الثغور والطرق والمسالك. ثم إن الحجاج ركب فيمن معه من الجيوش الشامية من البصرة في البر حتى مر بين القادسية والعذيب وبعث إليه ابن الأشعث عبد الرحمن بن العباس في خيل عظيمة من المصرين فمنعوا الحجاج من دخول القادسية، فسار الحجاج حتى نزل دير قره، وجاء ابن الأشعث بمن معه من الجيوش البصرية والكوفية حتى نزل دير الجماجم، ومعه جنود كثيرة، وفيهم القراء وخلق من الصالحين، وكان الحجاج بعد ذلك يقول: قاتل الله ابن الأشعث، أما كان يزجر الطير حيث رآني قد نزلت دير قره، ونزل هو بدير الجماجم. وكان جملة من اجتمع مع ابن الأشعث مائة ألف مقاتل ممن يأخذ العطاء، ومعهم مثلهم من مواليهم، وقدم على الحجاج في غبون ذلك أمداد كثيرة من الشام، وخندق كل من الطائفتين على نفسه وحول جيشه خندقا يمتنع به من الوصول إليهم، غير أن الناس كان يبرز بعضهم لبعض في كل يوم فيقتتلون قتالا شديدا في كل حين، حتى أصيب من رءوس الناس خلق من قريش وغيرهم، واستمر هذا الحال مدة طويلة، واجتمع الأمراء من أهل المشورة عند عبد الملك بن مروان فقالوا له: إن كان أهل العراق يرضيهم منك أن تعزل عنهم الحجاج فهو أيسر من قتالهم وسفك دمائهم، فاستحضر عبد الملك عند ذلك أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن عبد الملك بن مروان، ومعهما جنود كثيرة جدا، وكتب معهما كتابا إلى أهل العراق يقول لهم: إن كان يرضيكم منى عزل الحجاج عنكم عزلته عنكم، وبعثت عليكم أعطياتكم مثل أهل الشام، وليختر ابن الأشعث أي بلد شاء يكون عليه أميرا ما عاش وعشت، وتكون إمرة العراق لمحمد بن مروان، وقال في عهده هذا: فان لم تجب أهل العراق إلى ذلك فالحجاج على ما هو عليه وإليه إمرة الحرب، ومحمد بن مروان وعبد الله بن عبد الملك في طاعة الحجاج وتحت أمره لا يخرجون عن رأيه في الحرب وغيره.
ولما بلغ الحجاج ما كتب به عبد الملك إلى أهل العراق من عزله إن رضوا به شق عليه ذلك مشقة عظيمة جدا وعظم شأن هذا الرأى عنده، وكتب إلى عبد الملك: يا أمير المؤمنين والله لئن أعطيت أهل العراق نزعى عنهم لا يلبثون إلا قليلا حتى يخالفوك ويسيروا إليك، ولا يزيدهم ذلك إلا جرأة عليك، ألم تر وتسمع بوثوب أهل العراق مع الأشتر النخعي على ابن عفان؟ فلما سألهم ما تريدون؟ قالوا: نزع سعيد بن العاص، فلما نزعه لم تتم لهم السنة حتى ساروا إليه فقتلوه؟ وإن الحديد بالحديد يفلح، كان الله لك فيما ارتأيت والسلام عليك.
قال: فأبى عبد الملك إلا عرض هذه الخصال على أهل العراق كما أمر، فتقدم عبد الله ومحمد فنادى عبد الله: يا معشر أهل العراق، أنا عبد الله ابن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان، وإنه يعرض عليكم كيت وكيت، فذكر ما كتب به أبوه معه إليهم من هذه الخصال، وقال محمد بن مروان: وأنا رسول
стр. 2872
أخى أمير المؤمنين إليكم بذلك، فقالوا: ننظر في أمرنا غدا ونرد عليكم الخبر عشية، ثم انصرفوا فاجتمع جميع الأمراء إلى ابن الأشعث فقام فيهم خطيبا وندبهم إلى قبول ما عرض عليهم من عزل الحجاج عنهم وبيعة عبد الملك وإبقاء الأعطيات وإمرة محمد بن مروان على العراق بدل الحجاج، فنفر الناس من كل جانب وقالوا: لا والله لا نقبل ذلك، نحن أكثر عددا وعددا، وهم في ضيق من الحال وقد حكمنا عليهم وذلوا لنا، والله لا نجيب إلى ذلك أبدا. ثم جددوا خلع عبد الملك ونائبة ثانية، واتفقوا على ذلك كلهم.
فلما بلغ عبد الله بن عبد الملك وعمه محمدا الخبر قالا للحجاج: شأنك بهم إذا، فنحن في طاعتك كما أمرنا أمير المؤمنين، فكانا إذا لقياه سلما عليه بالإمرة ويسلم هو أيضا عليهم بالإمرة، وتولى الحجاج أمر الحرب وتدبيرها كما كان قبل ذلك، فعند ذلك برز كل من الفريقين للقتال والحرب، فجعل الحجاج على ميمنته عبد الرحمن بن سليمان، وعلى ميسرته عمارة بن تميم اللخمي، وعلى الخليل سفيان بن الأبرد وعلى الرجالة عبد الرحمن بن حبيب الحكمي. وجعل ابن الأشعث على ميمنته الحجاج بن حارثة الجشمي، وعلى الميسرة الأبرد بن قرة التميمي، وعلى الخيالة عبد الرحمن ابن عياش بن أبى ربيعة، وعلى الرجالة محمد بن سعد بن أبى وقاص الزهري، وعلى القراء جبلة بن زحر بن قيس الجعفي، وكان فيهم سعيد بن جبير وعامر الشعبي وعبد الرحمن بن أبى ليلى وكميل بن زياد - وكان شجاعا فاتكا على كبر سنه - وأبو البحتري الطائي وغيرهم، وجعلوا يقتتلون في كل يوم، وأهل العراق تأتيهم الميرة من الرساتيق والأقاليم، من العلف والطعام، وأما أهل الشام الذين مع الحجاج فهم في أضيق حال من العيش، وقلة من الطعام، وقد فقدوا اللحم بالكلية فلا يجدونه، وما زالت الحرب في هذه المدة كلها حتى انسلخت هذه السنة وهم على حالهم وقتالهم في كل يوم أو يوم بعد يوم، والدائرة لأهل العراق على أهل الشام في أكثر الأيام. وقد قتل من أصحاب الحجاج زياد بن غنم، وكسر بسطام بن مصقلة في أربعة آلاف جفون سيوفهم واستقتلوا وكانوا من أصحاب ابن الأشعث.
وفي هذه السنة كانت وفاة المهلب بن أبى صفرة، وهو المهلب بن أبى صفرة ظالم أبو سعيد الأزدي أحد أشراف أهل البصرة ووجوههم ودهاتهم وأجوادهم وكرمائهم، ولد عام الفتح، وكانوا ينزلون فيما بين عمان والبحرين، وقد ارتد قومه فقالتهم عكرمة بن أبى جهل فظفر بهم، وبعث بهم إلى الصديق وفيهم أبو صفرة وابنه المهلب غلام لم يبلغ الحنث، ثم نزل المهلب البصرة وقد غزا في أيام معاوية أرض الهند سنة أربع وأربعين، وولى الجزيرة لابن الزبير سنة ثمان وستين، ثم ولى حرب الخوارج أول دولة الحجاج، وقتل منهم في وقعة واحدة أربعة آلاف وثمانمائة، فعظمت منزلته عند الحجاج.
وكان فاضلا شجاعا كريما يحب المدح، وله كلام حسن، فمنه: نعم الخصلة السخاء تستر عورة الشريف
стр. 2873
وتلحق خسيسة الوضيع، وتحبب المزهود فيه. وقال: يعجبني في الرجل خصلتان أن أرى عقله زائدا على لسانه، ولا أرى لسانه زائدا على عقله.
توفى المهلب غازيا بمروالروذ وعمره ستة وسبعون سنة ﵀. وكان له عشرة من الولد وهم:
يزيد، وزياد، والمفضل، ومدرك، وحبيب، والمغيرة، وقبيصة، ومحمد، وهند، وفاطمة. توفى المهلب في ذي الحجة منها، وكان من الشجعان وله مواقف حميدة، وغزوات مشهورة في الترك والأزارقة وغيرهم من أنواع الخوارج، وجعل الأمر من بعده ليزيد بن المهلب على إمرة خراسان فأمضى له ذلك الحجاج وعبد الملك بن مروان.
أسماء بن خارجة الفزاري الكوفي
وكان جوادا ممدحا، حكى أنه رأى يوما شابا على باب داره جالسا فسأله عن قعوده على بابه فقال: حاجة لا أستطيع ذكرها، فألح عليه فقال: جارية رأيتها دخلت هذه الدار لم أر أحسن منها وقد خطفت قلبي معها، فأخذ بيده وأدخله داره وعرض عليه كل جارية عنده حتى مرت تلك الجارية فقال: هذه، فقال له: اخرج فاجلس على الباب مكانك، فخرج الشاب فجلس مكانه، ثم خرج إليه بعد ساعة والجارية معه قد ألبسها أنواع الحلي، وقال له: ما منعني أن أدفعها إليك وأنت داخل الدار إلا أن الجارية كانت لأختى، وكانت ضنينة بها، فاشتريتها لك منها بثلاثة آلاف، وألبستها هذا الحلي، فهي لك بما عليها، فأخذها الشاب وانصرف.
المغيرة بن المهلب
ابن أبى صفرة، كان جوادا ممدحا شجاعا، له مواقف مشهورة.
الحارث بن عبد الله
ابن ربيعة المخزومي المعروف بقباع، ولى إمرة البصرة لابن الزبير.
محمد بن أسامة بن زيد بن حارثة
كان من فضلاء أبناء الصحابة وأعقلهم، توفى بالمدينة ودفن بالبقيع.
عبد الله بن أبى طلحة بن أبى الأسود
والد الفقيه إسحاق حملت به أمه أم سليم ليلة مات ابنها فأصبح أبو طلحة فأخبر النبي ﷺ ،
فقال ﷺ : «عرستم بارك الله لكما في ليلتكما». ولما ولد حنكه بتمرات.
عبد الله بن كعب بن مالك
كان قائد كعب حين عمى، له روايات، توفى بالمدينة هذه السنة.
стр. 2874
عفان بن وهب
أبو أيمن الخولانيّ المصري له صحبة ورواية، وغزا المغرب، وسكن مصر وبها مات.
جميل بن عبد الله
ابن معمر بن صباح بن ظبيان بن الحسن بن ربيعة بن حرام بن ضبة بن عبيد بن كثير بن عذرة بن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سرهد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. أبو عمرو الشاعر صاحب بثينة، كان قد خطبها فمنعت منه، فتغزل فيها واشتهر بها، وكان أحد عشاق العرب، كانت إقامته بوادي القرى، وكان عفيفا حييا دينا شاعرا إسلاميا، من أفصح الشعراء في زمانه، وكان كثير عزة راويته، وهو يروى عن هدبة بن خثرم عن الحطيئة عن زهير بن أبى سلمى، وابنه كعب، قال كثير عزة كان جميل أشعر العرب حيث يقول: -
وأخبرتمانى أن تيماء منزل … لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسيا
فهذه شهور الصيف عنا قد انقضت … فما للنوى ترمى بليلى المراميا
ومنها قوله
وما زلت بى يابثن حتى لو اننى … من الشوق أستبكى الحمام بكى ليا
وما زادني الواشون إلا صبابة … ولا كثرة الناهين إلا تماديا
وما أحدث النأى المفرق بيننا … سلوّا ولا طول اجتماع تقاليا
ألم تعلمي يا عذبة الريق أننى … أظل إذا لم ألق وجهك صاديا
لقد خفت أن ألقى المنية بغتة … وفي النفس حاجات إليك كما هيا
وله أيضا
إني لأحفظ غيبكم ويسرني … لو تعلمين بصالح أن تذكري
إلى أن قال
ما أنت والوعد الّذي تعديننى … إلا كبرق سحابة لم تمطر
وقوله وروى لعمرو:
ما زلت أبغي الحىّ أتبع فلهم … حتى دفعت إلى ربيبة هودج
ابن أبى ربيعة.
فدنوت مختفيا ألمّ ببيتها … حتى ولجت إلى خفي المولج
فيما نقله ابن عساكر
قالت وعيش أخى ونعمة والدي … لأنبهن الحي إن لم تخرج
فتناولت رأسي لتعرف مسه … بمخضب الاطراف غير مشنج
فخرجت خيفة أهلها فتبسمت … فعلمت أن يمينها لم تحرج
فلثمت فاها آخذا بقرونها … فرشفت ريقا باردا متثلج
قال كثير عزة: لقيني جميل بثينة فقال: من أين أقبلت؟ فقلت: من عنده هذه الحبيبة، فقال وإلى أين؟ فقلت: وإلى هذه الحبيبة - يعنى عزة - فقال: أقسمت عليك لما رجعت إلى بثينة فواعدتها لي فان لي من أول الصيف ما رأيتها، وكان آخر عهدي بها بوادي القرى، وهي تغسل هي
стр. 2875
وأمها ثوبا فتحادثنا إلى الغروب، قال كثير: فرجعت حتى أنخت بهم. فقال أبو بثينة: ما ردك يا ابن أخى؟ فقلت: أبيات قلتها فرجعت لأعرضها عليك. فقال: وما هي؟ فأنشدته وبثينة تسمع من وراء الحجاب: -
فقلت لها يا عز أرسل صاحبي … إليك رسولا والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعدا … وأن تأمرينى ما الّذي فيه أفعل
وآخر عهدي منك يوم لقيتني … بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل
فلما كان الليل أقبلت بثينة إلى المكان الّذي واعدته إليه، وجاء جميل وكنت معهم فما رأيت ليلة أعجب منها ولا أحسن منادمات، وانفض ذلك المجلس وما أدرى أيهما أفهم لما في ضمير صاحبه منه.
وذكر الزبير بن بكار عن عباس بن سهل الساعدي أنه دخل على جميل وهو يموت فقال له:
ما تقول في رجل لم يشرب الخمر قط، ولم يزن قط، ولم يسرق ولم يقتل النفس وهو يشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: أظنه قد نجا وأرجو له الجنة، فمن هذا؟ قال: أنا، فقلت الله: ما أظنك سلمت وأنت تشبب بالنساء منذ عشرين سنة، ببثينة. فقال: لا نالتنى شفاعة محمد ﷺ ، وإني لفي أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا إن كنت وضعت يدي عليها بريبة، قال: فما برحنا حتى مات. قلت: كانت وفاته بمصر لأنه كان قد قدم على عبد العزيز بن مروان فأكرمه وسأله عن حبه بثينة فقال: شديدا، واستنشده من أشعاره ومدائحه فأنشده فوعده أن يجمع بينه وبينها فعاجلته المنية في سنة ثنتين وثمانين ﵀ آمين.
وقد ذكر الأصمعي عن رجل أن جميلا قال له: هل أنت مبلغ عنى رسالة إلى حي بثينة ولك ما عندي؟ قال نعم! قال: إذا أنامت فاركب ناقتي والبس حلتى هذه وأمره أن يقول أبياتا منها قوله
قومي بثينة فاندبى بعويل … وابكى خليلا دون كل خليل
فلما انتهى إلى حيهم أنشد الأبيات فخرجت بثينة كأنها بدرسرى في جنة وهي تتثنى في مرطها فقالت له: ويحك إن كنت صادقا فقد قتلتني، وإن كنت كاذبا فقد فضحتني. فقلت: بلى والله صادق وهذه حلته وناقته، فلما تحققت ذلك أنشدت أبياتا ترثيه بها وتتأسف عليه فيها، وأنه لا يطيب لها العيش بعده، ولا خير لها في الحياة بعد فقده، ثم ماتت من ساعتها: قال الرجل: فما رأيت أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ.
وروى ابن عساكر عنه أنه قيل له بدمشق: لو تركت الشعر وحفظت القرآن؟
فقال: هذا أنس بن مالك يخبرني عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إن من الشعر لحكمة»
стр. 2876
عمر بن عبيد الله
ابن معمر بن عثمان أبو حفص القرشي التميمي أحد الأجواد والأمراء الأمجاد، فتحت على يديه بلدان كثيرة، وكان نائبا لابن الزبير على البصرة، وقد فتح كابل مع عبد الله بن خازم، وهو الّذي قتل قطري بن الفجاءة، وروى عن ابن عمر وجابر وغيرهما، وعن عطاء بن أبى رباح، وابن عون، ووفد على عبد الملك فتوفى بدمشق سنة ثنتين وثمانين. قاله المدائني. وحكى أن رجلا اشترى جارية كانت تحسن القرآن والشعر وغيره فأحبها حبا شديدا وأنفق عليها ماله كله حتى أفلس ولم يبق له شيء سوى هذه الجارية، فقالت له الجارية: قد أرى ما بك من قلة الشيء. فلو بعتني وانتفعت بثمني صلح حالك، فباعها لعمر بن عبيد الله هذا - وهو يومئذ أمير البصرة - بمائة ألف درهم، فلما قبض المال ندم وندمت الجارية، فأشارت تخاطب سيدها بأبيات شعر وهي: -
هنيئا لك المال الّذي قد أخذته … ولم يبق في كفيّ الا تفكري
أقول لنفسي وهي في كرب عيشة … أقلى فقد بان الخليط أو اكثرى
إذا لم يكن في الأمر عندك حيلة … ولم تجدى بدا من الصبر فاصبرى
فأجابها سيدها فقال: -
ولولا قعود الدهر بى عنك لم يكن … لفرقتنا شيء سوى الموت فاصبرى
أءوب بحزن من فراقك موجع … أناجى به قلبا طويل التذكر
عليك سلام لا زيارة بيننا … ولا وصل الا أن يشاء ابن معمر
فلما سمعهما ابن معمر قد شببت قال: والله لا فرقت بين محبين أبدا، ثم أعطاه المال - وهو مائة ألف - والجارية لما رأى من توجعهما على فراق كل منهما صاحبه، فأخذ الرجل الجارية وثمنها وانطلق. توفى عمر بن عبيد الله بن معمر هذا بدمشق بالطاعون، وصلى عليه عبد الملك بن مروان، ومشى في جنازته وحضر دفنه وأثنى عليه بعد موته، وكان له من الولد طلحة وهو من سادات قريش تزوج فاطمة بنت القاسم بن محمد بن جعفر على صداق أربعين ألف دينار، فأولدها إبراهيم ورملة، فتزوج رملة إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس على صداق مائة ألف دينار ﵏.
كميل بن زياد
ابن نهيك بن خيثم النخعي الكوفي. روى عن عمر وعثمان وعلى وابن مسعود وأبى هريرة، وشهد مع على صفين، وكان شجاعا فاتكا، وزاهدا عابدا، قتله الحجاج في هذه السنة، وقد عاش مائة سنة قتله صبرا بين يديه، وإنما نقم عليه لأنه طلب من عثمان بن عفان القصاص من لطمة لطمها إياه، فلما أمكنه عثمان من نفسه عفا عنه، فقال له الحجاج: أو مثلك يسأل من أمير المؤمنين القصاص؟
стр. 2877
ثم أمر فضربت عنقه، قالوا: وذكر الحجاج عليا في غبون ذلك فنال منه وصلى عليه كميل، فقال له الحجاج: والله لأبعثن إليك من يبغض عليا أكثر مما تحبه أنت، فأرسل إليه ابن أدهم، وكان من أهل حمص، ويقال أبا الجهم بن كنانة فضرب عنقه، وقد روى عن كميل جماعة كثيرة من التابعين
وله الأثر المشهور عن على بن أبى طالب الّذي أوله «القلوب أوعية فخيرها أوعاها» وهو طويل قد رواه جماعة من الحفاظ الثقات وفيه مواعظ وكلام حسن رضى الله عن قائله.
ذاذان أبو عمرو الكندي
أحد التابعين كان أولا يشرب المسكر ويضرب بالطنبور، فرزقه الله التوبة على يد عبد الله ابن مسعود وحصلت له إنابة ورجوع إلى الحق، وخشية شديدة، حتى كان في الصلاة كأنه خشبة.
قال خليفة: وفيها توفى زر بن حبيش أحد أصحاب ابن مسعود وعائشة، وقد أتت عليه مائة وعشرون سنة. وقال أبو عبيد: مات سنة إحدى وثمانين، وقد تقدمت له ترجمة (شقيق بن سلمة) أبو وائل، أدرك من زمن الجاهلية سبع سنين، وأسلم في حياة النبي ﷺ
أم الدرداء الصغرى
اسمها هجيمة ويقال جهيمة تابعية عابدة عالمة فقيهة كان الرجال يقرءون عليها ويتفقهون في الحائط الشمالي بجامع دمشق، وكان عبد الملك بن مروان يجلس في حلقتها مع المتفقهة يشتغل عليها وهو خليفة، ﵂.
ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين
استهلت هذه السنة والناس متواقفون لقتال الحجاج وأصحابه بدير قرة، وابن الأشعث وأصحابه بدير الجماجم، والمبارزة في كل يوم بينهم واقعة، وفي غالب الأيام تكون النصرة لأهل العراق على أهل الشام، حتى قيل إن أصحاب ابن الأشعث وهم أهل العراق كسروا أهل الشام وهم أصحاب الحجاج بضعا وثمانين مرة ينتصرون عليهم، ومع هذا فالحجاج ثابت في مكانه صابر ومصابر لا يتزحزح عن موضعه الّذي هو فيه، بل إذا حصل له ظفر في يوم من الأيام يتقدم بجيشه إلى نحو عدوه، وكان له خبرة بالحرب، وما زال ذلك دأبه ودأبهم حتى أمر بالحملة على كتيبة القراء، لأن الناس كانوا تبعا لهم، وهم الذين يحرضونهم على القتال والناس يقتدون بهم، فصبر القراء لحملة جيشه، ثم جمع الرماة من جيشه وحمل بهم، وما انفك حتى قتل منهم خلقا كثيرا، ثم حمل على ابن الأشعث وعلى من معه من الجيش فانهزم أصحاب ابن الأشعث وذهبوا في كل وجه، وهرب ابن الأشعث بين أيديهم ومعه فل قليل من الناس، فأتبعه الحجاج جيشا كثيفا مع عمارة بن غنم اللخمي ومعه محمد بن الحجاج والامرة لعمارة، فساقوا وراءهم يطردونهم لعلهم يظفرون به قتلا أو أسرا، فما زال يسوق ويخترق الأقاليم
стр. 2878
والكور والرساتيق، وهم في أثره حتى وصل إلى كرمان، واتبعه الشاميون فنزلوا في قصر كان فيه أهل العراق قبلهم، فإذا فيه كتاب قد كتبه بعض أهل الكوفة من أصحاب ابن الأشعث الذين فروا معه من شعر أبى خلدة اليشكري يقول:
أيا لهفا ويا حزنا جميعا … ويا حر الفؤاد لما لقينا
تركنا الدين والدنيا جميعا … وأسلمنا الحلائل والبنينا
فما كنا أناسا أهل دينا … فنمنعها ولو لم نرج دينا
تركنا دورنا لطغام عك … وأنباط القرى والأشعرينا
ثم إن ابن الأشعث دخل هو ومن معه من الفل إلى بلاد رتبيل ملك الترك، فأكرمه رتبيل وأنزله عنده وأمنه وعظمه قال الواقدي: ومر ابن الأشعث وهو ذاهب إلى بلاد رتبيل على عامل له في بعض المدن كان ابن الأشعث قد استعمله على ذلك عند رجوعه إلى العراق، فأكرمه ذلك العامل وأهدى إليه هدايا وأنزله، فعل ذلك خديعة به ومكرا، وقال له: ادخل إلى عندي إلى البلد لتتحصن بها من عدوك ولكن لا تدع أحدا ممن معك يدخل المدينة، فأجابه إلى ذلك، وإنما أراد المكر به، فمنعه أصحابه فلم يقبل منهم، فتفرق عنه أصحابه، فلما دخل المدينة وثب عليه العامل فمسكه وأوثقه بالحديد وأراد أن يتخذ به يدا عند الحجاج، وقد كان الملك رتبيل سر بقدوم ابن الأشعث، فلما بلغه ما حدث له من جهة ذلك العامل بمدينة بست، سار حتى أحاط ببست، وأرسل إلى عاملها يقول له: والله لئن آذيت ابن الأشعث لا أبرح حتى أستنزلك وأقتل جميع من في بلدك، فخافه ذلك العامل وسير إليه ابن الأشعث فأكرمه رتبيل، فقال ابن الأشعث لرتبيل: إن هذا العامل كان عاملي ومن جهتي، فغدر بى وفعل ما رأيت، فأذن لي في قتله، فقال: قد أمنته. وكان مع ابن الأشعث عبد الرحمن بن عياش ابن أبى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وكان هو الّذي يصلى بالناس لك في بلاد رتبيل، ثم إن جماعة من الفل الذين هربوا من الحجاج اجتمعوا وساروا وراء ابن الأشعث ليدركوه فيكونوا معه - وهم قريب من ستين ألفا - فلما وصلوا إلى سجستان وجدوا ابن الأشعث قد دخل إلى عند رتبيل فتغلبوا على سجستان وعذبوا عاملها عبد الله بن عامر النعار وإخوته وقرابته، واستحوذوا على ما فيها من الأموال، وانتشروا في تلك البلاد وأخذوها، ثم كتبوا إلى ابن الأشعث: أن اخرج إلينا حتى نكون معك ننصرك على من يخالفك، ونأخذ بلاد خراسان، فان بها جندا ومنعة كثيرة منا، فنكون بها حتى يهلك الله الحجاج أو عبد الملك، فنرى بعد ذلك رأينا. فخرج إليهم ابن الأشعث وسار بهم قليلا إلى نحو خراسان فاعتزله شرذمة من أهل العراق مع عبيد الله بن سمرة، فقام فيهم ابن الأشعث
стр. 2879
خطيبا فذكر غدرهم ونكولهم عن الحرب، وقال: لا حاجة لي بكم، وأنا ذاهب إلى صاحبي رتبيل فأكون عنده. ثم انصرف عنهم وتبعه طائفة منهم وبقي معظم الجيش. فلما انفصل عنهم ابن الأشعث بايعوا عبد الرحمن بن عياش بن أبى ربيعة الهاشمي، وساروا معه إلى خراسان فخرج إليهم أميرها يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، فمنعهم من دخول بلاده، وكتب إلى عبد الرحمن بن عياش يقول له: إن في البلاد متسعا فاذهب إلى أرض ليس بها سلطان فانى أكره قتالك، وإن كنت تريد مالا بعثت إليك. فقال له: إنا لم نجيء لقتال أحد، وإنما جئنا نستريح ونريح خيلنا ثم نذهب وليست بنا حاجة إلى شيء مما عرضت. ثم أقبل عبد الرحمن على أخذ الخراج مما حوله من البلاد من كور خراسان، فخرج إليه يزيد بن الملهب ومعه أخوه المفضل في جيوش كثيفة، فلما صادفوهم اقتتلوا غير كثير ثم انهزم أصحاب عبد الرحمن بن عياش، وقتل يزيد منهم مقتلة كبيرة، واحتاز ما في معسكره، وبعث بالأسارى وفيهم محمد بن سعد بن أبى وقاص إلى الحجاج، ويقال إن محمد بن سعد قال ليزيد بن المهلب: أسألك بدعوة أبى لأبيك لما أطلقتنى، فأطلقه.
قال ابن جرير: ولهذا الكلام خبر فيه طول، ولما قدمت الأسارى على الحجاج قتل أكثرهم وعفا عن بعضهم، وقد كان الحجاج يوم ظهر على ابن الأشعث نادى مناديه في الناس: من رجع فهو آمن ومن لحق بمسلم بن قتيبة بالري فهو آمن، فلحق بمسلم خلق كثير ممن كان مع ابن الأشعث فأمنهم الحجاج، ومن لم يلحق به شرع الحجاج في تتبعهم، فقتل منهم خلقا كثيرا حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير على ما سيأتي بيانه وكان الشعبي من جملة من صار إلى مسلم بن قتيبة فذكره الحجاج يوما فقيل له: إنه سار إلى مسلم بن قتيبة، فكتب إلى مسلم: أن ابعث لي بالشعبي قال الشعبي: فلما دخلت عليه سلمت عليه بالإمرة ثم قلت: أيها الأمير إن الناس قد أمرونى أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق، وايم الله لا أقول في هذا المقام إلا الحق كائنا في ذلك ما كان، قد والله تمردنا عليك، وخرجنا وجهدنا كل الجهد فما آلونا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا بالأتقياء البررة، ولقد نصرك الله علينا وأظفرك بنا فان سطوت فبذنوبنا وما جرت إليك أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك، وبعد فلك الحجة علينا.
فقال الحجاج: أنت والله يا شعبى أحب إلى ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا ثم يقول: ما فعلت ولا شهدت، قد أمنت عندنا يا شعبى. قال: فانصرفت فلما مشيت قليلا قال: هلم يا شعبى، قال:
فوجل لذلك قلبي، ثم ذكرت قوله قد أمنت يا شعبى فاطمأنت نفسي، فقال: كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبى؟ - قال: وكان لي مكرما قبل الخروج عليه - فقلت: أصلح الله الأمير، قد اكتحلت بعدك السهر، واستوعرت السهل، واستوخمت الجناب، واستحلست الخوف، واستحليت الهم،
стр. 2880
وفقدت صالح الاخوان، ولم أجد من الأمير خلفا. قال انصرف يا شعبى، فانصرفت. ذكر ذلك ابن جرير وغيره. ورواه أبو مخنف عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن الشعبي.
وروى البيهقي أنه سأله عن مسألة في الفرائض وهي أم زوج وأخت وما كان يقوله فيها الصديق وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود، وكان لكل منهم قول فيها، فنقل ذلك كله الشعبي في ساعة فاستحسن قول على وحكم بقول عثمان، وأطلق الشعبي بسبب ذلك. وقيل إن الحجاج قتل خمسة آلاف أسير ممن سيرهم إليه يزيد بن المهلب كما تقدم ذلك، ثم سار إلى الكوفة فدخلها فجعل لا يبايع أحدا من أهلها إلا قال: اشهد على نفسك أنك قد كفرت، فإذا قال نعم بايعه، وإن أبى قتله، فقتل منهم خلقا كثيرا ممن أبى أن يشهد على نفسه بالكفر، قال فأتى برجل فقال الحجاج: ما أظن هذا يشهد على نفسه بالكفر لصلاحه ودينه - وأراد الحجاج مخادعته - فقال: أخادعي أنت عن نفسي؟ أنا أكفر أهل الأرض وأكفر من فرعون وهامان ونمروذ. قال: فضحك الحجاج وخلى سبيله.
وذكر ابن جرير من طريق أبى مخنف أن أعشى همدان أتى به إلى الحجاج - وكان قد عمل قصيدة هجا فيها الحجاج وعبد الملك بن مروان ويمدح فيها ابن الأشعث وأصحابه - فاستنشده إياها فأنشده قصيدة طويلة دالية، فيها مدح كثير لعبد الملك وأهل بيته، فجعل أهل الشام يقولون: قد أحسن أيها الأمير، فقال الحجاج: إنه لم يحسن، إنما يقول هذا مصانعة، ثم ألح عليه حتى أنشده قصيدته الأخرى، فلما أنشدها غضب عند ذلك الحجاج وأمر به فضربت عنقه صبرا بين يديه. واسم الأعشى هذا عبد الرحمن بن عبد الله بن الحارث أبو المصبح الهمدانيّ الكوفي الشاعر، أحد الفصحاء البلغاء المشهورين، وقد كان له فضل وعبادة في مبتدئه، ثم ترك ذلك وأقبل على الشعر فعرف به، وقد وفد على النعمان بن بشير وهو أمير بحمص فامتدحه، وكان محصوله في رحلته إليه منه ومن جند حمص أربعين ألف دينار، وكان زوج أخت الشعبي، كما أن الشعبي كان زوج أخته أيضا، وكان ممن خرج مع ابن الأشعث، فقتله الحجاج كما ذكرنا ﵀.
وقد كان الحجاج وهو مواقف لابن الأشعث بعث كمينا يأتون جيش ابن الأشعث من ورائه، ثم تواقف الحجاج وابن الأشعث وهرب الحجاج بمن معه وترك معسكره، فجاء ابن الأشعث فاحتاز ما في المعسكر وبات فيه، فجاءت السرية إليهم ليلا وقد وضعوا أسلحتهم فمالوا عليهم ميلة واحدة، ورجع الحجاج بأصحابه فأحاطوا بهم فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل من أصحاب ابن الأشعث خلق كثير وغرق خلق كثير منهم في دجلة ودجيل، وجاء الحجاج إلى معسكرهم فقتل من وجده فيه، فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف، منهم جماعة من الرؤساء والأعيان، واحتازوه بكماله، وانطلق ابن الأشعث هاربا في ثلاثمائة فركبوا دجيلا في السفن وعقروا دوابهم وجازوا إلى البصرة، ثم ساروا من هنالك
стр. 2881
إلى بلاد الترك، وكان في دخوله بلاد رتبيل ما تقدم، ثم شرع الحجاج في تتبع أصحاب ابن الأشعث فجعل يقتلهم مثنى وفرادى، حتى قيل إنه قتل منهم بين يديه صبرا مائة ألف وثلاثين ألفا، قاله النضر ابن شميل عن هشام بن حسان، منهم محمد بن سعد بن أبى وقاص، وجماعات من السادات الأخيار، والعلماء الأبرار، حتى كان آخرهم سعيد بن جبير ﵏ ورضى عنهم كما سيأتي ذلك في موضعه.
بناء واسط
قال ابن جرير: وفي هذه السنة بنى الحجاج واسط، وكان سبب بنائه لها أنه رأى راهبا على أتان قد أجاز دجلة، فلما مر بموضع واسط وقفت أتانه فبالت، فنزل عنها وعمد إلى موضع بولها فاحتفره ورمى به في دجلة، فقال الحجاج: على به، فأتى به فقال له: لم صنعت هذا؟ قال: إنا نجد في كتبنا أنه يبنى في هذا الموضع مسجد يعبد الله فيه ما دام في الأرض أحد يوحده. فعند ذلك اختط الحجاج مدينة واسط في ذلك المكان وبنى المسجد في ذلك الموضع. وفيها كانت غزوة عطاء بن رافع صقلّيّة.
وممن توفى فيها من الأعيان:
عبد الرحمن بن جحيرة
الخولانيّ المصري، روى عن جماعة من الصحابة وكان عبد العزيز بن مروان أمير مصر قد جمع له بين القضاء والقصص وبيت المال، وكان رزقه في العام ألف دينار، وكان لا يدخر منها شيئا.
طارق بن شهاب
ابن عبد شمس الأحمسي ممن رأى النبي ﷺ وغزا في خلافة الصديق وعمر ﵄ بضعا وأربعين غزاة، توفى بالمدينة هذه السنة.
عبيد الله بن عدي
ابن الخيار أدرك النبي ﷺ ، وحدث عن جماعة من الصحابة عبد الله بن قيس ابن مخرمة، كان قاضى المدينة. وكان من فقهاء قريش وعلمائهم وأبوه عدي ممن قتل يوم بدر كافرا وتوفى بها في هذه السنة مرثد بن عبد الله أبو الخير اليزني. وفيها فقد جماعة من القراء والعلماء الذين كانوا مع الأشعث، منهم من هرب ومنهم من قتل في المعركة، ومنهم من أسر فضرب الحجاج عنقه، ومنهم من تتبعه الحجاج حتى قتله، وقد سمى منهم خليفة بن خياط طائفة من الأعيان، فمنهم مسلم بن يسار المزني، وأبو مرانة العجليّ قتل، وعقبة بن عبد الغفار قتل، وعقبة بن وشاح قتل، وعبد الله بن خالد الجهضمي قتل، وأبو الجوزاء الربعي قتل، والنضر بن أنس، وعمران والد أبى حمزة الضبعي، وأبو المنهال سيار بن سلامة الرياحي، ومالك بن دينار، ومرة بن ذباب الهدادى وأبو نجيد الجهضمي، وأبو سبيج الهنائى، وسعيد بن أبى الحسن، وأخوه الحسن البصري قال أيوب:
стр. 2882
قيل لابن الأشعث: إن أحببت أن يقتل الناس حولك كما قتلوا حول هودج عائشة يوم الجمل فأخرج الحسن معك، فأخرجه. ومن أهل الكوفة سعيد بن جبير، وعبد الرحمن بن أبى ليلى، وعبد الله بن شداد، والشعبي، وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، والمعرور بن سويد، ومحمد بن سعد بن أبى وقاص، وأبو البختري، وطلحة بن مصرف، وزبيد بن الحارث الياميان، وعطاء بن السائب. قال أيوب: فما منهم صرع مع ابن الأشعث إلا رغب عن مصرعه، ولا نجا أحد منهم إلا حمد الله الّذي سلمه. ومن أعيان من قتل الحجاج عمران بن عصام الضبعي، والد أبى حجزة، كان من علماء أهل البصرة، وكان صالحا عابدا، أتى به أسيرا إلى الحجاج فقال له: اشهد على نفسك بالكفر حتى أطلقك، فقال: والله إني ما كفرت بالله منذ آمنت به، فأمر به فضربت عنقه. عبد الرحمن بن أبى ليلى، روى عن جماعة من الصحابة، ولأبيه أبى ليلى صحبة. أخذ عبد الرحمن القرآن عن على بن أبى طالب، خرج مع ابن الأشعث فأتى به الحجاج فضرب عنقه بين يديه صبرا.
ثم دخلت سنة أربع وثمانين
قال الواقدي: فيها افتتح عبد الله بن عبد الملك المصيصة، وفيها غزا محمد بن مروان ارمينية فقتل منهم خلقا وصرف كنائسهم وضياعهم وتسمى سنة الحريق، وفيها استعمل الحجاج على فارس محمد ابن القاسم الثقفي، وأمره بقتل الأكراد. وفيها ولى عبد الملك الإسكندرية عياض بن غنم البجينى وعزل عنها عبد الملك بن أبى الكنود الّذي كان قد وليها في العام الماضي. وفيها افتتح موسى بن نصير طائفة من بلاد المغرب من ذلك بلد أرومة، وقتل من أهلها بشرا كثيرا جدا، وأسر نحوا من خمسين ألفا.
وفيها قتل الحجاج أيضا جماعة من أصحاب ابن الأشعث،
منهم: أيوب بن القرية
وكان فصيحا بليغا واعظا، قتله صبرا بين يديه، ويقال إنه ندم على قتله. وهو أيوب بن زيد ابن قيس أبو سليمان الهلالي المعروف بابن القرية. وعبد الله بن الحارث بن نوفل. وسعد بن إياس الشيباني، وأبو غنينما الخولانيّ. له صحبة ورواية، سكن حمص وبها توفى وقد قارب المائة سنة. عبد الله ابن قتادة، وغير هؤلاء جماعة منهم من قتلهم الحجاج، ومنهم من توفى. أبو زرعة الجذامي الفلسطيني، كان ذا منزلة عند أهل الشام، فخاف منه معاوية ففهم منه ذلك أبو زرعة فقال يا أمير المؤمنين لا تهدم ركنا بنيته، ولا تحزن صاحبا سررته، ولا تشمت عدوا كبته، فكف عنه معاوية.
وفيها توفى عتبة بن منذر السلمي صحابى جليل، كان يعد في أهل الصفة. عمران بن حطان الخارجي، كان أولا من أهل السنة والجماعة فتزوج امرأة من الخوارج حسنة جميلة جدا فأحبها، وكان هو دميم الشكل، فأراد أن يردها إلى السنة فأبت فارتد معها إلى مذهبها. وقد كان من الشعراء
стр. 2883
المفلقين، وهو القائل في قتل على وقاتله:
يا ضربة من تقى ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا
إني لأذكره يوما فأحسبه … أو في البرية عند الله ميزانا
أكرم بقوم بطون الطير قبرهم … لم يخلطوا دينهم بغيا وعدوانا
وقد كان الثوري يتمثل بأبياته هذه في الزهد في الدنيا وهي قوله: -
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها … على أنهم فيها عراة وجوّع
أراها وإن كانت تحب فأنها … سحابة صيف عن قليل تقشع
كركب قضوا حاجاتهم وترحلوا … طريقهم بادى العلامة مهيع
مات عمران بن حطان سنة أربع وثمانين. وقد رد عليه بعض العلماء في أبياته المتقدمة في قتل على ﵁ بأبيات على قافيتها ووزنها:
بل ضربة من شقي ما أراد بها … إلا ليبلغ من ذي العرش خسرانا
إني لأذكره يوما فأحسبه … أشقى البرية عند الله ميزانا
روح بن زنباع الجذامي
كان من أمراء الشام وكان عبد الملك يستشيره في أموره.
وفيها كان مهلك عبد الرحمن بن الأشعث الكندي وقيل في التي بعدها فالله أعلم. وذلك أن الحجاج كتب إلى رتبيل ملك الترك الّذي لجأ إليه ابن الأشعث يقول له: والله الّذي لا إله إلا هو لئن لم تبعث إلى بابن الأشعث لأبعثن إلى بلادك ألف ألف مقاتل، ولأخربنها. فلما تحقق الوعيد من الحجاج استشار في ذلك بعض الأمراء فأشار عليه بتسليم ابن الأشعث إليه قبل أن يخرب الحجاج دياره ويأخذ عامة أمصاره، فأرسل إلى الحجاج يشترط عليه أن لا يقاتل عشر سنين، وأن لا يؤدى في كل سنة منها إلا مائة ألف من الخراج، فأجابه الحجاج إلى ذلك، وقيل إن الحجاج وعده أن يطلق له خراج أرضه سبع سنين، فعند ذلك غدر رتبيل بابن الأشعث فقيل إنه أمر بضرب عنقه صبرا بين يديه، وبعث برأسه إلى الحجاج، وقيل: بل كان ابن الأشعث قد مرض مرضا شديدا فقتله وهو بآخر رمق، والمشهور أنه قبض عليه وعلى ثلاثين من أقربائه فقيدهم في الأصفاد وبعث بهم مع رسل الحجاج إليه، فلما كانوا ببعض الطريق بمكان يقال له الرجح، صعد ابن الأشعث وهو مقيد بالحديد إلى سطح قصر ومعه رجل موكل به لئلا يفر، وألقى نفسه من ذلك القصر وسقط معه الموكل به فماتا جميعا، فعمد الرسول إلى رأس ابن الأشعث فاحتزه، وقتل من معه من أصحاب ابن الأشعث وبعث برءوسهم إلى الحجاج فأمر فطيف برأسه في العراق، ثم بعثه إلى عبد الملك فطيف
стр. 2884
برأسه في الشام، ثم بعث به إلى أخيه عبد العزيز بمصر فطيف برأسه هنالك، ثم دفنوا رأسه بمصر وجثته بالرجح، وقد قال بعض الشعراء في ذلك: -
هيهات موضع جثة من رأسها … رأس بمصر وجثة بالرجح
وإنما ذكر ابن جرير مقتل ابن الأشعث في سنة خمس وثمانين فالله أعلم.
وعبد الرحمن هذا هو أبو محمد بن الأشعث بن قيس، ومنهم من يقول عبد الرحمن بن قيس بن محمد بن الأشعث بن قيس الكندي الكوفي،
قد روى له أبو داود والنسائي عن أبيه عن جده عن ابن مسعود: حديث «إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة فالقول ما قال البائع أو تشاركا». وعنه أبو العميس ويقال إن الحجاج قتله بعد التسعين سنة فالله أعلم. والعجب كل العجب من هؤلاء الذين بايعوه بالامارة وليس من قريش، وإنما هو كندى من اليمن، وقد اجتمع الصحابة يوم السقيفة على أن الإمارة لا تكون إلا في قريش، واحتج عليهم الصديق بالحديث في ذلك، حتى ان الأنصار سألوا أن يكون منهم أمير مع أمير المهاجرين فأبى الصديق عليهم ذلك، ثم مع هذا كله ضرب سعد بن عبادة الّذي دعا إلى ذلك أولا ثم رجع عنه، كما قررنا ذلك فيما تقدم. فكيف يعمدون إلى خليفة قد بويع له بالامارة على المسلمين من سنين فيعزلونه وهو من صلبية قريش ويبايعون لرجل كندى بيعة لم يتفق عليها أهل الحل والعقد؟ ولهذا لما كانت هذه زلة وفلتة نشأ بسببها شر كبير هلك فيه خلق كثير ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾
أيوب بن القرّية
وهي أمه واسم أبيه يزيد بن قيس بن زرارة بن مسلم النمري الهلالي، كان أعرابيا أميا، وكان يضرب به المثل في فصاحته وبيانه وبلاغته، صحب الحجاج ووفد على عبد الملك، ثم بعثه رسولا إلى ابن الأشعث فقال له ابن الأشعث: لئن لم تقم خطيبا فتخلع الحجاج لأضربن عنقك، ففعل وأقام عنده، فلما ظهر الحجاج استحضره وجرت له معه مقامات ومقالات في الكلام، ثم آخر الأمر ضرب عنقه وندم بعد ذلك على ما فعل من ضرب عنقه، ولكن ندم حيث لا ينفعه الندم. كما قيل: وجادت بوصل حين لا ينفع الوصل * وقد ذكره ابن عساكر في تاريخه وابن خلكان في الوفيات وأطال ترجمته وذكر فيها أشياء حسنة، قال: والقرية بكسر القاف وتشديد الياء وهي جدته واسمها جماعة بنت جشم قال ابن خلكان: ومن الناس من أنكر وجوده ووجود مجنون ليلى، وابن أبى العقب صاحب الملحمة، وهو يحيى بن عبد الله بن أبى العقب والله أعلم.
روح بن زنباع
ابن سلامة الجذامي أبو زرعة ويقال أبو زنباع الدمشقيّ داره بدمشق في طرف البزوريين عند دار
стр. 2885
ابن عقب صاحب الملحمة. وهو تابعي جليل، روى عن أبيه - وكانت له صحبة - وتميم الداريّ، وعبادة بن الصامت ومعاوية وكعب الأحبار وغيرهم، وعنه جماعة منهم عبادة بن نسي. كان روح عند عبد الملك كالوزير لا يكاد يفارقه، وكان مع أبيه مروان يوم مرج راهط، وقد أمره يزيد بن معاوية على جند فلسطين، وزعم مسلم بن الحجاج أن روح بن زنباع كانت له صحبة، ولم يتابع مسلم على هذا القول، والصحيح أنه تابعي وليس بصحابى، ومن مآثره التي تفرد بها أنه كان كلما خرج من الحمام يعتق نسمة، قال ابن زيد: مات سنة أربع وثمانين بالأردن، وزعم بعضهم أنه بقي إلى أيام هشام بن عبد الملك، وقد حج مرة فنزل على ماء بين مكة والمدينة فأمر فأصلحت له أطعمة مختلفة الألوان، ثم وضعت بين يديه، فبينما هو يأكل إذ جاء راع من الرعاة يرد الماء، فدعاه روح بن زنباع إلى الأكل من ذلك الطعام، فجاء الراعي فنظر إلى طعامه وقال: إني صائم، فقال له روح: في مثل هذا اليوم الطويل الشديد الحر تصوم يا راعى؟ فقال الراعي: أفأغبن أيامى من أجل طعامك؟ ثم إن الراعي ارتاد لنفسه مكانا فنزله وترك روح بن زنباع، فقال روح بن زنباع: -
لقد ضننت بأيامك يا راعى … إذ جاد بها روح بن زنباع
ثم إن روحا بكى طويلا وأمر بتلك الأطعمة فرفعت، وقال: انظروا هل تجدون لها آكلا من هذه الأعراب أو الرعاة؟ ثم سار من ذلك المكان وقد أخذ الراعي بمجامع قلبه وصغرت إليه نفسه والله أعلم.
ثم دخلت سنة خمس وثمانين
فيها كما ذكر ابن جرير كان مقتل عبد الرحمن بن الأشعث فالله أعلم، وفيها عزل الحجاج عن إمرة خراسان يزيد بن المهلب وولى عليها أخاه المفضل بن المهلب، وكان سبب ذلك أن الحجاج وفد مرة على عبد الملك فلما انصرف مر بدير فقيل له إن فيه شيخا كبيرا من أهل الكتاب عالما، فدعى فقال: يا شيخ هل تجدون في كتبكم ما أنتم فيه وما نحن فيه؟ قال: نعم. قال له فما تجدون صفة أمير المؤمنين؟ قال: نجده ملكا أقرع، من يقم في سبيله يصرع، قال: ثم من؟ قال: ثم رجل يقال له الوليد، قال: ثم ماذا؟ قال ثم رجل اسمه اسم نبي يفتح به على الناس، قال: فتعرفني له قال: قد أخبرت بك. قال: أفتعرف مآلى؟ قال: نعم! قال: فمن يلي العراق بعدي؟ قال رجل يقال له يزيد، قال أفي حياتي أو بعد موتى؟ قال لا أدرى، قال: أفتعرف صفته؟ قال يغدر غدرة لا أعرف غيرها قال: فوقع في نفس الحجاج أنه يزيد بن المهلب، وسار سبعا وهو وجل من كلام الشيخ، ثم بعث إلى عبد الملك يستعفيه من ولاية العراق ليعلم مكانته عنده؟ فجاء الكتاب بالتقريع والتأنيب والتوبيخ والأمر بالثبات والاستمرار على ما هو عليه. ثم إن الحجاج جلس يوما مفكرا واستدعى
стр. 2886
بعبيد بن موهب فدخل عليه وهو ينكت في الأرض فرفع رأسه إليه فقال: ويحك يا عبيد، إن أهل الكتاب يذكرون أن ما تحت يدي سيليه رجل يقال له يزيد، وقد تذكرت يزيد بن أبى كبشة ويزيد ابن حصين بن نمير ويزيد بن دينار وليسوا هناك، وما هو إلا يزيد بن المهلب. فقال عبيد: لقد شرفتهم وعظمت ولايتهم وإن لهم لقدرا وجلدا وحظا فأخلق به. فأجمع رأى الحجاج على عزل يزيد ابن المهلب، فكتب إلى عبد الملك يذمه ويخوفه غدره ويخبره بما أخبره به ذلك الشيخ الكتابي، فجاء البريد بكتاب فيه قد أكثرت في شأن يزيد فسم رجلا يصلح لخراسان، فوقع اختيار الحجاج على المفضل بن المهلب فولاه قليلا تسعة أشهر، فغزا بلاد عبس وغيرها وغنم مغانم كثيرة، وامتدحه الشعراء ثم عزله بقتيبة بن مسلم.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة قتل موسى بن عبد الله بن خازم بترمذ، ثم ذكر سبب ذلك وملخصه أنه بعد مقتل أبيه لم يبق بيده بلد يلجأ إليه بمن معه من أصحابه، فجعل كلما اقترب من بلدة خرج إليه ملكها فقاتله، فلم يزل ذلك دأبه حتى نزل قريبا من ترمذ وكان ملكها فيه ضعف، فجعل يهادنه ويبعث إليه بالالطاف والتحف، حتى جعل يتصيد هو وهو، ثم عن للملك فعمل له طعاما وبعث إلى موسى بن عبد الله بن خازم أن ائتني في مائة من أصحابك، فاختار موسى من جيشه مائة من شجعانهم، ثم دخل البلد فلما فرغت الضيافة اضطجع موسى في دار الملك وقال: والله لا أقوم من هنا حتى يكون هذا المنزل منزلي أو يكون قبري: فثار أهل القصر إليه فحاجف عنه أصحابه، ثم وقعت الحرب بينهم وبين أهل ترمذ، فاقتتلوا فقتل من أهل ترمذ خلق كثير وهرب بقيتهم، واستدعى موسى ببقية جيشه إليه واستحوذ موسى على البلد فحصنها ومنعها من الأعداء، وخرج منها ملكها هاربا فلجأ إلى إخوانه من الأتراك فاستنصرهم فقالوا له: هؤلاء قوم نحو من مائة رجل أخرجوك من بلدك، لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب ملك ترمذ إلى طائفة أخرى من الترك فاستصرخهم فبعثوا معه قصادا نحو موسى ليسمعوا كلامه، فلما أحس بقدومهم - وكان ذلك في شدة الحر - أمر أصحابه أن يؤججوا نارا ويلبسوا ثياب الشتاء ويدنوا أيديهم من النار كأنهم يصطلون بها، فلما وصلت إليهم الرسل رأوا أصحابه وما يصنعون في شدة الحر فقالوا لهم: ما هذا الّذي نراكم تفعلون؟ فقالوا لهم: إنا نجد البرد في الصيف والكرب في الشتاء، فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا: ما هؤلاء بشر، ما هؤلاء إلا جن ثم عادوا إلى ملكهم فأخبروه بما رأوا فقالوا: لا طاقة لنا بقتال هؤلاء. ثم ذهب صاحب ترمذ فاستجاش بطائفة أخرى فجاءوا فحاصرهم بترمذ وجاء الخزاعي فحاصرهم أيضا، فجعل يقاتل الخزاعي أول النهار ويقاتل آخره العجم، ثم إن موسى بيتهم فقتل منهم مقتلة عظيمة وأفزع ذلك عمر الخزاعي فصالحه وكان معه، فدخل يوما عليه وليس عنده أحد، وليس يرى معه سلاحا فقال له على وجه النصح
стр. 2887
أصلح الله الأمير، إن مثلك لا ينبغي أن يكون بلا سلاح، فقال: إن عندي سلاحا، ثم رفع صدر فراشه فإذا سيفه منتضى فأخذه عمر فضربه به حتى برد وخرج هاربا، ثم تفرق أصحاب موسى بن عبد الله بن خازم.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزم عبد الملك على عزل أخيه عبد العزيز بن مروان عن إمرة الديار المصرية، وحسّن له ذلك روح بن زنباع الجذامي، فبينما هما في ذلك إذ دخل عليهما قبيصة بن ذؤيب في الليل، وكان لا يحجب عنه في أي ساعة جاء من ليل أو نهار، فعزاه في أخيه عبد العزيز فندم على ما كان منه من العزم على عزله، وإنما حمله على إرادة عزله أنه أراد أن يعهد بالأمر من بعده لأولاده الوليد ثم سليمان ثم يزيد ثم هشام، وذلك عن رأى الحجاج وترتيبه ذلك لعبد الملك، وكان أبوه مروان عهد بالأمر إلى عبد الملك ثم من بعده إلى عبد العزيز، فأراد عبد الملك أن ينحيه عن الامرة من بعده بالكلية، ويجعل الأمر في أولاده وعقبه، وأن تكون الخلافة باقية فيهم والله أعلم.
عبد العزيز بن مروان
هو عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس أبو الأصبغ القرشي الأموي ولد بالمدينة ثم دخل الشام مع أبيه مروان، وكان ولى عهده من بعد أخيه عبد الملك، وولاه أبوه إمرة الديار المصرية في سنة خمس وستين فكان واليا عليها إلى هذه السنة، وشهد قتل سعيد بن عمرو بن العاص كما قدمنا، وكانت له دار بدمشق وهي دار الصوفية اليوم، المعروفة بالخانقاه السميساطية ثم كانت من بعده لولده عمر بن عبد العزيز، ثم تنقلت إلى أن صارت خانقاها للصوفية.
وقد روى عبد العزيز بن مروان الحديث عن أبيه وعبد الله بن الزبير وعقبة بن عامر وأبى هريرة، وحديثه عنه في مسند أحمد وسنن أبى داود أن رسول الله ﷺ قال: «شر ما في الرجل جبن خالع وشح هالع». وعنه ابنه عمر والزهري وعلى بن رباح وجماعة. قال محمد بن سعد: كان ثقة قليل الحديث، وقال غيره: كان يلحن في الحديث وفي كلامه، ثم تعلم العربية فأتقنها وأحسنها فكان من أفصح الناس، وكان سبب ذلك أنه دخل عليه رجل يشكو ختنه - وهو زوج ابنته - فقال له عبد العزيز: من ختنك؟ فقال الرجل: ختني الخاتن الّذي يختن الناس، فقال لكاتبه ويحك بماذا أجابني؟ فقال الكاتب: يا أمير المؤمنين كان ينبغي أن تقول من ختنك، فآلى على نفسه أن لا يخرج من منزله حتى يتعلم العربية، فمكث جمعة واحدة فتعلمها فخرج وهو من أفصح الناس، وكان بعد ذلك يجزل عطاء من يعرب كلامه وينقص عطاء من يلحن فيه، فتسارع الناس في زمانه إلى تعلم العربية. قال عبد العزيز يوما إلى رجل: ممن أنت؟ قال: من بنو عبد الدار، فقال: تجدها في جائزتك، فنقصت جائزته مائة دينار:
стр. 2888
وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا مجاهد بن موسى ثنا إسحاق بن يوسف أنبأنا سفيان عن محمد بن عجلان عن القعقاع بن حكيم قال: كتب عبد العزيز بن مروان إلى عبد الله بن عمر: ارفع إليّ حاجتك. فكتب إليه ابن عمر: إن رسول الله ﷺ قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول». ولست أسألك شيئا ولا أرد رزقا رزقنيه الله منك. وقال ابن وهب: حدثني يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبى حبيب عن سويد بن قيس قال: بعثني عبد العزيز بن مروان بألف دينار إلى ابن عمر قال: فجئت فدفعت إليه الكتاب فقال: أين المال؟ فقلت: لا أستطيعه الليلة حتى أصبح، قال: لا والله لا يبيت ابن عمر الليلة وله ألف دينار، قال: فدفع إلى الكتاب حتى جئته بها ففرقها ﵁.
ومن كلامه ﵀: عجبا لمؤمن يؤمن ويوقن أن الله يرزقه ويخلف عليه، كيف يحبس مالا عن عظيم أجر وحسن ثناء. ولما حضرته الوفاة أحضر له مال يحصيه وإذا هو ثلاثمائة مدّ من ذهب، فقال: والله لوددت أنه بعر حائل بنجد، وقال: والله لوددت أنى لم أكن شيئا مذكورا، ولوددت أن أكون هذا الماء الجاري، أو نباتة بأرض الحجاز، وقال لهم: ائتوني بكفنى الّذي تكفنونى فيه، فجعل يقول: أف لك ما أقصر طويلك، وأقل كثيرك.
قال يعقوب بن سفيان عن ابن بكير عن الليث بن سعد قال: كانت وفاته ليلة الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من جمادى الأولى سنة ست وثمانين، قال ابن عساكر: وهذا وهم من يعقوب بن سفيان والصواب سنة خمس وثمانين، فإنه مات قبل عبد الملك أخيه، ومات عبد الملك بعده بسنه سنة ست وثمانين. وقد كان عبد العزيز بن مروان من خيار الأمراء كريما جوادا ممدحا، وهو والد الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز، وقد اكتسى عمر أخلاق أبيه وزاد عليه بأمور كثيرة. وكان لعبد العزيز من الأولاد غير عمر، عاصم وأبو بكر ومحمد والأصبغ - مات قبله بقليل فحزن عليه حزنا كثيرا ومرض بعده ومات. وسهيل وكان له عدة بنات، أم محمد وسهيل وأم عثمان وأم الحكم وأم البنين وهن من أمهات شتى، وله من الأولاد غير هؤلاء، مات بالمدينة التي بناها على مرحلة من مصر وحمل إلى مصر في النيل ودفن بها، وقد ترك عبد العزيز من الأموال والأثاث والدواب من الخيل والبغال والإبل وغير ذلك ما يعجز عنه الوصف، من جملة ذلك ثلاثمائة مدّ من ذهب غير الورق، مع جوده وكرمه وبذله وعطاياه الجزيلة، فإنه كان من أعطى الناس للجزيل رحمه الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أخيه عبد العزيز وهو بالديار المصرية يسأله أن ينزل عن العهد الّذي له من بعده لولده الوليد أو يكون ولى العهد من بعده، فإنه أعز الخلق عليّ. فكتب إليه عبد العزيز يقول: إني أرى في أبى بكر بن عبد العزيز ما ترى في الوليد. فكتب
стр. 2889
إليه عبد الملك يأمره. بحمل خراج مصر - وقد كان عبد العزيز لا يحمل إليه شيئا من الخراج ولا غيره، وإنما كانت بلاد مصر بكمالها وبلاد المغرب وغير ذلك كلها لعبد العزيز، مغانمها وخراجها وحملها - فكتب عبد العزيز إلى عبد الملك: إني وإياك يا أمير المؤمنين قد بلغنا سنّا لا يبلغها أحد من أهل بيتك إلا كان بقاؤه قليلا، وإني لا أدرى ولا تدري أينا يأتيه الموت أولا، فان رأيت أن لا تعتب عليّ بقية عمري فافعل، فرق له عبد الملك وكتب إليه: لعمري لا أعتب عليك بقية عمرك.
وقال عبد الملك لابنه الوليد: إن يرد الله أن يعطيكها لا يقدر أحد من العباد على رد ذلك عنك، ثم قال لابنه الوليد وسليمان: هل قارفتما محرما أو حراما قط؟ فقالا: لا والله، فقال: الله أكبر، نلتماها ورب الكعبة. ويقال إن عبد الملك لما امتنع أخوه من إجابته إلى ما طلب منه في بيعته لولده الوليد دعا عليه وقال: اللهمّ إنه قطعني فاقطعه، فمات في هذه السنة كما ذكرنا، فلما جاءه الخبر بموت أخيه عبد العزيز ليلا حزن وبكى وبكى أهله بكاء كثيرا على عبد العزيز، ولكن سره ذلك من جهة ابنيه فإنه نال فيها ما كان يؤمله لهما من ولايته إياهما بعده. وقد كان الحجاج بعث إلى عبد الملك يحسن له ولاية الوليد ويزينها له من بعده، وأوفد إليه وفدا في ذلك عليهم عمران بن عصام العثرى، فلما دخلوا عليه قام عمران خطيبا فتكلم وتكلم الوفد في ذلك وحثوا عبد الملك على ذلك وأنشد عمران بن عصام في ذلك:
أمير المؤمنين إليك نهدى … على النأى التحية والسلاما
أجبنى في بنيك يكن جوابي … لهم عاديّة ولنا قواما
فلو أن الوليد أطاع فيه … جعلت له الخلافة والذماما
شبيهك حول قبته قريش … به يستمطر الناس الغماما
ومثلك في التقى لم يصب يوما … لدن خلع القلائد والتماما
فان تؤثر أخاك بها فانا … وجدك لا نطيق لها اتهاما
ولكنا نحاذر من بنيه … بنى العلات مأثرة سماما
ونخشى إن جعلت الملك فيهم … سحابا أن تعود لهم جهاما
فلا يك ما حلبت غدا لقوم … وبعد غد بنوك هم العباما
فأقسم لو تخطاني عصام … بذلك ما عذرت به عصاما
ولو أنى حبوت أخا بفضل … أريد به المقالة والمقاما
لعقّب في بنىّ على بنيه … كذلك أو لرمت له مراما
فمن يك في أقاربه صدوع … فصدع الملك أبطؤه التئاما
стр. 2890
قال: فهاجه ذلك على أن كتب لأخيه يستنزله عن الخلافة للوليد فأبى عليه، وقدر الله سبحانه موت عبد العزيز قبل موت عبد الملك بعام واحد، فتمكن حينئذ مما أراد من بيعة الوليد وسليمان والله أعلم.
ذكر بيعة عبد الملك لولده الوليد - ثم من بعده لأخيه سليمان بن عبد الملك
وكان ذلك في هذه السنة بعد موت عبد العزيز بن مروان، بويع له بدمشق ثم في سائر الأقاليم ثم لسليمان من بعده، ثم لما انتهت البيعة إلى المدينة امتنع سعيد بن المسيب أن يبايع في حياة عبد الملك لأحد، فأمر به هشام بن إسماعيل نائب المدينة فضربه ستين سوطا، وألبسه ثيابا من شعر وأركبه جملا وطاف به في المدينة، ثم أمر به فذهبوا به إلى ثنية ذباب - وهي الثنية التي كانوا يصلون عندها ويقيلون - فلما وصلوا إليها ردوه إلى المدينة فأودعوه السجن، فقال لهم: والله لو أعلم أنكم لا تقتلوننى لم ألبس هذا الثياب. ثم كتب هشام بن إسماعيل المخزومي إلى عبد الملك يعلمه بمخالفة سعيد في ذلك، فكتب إليه يعنفه في ذلك ويأمره بإخراجه ويقول له: إن سعيدا كان أحق منك بصلة الرحم مما فعلت به، وإنا لنعلم أن سعيدا ليس عنده شقاق ولا خلاف، ويروى أنه قال له: ما ينبغي إلا أن يبايع، فان لم يبايع ضربت عنقه أو خليت سبيله. وذكر الواقدي أن سعيدا لما جاءت بيعة الوليد امتنع من البيعة فضربه نائبها في ذلك الوقت - وهو جابر بن الأسود بن عوف - ستين سوطا أيضا وسجنه فالله أعلم.
قال أبو مخنف وأبو معشر والواقدي: وحج بالناس في هذه السنة هشام بن إسماعيل المخزومي نائب المدينة، وكان على العراق والمشرق بكماله الحجاج، قال شيخنا الحافظ الذهبي: وتوفى في هذه السنة أبان بن عثمان بن عفان أمير المدينة، كان من فقهاء المدينة العشرة، قاله يحيى بن القطان.
وقال محمد بن سعد: كان ثقة وكان به صمم ووضح كثير، وأصابه الفالج قبل أن يموت. عبد الله ابن عامر بن ربيعة. عمرو بن حريث. عمرو بن سلمة. واثلة بن الأسقع. شهد واثلة تبوك ثم شهد فتح دمشق ونزلها، ومسجده بها عند حبس باب الصغير من القبلة. قلت: وقد احترق مسجده في فتنة تمرلنك ولم يبق منه إلا رسومه، وعلى بابه من الشرق قناة ماء. خالد بن يزيد بن معاوية ابن أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية، كان أعلم قريش بفنون العلم، وله يد طولى في الطب، وكلام كثير في الكيمياء، وكان قد استفاد ذلك من راهب اسمه مريانش، وكان خالد فصيحا بليغا شاعرا منطيقا كأبيه، دخل يوما على عبد الملك بن مروان بحضرة الحكم بن أبى العاص، فشكى إليه أن ابنه الوليد يحتقر أخاه عبد الله بن يزيد، فقال عبد الملك: (إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة) فقال له خالد: (﴿وَإِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ﴾
стр. 2891
عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً) فقال عبد الملك: والله لقد دخل على أخوك عبد الله فإذا هو لا يقيم اللحن، فقال خالد: والوليد لا يقيم اللحن، فقال عبد الملك: إن أخاه سليمان لا يلحن، فقال خالد:
وأنا أخو عبد الله لا ألحن، فقال الوليد - وكان حاضرا - لخالد بن يزيد: اسكت، فو الله ما تعد في العير ولا في النفير، فقال خالد: اسمع يا أمير المؤمنين! ثم أقبل خالد على الوليد فقال: ويحك وما هو العير والنفير غير جدي أبى سفيان صاحب العير، وجدي عتبة بن ربيعة صاحب النفير؟ ولكن لو قلت غنيمات وجبيلات والطائف، ورحم الله عثمان، لقلنا صدقت - يعنى أن الحكم كان منفيا بالطائف يرعى غنما ويأوى إلى جبلة الكرم حتى آواه عثمان بن عفان حين ولى - فسكت الوليد وأبوه ولم يحيرا جوابا، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ست وثمانين
ففيها غزا قتيبة بن مسلم نائب الحجاج على مرو وخراسان، بلادا كثيرة من أرض الترك وغيرهم من الكفار، وسبى وغنم وسلم وتسلم قلاعا وحصونا وممالك، ثم قفل فسبق الجيش، فكتب إليه الحجاج يلومه على ذلك ويقول له: إذا كنت قاصدا بلاد العدو فكن في مقدمة الجيش، وإذا قفلت راجعا فكن في ساقة الجيش - يعنى لتكون ردءا لهم من أن ينالهم أحد من العدو وغيرهم بكيد - وهذا رأى حسن وعليه جاءت السنة، وكان في السبي امرأة برمك - والد خالد بن برمك - فأعطاها قتيبة أخاه عبد الله بن مسلم فوطئها فحملت منه، ثم إن قتيبة منّ على السبي وردت تلك المرأة على زوجها وهي حبلى من عبد الله بن مسلم، وكان ولدها عندهم حتى أسلموا فقدموا به معهم أيام بنى العباس كما سيأتي. ولما رجع قتيبة إلى خراسان تلقاه دهاقين بلغار بهدايا عظمة، ومفتاح من ذهب.
وفيها كان طاعون بالشام والبصرة وواسط ويسمى طاعون الفتيات، لأنه أول ما بدأ بالنساء فسمى بذلك. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل وسبى وغنم وسلم وافتتح حصن بولق وحصن الأخرم من أرض الروم، وفيها عقد عبد الملك لابنه عبد الله على مصر وذلك بعد موت أخيه عبد العزيز فدخلها في جمادى الآخرة، وعمره يومئذ سبع وعشرون سنة. وفيها هلك ملك الروم الأخرم لورى لا ﵀. وفيها حبس الحجاج يزيد بن المهلب. وحج بالناس فيها هشام بن إسماعيل المخزومي. وفي هذه السنة توفى أبو أمامة الباهلي وعبد الله بن أبى أوفى، وعبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي في قول، شهد فتح مصر وسكنها وهو آخر من مات من الصحابة بمصر.
وفيها في شوالها توفى أمير المؤمنين
عبد الملك بن مروان والد الخلفاء الأمويين
وهو عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية أبو الوليد الأموي أمير المؤمنين،
стр. 2892
وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبى العاص بن أمية. سمع عثمان بن عفان، وشهد الدار مع أبيه وهو ابن عشر سنين، وهو أول من سار بالناس في بلاد الروم سنة ثنتين وأربعين، وكان أميرا على أهل المدينة، وله ست عشرة سنة، ولاه إياها معاوية، وكان يجالس الفقهاء والعلماء والعباد والصلحاء وروى الحديث عن أبيه وجابر وأبى سعيد الخدريّ وأبى هريرة وابن عمر ومعاوية وأم سلمة وبريرة مولاة عائشة. وروى عنه جماعة منهم خالد بن معدان وعروة والزهري وعمرو بن الحارث ورجاء بن حيوة وجرير بن عثمان. ذكر عن محمد بن سيرين أن أباه كان قد سماه القاسم وكان يكنى بأبي القاسم، ثم غير اسمه فسماه عبد الملك، قال ابن أبى خيثمة عن مصعب بن الزبير: وكان أول من سمى في الإسلام بعبد الملك، قال ابن أبى خيثمة: وأول من سمى في الإسلام بأحمد والد الخليل بن أحمد العروضي. وبويع له بالخلافة في سنة خمس وستين في حياة أبيه في خلافة ابن الزبير، وبقي على الشام ومصر مدة سبع سنين، وابن الزبير على باقي البلاد، ثم استقل بالخلافة على سائر البلاد والأقاليم بعد مقتل ابن الزبير، وذلك في سنة ثلاث وسبعين إلى هذه السنة كما ذكرنا ذلك، وكان مولده ومولد يزيد بن معاوية في سنة ست وعشرين، وقد كان عبد الملك قبل الخلافة من العباد الزهاد الفقهاء الملازمين للمسجد التالين للقرآن، وكان ربعة من الرجال أقرب إلى القصر. وكانت أسنانه مشبكة بالذهب، وكان أفوه مفتوح الفم، فربما غفل فينفتح فمه فيدخل فيه الذباب، ولهذا كان يقال له أبو الذباب. وكان أبيض ربعة ليس بالنحيف ولا البادن، مقرون الحاجبين أشهل كبير العينين دقيق الأنف مشرق الوجه أبيض الرأس واللحية حسن الوجه لم يخضب، ويقال إنه خضب بعد. وقد قال نافع: لقد رأيت المدينة وما فيها شاب أشد تشميرا ولا أفقه ولا أقرأ لكتاب الله من عبد الملك ابن مروان، وقال الأعمش عن أبى الزناد: كان فقهاء المدينة أربعة سعيد بن المسيب وعروة وقبيصة ابن ذؤيب وعبد الملك بن مروان قبل أن يدخل في الامارة. وعن ابن عمر أنه قال: ولد الناس أبناء وولد مروان أبا - يعنى عبد الملك - ورآه يوما وقد ذكر اختلاف الناس، فقال: لو كان هذا الغلام اجتمع الناس عليه، وقال عبد الملك: كنت أجالس بريدة بن الحصيب فقال لي يوما:
يا عبد الملك إن فيك خصالا، وإنك لجدير أن تلى أمر هذه الأمة، فاحذر الدماء
فانى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الرجل ليدفع عن باب الجنة بعد أن ينظر إليها على محجمة من دم يريقه من مسلم بغير حق». وقد أثنى عليه قبل الولاية معاوية وعمرو بن العاص في قصة طويلة، وقال سعيد بن داود الزبيري عن مالك عن يحيى بن سعيد بن داود الزبيري قال: كان أول من صلى ما بين الظهر والعصر عبد الملك بن مروان وفتيان معه، فقال سعيد بن المسيب: ليست العبادة بكثرة الصلاة والصوم، إنما العبادة التفكر في أمر الله والورع عن محارم الله. وقال الشعبي:
стр. 2893
ما جالست أحدا إلا وجدت لي الفضل عليه إلا عبد الملك بن مروان فأنى ما ذاكرته حديثا إلا زادني منه، ولا شعرا إلا زادني فيه. وذكر خليفة بن خياط أن معاوية كتب إلى مروان وهو نائبة على المدينة سنة خمسين أن ابعث ابنك عبد الملك على بعث المدينة إلى بلاد المغرب مع معاوية بن خديج، فذكر من كفايته وغنائه ومجاهدته في تلك البلاد شيئا كثيرا. ولم يزل عبد الملك مقيما بالمدينة حتى كانت وقعة الحرة، واستولى ابن الزبير على بلاد الحجاز، وأجلى بنى أمية من هنالك، فقدم مع أبيه الشام، ثم لما صارت الامارة مع أبيه وبايعه أهل الشام كما تقدم أقام في الامارة تسعة أشهر ثم عهد إليه بالامارة من بعده، فاستقل عبد الملك بالخلافة في مستهل رمضان أو ربيع الأول من سنة خمس وستين، واجتمع الناس عليه بعد مقتل ابن الزبير سنة ثلاث وسبعين في جمادى الأولى إلى هذه السنة.
وقال ثعلب عن ابن الأعرابي: لما سلم على عبد الملك بالخلافة كان في حجره مصحف فأطبقه وقال: هذا فراق بيني وبينك. وقال أبو الطفيل: صنع لعبد الملك مجلس توسع فيه، وقد كان بنى له فيه قبة قبل ذلك، فدخله وقال: لقد كان حثمة الأحوازى - يعنى عمر بن الخطاب - يرى أن هذا عليه حرام، وقيل إنه لما وضع المصحف من حجره قال. هذا آخر العهد منك. وكان عبد الملك له إقدام على سفك الدماء، وكان حازما فهما فطنا سائسا لأمور الدنيا، لا يكل أمر دنياه إلى غيره.
وأمه عائشة بنت معاوية بن المغيرة بن أبى العاص، وأبوها معاوية هو الّذي جدع أنف حمزة عم النبي ﷺ يوم أحد، وقال سعيد بن عبد العزيز: لما خرج عبد الملك إلى العراق لقتال مصعب بن الزبير خرج معه يزيد بن الأسود الجرشى، فلما التقوا قال: اللهمّ احجز بين هذين الجبلين وول الأمر أحبهما إليك. فظفر عبد الملك - وقد كان مصعب من أعز الناس على عبد الملك - وقد ذكرنا كيفية قتله مصعبا. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما بويع لعبد الملك بالخلافة كتب إليه عبد الله بن عمر بن الخطاب: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عمر إلى عبد الملك أمير المؤمنين! سلام عليك فانى أحمد إليك الله الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنك راع وكل راع مسئول عن رعيته (الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا) لا أحد والسلام. وبعث به مع سلام فوجدوا عليه إذ قدم اسمه على اسم أمير المؤمنين، ثم نظروا في كتبه إلى معاوية فوجدوها كذلك، فاحتملوا ذلك منه.
وقال الواقدي: حدثني ابن أبى ميسرة عن أبى موسى الخياط عن أبى كعب قال: سمعت عبد الملك بن مروان يقول: يا أهل المدينة أنا أحق الناس أن يلزم الأمر الأول، وقد سالت علينا أحاديث من قبل هذا المشرق ولا نعرفها ولا نعرف منها إلا قراءة القرآن، فالزموا ما في مصحفكم
стр. 2894
الّذي حملكم عليه الامام المظلوم، وعليكم بالفرائض التي جمعكم عليها إمامكم المظلوم ﵀، فإنه قد استشار في ذلك زيد بن ثابت ونعم المشير كان للإسلام ﵀، فأحكما ما أحكما، واستقصيا ما شذ عنهما. وقال ابن جريج عن أبيه: حج علينا عبد الملك سنة خمس وسبعين بعد مقتل ابن الزبير بعامين، فخطبنا فقال: أما بعد فإنه كان من قبلي من الخلفاء يأكلون من المال ويوكلون، وإني والله لا أداوى أدواء هذه الأمة إلا بالسيف، ولست بالخليفة المستضعف - يعنى عثمان - ولا الخليفة المداهن - يعنى معاوية - ولا الخليفة المأبون - يعنى يزيد بن معاوية - أيها الناس إنا نحتمل منكم كل الغرمة ما لم يكن عقد راية أو وثوب على منبر، هذا عمرو بن سعيد حقه حقه، قرابته وابنه، قال برأسه هكذا فقلنا بسيفنا هكذا، وإن الجامعة التي خلعها من عنقه عندي، وقد أعطيت الله عهدا أن لا أضعها في رأس أحد إلا أخرجها الصعداء، فليبلغ الشاهد الغائب. وقال الأصمعي: ثنا عباد بن سلم بن عثمان بن زياد عن أبيه عن جده. قال: ركب عبد الملك بن مروان بكرا فأنشأ قائده يقول: -
يا أيها البكر الّذي أراكا … عليك سهل الأرض في ممشاكا
ويحك هل تعلم من علاكا … خليفة الله الّذي امتطاكا
لم يحب بكرا مثل ما حباكا
فلما سمعه عبد الملك قال: أيها يا هناه، قد أمرت لك بعشرة آلاف. وقال الأصمعي: خطب عبد الملك فحصر فقال: إن اللسان بضعة من الإنسان، وإنا نسكت حصرا ولا ننطق هذرا، ونحن أمراء الكلام، فينا رسخت عروقه، وعلينا تدلت أغصانه، وبعد مقامنا هذا مقام، وبعد عينا هذا مقال، وبعد يومنا هذا أيام، يعرف فيها فصل الخطاب وموضع الصواب. قال الأصمعي: قيل لعبد الملك أسرع إليك الشيب، فقال: وكيف لا وأنا أعرض عقلي على الناس في كل جمعة مرة أو مرتين؟ وقال غيره قيل لعبد الملك: أسرع إليك الشيب، فقال: وتنسى ارتقاء المنبر ومخافة اللحن؟ ولحن رجل عند عبد الملك - يعنى أسقط من كلامه الفا - فقال له عبد الملك زد ألف، فقال الرجل: وأنت فزد ألفا، وقال الزهري: سمعت عبد الملك يقول في خطبته: إن العلم سيقبض قبضا سريعا، فمن كان عنده علم فليظهره غير غال فيه ولا جاف عنه، وروى ابن أبى الدنيا أن عبد الملك كان يقول لمن يسايره في سفره: إذا رفعت له شجرة، سبحوا بنا حتى نأتي تلك الشجرة، كبروا بنا حتى نأتي تلك الحجرة، ونحو ذلك.
وروى البيهقي أن عبد الملك وقع منه فلس في بئر قذرة فاكترى عليه بثلاثة عشر دينارا حتى أخرجه منها، فقيل له في ذلك فقال: إنه كان عليه اسم الله . وقال غير واحد: كان عبد الملك إذا جلس للقضاء بين الناس يقوم السيافون على رأسه بالسيف فينشد، وقال بعضهم: يأمر من ينشد فيقول:
стр. 2895
إنا إذا نالت دواعي الهوى … وأنصت السامع للقائل
واصطرع الناس بألبابهم … نقضي بحكم عادل فأصل
لا نجعل الباطل حقا ولا … نلفظ دون الحق بالباطل
نخاف أن تسفه أحلامنا … فنجهل الحق مع الجاهل
وقال الأعمش: أخبرنى محمد بن الزبير أن أنس بن مالك كتب إلى عبد الملك يشكو الحجاج ويقول في كتابه: لو أن رجلا خدم عيسى بن مريم أو رآه أو صحبه تعرفه النصارى أو تعرف مكانه لهاجرت إليه ملوكهم، ولنزل من قلوبهم بالمنزلة العظيمة، ولعرفوا له ذلك، ولو أن رجلا خدم موسى أو رآه تعرفه اليهود لفعلوا به من الخير والمحبة وغير ذلك ما استطاعوا، وإني خادم رسول الله ﷺ وصاحبه ورأيته وأكلت معه، ودخلت وخرجت وجاهدت معه أعداءه، وإن الحجاج قد أضر بي وفعل وفعل، قال: أخبرنى من شهد عبد الملك يقرأ الكتاب وهو يبكى وبلغ به الغضب ما شاء الله، ثم كتب إلى الحجاج بكتاب غليظ، فجاء إلى الحجاج فقرأه فتغير ثم قال إلى حامل الكتاب: انطلق بنا إليه نترضّاه. وقال أبو بكر بن دريد: كتب عبد الملك إلى الحجاج في أيام ابن الأشعث: إنك أعز ما تكون بالله أحوج ما تكون إليه، وأذل ما تكون للمخلوق أحوج ما تكون إليهم، وإذا عززت بالله فاعف له، فإنك به تعز وإليه ترجع. قال بعضهم: سأل رجل من عبد الملك أن يخلو به فأمر من عنده بالانصراف، فلما خلا به وأراد الرجل أن يتكلم قال له عبد الملك: احذر في كلامك ثلاثا، إياك أن تمدحني فانى أعلم بنفسي منك، أو تكذبني فإنه لا رأى لكذوب، أو تسعى إلى بأحد من الرعية فإنهم إلى عدلي وعفوي أقرب منهم إلى جوري وظلمي، وإن شئت أقلتك. فقال الرجل:
أقلنى فأقاله. وكذا كان يقول للرسول إذا قدم عليه من الآفاق: اعفنى من أربع وقل ما شئت، لا تطرنى، ولا تجبني فيما لا أسألك عنه، ولا تكذبني، ولا تحملني على الرعية فإنهم إلى رأفتي ومعدلتى أحوج. وقال الأصمعي عن أبيه قال: أتى عبد الملك برجل كان مع بعض من خرج عليه فقال:
اضربوا عنقه، فقال: يا أمير المؤمنين ما كان هذا جزائي منك، فقال: وما جزاؤك؟ فقال: والله ما خرجت مع فلان إلا بالنظر لك، وذلك أنى رجل مشئوم ما كنت مع رجل قط إلا غلب وهزم، وقد بان لك صحة ما ادعيت، وكنت عليك خيرا من مائة ألف معك تنصحك، لقد كنت مع فلان فكسر وهزم وتفرق جمعه، وكنت مع فلان فقتل، وكنت مع فلان فهزم - حتى عد جماعة من الأمراء - فضحك وخلى سبيله. وقيل لعبد الملك: أي الرجال أفضل؟ قال: من تواضع عن رفعة وزهد عن قدرة، وترك النصرة عن قوة. وقال أيضا لا طمأنينة قبل الخبرة، فان الطمأنينة قبل الخبرة ضد الحزم. وقال: خير المال ما أفاد حمدا ودفع ذما، ولا يقولن أحدكم ابدأ بمن تعول، فان
стр. 2896
الخلق كلهم عيال الله، وينبغي أن يحمل هذا على غير ما ثبت به الحديث. وقال المدائني: قال عبد الملك لمؤدب أولاده - وهو إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر -: علمهم الصدق كما تعلمهم القرآن، وجنبهم السفلة فإنهم أسوأ الناس رغبة في الخير وأقلهم أدبا، وجنبهم الحشم فإنهم لهم مفسدة، واحف شعورهم تغلظ رقابهم، وأطعمهم اللحم يقووا، وعلمهم الشعر يمجدوا وينجدوا، ومرهم أن يستاكوا عرضا، ويمصوا الماء مصا، ولا يعبوا عبا، وإذا احتجت أن تتناولهم فتناولهم بأدب فليكن ذلك في سر لا يعلم بهم أحد من الغاشية فيهونوا عليهم.
وقال الهيثم بن عدي: أذن عبد الملك للناس في الدخول عليه إذنا خاصا، فدخل شيخ رث الهيئة لم يأبه له الحرس، فألقى بين يدي عبد الملك صحيفة وخرج فلم يدر أين ذهب، وإذا فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، يا أيها الإنسان إن الله قد جعلك بينه وبين عباده فاحكم بينهم (﴿بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ﴾) (﴿أَلا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، * يَوْمَ يَقُومُ النّاسُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ﴾) (﴿ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾) (﴿وَما نُؤَخِّرُهُ إِلاّ لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ﴾) إن اليوم الّذي أنت فيه لو بقي لغيرك ما وصل إليك، (﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا﴾) وإني أحذرك يوم ينادى المنادي (﴿اُحْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْواجَهُمْ﴾) (﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾) قال فتغير وجه عبد الملك فدخل دار حرمه ولم تزل الكآبة في وجهه بعد ذلك أياما. وكتب زر بن حبيش إلى عبد الملك كتابا وفي آخره: ولا يطمعك يا أمير المؤمنين في طول البقاء ما يظهر لك في صحتك فأنت أعلم بنفسك واذكر ما تكلم به
الأولون إذا الرجال ولدت أولادها … وبليت من كبر أجسادها
وجعلت أسقامها تعتادها … تلك زروع قد دنا حصادها
فلما قرأه عبد الملك بكى حتى بل طرف ثوبه، ثم قال: صدق زر، ولو كتب إلينا بغير هذا كان أرفق. وسمع عبد الملك جماعة من أصحابه يذكرون سيرة عمر بن الخطاب فقال: أنهى عن ذكر عمر فإنه مرارة للامراء مفسدة للرعية. وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى القباني عن أبيه عن جده قال:
كان عبد الملك يجلس في حلقة أم الدرداء في مؤخر المسجد بدمشق، فقالت له: بلغني أنك شربت الطلا بعد العبادة والنسك، فقال: إي والله، والدما أيضا قد شربتها. ثم جاءه غلام كان قد بعثه في حاجة فقال: ما حبسك لعنك الله؟
فقالت أم الدرداء: لا تفعل يا أمير المؤمنين فانى سمعت أبا الدرداء يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يدخل الجنة لعّان». وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: ثنا الحسين بن عبد الرحمن قال قيل لسعيد بن المسيب: إن عبد الملك بن مروان قال قد صرت لا أفرح بالحسنة أعملها، ولا أحزن على السيئة أرتكبها، فقال سعيد: الآن تكامل موت قلبه.
стр. 2897
وقال الأصمعي عن أبيه عن جده قال: خطب عبد الملك يوما خطبة بليغة ثم قطعها وبكى بكاء شديدا ثم قال: يا رب إن ذنوبي عظيمة، وإن قليل عفوك أعظم منها، اللهمّ فامح بقليل عفوك عظيم ذنوبي.
قال: فبلغ ذلك الحسن فبكى وقال: لو كان كلام يكتب بالذهب لكتب هذا الكلام، وقد روى عن غير واحد نحو ذلك، أي أنه لما بلغه هذا الكلام قال مثل ما قال الحسن. وقال مسهر الدمشقيّ:
وضع سماط عبد الملك يوما بين يديه فقال لحاجبه: ائذن لخالد بن عبد الله بن خالد بن أسيد، فقال:
مات يا أمير المؤمنين، قال: فلأبيه عبد الله بن خالد بن أسيد، قال: مات، قال: فلخالد بن يزيد ابن معاوية، قال: مات، قال فلفلان وفلان - حتى عد أقواما قد ماتوا وهو يعلم ذلك قبلنا - فأمر برفع السماط وأنشأ يقول:
ذهبت لذتي وانقضت أيامهم … وغبرت بعدهم ولست بخالد
وقيل: إنه لما احتضر دخل عليه ابنه الوليد فبكى فقال له عبد الملك: ما هذا؟ أتحن حنين الجارية والأمة؟ إذا أنامت فشمر واتّزر والبس جلد النمر، وضع الأمور عند أقرانها، واحذر قريشا.
ثم قال له: يا وليد اتّق الله فيما أستخلفك فيه، واحفظ وصيتي، وانظر إلى أخى معاوية فصل رحمه واحفظني فيه، وانظر إلى أخى محمد فأمره على الجزيرة ولا تعزله عنها، وانظر إلى ابن عمنا على بن عباس فإنه قد انقطع إلينا بمودّته ونصيحته وله نسب وحق فصل رحمه واعرف حقه، وانظر إلى الحجاج بن يوسف فأكرمه فإنه هو الّذي مهد لك البلاد وقهر الأعداء وخلص لكم الملك وشتت الخوارج، وأنهاك وإخوتك عن الفرقة وكونوا أولاد أم واحدة، وكونوا في الحرب أحرارا، وللمعروف منارا، فان الحرب لم تدن منية قبل وقتها، وإن المعروف يشيد ذكر صاحبه ويميل القلوب بالمحبة، ويذلل الألسنة بالذكر الجميل، ولله در القائل:
إن الأمور إذا اجتمعن فرامها … بالكسر ذو حنق وبطش مفند
عزت فلم تكسر وإن هي بددت … فالكسر والتوهين للمتبدد
ثم قال: إذا أنامت فادع الناس إلى بيعتك فمن أبى فالسيف، وعليك بالإحسان إلى أخواتك فأكرمهن وأحبهن إلى فاطمة - وكان قد أعطاها قرطي مارية والدرة اليتيمة - ثم قال: اللهمّ احفظني فيها. فتزوجها عمر بن عبد العزيز وهو ابن عمها.
ولما احتضر سمع غسالا يغسل الثياب فقال: ما هذا؟ فقالوا غسال، فقال: يا ليتني كنت غسالا أكسب ما أعيش به يوما بيوم، ولم أل الخلافة. ثم تمثل فقال: -
لعمري لقد عمرت في الملك برهة … ودانت لي الدنيا بوقع البواتر
وأعطيت حمر المال والحكم والنهى … ولى سلّمت كل الملوك الجبابر
стр. 2898
فأضحى الّذي قد كان مما يسرني … كحلم مضى في المزمنات الفوابر
فيا ليتني لم أعن بالملك ليلة … ولم أسع في لذات عيش نواضر
وقد أنشد هذه الأبيات معاوية بن أبى سفيان عند موته.
وقال أبو مسهر: قيل لعبد الملك في مرض موته: كيف تجدك؟ فقال أجدنى كما قال الله تعالى ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ﴾ الآية. وقال سعيد بن عبد العزيز: لما احتضر عبد الملك أمر بفتح الأبواب من قصره، فلما فتحت سمع قصارا بالوادي فقال: ما هذا؟ قالوا قصار، فقال: يا ليتني كنت قصارا أعيش من عمل يدي، فلما بلغ سعيد بن المسيب قوله قال: الحمد لله الّذي جعلهم عند موتهم يفرون إلينا ولا نفر إليهم. وقال:
لما حضره الموت جعل يندم ويندب ويضرب بيده على رأسه ويقول: وددت أنى اكتسبت قوتي يوما بيوم واشتغلت بعبادة ربى وطاعته. وقال غيره: لمّا حضرته الوفاة دعا بنيه فوصاهم ثم قال: الحمد لله الّذي لا يسأل أحدا من خلقه صغيرا أو كبيرا ثم ينشد: -
فهل من خالد إما هلكنا … وهل بالموت للباقين عار
ويروى أنه قال: ارفعوني، فرفعوه حتى شم الهواء وقال: يا دنيا ما أطيبك! إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لحقير، وإنا كنا بك لفي غرور، ثم تمثل بهذين البيتين:
إن تناقش يكن نقاشك يا رب … عذابا لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت رب صفوح … عن مسيء ذنوبه كالتراب
قالوا: وكانت وفاته بدمشق يوم الجمعة وقيل يوم الأربعاء وقيل الخميس، في النصف من شوال سنة ست وثمانين، وصلى عليه ابنه الوليد ولى عهده من بعده، وكان عمره يوم مات ستين سنة. قاله أبو معشر وصححه الواقدي، وقيل ثلاثا وستين سنة. قاله المدائني، وقيل ثماني وخمسين. ودفن بباب الجابية الصغير، قال ابن جرير: ذكر أولاده وأزواجه منهم الوليد وسليمان ومروان الأكبر درج وعائشة، وأمهم ولادة بنت العباس بن جزء بن الحارث بن زهير بن جذيمة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث بن قطيعة بن عبس بن بغيض، ويزيد ومروان الأصغر ومعاوية درج وأم كلثوم وأمهم عاتكة بنت يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، وهشام وأمه أم هشام عائشة - فيما قاله المدائني - بنت هشام بن إسماعيل المخزومي. وأبو بكر واسمه بكار وأمه عائشة بنت موسى بن طلحة بن عبيد الله التيمي، والحكم درج وأمه أم أيوب بنت عمرو بن عثمان بن عفان الأموي، وفاطمة وأمها المغيرة بنت المغيرة بن خالد بن العاص بن هشام بن المغيرة المخزومي. وعبد الله ومسلمة والمنذر وعنبسة ومحمد وسعد الخير والحجاج لأمهات أولاد شتى، فكان جملة أولاده تسعة عشر ذكورا وإناثا،
стр. 2899
وكانت مدة خلافته إحدى وعشرين سنة، منها تسع سنين مشاركا لابن الزبير، وثلاث عشرة سنة وثلاثة أشهر ونصف مستقلا بالخلافة وحده. وكان قاضيه أبو إدريس الخولانيّ، وكاتبه روح بن زنباع، وحاجبه يوسف مولاه، وصاحب بيت المال والخاتم قبيصة بن ذؤيب. وعلى شرطته أبو الزعيزعة. وقد ذكرنا عماله فيما مضى. قال المدائني: وكان له زوجات أخر، شقراء بنت سلمة بن حلبس الطائي، وابنة لعلى بن أبى طالب، وأم أبيها بنت عبد الله بن جعفر. وممن يذكر أنه توفى في هذه السنة تقريبا.
أرطاة بن زفر
ابن عبد الله بن مالك بن شداد بن ضمرة بن غقعان بن أبى حارثة بن مرة بن شبة بن نميط بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان الوليد المري، ويعرف بابن شهبة، وهي أمه بنت رامل بن مروان بن زهير بن ثعلبة بن خديج بن جشم بن كعب بن عون بن عامر بن عوف - سبية من كلب - وكانت عند ضرار بن الأزور، ثم صارت إلى زفر وهي حامل فأتت بأرطاة على فراشه، وقد عمر أرطاة دهرا طويلا حتى جاوز المائة بثلاثين سنة، وقد كان سيدا شريفا مطاعا ممدحا شاعرا مطبقا قال المدائني: ويقال إن بنى غقعان بن حنظلة بن رواحة بن ربيعة بن مازن بن الحارث دخلوا في بنى مرة بن شبة فقالوا بنى غقعان بن أبى حارثة بن مرة. وقد وفد أبو الوليد أرطاة بن زفر هذا على عبد الملك فأنشده أبياتا: -
رأيت المرء تأكله الليالي … كأكل الأرض ساقطة الحديد
وما تبقى المنية حين تأتى … على نفس ابن آدم من مزيد
وأعلم أنها ستكر حتى … توفى نذرها بأبي الوليد
قال: فارتاع عبد الملك وظن أنه عناه بذلك فقال يا أمير المؤمنين إنما عنيت نفسي، فقال عبد الملك: وأنا والله سيمر بى ما الّذي يمر بك، وزاد بعضهم في هذه الأبيات: -
خلقنا أنفسا وبنى نفوس … ولسنا بالسلام ولا الحديد
لئن أفجعت بالقرناء يوما … لقد متعت بالأمل البعيد
وهو القائل وإني لقوام لدى الضيف موهنا … إذا أسبل الستر البخيل المواكل
دعا فأجابته كلاب كثيرة … على ثقة منى بأنى فاعل
وما دون ضيفي من تلاد تحوزه … لي النفس إلا أن تصان الحلائل
مطرف بن عبد الله بن الشخير
كان من كبار التابعين، وكان من أصحاب عمران بن حصين، وكان مجاب الدعوة، وكان يقول ما أوتى أحد أفضل من العقل، وعقول الناس على قدر زمانهم. وقال: إذا استوت سريرة العبد
стр. 2900
وعلانيته قال الله هذا عبدي حقا. وقال: إذا دخلتم على مربض فان استطعتم أن يدعو لكم فإنه قد حرّك - أي قد أوقظ من غفلته بسبب مرضه - فدعاؤه مستجاب من أجل كسره ورقة قلبه. وقال:
إن أقبح ما طلبت به الدنيا عمل الآخرة.
خلافة الوليد بن عبد الملك باني جامع دمشق
لما رجع من دفن أبيه خارج باب الجابية الصغير - وكان ذلك في يوم الخميس وقيل الجمعة للنصف من شوال من هذه السنة - لم يدخل المنزل حتى صعد المنبر - منبر المسجد الأعظم بدمشق - فخطب الناس فكان مما قال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ والله المستعان على مصيبتنا في أمير المؤمنين، والحمد لله على ما أنعم علينا من الخلافة، قوموا فبايعوا. فكان أول من قام إليه عبد الله بن همام السلولي وهو يقول: -
الله أعطاك التي لا فوقها … وقد أراد الملحدون عوقها
عنك ويأبى الله إلا سوقها … إليك حتى قلدوك طوقها
ثم بايعه وبايع الناس بعده. وذكر الواقدي أنه حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إنه لا مقدم لما أخر الله، ولا مؤخر لما قدم الله، وقد كان من قضاء الله وسابقته ما كتبه على أنبيائه وحملة عرشه وملائكته الموت، وقد صار إلى منازل الأبرار بما لاقاه في هذه الأمة - يعنى بالذي يحق لله عليه - من الشدة على المريب واللين لأهل الحق والفضل وإقامة ما أقام الله من منار الإسلام وإعلائه من حج هذا البيت وغزو هذه الثغور وشن هذه الغارات على أعداء الله فلم يكن عاجزا ولا مفرطا، أيها الناس عليكم بالطاعة ولزوم الجماعة فان الشيطان مع الواحد، أيها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الّذي فيه عيناه، ومن سكت مات بدائه. ثم نزل فنظر ما كان من دواب الخلافة فحازها.
وكان جبارا عنيدا. وقد ورد في ولاية الوليد حديث غريب، وإنما هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك كما سيأتي، وكما تقدم تقريره في دلائل النبوة في باب الاخبار عن الغيوب المستقبلة، فيما يتعلق بدولة بنى أمية، وأما الوليد بن عبد الملك هذا فقد كان صينا في نفسه حازما في رأيه، يقال إنه لا تعرف له صبوة، ومن جملة محاسنه ما صح عنه أنه قال: لولا أن الله قص لنا قصة قوم لوط في كتابه ما ظننا أن ذكرا كان يأتى ذكرا كما تؤتى النساء، كما سيأتي ذلك في ترجمته عند ذكر وفاته، وهو باني مسجد جامع دمشق الّذي لا يعرف في الآفاق أحسن بناء منه، وقد شرع في بنائه في ذي القعدة من هذه السنة، فلم يزل في بنائه وتحسينه مدة خلافته وهي عشر سنين، فلما أنهاه انتهت أيام خلافته كما سيأتي بيان ذلك مفصلا. وقد كان موضع هذا المسجد كنيسة يقال لها كنيسة يوحنا، فلما فتحت الصحابة دمشق جعلوها مناصفة، فأخذوا منها الجانب الشرقي فحولوه مسجدا، وبقي الجانب الغربي كنيسة
стр. 2901
بحاله من لدن سنة أربع عشرة إلى هذه السنة، فعزم الوليد على أخذ بقية الكنيسة منهم وعوضهم عنها كنيسة مريم لدخولها في جانب السيف، وقيل عوضهم عنها كنيسة توما، وهدم بقية هذه الكنيسة وأضافها إلى مسجد الصحابة، وجعل الجميع مسجدا واحدا على هيئة بديعة لا يعرف كثير من الناس أو أكثرهم لها نظيرا في البنيان والزينات والآثار والعمارات، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة سبع وثمانين
ففيها عزل الوليد بن عبد الملك هشام بن إسماعيل عن إمرة المدينة وولى عليها ابن عمه وزوج أخته فاطمة بنت عبد الملك عمر بن عبد العزيز، فدخلها على ثلاثين بعيرا في ربيع الأول منها، فنزل دار مروان وجاء الناس للسلام عليه، وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة، فلما صلى الظهر دعا عشرة من فقهاء المدينة وهم عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وأخوه عبيد الله بن عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت. فدخلوا عليه فجلسوا فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: إني إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه وتكونون فيه أعوانا على الحق، إني لا أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم أو برأي من حضر منكم، فان رأيتم أحدا يتعدى أو بلغكم عن عامل لي ظلامة، فأحرّج على من بلغه ذلك إلا أبلغنى. فخرجوا من عنده يجزونه خيرا، وافترقوا على ذلك. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز بأن يوقف هشام بن إسماعيل للناس عند دار مروان - وكان يسيء الرأى فيه - لأنه أساء إلى أهل المدينة في مدة ولايته عليهم، وكانت نحوا من أربع سنين، ولا سيما إلى سعيد بن المسيب وعلى بن الحسين. قال سعيد بن المسيب لابنه ومواليه: لا يعرض منكم أحد لهذا الرجل فىّ، تركت ذلك لله وللرحم. وأما كلامه فلا أكلمه أبدا، وأما على بن الحسين فإنه مر به وهو موقوف فلم يتعرض له وكان قد تقدم إلى خاصته أن لا يعرض أحد منهم له، فلما اجتاز به وتجاوزه ناداه هشام الله يعلم حيث يجعل رسالاته وفي هذه السنة غزا مسلمة بن عبد الملك بلاد الروم فقتل منهم خلقا كثيرا، وفتح حصونا كثيرة وغنم غنائم جمة، ويقال إن الّذي غزا بلاد الروم في هذه السنة هشام بن عبد الملك ففتح حصن بولق، وحصن الأخرم، وبحيرة الفرمسان، وحصن بولس، وقميقم، وقتل من المستعربة نحوا من ألف وسبى ذراريهم. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الترك وصالحه ملكهم نيزك على مال جزيل، وعلى أن يطلق كل من ببلاده من أسارى المسلمين، وفيها غزا قتيبة بيكند فاجتمع له من الأتراك عندها بشر كثير وجم غفير، وهي من أعمال بخارى، فلما نزل بأرضهم استنجدوا عليه بأهل الصغد ومن
стр. 2902
حولهم من الأتراك، فأتوهم في جمع عظيم فأخذوا على قتيبة الطرق والمضايق، فتواقف هو وهم قريبا من شهرين وهو لا يقدر أن يبعث إليهم رسولا ولا يأتيه منهم رسول، وأبطأ خبره على الحجاج حتى خاف عليه وأشفق على من معه من المسلمين من كثرة الأعداء من الترك، فأمر الناس بالدعاء لهم في المساجد وكتب بذلك إلى الأمصار، وقد كان قتيبة ومن معه من المسلمين يقتتلون مع الترك في كل يوم، وكان لقتيبة عين من العجم يقال له تندر، فأعطاه أهل بخارى ما لا جزيلا على أن يأتى قتيبة فيخذله عنهم، فجاء إليه فقال له: أخلنى، فأخلاه فلم يبق عنده سوى رجل يقال له ضرار بن حصين، فقال له تندر:
هذا عامل يقدم عليك سريعا بعزل الحجاج، فلو انصرفت بالناس إلى مرو، فقال قتيبة لمولاه سياه اضرب عنقه فقتله، ثم قال لضرار: لم يبق أحد سمع هذا غيري وغيرك وإني أعطى الله عهدا إن ظهر هذا حتى ينقضي حربنا ألحقتك به، فاملك علينا لسانك، فان انتشار هذا في مثل هذا الحال ضعف في أعضاد الناس ونصرة للأعداء، ثم نهض قتيبة فحرض الناس على الحرب، ووقف على أصحاب الرايات يحرضهم، فاقتتل الناس قتالا شديدا ثم أنزل الله على المسلمين الصبر فما انتصف النهار حتى أنزل الله عليهم النصر فهزمت الترك هزيمة عظيمة، واتبعهم المسلمون يقتلون فيهم ويأسرون ما شاءوا، واعتصم من بقي منهم بالمدينة، فأمر قتيبة الفعلة بهدمها فسألوه الصلح على مال عظيم فصالحهم، وجعل عليهم رجلا من أهله وعنده طائفة من الجيش ثم سار راجعا، فلما كان منهم على خمس مراحل نقضوا العهد وقتلوا الأمير وجدعوا أنوف من كان معه، فرجع إليها وحاصرها شهرا. وأمر النقابين والفعلة فعلقوا سورها على الخشب وهو يريد أن يضرم النار فيها، فسقط السور فقتل من الفعلة أربعين نفسا، فسألوه الصلح فأبى، ولم يزل حتى افتتحها فقتل المقاتلة وسبى الذرية وغنم الأموال، وكان الّذي ألب على المسلمين رجل أعور منهم، فأسر فقال أنا أفتدي نفسي بخمسة أثواب صينية قيمتها ألف ألف، فأشار الأمراء على قتيبة بقبول ذلك منه، فقال قتيبة: لا والله لا أروع بك مسلما مرة ثانية، وأمر به فضربت عنقه. وهذا من الزهد في الدنيا، ثم إن الغنائم سيدخل فيها ما أراد أن يفتدى به نفسه فان المسلمين قد غنموا من بيكند شيئا كثيرا من آنية الذهب والفضة والأصنام من الذهب، وكان من جملتها صنم سبك فخرج منه مائة ألف وخمسون ألف دينار من الذهب، ووجدوا في خزائن الملك أموالا كثيرا وسلاحا كثيرا وعددا متنوعة، وأخذوا من السبي شيئا كثيرا، فكتب قتيبة [إلى الحجاج يسأله] أن يعطى ذلك للجند فأذن له فتمول المسلمون وتقووا على قتال الأعداء، وصار لكل واحد منهم مال مستكثر جدا، وصارت لهم أسلحة وعدد وخيول كثيرة فقووا بذلك قوة عظيمة ولله الحمد والمنة.
وقد حج بالناس في هذه السنة عمر بن عبد العزيز نائب المدينة، وقاضيه بها أبو بكر بن محمد بن
стр. 2903
عمرو بن حزم، وعلى العراق والمشرق بكماله الحجاج، ونائبة على البصرة الجراح بن عبد الله الحكمي وقاضيه بها عبد الله بن أذينة، وعامله على الحرب بالكوفة زياد بن جرير بن عبد الله البجلي، وقاضيه بها أبو بكر بن أبى موسى الأشعري، ونائبة على خراسان وأعمالها قتيبة بن مسلم.
وفيها توفى من الأعيان:
عتبة بن عبد السلمي
صحابى جليل، نزل حمص، يروى أنه شهد بنى قريظة، وعن العرباض أنه كان يقول هو خير منى أسلم قبلي بسنة. قال الواقدي وغيره: توفى في هذه السنة، وقال غيره بعد التسعين والله أعلم.
[قال أبو سعيد بن الأعرابي: كان عتبة بن عبد السلمي من أهل الصفة.
وروى بقية عن بجير ابن سعد عن خالد بن معدان عن عتبة بن عبد السلمي أن النبي ﷺ قال: «لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله لحقره يوم القيامة». وقال إسماعيل بن عياش عن عقيل بن مدرك عن لقمان بن عامر عن عتبة بن عبد السلمي قال: اشتكيت إلى رسول الله ﷺ العرى فكساني خيشتين فلقد رأيتني وأنا أكسى الصحابة] (١)
المقدام بن معديكرب
صحابى جليل، نزل حمص أيضا، له أحاديث، وروى عنه غير واحد من التابعين. قال محمد ابن سعد والفلاس وأبو عبيدة: توفى في هذه السنة، وقال غيرهم: توفى بعد التسعين فالله أعلم.
أبو أمامة الباهلي
واسمه صديّ بن عجلان، نزل حمص، وهو راوي حديث «تلقين الميت بعد الدفن» رواه الطبراني في الدعاء، وقد تقدم له ذكر في الوفيات.
قبيصة بن ذؤيب
أبو سفيان الخزاعي المدني، ولد عام الفتح وأتى به النبي ﷺ ليدعو له، روى عن جماعة كثيرة من الصحابة، وأصيبت عينه يوم الحرة، وكان من فقهاء المدينة، وكانت له منزلة عند عبد الملك، ويدخل عليه بغير إذن، وكان يقرأ الكتب إذا وردت من البلاد ثم يدخل على عبد الملك فيخبره بما ورد من البلاد فيها، وكان صاحب سره، وكان له دار بدمشق بباب البريد، وتوفى بدمشق.
عروة بن المغيرة بن شعبة
ولى إمرة الكوفة للحجاج، وكان شريفا لبيبا مطاعا في الناس، وكان أحول. توفى بالكوفة
يحيى بن يعمر،
كان قاضى مرو، وهو أول من نقط المصاحف، وكان من فضلاء الناس وعلمائهم وله أحوال ومعاملات، وله روايات، وكان أحد الفصحاء، أخذ العربية عن أبى الأسود الدؤلي.
стр. 2904
شريح بن الحارث بن قيس القاضي
أدرك الجاهلية، واستقضاه عمر على الكوفة فمكث بها قاضيا خمسا وستين سنة، وكان عالما عادلا كثير الخير، حسن الأخلاق، فيه دعابة كثيرة، وكان كوسجا لا شعر بوجهه، وكذلك كان عبد الله بن الزبير، والأحنف بن قيس، وقيس بن سعد بن عبادة، وقد اختلف في نسبه وسنه وعام وفاته على أقوال، ورجح ابن خلكان وفاته في هذه السنة.
[قلت: قد تقدمت ترجمة شريح القاضي في سنة ثمان وسبعين بما فيها من الزيادة الكثيرة غير ما ذكره المؤلف هنا وهناك] (١).
ثم دخلت سنة ثمان وثمانين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك، فافتتحا بمن معهما من المسلمين حصن طوانه في جمادى من هذه السنة - وكان حصينا منيعا - اقتتل الناس عنده قتالا عظيما ثم حمل المسلمون على النصارى فهزموهم حتى أدخلوهم الكنيسة، ثم خرجت النصارى فحملوا على المسلمين فانهزم المسلمون ولم يبق أحد منهم في موقفه إلا العباس بن الوليد ومعه ابن محيريز الجمحيّ، فقال العباس لابن محيريز: أين قراء القرآن الذين يريدون وجه الله ؟ فقال: نادهم يأتوك، فنادى يا أهل القرآن، فتراجع الناس فحملوا على النصارى فكسروهم ولجئوا إلى الحصن فحاصروهم حتى فتحوه.
وذكر ابن جرير أنه في شهر ربيع الأول من هذه السنة قدم كتاب الوليد على عمر بن عبد العزيز يأمره بهدم المسجد النبوي وإضافة حجر أزواج رسول الله ﷺ ، وأن يوسعه من قبلته وسائر نواحيه، حتى يكون مائتي ذراع في مائتي ذراع، فمن باعك ملكه فاشتره منه وإلا فقوّمه له قيمة عدل ثم أهدمه وادفع إليهم أثمان بيوتهم، فان لك في ذلك سلف صدق عمر وعثمان. فجمع عمر بن عبد العزيز وجوه الناس والفقهاء العشرة وأهل المدينة وقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين الوليد، فشق عليهم ذلك وقالوا:
هذه حجر قصيرة السقوف، وسقوفها من جريد النخل، وحيطانها من اللبن، وعلى أبوابها المسوح، وتركها على حالها أولى لينظر إليها الحجاج والزوار والمسافرون، وإلى بيوت النبي ﷺ فينتفعوا بذلك ويعتبروا به، ويكون ذلك أدعى لهم إلى الزهد في الدنيا، فلا يعمرون فيها إلا بقدر الحاجة، وهو ما يستر ويكن، ويعرفون أن هذا البنيان العالي إنما هو من أفعال الفراعنة والأكاسرة، وكل طويل الأمل راغب في الدنيا وفي الخلود فيها. فعند ذلك كتب عمر بن عبد العزيز إلى الوليد بما أجمع عليه الفقهاء العشرة المتقدم ذكرهم، فأرسل إليه يأمره بالخراب وبناء المسجد على ما ذكر، وأن يعلى سقوفه.
فلم يجد عمر بدا من هدمها، ولما شرعوا في الهدم صاح الاشراف ووجوه الناس من بنى هاشم وغيرهم،
стр. 2905
وتباكوا مثل يوم مات النبي ﷺ ، وأجاب من له ملك متاخم للمسجد للبيع فاشترى منهم، وشرع في بنائه وشمر عن إزاره واجتهد في ذلك، وأرسل الوليد إليه فعولا كثيرة، فأدخل فيه الحجرة النبويّة - حجرة عائشة - فدخل القبر في المسجد، وكانت حده من الشرق وسائر حجر أمهات المؤمنين كما أمر الوليد، وروينا أنهم لما حفروا الحائط الشرقي من حجرة عائشة بدت لهم قدم فخشوا أن تكون قدم النبي ﷺ حتى تحققوا أنها قدم عمر ﵁، ويحكى أن سعيد بن المسيب أنكر إدخال حجرة عائشة في المسجد - كأنه خشي أن يتخذ القبر مسجدا - والله أعلم وذكر ابن جرير أن الوليد كتب إلى ملك الروم يسأله أن يبعث له صناعا للبناء، فبعث إليه بمائة صانع وفصوص كثيرة من أجل المسجد النبوي، والمشهور أن هذا إنما كان من أجل مسجد دمشق فالله أعلم. وكتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز أن يحفر الفوارة بالمدينة، وأن يجرى ماءها ففعل، وأمره أن يحفر الآبار وأن يسهل الطرق والثنايا، وساق إلى الفوارة الماء من ظاهر المدينة، والفوارة بنيت في ظاهر المسجد عند بقعة رآها فأعجبته.
وفيها غزا قتيبة بن مسلم ملك الترك كور بغانون ابن أخت ملك الصين، ومعه مائتا ألف مقاتل، من أهل الصغد وفرغانة وغيرهم، فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان مع قتيبة نيزك ملك الترك مأسورا فكسرهم قتيبة بن مسلم وغنم من أموالهم شيئا كثيرا، وقتل منهم خلقا وسبى وأسر.
وفيها حج بالناس عمر بن عبد العزيز ومعه جماعات من أشراف قريش، فلما كان بالتنعيم لقيه طائفة من أهل مكة فأخبروه عن قلة الماء بمكة لقلة المطر، فقال لأصحابه: ألا نستمطر؟ فدعا ودعا الناس فما زالوا يدعون حتى سقوا ودخلوا مكة ومعهم المطر، وجاء سيل عظيم حتى خاف أهل مكة من شدة المطر، ومطرت عرفة ومزدلفة ومنى، وأخصبت الأرض هذه السنة خصبا عظيما بمكة وما حولها، وذلك ببركة دعاء عمر ومن كان معه من الصالحين. وكان النواب على البلدان في هذه السنة هم الذين كانوا قبلها.
وممن توفى فيها من الأعيان
- عبد الله بن بسر بن أبى بسر المازني
صحابى كأبيه، سكن حمص، وروى عنه جماعة من التابعين، قال الواقدي: توفى في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة، زاد غيره وهو آخر من توفى من الصحابة بالشام، وقد جاء في الحديث أنه يعيش قرنا، فعاش مائة سنة.
عبد الله بن أبى أوفى
علقمة بن خالد بن الحارث الخزاعي ثم الأسلمي، صحابى جليل، وهو آخر من بقي من الصحابة بالكوفة، وكانت وفاته فيما قاله البخاري سنة تسع أو ثمان وثمانين، وقال الواقدي وغير واحد: سنة ست وثمانين، وقد جاوز المائة، وقيل قاربها ﵁.
стр. 2906
وفيها توفى هشام بن إسماعيل
ابن هشام بن الوليد المخزومي المدني، وكان حما عبد الملك بن مروان ونائبة على المدينة، وهو الّذي ضرب سعيد بن المسيب كما تقدم، ثم قدم دمشق فمات بها، وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق فمات فيها في السبع.
عمير بن حكيم
العنسيّ الشامي، له رواية، ولم يكن أحد في الشام يستطيع أن يعيب الحجاج علانية إلا هو وابن محيريز أبو الأبيض، قتل في غزوة طوانة من بلاد الروم في هذه السنة.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
فيها غزا مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بلاد الروم فقتلا خلقا كثيرا وفتحا حصونا كثيرة، منها حصن سورية وعمّورية وهرقلة وقمودية. وغنما شيئا كثيرا وأسرا جما غفيرا. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الصغد ونسف وكش، وقد لقيه هنالك خلق من الأتراك فظفر بهم فقتلهم، وسار إلى بخارى فلقيه دونها خلق كثير من الترك فقاتلهم يومين وليلتين عند مكان يقال له خرقان، وظفر بهم فقال في ذلك نهار بن توسعة:
وباتت لهم منا بخرقان ليلة … وليلتنا كانت بخرقان أطولا
ثم قصد قتيبة وردان خذاه ملك بخارى فقاتله وردان قتالا شديدا فلم يظفر به قتيبة، فرجع عنه إلى مرو، فجاءه البريد بكتاب الحجاج يعنفه على الفرار والنكول عن أعداء الإسلام، وكتب إليه أن يبعث بصورة هذا البلد - يعنى بخارى - فبعث إليه بصورتها فكتب إليه أن ارجع إليها وتب إلى الله من ذنبك وائتها من مكان كذا وكذا، ورد وردان خذاه، وإياك والتحويط، ودعني وبنيات الطريق.
وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك إمرة مكة لخالد بن عبد الله القسري، فحفر بئرا بأمر الوليد عند ثنية طوى وثنية الحجون، فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستقى منها الناس. وروى الواقدي: حدثني عمر بن صالح عن نافع مولى بنى مخزوم. قال: سمعت خالد بن عبد الله القسري يقول على منبر مكة وهو يخطب الناس: أيها الناس! أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، واستسقى الخليفة فسقاه عذبا فراتا - يعنى البئر التي احتفرها بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال ثم غارت تلك البئر فذهب ماؤها فلا يدرى أين هو إلى اليوم، وهذا الاسناد غريب، وهذا الكلام يتضمن
стр. 2907
كفرا إن صح عن قائله، وعندي أن خالد بن عبد الله لا يصح عنه هذا الكلام، وإن صح فهو عدو الله، وقد قيل عن الحجاج بن يوسف نحو هذا الكلام من أنه جعل الخليفة أفضل من الرسول الّذي أرسله الله، وكل هذه الأقوال تتضمن كفر قائلها.
وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم الترك حتى بلغ باب الأبواب من ناحية أذربيجان، وفتح حصونا ومدائن كثيرة هنالك. وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز. قال شيخنا الذهبي: وفي هذه السنة فتحت صقلّيّة وميورقة وقيل ميرقة، وهما في البحر بين جزيرة صقلّيّة وخدرة من بلاد الأندلس.
وفيها سيّر موسى بن نصير ولده إلى النقريس ملك الفرنج فافتتح بلادا كثيرة. وفيها توفى من الأعيان عبد الله بن ثعلبة بن صعير أحد التابعين العذري الشاعر، وقد قيل إنه أدرك حياة النبي ﷺ ، ومسح على رأسه، وكان الزهري يتعلم منه النسب. والعمال في هذه السنة هم المذكورون في التي قبلها.
ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة
فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم، ففتحا حصونا وقتلا خلقا من الروم وغنما وأسرا خلقا كثيرا. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك. وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر وولى عليها قرة بن شريك. وفيها قتل محمد بن القاسم ملك السند داهر بن صصّة، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج. وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصاها ابن جرير. وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهنا عليه. وفيها استنجد وردان خذاه بالترك فأتوه من جميع النواحي - وهو صاحب بخارى بعد أخذ قتيبة لها - وخرج وردان خذاه وحمل على المسلمين فحطموهم ثم عاد المسلمون عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وصالح قتيبة ملك الصغد، وفتح بخارى وحصونها، ورجع قتيبة بالجند إلى بلاده فأذن له الحجاج، فلما سار إلى بلاده بلغه أن صاحب الصغد قال لملوك الترك: إن العرب بمنزلة اللصوص فان أعطوا شيئا ذهبوا، وإن قتيبة هكذا يقصد الملوك، فان أعطوه شيئا أخذه ورجع عنهم، وإن قتيبة ليس بملك ولا يطلب ملكا. فبلغ قتيبة قوله فرجع إليهم فكاتب نيزك ملك الترك ملوك ما وراء النهر منهم ملك الطالقان، وكان قد صالح قتيبة فنقض الصلح الّذي كان بينه وبين قتيبة، واستجاش عليه بالملوك كلها، فأتاه ملوك كثيرة كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يدا واحدة على قتيبة، واتعدوا إلى الربيع وتعاهدوا وتعاقدوا على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة
стр. 2908
عظيمة جدا لم يسمع بمثلها، وصلب منهم سماطين في مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد، وذلك مما كسر جموعهم كلهم.
وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة، وأخذ منهم ستة آلاف ألف، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، وكان ذلك يغيظ الحجاج، قال قائل للحجاج: إن في ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عليه فطلقها الحجاج ثم أودعهم السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشا إلى الأكراد واستصحبهم معه، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد ابن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال: ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم تبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن وساروا نحو الشام، فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره بالاستعداد لهم، وأن يرصدهم في كل مكان، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم.
وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له، وتحقق عنده قول الراهب.
وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم، فركبها وسلك به دليل من بنى كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد، فأخذ بهم على السماوة، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريما على سليمان بن عبد الملك - فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له: إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فأتنى بهم فهم آمنون ما دمت حيا، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد: إن آل المهلب قد أمنتهم، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، وهي عندي. فكتب إليه الوليد: لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلى. فكتب إليه: لا والله لا أبعثه حتى أجيء معه، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرنى في جواري. فكتب إليه: لا والله لا تجيء معه وابعث به إلى في وثاق. فقال يزيد: ابعث
стр. 2909
بى إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا، فابعثنى اليه وابعث معى ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب، وقال لابنه: إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، وادخلا عليه كذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة، قال: والله لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبى وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه: أما بعد يا أمير المؤمنين فو الله إن كنت لأظن لو استجار بى عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا، حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك فان كنت إنما تعد قطيعتي واخفار ذمتي والإبلاغ في مساءتى فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي، وترك بري وإجابتي إلى ما سألتك، ووصلتي، فو الله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك، فان استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتى أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد، وعن مساءتى نازع فليفعل، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر منى برضاك وسرورك، وإن رضاك وسرورك أحب إلى من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان الله لصلتى ما بيني وبينك، وإن كنت يا أمير المؤمنين يوما من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو على.
فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد أشفقنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلم يزيد بن المهلب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ننساه، ومن يكفره فلسنا بكافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب، ما أن المنة فيه علينا عظيمة. فقال له: اجلس فجلس فأمنه وكف عنه ورده إلى سليمان، فكان عنده حسن الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الشهية، وكان حظيا عنده لا يهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد ابن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخى سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلى فيهم. فكف الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبى عيينة بن المهلب ألف ألف درهم، ولم يزل يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، ثم ولى يزيد بلاد العراق بعد الحجاج كما أخبره الراهب.
وفيها توفى من الأعيان:
стр. 2910
يتاذوق الطبيب
الحاذق، له مصنفات في فنه وكان حظيا عند الحجاج، مات في حدود سنة تسعين بواسط.
وفيها توفى عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة
وأبو العالية الرياحي وسنان بن سلمة بن المحبّق أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولى غزو الهند، وطال عمره. وتوفى في هذه السنة محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج، وكان أميرا على اليمن، وكان يلعن عليا على المنابر، قيل إنه أمر حجر المنذري أن يلعن عليا فقال: بل لعن الله من يلعن عليا، ولعنة الله على من لعنه الله. وقيل إنه ورى في لعنه فالله أعلم.
خالد بن يزيد بن معاوية
أبو هاشم الأموي الدمشقيّ، وكانت داره بدمشق تلى دار الحجارة، وكان عالما شاعرا، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء، وكان يعرف شيئا من علوم الطبيعة، روى عن أبيه ودحية الكلبي وعنه الزهري وغيره، قال الزهري: كان خالد يصوم الأعياد كلها الجمعة والسبت والأحد - يعنى يوم الجمعة وهو عيد المسلمين، ويوم السبت وهو عيد اليهود، والأحد للنصارى - وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد، وكان ولى العهد من بعد مروان فلم يلتئم له الأمر، وكان مروان زوج أمه، ومن كلامه: أقرب شيء الأجل، وأبعد شيء الأمل، وأرجى شيء العمل، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال:
سألت الندا والجود حرّان أنتما … فردا وقالا إننا لعبيد
فقلت ومن مولا كما فتطاولا … على وقالا خالد بن يزيد
[قال: فأمر له بمائة ألف. قلت: وقد رأيتهما قد أنشدا في خالد بن الوليد ﵁. فقال:
وقالا خالد بن وليد. والله أعلم. وخالد بن يزيد هذا كان أميرا على حمص، وهو الّذي بنى جامع حمص وكان له فيه أربعمائة عبد يعملون، فلما فرغ منه أعتقهم. وكان خالد يبغض الحجاج، وهو الّذي أشار على عبد الملك لما تزوج الحجاج بنت جعفر أن يرسل إليه فيطلقها ففعل. ولما مات مشى الوليد في جنازته وصلى عليه، وكان قد تجدد على خالد اصفرار وضعف، فسأله عبد الملك عن هذا فلم يخبره فما زال حتى أخبره أنه من حب رملة أخت مصعب بن الزبير، فأرسل عبد الملك يخطبها لخالد فقالت: حتى يطلق نساءه فطلقهن وتزوجها وأنشد فيها الشعر] (١) وكانت وفاته في هذا العام، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك، والصحيح الأول.
عبد الله بن الزبير
ابن سليم الأسدي الشاعر أبو كثير، ويقال أبو سعيد، وهو مشهور، وفد على عبد الله بن