← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

ذكر حجته ﵇ الى البيت العتيق قال الامام احمد حدثنا هشام حدثنا داود بن أبى هند عن أبى العالية عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ مر بوادي الأزرق فقال أيّ واد هذا. قالوا وادي الأزرق. قال كأني انظر الى موسى وهو هابط من الثنية وله جؤار الى الله بالتلبية حتى أتى على ثنية هرشاء. فقال أي ثنية هذه قالوا هذه ثنية هرشاء قال كأنى انظر الى يونس بن متى على ناقة حمراء عليه جبة من صوف خطام ناقته خلبة. قال هشيم يعنى ليفا وهو يلبى. أخرجه مسلم من حديث داود بن أبى هند به. وروى الطبراني عن ابن عباس مرفوعا إن موسى حج على ثور أحمر وهذا غريب جدا. وقال الامام احمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن ابن عون عن مجاهد قال كنا عند ابن عباس فذكروا الدجال فقال إنه مكتوب بين عينيه (ك ف ر) قال ما يقولون قال يقولون مكتوب بين عينيه (ك ف ر) فقال ابن عباس لم أسمعه قال ذلك ولكن. قال أما إبراهيم فانظروا الى صاحبكم. وأما موسى فرجل آدم جعد الشعر على جمل أحمر مخطوم بخلبة كأنى انظر اليه وقد انحدر من الوادي يلبى قال هشيم الخلبة الليف * ثم رواه الامام احمد عن أسود عن إسرائيل عن عثمان بن المغيرة عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول الله ﷺ رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم فاما عيسى فأبيض جعد عريض الصدر. وأما موسى فآدم جسيم. قالوا فإبراهيم قال انظروا الى صاحبكم. وقال الامام احمد حدثنا يونس حدثنا شيبان قال حدث قتادة عن أبى العالية حدثنا ابن عم نبيكم ابن عباس قال قال نبي الله ﷺ رأيت ليلة أسرى بى موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا كأنه من رجال شنوءة ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق الى الحمرة والبياض سبط الرأس وأخرجاه من حديث قتادة به. وقال الامام احمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر قال الزهري وأخبرنى سعيد بن المسيب عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ حين أسرى به لقيت موسى فنعته فقال رجل قال حسبته قال مضطرب رجل الرأس كأنه من رجال شنوءة. ولقيت عيسى. فنعته رسول الله ﷺ فقال ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس يعنى حماما قال ورأيت إبراهيم وأنا أشبه ولد. به الحديث. وقد تقدم غالب هذه الأحاديث في ترجمة الخليل ذكر وفاته ﵇ قال البخاري في صحيحه (وفاة موسى ﵇ حدثنا يحيى بن موسى حدثنا عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال أرسل ملك الموت الى موسى ﵇ فلما جاءه

стр. 317

صكه فرجع الى ربه فقال أرسلتنى الى عبد لا يريد الموت قال ارجع اليه فقل له يضع يده على متن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة. قال أي رب ثم ماذا قال ثم الموت قال فالآن قال فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر. قال أبو هريرة فقال رسول الله ﷺ فلو كنت ثمّ لأريتكم قبره الى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر. قال وأنبأنا معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه. وقد روى مسلم الطريق الأول من حديث عبد الرزاق به ورواه الامام أحمد من حديث حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة مرفوعا وسيأتي. وقال الامام احمد حدثنا الحسن حدثنا ابن لهيعة حدثنا أبو يونس يعنى سليم بن جبير عن أبى هريرة قال الامام أحمد لم يرفعه. قال جاء ملك الموت الى موسى ﵇ فقال أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها. فرجع الملك الى الله فقال إنك بعثتني الى عبد لك لا يريد الموت. قال وقد فقأ عيني قال فرد الله عينه وقال ارجع الى عبدي فقل له الحياة تريد فان كنت تريد الحياة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فإنك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم الموت قال فالآن يا رب من قريب. تفرد به احمد وهو موقوف بهذا اللفظ. وقد رواه ابن حبان في صحيحه من طريق معمر عن ابن طاووس عن أبيه عن أبى هريرة قال معمر وأخبرنى من سمع الحسن عن رسول الله فذكره ثم استشكله ابن حبان وأجاب عنه بما حاصله أن ملك الموت لما قال له هذا لم يعرفه لمجيئه له على غير صورة يعرفها موسى ﵇ كما جاء جبريل في صورة أعرابى وكما وردت الملائكة على إبراهيم ولوط في صورة شباب فلم يعرفهم إبراهيم ولا لوط أولا وكذلك موسى لعله لم يعرفه لذلك ولطمه ففقأ عينه لانه دخل داره بغير أذنه وهذا موافق لشريعتنا في جواز فقء عين من نظر إليك في دارك بغير اذن * ثم أورد الحديث من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ جاء ملك الموت الى موسى ليقبض روحه قال له أجب ربك فلطم موسى عين ملك الموت ففقأ عينه وذكر تمام الحديث كما أشار اليه البخاري ثم تأوله على أنه لما رفع يده ليلطمه قال له أجب ربك وهذا التأويل لا يتمشى على ما ورد به اللفظ من تعقيب قوله أجب ربك بلطمه ولو استمر على الجواب الأول لتمشي له وكأنه لم يعرفه في تلك الصورة ولم يحمل قوله هذا على أنه مطابق إذ لم يتحقق في الساعة الراهنة أنه ملك كريم لانه كان يرجو أمورا كثيرة كان يحب وقوعها في حياته من خروجه من التيه ودخولهم الأرض المقدسة وكان قد سبق في قدرة الله أنه ﵇ يموت في التيه بعد هارون أخيه كما سنبينه إن شاء الله تعالى. وقد زعم بعضهم أن موسى ﵇ هو الّذي خرج بهم من التيه ودخل بهم الأرض المقدسة. وهذا خلاف ما عليه أهل الكتاب وجمهور المسلمين. ومما يدل على ذلك قوله لما اختار الموت رب أدننى الى الأرض المقدسة رمية حجر. ولو كان قد دخلها لم يسأل ذلك ولكن لما كان مع قومه بالتيه وحانت وفاته عليه

стр. 318

السلام أحب أن يتقرب الى الأرض التي هاجر اليها وحث قومه عليها ولكن حال بينهم وبينها القدر رمية بحجر ولهذا قال سيد البشر. ورسول الله الى أهل الوبر والمدر. فلو كنت ثم لأريتكم قبره عند الكثيب الأحمر. وقال الامام حدثنا عفان حدثنا حماد حدثنا ثابت وسليمان التيمي عن أنس بن مالك إن رسول الله ﷺ قال لما أسرى بى مررت بموسى وهو قائم يصلى في قبره عند الكثيب الأحمر ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة به وقال السدي عن أبى مالك وأبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن ناس من الصحابة قالوا ثم إن الله تعالى أوحى الى موسى إني متوف هارون فائت به جبل كذا وكذا فانطلق موسى وهارون نحو ذلك الجبل فإذا هم بشجرة لم تر شجرة مثلها وإذا هم ببيت مبنى وإذا هم بسرير عليه فرش وإذا فيه ريح طيبة فلما نظر هارون الى ذلك الجبل والبيت وما فيه أعجبه قال يا موسى إني أحب أن أنام على هذا السرير قال له موسى فنم عليه قال إني أخاف أن يأتى رب هذا البيت فيغضب على قال له لا ترهب أنا أكفيك رب هذا البيت فنم. قال يا موسى نم معى فان جاء رب هذا البيت غضب على وعليك جميعا. فلما ناما أخذ هارون الموت فلما وجد حسه قال يا موسى خدعتني فلما قبض رفع ذلك البيت وذهبت تلك الشجرة ورفع السرير به الى السماء فلما رجع موسى الى قومه وليس معه هارون قالوا فان موسى قتل هارون وحسده حب بنى إسرائيل له وكان هارون أكف عنهم والين لهم من موسى وكان في موسى بعض الغلظة عليهم فلما بلغه ذلك قال لهم ويحكم كان أخى أفتروني أقتله. فلما أكثروا عليه قام فصلى ركعتين ثم دعا الله فنزل السرير حتى نظروا اليه بين السماء والأرض. ثم إن موسى ﵇ بينما هو يمشى ويوشع فتاه إذ أقبلت ريح سوداء فلما نظر اليها يوشع ظن أنها الساعة فالتزم موسى وقال تقوم الساعة وأنا ملتزم موسى نبي الله فاستل موسى ﵇ من تحت القميص وترك القميص في يدي يوشع. فلما جاء يوشع بالقميص أخذته بنو إسرائيل وقالوا قتلت نبي الله. فقال لا والله ما قتلته ولكنه استلّ منى فلم يصدقوه وأرادوا قتله. قال فإذا لم تصدقوني فاخرونى ثلاثة أيام فدعا الله فأتى كل رجل ممن كان يحرسه في المنام فأخبر أن يوشع لم يقتل موسى وإنا قد رفعناه إلينا فتركوه ولم يبق أحد ممن أبى أن يدخل قرية الجبارين مع موسى إلا مات ولم يشهد الفتح وفي بعض هذا السياق نكارة وغرابة والله أعلم. وقد قدمنا أنه لم يخرج أحد من التيه ممن كان مع موسى سوى يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وهو زوج مريم أخت موسى وهارون وهما الرجلان المذكوران فيما تقدم اللذان أشارا على ملأ بنى إسرائيل بالدخول عليهم وذكر وهب بن منبه أن موسى ﵇ مر بملإ من الملائكة يحفرون قبرا فلم ير أحسن منه ولا أنضر ولا أبهج فقال يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر فقالوا لعبد من عباد الله كريم فان كنت تحب أن تكون هذا العبد فادخل هذا القبر وتمدد فيه وتوجه الى ربك وتنفس أسهل تنفس ففعل ذلك فمات صلوات الله

стр. 319

وسلامه عليه فصلت عليه الملائكة ودفنوه * وذكر أهل الكتاب وغيرهم أنه مات وعمره مائة وعشرون سنة وقد قال الامام أحمد حدثنا أمية بن خالد ويونس قالا حدثنا حماد بن سلمة عن عمار بن أبى عمار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال يونس رفع هذا الحديث الى النبي ﷺ قال كان ملك الموت يأتى الناس عيانا قال فأتى موسى ﵇ فلطمه ففقأ عينه فأتى ربه فقال يا رب عبدك موسى فقأ عيني ولولا كرامته عليك لعتبت عليه. وقال يونس لشققت عليه. قال له اذهب الى عبدي. فقل له فليضع يده على جلد (أو) مسك ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة فأتاه فقال له فقال ما بعد هذا قال الموت قال فالآن قال فشمه شمة فقبض روحه. قال يونس فرد الله عليه عينه وكان يأتى الناس خفية * وكذا رواه ابن جرير عن أبى كريب عن مصعب بن المقدام عن حماد بن سلمة به فرفعه أيضا ذكر نبوة يوشع وقيامه بأعباء بنى إسرائيل بعد موسى وهارون ﵉ هو يوشع بن نون بن أفراثيم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل ﵈ وأهل الكتاب يقولون يوشع بن عم هود وقد ذكره الله تعالى في القرآن غير مصرح باسمه في قصة الخضر كما تقدم من قوله (﴿وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ﴾ * ﴿فَلَمّا جاوَزا قالَ لِفَتاهُ﴾) وقدمنا ما ثبت في الصحيح من رواية أبى ابن كعب ﵁ عن النبي ﷺ من أنه يوشع بن نون وهو متفق على نبوته عند أهل الكتاب فان طائفة منهم وهم السامرة لا يقرون بنبوة أحد بعد موسى الا يوشع بن نون لانه مصرح به في التوراة ويكفرون بما وراءه وهو الحق من ربهم فعليهم لعائن الله المتتابعة الى يوم القيامة. واما ما حكاه ابن جرير وغيره من المفسرين عن محمد بن إسحاق من أن النبوة حولت من موسى إلى يوشع في آخر عمر موسى فكان موسى يلقى يوشع فيسأله ما أحدث الله من الأوامر والنواهي حتى قال له يا كليم الله إني كنت لا اسألك عما يوحى الله إليك حتى تخبرني أنت ابتداء من تلقاء نفسك فعند ذلك كره موسى الحياة وأحبّ الموت ففي هذا نظر لأن موسى ﵇ لم يزل الأمر والوحي والتشريع والكلام من الله اليه من جميع أحواله حتى توفاه الله ولم يزل معززا مكرما مدللا وجيها عند الله كما قدمنا في الصحيح من قصة فقئه عين ملك الموت ثم بعثه الله اليه ان كان يريد لحياة فليضع يده على جلد ثور فله بكل شعرة وارت يده سنة يعيشها قال ثم ماذا قال الموت قال فالآن يا رب وسأل الله أن يدنيه إلى بيت المقدس رمية بحجر وقد أجيب الى ذلك صلوات الله وسلامه عليه

стр. 320

فهذا الّذي ذكره محمد بن إسحاق إن كان إنما يقوله من كتب أهل الكتاب ففي كتابهم الّذي يسمونه التوراة أن الوحي لم يزل ينزل على موسى في كل حين يحتاجون اليه الى آخر مدة موسى كما هو المعلوم من سياق كتابهم عند تابوت الشهادة في قبة الزمان. وقد ذكروا في السفر الثالث أن الله أمر موسى وهارون أن يعدّ ابني إسرائيل على اسباطهم وان يجعلا على كل سبط من الاثني عشر أميرا وهو النقيب وما ذاك الا ليتأهّبوا للقتال قتال الجبارين عند الخروج من التيه وكان هذا عند اقتراب انقضاء الأربعين سنة. ولهذا قال بعضهم إنما فقأ موسى ﵇ عين ملك الموت لانه لم يعرفه في صورته تلك ولأنه كان قد أمر بأمر كان يرتجى وقوعه في زمانه ولم يكن في قدر الله أن يقع ذلك في زمانه بل في زمان فتاه يوشع بن نون ﵇ كما أن رسول الله ﷺ كان قد أراد غزو الروم بالشام فوصل إلى تبوك ثم رجع عامه ذلك في سنة تسع. ثم حج في سنة عشر ثم رجع فجهز. جيش أسامة إلى الشام طليعة بين يديه ثم كان على عزم الخروج اليهم امتثالا لقوله تعالى ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ﴾ ولما جهز رسول الله جيش أسامة توفى ﵊ واسامة مخيم بالجرف فنفذه صديقه وخليفته أبو بكر الصديق ﵁ ثم لما لم أشعث جزيرة العرب وما كان دهى من أمر أهلها وعاد الحق إلى نصابه جهز الجيوش يمنة ويسرة إلى العراق أصحاب كسرى ملك الفرس والى الشام أصحاب قيصر ملك الروم ففتح الله لهم ومكن لهم وبهم وملكهم نواصي أعدائهم كما سنورده عليك في موضعه إذا انتهينا اليه مفصلا إن شاء الله بعونه وتوفيقه وحسن إرشاده * وهكذا موسى ﵇ كان الله قد أمره أن يجند بنى إسرائيل وأن يجعل عليهم نقباء كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اِثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً﴾ وقال الله ﴿إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ يقول لهم لئن قمتم بما أوجبت عليكم ولم تنكلوا عن القتال كما نكلتم أول مرة لأجعلن ثواب هذه مكفرا لما وقع عليكم من عقاب تلك كما قال تعالى لمن تخلف من الاعراب عن رسول الله ﷺ في غزوة الحديبيّة «قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً» وهكذا قال تعالى لبني إسرائيل ﴿فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ ثم ذمهم تعالى على سوء صنيعهم ونقضهم مواثيقهم كما ذم من بعدهم من النصارى على اختلافهم في دينهم وأديانهم. وقد ذكرنا ذلك في التفسير مستقصى ولله الحمد. والمقصود أن الله تعالى أمر موسى ﵇ أن يكتب أسماء المقاتلة من بنى إسرائيل ممن يحمل

стр. 321

السلاح ويقاتل ممن بلغ عشرين سنة فصاعدا وأن يجعل على كل سبط نقيبا منهم. السبط الأول سبط روبيل لانه بكر يعقوب كان عدة المقاتلة منهم ستة وأربعين الفا وخمسمائة. ونقيبهم منهم وهو اليصور ابن شديئورا. السبط الثاني سبط شمعون وكانوا تسعة وخمسين الفا وثلاثمائة. ونقيبهم شلوميئيل بن هوريشداي. السبط الثالث سبط يهوذا وكانوا أربعة وسبعين الفا وستمائة. ونقيبهم نحشون بن عميناداب. السبط الرابع سبط ايساخر وكانوا أربعة وخمسين الفا وأربعمائة ونقيبهم نشائيل بن صوغر. السبط الخامس سبط يوسف ﵇ وكانوا أربعين الفا وخمسمائة ونقيبهم يوشع بن نون. السبط السادس سبط ميشا وكانوا أحدا وثلاثين الفا ومائتين ونقيبهم جمليئيل بن فدهصور. السبط السابع سبط بنيامين وكانوا خمسة وثلاثين الفا وأربعمائة ونقيبهم أبيدن بن جدعون. السبط الثامن سبط حاد وكانوا خمسة وأربعة الفا وستمائة وخمسين رجلا ونقيبهم الياساف بن رعوئيل. السبط التاسع سبط أشير وكانوا أحدا وأربعين الفا وخمسمائة ونقيبهم فجعيئيل بن عكرن. السبط العاشر سبط دان وكانوا اثنين وستين الفا وسبعمائة ونقيبهم أخيعزر ابن عمشداى. السبط الحادي عشر سبط نفتالى وكانوا ثلاثة وخمسين الفا وأربعمائة. ونقيبهم أخيرع بن عين السبط الثاني عشر سبط زبولون وكانوا سبعة وخمسين الفا وأربعمائة ونقيبهم الباب بن حيلون. هذا نص كتابهم الّذي بأيديهم والله أعلم. وليس منهم بنو لاوى فامر الله موسى أن لا يعدهم معهم لانهم موكلون بحمل قبة الشهادة وضربها ونصبها وحملها إذا ارتحلوا وهم سبط موسى وهارون ﵉ وكانوا اثنين وعشرين الفا من ابن شهر فما فوق ذلك * وهم في أنفسهم قبائل الى كل قبيلة طائفة من قبة الزمان يحرسونها ويحفظونها ويقومون بمصالحها ونصبها وحملها وهم كلهم حولها ينزلون ويرتحلون أمامها ويمينها وشمالها ووراءها. وجملة ما ذكر من المقاتلة غير بنى لاوى خمسمائة ألف وأحد وسبعون الفا وستمائة وستة وخمسون لكن قالوا فكان عدد بنى إسرائيل ممن عمره عشرون سنة فما فوق ذلك ممن حمل السلاح ستمائة ألف وثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة وخمسين رجلا سوى بنى لاوى وفي هذا نظر فان جميع الجمل المتقدمة إن كانت كما وجدنا في كتابهم لا تطابق الجملة التي ذكروها والله أعلم. فكان بنو لاوى الموكلون بحفظ قبة الزمان يسيرون في وسط بنى إسرائيل وهم القلب ورأس الميمنة بنو روبيل ورأس الميسرة بنوران وبنو نفتالى يكونون ساقه * وقرر موسى ﵇ بأمر الله تعالى له الكهانة في بنى هارون كما كانت لأبيهم من قبلهم وهم ناداب وهو بكرة وأبيهو والعازر ويثمر. والمقصود أن بنى إسرائيل لم يبق منهم أحد ممن كان نكل عن دخول مدينة الجبارين الذين قالوا ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنّا هاهُنا قاعِدُونَ﴾ قاله الثوري عن أبى سعيد عن عكرمة عن ابن عباس وقاله قتادة وعكرمة ورواه السدي عن ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة حتى قال ابن عباس وغيره من علماء السلف والخلف ومات موسى وهارون قبله كلاهما في التيه جميعا وقد زعم ابن إسحاق أن الّذي فتح بيت المقدس

стр. 322

هو موسى وإنما كان يوشع على مقدمته وذكر في مروره اليها قصة بلعام بن باعور الّذي قال تعالى فيه ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ * وَلَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَلكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاِتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ. ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ * ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقد ذكرنا قصته في التفسير وأنه كان فيما قاله ابن عباس وغيره يعلم الاسم الأعظم وأن قومه سألوه أن يدعو على موسى وقومه فامتنع عليهم ولما ألحوا عليه ركب حمارة له. ثم سار نحو معسكر بنى إسرائيل فلما أشرف عليهم ربضت به حمارته فضربها حتى قامت فسارت غير بعيد وربضت فضربها ضربا أشد من الأول فقامت ثم ربضت فضربها فقالت له يا بلعام أين تذهب أما ترى الملائكة أمامى تردني عن وجهي هذا أتذهب الى نبي الله والمؤمنين تدعو عليهم فلم ينزع عنها فضربها حتى سارت به حتى أشرف عليهم من رأس جبل حسبان. ونظر الى معسكر موسى وبنى إسرائيل فاخذ يدعو عليهم فجعل لسانه لا يطيعه إلا أن يدعو لموسى وقومه ويدعو على قوم نفسه فلاموه على ذلك فاعتذر اليهم بانه لا يجرى على لسانه إلا هذا واندلع لسانه حتى وقع على صدره وقال لقومه ذهبت منى الآن الدنيا والآخرة ولم يبق إلا المكر والحيلة. ثم أمر قومه أن يزينوا النساء ويبعثوهن بالأمتعة يبعن عليهم ويتعرضن لهم حتى لعلهم يقعون في الزنا فإنه متى زنى رجل منهم كفيتموهم ففعلوا وزينوا نساءهم وبعثوهن الى المعسكر فمرت امرأة منهم سمها كستي برجل من عظماء بنى إسرائيل وهو زمري بن شلوم. يقال إنه كان رأس سبط بنى شمعون بن يعقوب فدخل بها قبته فلما خلا بها أرسل الله الطاعون على بنى إسرائيل فجعل يحوس فيهم فلما بلغ الخبر الى فنحاص بن العزار بن هارون أخذ حربته وكانت من حديد فدخل عليهما القبة فانتظمهما جميعا فيها ثم خرج بهما على الناس والحربة في يده وقد اعتمد على خاصرته وأسندها الى لحيته ورفعهما نحو السماء وجعل يقول اللهمّ هكذا تفعل بمن يعصيك ورفع الطاعون فكان جملة من مات في تلك الساعة سبعين الفا والمقلل يقول عشرين الفا وكان فنحاص بكر أبيه العزار ابن هارون فلهذا يجعل بنو إسرائيل لولد فنحاص من الذبيحة اللية والذراع واللحى ولهم البكر من كل أموالهم وأنفسهم. وهذا الّذي ذكره ابن إسحاق من قصة بلعام صحيح قد ذكره غير واحد من علماء السلف لكن لعله لما أراد موسى دخول بيت المقدس أول مقدمه من الديار المصرية ولعله مراد ابن إسحاق ولكنه ما فهمه بعض الناقلين عنه وقد قدمنا عن نص التوراة ما يشهد لبعض هذا والله أعلم. ولعل هذه قصة أخرى كانت في خلال سيرهم في التيه فان في هذا السياق ذكر حسبان وهي بعيدة عن أرض بيت المقدس أو لعله كان هذا لجيش موسى الذين عليهم يوشع بن نون حين خرج بهم من التيه قاصدا بيت المقدس كما صرح به السدي. والله أعلم. وعلى كل تقدير فالذي عليه الجمهور أن هارون توفى بالتيه

стр. 323

قبل موسى أخيه بنحو من سنتين. وبعده موسى في التيه أيضا كما قدمنا وانه سأل ربه أن يقرب إلى بيت المقدس فأجيب إلى ذلك فكان الّذي خرج بهم من التيه وقصد بهم بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇ فذكر أهل الكتاب وغيرهم من أهل التاريخ أنه قطع بنى إسرائيل نهر الأردن وانتهى الى أريحا وكانت من أحصن المدائن سورا واعلاها قصورا وأكثرها أهلا فحاصرها ستة أشهر. ثم إنهم أحاطوا بها يوما وضربوا بالقرون يعنى الابواق وكبروا تكبيرة رجل واحد فتفسخ سورها وسقط وجبة واحدة فدخلوها وأخذوا ما وجدوا فيها من الغنائم وقتلوا اثني عشر ألفا من الرجال والنساء وحاربوا ملوكا كثيرة. ويقال إن يوشع ظهر على أحد وثلاثين ملكا من ملوك الشام. وذكروا أنه انتهى محاصرته لها إلى يوم جمعة بعد العصر. فلما غربت الشمس أو كادت تغرب ويدخل عليهم السبت الّذي جعل عليهم وشرع لهم ذلك الزمان قال لها إنك مأمورة وأنا مأمور اللهمّ احبسها على فحبسها الله عليه حتى تمكن من فتح البلد وأمر القمر فوقف عند الطلوع وهذا يقتضي أن هذه الليلة كانت الليلة الرابعة عشرة من الشهر والأول وهو قصة الشمس المذكورة في الحديث الّذي سأذكره. وأما قصة القمر فمن عند أهل الكتاب ولا ينافي الحديث بل فيه زيادة تستفاد فلا تصدق ولا تكذب ولكن ذكرهم أن هذا في فتح أريحا فيه نظر والأشبه والله أعلم أن هذا كان في فتح بيت المقدس الّذي هو المقصود الأعظم وفتح أريحا كان وسيلة اليه والله أعلم. قال الإمام احمد حدثنا أسود بن عامر حدثنا أبو بكر عن هشام عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع ليالي سار إلى بيت المقدس. انفرد به أحمد من هذا الوجه وهو على شرط البخاري. وفيه دلالة على أن الّذي فتح بيت المقدس هو يوشع بن نون ﵇ لا موسى وان حبس الشمس كان في فتح بيت المقدس لا أريحا كما قلنا. وفيه أن هذا كان من خصائص يوشع ﵇ فيدل على ضعف الحديث الّذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلى على بن أبى طالب صلاة العصر بعد ما فاتته بسبب نوم النبي ﷺ على ركبته فسأل رسول الله أن يردها عليه حتى يصلى العصر فرجعت. وقد صححه على بن صالح المصري ولكنه منكر ليس في شيء من الصحاح ولا الحسان وهو مما تتوفر الدواعي على نقله وتفردت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها والله أعلم. وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل قد ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبنى بها ولما يبن. ولا آخر قد بنى بنيانا ولم يرفع سقفها ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية حين صلّى العصر أو قريبا من ذلك فقال للشمس أنت مأمورة وأنا مأمور اللهمّ احبسها على شيئا فحبست عليه حتى فتح الله عليه فجمعوا ما غنموا فاتت النار لتأكله فأبت أن تطعمه

стр. 324

فقال فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول ولتبايعني قبيلتك فبايعته قبيلته فلصق بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغلول أنتم غللتم فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب قال فوضعوه بالمال وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلته فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا ذلك بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا. انفرد به مسلم من هذا الوجه. وقد روى البزار من طريق مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن سعيد المقبري عن أبى هريرة عن النبي ﷺ نحوه. قال ورواه محمد بن عجلان عن سعيد المقبري قال ورواه قتادة عن سعيد بن المسيب عن أبى هريرة عن النبي ﷺ . والمقصود أنه لما دخل بهم باب المدينة أمروا أن يدخلوها سجدا أي ركعا متواضعين شاكرين لله على ما من به عليهم من الفتح العظيم الّذي كان الله وعدهم إياه وان يقولوا حال دخولهم حطة أي حط عنا خطيانا التي سلفت من نكولنا الّذي تقدم منا. ولهذا لما دخل رسول الله ﷺ مكة يوم فتحها دخلها وهو راكب ناقته وهو متواضع حامد شاكر حتى أن عثنونه وهو طرف لحيته ليمس مورك رحله مما يطأطئ رأسه خضعانا لله ومعه الجنود والجيوش ممن لا يرى منه إلا الحدق ولا سيما الكتيبة الخضراء التي فيها رسول الله ﷺ ثم لما دخلها اغتسل وصلّى ثماني ركعات وهي صلاة الشكر على النصر على المنصور من قولي العلماء. وقيل إنها صلاة الضحى وما حمل هذا القائل على قوله هذا الا لأنها وقعت وقت الضحى. واما بنو إسرائيل فإنهم خالفوا ما أمروا به قولا وفعلا دخلوا الباب يزحفون على أستاههم يقولون حبة في شعرة وفي رواية حنطة في شعرة. وحاصله أنهم بدلوا ما أمروا به واستهزءوا به كما قال تعالى حاكيا عنهم في سورة الأعراف وهي مكية ﴿وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اُسْكُنُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ وقال في سورة البقرة وهي مدنية مخاطبا لهم ﴿وَإِذْ قُلْنَا اُدْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقال الثوري عن الأعمش عن المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿وَاُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً﴾ قال ركعا من باب صغير. رواه الحاكم وابن جرير وابن أبى حاتم وكذا روى العوفيّ عن ابن عباس وكذا روى الثوري عن ابن إسحاق عن البراء. قال مجاهد والسدي والضحاك والباب هو باب حطة من بيت إيلياء بيت المقدس. قال ابن مسعود فدخلوا مقنعي رءوسهم ضد ما أمروا به وهذا لا ينافي قول ابن عباس أنهم دخلوا يزحفون على أستاههم. وهكذا في الحديث الّذي سنورده بعد فإنهم دخلوا يزحفون وهم مقنعوا رءوسهم. وقوله ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الواو هنا حالية لا عاطفة أي ادخلوا سجدا في حال قولكم حطة. قال ابن عباس وعطاء والحسن وقتادة والربيع

стр. 325

أمروا أن يستغفروا * قال البخاري حدثنا محمد حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن بن المبارك عن معمر عن همام بن منبه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال قيل لبني إسرائيل ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقالوا حطة حبة في شعرة. وكذا رواه النسائي من حديث ابن المبارك ببعضه ورواه عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم عن ابن مهدي به موقوفا. وقد قال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن همام بن منبه أنه سمع أبا هريرة يقول قال رسول الله ﷺ قال الله لبني إسرائيل ﴿اُدْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ﴾ فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم فقالوا حبة في شعرة. ورواه البخاري ومسلم والترمذي من حديث عبد الرزاق وقال الترمذي حسن صحيح. وقال محمد بن إسحاق كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان عن صالح مولى التوأمة عن أبى هريرة وعمن لا اتهم عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال دخلوا الباب الّذي أمروا أن يدخلوا فيه سجدا يزحفون على أستاههم وهم يقولون حنطة في شعيرة. وقال أسباط عن السدي عن مرة عن ابن مسعود قال في قوله ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ قال قالوا (هطى سقاثا ازمة مزبا) فهي في العربية (حبة حنطة حمراء مثقوبة فيها شعرة سوداء) وقد ذكر الله تعالى أنه عاقبهم على هذه المخالفة بإرسال الرجز الّذي أنزله عليهم وهو الطاعون كما ثبت في الصحيحين من حديث الزهري عن عامر بن سعد ومن حديث مالك عن محمد ابن المنكدر وسالم أبى النضر عن عامر بن سعد عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ أنه قال إن هذا الوجع (أو) السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم وروى النسائي وابن أبى حاتم وهذا لفظه من حديث الثوري عن حبيب بن أبى ثابت عن إبراهيم بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه وأسامة بن زيد وخزيمة بن ثابت قالوا قال رسول الله ﷺ الطاعون رجز عذاب عذب به من كان قبلكم وقال الضحاك عن ابن عباس الرجز العذاب. وكذا قال مجاهد وابو مالك والسدي والحسن وقتادة وقال أبو العالية هو الغضب. وقال الشعبي الرجز إما الطاعون وإما البرد. وقال سعيد بن جبير هو الطاعون. ولما استقرت يد بنى إسرائيل على بيت المقدس استمروا فيه وبين أظهرهم نبي الله يوشع يحكم بينهم بكتاب الله التوراة حتى قبضه الله اليه وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة فكان مدة حياته بعد موسى سبعا وعشرين سنة ذكر قصتي الخضر والياس ﵉ أما الخضر فقد تقدم أن موسى ﵇ رحل اليه في طلب ما عنده من العلم اللدني وقص الله من خبرهما في كتابه العزيز في سورة الكهف وذكرنا في تفسير ذلك هنالك وأوردنا هنا ذكر الحديث

стр. 326

المصرح بذكر الخضر ﵇ وأن الّذي رحل اليه هو موسى بن عمران نبي بنى إسرائيل ﵇ الّذي أنزلت عليه التوراة. وقد اختلف في الخضر في اسمه ونسبه ونبوته وحياته الى الآن على أقوال سأذكرها لك هاهنا إن شاء الله وبحوله وقوته * قال الحافظ ابن عساكر يقال إنه الخضر بن آدم ﵇ لصلبه ثم روى من طريق الدارقطنيّ حدثنا محمد بن الفتح القلانسي حدثنا العباس بن عبد الله الرومي حدثنا رواد بن الجراح حدثنا مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس قال الخضر ابن آدم لصلبه ونسيء له في أجله حتى يكذب الدجال وهذا منقطع وغريب. وقال أبو حاتم سهل بن محمد بن عثمان السجستاني سمعت مشيختنا منهم أبو عبيدة وغيره قالوا إن أطول بنى آدم عمرا الخضر واسمه خضرون بن قابيل بن آدم قال وذكر ابن إسحاق أن آدم ﵇ لما حضرته الوفاة أخبر بنيه أن الطوفان سيقع بالناس وأوصاهم إذا كان ذلك أن يحملوا جسده معهم في السفينة وأن يدفنوه في مكان عينه لهم. فلما كان الطوفان حملوه معهم فلما هبطوا الى الأرض أمر نوح بنيه أن يذهبوا ببدنه فيدفنوه حيث أوصى فقالوا إن الأرض ليس بها أنيس وعليها وحشة فحرضهم وحثهم على ذلك. وقال إن آدم دعا لمن يلي دفنه بطول العمر فهابوا المسير الى ذلك الموضع في ذلك الوقت فلم يزل جسده عندهم حتى كان الخضر هو الّذي تولى دفنه وأنجز الله ما وعده فهو يحيى الى ما شاء الله له أن يحيى. وذكر ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه أن اسم الخضر بليا * ويقال إيليا بن ملكان بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ﵇. وقال إسماعيل بن أبى أويس اسم الخضر فيما بلغنا والله أعلم المعمر بن مالك بن عبدان بن نصر بن لازد. وقال غيره هو خضرون بن عمياييل بن اليفز بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. ويقال هو أرميا بن طبقا فالله أعلم. وقيل إنه كان ابن فرعون صاحب موسى ملك مصر وهذا غريب جدا. قال ابن الجوزي رواه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة وهما ضعيفان. وقيل إنه ابن مالك وهو أخو الياس قاله السدي كما سيأتي. وقيل انه كان على مقدمة ذي القرنين. وقيل كان ابن بعض من آمن بإبراهيم الخليل وهاجر معه وقيل كان نبيا في زمن بشتاسب بن لهراسب. قال ابن جرير والصحيح أنه كان متقدما في زمن أفريدون ابن اثفيان حتى أدركه موسى ﵉. وروى الحافظ ابن عساكر عن سعيد بن المسيب أنه قال الخضر أمه رومية وأبوه فارسي وقد ورد ما يدل على أنه كان من بنى إسرائيل في زمان فرعون أيضا. قال أبو زرعة في دلائل النبوة حدثنا صفوان بن صالح الدمشقيّ حدثنا الوليد حدثنا سعيد بن بشير عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس عن أبى بن كعب عن رسول الله ﷺ أنه ليلة أسرى به وجد رائحة طيبة فقال يا جبريل ما هذه الرائحة الطيبة قال هذه ريح قبر الماشطة وابنتها وزوجها وقال وكان بدء ذلك أن الخضر كان من

стр. 327

أشراف بنى إسرائيل وكان ممره براهب في صومعته فتطلع عليه الراهب فعلمه الإسلام فلما بلغ الخضر زوجه أبوه امرأة فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا وكان لا يقرب النساء ثم طلقها ثم زوجه أبوه بأخرى فعلمها الإسلام وأخذ عليها أن لا تعلم أحدا ثم طلقها فكتمت إحداهما وأفشت عليه الأخرى فانطلق هاربا حتى أتى جزيرة في البحر فاقبل رجلان يحتطبان فرأياه فكتم أحدهما وأفشى عليه الآخر قال قد رأيت العزقيل ومن رآه معك قال فلان فسئل فكتم وكان من دينهم انه من كذب قتل فقتل وكان قد تزوج الكاتم المرأة الكاتمة قال فبينما هي تمشط بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها فقالت تعس فرعون فأخبرت أباها وكان للمرأة ابنان وزوج فأرسل اليهم فراود المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما فأبيا فقال إني قاتلكما فقالا إحسان منك إلينا إن أنت قتلتنا أن تجعلنا في قبر واحد فجعلهما في قبر واحد فقال وما وجدت ريحا أطيب منهما وقد دخلت الجنة وقد تقدمت قصة مائلة بنت فرعون وهذا المشط في أمر الخضر قد يكون مدرجا من كلام أبى بن كعب أو عبد الله بن عباس والله أعلم. وقال بعضهم كنيته أبو العباس والأشبه والله أعلم أن الحضر لقب غلب عليه. قال البخاري ﵀ حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني حدثنا ابن المبارك عن معمر عن همام عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال إنما سمى الخضر لانه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء تفرد به البخاري وكذلك رواه عبد الرزاق عن معمر به. ثم قال عبد الرزاق الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهه يعنى الهشيم اليابس. وقال الخطابي وقال أبو عمر الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها وقال غيره هو الهشيم اليابس شبهه بالفروة ومنه قيل فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر كما قال الراعي. ولقد ترى الحبشي حول بيوتنا … جذلا إذا ما نال يوما ما كلا جعدا أصك كان فروة رأسه … بذرت فأنبت جانباه فلفلا قال الخطابي إنما سمى الخضر خضرا لحسنه واشراق وجهه * قلت هذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح فان كان ولا بد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى بل لا يلتفت الى ما عداه وقد روى الحافظ ابن عساكر هذا الحديث أيضا من طريق إسماعيل بن حفص بن عمر الأيلي حدثنا عثمان وأبو جزى وهمام بن يحيى عن قتادة عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال إنما سمى الخضر خضرا لانه صلّى على فروة بيضاء فاهتزت خضراء. وهذا غريب من هذا الوجه وقال قبيصة عن الثوري عن منصور عن مجاهد قال إنما سمى الخضر لانه كان إذا صلّى أخضر ما حوله وتقدم أن موسى ويوشع ﵉ لما رجعا يقصان الأثر وجداه على طنفسة خضراء على كبد البحر وهو مسجى بثوب قد جعل طرفاه من تحت رأسه وقدميه فسلم ﵇ فكشف عن وجهه فرد وقال أنى بأرضك السلام من أنت قال أنا موسى قال موسى بنى إسرائيل قال نعم فكان من أمرهما ما قصه

стр. 328

الله في كتابه عنهما. وقد دل سباق القصة على نبوته من وجوه. أحدها قوله تعالى ﴿فَوَجَدا عَبْداً مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنّا عِلْماً﴾ الثاني قول موسى له ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمّا عُلِّمْتَ رُشْداً * قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً * وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلى ما لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً * قالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ صابِراً وَلا أَعْصِي لَكَ أَمْراً * قالَ فَإِنِ اِتَّبَعْتَنِي فَلا تَسْئَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ فلو كان وليا وليس بنبي لم يخاطبه موسى بهذه المخاطبة ولم يرد على موسى هذا الرد بل موسى إنما سأل صحبته لينال ما عنده من العلم الّذي اختصه الله به دونه فلو كان غير نبي لم يكن معصوما ولم تكن لموسى وهو نبي عظيم ورسول كريم واجب العصمة كبير رغبة ولا عظيم طلبة في علم ولى غير واجب العصمة ولما عزم على الذهاب اليه والتفتيش عليه ولو أنه يمضى حقبا من الزمان قيل ثمانين سنة ثم لما اجتمع به تواضع له وعظمه واتبعه في صورة مستفيد منه دل على أنه نبي مثله يوحى اليه كما يوحى اليه وقد خص من العلوم اللدنية والأسرار النبويّة بما لم يطلع الله عليه موسى الكليم نبي بنى إسرائيل الكريم وقد احتج بهذا المسلك بعينه الرماني (١) على نبوة الخضر ﵇. الثالث أن الخضر أقدم على قتل ذلك الغلام وما ذاك إلا للوحى اليه من الملك العلام * وهذا دليل مستقل على نبوته. وبرهان ظاهر على عصمته لان الولي لا يجوز له الاقدام على قتل النفوس بمجرد ما يلقى في خلده لان خاطره ليس بواجب العصمة إذ يجوز عليه الخطأ بالاتفاق. ولما أقدم الخضر على قتل ذلك الغلام الّذي لم يبلغ الحلم علما منه بانه إذا بلغ يكفر ويحمل أبويه عن الكفر لشدة محبتهما له فيتابعانه عليه ففي قتله مصلحة عظيمة تربو على بقاء مهجته صيانة لأبويه عن الوقوع في الكفر وعقوبته دل ذلك على نبوته وانه مؤيد من الله بعصمته. وقد رأيت الشيخ أبا الفرج ابن الجوزي طرق هذا المسلك بعينه في الاحتجاج على نبوة الخضر وصححه. وحكى الاحتجاج عليه الرماني أيضا. الرابع أنه لما فسر الخضر تأويل تلك الأفاعيل لموسى ووضح له عن حقيقة أمره وجلى قال بعد ذلك كله ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ يعنى ما فعلته من تلقاء نفسي بل أمرت به وأوحى الى فيه فدلت هذه الوجوه على نبوته * ولا ينافي ذلك حصول ولايته بل ولا رسالته كما قاله آخرون. وأما كونه ملكا من الملائكة فغريب جدا. وإذا ثبتت نبوته كما ذكرناه لم يبق لمن قال بولايته وان الولي قد يطلع على حقيقة الأمور دون أرباب الشرع الظاهر مستند يستندون اليه ولا معتمد يعتمدون عليه. وأما الخلاف في وجوده الى زماننا هذا فالجمهور على انه باق الى اليوم. قيل لانه دفن آدم بعد خروجهم من الطوفان فنالته دعوة أبيه آدم بطول الحياة. وقيل لانه شرب من عين الحياة فحيي.

стр. 329

وذكروا أخبارا استشهدوا بها على بقائه الى الآن وسنوردها إن شاء الله تعالى وبه الثقة وهذه وصيته لموسى حين ﴿قالَ هذا فِراقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ ما لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ روى في ذلك آثار منقطعة كثيرة. قال البيهقي أنبأنا أبو سعيد بن أبى عمرو حدثنا أبو عبد الله الصفار حدثنا أبو بكر ابن أبى الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل حدثنا جرير حدثني أبو عبد الله الملطي قال لما أراد موسى أن يفارق الخضر قال له موسى أوصني قال كن نفاعا ولا تكن ضرارا. كن بشاشا ولا تكن غضبان. ارجع عن اللجاجة ولا تمش في غير حاجة. وفي رواية من طريق أخرى زيادة (ولا تضحك إلا من عجب). وقال وهب بن منبه قال الخضر يا موسى ان الناس معذبون في الدنيا على قدر همومهم بها وقال بشر بن الحارث الحافى قال موسى للخضر أوصني فقال يسر الله عليك طاعته. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه ابن عساكر من طريق زكريا بن يحيى الوقاد إلا أنه من الكذابين الكبار. قال قرئ على عبد الله بن وهب وأنا أسمع قال الثوري قال مجالد قال أبو الوداك قال أبو سعيد الخدريّ قال عمر بن الخطاب قال قال رسول الله ﷺ قال أخى موسى يا رب ذكر كلمته فأتاه الخضر وهو فتى طيب الريح حسن بياض الثياب مشمرها فقال السلام عليك ورحمة الله يا موسى بن عمران إن ربك يقرأ عليك السلام. قال موسى هو السلام واليه السلام والحمد لله رب العالمين الّذي لا أحصى نعمه ولا أقدر على أداء شكره إلا بمعونته ثم قال موسى أريد أن توصيني بوصية ينفعني الله بها بعدك. فقال الخضر يا طالب العلم ان القائل أقل ملامة (١) من المستمع فلا تمل جلساءك إذا حدثتهم واعلم ان قلبك وعاء فانظر ماذا تحشو به وعاءك. واغرف من الدنيا وانبذها وراءك. فإنها ليست لك بدار ولا لك فيها محل قرار. وإنما جعلت بلغة للعباد والتزود منها ليوم المعاد. ورض نفسك على الصبر تخلص من الإثم * يا موسى تفرغ للعلم ان كنت تريده فإنما العلم لمن تفرغ له * ولا تكن مكثارا للعلم مهذارا فان كثرة المنطق تشين العلماء وتبدي مساوى السخفاء. ولكن عليك بالاقتصاد فان ذلك من التوفيق والسداد * وأعرض عن الجهال وماطلهم وأحلم عن السفهاء فان ذلك فعل الحكماء وزين العلماء إذا شتمك الجاهل فاسكت عنه حلما. وجانبه حزما. فان ما بقي من جهله عليك وسبه إياك أكثر وأعظم * يا ابن عمران ولا ترى أنك أوتيت من العلم إلا قليلا * فان الاندلاث والتعسف من الاقتحام والتكلف * يا ابن عمران لا تفتحن بابا لا تدري ما غلقه ولا تغلقن بابا لا تدري ما فتحه * يا ابن عمران من لا ينتهى من الدنيا نهمته ولا تنقضي منها رغبته ومن يحقر حاله ويتهم الله فيما قضى له كيف يكون زاهدا. هل يكف عن الشهوات من غلب عليه هواه. أو ينفعه طلب العلم والجهل قد حواه لان سعيه الى آخرته وهو مقبل على دنياه * يا موسى تعلم ما تعلمت لتعمل به ولا تعلمه لتحدث به فيكون عليك بواره ولغيرك نوره * يا موسى بن عمران اجعل الزهد والتقوى لباسك والعلم والذكر كلامك واستكثر من الحسنات فإنك مصيب السيئات وزعزع بالخوف قلبك فان ذلك يرضى ربك واعمل خيرا فإنك لا بد

стр. 330

عامل سوء. قد وعظت ان حفظت * قال فتولى الخضر وبقي موسى محزونا مكروبا يبكى. لا يصح هذا الحديث وأظنه من صنعة زكريا بن يحيى الوقاد المصري كذبه غير واحد من الأئمة والعجب أن الحافظ بن عساكر سكت عنه * وقال الحافظ أبو نعيم الأصبهاني حدثنا سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني ثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء الحمصي حدثنا محمد بن الفضل بن عمران الكندي حدثنا بقية بن الوليد عن محمد بن زياد عن أبى امامة أن رسول الله ﷺ قال لأصحابه ألا أحدثكم عن الخضر قالوا بلى يا رسول الله قال بينما هو ذات يوم يمشى في سوق بنى إسرائيل أبصره رجل مكاتب فقال تصدق على بارك الله فيك فقال الخضر آمنت بالله ما شاء الله من أمر يكون ما عندي من شيء أعطيكه فقال المسكين أسألك بوجه الله لما تصدقت على فانى نظرت الى السماء في وجهك ورجوت البركة عندك فقال الخصر آمنت بالله ما عندي من شيء أعطيكه إلا أن تأخذني فتبيعني فقال المسكين وهل يستقيم هذا قال نعم الحق أقول لك لقد سألتني بأمر عظيم أما أنى لا أخيبك بوجه ربى بعنى قال فقدمه الى السوق فباعه بأربعمائة درهم فمكث عند المشترى زمانا لا يستعمله في شيء فقال له انك ابتعتني التماس خير عندي فأوصنى بعمل قال أكره أن أشق عليك انك شيخ كبير ضعيف. قال ليس يشق على. قال فانقل هذه الحجارة وكان لا ينقلها دون ستة نفر في يوم فخرج الرجل لبعض حاجاته ثم انصرف وقد نقل الحجارة في ساعة. فقال أحسنت وأجملت وأطقت ما لم أرك تطيقه. ثم عرض للرجل سفر فقال إني أحسبك أمينا فاخلفني في أهلي خلافة حسنة قال فأوصني بعمل قال إني أكره أن أشق عليك قال ليس تشق على قال فاضرب من اللبن لبيتى حتى أقدم عليك فمضى الرجل لسفره فرجع وقد شيد بناؤه فقال أسألك بوجه الله ما سبيلك وما أمرك فقال سألتني بوجه الله والسؤال بوجه الله أوقعني في العبوديّة سأخبرك من أنا أنا الخضر الّذي سمعت به سألني مسكين صدقة فلم يكن عندي من شيء أعطيه فسألني بوجه الله فأمكنته من رقبتي فباعني وأخبرك أنه من سئل بوجه الله فرد سائله وهو يقدر وقف يوم القيامة جلده لا لحم له ولا عظم يتقعقع. فقال الرجل آمنت بالله شققت عليك يا نبي الله ولم أعلم فقال لا بأس أحسنت وأبقيت. فقال الرجل بأبي وأمى يا نبي الله أحكم في أهلي ومالي بما أراك الله أو أخيرك فاخلى سبيلك فقال أحب أن تخلى سبيلي فاعبد ربى فخلى سبيله * فقال الخضر الحمد لله الّذي أوقعني في العبوديّة ثم نجاني منها. وهذا حديث رفعه خطأ والأشبه أن يكون موقوفا وفي رجاله من لا يعرف فالله أعلم. وقد رواه ابن الجوزي في كتابه عجالة المنتظر في شرح حال الخضر من طريق عبد الوهاب بن الضحاك وهو متروك عن بقية. وقد روى الحافظ بن عساكر باسناده الى السدي أن الخضر والياس كانا أخوين وكان أبوهما ملكا فقال الياس لأبيه إن أخى الخضر لا رغبة له في الملك فلو أنك زوجته لعله يجيء منه ولد يكون الملك له فزوجه أبوه بامرأة حسناء بكر فقال لها الخضر إنه لا حاجة لي في النساء فان

стр. 331

شئت أطلقت سراحك وان شئت أقمت معى تعبدين الله وتكتمين على سرى فقالت نعم وأقامت معه سنة. فلما مضت السنة دعاها الملك فقال إنك شابة وابني شاب فأين الولد فقالت إنما الولد من عند الله ان شاء كان وان لم يشأ لم يكن فأمره أبوه فطلقها وزوجه بأخرى ثيبا قد ولد لها فلما زفت اليه قال لها كما قال للتي قبلها فأجابت الى الاقامة عنده. فلما مضت السنة سألها الملك عن الولد فقالت إن ابنك لا حاجة له بالنساء فتطلبه أبوه فهرب فأرسل وراءه فلم يقدروا عليه. فيقال إنه قتل المرأة الثانية لكونها أفشت سره فهرب من أجل ذلك وأطلق سراح الأخرى فأقامت تعبد الله في بعض نواحي تلك المدينة فمر بها رجل يوما فسمعته يقول بسم الله فقالت له أنى لك هذا الاسم فقال إني من أصحاب الخضر فتزوجته فولدت له أولادا. ثم صار من أمرها أن صارت ماشطة بنت فرعون فبينما هي يوما تمشطها إذ وقع المشط من يدها فقالت بسم الله فقالت ابنة فرعون أبى فقالت لا ربى وربك ورب أبيك الله فأعلمت أباها فامر بنقرة من نحاس فأحميت ثم أمر بها فألقيت فيه فلما عاينت ذلك تقاعست أن تقع فيها فقال لها ابن معها صغير يا أمه اصبري فإنك على الحق فالقت نفسها في النار فماتت رحمها الله * وقد روى ابن عساكر عن أبى داود الأعمى نفيع وهو كذاب وضاع عن أنس بن مالك ومن طريق كثير ابن عبد الله بن عمرو بن عوف وهو كذاب أيضا عن أبيه عن جده أن الخضر جاء ليلة فسمع النبي ﷺ وهو يدعو ويقول اللهمّ أعنى على ما ينجيني مما خوفتني وارزقني شوق الصالحين الى ما شوقتهم اليه فبعث اليه رسول الله أنس بن مالك فسلم عليه فرد عليه¬ السلام وقال قل له ان الله فضلك على الأنبياء كما فضل شهر رمضان على سائر الشهور وفضل أمتك على الأمم كما فضل يوم الجمعة على غيره الحديث وهو مكذوب لا يصح سندا ولا متنا كيف لا يتمثل بين يدي رسول الله ﷺ ويجيء بنفسه مسلما ومتعلما وهم يذكرون في حكاياتهم وما يسندونه عن بعض مشايخهم أن الخضر يأتى اليهم ويسلم عليهم ويعرف أسماءهم ومنازلهم ومحالهم وهو مع هذا لا يعرف موسى بن عمران كليم الله الّذي اصطفاه الله في ذلك الزمان على من سواه حتى يتعرف اليه بأنه موسى بنى إسرائيل. وقد قال الحافظ أبو الحسين بن المنادي بعد إيراده حديث أنس هذا وأهل الحديث متفقون على أنه حديث منكر الاسناد سقيم المتن يتبين فيه أثر الصنعة. فاما الحديث الّذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي قائلا أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن بشر بن مطر حدثنا كامل بن طلحة حدثنا عباد بن عبد الصمد عن أنس بن مالك قال لما قبض رسول الله ﷺ أحدق به أصحابه فبكوا حوله واجتمعوا فدخل رجل أشهب اللحية جسيم صبيح فتخطى رقابهم فبكى ثم التفت الى أصحاب رسول الله ﷺ فقال ان في الله عزاء من كل مصيبة وعوضا من كل فائت وخلفا من كل هالك فإلى الله فأنيبوا واليه فارغبوا ونظر إليكم في البلاء فانظروا فان المصاب من لم يجبر وانصرف فقال بعضهم لبعض تعرفون الرجل فقال أبو بكر وعلى

стр. 332

نعم هو أخو رسول الله ﷺ الخضر ﵇. وقد رواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن كامل بن طلحة به وفي متنه مخالفة لسياق البيهقي ثم قال البيهقي عباد بن عبد الصمد ضعيف وهذا منكر بمرة قلت عباد بن عبد الصمد هذا هو بن معمر البصري. روى عن أنس نسخة قال ابن حبان والعقيلي أكثرها موضوع * وقال البخاري منكر الحديث. وقال أبو حاتم ضعيف الحديث جدا منكره. وقال بن عدي عامة ما يرويه في فضائل على وهو ضعيف غال في التشيع. وقال الشافعيّ في مسندة أخبرنا القاسم بن عبد الله بن عمر عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده على بن الحسين قال لما توفى رسول الله ﷺ وجاءت التعزية سمعوا قائلا يقول ان في الله عزاء من كل مصيبة وخلفا من كل هالك ودركا من كل فائت فبالله فثقوا وإياه فارجوا فان المصاب من حرم الثواب. قال على بن الحسين أتدرون من هذا. هذا الخضر * شيخ الشافعيّ القاسم العمرى متروك. قال أحمد بن حنبل ويحيى بن معين يكذب. زاد أحمد ويضع الحديث ثم هو مرسل ومثله لا يعتمد عليه هاهنا والله أعلم. وقد روى من وجه آخر ضعيف عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن أبيه عن على. ولا يصح. وقد روى عبد الله بن وهب عمن حدثه عن محمد بن عجلان عن محمد بن المنكدر أن عمر بن الخطاب بينما هو يصلى على جنازة إذ سمع هاتفا وهو يقول لا تسبقنا يرحمك الله فانتظره حتى لحق بالصف فذكر دعاءه للميت إن تعذبه فكثيرا عصاك وإن تغفر له ففقير الى رحمتك * ولما دفن قال طوبى لك يا صاحب القبر إن لم تكن عريفا أو جابيا أو خازنا أو كاتبا أو شرطيا فقال عمر خذوا الرجل نسأله عن صلاته وكلامه عمن هو. قال فتوارى عنهم فنظروا فإذا أثر قدمه ذراع. فقال عمر هذا والله الخضر الّذي حدثنا عنه رسول الله ﷺ . وهذا الأثر فيه مبهم وفيه انقطاع ولا يصح مثله. وروى الحافظ بن عساكر عن الثوري عن عبد الله بن محرز عن يزيد بن الأصم عن على بن أبى طالب قال دخلت الطواف في بعض الليل فإذا أنا برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يمنعه سمع من سمع ويا من لا تغلطه المسائل ويا من لا يبرمه إلحاح الملحين ولا مسألة السائلين ارزقني برد عفوك وحلاوة رحمتك قال فقلت أعد على ما قلت فقال لي أو سمعته قلت نعم فقال لي والّذي نفس الخضر بيده قال وكان هو الخضر لا يقولها عبد خلف صلاة مكتوبة إلا غفر الله له ذنوبه ولو كانت مثل دبد البحر وورق الشجر وعدد النجوم لغفرها الله له. وهذا ضعيف من جهة عبد الله بن المحرز فإنه متروك الحديث ويزيد بن الأصم لم يدرك عليا ومثل هذا لا يصح والله أعلم. وقد رواه أبو إسماعيل الترمذي حدثنا مالك بن إسماعيل حدثنا صالح بن أبى الأسود عن محفوظ بن عبد الله الحضرميّ عن محمد بن يحيى قال بينما على بن أبى طالب يطوف بالكعبة إذا هو برجل متعلق بأستار الكعبة وهو يقول يا من لا يشغله سمع عن سمع ويا من لا يغلطه السائلون ويا من لا يتبرم بإلحاح الملحين ارزقنى برد عفوك وحلاوة رحمتك

стр. 333

قال فقال له على يا عبد الله أعد دعاءك هذا قال وقد سمعته قال نعم قال فادع به في دبر كل صلاة فو الّذي نفس الخضر بيده لو كان عليك من الذنوب عدد نجوم السماء ومطرها وحصباء الأرض وترابها لغفر لك أسرع من طرفة عين. وهذا أيضا منقطع وفي اسناده من لا يعرف والله أعلم. وقد أورد ابن الجوزي من طريق أبى بكر بن أبى الدنيا حدثنا يعقوب بن يوسف حدثنا مالك بن إسماعيل فذكر نحوه. ثم قال وهذا إسناد مجهول منقطع وليس فيه ما يدل على أن الرجل الخضر. وقال الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنبأنا أبو القاسم بن الحصين أنبأنا أبو طالب محمد بن محمد أنبأنا أبو إسحاق المزكي حدثنا محمد ابن إسحاق بن خزيمة حدثنا محمد بن احمد بن يزيد أملاه علينا بعبادان أنبأنا عمرو بن عاصم حدثنا الحسن بن زريق عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال ولا أعلمه إلا مرفوعا الى النبي ﷺ قال يلتقى الخضر والياس كل عام في الموسم فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات بسم الله ما شاء الله لا يسوق الخير إلا الله ما شاء الله لا يصرف الشر إلا الله ما شاء الله ما كان من نعمة فمن الله ما شاء الله لا حول ولا قوة إلا بالله. قال وقال ابن عباس من قالهن حين يصبح وحين يمسى ثلاث مرات آمنه الله من الغرق والحرق والسرق قال وأحسبه قال ومن الشيطان والسلطان والحية والعقرب. قال الدارقطنيّ في الافراد هذا حديث غريب من حديث ابن جريج لم يحدث به غير هذا الشيخ عنه يعنى الحسن بن زريق هذا * وقد روى عنه محمد بن كثير العبديّ أيضا ومع هذا قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي ليس بالمعروف * وقال الحافظ أبو جعفر العقيلي مجهول وحديثه غير محفوظ. وقال أبو الحسن بن المنادي هو حديث واه بالحسن بن زريق. وقد روى ابن عساكر نحوه من طريق على بن الحسن الجهضمي وهو كذاب عن ضمرة بن حبيب المقدسي عن أبيه عن العلاء بن زياد القشيري عن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن على بن أبى طالب مرفوعا قال يجتمع كل يوم عرفة بعرفات جبريل وميكائيل وإسرافيل * والخضر وذكر حديثا طويلا موضوعا تركنا إيراده قصدا ولله الحمد. وروى ابن عساكر من طريق هشام ابن خالد عن الحسن بن يحيى الخشنيّ عن ابن أبى رواد قال الياس والخضر يصومان شهر رمضان ببيت المقدس ويحجان في كل سنة ويشربان من ماء زمزم شربة واحدة تكفيهما الى مثلها من قابل. وروى ابن عساكر أن الوليد بن عبد الملك بن مروان باني جامع دمشق أحب أن يتعبد ليلة في المسجد فامر القومة أن يخلوه له ففعلوا فلما كان من الليل جاء من باب الساعات فدخل الجامع فإذا رجل قائم يصلى فيما بينه وبين باب الخضراء فقال للقومة ألم آمركم أن تخلوه فقالوا يا أمير المؤمنين هذا الخضر يجيء كل ليلة يصلى هاهنا. وقال ابن عساكر أيضا أنبأنا أبو القاسم بن إسماعيل ابن أحمد أنبأنا أبو بكر بن الطبري أنبأنا أبو الحسين بن الفضل أنبأنا عبد الله بن جعفر حدثنا يعقوب هو

стр. 334

ابن سفيان الفسوي حدثني محمد بن عبد العزيز حدثنا حمزة عن السري بن يحيى عن رباح بن عبيدة قال رأيت رجلا يماشى عمر بن عبد العزيز معتمدا على يديه فقلت في نفسي إن هذا الرجل حافى قال فلما انصرف من الصلاة قلت من الرجل الّذي كان معتمدا على يدك آنفا قال وهل رأيته يا رباح قلت نعم قال ما أحسبك إلا رجلا صالحا ذاك أخى الخضر بشرنى أنى سألى وأعدل. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي الرمليّ مجروح عند العلماء * وقد قدح أبو الحسين بن المنادي في ضمرة والسري ورباح. ثم أورد من طرق أخر عن عمر بن عبد العزيز أنه اجتمع بالخضر وضعفها كلها. وروى ابن عساكر أيضا أنه اجتمع بإبراهيم التيمي وبسفيان بن عيينة وجماعة يطول ذكرهم. وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب الى حياته الى اليوم وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدا لا يقوم بمثلها حجة في الدين والحكايات لا يخلو أكثرها عن ضعف في الاسناد * وقصاراها أنها صحيحة الى من ليس بمعصوم من صحابى أو غيره لانه يجوز عليه الخطأ والله أعلم. وقال عبد الرزاق أنبأنا معمر عن الزهري أخبرنى عبيد الله ابن عبد الله بن عتبة أن أبا سعيد قال حدثنا رسول ﷺ حديثا طويلا عن الدجال وقال فيما يحدثنا يأتى الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة فيخرج اليه يومئذ رجل هو خير الناس أو من خيرهم فيقول أشهد أنك أنت الدجال الّذي حدثنا عنك رسول الله ﷺ بحديثه فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته أتشكون في الأمر فيقولون لا فيقتله ثم يحييه فيقول حين يحيى والله ما كنت أشد بصيرة فيك منى الآن قال فيريد قتله الثانية فلا يسلط عليه قال معمر بلغني أنه يجعل على حلقه صحيفة من نحاس وبلغني أنه الخضر الّذي يقتله الدجال ثم يحييه وهذا الحديث مخرج في الصحيحين من حديث الزهري به وقال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه الراويّ عن مسلم الصحيح أن يقال إن هذا الرجل الخضر وقول معمر وغيره بلغني ليس فيه حجة وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث فيأتى بشاب ممتلئ شبابا فيقتله وقوله الّذي حدثنا عنه رسول الله ﷺ لا يقتضي المشافهة بل يكفى التواتر. وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات فبين أنها موضوعات ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها وجهالة رجالها وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد * وأما الذين ذهبوا الى أنه قد مات ومنهم البخاري وإبراهيم الحربي وأبو الحسين بن المنادي والشيخ أبو الفرج بن الجوزي وقد انتصر لذلك وألف فيه كتابا سماه عجالة المنتظر في شرح حالة الخضر فيحتج لهم بأشياء كثيرة * منها قوله ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ فالخضر إن كان بشرا فقد دخل في هذا العموم لا محالة ولا يجوز تخصيصه منه إلا بدليل صحيح انتهى والأصل عدمه حتى يثبت ولم يذكر ما فيه دليل على التخصيص عن معصوم يجب قبوله. ومنها أن الله تعالى قال ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ﴾

стр. 335

وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ) قال ابن عباس ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه. وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد وهم أحياء ليؤمنن به وينصرنه. ذكره البخاري عنه فالخضر إن كان نبيا أو وليا فقد دخل في هذا الميثاق فلو كان حيا في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه يؤمن بما أنزل الله عليه وينصره أن يصل أحد من الأعداء اليه لأنه إن كان وليا فالصديق أفضل منه وان كان نبيا فموسى أفضل منه وقد روى الامام أحمد في مسندة حدثنا شريح بن النعمان حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال والّذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني. وهذا الّذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة. وقد دلت عليه هذه الآية الكريمة أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله ﷺ لكانوا كلهم أتباعا له وتحت أوامره وفي عموم شرعه كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما اجتمع معهم ليلة الاسراء رفع فوقهم كلهم ولما هبطوا معه الى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم فدل على أنه الامام الأعظم والرسول الخاتم البجل المقدم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين. فإذا علم هذا وهو معلوم عند كل مؤمن علم أنه لو كان الخضر حيا لكان من جملة أمة محمد ﷺ وممن يقتدى بشرعه لا يسعه إلا ذلك * هذا عيسى بن مريم ﵇ إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة لا يخرج منها ولا يحيد عنها وهو أحد أولى العزم الخمسة المرسلين وخاتم أنبياء بنى إسرائيل والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس اليه أنه أجتمع برسول الله ﷺ في يوم واحد ولم يشهد معه قتالا في مشهد من المشاهد وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به لربه واستنصره وأستفتحه على من كفره اللهمّ إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ وسادة الملائكة حتى جبريل ﵇ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال إنه أفخر بيت قالته العرب وثبير بدر إذ يرد وجوههم … جبريل تحت لوائنا ومحمد فلو كان الخضر حيا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات فقال نعم قال وبلغني مثل هذا عن أبى طاهر بن الغبارى قال وكان يحتج بانه لو كان حيا لجاء الى رسول الله ﷺ . نقله ابن الجوزي في العجالة * فان قيل فهل يقال إنه كان حاضرا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه. فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمام البعيد الّذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات.

стр. 336

ثم ما الحاصل له على هذا الاختفاء وظهوره أعظم لأجره وأعلى في مرتبته وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيا بعده لكان تبليغه عن رسول الله ﷺ الأحاديث النبويّة والآيات القرآنية وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة والروايات المقلوبة والآراء البدعية والاهواء العصبية وقتاله مع المسلمين في غزواتهم وشهوده جمعهم وجماعاتهم ونفعه إياهم ودفعه الضرر عنهم ممن سواهم وتسديده العلماء والحكام وتقريره الادلة والأحكام أفضل ما يقال عنه من كنونه في الأمصار. وجوبه الفيافي والأقطار. واجتماعه بعباد لا يعرف أحوال كثير منهم وجعله لهم كالنقيب المترجم عنهم. وهذا الّذي ذكرناه لا يتوقف أحد فيه بعد التفهيم والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم. ومن ذلك ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ صلّى ليلة العشاء ثم قال أرأيتم ليلتكم هذه فإنه الى مائة سنة لا يبقى ممن هو على وجه الأرض اليوم أحد. وفي رواية عين تطرف. قال ابن عمر فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ هذه وإنما أراد انخرام قرنه. قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق أنبانا معمر عن الزهري قال أخبرنى سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان ابن أبى خيثمة أن عبد الله بن عمر قال صلّى رسول ﷺ ذات ليلة العشاء في آخر حياته فلما سلم قام فقال أرأيتم ليلتكم هذه فان على رأس مائة سنة لا يبقى ممن على ظهر الأرض أحد وأخرجه البخاري ومسلم من حديث الزهري * وقال الامام أحمد حدثنا محمد بن أبى عدي عن سليمان التيمي عن أبى نضرة عن جابر بن عبد الله قال قال رسول ﷺ قبل موته بقليل أو بشهر ما من نفس منفوسة أو ما منكم من نفس اليوم منفوسة يأتى عليها مائة سنة وهي يومئذ حية وقال أحمد حدثنا موسى بن داود حدثنا بن لهيعة عن أبى الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال قبل أن يموت بشهر يسألوننى عن الساعة وإنما علمها عند الله أقسم بالله ما على الأرض نفس منفوسة اليوم يأتى عليها مائة سنة. وهكذا رواه مسلم من طريق أبى نضرة وأبى الزبير كل منهما عن جابر بن عبد الله به نحوه. وقال الترمذي حدثنا عباد حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى سفيان عن جابر قال قال رسول ﷺ ما على الأرض من نفس منفوسة يأتى عليها مائة سنة. وهذا أيضا على شرط مسلم * قال ابن الجوزي فهذه الأحاديث الصحاح تقطع دابر دعوى حياة الخضر * قالوا فالخضر إن لم يكن قد أدرك زمان رسول الله ﷺ كما هو المظنون الّذي يترقى في القوة الى القطع فلا إشكال وإن كان قد أدرك زمانه فهذا الحديث يقتضي أنه لم يعش بعد مائة سنة فيكون الآن مفقودا لا موجودا لانه داخل في هذا العموم والأصل عدم المخصص له حتى يثبت بدليل صحيح يجب قبوله والله أعلم. وقد حكى الحافظ أبو القاسم السهيليّ في كتابه التعريف والأعلام عن البخاري وشيخه أبى بكر بن العربيّ أنه أدرك حياة النبي ﷺ ولكن مات بعده لهذا الحديث وفي كون البخاري ﵀ يقول بهذا وأنه بقي الى زمان النبي ﷺ نظر * ورجح السهيليّ بقاءه وحكاه عن الأكثرين * قال وأما اجتماعه

стр. 337

مع النبي ﷺ وتعزيته لأهل البيت بعده فمروى من طرق صحاح ثم ذكر ما تقدم مما ضعفناه ولم يورد أسانيدها والله أعلم واما الياس ﵇ فقال الله تعالى بعد قصة موسى وهارون من سورة الصافات ﴿وَإِنَّ إِلْياسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ * إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ * وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ * سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ * إِنّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال علماء النسب هو الياس التشبى * ويقال ابن ياسين بن فنحاص ابن العيزار بن هارون * وقيل الياس بن العازر بن العيزار بن هارون بن عمران. قالوا وكان إرساله الى أهل بعلبكّ غربي دمشق فدعاهم الى الله وأن يتركوا عبادة صنم لهم كانوا يسمونه بعلا. وقيل كانت امرأة اسمها بعل والأول أصح. ولهذا قال لهم ﴿أَلا تَتَّقُونَ * أَتَدْعُونَ بَعْلاً وَتَذَرُونَ أَحْسَنَ الْخالِقِينَ * اللهَ رَبَّكُمْ وَرَبَّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ فكذبوه وخالفوه وأرادوا قتله فيقال إنه هرب منهم واختفى عنهم * قال أبو يعقوب الأذرعي عن يزيد بن عبد الصمد عن هشام بن عمار قال وسمعت من يذكر عن كعب الأحبار أنه قال إن الياس اختفى من ملك قومه في الغار الّذي تحت الدم عشر سنين حتى أهلك الله الملك وولى غيره فأتاه الياس فعرض عليه الإسلام فأسلم وأسلم من قومه خلق عظيم غير عشرة آلاف منهم فامر بهم فقتلوا عن آخرهم. وقال ابن أبى الدنيا حدثني أبو محمد القاسم بن هاشم حدثنا عمر بن سعيد الدمشقيّ حدثنا سعيد بن عبد العزيز عن بعض مشيخة دمشق قال أقام الياس ﵇ هاربا من قومه في كهف جبل عشرين ليلة أو قال أربعين ليلة تأتيه الغربان برزقه. وقال محمد بن سعد كاتب الواقدي أنبأنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه قال أول نبي بعث إدريس ثم نوح ثم إبراهيم ثم إسماعيل وإسحاق ثم يعقوب ثم يوسف ثم لوط ثم هود ثم صالح ثم شعيب ثم موسى وهارون ابنا عمران ثم الياس التشبى بن العازر بن هارون بن عمران بن قاهث بن لاوى بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم ﵈ هكذا قال وفي هذا الترتيب نظر * وقال مكحول عن كعب أربعة أنبياء أحياء اثنان في الأرض الياس والخضر واثنان في السماء إدريس وعيسى. وقد قدمنا قول من ذكر أن الياس والخضر يجتمعان في كل عام في شهر رمضان ببيت المقدس وأنهما يحجان كل سنة ويشربان من زمزم شربة تكفيهما الى مثلها من العام المقبل * وأوردنا الحديث الّذي فيه أنهما يجتمعان بعرفات كل سنة وبينا أنه لم يصح شيء من ذلك وأن الّذي يقوم عليه الدليل أن الخضر مات وكذلك الياس ﵉. وما ذكره وهب بن منبه وغيره أنه لما دعا ربه أن يقبضه اليه لما كذبوه وآذوه

стр. 338

فجاءته دابة لونها لون النار فركبها وجعل الله له ريشا وألبسه النور وقطع عنه لذة المطعم والمشرب وصار ملكيا بشريا سماويا أرضيا وأوصى الى اليسع بن أخطوب ففي هذا نظر وهو من الإسرائيلات التي لا تصدق ولا تكذب بل الظاهر أن صحتها بعيدة والله أعلم. فاما الحديث الّذي رواه الحافظ أبو بكر البيهقي أخبرنا أبو عبد الله الحافظ حدثني أبو العباس أحمد ابن سعيد المعداني ببخارا حدثنا عبد الله بن محمود حدثنا عبدان بن سنان حدثني أحمد بن عبد الله البرقي حدثنا يزيد بن يزيد البلوى حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الأوزاعي عن مكحول عن أنس بن مالك قال كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فنزلنا منزلا فإذا رجل في الوادي يقول اللهمّ اجعلني من أمة محمد ﷺ المرحومة المغفورة المتاب لها قال فأشرفت على الوادي فإذا رجل طوله أكثر من ثلاثمائة ذراع فقال لي من أنت فقلت أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ قال فأين هو قلت هو ذا يسمع كلامك قال فأته فأقرئه السلام وقل له أخوك الياس يقرئك السلام قال فأتيت النبي ﷺ فأخبرته فجاء حتى لقيه فعانقه وسلم * ثم قعدا يتحادثان فقال له يا رسول الله إني ما آكل في سنة إلا يوما وهذا يوم فطري فآكل أنا وأنت قال فنزلت عليهما مائدة من السماء عليها خبز وحوت وكرفس فأكلا وأطعمانى وصلينا العصر ثم ودعه ورأيت مر في السحاب نحو السماء. فقد كفانا البيهقي أمره وقال هذا حديث ضعيف بمرة والعجب أن الحاكم أبا عبد الله النيسابورىّ أخرجه في مستدركه على الصحيحين وهذا مما يستدرك به على المستدرك فإنه حديث موضوع مخالف للأحاديث الصحاح من وجوه. ومعناه لا يصح أيضا فقد تقدم في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال إن الله خلق آدم طوله ستون ذراعا في السماء الى أن قال ثم لم يزل الخلق ينقص حتى الآن وفيه أنه لم يأت الى رسول الله ﷺ حتى كان هو الّذي ذهب اليه. وهذا لا يصح لانه كان أحق بالسعي الى بين يدي خاتم الأنبياء. وفيه أنه يأكل في السنة مرة وقد تقدم عن وهب أنه سلبه الله لذة المطعم والمشرب وفيما تقدم عن بعضهم أنه يشرب من زمزم كل سنة شربة تكفيه الى مثلها من الحول الآخر. وهذه أشياء متعارضة وكلها باطلة لا يصح شيء منها. وقد ساق ابن عساكر هذا الحديث من طريق أخرى واعترف بضعفها وهذا عجب منه كيف تكلم عليه فإنه أورده من طريق حسين بن عرفة عن هانئ بن الحسن عن بقية عن الأوزاعي عن مكحول عن واثلة عن ابن الأسقع فذكر نحو هذا مطولا وفيه أن ذلك كان في غزوة تبوك وأنه بعث اليه رسول الله ﷺ أنس ابن مالك وحذيفة بن اليمان قالا فإذا هو أعلى جسما بذراعين أو ثلاثة واعتذر بعدم قدرته لئلا تنفر الإبل وفيه أنه لما اجتمع به رسول الله ﷺ أكلا من طعام الجنة وقال إن لي في كل أربعين يوما أكلة وفي المائدة خبز ورمان وعنب وموز ورطب وبقل ما عدا الكراث وفيه أن رسول الله ﷺ سأله عن الخضر فقال عهدي به عام أول وقال لي إنك ستلقاه قبلي فأقرئه منى السلام. وهذا يدل على أن الخضر

стр. 339

والياس بتقدير وجودهما وصحة هذا الحديث لم يجتمعا به إلى سنة تسع من الهجرة وهذا لا يسوغ شرعا وهذا موضوع أيضا. وقد أورد ابن عساكر طرقا فيمن اجتمع باليأس من العباد وكلها لا يفرح بها لضعف إسنادها أو لجهالة المسند اليه فيها * ومن أحسنها ما قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثني بشر بن معاذ حدثنا حماد بن واقد عن ثابت قال كنا مع مصعب بن الزبير بسواد الكوفة فدخلت حائطا أصلى فيه ركعتين فافتتحت ﴿حم * تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ﴾. فإذا رجل من خلفي على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقال لي إذا قلت غافر الذنب فقل يا غافر الذنب اغفر لي ذنبي * وإذا قلت قابل التوب فقل يا قابل التوب تقبل توبتي. وإذا قلت شديد العقاب فقل يا شديد العقاب لا تعاقبني. وإذا قلت ذي الطول فقل يا ذا الطول تطول عليّ برحمة فالتفت فإذا لا أحد وخرجت فسألت مر بكم رجل على بغلة شهباء عليه مقطعات يمنية فقالوا ما مر بنا أحد فكانوا لا يرون الا أنه الياس. وقوله تعالى. ﴿فَكَذَّبُوهُ فَإِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ﴾ أي للعذاب إما في الدنيا والآخرة أو في الآخرة والأول أظهر على ما ذكره المفسرون والمؤرخون. (وقوله ﴿إِلاّ عِبادَ اللهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ أي إلا من آمن منهم وقوله ﴿وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ﴾ أي أبقينا بعده ذكرا حسنا له في العالمين فلا يذكر إلا بخير ولهذا قال ﴿سَلامٌ عَلى إِلْياسِينَ﴾ أي سلام على الياس. العرب تلحق النون في أسماء كثيرة وتبدلها من غيرها كما قالوا إسماعيل واسماعين وإسرائيل واسرائين والياس والياسين. ومن قرأ سلام على آل ياسين أي على آل محمد وقرأ ابن مسعود وغيره سلام على ادراسين. ونقل عنه من طريق إسحاق عن عبيدة بن ربيعة عن ابن مسعود أنه قال الياس هو إدريس واليه ذهب الضحاك بن مزاحم وحكاه قتادة ومحمد بن إسحاق والصحيح أنه غيره كما تقدم والله أعلم *** بحمد الله تعالى قد تم الجزء الأول من كتاب البداية والنهاية ويليه الجزء الثاني وأوله (باب ذكر جماعة من أنبياء بني إسرائيل بعد موسى ﵇ وقد بذلنا الجهد في تصحيحه وتنقيحه مع الأستاذ العلامة والمحقق الفهامة الشيخ محمود الإمام المنصورى من كبار المدرسين بالأزهر الشريف فصار الكتاب مصححا تصحيحا جيدًا إلا ما سبق عنه النظر وزاغ عنه البصر (هذا) وليعلم أيضا أنه طبع على ثلاث نسخ قديمة مهمة ما عدا الثمانية ملازم الأول فإنها طبعت على النسختين الموجودتين بالمكتبة الملكية المصرية قبل أن تصلنا النسخة الحلبية. وقد تعهد الأستاذ العلامة الشيخ محمد راغب الطباخ الحلبي بمقابلة الملازم المذكورة بالنسخة الحلبية العظيمة وبيان الاختلاف لنلحقه بآخر الكتاب، بعون الملك الوهاب، مع ما يعرض في أثناء الطبع من الملاحظات؛ فنرجو من قراء هذا الجزء أن ينبهونا على ما يقع نظرهم عليه من الخطأ والصواب لنستدركه في آخر الكتاب ولهم الأجر والثواب. حرره الفقير إليه فرج الله ذكى الكردى.

стр. 340

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ باب ذكر جماعة من أنبياء بنى إسرائيل بعد موسى ﵇ ثم نتبعهم بذكر داود وسليمان ﵉. قال ابن جرير في تاريخه لا خلاف بين أهل العلم بأخبار الماضين وأمور السالفين من أمتنا وغيرهم أن القائم بأمور بنى إسرائيل بعد يوشع كالب بن يوفنا يعنى أحد أصحاب موسى ﵇ وهو زوج أخته مريم وهو أحد الرجلين اللذين ممن يخافون الله وهما يوشع وكالب وهما القائلان لبني إسرائيل حين نكلوا عن الجهاد (أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين) قال ابن جرير ثم من بعده كان القائم بأمور بنى إسرائيل حزقيل بن يوذى وهو الّذي دعا الله فأحيا الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت قصة حزقيل قال الله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ إِنَّ اللهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَشْكُرُونَ﴾. قال محمد بن إسحاق عن

стр. 341

وهب بن منبه إن كالب بن يوفنا لما قبضه الله إليه بعد يوشع خلف في بنى إسرائيل حزقيل بن بوذى وهو ابن العجوز وهو الّذي دعا للقوم الذين ذكرهم الله في كتابه فيما بلغنا ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ قال ابن إسحاق فروا من الوباء فنزلوا بصعيد من الأرض فقال لهم الله موتوا فماتوا جميعا فحظروا عليهم حظيرة دون السباع فمضت عليهم دهور طويلة فمر بهم حزقيل ﵇ فوقف عليهم متفكرا فقيل له أتحب أن يبعثهم الله وأنت تنظر فقال نعم فأمر أن يدعو تلك العظام أن تكتسي لحما وأن يتصل العصب بعضه ببعض فناداهم عن أمر الله له بذلك فقام القوم أجمعون وكبروا تكبيرة رجل واحد. وقال أسباط عن السدي عن أبى مالك وعن أبى صالح عن ابن عباس وعن مرة عن ابن مسعود وعن أناس من الصحابة في قوله. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ قالوا كانت قرية يقال لها داوردان قبل واسط وقع بها الطاعون فهرب عامة أهلها فنزلوا ناحية منها فهلك من بقي في القرية وسلم الآخرون فلم يمت منهم كثير فلما ارتفع الطاعون رجعوا سالمين فقال الذين بقوا أصحابنا هؤلاء كانوا أحزم منا لو صنعنا كما صنعوا بقينا ولئن وقع الطاعون ثانية لنخرجن معهم فوقع في قابل فهربوا وهم بضعة وثلاثون ألفا حتى نزلوا ذلك المكان وهو واد أفيح فناداهم ملك من أسفل الوادي وآخر من أعلاه أن موتوا فماتوا حتى إذا هلكوا وبقيت أجسادهم مر بهم نبي يقال له حزقيل فلما رآهم وقف عليهم فجعل يتفكر فيهم ويلوى شدقيه وأصابعه فأوحى الله اليه تريد أن أريك كيف أحييهم قال نعم وإنما كان تفكره أنه تعجب من قدرة الله عليهم فقيل له ناد فنادى يا أيتها العظام ان الله يأمرك أن تجتمعي فجعلت العظام يطير بعضها إلى بعض حتى كانت أجسادا من عظام ثم أوحى الله اليه ان ناديا أيتها العظام ان الله يأمرك أن تكتسي لحما فاكتست لحما ودما وثيابها التي ماتت فيها. ثم قيل له ناد فنادى أيتها الأجساد ان الله يأمرك أن تقومى فقاموا. قال أسباط فزعم منصور عن مجاهد أنهم قالوا حين أحيوا (سبحانك اللهمّ وبحمدك لا إله إلا أنت) فرجعوا الى قومهم أحياء يعرفون أنهم كانوا موتى سحنة الموت على وجوههم لا يلبسون ثوبا إلا عاد رسما حتى ماتوا لآجالهم التي كتبت لهم. وعن ابن عباس أنهم كانوا أربعة آلاف وعنه ثمانية آلاف وعن أبى صالح تسعة آلاف وعن ابن عباس أيضا كانوا أربعين ألفا. وعن سعيد ابن عبد العزيز كانوا من أهل أذرعات. وقال ابن جريج عن عطاء هذا مثل يعنى أنه سيق مثلا مبينا أنه لن يغنى حذر من قدر وقول الجمهور أقوى ان هذا وقع. وقد روى الامام أحمد وصاحبا الصحيح من طريق الزهري عن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن عبد الله بن الحارث بن نوفل عن عبد الله بن عباس أن عمر بن الخطاب خرج الى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء وقع بالشام فذكر الحديث يعنى في مشاورته المهاجرين

стр. 342

والأنصار فاختلفوا عليه فجاءه عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبا ببعض حاجته فقال إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله ﷺ يقول إذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه فحمد الله عمر ثم انصرف. وقال الامام حدثنا حجاج ويزيد المفتى (١) قالا حدثنا ابن أبى ذؤيب عن الزهري عن سالم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عبد الرحمن بن عوف أخبر عمر وهو في الشام عن النبي ﷺ أن هذا السقم عذب به الأمم قبلكم فإذا سمعتم به في أرض فلا تدخلوها وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه قال فرجع عمر من الشام. وأخرجاه من حديث مالك عن الزهري بنحوه * قال محمد بن إسحاق ولم يذكر لنا مدة لبث حزقيل في بنى إسرائيل * ثم إن الله قبضه اليه * فلما قبض نسي بنو إسرائيل عهد الله اليهم وعظمت فيهم الأحداث وعبدوا الأوثان وكان في جملة ما يعبدونه من الأصنام صنم يقال له بعل فبعث الله اليهم الياس بن ياسين بن فنحاص بن العيزار بن هارون ابن عمران * قلت وقد قدمنا قصة الياس تبعا لقصة الخضر لأنهما يقرنان في الذكر غالبا ولأجل أنها بعد قصة موسى في سورة الصافات فتعجلنا قصته لذلك والله أعلم. قال محمد بن إسحاق فيما ذكر له عن وهب ابن منبه قال ثم تنبأ فيهم بعد الياس وصيه اليسع بن أخطوب ﵇ وهذه * قصة اليسع ﵇ وقد ذكره الله تعالى مع الأنبياء في سورة الأنعام في قوله (وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا على العالمين) وقال تعالى في سورة ص ﴿وَاُذْكُرْ إِسْماعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ﴾ قال إسحاق بن بشر أبو حذيفة أنبأنا سعيد عن قتادة عن الحسن قال كان بعد الياس اليسع ﵉ فمكث ما شاء الله أن يمكث يدعوهم الى الله مستمسكا بمنهاج الياس وشريعته حتى قبضه الله اليه ثم خلف فيهم الخلوف وعظمت فيهم الأحداث والخطايا وكثرت الجبابرة وقتلوا الأنبياء وكان فيهم ملك عنيد طاغ * ويقال إنه الّذي تكفل له ذو الكفل إن هو تاب ورجع دخل الجنة فسمى ذا الكفل * قال محمد بن إسحاق هو اليسع بن أخطوب. وقال الحافظ أبو القسم بن عساكر في حرف الياء من تاريخه اليسع وهو الأسباط بن عدي بن شوتلم بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل * ويقال هو ابن عم الياس النبي ﵉. ويقال كان مستخفيا معه بجبل قاسيون من ملك بعلبكّ ثم ذهب معه اليها فلما رفع الياس خلفه اليسع في قومه ونبأه الله بعده. ذكر ذلك عبد المنعم بن

стр. 343

إدريس عن أبيه عن وهب بن منبه. قال وقال غيره وكان ببانياس. ثم ذكر ابن عساكر قراءة من قرأ اليسع بالتخفيف وبالتشديد ومن قرأ والليسع وهو اسم واحد لنبي من الأنبياء * قلت قد قدمنا قصة ذا الكفل بعد قصة أيوب ﵉ لأنه قد قيل إنه ابن أيوب فالله أعلم فصل قال ابن جرير وغيره ثم مرج أمر بنى إسرائيل وعظمت منهم الخطوب والخطايا وقتلوا من قتلوا من الأنبياء وسلط الله عليهم بدل الأنبياء ملوكا جبارين يظلمونهم ويسفكون دماءهم وسلط الله عليهم الأعداء من غيرهم أيضا وكانوا إذا قاتلوا أحدا من الأعداء يكون معهم تابوت الميثاق الّذي كان في قبة الزمان كما تقدم ذكره فكانوا ينصرون ببركته وبما جعل الله فيه من السكينة والبقية مما ترك آل موسى وآل هارون فلما كان في بعض حرويهم مع أهل غزة وعسقلان غلبوهم وقهروهم على أخذه فانتزعوه من أيديهم فلما علم بذلك ملك بنى إسرائيل في ذلك الزمان مالت عنقه فمات كمدا وبقي بنو إسرائيل كالغنم بلا راع حتى بعث الله فيهم نبيا من الأنبياء يقال له شمويل فطلبوا منه أن يقيم لهم ملكا ليقاتلوا معه الأعداء فكان من أمرهم ما سنذكره مما قص الله في كتابه. قال ابن جرير فكان من وفاة يوشع بن نون الى أن بعث الله شمويل بن بالي أربعمائة سنة وستون سنة * ثم ذكر تفصيلها بمدد الملوك الذين ملكوا عليهم وسماهم واحدا واحدا تركنا ذكرهم قصدا * قصة شمويل ﵇ وفيها بدأ أمر داود ﵇ هو شمويل ويقال له أشمويل بن بالي بن علقمة بن يرخام بن اليهو بن تهو بن صوف بن علقمة ابن ماحث بن عموصا بن عزريا * قال مقاتل وهو من ورثة هارون وقال مجاهد هو أشمويل بن هلفاقا ولم يرفع في نسبه أكثر من هذا فالله أعلم * حكى السدي باسناده عن ابن عباس وابن مسعود وأناس من الصحابة والثعلبي وغيرهم أنه لما غلبت العمالقة من أرض غزة وعسقلان على بنى إسرائيل وقتلوا منهم خلقا كثيرا وسبوا من أبنائهم جمعا كثيرا وانقطعت النبوة من سبط لاوى ولم يبق فيهم إلا امرأة حبلى فجعلت تدعو الله أن يرزقها ولدا ذكرا فولدت غلاما فسمته أشمويل ومعناه بالعبرانية إسماعيل أي سمع الله دعائي فلما ترعرع بعثته الى المسجد وأسلمته عند رجل صالح فيه يكون عنده ليتعلم من خيره وعبادته فكان عنده فلما بلغ أشده بينما هو ذات ليلة نائم إذا صوت يأتيه من ناحية المسجد فانتبه مذعورا فظنه الشيخ يدعوه فسأله أدعوتني

стр. 344

فكره أن يفزعه فقال نعم نم فنام. ثم ناداه الثانية فكذلك ثم الثالثة فإذا جبريل يدعوه فجاءه فقال إن ربك قد بعثك الى قومك فكان من أمره معهم ما قص الله في كتابه قال الله تعالى في كتابه العزيز ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى إِذْ قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ اِبْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ قالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ * وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً قالُوا أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ * وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ قال أكثر المفسرين كان نبي هؤلاء القوم المذكورين في هذه القصة هو شمويل. وقيل شمعون وقيل هما واحد وقيل يوشع وهذا بعيد لما ذكره الامام أبو جعفر بن جرير في تاريخه أن بين موت يوشع وبعثة شمويل أربعمائة سنة وستين سنة فالله أعلم * والمقصود أن هؤلاء القوم لما أنهكتهم الحروب وقهرهم الأعداء سألوا نبي الله في ذلك الزمان وطلبوا منه أن ينصب لهم ملكا يكونون تحت طاعته ليقاتلوا من ورائه ومعه وبين يديه الأعداء فقال لهم ﴿هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلاّ تُقاتِلُوا قالُوا وَما لَنا أَلاّ نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي وأي شيء يمنعنا من القتال وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا) يقولون نحن محروبون موتورون فحقيق لنا أن نقاتل عن أبنائنا المنهورين المستضعفين فيهم المأسورين في قبضتهم. قال تعالى ﴿فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ كما ذكر في آخر القصة أنه لم يجاوز النهر مع الملك إلا القليل والباقون رجعوا ونكلوا عن القتال ﴿وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طالُوتَ مَلِكاً﴾ قال الثعلبي وهو طالوت بن قيش بن أفيل بن صارو بن تحورت بن أفيح بن أنيس بن بنيامين بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم الخليل.

стр. 345

قال عكرمة والسدي كان سقاء وقال وهب بن منبه كان دباغا. وقيل غير ذلك فالله أعلم ولهذا ﴿قالُوا (أَنّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ﴾ وقد ذكروا أن النبوة كانت في سبط لاوى وأن الملك كان في سبط يهوذا فلما كان هذا من سبط بنيامين نفروا منه وطعنوا في إمارته عليهم وقالوا نحن أحق بالملك منه وذكروا أنه فقير لا سعة من المال معه فكيف يكون مثل هذا ملكا. ﴿قالَ إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. قيل كان الله قد أوحى إلى شمويل أن أيّ بنى إسرائيل كان طوله على طول هذه العصا وإذا حضر عندك يفور هذا القرن الّذي فيه من دهن القدس فهو ملكهم فجعلوا يدخلون ويقيسون أنفسهم بتلك العصا فلم يكن أحد منهم على طولها سوى طالوت ولما حضر عند شمويل فار ذلك القرن فدهنه منه وعينه الملك عليهم وقال لهم ﴿إِنَّ اللهَ اِصْطَفاهُ عَلَيْكُمْ وَزادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ﴾ قيل في أمر الحروب وقيل بل مطلقا ﴿وَالْجِسْمِ﴾ قيل الطول وقيل الجمال والظاهر من السياق أنه كان أجملهم وأعلمهم بعد نبيهم ﵇ ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ فله الحكم وله الخلق والأمر ﴿وَاللهُ واسِعٌ عَلِيمٌ * وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وهذا أيضا من بركة ولاية هذا الرجل الصالح عليهم ويمنه عليهم أن يرد الله عليهم التابوت الّذي كان سلب منهم وقهرهم الأعداء عليه وقد كانوا ينصرون على أعدائهم بسببه ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قيل طشت من ذهب كان يغسل فيه صدور الأنبياء. وقيل السكينة مثل الريح الخجوج. وقيل صورتها مثل الهرة إذا صرخت في حال الحرب أيقن بنو إسرائيل بالنصر ﴿وَبَقِيَّةٌ مِمّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ﴾ قيل كان فيه رضاض الألواح وشيء من المن الّذي كان نزل عليهم بالتيه ﴿تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ﴾ أي تأتيكم به الملائكة يحملونه وأنتم ترون ذلك عيانا ليكون آية لله عليكم وحجة باهرة على صدق ما أقوله لكم وعلى صحة ولاية هذا الملك الصالح عليكم ولهذا قال ﴿إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقيل إنه لما غلب العمالقة على هذا التابوت وكان فيه ما ذكر من السكينة والبقية المباركة. وقيل كان فيه التوراة أيضا فلما استقر في أيديهم وضعوه تحت صنم لهم بأرضهم فلما أصبحوا إذا التابوت على رأس الصنم فوضعوه تحته فلما كان اليوم الثاني إذا التابوت فوق الصنم فلما تكرر هذا علموا أن هذا أمر من الله تعالى فأخرجوه من بلدهم وجعلوه في قرية من قراهم فأخذهم داء في رقابهم فلما طال عليهم هذا جعلوه في عجلة وربطوها في بقرتين وأرسلوهما فيقال إن الملائكة ساقتهما حتى جاءوا بهما ملأ بنى إسرائيل وهم ينظرون كما أخبرهم نبيهم بذلك فالله أعلم على أي صفة جاءت به الملائكة والظاهر أن الملائكة كانت تحمله بأنفسهم كما هو المفهوم بالجنود من الآية والله أعلم * وإن كان الأول قد ذكره كثير من المفسرين أو أكثرهم ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ (بِالْجُنُودِ) قالَ إِنَّ اللهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلاّ مَنِ اِغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ﴾.

стр. 346

قال ابن عباس وكثير من المفسرين هذا النهر هو نهر الأردن وهو المسمى بالشريعة فكان من أمر طالوت بجنوده عند هذا النهر عن أمر نبي الله له عن أمر الله له اختبارا وامتحانا أن من شرب من هذا النهر فلا يصحبنى في هذه الغزوة ولا يصحبنى إلا من لم يطعمه إلا غرفة في يده. قال الله تعالى ﴿فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلاّ قَلِيلاً مِنْهُمْ﴾. قال السدي كان الجيش ثمانين ألفا فشرب منه ستة وسبعون ألفا فبقي معه أربعة آلاف كذا قال * وقد روى البخاري في صحيحه من حديث إسرائيل وزهير والثوري عن أبى إسحاق عن البراء بن عازب قال كنا أصحاب محمد ﷺ نتحدث أن عدة أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلاثمائة مؤمن. وقول السدي أن عدة الجيش كانوا ثمانين ألفا فيه نظر لأن أرض بيت المقدس لا تحتمل أن يجتمع فيها جيش مقاتلة يبلغون ثمانين ألفا والله أعلم. قال الله تعالى ﴿فَلَمّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ أي استقلوا أنفسهم واستضعفوها عن مقاومة أعدائهم بالنسبة الى قلتهم وكثرة عدد عدوهم ﴿قالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا اللهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللهِ وَاللهُ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ يعنى بها الفرسان منهم. والفرسان أهل الايمان والإيقان الصابرون على الجلاد والجدال والطعان. ﴿وَلَمّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَاُنْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ﴾ طلبوا من الله أن يفرغ عليهم الصبر أي يغمرهم به من فوقهم فتستقر قلوبهم ولا تقلق وأن يثبت أقدامهم في مجال الحرب ومعترك الابطال وحومة الوغى والدعاء الى النزال فسألوا التثبت الظاهر والباطن وأن ينزل عليهم النصر على أعدائهم وأعدائه من الكافرين الجاحدين بآياته وآلائه فأجابهم العظيم القدير السميع البصير الحكيم الخبير الى ما سألوا وأنا لهم ما اليه فيه رغبوا ولهذا قال ﴿فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بحول الله لا بحولهم وبقوة الله ونصره لا بقوتهم وعددهم مع كثرة أعدائهم وكمال عددهم كما قال تعالى ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ فيه دلالة على شجاعة داود ﵇ وانه قتله قتلا أذل به جنده وكسره ولا أعظم من غزوة يقتل فيها ملك عدوه فيغنم بسبب ذلك الأموال الجزيلة ويأسر الابطال والشجعان والأقران وتعلو كلمة الايمان على الأوثان ويدال لأولياء الله على أعدائه. ويظهر الدين الحق على الباطل وأوليائه * وقد ذكر السدي فيما يرويه أن داود ﵇ كان أصغر أولاد أبيه وكانوا ثلاثة عشر ذكرا كان سمع طالوت ملك بنى إسرائيل وهو يحرض بنى إسرائيل على قتل جالوت وجنوده وهو يقول من قتل جالوت زوجته بابنتي وأشركته في ملكي وكان داود ﵇ يرمى بالقذافة وهو المقلاع رميا عظيما فبينا هو سائر مع بنى إسرائيل إذ ناداه حجر أن خذني فان بى تقتل جالوت فأخذه ثم

стр. 347

حجر آخر كذلك ثم آخر كذلك فأخذ الثلاثة في مخلاته فلما تواجه الصفان برز جالوت ودعا الى نفسه فتقدم اليه داود فقال له ارجع فانى أكره قتلك فقال لكنى أحب قتلك وأخذ تلك الأحجار الثلاثة فوضعها في القذافة ثم أدارها فصارت الثلاثة حجرا واحدا. ثم رمى بها جالوت ففلق رأسه وفر جيشه منهزما فوفى له طالوت بما وعده فزوجه ابنته وأجرى حكمه في ملكه وعظم داود ﵇ عند بنى إسرائيل وأحبوه ومالوا اليه أكثر من طالوت فذكروا أن طالوت حسده وأراد قتله واحتال على ذلك فلم يصل اليه وجعل العلماء ينهون طالوت عن قتل داود فتسلط عليهم فقتلهم حتى لم يبق منهم إلا القليل. ثم حصل له توبة وندم وإقلاع عما سلف منه وجعل يكثر من البكاء ويخرج الى الجبانة فيبكي حتى يبل الثرى بدموعه فنودي ذات يوم من الجبانة أن يا طالوت قتلتنا ونحن أحياء وآذيتنا ونحن أموات فازداد لذلك بكاؤه وخوفه واشتد وجله ثم جعل يسأل عن عالم يسأله عن أمره وهل له من توبة فقيل له وهل أبقيت عالما؟ حتى دل على امرأة من العابدات فأخذته فذهبت به الى قبر يوشع ﵇ قالوا فدعت الله فقام يوشع من قبره فقال أقامت القيامة فقالت لا ولكن هذا طالوت يسألك هل له من توبة فقال نعم ينخلع من الملك ويذهب فيقاتل في سبيل الله حتى يقتل. ثم عاد ميتا فترك الملك لداود ﵇ وذهب ومعه ثلاثة عشر من أولاده فقاتلوا في سبيل الله حتى قتلوا قالوا فذلك قوله ﴿وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ﴾ هكذا ذكره ابن جرير في تاريخه من طريق السدي باسناده. وفي بعض هذا نظر ونكارة والله أعلم. وقال محمد بن إسحاق النبي الّذي بعث فأخبر طالوت بتوبته هو اليسع بن أخطوب حكاه ابن جرير أيضا. وذكر الثعلبي انها أتت به الى قبرا شمويل فعاتبه على ما صنع بعده من الأمور وهذا أنسب. ولعله انما رآه في النوم لا أنه قام من القبر حيا فان هذا انما يكون معجزة لنبي وتلك المرأة لم تكن نبية والله أعلم * وزعم أهل التوراة أن مدة ملك طالوت الى أن قتل مع أولاده أربعون سنة فالله أعلم * قصة داود ﵇ وما كان في أيامه وذكر فضائله وشمائله ودلائل نبوته واعلامه هو داود بن ايشا (١) بن عويد بن عابر بن سلمون بن نحشون بن عويناذب بن ارم بن حصرون بن فارص ابن يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عبد الله ونبيه وخليفته في أرض بيت المقدس * قال

стр. 348

محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم عن وهب بن منبه كان داود ﵇ قصيرا أزرق العينين قليل الشعر طاهر القلب ونقيه. تقدم أنه لما قتل جالوت وكان قتله له فيما ذكر ابن عساكر عند قصر أم حكيم بقرب مرج الصفر فأحبته بنو إسرائيل ومالوا اليه والى ملكه عليهم فكان من أمر طالوت ما كان وصار الملك الى داود ﵇ وجمع الله له بين الملك والنبوة بين خير الدنيا والآخرة وكان الملك يكون في سبط والنبوة في آخر فاجتمع في داود هذا وهذا كما قال تعالى ﴿وَقَتَلَ داوُدُ جالُوتَ وَآتاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ. وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ﴾ أي لولا اقامة الملوك حكاما على الناس لأكل قوى الناس ضعيفهم. ولهذا جاء في بعض الآثار (السلطان ظل الله في أرضه). وقال أمير المؤمنين عثمان بن عفان (ان الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وقد ذكر ابن جرير في تاريخه أن جالوت لما بارز طالوت فقال له اخرج الى واخرج إليك فندب طالوت الناس فانتدب داود فقتل جالوت. قال وهب بن منبه فمال الناس الى داود حتى لم يكن لطالوت ذكر وخلعوا طالوت وولوا عليهم داود * وقيل ان ذلك عن أمر شمويل حتى قال بعضهم إنه ولاه قبل الواقعة. قال ابن جرير والّذي عليه الجمهور انه انما ولى ذلك بعد قتل جالوت والله أعلم * وروى ابن عساكر عن سعيد بن عبد العزيز ان قتله جالوت كان عند قصر أم حكيم وان النهر الّذي هناك هو المذكور في الآية فالله أعلم * وقال تعالى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاِعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ وقال تعالى ﴿وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنّا فاعِلِينَ * وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ﴾. أعانه الله على عمل المروع من الحديد ليحصن المقاتلة من الأعداء وأرشده الى صنعتها وكيفيتها فقال ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي لا تدق المسمار فيغلق ولا تغلظه فيفصم قاله مجاهد وقتادة والحكم وعكرمة. قال الحسن البصري وقتادة والأعمش كان الله قد ألان له الحديد حتى كان يفتله بيده لا يحتاج الى نار ولا مطرقة. قال قتادة فكان أول من عمل الدروع من زرد وانما كانت قبل ذلك من صفائح قال ابن شوذب كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم وقد ثبت في الحديث أن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وان نبي الله داود كان يأكل من كسب يده وقال تعالى ﴿وَاُذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوّابٌ * إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ * وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ قال ابن عباس ومجاهد الأيد القوة في الطاعة يعنى ذا قوة في العبادة والعمل الصالح قال قتادة اعطى قوة في العبادة وفقها في الإسلام قال وقد ذكر لنا أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر. وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال (أحب الصلاة الى الله صلاة داود

стр. 349

وأحب الصيام الى الله صيام داود) كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه وكان يصوم يوما ويفطر يوما ولا يفر إذا لاقى. وقوله ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ * وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوّابٌ﴾ كما قال ﴿يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ أي سبحي معه قاله ابن عباس ومجاهد وغير واحد في تفسير هذه الآية) ﴿إِنّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ﴾ أي عند آخر النهار وأوله وذلك انه كان الله تعالى قد وهبه من الصوت العظيم ما لم يعطه أحدا بحيث انه كان إذا ترنم بقراءة كتابه يقف الطير في الهواء يرجّع بترجيعه ويسبح بتسبيحه وكذلك الجبال تجيبه وتسبح معه كلما سبح بكرة وعشيا صلوات الله وسلامه عليه. وقال الأوزاعي حدثني عبد الله بن عامر قال اعطى داود من حسن الصوت ما لم يعط أحد قط حتى أن كان الطير والوحش ينعكف حوله حتى يموت عطشا وجوعا وحتى ان الأنهار لتقف. وقال وهب بن منبه كان لا يسمعه أحد الا حجل كهيئة الرقص وكان يقرأ الزبور بصوت لم تسمع الآذان بمثله فيعكف الجن والانس والطير والدواب على صوته حتى يهلك بعضها جوعا وقال أبو عوانة الأسفراييني حدثنا أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا محمد بن منصور الطوسي سمعت صبيحا أنبأنا برادح (١) قال ابو عوانة وحدثني أبو العباس المدني حدثنا محمد بن صالح العدوي حدثنا سيار هو ابن حاتم عن جعفر عن مالك قال كان داود ﵇ إذا أخذ في قراءة الزبور تفتقت العذارى وهذا غريب. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج سألت عطاء عن القراءة على الغناء فقال وما بأس بذلك سمعت عبيد بن عمر يقول كان داود ﵇ يأخذ العزفة فيضرب بها فيقرأ عليها فترد عليه صوته يريد بذلك أن يبكى وتبكى. وقال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت سمع رسول الله ﷺ صوت أبى موسى الأشعري وهو يقرأ فقال لقد أوتى أبو موسى من مزامير آل داود وهذا على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه وقال احمد حدثنا حسن حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمر عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال لقد أعطى أبو موسى من مزامير داود على شرط مسلم وقد روينا عن أبى عثمان الترمذي أنه قال لقد سمعت البربط والمزمار فما سمعت صوتا أحسن من صوت أبى موسى الأشعري. وقد كان مع هذا الصوت الرخيم سريع القراءة لكتابة الزبور كما قال الامام أحمد حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ خفف على داود القراءة فكان يأمر بدابته فتسرج فكان يقرأ القرآن من قبل أن تسرج دابته وكان لا يأكل الا من عمل يديه وكذلك رواه البخاري

стр. 350

منفردا به عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق به ولفظه خفف على داود القرآن فكان يأمر بدوا به فتسرج فيقرأ القرآن قبل أن تسرج دوابه ولا يأكل الا من عمل يديه. ثم قال البخاري ورواه موسى ابن عقبة عن صفوان هو ابن سليم عن عطاء بن يسار عن أبى هريرة عن النبي ﷺ وقد أسنده ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ في تاريخه من طرق عن إبراهيم بن طهمان عن موسى بن عقبة ومن طريق أبى عاصم عن أبى بكر السبرى عن صفوان بن سليم به. والمراد بالقرآن هاهنا الزبور الّذي أنزله عليه وأوحاه اليه وذكر رواية أشبه أن يكون محفوظا فإنه كان ملكا له اتباع فكان يقرأ الزبور بمقدار ما تسرج الدواب وهذا أمر سريع مع التدبر والترنم والتغني به على وجه التخشع صلوات الله وسلامه عليه وقد قال الله تعالى ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾ والزبور كتاب مشهور وذكرنا في التفسير الحديث الّذي رواه أحمد وغيره أنه أنزل في شهر رمضان وفيه من المواعظ والحكم ما هو معروف لمن نظر فيه * وقوله ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ﴾ أي أعطيناه ملكا عظيما وحكما نافذا. روى ابن جرير وابن أبى حاتم عن ابن عباس أن رجلين تداعيا الى داود ﵇ في بقر ادعى أحدهما على الأخر أنه اغتصبها منه فأنكر المدعى عليه فأرجأ أمرهما الى الليل فلما كان الليل أوحى الله اليه أن يقتل المدعى فلما أصبح قال له داود ان الله قد أوحى الى أن أقتلك فانا قاتلك لا محالة فما خبرك فيما أدعيته على هذا قال والله يا نبي الله انى لمحق فيما ادعيت عليه ولكنى كنت اغتلت أباه قبل هذا فأمر به داود فقتل فعظم أمر داود في بنى إسرائيل جدا وخضعوا له خضوعا عظيما. قال ابن عباس وهو قوله تعالى ﴿وَشَدَدْنا مُلْكَهُ﴾ وقوله تعالى ﴿وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ﴾ أي النبوة وفصل الخطاب قال شريح والشعبي وقتادة وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم فصل الخطاب الشهود والأيمان يعنون بذلك البينة على المدعى واليمين على من أنكر. وقال مجاهد والسدي هو اصابة القضاء وفهمه. وقال مجاهد هو الفصل في الكلام وفي الحكم واختاره ابن جرير وهذا لا ينافي ما روى عن أبى موسى أنه قول (اما بعد). وقال وهب بن منبه لما كثر الشر وشهادات الزور في بنى إسرائيل أعطى داود سلسلة لفصل القضاء فكانت ممدودة من السماء الى صخرة بيت المقدس وكانت من ذهب فإذا تشاجر الرجلان في حق فأيهما كان محقا نالها والآخر لا يصل اليها فلم تزل كذلك حتى أودع رجل رجلا لؤلؤة فجحدها منه واتخذ عكازا وأودعها فيه فلما حضرا عند الصخرة تناولها المدعى فلما قيل للآخر خذها بيدك عمد الى العكاز فأعطاه المدعى وفيه تلك اللؤلؤة وقال اللهمّ انك تعلم أنى دفعتها اليه ثم تناول السلسلة فنالها فأشكل أمرها على بنى إسرائيل. ثم رفعت سريعا من بينهم. ذكره بمعناه غير واحد من المفسرين. وقد رواه إسحاق بن بشر عن إدريس ابن سنان عن وهب به بمعناه ﴿وَهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ * إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾

стр. 351

قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ وَلا تُشْطِطْ وَاِهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ * إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ * قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعاً وَأَنابَ * فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ). وقد ذكر كثير من المفسرين من السلف والخلف هاهنا قصصا وأخبارا أكثرها إسرائيليات ومنها ما هو مكذوب لا محالة تركنا إيرادها في كتابنا قصدا اكتفاء واقتصارا على مجرد تلاوة القصة من القرآن العظيم والله يهدى من يشاء الى صراط مستقيم. وقد اختلف الائمة في سجدة ص هل هي من عزائم السجود أو انما هي سجدة شكر ليست من عزائم السجود على قولين * قال البخاري حدثنا محمد بن عبد الله حدثنا محمد بن عبيد الطنافسي عن العوام قال سألت مجاهدا عن سجدة ص فقال سألت ابن عباس من أين سجدت قال أو ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللهُ فَبِهُداهُمُ اِقْتَدِهْ﴾ فكان داود ممن أمر نبيكم ﷺ أن يقتدى به فسجدها داود ﵇ فسجدها رسول الله ﷺ وقد قال الامام أحمد حدثنا إسماعيل هو ابن علية عن أيوب عن عكرمة عن ابن عباس أنه قال في السجود في ص ليست من عزائم السجود. وقد رأيت رسول الله ﷺ يسجد فيها. وكذا رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي من حديث أيوب وقال الترمذي حسن صحيح وقال النسائي أخبرنى إبراهيم بن الحسن المقسمي حدثنا حجاج بن محمد عن عمر بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ سجد في ص وقال سجدها داود توبة ونسجدها شكرا تفرد به أحمد ورجاله ثقات وقال أبو داود حدثنا أحمد بن صالح حدثنا ابن وهب أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبى هلال عن عياض بن عبد الله بن سعد بن أبى سرح عن أبى سعيد الخدريّ قال قرأ رسول الله ﷺ وهو على المنبر ص فلما بلغ السجدة نزل فسجد وسجد معه الناس فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشرف الناس للسجود فقال انما هي توبة نبي ولكن رأيتكم تشرفتم فنزل وسجد. تفرد به أبو داود واسناده على شرط الصحيح. وقال الامام أحمد حدثنا عفان حدثنا يزيد بن زريع حدثنا حميد حدثنا بكر هو ابن عمر وأبو الصديق الناجي أنه أخبره أن أبا سعيد الخدريّ رأى رؤيا أنه يكتب ص فلما بلغ الى التي يسجد بها رأى الدواة والقلم وكل شيء بحضرته انقلب ساجدا قال فقصها على النبي ﷺ فلم يزل يسجد بها بعد * تفرد به أحمد وروى الترمذي وابن ماجة من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن الحسن بن محمد بن عبيد الله بن أبى يزيد قال قال لي ابن جريج حدثني جدك عبيد الله بن أبى يزيد عن ابن عباس قال جاء رجل الى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انى

стр. 352

رأيت فيما يرى النائم كأنى أصلى خلف شجرة فقرأت السجدة فسجدت الشجرة بسجودى فسمعتها تقول وهي ساجدة (اللهمّ اكتب لي بها عندك أجرا واجعلها لي عندك ذخرا وضع عنى بها وزرا واقبلها منى كما قبلت من عبدك داود) وقال ابن عباس فرأيت النبي ﷺ قام فقرأ السجدة ثم سجد فسمعته يقول وهو ساجد كما حكى الرجل عن كلام الشجرة. ثم قال الترمذي غريب لا نعرفه الا من هذا الوجه. وقد ذكر بعض المفسرين أنه ﵇ مكث ساجدا أربعين يوما وقاله مجاهد والحسن وغيرهما وورد في ذلك حديث مرفوع لكنه من رواية يزيد الرقاشيّ وهو ضعيف متروك الرواية * قال الله تعالى ﴿فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾. اى ان له يوم القيامة لزلفى وهي القربة التي يقربه الله بها ويدنيه من حظيرة قدسه بسببها كما ثبت في حديث (المقسطون على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يقسطون في أهليهم وحكمهم وما ولوا). وقال الامام أحمد في مسندة حدثنا يحيى بن آدم حدثنا فضيل عن عطية عن أبى سعيد الخدريّ قال قال رسول الله ﷺ ان أحب الناس الى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا امام عادل وان أبغض الناس الى الله يوم القيامة وأشدهم عذابا امام جائر وهكذا رواه الترمذي من حديث فضيل بن مرزوق الاغرّ به وقال لا نعرفه مرفوعا الا من هذا الوجه وقال ابن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة حدثنا عبد الله بن أبى زياد حدثنا سيار حدثنا جعفر بن سليمان سمعت مالك بن دينار في قوله ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ قال يقوم داود ﵇ يوم القيامة عند ساق العرش فيقول الله يا داود مجدنى اليوم بذلك الصوت الحسن الرخيم الّذي كنت تمجدني في الدنيا فيقول وكيف وقد سلبته فيقول انى أرده عليك اليوم قال فيرفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنان ﴿يا داوُدُ إِنّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾ هذا خطاب من الله تعالى مع داود والمراد ولاة الأمور وحكام الناس وأمرهم بالعدل والتباع الحق المنزل من الله لا ما سواه من الآراء والاهواء وتوعد من سلك غير ذلك وحكم بغير ذلك وقد كان داود ﵇ هو المقتدى به في ذلك الوقت في العدل وكثرة العبادة وأنواع القربات حتى إنه كان لا يمضى ساعة من آناء الليل وأطراف النهار إلا وأهل بيته في عبادة ليلا ونهارا كما قال تعالى ﴿اِعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن بسام حدثنا صالح المزي عن أبى عمران الجونى عن أبى الجلد قال قرأت في مسألة داود ﵇ أنه قال يا رب كيف لي أن أشكرك وأنا لا أصل الى شكرك إلا بنعمتك قال فأتاه الوحي «أن يا داود ألست تعلم أن الّذي بك من النعم منى قال بلى يا رب قال فانى أرضى بذلك منك» وقال البيهقي أنبأنا أبو عبد الله الحافظ أنبأنا أبو بكر بن بالويه حدثنا محمد بن يونس القرشي حدثنا روح بن عبادة حدثني عبد الله ابن لاحق عن ابن

стр. 353

شهاب قال قال داود «الحمد لله كما ينبغي لكرم وجهه وعز جلاله فأوحى الله اليه إنك أتعبت الحفظة يا داود» ورواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن على بن الجعد عن الثوري مثله وقال عبد الله بن المبارك في كتاب الزهد أنبأنا سفيان الثوري عن رجل عن وهب بن منبه قال ان في حكمة آل داود حق على العاقل أن لا يغفل عن أربع ساعات ساعة يناجي فيها ربه وساعة يحاسب فيها نفسه وساعة يفضي فيها الى إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه ويصدقونه عن نفسه وساعة يخلى بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل ويجمل فان هذه الساعة عون على هذه الساعات وإجمام للقلوب وحق على العاقل أن يعرف زمانه ويحفظ لسانه ويقبل على شأنه * وحق على العاقل أن لا يظعن إلا في إحدى ثلاث زاد لمعاده ومرمة لمعاشه ولذة في غير محرم وقد رواه أبو بكر بن أبى الدنيا عن أبى بكر بن أبى خيثمة عن ابن مهدي عن سفيان عن أبى الأغر عن وهب بن منبه فذكره. ورواه أيضا عن على بن الجعد عن عمر بن الهيثم الرقاشيّ عن أبى الأغر عن وهب بن منبه فذكره وأبو الأغر هذا هو الّذي أبهمه ابن المبارك في روايته. قاله ابن عساكر وقال عبد الرزاق أنبأنا بشر بن رافع حدثنا شيخ من أهل صنعاء يقال له أبو عبد الله قال سمعت وهب بن منبه فذكر مثله. وقد روى الحافظ ابن عساكر في ترجمة داود ﵇ أشياء كثيرة مليحة منها قوله كن لليتيم كالأب الرحيم * واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد. وروى بسند غريب مرفوعا قال داود يا زارع السيئات أنت تحصد شوكها وحسكها وعن داود ﵇ أنه قال مثل الخطيب الأحمق في نادى القوم كمثل المغنى عند رأس الميت وقال أيضا ما أقبح الفقر بعد الغنى وأقبح من ذلك الضلالة بعد الهدى وقال انظر ما تكره أن يذكر عنك في نادى القوم فلا تفعله إذا خلوت. وقال لا تعدن أخاك بما لا تنجزه له فان ذلك عداوة ما بينك وبينه. وقال محمد بن سعد أنبأنا محمد بن عمر الواقدي حدثني هشام بن سعد عن عمر مولى عفرة قال قالت يهود لما رأت رسول الله ﷺ يتزوج النساء انظروا الى هذا الّذي لا يشبع من الطعام ولا والله ما له همة الا الى النساء حسدوه لكثرة نسائه وعابوه بذلك فقالوا لو كان نبيا ما رغب في النساء وكان أشدهم في ذلك حيي بن أخطب فأكذبهم الله وأخبرهم بفضل الله وسعته على نبيه صلوات الله عليه وسلامه فقال ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعنى بالناس رسول الله ﷺ ﴿فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً﴾ يعنى ما أتى الله سليمان ابن داود كانت له ألف امرأة سبعمائة مهرية وثلاثمائة سرية وكانت لداود ﵇ مائة امرأة منهن امرأة أوريا أم سليمان بن داود التي تزوجها بعد الفتنة هذا أكثر مما لمحمد ﷺ . وقد ذكر الكلبي نحو هذا وانه كان لداود ﵇ مائة امرأة ولسليمان ألف امرأة منهن ثلاثمائة سرية (١) وروى الحافظ في تاريخه في ترجمة صدقة الدمشقيّ الّذي يروى عن ابن عباس من طريق الفرج

стр. 354

ابن فضالة الحمصي عن أبى هريرة الحمصي عن صدقة الدمشقيّ أن رجلا سأل ابن عباس عن الصيام فقال لأحدثنك بحديث كان عندي في البحث (١) مخزونا إن شئت أنبأتك بصوم داود فإنه كان صواما قواما وكان شجاعا لا يفر إذا لاقى وكان يصوم يوما ويفطر يوما وقال رسول الله ﷺ أفضل الصيام صيام داود وكان يقرأ الزبور بسبعين صوتا يكوّن فيها وكانت له ركعة من الليل يبكى فيها نفسه ويبكى ببكائه كل شيء ويصرف بصوته الهموم والمحموم * وان شئت أنبأتك بصوم ابنه سليمان فإنه كان يصوم من أول الشهر ثلاثة أيام ومن وسطه ثلاثة أيام ومن آخره ثلاثة أيام يستفتح الشهر بصيام ووسطه بصيام ويختمه بصيام. وان شئت أنبأتك بصوم ابن العذراء البتول عيسى بن مريم فإنه كان يصوم الدهر ويأكل الشعير ويلبس الشعر يأكل ما وجد ولا يسأل عما فقد ليس له ولد يموت ولا بيت يخرب وكان أينما أدركه الليل صفن بين قدميه وقام يصلى حتى يصبح وكان راميا لا يفوته صيد يريده وكان يمر بمجالس بنى إسرائيل فيقضى لهم حوائجهم. وان شئت أنبأتك بصوم أمه مريم بنت عمران فإنها كانت تصوم يوما وتفطر يومين. وان شئت أنبأتك بصوم النبي العربيّ الأمي محمد ﷺ فإنه كان يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ويقول إن ذلك صوم الدهر. وقد روى (٢) الامام احمد عن أبى النصر عن فرج بن فضالة عن أبى هرم عن صدقة عن ابن عباس مرفوعا في صوم داود * ذكر كمية حياته وكيفية وفاته ﵇ قد تقدم في ذكر الأحاديث الواردة في خلق آدم أن الله لما استخرج ذريته من ظهره فرأى فيهم الأنبياء ﵈ ورأى فيهم رجلا يزهر فقال أي رب من هذا قال هذا ابنك داود قال أي رب كم عمره قال ستون عاما قال أي رب زد في عمره قال لا الا أن أزيده من عمرك وكان عمر آدم ألف عام فزاده أربعين عاما فلما انقضى عمر آدم جاءه ملك الموت فقال بقي من عمري أربعون سنة ونسي آدم ما كان وهبه لولده داود فأتمها الله لآدم ألف سنة ولداود مائة سنة رواه احمد عن ابن عباس والترمذي وصححه عن أبى هريرة وابن خزيمة وابن حبان. وقال الحاكم على شرط مسلم. وقد تقدم ذكر طرقه وألفاظه في قصة آدم * قال ابن جرير وقد زعم بعض أهل الكتاب أن عمر داود كان سبعا وسبعين سنة. قلت هذا غلط مردود عليهم قالوا وكان مدة ملكه أربعين سنة وهذا قد يقبل نقله لانه ليس عندنا ما ينافيه ولا ما يقتضيه

стр. 355

واما وفاته ﵇ فقال الامام احمد في مسندة حدثنا قبيصة حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عمرو بن أبى عمرو عن المطلب عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: كان داود ﵇ فيه غيرة شديدة فكان إذا خرج أغلق الأبواب فلم يدخل على أهله أحد حتى يرجع قال فخرج ذات يوم وغلقت الدار فأقبلت امرأته تطلع الى الدار فإذا رجل قائم وسط الدار فقالت لمن في البيت من أين دخل هذا الرجل والدار مغلقة والله لنفتضحن بداود فجاء داود فإذا الرجل قائم في وسط الدار فقال له داود من أنت فقال أنا الّذي لا أهاب الملوك ولا أمنع من الحجاب فقال داود أنت والله إذن ملك الموت مرحبا بأمر الله ثم مكث حتى قبضت روحه فلما غسل وكفن وفرغ من شأنه طلعت عليه الشمس فقال سليمان للطير أظلى على داود فأظلته الطير حتى أظلمت عليه الأرض فقال سليمان للطير اقبضى جناحا قال قال أبو هريرة فطفق رسول الله ﷺ يرينا كيف فعلت الطير وقبض رسول الله ﷺ بيده وغلبت عليه يومئذ المضرحية. انفرد بإخراجه الامام احمد واسناده جيد قوى رجاله ثقات ومعنى قوله وغلبت عليه يومئذ المضرحية أي وغلبت على التظليل عليه الصقور الطوال الاجنحة واحدها مضرحى * قال الجوهري وهو الصقر الطويل الجناح وقال السدي عن أبى مالك عن ابن عباس قال مات داود ﵇ فجأة وكان بسبت وكانت الطير تظله. وقال السدي أيضا عن أبى مالك وعن سعيد بن جبير قال مات داود ﵇ يوم السبت فجأة. وقال إسحاق بن بشر عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن الحسن قال مات داود ﵇ وهو ابن مائة سنة ومات يوم الأربعاء فجأة. وقال أبو السكن الهجريّ مات إبراهيم الخليل فجأة وداود فجأة وابنه سليمان فجأة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين رواه ابن عساكر وروى عن بعضهم أن ملك الموت جاءه وهو نازل من محرابه فقال له دعني أنزل أو أصعد فقال يا نبي الله قد نفدت السنون والشهور والآثار والأرزاق. قال فخر ساجدا على مرقاة من تلك المراقي فقبضه وهو ساجد. وقال إسحاق بن بشر (١) انبأنا وافر بن سليمان عن أبى سليمان الفلسطيني عن وهب بن منبه قال إن الناس حضروا جنازة داود ﵇ فجلسوا في الشمس في يوم صائف قال وكان قد شيع جنازته يومئذ أربعون ألف راهب عليهم البرانس سوى غيرهم من الناس ولم يمت في بنى إسرائيل بعد موسى وهارون أحد كانت بنو إسرائيل أشد جزعا عليه منهم على داود قال فآذاهم الحر فنادوا سليمان ﵇ أن يعمل لهم وقاية لما أصابهم من الحر فخرج سليمان فنادى الطير فأجابت فأمرها أن تظل الناس فتراص بعضها الى بعض من كل وجه حتى استمسكت الريح فكاد الناس أن يهلكوا غما فصاحوا
следующие страницы →