهو صلوات الله وسلامه عليه خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم في الدنيا والاخرة قطعا جزما لا يحتمل النقيض. وقال تعالى ﴿إِنّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ﴾ إلى أن قال ﴿وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْناهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلاً لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ وقال تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾ قال الإمام أبو عبد الله البخاري حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن روح بن عبادة عن عوف عن الحسن ومحمد وخلاس عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن موسى كان رجلا حييا ستيرا لا يرى جلده شيء استحياء منه فأذاه من أذاه من بنى إسرائيل فقالوا ما يستتر هذا التستر الا من عيب بجلده إما برص أو أدرة واما آفة وأن الله أراد أن يبرأه مما قالوا لموسى فخلا يوما وحده فوضع ثيابه على الحجر * ثم اغتسل فلما فرغ اقبل على ثيابه ليأخذها وأن الحجر عدا بثوبه فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر فجعل يقول ثوبي حجر ثوبي حجر حتى انتهى الى ملأ من بنى إسرائيل فرأوه عريانا أحسن ما خلق الله وبرأه مما يقولون وقام الحجر فأخذ ثوبه فلبسه وطفق بالحجر ضربا بعصاه فو الله إن بالحجر لندبا من أثر ضربه ثلاثا أو أربعا أو خمسا قال فذلك قوله ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللهُ مِمّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللهِ وَجِيهاً﴾. وقد رواه الإمام احمد من حديث عبد الله بن شقيق وهمام بن منبه عن أبى هريرة به وهو في الصحيحين من حديث عبد الرزاق من معمر عن همام عنه به ورواه مسلم من حديث عبد الله بن شقيق العقيلي عنه *

стр. 313

قال بعض السلف كان من وجاهته أنه شفع في أخيه عند الله وطلب منه أن يكون معه وزيرا فأجابه الله الى سؤاله وأعطاه طلبته وجعله نبيا كما قال ﴿وَوَهَبْنا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنا أَخاهُ هارُونَ نَبِيًّا﴾ ثم قال البخاري حدثنا أبو الوليد حدثنا شعبة حدثنا الأعمش سألت أبا وائل قال سمعت عبد الله قال قسم رسول الله ﷺ قسما فقال رجل إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله فأتيت النبي ﷺ فغضب حتى رأيت الغضب في وجهه * ثم قال يرحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر. وكذا رواه مسلم من غير وجه عن سليمان بن مهران الأعمش به. وقال الامام أحمد حدثنا أحمد بن حجاج سمعت إسرائيل ابن يونس عن الوليد بن أبى هاشم مولى لهمدان عن زيد بن أبى زائد عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله ﷺ لأصحابه لا يبلغني أحد عن أحد شيئا فانى أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر قال وأتى رسول الله ﷺ مال فقسمه قال فمررت برجلين وأحدهما يقول لصاحبه والله ما أراد محمد بقسمته وجه الله ولا الدار الآخرة فثبت حتى سمعت ما قالا. ثم أتيت رسول الله فقلت يا رسول الله إنك قلت لنا لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابى شيئا وانى مررت بفلان وفلان وهما يقولان كذا وكذا فاحمر وجه رسول الله ﷺ وشق عليه. ثم قال دعنا منك فقد أوذى موسى أكثر من ذلك فصبر. وهكذا رواه أبو داود والترمذي من حديث إسرائيل عن الوليد بن ابى هاشم به وفي رواية للترمذي ولأبى داود من طريق ابن عبد عن إسرائيل عن السدي عن الوليد به وقال الترمذي غريب من هذا الوجه. وقد ثبت في الصحيحين في أحاديث الاسراء أن رسول الله ﷺ مر بموسى وهو قائم يصلى في قبره. ورواه مسلم عن أنس. وفي الصحيحين من رواية قتادة عن أنس عن مالك بن صعصعة عن النبي ﷺ أنه مر ليلة اسرى به بموسى في السماء السادسة فقال له جبريل هذا موسى فسلم عليه قال فسلمت عليه فقال مرحبا بالنبيّ الصالح والأخ الصالح فلما تجاوزت بكى قيل له ما يبكيك قال أبكى لان غلاما بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتى. وذكر إبراهيم في السماء السابعة. وهذا هو المحفوظ وما وقع في حديث شريك ابن أبى نمر عن أنس من أن إبراهيم في السادسة وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله فقد ذكر غير واحد من الحفاظ أن الّذي عليه الجادة أن موسى في السادسة وإبراهيم في السابعة وانه مسند ظهره الى البيت المعمور الّذي يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة ثم لا يعودون اليه آخر ما عليهم. واتفقت الروايات كلها على أن الله تعالى لما فرض على محمد ﷺ وأمته خمسين صلاة في اليوم والليلة فمر بموسى قال ارجع الى ربك فسله التخفيف لأمتك فانى قد عالجت بنى إسرائيل قبلك أشد المعالجة وان أمتك أضعف اسماعا وابصارا وأفئدة فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله ويخفف عنه في كل مرة حتى صارت الى خمس صلوات في اليوم والليلة وقال الله تعالى هي خمس وهي خمسون أي بالمضاعفة فجزى الله عنا محمدا ﷺ خيرا وجزى الله عنا موسى ﵇ خيرا. وقال البخاري حدثنا مسدد حدثنا حصين

стр. 314

ابن نمير عن حصين بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال خرج علينا رسول الله ﷺ يوما فقال عرضت على الأمم ورأيت سوادا كثيرا سد الأفق فقيل هذا موسى في قومه. هكذا روى البخاري هذا الحديث هاهنا مختصرا وقد رواه الامام أحمد مطولا فقال حدثنا شريح حدثنا هشام حدثنا حصين بن عبد الرحمن. قال كنت عند سعيد بن جبير فقال أيكم رأى الكوكب الّذي انقض البارحة قلت أنا ثم قلت إني لم أكن في صلاة ولكن لدغت. قال وكيف فعلت قلت استرقيت. قال وما حملك على ذلك قال قلت حديث حدثناه الشعبي عن بريدة الأسلمي أنه قال لا رقية الا من عين أو حمة فقال سعيد يعنى ابن جبير قد أحسن من انتهى الى ما سمع ثم قال حدثنا ابن عباس عن النبي ﷺ قال عرضت على الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط والنبي معه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد إذ رفع لي سواد عظيم فقلت هذه أمتى فقيل هذا موسى وقومه ولكن انظر الى الأفق فإذا سواد عظيم * ثم قيل انظر إلى هذا الجانب فإذا سواد عظيم فقيل هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب ثم نهض رسول الله ﷺ فدخل فخاض القوم في ذلك فقالوا من هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب فقال بعضهم لعلهم الذين صحبوا النبي ﷺ . وقال بعضهم لعلهم الذين ولدوا في الإسلام ولم يشركوا بالله شيئا قط وذكروا أشياء فخرج اليهم رسول الله ﷺ فقال ما هذا الّذي كنتم تخوضون فيه فأخبروه بمقالتهم فقال هم الذين لا يكتوون ولا يسترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون فقام عكاشة بن محيصن الأسدي فقال أنا منهم يا رسول الله قال أنت منهم * ثم قام آخر فقال أنا منهم يا رسول الله فقال سبقك بها عكاشة. وهذا الحديث له طرق كثيرة جدا وهو في الصحاح والحسان وغيرها وسنوردها إن شاء الله تعالى في باب صفة الجنة عند ذكر أحوال القيامة وأهوالها. وقد ذكر الله تعالى موسى ﵇ في القرآن كثيرا واثنى عليه وأورد قصته في كتابه العزيز مرارا وكررها كثيرا مطولة ومبسوطة ومختصرة واثنى عليه بليغا. وكثيرا ما يقرنه الله ويذكره ويذكر كتابه مع محمد ﷺ وكتابه كما قال في سورة البقرة ﴿وَلَمّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى ﴿الم * اللهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ * مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو اِنْتِقامٍ﴾ وقال تعالى في سورة الانعام ﴿وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قالُوا ما أَنْزَلَ اللهُ عَلى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ ما لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آباؤُكُمْ قُلِ اللهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ * وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرى وَمَنْ حَوْلَها وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ﴾ فاثنى تعالى على التوراة ثم مدح

стр. 315

القرآن العظيم مدحا عظيما وقال تعالى في آخرها ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ تَماماً عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاِتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ وقال تعالى في سورة المائدة ﴿إِنّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا وَالرَّبّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتابِ اللهِ وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ وَاِخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ﴾ الى أن قال ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ * وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ﴾ الآية فجعل القرآن حاكما على سائر الكتب غيره وجعله مصدقا لها ومبينا ما وقع فيها من التحريف والتبديل فان أهل الكتاب استحفظوا على ما بأيديهم من الكتب فلم يقدروا على حفظها ولا على ضبطها وصونها فلهذا دخلها ما دخلها من تغييرهم وتبديلهم لسوء فهو منهم وقصورهم في علومهم ورداءة قصودهم وخيانتهم لمعبودهم عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة ولهذا يوجد في كتبهم من الخطأ البين على الله وعلى رسوله ما لا يحد ولا يوصف وما لا يوجد مثله ولا يعرف. وقال تعالى في سورة الأنبياء ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السّاعَةِ مُشْفِقُونَ * وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ وقال الله تعالى في سورة القصص. ﴿فَلَمّا جاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنا قالُوا لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى أَوَلَمْ يَكْفُرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِنْ قَبْلُ قالُوا سِحْرانِ تَظاهَرا وَقالُوا إِنّا بِكُلٍّ كافِرُونَ * قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِنْ عِنْدِ اللهِ هُوَ أَهْدى مِنْهُما أَتَّبِعْهُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾. فاثنى الله على الكتابين وعلى الرسولين ﵉. وقالت الجن لقومهم إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى. وقال ورقة بن نوفل لما قص عليه رسول الله ﷺ خبر ما رأى من الأول الوحي وتلا عليه ﴿اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ * اِقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ﴾ قال سبوح سبوح هذا الناموس الّذي انزل على موسى بن عمران. وبالجملة فشريعة موسى ﵇ كانت عظيمة وأمته كانت أمة كثيرة ووجد فيها أنبياء وعلماء وعباد وزهاد وألباء وملوك وأمراء وسادات وكبراء. لكنهم كانوا فبادوا وتبدلوا كما بدلت شريعتهم ومسخوا قردة وخنازير ثم نسخت بعد كل حساب ملتهم وجرت عليهم خطوب وأمور يطول ذكرها ولكن سنورد ما فيه مقنع لمن أراد أن يبلغه خبرها إن شاء الله * وبه الثقة وعليه التكلان

стр. 316

ذكر حجته ﵇ الى البيت العتيق قال الامام احمد حدثنا هشام حدثنا داود بن أبى هند عن أبى العالية عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بوادي الأزرق فقال أيّ واد هذا. قالوا وادي الأزرق. قال كأني انظر الى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار الى الله بالتلبية حتى أتى على ثنية هرشاء. فقال أي ثنية هذه قالوا هذه ثنية هرشاء قال كأنى انظر الى يونس بن متى على ناقة حمراء عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة. قال هشيم يعنى ليفا وهو يلبى. أخرجه مسلم من حديث داود بن أبى هند به. وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا إن موسى حج على ثور أحمر وهذا غريب جدا. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن ابن عون عن مجاهد قال كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال فقال إنه مكتوب بين عينيه (ك ف ر) قال ما يقولون قال يقولون مكتوب بين عينيه (ك ف ر) فقال ابن عباس لم أسمعه قال ذلك ولكن. قال أما إبراهيم فانظروا الى صاحبكم. وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأنى انظر اليه وقد انحدر من الوادي يلبى قال هشيم الخلبة الليف * ثم رواه الامام احمد عن أسود عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم فاما عيسى فأبيض جعد عريض الصدر. وأما موسى فآدم جسيم. قالوا فإبراهيم قال انظروا الى صاحبكم. وقال الامام احمد حدثنا يونس حدثنا شيبان قال حدث قتادة عن أبى العالية حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس قال قال نبي الله ﷺ رأيت ليلة أسرى بى موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق الى الحمرة والبياض سبط الرأس وأخرجاه من حديث قتادة به. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر قال الزهري وأخبرنى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ حين أسرى به لقيت موسى فنعته فقال رجل قال حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة. ولقيت عيسى. فنعته رسول الله ﷺ فقال ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعنى حماما قال ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولد. به الحديث. وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل ذكر وفاته ﵇ قال البخاري في صحيحه (وفاة موسى ﵇ حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال أرسل ملك الموت الى موسى ﵇ فلما جاءه

стр. 317

صكه فرجع الى ربه فقال أرسلتنى الى عبد لا يريد الموت قال ارجع اليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ماذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال أبو هريرة فقال رسول الله ﷺ فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. قال وأنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه. وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به ورواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة مرفوعا وسيأتي. وقال الامام احمد حدثنا الحسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس يعنى سليم بن جبير عن أبى هريرة قال الامام أحمد لم يرفعه. قال جاء ملك الموت الى موسى ﵇ فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع الملك الى الله فقال إنك بعثتني الى عبد لك لا يريد الموت. قال وقد فقأ عيني قال فرد الله عينه وقال ارجع الى عبدي فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم الموت قال فالآن يا رب من قريب. تفرد به احمد وهو موقوف بهذا اللفظ. وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال معمر وأخبرنى من سمع الحسن عن رسول الله فذكره ثم استشكله ابن حبان وأجاب عنه بما حاصله أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى ﵇ كما جاء جبريل في صورة أعرابى وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا وكذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه لانه دخل داره بغير أذنه وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير اذن * ثم أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ جاء ملك الموت الى موسى ليقبض روحه قال له أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه وذكر تمام الحديث كما أشار اليه البخاري ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له أجب ربك وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله أجب ربك بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشي له وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم لانه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجه من التيه ودخولهم الأرض المقدسة وكان قد سبق في قدرة الله أنه ﵇ يموت في التيه بعد هارون أخيه كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الّذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة. وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين. ومما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت رب أدننى الى الأرض المقدسة رمية حجر. ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته عليه

стр. 318

السلام أحب أن يتقرب الى الأرض التي هاجر اليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر. ورسول الله الى أهل الوبر والمدر. فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر. وقال الامام حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس بن مالك إن رسول الله ﷺ قال لما أسرى بى مررت بموسى وهو قائم يصلى في قبره عند الكثيب الأحمر ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به وقال السدي عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا ثم إن الله تعالى أوحى الى موسى إني متوف هارون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها وإذا هم ببيت مبنى وإذا هم بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إني أخاف أن يأتى رب هذا البيت فيغضب على قال له لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم. قال يا موسى نم معى فان جاء رب هذا البيت غضب على وعليك جميعا. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به الى السماء فلما رجع موسى الى قومه وليس معه هارون قالوا فان موسى قتل هارون وحسده حب بنى إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم والين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخى أفتروني أقتله. فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض. ثم إن موسى ﵇ بينما هو يمشى ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر اليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موسى ﵇ من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع. فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبي الله. فقال لا والله ما قتلته ولكنه استلّ منى فلم يصدقوه وأرادوا قتله. قال فإذا لم تصدقوني فاخرونى ثلاثة أيام فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم. وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وهو زوج مريم أخت موسى وهارون وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم اللذان أشارا على ملأ بنى إسرائيل بالدخول عليهم وذكر وهب بن منبه أن موسى ﵇ مر بملإ من الملائكة يحفرون قبرا فلم ير أحسن منه ولا أنضر ولا أبهج فقال يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا لعبد من عباد الله كريم فان كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر وتمدد فيه وتوجه الى ربك وتنفس أسهل تنفس ففعل ذلك فمات صلوات الله

стр. 319

وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة ودفنوه * وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة وقد قال الامام أحمد حدثنا أمية بن خالد ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال يونس رفع هذا الحديث الى النبي ﷺ قال كان ملك الموت يأتى الناس عيانا قال فأتى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه فأتى ربه فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لعتبت عليه. وقال يونس لشققت عليه. قال له اذهب الى عبدي. فقل له فليضع يده على جلد (أو) مسك ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة فأتاه فقال له فقال ما بعد هذا قال الموت قال فالآن قال فشمه شمة فقبض روحه. قال يونس فرد الله عليه عينه وكان يأتى الناس خفية * وكذا رواه ابن جرير عن أبى كريب عن مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة به فرفعه أيضا ذكر نبوة يوشع وقيامه بأعباء بنى إسرائيل بعد موسى وهارون ﵉ هو يوشع بن نون بن أفراثيم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ وأهل الكتاب يقولون يوشع بن عم هود وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله (﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ * ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ﴾) وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبى ابن كعب ﵁ عن النبي ﷺ من أنه يوشع بن نون وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب فان طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى الا يوشع بن نون لانه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه وهو الحق من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة الى يوم القيامة. واما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن إسحاق من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى فكان موسى يلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له يا كليم الله إني كنت لا اسألك عما يوحى الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك فعند ذلك كره موسى الحياة وأحبّ الموت ففي هذا نظر لأن موسى ﵇ لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله اليه من جميع أحواله حتى توفاه الله ولم يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت ثم بعثه الله اليه ان كان يريد لحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها قال ثم ماذا قال الموت قال فالآن يا رب وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر وقد أجيب الى ذلك صلوات الله وسلامه عليه

стр. 320

فهذا الّذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ففي كتابهم الّذي يسمونه التوراة أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين يحتاجون اليه الى آخر مدة موسى كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان. وقد ذكروا في السفر الثالث أن الله أمر موسى وهارون أن يعدّ ابني إسرائيل على اسباطهم وان يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا وهو النقيب وما ذاك الا ليتأهّبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة. ولهذا قال بعضهم إنما فقأ موسى ﵇ عين ملك الموت لانه لم يعرفه في صورته تلك ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون ﵇ كما أن رسول الله ﷺ كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع. ثم حج في سنة عشر ثم رجع فجهز. جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ثم كان على عزم الخروج اليهم امتثالا لقوله تعالى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ ولما جهز رسول الله جيش أسامة توفى ﵊ واسامة مخيم بالجرف فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁ ثم لما لم أشعث جزيرة العرب وما كان دهى من أمر أهلها وعاد الحق إلى نصابه جهز الجيوش يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس والى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم وملكهم نواصي أعدائهم كما سنورده عليك في موضعه إذا انتهينا اليه مفصلا إن شاء الله بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده * وهكذا موسى ﵇ كان الله قد أمره أن يجند بنى إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ وقال الله ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول لهم لئن قمتم بما أوجبت عليكم ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة لأجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك كما قال تعالى لمن تخلف من الاعراب عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبيّة «قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً» وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم. وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى ولله الحمد. والمقصود أن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يكتب أسماء المقاتلة من بنى إسرائيل ممن يحمل
следующие страницы →