وفيها توفى هشام بن إسماعيل
ابن هشام بن الوليد المخزومي المدني، وكان حما عبد الملك بن مروان ونائبة على المدينة، وهو الّذي ضرب سعيد بن المسيب كما تقدم، ثم قدم دمشق فمات بها، وهو أول من أحدث دراسة القرآن بجامع دمشق فمات فيها في السبع.
عمير بن حكيم
العنسيّ الشامي، له رواية، ولم يكن أحد في الشام يستطيع أن يعيب الحجاج علانية إلا هو وابن محيريز أبو الأبيض، قتل في غزوة طوانة من بلاد الروم في هذه السنة.
ثم دخلت سنة تسع وثمانين
فيها غزا مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه العباس بلاد الروم فقتلا خلقا كثيرا وفتحا حصونا كثيرة، منها حصن سورية وعمّورية وهرقلة وقمودية. وغنما شيئا كثيرا وأسرا جما غفيرا. وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الصغد ونسف وكش، وقد لقيه هنالك خلق من الأتراك فظفر بهم فقتلهم، وسار إلى بخارى فلقيه دونها خلق كثير من الترك فقاتلهم يومين وليلتين عند مكان يقال له خرقان، وظفر بهم فقال في ذلك نهار بن توسعة:
وباتت لهم منا بخرقان ليلة … وليلتنا كانت بخرقان أطولا
ثم قصد قتيبة وردان خذاه ملك بخارى فقاتله وردان قتالا شديدا فلم يظفر به قتيبة، فرجع عنه إلى مرو، فجاءه البريد بكتاب الحجاج يعنفه على الفرار والنكول عن أعداء الإسلام، وكتب إليه أن يبعث بصورة هذا البلد - يعنى بخارى - فبعث إليه بصورتها فكتب إليه أن ارجع إليها وتب إلى الله من ذنبك وائتها من مكان كذا وكذا، ورد وردان خذاه، وإياك والتحويط، ودعني وبنيات الطريق.
وفي هذه السنة ولى الوليد بن عبد الملك إمرة مكة لخالد بن عبد الله القسري، فحفر بئرا بأمر الوليد عند ثنية طوى وثنية الحجون، فجاءت عذبة الماء طيبة، وكان يستقى منها الناس. وروى الواقدي: حدثني عمر بن صالح عن نافع مولى بنى مخزوم. قال: سمعت خالد بن عبد الله القسري يقول على منبر مكة وهو يخطب الناس: أيها الناس! أيهما أعظم خليفة الرجل على أهله أم رسوله إليهم؟ والله لو لم تعلموا فضل الخليفة إلا أن إبراهيم خليل الرحمن استسقاه فسقاه ملحا أجاجا، واستسقى الخليفة فسقاه عذبا فراتا - يعنى البئر التي احتفرها بالثنيتين ثنية طوى وثنية الحجون - فكان ينقل ماؤها فيوضع في حوض من أدم إلى جنب زمزم ليعرف فضله على زمزم. قال ثم غارت تلك البئر فذهب ماؤها فلا يدرى أين هو إلى اليوم، وهذا الاسناد غريب، وهذا الكلام يتضمن
стр. 2907
كفرا إن صح عن قائله، وعندي أن خالد بن عبد الله لا يصح عنه هذا الكلام، وإن صح فهو عدو الله، وقد قيل عن الحجاج بن يوسف نحو هذا الكلام من أنه جعل الخليفة أفضل من الرسول الّذي أرسله الله، وكل هذه الأقوال تتضمن كفر قائلها.
وفي هذه السنة غزا قتيبة بن مسلم الترك حتى بلغ باب الأبواب من ناحية أذربيجان، وفتح حصونا ومدائن كثيرة هنالك. وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز. قال شيخنا الذهبي: وفي هذه السنة فتحت صقلّيّة وميورقة وقيل ميرقة، وهما في البحر بين جزيرة صقلّيّة وخدرة من بلاد الأندلس.
وفيها سيّر موسى بن نصير ولده إلى النقريس ملك الفرنج فافتتح بلادا كثيرة. وفيها توفى من الأعيان عبد الله بن ثعلبة بن صعير أحد التابعين العذري الشاعر، وقد قيل إنه أدرك حياة النبي ﷺ ، ومسح على رأسه، وكان الزهري يتعلم منه النسب. والعمال في هذه السنة هم المذكورون في التي قبلها.
ثم دخلت سنة تسعين من الهجرة
فيها غزا مسلمة بن عبد الملك والعباس بن الوليد بلاد الروم، ففتحا حصونا وقتلا خلقا من الروم وغنما وأسرا خلقا كثيرا. وفيها أسرت الروم خالد بن كيسان صاحب البحر، وذهبوا به إلى ملكهم فأهداه ملك الروم إلى الوليد بن عبد الملك. وفيها عزل الوليد أخاه عبد الله بن عبد الملك عن إمرة مصر وولى عليها قرة بن شريك. وفيها قتل محمد بن القاسم ملك السند داهر بن صصّة، وكان محمد بن القاسم هذا على جيش من جهة الحجاج. وفيها فتح قتيبة بن مسلم مدينة بخارى وهزم جميع العدو من الترك بها، وجرت بينهم فصول يطول ذكرها، وقد تقصاها ابن جرير. وفيها طلب طرخون ملك الصغد بعد فتح بخارى من قتيبة أن يصالحه على مال يبذله في كل عام فأجابه قتيبة إلى ذلك وأخذ منه رهنا عليه. وفيها استنجد وردان خذاه بالترك فأتوه من جميع النواحي - وهو صاحب بخارى بعد أخذ قتيبة لها - وخرج وردان خذاه وحمل على المسلمين فحطموهم ثم عاد المسلمون عليهم فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وصالح قتيبة ملك الصغد، وفتح بخارى وحصونها، ورجع قتيبة بالجند إلى بلاده فأذن له الحجاج، فلما سار إلى بلاده بلغه أن صاحب الصغد قال لملوك الترك: إن العرب بمنزلة اللصوص فان أعطوا شيئا ذهبوا، وإن قتيبة هكذا يقصد الملوك، فان أعطوه شيئا أخذه ورجع عنهم، وإن قتيبة ليس بملك ولا يطلب ملكا. فبلغ قتيبة قوله فرجع إليهم فكاتب نيزك ملك الترك ملوك ما وراء النهر منهم ملك الطالقان، وكان قد صالح قتيبة فنقض الصلح الّذي كان بينه وبين قتيبة، واستجاش عليه بالملوك كلها، فأتاه ملوك كثيرة كانوا قد عاهدوا قتيبة على الصلح فنقضوا كلهم وصاروا يدا واحدة على قتيبة، واتعدوا إلى الربيع وتعاهدوا وتعاقدوا على أن يجتمعوا فيقاتلوا كلهم في فصل الربيع من السنة الآتية، فقتل منهم قتيبة في ذلك الحين مقتلة
стр. 2908
عظيمة جدا لم يسمع بمثلها، وصلب منهم سماطين في مسافة أربعة فراسخ في نظام واحد، وذلك مما كسر جموعهم كلهم.
وفي هذه السنة هرب يزيد بن المهلب وأخواه المفضل وعبد الملك من سجن الحجاج، فلحقوا بسليمان بن عبد الملك فأمنهم من الحجاج، وذلك أن الحجاج كان قد احتاط عليهم قبل ذلك وعاقبهم عقوبة عظيمة، وأخذ منهم ستة آلاف ألف، وكان أصبرهم على العقوبة يزيد بن المهلب، كان لا يسمع له صوت ولو فعلوا به ما فعلوا نكاية لذلك، وكان ذلك يغيظ الحجاج، قال قائل للحجاج: إن في ساقه أثر نشابة بقي نصلها فيه، وإنه متى أصابها شيء لا يملك نفسه أن يصرخ، فأمر الحجاج أن ينال ذلك الموضع منه بعذاب، فصاح فلما سمعت أخته هند بنت المهلب - وكانت تحت الحجاج - صوته بكت وناحت عليه فطلقها الحجاج ثم أودعهم السجن، ثم خرج الحجاج إلى بعض المحال لينفذ جيشا إلى الأكراد واستصحبهم معه، فخندق حولهم ووكل بهم الحرس، فلما كان في بعض الليالي أمر يزيد ابن المهلب بطعام كثير فصنع للحرس، ثم تنكر في هيئة بعض الطباخين وجعل لحيته لحية بيضاء وخرج فرآه بعض الحرس فقال: ما رأيت مشية أشبه بمشية يزيد بن المهلب من هذا، ثم تبعه يتحققه، فلما رأى بياض لحيته انصرف عنه، ثم لحقه أخواه فركبوا السفن وساروا نحو الشام، فلما بلغ الحجاج هربهم انزعج لذلك وذهب وهمه أنهم ساروا إلى خراسان، فكتب إلى قتيبة بن مسلم يحذره قدومهم ويأمره بالاستعداد لهم، وأن يرصدهم في كل مكان، ويكتب إلى أمراء الثغور والكور بتحصيلهم.
وكتب إلى أمير المؤمنين يخبره بهربهم، وأنه لا يراهم هربوا إلا إلى خراسان، وخاف الحجاج من يزيد أن يصنع كما صنع ابن الأشعث من الخروج عليه وجمع الناس له، وتحقق عنده قول الراهب.
وأما يزيد بن المهلب فإنه سلك على البطائح وجاءته خيول كان قد أعدها له أخوه مروان بن المهلب لهذا اليوم، فركبها وسلك به دليل من بنى كلب يقال له عبد الجبار بن يزيد، فأخذ بهم على السماوة، وجاء الخبر إلى الحجاج بعد يومين أن يزيد قد سلك نحو الشام، فكتب إلى الوليد يعلمه بذلك، وسار يزيد حتى نزل الأردن على وهيب بن عبد الرحمن الأزدي - وكان كريما على سليمان بن عبد الملك - فسار وهيب إلى سليمان بن عبد الملك فقال له: إن يزيد بن المهلب وأخويه في منزلي، قد جاءوا مستعيذين بك من الحجاج، قال: فاذهب فأتنى بهم فهم آمنون ما دمت حيا، فجاءهم فذهب بهم حتى أدخلهم على سليمان بن عبد الملك، فأمنهم سليمان وكتب إلى أخيه الوليد: إن آل المهلب قد أمنتهم، وإنما بقي للحجاج عندهم ثلاثة آلاف ألف، وهي عندي. فكتب إليه الوليد: لا والله لا أؤمنه حتى تبعث به إلى. فكتب إليه: لا والله لا أبعثه حتى أجيء معه، فأنشدك الله يا أمير المؤمنين أن تفضحني أو تخفرنى في جواري. فكتب إليه: لا والله لا تجيء معه وابعث به إلى في وثاق. فقال يزيد: ابعث
стр. 2909
بى إليه فما أحب أن أوقع بينك وبينه عداوة وحربا، فابعثنى اليه وابعث معى ابنك واكتب إليه بألطف عبارة تقدر عليها فبعثه وبعث معه ابنه أيوب، وقال لابنه: إذا دخلت في الدهليز فادخل مع يزيد في السلسلة، وادخلا عليه كذلك. فلما رأى الوليد ابن أخيه في السلسلة، قال: والله لقد بلغنا من سليمان. ودفع أيوب كتاب أبيه إلى عمه وقال: يا أمير المؤمنين نفسي فداؤك لا تخفر ذمة أبى وأنت أحق من منعها، ولا تقطع منا رجاء من رجا السلامة في جوارنا لمكاننا منك، ولا تذل من رجا العز في الانقطاع إلينا لعزنا بك. ثم قرأ الوليد كتاب سليمان بن عبد الملك فإذا فيه: أما بعد يا أمير المؤمنين فو الله إن كنت لأظن لو استجار بى عدو قد نابذك وجاهدك فأنزلته وأجرته أنك لا تذل جواري ولا تخفره، بل لم أجر إلا سامعا مطيعا، حسن البلاء والأثر في الإسلام هو وأبوه وأهل بيته، وقد بعثت به إليك فان كنت إنما تعد قطيعتي واخفار ذمتي والإبلاغ في مساءتى فقد قدرت إن أنت فعلت، وأنا أعيذك بالله من احتراد قطيعتي وانتهاك حرمتي، وترك بري وإجابتي إلى ما سألتك، ووصلتي، فو الله يا أمير المؤمنين ما تدري ما بقائي وبقاؤك، ولا متى يفرق الموت بيني وبينك، فان استطاع أمير المؤمنين أدام الله سروره أن لا يأتى أجل الوفاة علينا إلا وهو لي واصل ولحقي مؤد، وعن مساءتى نازع فليفعل، ووالله يا أمير المؤمنين ما أصبحت بشيء من أمر الدنيا بعد تقوى الله بأسر منى برضاك وسرورك، وإن رضاك وسرورك أحب إلى من رضائي وسروري، ومما ألتمس به رضوان الله لصلتى ما بيني وبينك، وإن كنت يا أمير المؤمنين يوما من الدهر تريد صلتي وكرامتي وإعظام حقي فتجاوز لي عن يزيد، وكل ما طلبته به فهو على.
فلما قرأ الوليد كتابه قال: لقد أشفقنا على سليمان، ثم دعا ابن أخيه فأدناه منه، وتكلم يزيد بن المهلب فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله ثم قال: يا أمير المؤمنين إن بلاءكم عندنا أحسن البلاء، فمن ينس ذلك فلسنا ننساه، ومن يكفره فلسنا بكافريه، وقد كان من بلائنا أهل البيت في طاعتكم والطعن في أعين أعدائكم في المواطن العظام في المشارق والمغارب، ما أن المنة فيه علينا عظيمة. فقال له: اجلس فجلس فأمنه وكف عنه ورده إلى سليمان، فكان عنده حسن الهيئة، ويصف له ألوان الأطعمة الشهية، وكان حظيا عنده لا يهدى إليه بهدية إلا أرسل له بنصفها، وتقرب يزيد ابن المهلب إلى سليمان بأنواع الهدايا والتحف والتقادم، وكتب الوليد إلى الحجاج إني لم أصل إلى يزيد بن المهلب وأهل بيته مع أخى سليمان، فاكفف عنهم واله عن الكتاب إلى فيهم. فكف الحجاج عن آل المهلب وترك ما كان يطالبهم به من الأموال، حتى ترك لأبى عيينة بن المهلب ألف ألف درهم، ولم يزل يزيد بن المهلب عند سليمان بن عبد الملك حتى هلك الحجاج في سنة خمس وتسعين، ثم ولى يزيد بلاد العراق بعد الحجاج كما أخبره الراهب.
وفيها توفى من الأعيان:
стр. 2910
يتاذوق الطبيب
الحاذق، له مصنفات في فنه وكان حظيا عند الحجاج، مات في حدود سنة تسعين بواسط.
وفيها توفى عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة
وأبو العالية الرياحي وسنان بن سلمة بن المحبّق أحد الشجعان المذكورين، أسلم يوم الفتح، وتولى غزو الهند، وطال عمره. وتوفى في هذه السنة محمد بن يوسف الثقفي أخو الحجاج، وكان أميرا على اليمن، وكان يلعن عليا على المنابر، قيل إنه أمر حجر المنذري أن يلعن عليا فقال: بل لعن الله من يلعن عليا، ولعنة الله على من لعنه الله. وقيل إنه ورى في لعنه فالله أعلم.
خالد بن يزيد بن معاوية
أبو هاشم الأموي الدمشقيّ، وكانت داره بدمشق تلى دار الحجارة، وكان عالما شاعرا، وينسب إليه شيء من علم الكيمياء، وكان يعرف شيئا من علوم الطبيعة، روى عن أبيه ودحية الكلبي وعنه الزهري وغيره، قال الزهري: كان خالد يصوم الأعياد كلها الجمعة والسبت والأحد - يعنى يوم الجمعة وهو عيد المسلمين، ويوم السبت وهو عيد اليهود، والأحد للنصارى - وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان هو وأخوه معاوية من خيار القوم، وقد ذكر للخلافة بعد أخيه معاوية بن يزيد، وكان ولى العهد من بعد مروان فلم يلتئم له الأمر، وكان مروان زوج أمه، ومن كلامه: أقرب شيء الأجل، وأبعد شيء الأمل، وأرجى شيء العمل، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال:
سألت الندا والجود حرّان أنتما … فردا وقالا إننا لعبيد
فقلت ومن مولا كما فتطاولا … على وقالا خالد بن يزيد
[قال: فأمر له بمائة ألف. قلت: وقد رأيتهما قد أنشدا في خالد بن الوليد ﵁. فقال:
وقالا خالد بن وليد. والله أعلم. وخالد بن يزيد هذا كان أميرا على حمص، وهو الّذي بنى جامع حمص وكان له فيه أربعمائة عبد يعملون، فلما فرغ منه أعتقهم. وكان خالد يبغض الحجاج، وهو الّذي أشار على عبد الملك لما تزوج الحجاج بنت جعفر أن يرسل إليه فيطلقها ففعل. ولما مات مشى الوليد في جنازته وصلى عليه، وكان قد تجدد على خالد اصفرار وضعف، فسأله عبد الملك عن هذا فلم يخبره فما زال حتى أخبره أنه من حب رملة أخت مصعب بن الزبير، فأرسل عبد الملك يخطبها لخالد فقالت: حتى يطلق نساءه فطلقهن وتزوجها وأنشد فيها الشعر] (١) وكانت وفاته في هذا العام، وقيل في سنة أربع وثمانين وقد ذكر هناك، والصحيح الأول.
عبد الله بن الزبير
ابن سليم الأسدي الشاعر أبو كثير، ويقال أبو سعيد، وهو مشهور، وفد على عبد الله بن
стр. 2911
الزبير فامتدحه فلم يعطه شيئا فقال: لعن الله ناقة حملتني إليك، فقال ابن الزبير: إنّ وصاحبها، يقال إنه مات في زمن الحجاج.
ثم دخلت سنة إحدى وتسعين
فيها غزا الصائفة مسلمة بن عبد الملك وابن أخيه عبد العزيز بن الوليد، وفيها غزا مسلمة بلاد الترك حتى بلغ الباب من ناحية أذربيجان، ففتح مدائن وحصونا كثيرة أيضا، وكان الوليد قد عزل عمه محمد بن مروان عن الجزيرة وأذربيجان وولاهما أخاه مسلمة بن عبد الملك. وفيها غزا موسى بن نصير بلاد المغرب ففتح مدنا كثيرة ودخل في تلك البلاد وولج فيها حتى دخل أراضى غابرة قاصية فيها آثار قصور وبيوت ليس بها ساكن، ووجد هناك من آثار نعمة أهل تلك البلاد ما يلوح على سماتها أن أهلها كانوا أصحاب أموال ونعمة دارة سائغة، فبادوا جميعا فلا مخبر بها.
وفيها مهد قتيبة بن مسلم بلاد الترك الذين كانوا قد نقضوا ما كانوا عاهدوه عليه من المصالحة، وذلك بعد قتال شديد وحرب يشيب لها الوليد، وذلك أن ملوكهم كانوا قد اتعدوا في العام الماضي في أول الربيع أن يجتمعوا ويقاتلوا قتيبة، وأن لا يولوا عن القتال حتى يخرجوا العرب من بلادهم، فاجتمعوا اجتماعا هائلا لم يجتمعوا مثله في موقف، فكسرهم قتيبة وقتل منهم أمما كثيرة، ورد الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ذكر أنه صلب منهم في بعض المواضع من جملة من أخذه منهم سماطين طولهما أربعة فراسخ من هاهنا وهاهنا، عن يمينه وشماله، صلب الرجل منهم بجنب الرجل، وهذا شيء كثير، وقتل في الكفار قتلا ذريعا، ثم لا يزال يتتبع نيزك خان ملك الترك الأعظم من إقليم إلى إقليم، ومن كورة إلى كورة، ومن رستاق إلى رستاق، ولم يزل ذلك دأبه ودأبه حتى حصره في قلعة هنالك شهرين متتابعين، حتى نفد ما عند نيزك خان من الأطعمة، وأشرف هو ومن معه على الهلاك، فبعث إليه قتيبة من جاء به مستأمنا مذموما مخذولا، فسجنه عنده ثم كتب إلى الحجاج في أمره فجاء الكتاب بعد أربعين يوما بقتله، فجمع قتيبة الأمراء فاستشارهم فيه فاختلفوا عليه، فقائل يقول:
اقتله. وقائل يقول لا تقتله فقال له بعض الأمراء: إنك أعطيت الله عهدا أنك إن ظفرت به لتقتلنه، وقد أمكنك الله منه، فقال قتيبة: والله إن لم يبق من عمري إلا ما يسع ثلاث كلمات لقتلته، ثم قال:
اقتلوه اقتلوه اقتلوه، فقتل هو وسبعمائة من أصحابه من أمرائه في غداة واحدة، وأخذ قتيبة من أموالهم وخيولهم وثيابهم وأبنائهم ونسائهم شيئا كثيرا، وفتح في هذا العام مدنا كثيرة، وقرر ممالك كثيرة.
وأخذ حصونا كثيرة مشحونة بالأموال والنساء، ومن آنية الذهب والفضة شيئا كثيرا، ثم سار قتيبة إلى الطالقان - وهي مدينة كبيرة وبها حصون وأقاليم - فأخذها واستعمل عليها، ثم سار إلى الفارياب وبها مدن ورساتيق، فخرج إليه ملكها سامعا مطيعا، فاستعمل عليها رجلا من أصحابه، ثم سار إلى
стр. 2912
الجوزجان فأخذها من ملكها واستعمل عليها، ثم أتى بلخ فدخلها وأقام بها نهارا واحدا، ثم خرج منها وقصد نيزك خان ببغلان، وقد نزل نيزك خان معسكرا على فم الشعب الّذي منه يدخل إلى بلاده، وفي فم الشعب قلعة عظيمة تسمى شمسية، لعلوها وارتفاعها واتساعها. فقدم على قتيبة الرؤب خان ملك الرؤب وسمنجان، فاستأمنه على أن يدله على مدخل القلعة، فأمنه وبعث معه رجالا إلى القلعة فأتوها ليلا ففتحوها وقتلوا خلقا من أهلها وهرب الباقي، ودخل قتيبة الشعب وأتى سمنجان - وهي مدينة كبيرة - فأقام بها وأرسل أخاه عبد الرحمن خلف ملك تلك المدن والبلاد نيزك خان في جيش هائل، فسار خلفه إلى بغلان فحصره بها، وأقام بحصاره شهرين حتى نفذ ما عنده من الأقوات، فأرسل قتيبة من عنده ترجمانا يسمى الناصح، فقال له: اذهب فائتنى بنيزك خان ولئن عدت إلى وليس هو معك ضربت عنقك. وأرسل قتيبة معه هدايا وأطعمة فاخرة، فسار الترجمان إلى نيزك حتى أتاه وقدم إليه الأطعمة فوقع عليها أصحابه يتخاطفونها - وكانوا قد أجهدهم الجوع - ثم أعطاه الناصح الأمان وحلف له، فقدم به على قتيبة ومعه سبعمائة أمير من أصحابه ومن أهل بيته جماعة.
وكذلك استأمن قتيبة جماعة من الملوك فأمنهم وولى على بلادهم والله أعلم.
قال الواقدي وغيره: وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك، فلما قرب من المدينة أمر عمر بن عبد العزيز أشراف المدينة فتلقوه فرحب بهم وأحسن إليهم، ودخل المدينة النبويّة فأخلى له المسجد النبوي، فلم يبق به أحد سوى سعيد بن المسيب لم يتجاسر أحد أن يخرجه، وإنما عليه ثياب لا تساوى خمسة دراهم، فقالوا له: تنح عن المسجد أيها الشيخ، فان أمير المؤمنين قادم، فقال: والله لا أخرج منه، فدخل الوليد المسجد فجعل يدور فيه يصلى هاهنا وهاهنا ويدعو الله ، قال عمر بن عبد العزيز: وجعلت أعدل به عن موضع سعيد خشية أن يراه، فحانت منه التفاتة فقال: من هذا هو سعيد بن المسيب؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ولو علم بأنك قادم لقام إليك وسلم عليك. فقال: قد علمت بغضه لنا، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه وإنه، وشرعت أثنى عليه، وشرع الوليد يثنى عليه بالعلم والدين، فقلت: يا أمير المؤمنين إنه ضعيف البصر - وإنما قلت ذلك لأعتذر له - فقال: نحن أحق بالسعي إليه، فجاء فوقف عليه فسلم عليه فلم يقم له سعيد، ثم قال الوليد: كيف الشيخ؟ فقال: بخير والحمد لله، كيف أمير المؤمنين؟ فقال: الوليد: بخير والحمد لله وحده، ثم انصرف وهو يقول لعمر بن عبد العزيز: هذا فقيه الناس. فقال: أجل يا أمير المؤمنين.
قالوا: ثم خطب الوليد على منبر رسول الله ﷺ فجلس في الخطبة الأولى وانتصب في الثانية، قال وقال: هكذا خطب عثمان، ثم انصرف فصرف على الناس من أهل المدينة ذهبا كثيرا وفضة كثيرة، ثم كسا المسجد النبوي كسوة من كسوة الكعبة التي معه، وهي من ديباج غليظ.
стр. 2913
وتوفى في هذه السنة
السائب بن يزيد بن سعد بن ثمامة،
وقد حج به أبوه مع رسول الله ﷺ وكان عمر السائب سبع سنين، رواه البخاري فلهذا قال الواقدي: إنه ولد سنة سنة ثلاث من الهجرة، وتوفى سنة إحدى وتسعين. وقال غيره: سنة ست وقيل ثمان وثمانين، فالله أعلم.
سهل بن سعد الساعدي
صحابى مدني جليل، توفى رسول الله ﷺ وله من العمر خمس عشرة سنة، وكان ممن ختمه الحجاج في عنقه هو وأنس بن مالك وجابر بن عبد الله في يده، ليذلهم كيلا يسمع الناس من رأيهم، قال الواقدي: توفى سنة إحدى وتسعين عن مائة سنة، وهو آخر من مات في المدينة من الصحابة.
قال محمد بن سعد: ليس في هذا خلاف، وقد قال البخاري وغيره: توفى سنة ثمان وثمانين فالله أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين
فيها غزا مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد بلاد الروم ففتحا حصونا كثيرة وغنما شيئا كثيرا وهربت منهم الروم إلى أقصى بلادهم، وفيها غزا طارق بن زياد مولى موسى بن نصير [بلاد الأندلس في اثنى عشر ألفا، فخرج إليه ملكها أذريقون في جحافلة وعليه تاجه ومعه سرير ملكه، فقاتله طارق فهزمه وغنم ما في معسكره، فكان من جملة ذلك السرير، وتملك بلاد الأندلس بكمالها، قال الذهبي:
كان طارق بن زياد أمير طنجة وهي أقصى بلاد المغرب، وكان نائبا لمولاه موسى بن نصير] (١)، فكتب إليه صاحب الجزيرة الخضراء يستنجد به على عدوه، فدخل طارق إلى جزيرة الأندلس من زقاق سبتة وانتهز الفرصة لكون الفرنج قد اقتتلوا فيما بينهم، وأمعن طارق في بلاد الأندلس فافتتح قرطبة وقتل ملكها ادرينوق، وكتب إلى موسى بن نصير بالفتح، فحسده موسى على الانفراد بهذا للفتح، وكتب إلى الوليد يبشره بالفتح وينسبه إلى نفسه، وكتب إلى طارق يتوعده لكونه دخل بغير أمره، ويأمره أن لا يتجاوز مكانه حتى يلحق به، ثم سار إليه مسرعا بجيوشه فدخل الأندلس ومعه حبيب بن أبى عبيدة الفهري، فأقام سنين يفتح في بلاد الأندلس ويأخذ المدن والأموال، ويقتل الرجال ويأسر النساء والأطفال، فغنم شيئا لا يحد ولا يوصف ولا يعد، من الجواهر واليواقيت والذهب والفضة، ومن آنية الذهب والفضة والإناث والخيول والبغال وغير ذلك شيئا كثيرا، وفتح من الأقاليم الكبار والمدن شيئا كثيرا. وكان مما فتح مسلمة وابن أخيه عمر بن الوليد من حصون بلاد الروم حصن سوسنة وبلغا إلى خليج القسطنطينية.
وفيها فتح قتيبة بن مسلم شومان وكش ونسف، وامتنع عليه أهل فرياب فأحرقها، وجهز أخاه عبد الرحمن إلى الصغد إلى طرخون خان ملك تلك البلاد، فصالحه عبد الرحمن وأعطاه طرخون خان
стр. 2914
أموالا كثيرة، وقدم على أخيه وهو ببخارى فرجع إلى مرو، ولما صالح طرخون عبد الرحمن ورحل عنه اجتمعت الصغد وقالوا لطرخون: إنك قد بؤت بالذل، وأديت الجزية، وأنت شيخ كبير، فلا حاجة لنا فيك، ثم عزلوه وولوا عليهم غورك خان - أخاطر خون خان - ثم إنهم عصوا ونقضوا العهد، وكان من أمرهم ما سيأتي.
وفيها غزا قتيبة سجستان يريد رتبيل ملك الترك الأعظم، فلما انتهى إلى أول مملكة رتبيل تلقته رسله يريدون منه الصلح على أموال عظيمة، خيول ورقيق ونساء من بنات الملوك، يحمل ذلك إليه، فصالحه. وحج بالناس فيها عمر بن عبد العزيز نائب المدينة.
وتوفى فيها من الأعيان
مالك بن أوس
بن الحدثان النضري، أبو سعيد المدني، مختلف في صحبته، قال بعضهم: ركب الخيل في الجاهلية ورأى أبا بكر، وقال محمد بن سعد: رأى رسول الله ﷺ ولم يحفظ منه شيئا، وأنكر ذلك ابن معين والبخاري وأبو حاتم، وقالوا: لا تصح له صحبة والله أعلم. مات في هذه السنة وقيل في التي قبلها فالله أعلم.
طويس المغنى
اسمه عيسى بن عبد الله أبو عبد المنعم المدني مولى بنى مخزوم، كان بارعا في صناعته، وكان طويلا مضطربا أحول العين، وكان مشئوما، لأنه ولد يوم مات رسول الله ﷺ ، وفطم يوم توفى الصديق، واحتلم يوم قتل عمر، وتزوج يوم قتل عثمان، وولد له يوم قتل الحسين بن على، وقيل ولد له يوم قتل على. حكاه ابن خلكان وغيره. وكانت وفاته في هذه السنة عن ثنتين وثمانين سنة بالسويد - وهي على مرحلتين من المدينة -
الأخطل
كان شاعرا مطبقا، فاق أقرانه في الشعر.
ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين
وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك حصونا كثيرة من بلاد الروم، منها حصن الحديد وغزالة وماسة وغير ذلك. وفيها غزا العباس بن الوليد ففتح سمسطية. وفيها غزا مروان بن الوليد الروم حتى بلغ حنجرة. وفيها كتب خوارزم شاه إلى قتيبة يدعوه إلى الصلح وأن يعطيه من بلاده مدائن، وأن يدفع إليه أموالا ورقيقا كثيرا على أن يقاتل أخاه ويسلمه إليه، فإنه قد أفسد في الأرض وبغى على الناس وعسفهم، وكان أخوه هذا لا يسمع بشيء حسن عند أحد إلا بعث إليه فأخذه منه، سواء كان مالا أو نساء أو صبيانا أو دوابّ أو غيره، فأقبل قتيبة نصره الله في الجيوش فسلم إليه خوارزم شاه ما صالحه عليه، وبعث قتيبة إلى بلاد أخى خوارزم شاه جيشا فقتلوا منهم خلقا كثيرا وأسروا أخاه ومعه أربعة آلاف أسير من كبارهم، فدفع أخاه إليه، وأمر قتيبة بالأسارى فضربت أعناقهم بحضرته، قيل ألفا بين يديه وألفا عن يمينه وألفا عن شماله وألفا من وراء ظهره، ليرهب بذلك الأعداء من الأتراك وغيرهم.
стр. 2915
فتح سمرقند
وذلك أن قتيبة لما فرغ من هذا كله وعزم على الرجوع إلى بلاده، قال له بعض الأمراء: إن أهل الصغد قد أمّنوك عامك هذا، فان رأيت أن تعدل إليهم وهم لا يشعرون، فإنك متى فعلت ذلك أخذتها إن كنت تريدها يوما من الدهر. فقال قتيبة لذلك الأمير: هل قلت هذا لأحد؟ قال:
لا! قال فلأن يسمعه منك أحد أضرب عنقك. ثم بعث قتيبة أخاه عبد الرحمن بن مسلم بين يديه في عشرين ألفا فسبقه إلى سمرقند، ولحقه قتيبة في بقية الجيش، فلما سمعت الأتراك بقدومهم إليهم انتخبوا من بينهم كل شديد السطوة من أبناء الملوك والأمراء، وأمروهم أن يسيروا إلى قتيبة في الليل فيكبسوا جيش المسلمين، وجاءت الأخبار إلى قتيبة بذلك فجرد أخاه صالحا في ستمائة فارس من الأبطال الذين لا يطاقون، وقال: خذوا عليهم الطريق، فساروا فوقفوا لهم في أثناء الطريق وتفرقوا ثلاث فرق، فلما اجتازوا بهم بالليل - وهم لا يشعرون بهم - نادوا عليهم فاقتتل المسلمون هم وإياهم، فلم يفلت من أولئك الأتراك إلا النفر اليسير واحتزوا رءوسهم وغنموا ما كان معهم من الاسلحة المحلاة بالذهب، والأمتعة، وقال لهم بعض أولئك: تعلمون أنكم لم تقتلوا في مقامكم هذا إلا ابن ملك أو بطل من الأبطال المعدودين بمائة فارس أو بألف فارس، فنفلهم قتيبة جميع ما غنموه منهم من ذهب وسلاح، واقترب من المدينة العظمى التي بالصغد - وهي سمرقند - فنصب عليها المجانيق فرماها بها، وهو مع ذلك يقاتلهم لا يقلع عنهم، وناصحه من معه عليها من بخارى وخوارزم، فقاتلوا أهل الصغد قتالا شديدا، فأرسل إليه غورك ملك الصغد: إنما تقاتلني بإخواني وأهل بيتي، فاخرج إلى في العرب. فغضب عند ذلك قتيبة وميز العرب من العجم وأمر العجم باعتزالهم، وقدم الشجعان من العرب وأعطاهم جيد السلاح، وانتزعه من أيدي الجبناء، وزحف بالأبطال على المدينة ورماها بالمجانيق، فثلم فيها ثلمة فسدها الترك بغرار الدخن، وقام رجل منهم فوقها فجعل يشتم قتيبة فرماه رجل من المسلمين بسهم فقلع عينه حتى خرجت من قفاه. فلم يلبث أن مات قبحه الله، فأعطى قتيبة الّذي رماه عشرة آلاف، ثم دخل الليل، فلما أصبحوا رماهم بالمجانيق فثلم أيضا ثلمة وصعد المسلمون فوقها، وتراموا هم وأهل البلد بالنشاب، فقالت الترك لقتيبة: ارجع عنا يومك هذا ونحن نصالحك غدا، فرجع عنهم وصالحوه من الغد على ألفى ألف ومائة ألف يحملونها إليه في كل عام، وعلى أن يعطوه في هذه السنة ثلاثين ألف رأس من الرقيق، ليس فيهم صغير ولا شيخ ولا عيب، وفي رواية مائة ألف من رقيق، وعلى أن يأخذ حلية الأصنام وما في بيوت النيران، وعلى أن يخلوا المدينة من المقاتلة حتى يبنى فيها قتيبة مسجدا، ويوضع له فيه منبر يخطب عليه، ويتغدى ويخرج. فأجابوه إلى ذلك، فلما دخلها قتيبة دخلها ومعه أربعة آلاف من الأبطال - وذلك بعد أن بنى المسجد
стр. 2916
ووضع فيه المنبر - فصلى في المسجد وخطب وتغدى وأتى بالأصنام التي لهم فسلبت بين يديه، وألقيت بعضها فوق بعض، حتى صارت كالقصر العظيم، ثم أمر بتحريقها، فتصارخوا وتباكوا وقال المجوس: إن فيها أصناما قديمة من أحرقها هلك، وجاء الملك غورك فنهى عن ذلك، وقال لقتيبة:
إني لك ناصح، فقام قتيبة وأخذ في يده شعلة نار وقال: أنا أحرقها بيدي فيكدونى جميعا ثم لا تنظرون، ثم قام إليها وهو يكبر الله ، وألقى فيها النار فاحترقت، فوجد من بقايا ما كان فيها من الذهب خمسون ألف مثقال من ذهب. وكان من جملة ما أصاب قتيبة في السبي جارية من ولد يزدجرد، فأهداها إلى الوليد فولدت له يزيد بن الوليد، ثم استدعى قتيبة بأهل سمرقند فقال لهم: إني لا أريد منكم أكثر مما صالحتكم عليه، ولكن لا بد من جند يقيمون عندكم من جهتنا.
فانتقل عنها ملكها غورك خان فتلا قتيبة ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى * وَثَمُودَ فَما أَبْقى﴾ الآيات ثم ارتحل عنها قتيبة إلى بلاد مرو، واستخلف على سمرقند أخاه عبد الله بن مسلم، وقال له: لا تدع مشركا يدخل باب سمرقند إلا مختوم اليد، ثم لا تدعه بها إلا مقدار ما تجف طينة ختمه، فان جفت وهو بها فأقتله، ومن رأيت منهم ومعه حديدة أو سكينة فأقتله بها، وإذا أغلقت الباب فوجدت بها أحدا فأقتله، فقال في ذلك كعب الأشقري - ويقال هي لرجل من جعفي: -
كل يوم يحوى قتيبة نهبا … ويزيد الأموال مالا جديدا
بأهلي قد ألبس التاج حتى … شاب منه مفارق كن سودا
دوّخ الصغد بالكتائب حتى … ترك الصغد بالعراء قعودا
فوليد يبكى لفقد أبيه … وأب موجع يبكى الوليدا
كلما حل بلدة أو أتاها … تركت خيله بها أخدودا
وفي هذه السنة عزل موسى بن نصير نائب بلاد المغرب مولاه طارقا عن الأندلس، وكان قد بعثه إلى مدينة طليطلة ففتحها فوجد فيها مائدة سليمان بن داود ﵉، وفيها من الذهب والجواهر شيء كثير جدا، فبعثوا بها إلى الوليد بن عبد الملك، فما وصلت إليه حتى مات وتولى أخوه سليمان بن عبد الملك، فوصلت مائدة سليمان ﵇ إلى سليمان على ما سيأتي بيانه في موضعه، وكان فيها ما يبهر العقول، لم ير منظر أحسن منها. واستعمل موسى بن نصير مكان مولاه ولده عبد العزيز بن موسى بن نصير. وفيها بعث موسى بن نصير العساكر وبثها في بلاد المغرب، فافتتحوا مدنا كثيرة من جزيرة الأندلس منها قرطبة وطنجة، ثم سار موسى بنفسه إلى غرب الأندلس فافتتح مدينة باجة والمدينة البيضاء وغيرهما من المدن الكبار والأقاليم، ومن القرى والرساتيق شيء كثير، وكان لا يأتى مدينة فيبرح عنها حتى يفتحها أو ينزلوا على حكمه، وجهز البعوث والسرايا غربا
стр. 2917
وشرقا وشمالا، فجعلوا يفتتحون المغرب بلدا بلدا، وإقليما إقليما، ويغنمون الأموال ويسبون الذراري والنساء، ورجع موسى بن نصير بغنائم وأموال وتحف لا تحصى ولا تعد كثرة.
وفيها قحط أهل إفريقية وأجدبوا جدبا شديدا، فخرج بهم موسى بن نصير يستسقى بهم، فما زال يدعو حتى انتصف النهار، فلما أراد أن ينزل عن المنبر قيل له: ألا تدعو لأمير المؤمنين؟ قال:
ليس هذا الموضع موضع ذاك، فلما قال هذه المقالة أرسل الله عليهم الغيث فأمطروا مطرا غزيرا وحسن حالهم، وأخصبت بلادهم. وفيها ضرب عمر بن عبد العزيز خبيب بن عبد الله بن الزبير خمسين سوطا بأمر الوليد له في ذلك، وصب فوق رأسه قربة من ماء بارد في يوم شتاء بارد، وأقامه على باب المسجد يوم ذلك فمات ﵀. وكان عمر بن عبد العزيز بعد موت خبيب شديد الخوف لا يأمن، وكان إذا بشر بشيء من أمر الآخرة يقول: وكيف وخبيب لي بالطريق؟ وفي رواية يقول هذا إذا لم يكن خبيب في الطريق، ثم يصيح صياح المرأة الثكلى، وكان إذا أثنى عليه يقول:
خبيب وما خبيب إن نجوت منه فأنا بخير. وما زال على المدينة إلى أن ضرب خبيبا فمات فاستقال وركبه الحزن والخوف من حينئذ، وأخذ في الاجتهاد في العبادة والبكاء، وكانت تلك هفوة منه وزلة، ولكن حصل له بسببها خير كثير، من عبادة وبكاء وحزن وخوف وإحسان وعدل وصدقة وبر وعتق وغير ذلك.
وفيها افتتح محمد بن القاسم - وهو ابن عم الحجاج بن يوسف - مدينة الدبيل وغيرها من بلاد الهند وكان قد ولاه الحجاج غزو الهند وعمره سبع عشرة سنة، فسار في الجيوش فلقوا الملك داهر - وهو ملك الهند - في جمع عظيم ومعه سبع وعشرون فيلا منتخبة، فاقتتلوا فهزمهم الله وهرب الملك داهر، فلما كان الليل أقبل الملك ومعه خلق كثير جدا فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل الملك داهر وغالب من معه، وتبع المسلمون من انهزم من الهنود فقتلوه. ثم سار محمد بن القاسم فافتتح مدينة الكبرج وبرها ورجع بغنائم كثيرة وأموال لا تحصى كثرة، من الجواهر والذهب وغير ذلك [فكانت سوق الجهاد قائمة في بنى أمية ليس لهم شغل إلا ذلك، قد علت كلمة الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها، وبرها وبحرها، وقد أذلوا الكفر وأهله، وامتلأت قلوب المشركين من المسلمين رعبا، لا يتوجه المسلمون إلى قطر من الأقطار إلا أخذوه، وكان في عساكرهم وجيوشهم في الغزو الصالحون والأولياء والعلماء من كبار التابعين، في كل جيش منهم شرذمة عظيمة ينصر الله بهم دينه. فقتيبة ابن مسلم يفتح في بلاد الترك، يقتل ويسبى ويغنم، حتى وصل إلى تخوم الصين، وأرسل إلى ملكه يدعوه، فخاف منه وأرسل له هدايا وتحفا وأموالا كثيرة هدية، وبعث يستعطفه مع قوته وكثرة جنده، بحيث إن ملوك تلك النواحي كلها تؤدى إليه الخراج خوفا منه. ولو عاش الحجاج لما أقلع عن بلاد]
стр. 2918
الصين، ولم يبق إلا أن يلتقى مع ملكها، فلما مات الحجاج رجع الجيش كما مر. ثم إن قتيبة قتل بعد ذلك، قتله بعض المسلمين. ومسلمة بن عبد الملك بن مروان وابن أمير المؤمنين الوليد وأخوه الآخر يفتحون في بلاد الروم ويجاهدون بعساكر الشام حتى وصلوا إلى القسطنطينية، وبنى بها مسلمة جامعا يعبد الله فيه، وامتلأت قلوب الفرنج منهم رعبا. ومحمد بن القاسم ابن أخى الحجاج يجاهد في بلاد الهند ويفتح مدنها في طائفة من جيش العراق وغيرهم. وموسى بن نصير يجاهد في بلاد المغرب ويفتح مدنها وأقاليمها في جيوش الديار المصرية وغيرهم. وكل هذه النواحي إنما دخل أهلها في الإسلام وتركوا عبادة الأوثان. وقبل ذلك قد كان الصحابة في زمن عمر وعثمان فتحوا غالب هذه النواحي ودخلوا في مبانيها، بعد هذه الأقاليم الكبار، مثل الشام ومصر والعراق واليمن وأوائل بلاد الترك، ودخلوا إلى ما وراء النهر وأوائل بلاد المغرب، وأوائل بلاد الهند. فكان سوق الجهاد قائما في القرن الأول من بعد الهجرة إلى انقضاء دولة بنى أمية وفي أثناء خلافة بنى العباس مثل أيام المنصور وأولاده، والرشيد وأولاده، في بلاد الروم والترك والهند. وقد فتح محمود سبكتكين وولده في أيام ملكهم بلادا كثيرة من بلاد الهند، ولما دخل طائفة ممن هرب من بنى أمية إلى بلاد المغرب وتملكوها أقاموا سوق الجهاد في الفرنج بها. ثم لما بطل الجهاد من هذه المواضع رجع العدو إليها فأخذ منها بلادا كثيرة، وضعف الإسلام فيها، ثم لما استولت دولة الفاطميين على الديار المصرية والشامية، وضعف الإسلام وقلّ ناصروه، وجاء الفرنج فأخذوا غالب بلاد الشام حتى أخذوا بيت المقدس وغيره من البلاد الشامية، فأقام الله سبحانه بنى أيوب مع نور الدين، فاستلبوها من أيديهم وطردوهم عنه، فلله الحمد والمنة، وسيأتي ذلك كله في مواضعه إن شاء الله تعالى] (١) وفيها عزل الوليد عمر بن عبد العزيز عن إمرة المدينة، وكان سبب ذلك، أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى الوليد يخبره عن أهل العراق أنهم في ضيم وضيق مع الحجاج من ظلمه وغشمه، فسمع بذلك الحجاج فكتب إلى الوليد: إن عمر ضعيف عن إمرة المدينة ومكة، وهذا وهن وضعف في الولاية، فاجعل على الحرمين من يضبط أمرهما. فولى على المدينة عثمان بن حيان، وعلى مكة خالد بن عبد الله القسري، وفعل ما أمره به الحجاج. فخرج عمر بن عبد العزيز من المدينة في شوال فنزل السويداء، وقدم عثمان بن حيان المدينة لليلتين بقيتا من شوال من هذه السنة.
وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الوليد بن عبد الملك.
وممن توفى في هذه السنة من الأعيان:
أنس بن مالك
ابن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار، أبو حمزة
стр. 2919
ويقال أبو ثمامة الأنصاري النجاري، خادم رسول الله ﷺ وصاحبه، وأمه أم حرام مليكة بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام، زوجة أبى طلحة زيد بن سهل الأنصاري. روى عن رسول الله ﷺ أحاديث جمة، وأخبر بعلوم مهمة. وروى عن أبى بكر وعمر وعثمان وابن مسعود وغيرهم.
وحدث عنه خلق من التابعين، قال أنس: قدم رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن عشر سنين، وتوفى وأنا ابن عشرين سنة. وقال محمد بن عبد الله الأنصاري عن أبيه عن ثمامة قال قيل لأنس:
أشهدت بدرا؟ فقال: وأين أغيب عن بدر لا أم لك؟ قال الأنصاري: شهدها يخدم رسول الله ﷺ . قال شيخنا الحافظ أبو الحجاج المزي: لم يذكر ذلك أحد من أصحاب المغازي، قلت:
الظاهر أنه إنما شهد ما بعد ذلك من المغازي والله أعلم.
وقد ثبت أن أمه أتت به -
وفي رواية عمه زوج أمه أبو طلحة - إلى رسول الله ﷺ فقالت:
يا رسول الله هذا أنس خادم لبيب يخدمك، فوهبته منه فقبله، وسألته أن يدعو له فقال: «اللهمّ أكثر ماله وولده وأدخله الجنة». وثبت عنه أنه قال: كنّانى رسول الله ﷺ بنخلة كنت أجتنيها.
وقد استعمله أبو بكر ثم عمر على عمالة البحرين وشكراه في ذلك، وقد انتقل بعد النبي ﷺ فسكن البصرة، وكان له بها أربع دور، وقد ناله أذى من جهة الحجاج، وذلك في فتنة ابن الأشعث، توهم الحجاج منه أنه له مداخلة في الأمر، وأنه أفتى فيه، فختمه الحجاج في عنقه، هذا عنق الحجاج، وقد شكاه أنس كما قدمنا إلى عبد الملك، فكتب إلى الحجاج يعنفه، ففزع الحجاج من ذلك وصالح أنسا. وقد وفد أنس على الوليد بن عبد الملك في أيام ولايته، قيل في سنة ثنتين وتسعين، وهو يبنى جامع دمشق، قال مكحول: رأيت أنسا يمشى في مسجد دمشق فقمت إليه فسألته عن الوضوء من الجنازة فقال: لا وضوء. وقال الأوزاعي: حدثني إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر قال: قدم أنس على الوليد فقال له الوليد: ماذا سمعت من رسول الله ﷺ يذكر به الساعة؟
فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «أنتم والساعة كهاتين». ورواه عبد الرزاق بن عمر عن إسماعيل قال: قدم أنس على الوليد في سنة ثنتين وتسعين فذكره. وقال الزهري: دخلت على أنس بن مالك بدمشق وهو يبكى فقلت: ما يبكيك؟ قال: لا أعرف مما كان رسول الله ﷺ وأصحابه إلا هذه الصلاة، وقد صنعتم فيها ما صنعتم. وفي رواية وهذه الصلاة قد ضيعت - يعنى ما كان يفعله خلفاء بنى أمية من تأخير الصلاة إلى آخر وقتها الموسع - كانوا يواظبون على التأخير إلا عمر بن عبد العزيز في أيام خلافته كما سيأتي،
وقال عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن جعفر بن سليمان عن ثابت عن أنس. قال:
جاءت بى أمى إلى رسول الله ﷺ وأنا غلام فقالت: يا رسول الله خويدمك أنيس فادع الله له.
فقال: «اللهمّ أكثر ماله وولده وأدخله الجنة». قال: فقد رأيت اثنتين وأنا أرجو الثالثة، وفي
стр. 2920
رواية قال أنس: فو الله إن مالي لكثير حتى نخلي وكرمي ليثمر في السنة مرتين، وإن ولدى وولد ولدى ليتعادّون على نحو المائة، وفي رواية وإن ولدى لصلبى مائة وستة. ولهذا الحديث طرق كثيرة وألفاظ منتشرة جدا، وفي رواية قال أنس: وأخبرتنى بنتي آمنة أنه دفن لصلبى إلى حين مقدم الحجاج عشرون ومائة. وقد تقصى ذلك بطرقه وأسانيده وأورد ألفاظه الحافظ ابن عساكر في ترجمة أنس، وقد أوردنا طرفا من ذلك في كتاب دلائل النبوة في أواخر السيرة ولله الحمد. وقال ثابت لأنس: هل مسّت يدك كفّ رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم! قال فأعطنيها أقبلها، وقال محمد ابن سعد عن مسلم بن إبراهيم عن المثنى بن سعيد الذراع قال: سمعت أنس بن مالك يقول: ما من ليلة إلا وأنا أرى فيها حبيبي رسول الله ﷺ ثم يبكى. وقال محمد بن سعد عن أبى نعيم عن يونس ابن أبى إسحاق عن المنهال بن عمرو. قال: كان أنس صاحب نعل رسول الله ﷺ وإدواته، وقال أبو داود: ثنا الحكم بن عطية عن ثابت عن أنس. قال: إني لأرجو أن ألقى رسول الله ﷺ فأقول: يا رسول الله خويدمك.
وقال الامام أحمد: حدثنا يونس ثنا حرب بن ميمون عن النضر بن أنس عن أنس. قال:
سألت رسول الله ﷺ أن يشفع لي يوم القيامة: «قال أنا فاعل، قلت فأين أطلبك يوم القيامة يا نبي الله؟ قال: اطلبنى أول ما تطلبنى على الصراط، قلت: فإذا لم ألقك؟ قال: فأنا عند الميزان، قلت: فان لم ألقك عند الميزان؟ قال فأنا عند الحوض لا أخطئ هذه الثلاثة المواطن يوم القيامة».
ورواه الترمذي وغيره من حديث حرب بن ميمون أبى الخطاب صاحب الأعمش الأنصاري به وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. وقال شعبة عن ثابت قال قال أبو هريرة: ما رأيت أحدا أشبه صلاة برسول الله ﷺ من ابن أم سليم - يعنى أنس بن مالك - وقال ابن سيرين: كان أحسن الناس صلاة في الحضر والسفر. وقال أنس: خذ منى فأنا أخذت من رسول الله ﷺ عن الله ، ولست تجد أوثق منى. وقال معتمر بن سليمان عن أبيه سمعت أنسا يقول: ما بقي أحد صلى إلى القبلتين غيري. وقال محمد بن سعد: حدثنا عفان حدثني شيخ لنا يكنى أبا جناب سمعت الحريري يقول: أحرم أنس من ذات عرق فما سمعناه متكلما إلا بذكر الله حتى أحل، فقال لي: يا ابن أخى هكذا الإحرام. وقال صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: دخل علينا أنس يوم الجمعة ونحن في بعض أبيات أزواج النبي ﷺ نتحدث فقال: مه، فلما أقيمت الصلاة قال: إني لأخاف أن أكون قد أبطلت جمعتي بقولي لكم مه. وقال ابن أبى الدنيا: ثنا بشار ابن موسى الخفاف ثنا جعفر بن سليمان عن ثابت قال: كنت مع أنس فجاءت قهرمانة فقالت يا أبا حمزة عطشت أرضنا، قال فقام أنس فتوضأ وخرج إلى البرية فصلى ركعتين ثم دعا فرأيت السحاب
стр. 2921
يلتئم ثم أمطرت حتى خيل إلينا أنها ملأت كل شيء، فلما سكن المطر بعث أنس بعض أهله فقال:
انظر أين بلغت السماء، فنظر فلم تعد أرضه إلا يسيرا.
وقال الامام أحمد: حدثنا معاذ بن معاذ ثنا ابن عون عن محمد قال: كان أنس إذا حدث عن رسول الله ﷺ حدثنا ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ . وقال الأنصاري عن ابن عوف عن محمد قال: بعث أمير من الأمراء إلى أنس شيئا من الفيء فقال أخمس؟ قال: لا، فلم يقبله: وقال النضر بن شداد عن أبيه: مرض أنس فقيل له ألا ندعو لك الطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضنى.
وقال حنبل بن إسحاق: ثنا أبو عبد الله الرقاشيّ ثنا جعفر بن سليمان ثنا على بن يزيد قال: كنت في القصر مع الحجاج وهو يعرض الناس ليالي ابن الأشعث، فجاء أنس بن مالك فقال الحجاج: هي يا خبيث، جوال في الفتن، مرة مع على، ومرة مع ابن الزبير، ومرة مع ابن الأشعث، أما والّذي نفس الحجاج بيده لأستأصلنك كما تستأصل الصمغة، ولأجردنك كما تجرد الضب. قال يقول أنس:
إياي يعنى الأمير؟ قال إياك أعنى، أصم الله سمعك، قال فاسترجع أنس، وشغل الحجاج فخرج أنس فتبعناه إلى الرحبة، فقال: لولا أنى ذكرت ولدى - وفي رواية لولا أنى ذكرت أولادي الصغار - وخفته عليهم ما باليت أي قتل أقتل، ولكلمته بكلام في مقامي هذا لا يستخفني بعده أبدا. وقد ذكر أبو بكر بن عياش أن أنسا بعث إلى عبد الملك يشكو إليه الحجاج ويقول: والله لو أن اليهود والنصارى رأوا من خدم نبيهم لأكرموه، وأنا قد خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين.
فكتب عبد الملك إلى الحجاج كتابا فيه كلام جد وفيه: إذا جاءك كتابي هذا فقم إلى أبى حمزة فترضّاه وقبّل يده ورجله، وإلا حل بك منى ما تستحقه. فلما جاء كتاب عبد الملك إلى الحجاج بالغلظة والشدة، همّ أن ينهض إليه فأشار عليه إسماعيل بن عبد الله بن أبى المهاجر، الّذي قدم بالكتاب أن لا يذهب إلى أنس، وأشار على أنس أن يبادر إلى الحجاج بالمصالحة - وكان إسماعيل صديق الحجاج - فجاء أنس فقام إليه الحجاج يتلقاه، وقال: إنما مثلي ومثلك إياك أعنى واسمعي يا جارة. أردت أن لا يبقى لأحد على منطق.
وقال ابن قتيبة: كتب عبد الملك إلى الحجاج - لما قال لأنس ما قال -: يا ابن المستفرمة عجب الزبيب لقد هممت أن أركلك ركلة تهوى بها إلى نار جهنم، قاتلك الله أخيفش العينين، أفيتل الرجلين، أسود العاجزين - ومعنى قوله المستقرة عجب الزبيب - أي تضيق فرجها عند الجماع به، ومعنى أركلك أي أرفسك برجلي، وسيأتي بسط ذلك في ترجمة الحجاج في سنة خمس وتسعين. وقال أحمد بن صالح العجليّ: لم يبتل أحد من الصحابة إلا رجلين، معيقيب كان به الجذام، وأنس بن مالك كان به وضح. وقال الحميدي عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى جعفر قال:
стр. 2922
رأيت أنسا يأكل فرأيته يلقم لقما عظاما، ورأيت به وضحا شديدا. وقال أبو يعلى: ثنا عبد الله ابن معاذ بن يزيد عن أيوب قال: ضعف أنس عن الصوم فصنع طعاما ودعا ثلاثين مسكينا فأطعمهم.
وذكره البخاري تعليقا. وقال شعبة عن موسى السنبلاوى قلت لأنس: أنت آخر من بقي من أصحاب رسول الله ﷺ ؟ قال: قد بقي قوم من الأعراب، فأما من أصحابه فأنا آخر من بقي، وقيل له في مرضه: ألا ندعو لك طبيبا؟ فقال: الطبيب أمرضنى، وجعل يقول: لقّنونى لا إله إلا الله وهو محتضر، فلم يزل يقولها حتى قبض. وكانت عنده عصيّة من رسول الله ﷺ فأمر بها فدفنت معه.
قال عمر بن شبّة وغير واحد: مات وله مائة وسبع سنين، وقال الامام أحمد في مسندة: ثنا معتمر بن سليمان عن حميد أن أنسا عمّر مائة سنة غير ستة، قال الواقدي: وهو آخر من مات من الصحابة بالبصرة، وكذا قال على بن المديني والفلاس وغير واحد. وقد اختلف المؤرخون في سنة وفاته، فقيل سنة تسعين، وقيل إحدى وتسعين، وقيل ثنتين وتسعين وقيل ثلاث وتسعين، وهذا هو المشهور وعليه الجمهور والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثني أبو نعيم قال: توفى أنس بن مالك وجابر بن زيد في جمعة واحدة سنة ثلاث وتسعين. وقال قتادة: لما مات أنس قال مؤرق العجليّ:
ذهب اليوم نصف العلم، قيل له وكيف ذاك يا أبا المعتمر؟ قال: كان الرجل من أهل الأهواء إذا خالفونا في الحديث عن رسول الله ﷺ قلنا لهم: تعالوا إلى من سمعه منه.
عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة
ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، الشاعر المشهور، يقال إنه ولد يوم توفى عمر بن الخطاب، وختن يوم مقتل عثمان، وتزوج يوم مقتل على، فالله أعلم، وكان مشهورا بالتغزل المليح البليغ، كان يتغزل في امرأة يقال لها الثريا بنت على بن عبد الله الأموية، وقد تزوجها سهل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، فقال في ذلك عمر بن أبى ربيعة: -
أيها المنكح الثريا سهيلا … عمرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استقلت … وسهيل إذا استقل يمان
ومن مستجاد شعره ما أورده ابن خلكان:
حي طيفا من الأحبة زارا … بعد ما برح الكرى السمارا
طارقا في المنام بعد دجى … الليل خفيا بأن يزور نهارا
قلت ما بالنا جفينا وكنا … قبل ذاك الأسماع والأبصارا
قال: إنا كما عهدت ولكن … شغل الحلي أهله أن يعارا
стр. 2923
[بلال بن أبى الدرداء
ولى إمرة دمشق ثم ولى القضاء بها، ثم عزله عبد الملك بأبي إدريس الخولانيّ. كان بلال حسن السيرة، كثير العبادة، والظاهر أن هذا القبر الّذي بباب الصغير الّذي يقال له قبر بلال، إنما هو قبر بلال بن أبى الدرداء، لا قبر بلال بن حمامة مؤذن رسول الله ﷺ ، فان بلالا المؤذن دفن بداريّا والله أعلم.
بشر بن سعيد
المزني السيد العابد الفقيه، كان من العباد المنقطعين، الزهاد المعروفين، توفى بالمدينة.
زرارة بن أوفى
ابن حاجب العامري، قاضى البصرة، كان من كبار علماء أهل البصرة وصلحائها، له روايات كثيرة، قرأ مرة في صلاة الصبح سورة المدثر فلما بلغ (فإذا نقر في الناقور) خرّ ميتا. توفى بالبصرة وعمره نحو سبعين سنة.
خبيب بن عبد الله
ابن عبد الله بن الزبير، ضربه عمر بن عبد العزيز بأمر الوليد له في ذلك فمات، ثم عزل عمر بعده بأيام قليلة، فكان يتأسف على ضربه له ويبكى. مات بالمدينة.
حفص بن عاصم
ابن عمر بن الخطاب المدني، له روايات كثيرة، وكان من الصالحين. توفى بالمدينة.
سعيد بن عبد الرحمن
ابن عتاب بن أسيد الأموي، أحد الأشراف بالبصرة، كان جوادا ممدحا، وهو أحد الموصوفين بالكرم، قيل إنه أعطى بعض الشعراء ثلاثين (١).
فروة بن مجاهد
قيل إنه كان من الأبدال، أسر مرة وهو في غزوة هو وجماعة معه فأتوا بهم الملك فأمر بتقييدهم وحبسهم في المكان والاحتراز عليهم إلى أن يصبح فيرى فيهم رأيه، فقال لهم فروة: هل لكم في المضي إلى بلادنا؟ فقالوا: وما ترى ما نحن فيه من الضيق؟ فلمس قيودهم بيده فزالت عنهم، ثم أتى باب السجن فلمسه بيده فانفتح، فخرجوا منه ومضوا، فأدركوا جيش المسلمين قبل وصولهم إلى البلد.
أبو الشعثاء جابر بن زيد
كان لا يماكس في ثلاث، في الكرى إلى مكة، وفي الرقبة يشتريها لتعتق، وفي الأضحية.
وقال: لا تماكس في شيء يتقرب به إلى الله. وقال ابن سيرين: كان أبو الشعثاء مسلما عند الدينار والدرهم، قلت: كما قيل: -
стр. 2924
إني رأيت فلا تظنوا غيره … أن التورع عند هذا الدرهم
فإذا قدرت عليه ثم تركته … فاعلم بأن تقاك تقوى المسلم
وقال أبو الشعثاء: لأن أتصدق بدرهم على يتيم ومسكين أحب إلى من حجة بعد حجة الإسلام.
كان أبو الشعثاء من الذين أوتوا العلم، وكان يفتى في البصرة، وكان الصحابة مثل جابر بن عبد الله إذا سأله أهل البصرة عن مسألة يقول: كيف تسألونا وفيكم أبو الشعثاء؟ وقال له جابر بن عبد الله:
يا ابن زيد إنك من فقهاء البصرة وإنك ستستفتى فلا تفتين إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية، فإنك إن فعلت غير ذلك فقد هلكت وأهلكت. وقال عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أعلم بفتيا من جابر ابن زيد. وقال إياس بن معاوية: أدركت أهل البصرة ومفتيهم جابر بن زيد من أهل عمان. وقال قتادة لما دفن جابر بن زيد: اليوم دفن أعلم أهل الأرض. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال أبو الشعثاء: كتب الحكم بن أيوب نفرا للقضاء أنا أحدهم - أي عمرو - فلو أنى ابتليت بشيء منه لركبت راحلتي وهربت من الأرض. وقال أبو الشعثاء: نظرت في أعمال البر فإذا الصلاة تجهد البدن ولا تجهد المال، والصيام مثل ذلك، والحج يجهد المال والبدن، فرأيت أن الحج أفضل من ذلك. وأخذ مرة قبضة تراب من حائط، فلما أصبح رماها في الحائط، وكان الحائط لقوم قالوا: لو كان كلما مر به أخذ منه قبضة لم يبق منه شيء. وقال أبو الشعثاء: إذا جئت يوم الجمعة إلى المسجد فقف على الباب وقل: اللهمّ اجعلني اليوم أوجه من توجه إليك، وأقرب من تقرب إليك، وأنجح من دعاك ورغب إليك. وقال سيار: حدثنا حماد بن زيد ثنا الحجاج بن أبى عيينة. قال: كان جابر ابن زيد يأتينا في مصلانا، قال: فأتانا ذات يوم وعليه نعلان خلقان، فقال: مضى من عمري ستون سنة نعلاى هاتان أحب إلى مما مضى منه إلا أن يكون خير قدمته. وقال صالح الدهان: كان جابر ابن زيد إذا وقع في يده ستوق كسره ورمى به لئلا يغر به مسلم. الستوق الدرهم المغاير أو الدغل، وقيل: هو المغشوش.
وروى الامام أحمد: حدثنا أبو عبد الصمد العمى حدثنا مالك بن دينار قال: دخل عليّ جابر ابن زيد وأنا أكتب المصحف فقلت له: كيف ترى صنعتي هذه يا أبا الشعثاء؟ قال: نعم الصنعة صنعتك، تنقل كتاب الله ورقة إلى ورقة، وآية إلى آية، وكلمة إلى كلمة، هذا الحلال لا بأس به.
وقال مالك بن دينار: سألته عن قوله تعالى ﴿إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ﴾ قال:
ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً﴾ وقال سفيان: حدثني أبو عمير الحارث بن عمير قال: قالوا لجابر بن زيد عند الموت: ما تشتهي وما تريد؟ قال: نظرة إلى الحسن. وفي رواية عن ثابت قال: لما ثقل على جابر بن زيد قيل له: ما تشتهي؟ قال نظرة إلى
стр. 2925
الحسن. قال ثابت: فأتيت الحسن فأخبرته فركب إليه، فلما دخل عليه قال لأهله: أقعدونى، فجلس فما زال يقول: أعوذ بالله من النار وسوء الحساب.
وقال حماد بن زيد: حدثنا حجاج بن أبى عيينة قال: سمعت هندا بنت المهلب بن أبى صفرة - وكانت من أحسن النساء - وذكروا عندها جابر بن زيد فقالوا: إنه كان إباضيا، فقالت:
كان جابر بن زيد أشد الناس انقطاعا إليّ وإلى أمى، فما أعلم عنه شيئا، وكان لا يعلم شيئا يقربني إلى الله إلا أمرنى به، ولا شيئا يباعدني عن الله إلا نهاني عنه، وما دعاني إلى الإباضية قط ولا أمرنى بها، وكان ليأمرنى أين أضع الخمار - ووضعت يدها على الجبهة - أسند عن جماعة من الصحابة، ومعظم روايته عن ابن عمر وابن عباس] (١)
ثم دخلت سنة أربع وتسعين
فيها غزا العباس بن الوليد أرض الروم، فقيل إنه فتح انطاكية، وغزا أخوه عبد العزيز بن الوليد فبلغ غزالة، وبلغ الوليد بن هشام المعيطي أرض برج الحمام، وبلغ يزيد بن أبى كبشة أرض سورية. وفيها كانت الرجفة بالشام، وفيها افتتح مسلمة بن عبد الملك سندرة من أرض الروم. وفيها فتح الله على الإسلام فتوحات عظيمة في دولة الوليد بن عبد الملك، على يدي أولاده وأقربائه وأمرائه حتى عاد الجهاد شبيها بأيام عمر بن الخطاب ﵁.
وفيها افتتح القاسم بن محمد الثقفي أرض الهند وغنم أموالا لا تعد ولا توصف، وقد ورد في غزو الهند حديث رواه الحافظ ابن عساكر وغيره. وفيها غزا قتيبة بن مسلم الشاش وفرغانة حتى بلغ خجندة، وكاشان مدينتي فرغانة، وذلك بعد فراغه من الصغد وفتح سمرقند، ثم خاض تلك البلاد يفتح فيها حتى وصل إلى كابل فحاصرها وافتتحها، وقد لقيه المشركون في جموع هائلة من الترك فقاتلهم قتيبة عند خجندة فكسرهم مرارا وظفر بهم، وأخذ البلاد منهم، وقتل منهم خلقا وأسر آخرين، وغنم أموالا كثيرة جدا. قال ابن جرير: وقد قال سحبان وائل يذكر قتالهم بخجندة التي هي قريبة من بلاد الصين أبياتا في ذلك: -
فسل الفوارس في خجندة … تحت مرهفة العوالي
هل كنت أجمعهم إذا … هزموا وأقدم في قتالي
أم كنت أضرب هامة … العاتي وأصبر للنزال
هذا وأنت قريع قيس … كلها ضخم النوال
وفضلت قيسا في الندى … وأبوك في الحجج الخوالى
стр. 2926
تمّت مروءتكم و … ناغى عزكم غلب الجبال
ولقد تبين عدل حكمك … فيهم في كل مال
هكذا ذكر ابن جرير هذا من شعر سحبان وائل في هذه الغزوة، وقد ذكرنا ما أورده ابن الجوزي في منظمه أن سحبان وائل مات في خلافة معاوية بن أبى سفيان بعد الخمسين فالله أعلم.
مقتل سعيد بن جبير ﵀
قال ابن جرير: وفي هذه السنة قتل الحجاج بن يوسف سعيد بن جبير، وكان سبب ذلك أن الحجاج كان قد جعله على نفقات الجند حين بعثه مع ابن الأشعث إلى قتال رتبيل ملك الترك، فلما خلعه ابن الأشعث خلعه معه سعيد بن جبير، فلما ظفر الحجاج بابن الأشعث وأصحابه هرب سعيد بن جبير إلى أصبهان، فكتب الحجاج إلى نائبها أن يبعثه إليه، فلما سمع بذلك سعيد هرب منها، ثم كان يعتمر في كل سنة ويحج، ثم إنه لجأ إلى مكة فأقام بها إلى أن وليها خالد بن عبد الله القسري، فأشار من أشار على سعيد بالهرب منها فقال سعيد: والله لقد استحييت من الله مما أفر ولا مفر من قدره؟ وتولى على المدينة عثمان بن حيان بدل عمر بن عبد العزيز، فجعل يبعث من بالمدينة من أصحاب ابن الأشعث من العراق إلى الحجاج في القيود، فتعلم منه خالد بن الوليد القسري فعين من عنده من مكة سعيد بن جبير وعطاء بن أبى رباح، ومجاهد بن جبر، وعمرو بن دينار، وطلق ابن حبيب. ويقال إن الحجاج أرسل إلى الوليد يخبره أن بمكة أقواما من أهل الشقاق، فبعث خالد بهؤلاء إليه ثم عفا عن عطاء وعمرو بن دينار لأنهما من أهل مكة، وبعث بأولئك الثلاثة، فأما طلق فمات في الطريق قبل أن يصل، وأما مجاهد فحبس فما زال في السجن حتى مات الحجاج، وأما سعيد ابن جبير فلما أوقف بين يدي الحجاج قال له: يا سعيد ألم أشركك في أمانتى! ألم أستعملك؟ ألم أفعل ألم أفعل؟ كل ذلك يقول: نعم، حتى ظن من عنده أنه سيخلى سبيله، حتى قال له: فما حملك على الخروج عليّ وخلعت بيعة أمير المؤمنين؟ فقال سعيد: إن ابن الأشعث أخذ منى البيعة على ذلك وعزم على، فغضب عند ذلك الحجاج غضبا شديدا وانتفخ حتى سقط طرف ردائه عن منكبه، وقال له:
ويحك ألم أقدم مكة فقتلت ابن الزبير وأخذت بيعة أهلها وأخذت بيعتك لأمير المؤمنين عبد الملك؟ قال: بلى، قال: ثم قدمت الكوفة واليا على العراق فجددت لأمير المؤمنين البيعة فأخذت بيعتك له ثانية؟ قال: بلى! قال فتنكث بيعتين لأمير المؤمنين وتفي بواحدة للحائك ابن الحائك؟ يا حرسى اضرب عنقه. قال: فضربت عنقه فبدر رأسه عليه لاطئة صغيرة بيضاء، وقد ذكر الواقدي نحو هذا، وقال له: أما أعطيتك مائة ألف؟ أما فعلت أما فعلت.
قال ابن جرير: فحدثت عن أبى غسان مالك بن إسماعيل قال: سمعت خلف بن خليفة يذكر
стр. 2927
عن رجل قال: لما قتل الحجاج سعيد بن جبير فندر رأسه هلل ثلاثا، مرة يفصح بها، وفي الثنتين يقول مثل ذلك لا يفصح بها. وذكر أبو بكر الباهلي قال: سمعت أنس بن أبى شيخ يقول: لما أتى الحجاج بسعيد بن جبير قال: لعن ابن النصرانية - يعنى خالد القسري وكان هو الّذي أرسل به من مكة - أما كنت أعرف مكانه، بلى والله والبيت الّذي هو فيه بمكة، ثم أقبل عليه فقال: يا سعيد ما أخرجك على؟ فقال: أصلح الله الأمير، أنا امرؤ من المسلمين يخطئ مرة ويصيب أخرى، فطابت نفس الحجاج وانطلق وجهه، ورجا الحجاج أن يتخلص من أمره، ثم عاوده في شيء فقال سعيد: إنما كانت بيعة في عنقي، فغضب عند ذلك الحجاج فكان ما كان من قتله. وذكر عتاب ابن بشر عن سالم الأفطس قال: أتى الحجاج بسعيد بن جبير وهو يريد الركوب وقد وضع إحدى رجليه في الغرز، فقال: والله لا أركب حتى تتبوأ مقعدك من النار، اضربوا عنقه، فضربت عنقه.
قال: والتبس الحجاج في عقله مكانه، فجعل يقول: قيودنا قيودنا، فظنوا أنه يريد القيود التي على سعيد، فقطعوا رجليه من أنصاف ساقيه وأخذوا القيود:
وقال محمد بن أبى حاتم: ثنا عبد الملك بن عبد الله بن خباب، قال: جيء بسعيد بن جبير إلى الحجاج فقال: كتبت إلى مصعب بن الزبير؟ فقال: بلى كتبت إلى مصعب، قال: لا والله لأقتلنك قال: إني إذا لسعيد كما سمتني أمى. قال فقتله، فلم يلبث الحجاج بعده إلا أربعين يوما، وكان إذا نام يراه في المنام يأخذ بمجامع ثوبه ويقول: يا عدو الله فيم قتلتني؟ فيقول الحجاج: ما لي ولسعيد بن جبير، ما لي ولسعيد بن جبير؟ قال ابن خلكان: كان سعيد بن جبير بن هشام الأسدي مولى بنى والبة كوفيا أحد الأعلام من التابعين، وكان أسود اللون، وكان لا يكتب على الفتيا، فلما عمى ابن عباس كتب، فغضب ابن عباس من ذلك، وذكر مقتله كنحو ما تقدم، وذكر أنه كان في شعبان، وأن الحجاج مات بعده في رمضان، وقيل قبل بستة أشهر. وذكر عن الامام أحمد أنه قال: قتل سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج - أو قال مفتقر - إلى علمه. ويقال إن الحجاج لم يسلط بعده على أحد، وسيأتي في ترجمة الحجاج أيضا شيء من هذا. قال ابن جرير: وكان يقال لهذه السنة سنة الفقهاء، لأنه مات فيها عامة فقهاء المدينة، مات في أولها على بن الحسين بن زين العابدين، ثم عروة بن الزبير، ثم سعيد بن المسيب، وأبو بكر عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسعيد بن جبير من أهل مكة، وقد ذكرنا تراجم هؤلاء في كتابنا التكميل، وسنذكر طرفا صالحا هاهنا إن شاء الله تعالى.
قال ابن جرير: واستقضى الوليد بن عبد الملك في هذه السنة على الشام سليمان بن صرد. وحج بالناس فيها العباس بن الوليد، ويقال مسلمة بن عبد الملك، وكان على نيابة مكة خالد القسري، وعلى
стр. 2928
المدينة عثمان بن حيان، وعلى المشرق بكماله الحجاج، وعلى خراسان قتيبة بن مسلم، وعلى الكوفة من جهة الحجاج زياد بن جرير، وعلى قضائها أبو بكر بن أبى موسى، وعلى إمرة البصرة من جهة الحجاج الجراح بن عبد الله الحكمي، وعلى قضائها عبد الله بن أذينة، والله أعلم.
ذكر من توفى فيها من المشاهير والأعيان
سعيد بن جبير الأسدي الوالبي
مولاهم أبو محمد، ويقال أبو عبد الله، الكوفي المكيّ، من أكابر أصحاب ابن عباس، كان من أئمة الإسلام في التفسير والفقه وأنواع العلوم، وكثرة العمل الصالح، ﵀، وقد رأى خلقا من الصحابة، وروى عن جماعة منهم، وعنه خلق من التابعين، يقال إنه كان يقرأ القرآن في الصلاة فيما بين المغرب والعشاء ختمة تامة، وكان يقعد في الكعبة القعدة فيقرأ فيها الختمة، وربما قرأها في ركعة في جوف الكعبة. وروى عنه أنه ختم القرآن مرتين ونصفا في الصلاة في ليلة في الكعبة. وقال سفيان الثوري عن عمرو بن ميمون عن أبيه قال: لقد مات سعيد بن جبير وما على وجه الأرض أحد إلا وهو محتاج إلى علمه. وكان في جملة من خرج مع ابن الأشعث على الحجاج، فلما ظفر [الحجاج] هرب سعيد إلى أصبهان، ثم كان يتردد في كل سنة إلى مكة مرتين، مرة للعمرة ومرة للحج، وربما دخل الكوفة في بعض الأحيان فحدث بها، وكان بخراسان لا يتحدث لأنه كان لا يسأله أحد عن شيء من العلم هناك، وكان يقول: إن مما يهمني ما عندي من العلم، وددت أن الناس أخذوه. واستمر في هذا الحال مختفيا من الحجاج قريبا من ثنتى عشرة سنة، ثم أرسله خالد القسري من مكة إلى الحجاج، وكان من مخاطبته له ما ذكرناه قريبا.
وقال أبو نعيم في كتابه الحلية: ثنا أبو حامد بن جبلة ثنا محمد بن إسحاق ثنا محمد بن أحمد ابن أبى خلف ثنا شعبان عن سالم بن أبى حفصة. قال: لما أتى بسعيد بن جبير إلى الحجاج قال له:
أنت الشقي بن كسير؟ قال: لا! إنما أنا سعيد بن جبير، قال لأقتلنك، قال: أنا إذا كما سمتني أمى سعيدا [قال شقيت وشقيت أمك، قال: الأمر ليس إليك. ثم قال: اضربوا عنقه، فقال:
دعوني أصلى ركعتين، قال: وجهوه إلى قبلة النصارى، قال: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ قال:
إني أستعيذ منك بما استعاذت به مريم، قال: وما عاذت به؟ قال: قالت ﴿إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ قال سفيان: لم يقتل بعده إلا واحدا. وفي رواية أنه قال له: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى، قال: لو علمت أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. وفي رواية أنه لما أراد قتله قال:
وجهوه إلى قبلة النصارى، فقال: ﴿فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾ فقال: اجلدوا به الأرض، فقال:
﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ فقال: اذبح فما أنزعه لآيات الله منذ اليوم. فقال: اللهمّ لا تسلطه على أحد بعدي. وقد ذكر أبو نعيم هنا كلاما كثيرا في مقتل سعيد
стр. 2929
ابن جبير، أحسنه هذا والله أعلم] (١) وقد ذكرنا صفة مقتله إياه، وقد رويت آثار غريبة في صفة مقتله، أكثرها لا يصح، وقد عوقب الحجاج بعده وعوجل بالعقوبة، فلم يلبث بعده إلا قليلا ثم أخذه الله أخذ عزيز مقتدر، كما سنذكر وفاته في السنة الآتية، فقيل إنه مكث بعده خمسة عشر يوما، وقيل أربعين يوما، وقيل ستة أشهر والله أعلم.
واختلفوا في عمر سعيد بن جبير ﵀ حين قتل، فقيل تسعا وأربعين سنة، وقيل سبعا وخمسين فالله أعلم. قال أبو القاسم اللالكائي: كان مقتله في سنة خمس وتسعين، وذكر ابن جرير مقتله في هذه السنة - سنة أربع وتسعين - فالله أعلم.
[قلت: هاهنا كلمات حسان من كلام سعيد بن جبير أحببت أن أذكرها. قال: إن أفضل الخشبة أن تخشى الله خشية تحول بينك وبين معصيته، وتحملك على طاعته، فتلك هي الخشية النافعة. والذكر طاعة الله، فمن أطاع الله فقد ذكره، ومن لم يطعه فليس بذاكر له، وإن كثر منه التسبيح وتلاوة القرآن. قيل له: من أعبد الناس؟ قال: رجل اقترف من الذنوب، فكلما ذكر ذنبه احتقر عمله، وقال له الحجاج: ويلك! فقال: الويل لمن زحزح عن الجنة وأدخل النار، فقال:
اضربوا عنقه، فقال: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، أستحفظك بها حتى ألقاك يوم القيامة فأنا خصمك عند الله، فذبح من قفاه، فبلغ ذلك الحسن فقال: اللهمّ يا قاصم الجبابرة اقصم الحجاج، فما بقي إلا ثلاثة حتى وقع من جوفه دود فأنتن منه فمات. وقال سعيد للحجاج لما أمر بقتله وضحك فقال له: ما أضحكك؟ فقال: أضحك من غيراتك على وحلم الله عنك] (٢)
سعيد بن المسيب
ابن حزن بن أبى وهب بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي أبو محمد المدنف، سيد التابعين على الإطلاق، ولد لسنتين مضتا وقبل بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب، وقيل لأربع مضين منها، وقول الحاكم أبى عبد الله إنه أدرك العشرة وهم منه والله أعلم. ولكن أرسل عنهم كما أرسل كثيرا عن النبي ﷺ ، وروى عن عمر كثيرا، فقيل سمع منه، وعن عثمان وعلى وسعيد وأبى هريرة، وكان زوج ابنته، وأعلم الناس بحديثه، وروى عن جماعة من الصحابة، وحدث عن جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم، قال ابن عمر: كان سعيد أحد المتقنين، وقال الزهري: جالسته سبع حجج وأنا لا أظن عند أحد علما غيره، وقال محمد بن إسحاق عن مكحول قال: طفت الأرض كلها في طلب العلم. فما لقيت أعلم من سعيد بن المسيب. وقال الأوزاعي: سئل الزهري ومكحول من
стр. 2930
أفقه من لقيتما؟ قالا: سعيد بن المسيب. وقال غيره: كان يقال له فقيه الفقهاء. وقال مالك عن يحيى ابن سعيد عن سعيد بن المسيب: كنت أرحل الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد، قال مالك:
وبلغني أن ابن عمر كان يرسل إلى سعيد بن المسيب يسأله عن قضايا عمر وأحكامه، وقال الربيع عن الشافعيّ انه قال: إرسال سعيد بن المسيب عندنا حسن. وقال الامام أحمد بن حنبل هي صحاح:
قال: وسعيد بن المسيب أفضل التابعين. قال على بن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علما منه، وإذا قال سعيد مضت السنة فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين. وقال أحمد بن عبد الله العجليّ:
كان سعيد رجلا صالحا فقيها، كان لا يأخذ العطاء، وكانت له بضاعة أربعمائة دينار، وكان يتجر في الزيت، وكان أعور. وقال أبو زرعة: كان مدنيا ثقة إماما. وقال أبو حاتم: ليس في التابعين أنبل منه، وهو أثبتهم في أبى هريرة، قال الواقدي: توفى في سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، عن خمس وسبعين سنة، ﵀.
[وكان سعيد بن المسيب من أورع الناس فيما يدخل بيته وبطنه، وكان من أزهد الناس في فضول الدنيا، والكلام فيما لا يعنى، ومن أكثر الناس أدبا في الحديث، جاءه رجل وهو مريض فسأله عن حديث فجلس فحدثه ثم اضطجع، فقال الرجل: وددت أنك لم تتعنّ، فقال: إني كرهت أن أحدثك عن رسول الله ﷺ وأنا مضطجع، وقال برد مولاه: ما نودي للصلاة منذ أربعين إلا وسعيد في المسجد. وقال ابن إدريس: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة. وقال سعيد: لا تملئوا أعينكم من أعوان الظلمة إلا بالإنكار من قلوبكم، لكيلا تحبط أعمالكم الصالحة. وقال: ما يئس الشيطان من شيء إلا أتاه من قبل النساء. وقال: ما أكرمت العباد أنفسها بمثل طاعة الله، ولا أهانت أنفسها إلا بمعصية الله تعالى. وقال: كفى بالمرء نصرة من الله له أن يرى عدوه يعمل بمعصية الله. وقال: من استغنى بالله افتقر الناس إليه. وقال: الدنيا نذلة وهي إلى كل نذل أميل، وأندل منها من أخذها من غير وجهها ووضعها في غير سبيلها. وقال: إنه ليس من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب، ولكن من الناس من لا ينبغي أن تذكر عيوبه. وقال:
من كان فضله أكثر من نقصه وهب نقصه لفضله.
وقد زوج سعيد بن المسيب ابنته على درهمين لكثير بن أبى وداعة - وكانت من أحسن النساء وأكثرهم أدبا وأعلمهم بكتاب الله وسنة رسول الله ﷺ ، وأعرفهم بحق الزوج - وكان فقيرا، فأرسل إليه بخمسة آلاف، وقيل: بعشرين ألفا، وقال: استنفق هذه. وقصته في ذلك مشهورة، وقد كان عبد الملك خطبها لابنه الوليد فأبى سعيد أن يزوجه بها، فاحتال عليه حتى ضربه بالسياط كما تقدم، لما جاءت بيعة الوليد إلى المدينة في أيام عبد الملك، ضربه نائبة على المدينة هشام بن
стр. 2931
إسماعيل وأطافه المدينة، وعرضوه على السيف فمضى ولم يبايع، فلما رجفوا به رأته امرأة فقالت:
ما هذا الخزي يا سعيد؟ فقال: من الخزي فررنا إلى ما نرين، أي لو أحببناهم وقعنا في خزي الدنيا والآخرة. وكان يجعل على ظهره إهاب الشاة، وكان له مال يتجر فيه ويقول: اللهمّ إنك تعلم أنى لم أمسكه بخلا ولا حرصا عليه، ولا محبة للدنيا ونيل شهواتها، وإنما أريد أن أصون به وجهي عن بنى مروان حتى ألقى الله فيحكم في وفيهم، وأصل منه رحمي، وأؤدى منه الحقوق التي فيه، وأعود منه على الأرملة والفقير والمسكين واليتيم والجار. والله أعلم] (١)
طلق بن حبيب العنزي
تابعي جليل، روى عن أنس وجابر وابن الزبير وابن عباس، وعبد الله بن عمر وغيرهم، وعنه حميد الطويل والأعمش وطاووس، وهو من أقرانه وأثنى عليه عمرو بن دينار، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة، ولكن تكلموا فيه من جهة أنه كان يقول بالإرجاء، وقد كان ممن خرج مع ابن الأشعث، وكان يقول تقووا بالتقوى، فقيل له: صف لنا التقوى، فقال: التقوى هي العمل بطاعة الله على نور من الله يرجو رحمة الله، وترك معصية الله على نور من الله يخاف عقاب الله. وقال أيضا: إن حقوق الله أعظم من أن يقوم بها العباد، وإن نعم الله أكثر من أن تحصى، أو يقوم بشكرها العباد، ولكن أصبحوا تائبين، وأمسوا تائبين. وكان طلق لا يخرج إلى صلاة إلا ومعه شيء يتصدق به، وإن لم يجد إلا بصلا، ويقول: قال الله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً﴾ فتقديم الصدقة بين يدي مناجاة الله أعظم وأعظم. قال مالك:
قتله الحجاج وجماعة من القراء منهم سعيد بن جبير. وقد ذكر ابن جرير فيما سبق أن خالد بن عبد الله القسري بعث من مكة ثلاثة إلى الحجاج، وهم مجاهد، وسعيد بن جبير، وطلق بن حبيب، فمات طلق في الطريق وحبس مجاهد، وكان من أمر سعيد ما كان والله أعلم.
عروة بن الزبير بن العوام
القرشي الأسدي أبو عبد الله المدني، تابعي جليل، روى عن أبيه وعن العبادلة ومعاوية والمغيرة وأبى هريرة، وأمه أسماء، وخالته عائشة، وأم سلمة. وعنه جماعة من التابعين، وخلق ممن سواهم. قال محمد بن سعد: كان عروة ثقة كثير الحديث عالما مأمونا ثبتا. وقال العجليّ: مدني تابعي رجل صالح لم يدخل في شيء من الفتن. وقال الواقدي: كان فقيها عالما حافظا ثبتا حجة عالما بالسير، وهو أول من صنف المغازي، وكان من فقهاء المدينة المعدودين، ولقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يسألونه، وكان أروى الناس للشعر، وقال ابنه هشام: العلم لواحد من ثلاثة، لذي حسب يزين به
стр. 2932
حسبه، أو ذي دين يسوس به دينه، أو مختلط بسلطان يتحفه بنعمه ويتخلص منه بالعلم، فلا يقع في هلكة، وقال: ولا أعلم أحدا اشترطه لهذه الثلاثة إلا عروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز.
وكان عروة يقرأ كل يوم ربع القرآن ويقوم به في الليل، وكان أيام الرطب يثلم حائطه للناس فيدخلون ويأكلون، فإذا ذهب الرطب أعاده، وقال الزهري: كان عروة بحرا لا ينزف ولا تكدره الدلاء. وقال عمر بن عبد العزيز: ما أحد أعلم من عروة وما أعلمه يعلم شيئا أجهله، وقد ذكره غير واحد في فقهاء المدينة السبعة الذين ينتهى إلى قولهم، وكان من جملة الفقهاء العشرة الذين كان عمر بن عبد العزيز يرجع إليهم في زمن ولايته على المدينة [وقد ذكر غير واحد أنه وفد على الوليد بدمشق، فلما رجع أصابته في رجله الأكلة فأرادوا قطعها، فعرضوا عليه أن يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يحس بالألم ويتمكنوا من قطعها، فقال: ما ظننت أن أحدا يؤمن بالله يشرب شيئا يغيب عقله حتى لا يعرف ربه ، ولكن هلموا فاقطعوها فقطعوها من ركبته وهو صامت لا يتكلم، ولا يعرف أنه أنّ، وروى أنهم قطعوها وهو في الصلاة فلم يشعر لشغله بالصلاة فالله أعلم. ووقع في هذه الليلة التي قطعت فيها رجله ولد له يسمى محمدا كان أحب أولاده من سطح فمات، فدخلوا عليه فعزوه فيه، فقال: اللهمّ لك الحمد، كانوا سبعة فأخذت واحدا وأبقيت ستة، وكان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة، فلئن كنت قد أخذت فلقد أعطيت، ولئن كنت قد ابتليت فقد عافيت [قلت: قد ذكر غير واحد أن عروة بن الزبير لما خرج من المدينة متوجها إلى دمشق ليجتمع بالوليد، وقعت الأكلة في رجله في واد قرب المدينة. وكان مبدؤها هناك، فظن أنها لا يكون منها ما كان، فذهب في وجهه ذلك، فما وصل إلى دمشق إلا وهي قد أكلت نصف ساقه، فدخل على الوليد فجمع له الأطباء العارفين بذلك، فاجمعوا على أنه إن لم يقطعهما وإلا أكلت رجله كلها إلى وركه. وربما ترقّت إلى الجسد فأكلته، فطابت نفسه بنشرها وقالوا له: ألا نسقيك مرقّدا حتى يذهب عقلك منه فلا تحس بألم النشر؟ فقال: لا! والله ما كنت أظن أن أحدا يشرب شرابا أو يأكل شيئا يذهب عقله، ولكن إن كنتم لا بد فاعلين فافعلوا ذلك وأنا في الصلاة، فانى لا أحس بذلك، ولا أشعر به. قال: فنشروا رجله من فوق الأكلة، من المكان الحي، احتياطا أنه لا يبقى منها شيء، وهو قائم يصلى، فما تصوّر ولا اختلج، فلما انصرف من الصلاة عزاه الوليد في رجله، فقال: اللهمّ لك الحمد، كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدا فلئن كنت قد أخذت فقد أبقيت، وإن كنت قد أبليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما أخذت وعلى ما عافيت. قال: وكان قد صحب معه بعض أولاده من جملتهم ابنه محمد، وكان أحبهم إليه، فدخل دار الدواب فرفسته فرس فمات، فأتوه فعزوه فيه، فقال: الحمد لله كانوا سبعة فأخذت منهم واحدا وأبقيت ستة، فلئن كنت قد ابتليت فلطالما
стр. 2933
عافيت، ولئن كنت قد أخذت فلطالما أعطيت. فلما قضى حاجته من دمشق رجع إلى المدينة، قال: فما سمعناه ذكر رجله ولا ولده، ولا شكا ذلك إلى أحد حتى دخل وادي القرى، فلما كان في المكان الّذي أصابته الأكلة فيه قال: (لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا) فلما دخل المدينة أتاه الناس يسلمون عليه ويعزونه في رجله وولده، فبلغه أن بعض الناس قال: إنما أصابه هذا بذنب عظيم أحدثه. فأنشد عروة في ذلك والأبيات لمعن بن أوس: -
لعمرك ما أهويت كفى لريبة … ولا حملتني نحو فاحشة رجلي
ولا قادني سمعي ولا بصرى لها … ولا دلني رأيي عليها ولا عقلي
ولست بماش ما حييت لمنكر … من الأمر لا يمشى إلى مثله مثلي
ولا مؤثر نفسي على ذي قرابة … وأوثر ضيفي ما أقام على أهلي
وأعلم أنى لم تصبني مصيبة … من الدهر إلا قد أصابت فتى مثلي
وفي رواية: اللهمّ إنه كان لي بنون أربعة فأخذت واحدا وأبقيت ثلاثة. كذا ذكر هذا الحديث فيه هشام. وقال مسلمة بن محارب: وقعت في رجل عروة الأكلة فقطعت ولم يمسكه أحد، ولم يدع في تلك الليلة ورده. وقال الأوزاعي: لما نشرت رجل عروة قال: اللهمّ إنك تعلم أنى لم أمش بها إلى سوء قط. وأنشد البيتين المتقدمين. رأى عروة رجلا يصلى صلاة خفيفة فدعاه فقال: يا أخى أما كانت لك إلى ربك حاجة في صلاتك؟ إني لأسأل الله في صلاتي حتى أسأله الملح. قال عروة:
رب كلمة ذل احتملتها أورثتني عزا طويلا. وقال لبنيه: إذا رأيتم الرجل يعمل الحسنة فاعلموا أن لها عنده أخوات، وإذا رأيتم الرجل يعمل السيئة فاعلموا أن لها عنده أخوات، فان الحسنة تدل على أختها، والسيئة تدل على أختها. وكان عروة إذا دخل حائطه ردد هذه الآية (﴿وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللهُ لا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ﴾) حتى يخرج منه والله أعلم] (١).
قيل إنه ولد في حياة عمر، والصحيح أنه ولد بعد عمر في سنة ثلاث وعشرين، وكانت وفاته في سنة أربع وتسعين على المشهور، وقيل سنة تسعين، وقيل سنة مائة، وقيل إحدى وتسعين، وقيل إحدى ومائة، وقيل سنة اثنتين أو ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين، وقيل تسع وتسعين فالله أعلم.
على بن الحسين
ابن على بن أبى طالب القرشي الهاشمي المشهور بزين العابدين، وأمه أم ولد اسمها سلامة، وكان له أخ أكبر منه يقال له على أيضا، قتل مع أبيه، روى على هذا الحديث عن أبيه وعمه الحسن بن على، وجابر وابن عباس والمسور بن مخرمة وأبى هريرة وصفية وعائشة وأم سلمة، أمهات المؤمنين. وعنه
стр. 2934
جماعة منهم بنوه زيد وعبد الله وعمر، وأبو جعفر محمد بن على بن قر، وزيد بن أسلم، وطاووس وهو من أقرانه، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأبو سلمة وهو من أقرانه، وخلق.
قال ابن خلكان: كانت أم سلمة بنت يزدجرد آخر ملوك الفرس، وذكر الزمخشريّ في ربيع الأبرار أن يزدجرد كان له ثلاث بنات سبين في زمن عمر بن الخطاب، فحصلت واحدة لعبد الله بن عمر فأولدها سالما، والأخرى لمحمد بن أبى بكر الصديق فأولدها القاسم، والأخرى للحسين بن على فأولدها عليا زين العابدين هذا، فكلهم بنو خالة. قال ابن خلكان: ولما قتل قتيبة بن مسلم فيروز ابن يزدجرد بعث بابنتيه إلى الحجاج فأخذ إحداهما وبعث بالأخرى إلى الوليد، فأولدها الوليد يزيد الناقص. وذكر ابن قتيبة في كتاب المعارف أن زين العابدين هذا كانت أمه سندية، يقال لها سلامة، ويقال غزالة، وكان مع أبيه بكربلاء، فاستبقى لصغره، وقيل لمرضه، فإنه كان ابن ثلاث وعشرين سنة، وقيل أكثر من ذلك، وقد هم بقتله عبيد الله بن زياد، ثم صرفه الله عنه، وأشار بعض الفجرة على يزيد بن معاوية بقتله أيضا فمنعه الله منه، ثم كان يزيد بعد ذلك يكرمه ويعظمه ويجلسه معه، ولا يأكل إلا وهو عنده، ثم بعثهم إلى المدينة، وكان على بالمدينة محترما معظما. قال ابن عساكر: ومسجده بدمشق المنسوب إليه معروف. قلت: وهو مشهد على بالناحية الشرقية من جامع دمشق. وقد استقدمه عبد الملك بن مروان مرة أخرى إلى دمشق فاستشاره في جواب ملك الروم عن بعض ما كتب إليه فيه من أمر السكة وطراز القراطيس، قال الزهري: ما رأيت قرشيا أورع منه، ولا أفضل. وكان مع أبيه يوم قتل ابن ثلاث وعشرين سنة وهو مريض، فقال عمر ابن سعد: لا تعرضوا لهذا المريض. وقال الواقدي: كان من أورع الناس وأعبدهم وأتقاهم لله ، وكان إذا مشى لا يخطر بيده، وكان يعتم بعمامة بيضاء يرخيها من ورائه، وكان كنيته أبا الحسن، وقيل أبا محمد، وقيل أبا عبد الله. وقال محمد بن سعد: كان ثقة مأمونا كثير الحديث عاليا رفيعا ورعا، وأمه غزالة خلف عليها بعد الحسين مولاه زبيد فولدت له عبد الله بن زبيد، وهو على الأصغر، فأما الأكبر فقتل مع أبيه. وكذا قال غير واحد، وقال سعيد بن المسيب وزيد بن أسلم ومالك وأبو حازم: لم يكن في أهل البيت مثله.
وقال يحيى بن سعيد الأنصاري: سمعت على ابن الحسين وهو أفضل هاشمي أدركته يقول: يا أيها الناس أحبونا حب الإسلام، فما برح بنا حبكم حتى صار علينا عارا. وفي رواية: حتى بغضتمونا إلى الناس. وقال الأصمعي: لم يكن للحسين عقب إلا من على بن الحسين،
ولم يكن لعلى بن الحسين نسل إلا من ابن عمه الحسن، فقال له مروان بن الحكم: لو اتخذت السراري يكثر أولادك، فقال: ليس لي ما أتسرى به، فأقرضه مائة ألف فاشترى له السراري فولدت له وكثر نسله، ثم لما مرض مروان أوصى أن لا يؤخذ من على بن
стр. 2935
الحسين شيء مما كان أقرضه، فجميع الحسينيين من نسله ﵀.
وقال أبو بكر بن أبى شيبة:
أصح الأسانيد كلها الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده، وذكروا أنه احترق البيت الّذي هو فيه وهو قائم يصلى، فلما انصرف قالوا له: مالك لم تنصرف؟ فقال: إني اشتغلت عن هذه النار بالنار الأخرى،
وكان إذا توضأ يصفر لونه، فإذا قام إلى الصلاة ارتعد من الفرق، فقيل له في ذلك فقال: ألا تدرون بين يدي من أقوم ولمن أناجى؟
ولما حج أراد أن يلبى فارتعد وقال:
أخشى أن أقول لبيك اللهمّ لبيك، فيقال لي: لا لبيك، فشجعوه على التلبية، فلما لبى غشي عليه حتى سقط عن الراحلة. وكان يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة.
وقال طاووس: سمعته وهو ساجد عند الحجر يقول: عبيدك بفنائك. سائلك بفنائك. فقيرك بفنائك، قال طاووس: فو الله ما دعوت بها في كرب قط إلا كشف عنى.
وذكروا أنه كان كثير الصدقة بالليل، وكان يقول صدقة الليل تطفئ غضب الرب، وتنور القلب والقبر، وتكشف عن العبد ظلمة يوم القيامة، وقاسم الله تعالى ماله مرتين.
وقال محمد بن إسحاق: كان ناس بالمدينة يعيشون لا يدرون من أين يعيشون ومن يعطيهم، فلما مات على بن الحسين فقدوا ذلك فعرفوا أنه هو الّذي كان يأتيهم في الليل بما يأتيهم به. ولما مات وجدوا في ظهره وأكتافه أثر حمل الجراب إلى بيوت الأرامل والمساكين في الليل. وقيل إنه كان يعول مائة أهل بيت بالمدينة ولا يدرون بذلك حتى مات.
ودخل على بن الحسين على محمد بن أسامة ابن زيد يعوده فبكى ابن أسامة فقال له ما يبكيك؟ قال: على دين، قال: وكم هو؟ قال خمسة عشر ألف دينار - وفي رواية سبعة عشر ألف دينار - فقال: هي على.
وقال على بن الحسين: كان أبو بكر وعمر من رسول الله ﷺ في حياته بمنزلتهما منه بعد وفاته.
ونال منه رجل يوما فجعل يتغافل عنه - يريه أنه لم يسمعه - فقال له الرجل: إياك أعنى، فقال له على: وعنك أغضى.
وخرج يوما من المسجد فسبّه رجل فانتدب الناس إليه، فقال: دعوه، ثم أقبل عليه فقال: ما ستره الله عنك من عيوبنا أكثر، ألك حاجة نعينك عليها؟ فاستحيا الرجل فألقى إليه خميصة كانت عليه، وأمر له بألف درهم، فكان الرجل بعد ذلك إذا رآه يقول: إنك من أولاد الأنبياء. قالوا: واختصم على بن الحسين وحسن ابن حسن - وكان بينهما منافسة - فنال منه حسن بن حسن وهو ساكت،
فلما كان الليل ذهب على ابن الحسين إلى منزله فقال: يا ابن عم إن كنت صادقا يغفر الله لي، وإن كنت كاذبا يغفر الله لك والسلام عليك، ثم رجع، فلحقه فصالحه.
وقيل له من أعظم الناس خطرا؟ فقال: من لم ير الدنيا لنفسه قدر أ،
وقال أيضا: الفكرة مرآة ترى المؤمن حسناته وسيئاته،
وقال: فقد الأحبة غربة،
وكان يقول: إن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وآخرون عبدوه رغبة فتلك عبادة التجار، وآخرون عبدوه محبة وشكرا فتلك عبادة الأحرار الأخيار.
وقال لابنه: يا بنى لا تصحب فاسقا فإنه
стр. 2936
يبيعك بأكلة وأقل منها يطمع فيها ثم لا ينالها، ولا بخيلا فإنه يخذلك في ماله أحوج ما تكون إليه، ولا كذابا فإنه كالسراب يقرب منك البعيد ويباعد عنك القريب، ولا أحمق فإنه يريد أن ينفعك فيضرك، ولا قاطع رحم فإنه ملعون في كتاب الله. قال تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ * أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ﴾
وكان على بن الحسين إذا دخل المسجد تخطي الناس حتى يجلس في حلقة زيد بن أسلم، فقال له نافع بن جبير بن مطعم: غفر الله لك، أنت سيد الناس تأتى تخطي حلق أهل العلم وقريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود؟ فقال له على بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، وإن العلم يطلب حيث كان.
وقال الأعمش عن مسعود بن مالك قال قال لي على بن الحسين: أتستطيع أن تجمع بيني وبين سعيد بن جبير؟ فقلت: ما تصنع به؟ قال أريد أسأله عن أشياء ينفعنا الله بها ولا منقصة، إنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء - وأشار بيده إلى العراق -
وقال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن آدم ثنا إسرائيل عن أبى إسحاق عن زر بن عبيد (١) قال:
كنت عند ابن عباس فأتى على بن الحسين فقال ابن عباس: مرحبا بالحبيب ابن الحبيب.
وقال أبو بكر بن محمد بن يحيى الصولي: ثنا العلاء ثنا إبراهيم بن بشار عن سفيان بن عيينة عن أبى الزبير قال: كنا عند جابر بن عبد الله فدخل عليه على بن الحسين فقال: كنت عند رسول الله ﷺ فدخل عليه الحسين بن على فضمه إليه وقبله وأقعده إلى جنبه، ثم قال: «يولد لا بنى هذا ابن يقال له على، إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش ليقم سيد العابدين، فيقوم هو» هذا حديث غريب جدا أورده ابن عساكر. وقال الزهري: كان أكثر مجالستي مع على بن الحسين، وما رأيت أفقه منه، وكان قليل الحديث، وكان من أفضل أهل بيته وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان وابنه عبد الملك، وكان يسمى زين العابدين. وقال جويرية بن أسماء: ما أكل على بن الحسين بقرابته من رسول الله ﷺ درهما قط. ﵀ ورضى عنه. وقال محمد بن سعد: أنبأ على بن محمد عن سعيد بن خالد عن المقبري قال: بعث المختار إلى على بن الحسين بمائة ألف فكره أن يقبلها وخاف أن يردها، فاحتبسها عنده، فلما قتل المختار كتب إلى عبد الملك بن مروان: إن المختار بعث إلى بمائة ألف فكرهت أن أقبلها وكرهت أن أردها، فابعث من يقبضها. فكتب إليه عبد الملك: يا ابن عم! خذها فقد طيبتها لك، فقبلها.
وقال على بن الحسين: سادة الناس في الدنيا الأسخياء الأتقياء، وفي الآخرة أهل الدين وأهل الفضل والعلم الأتقياء، لأن العلماء ورثة الأنبياء.
وقال أيضا: إني لأستحي من الله أن أرى الأخ من إخواني فأسأل الله له الجنة وأبخل عليه بالدنيا، فإذا كان يوم القيامة
стр. 2937
قيل لي فإذا كانت الجنة بيدك كنت بها أبخل، وأبخل وأبخل.
وذكروا أنه كان كثير البكاء فقيل له في ذلك فقال: إن يعقوب ﵇ بكى حتى ابيضت عيناه على يوسف، ولم يعلم أنه مات، وإني رأيت بضعة عشر من أهل بيتي يذبحون في غداة واحدة، فترون حزنهم يذهب من قلبي أبدا؟
وقال عبد الرزاق: سبكت جارية لعلى بن الحسين عليه ماء ليتوضأ فسقط الإبريق من يدها على وجهه فشجه، فرفع رأسه إليها فقالت الجارية: إن الله يقول ﴿وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾، فقال: قد كظمت غيظي، قالت ﴿وَالْعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ فقال: عفا الله عنك. فقالت ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: أنت حرة لوجه الله تعالى.
وقال الزبير بن بكار: ثنا عبد الله بن إبراهيم بن قدامة اللخمي عن أبيه عن جده عن محمد بن على عن أبيه قال: جلس قوم من أهل العراق فذكروا أبا بكر وعمر فنالوا منهما، ثم ابتدءوا في عثمان فقال لهم: أخبرونى أنتم من المهاجرين الأولين الذين ﴿أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾؟ قالوا: لا قال: فأنتم من الذين ﴿تَبَوَّؤُا الدّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾؟ قالوا لا! فقال لهم: أما أنتم فقد أقررتم وشهدتم على أنفسكم أنكم لستم من هؤلاء ولا من هؤلاء، وأنا أشهد أنكم لستم من الفرقة الثالثة الذين قال الله فيهم ﴿وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اِغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، فقوموا عنى لا بارك الله فيكم، ولا قرب دوركم، أنتم مستهزءون بالإسلام، ولستم من أهله.
وجاء رجل فسأله متى يبعث على؟ فقال: يبعث والله يوم القيامة وتهمه نفسه.
وقال ابن أبى الدنيا:
حدثت عن سعيد بن سليمان عن على بن هاشم عن أبى حمزة الثمالي أن على بن الحسين كان إذا خرج من بيته قال: اللهمّ إني أتصدق اليوم - أو أهب عرضي اليوم - من استحله.
وروى ابن أبى الدنيا أن غلاما سقط من يده سفود وهو يشوى شيئا في التنور على رأس صبي لعلى بن الحسين فقتله، فنهض على بن الحسين مسرعا، فلما نظر إليه قال للغلام: إنك لم تتعمد، أنت حر، ثم شرع في جهاز ابنه.
وقال المدائني: سمعت سفيان يقول: كان على بن الحسين يقول: ما يسرني أن لي بنصيبي من الذل حمر النعم: ورواه الزبير بن بكار من غير وجه عنه.
ومات لرجل ولد مسرف على نفسه فجزع عليه من أجل إسرافه، فقال له على بن الحسين: إن من وراء ابنك خلالا ثلاثا، شهادة أن لا إله إلا الله، وشفاعة رسول الله، ورحمة الله .
وقال المدائني: قارف الزهري ذنبا فاستوحش منه وهام على وجهه وترك أهله وماله. فلما اجتمع بعلي بن الحسين قال له: يا زهري قنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أعظم من ذنبك، فقال الزهري: الله أعلم حيث يجعل رسالاته وفي رواية أنه كان أصاب دما حراما خطأ فأمره على بالتوبة والاستغفار وأن يبعث الدية إلى أهله. ففعل ذلك. وكان
стр. 2938
الزهري يقول: على بن الحسين أعظم الناس على منة.
وقال سفيان بن عيينة كان على بن الحسين يقول: لا يقول رجل في رجل من الخير ما لا يعلم إلا أوشك أن يقول فيه من الشر ما لا يعلم، وما اصطحب اثنان على معصية إلا أوشك أن يفترقا على غير طاعة. وذكروا أنه زوج أمه من مولى له وأعتق أمه فتزوجها فأرسل إليه عبد الملك يلومه في ذلك، فكتب إليه ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيراً﴾ وقد أعتق صفية فتزوجها، وزوج مولاه زيد بن حارثة من بنت عمه زينب بنت جحش.
قالوا: وكان يلبس في الشتاء خميصة من خز بخمسين دينارا، فإذا جاء الصيف تصدق بها، ويلبس في الصيف الثياب المرقعة ودونها ويتلو قوله تعالى ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.
(وقد روى من طرق ذكرها الصولي والجريريّ وغير واحد أن هشام بن عبد الملك حج في خلافة أبيه وأخيه الوليد، فطاف بالبيت، فلما أراد أن يستلم الحجر لم يتمكن حتى نصب له منبر فاستلم وجلس عليه، وقام أهل الشام حوله، فبينما هو كذلك إذ أقبل على بن الحسين، فلما دنا من الحجر ليستلمه تنحى عنه الناس إجلالا له وهيبة واحتراما، وهو في بزة حسنة، وشكل مليح، فقال أهل الشام لهشام: من هذا؟ فقال: لا أعرفه - استنقاصا به واحتفارا؟ لئلا يرغب فيه أهل الشام - فقال الفرزدق - وكان حاضرا - أنا أعرفه، فقالوا: ومن هو؟ فأشار الفرزدق يقول:
هذا الّذي تعرف البطحاء وطأته … والبيت يعرفه والحل والحرم
هذا ابن خير عباد الله كلهم … هذا التقى النقي الطاهر العلم
إذا رأته قريش قال قائلها … إلى مكارم هذا ينتهى الكرم
ينمى إلى ذروة العز التي قصرت … عن نيلها عرب الإسلام والعجم
يكاد يمسكه عرفان راحته … ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
يغضى حياء ويغضى من مهابته … فما يكلم إلا حين يبتسم
بكفه خيزران ريحها عبق … من كف أروع في عرنينه شمم
مشتقة من رسول الله نبعته … طابت عناصرها والخيم والشيم
ينجاب نور الهدى من نور غرته … كالشمس ينجاب عن إشراقها الغيم
حمال أثقال أقوام إذا فدحوا … حلو الشمائل تحلو عنده نعم
هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله … بجده أنبياء الله قد ختموا
من جده دان فضل الأنبياء له … وفضل أمته دانت لها الأمم
стр. 2939
عم البرية بالإحسان فانقشعت … عنها الغواية والاملاق والظلم
كلتا يديه غياث عم نفعهما … يستوكفان ولا يعروهما العدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره … يزينه اثنتان الحلم والكرم
لا يخلف الوعد ميمون بغيبته … رحب الفناء أريب حين يعتزم
من معشر حبهم دين وبغضهم … كفر وقر بهم منجى ومعتصم
يستدفع السوء والبلوى بحبهم … ويستزاد به الإحسان والنعم
مقدم بعد ذكر الله ذكرهم … في كل حكم ومختوم به الكلم
إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم … أو قيل من خير أهل الأرض قيل هم
لا يستطيع جواد بعد غايتهم … ولا يدانيهم قوم وإن كرموا
هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت … والأسد أسد الشري والبأس محتدم
يأبى لهم أن يحل الذم ساحتهم … خيم كرام وأيد بالندى هضم
لا ينقص العدم بسطا من أكفهم … سيان ذلك إن أثروا وإن عدموا
أي الخلائق ليست في رقابهم … لأولية هذا أوله نعم
فليس قولك من هذا بضائره … العرب تعرف من أنكرت والعجم
من يعرف الله يعرف أولية ذا … فالدين من بيت هذا ناله الأمم
قال: فغضب هشام من ذلك وأمر بحبس الفرزدق بعسفان، بين مكة والمدينة،
فلما بلغ ذلك على بن الحسين بعث إلى الفرزدق باثني عشر ألف درهم، فلم يقبلها وقال: إنما قلت ما قلت لله ونصرة للحق، وقياما بحق رسول الله ﷺ في ذريته، ولست أعتاض عن ذلك بشيء.
فأرسل إليه على بن الحسين يقول: قد علم الله صدق نيتك في ذلك، وأقسمت عليك بالله لتقبلنها فتقبلها منه ثم جعل يهجو هشاما وكان مما قال فيه:
تحبسني بين المدينة والتي … إليها قلوب الناس تهوى منيبها
يقلب رأسا لم يكن رأس سيد … وعينين حولاوين باد عيوبها
وقد روينا عن على بن الحسين أنه كان إذا مرت به الجنازة يقول هذين البيتين:
نراع إذا الجنائز قابلتنا … ونلهو حين تمضى ذاهبات
كروعة ثلّة لمغار سبع … فلما غاب عادت راتعات
وروى الحافظ ابن عساكر من طريق محمد بن عبد الله المقري حدثني سفيان بن عيينة عن الزهري قال سمعت على بن الحسين سيد العابدين يحاسب نفسه ويناجي ربه: -
стр. 2940
يا نفس حتام إلى الدنيا سكونك، وإلى عمارتها ركونك، أما اعتبرت بمن مضى من أسلافك ومن وارته الأرض من ألاّفك؟ ومن فجعت به من إخوانك، ونقل إلى الثرى من أقرانك؟ فهم في بطون الأرض بعد ظهورها، محاسنهم فيها بوال دواثر.
خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم … وساقتهم نحو المنايا المقادر
وخلوا عن الدنيا وما جمعوا لها … وضمهم تحت التراب الحفائر
كم خرمت أيدي المنون من قرون بعد قرون، وكم غيرت الأرض ببلائها، وغيبت في ترابها، ممن عاشرت من صنوف وشيعتهم إلى الأمارس، ثم رجعت [عنهم إلى عمل أهل الإفلاس: -
وأنت على الدنيا مكب منافس … لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمشى وتصبح لاهيا … أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
وإن امرأ يسعى لدنياه دائبا … ويذهل عن أخراه لا شك خاسر
فحتام على الدنيا إقبالك؟ وبشهواتها اشتغالك؟ وقد وخطك القتير، وأتاك النذير، وأنت عما يراد بك ساه وبلذة يومك وغدك لاه، وقد رأيت انقلاب أهل الشهوات، وعاينت ما حل بهم من المصيبات،
وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى … عن اللهو واللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الأربعين تربص … وشيب قذال منذر للكابر
كأنك معنى بما هو ضائر … لنفسك عمدا وعن الرشد حائر
انظر إلى الأمم الماضية والملوك الفانية كيف اختطفتهم عقبان الأيام، ووافاهم الحمام، فانمحت من الدنيا آثارهم، وبقيت فيها أخبارهم، وأضحوا رمما في التراب، إلى يوم الحشر والمآب،
أمسحوا رميما في التراب وعطلت … مجالسهم منهم وأخلى مقاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم … وأنى لسكان القبور التزاور
فما أن ترى الا قبورا قد ثووا بها … مسطحة تسفى عليها الأعاصر
كم من ذي منعة وسلطان وجنود وأعوان، تمكن من دنياه، ونال فيها ما تمناه، وبنى فيها القصور والدساكر، وجمع فيها الأموال والذخائر، وملح السراري والحرائر.
فما صرفت كف المنية إذ أتت … مبادرة تهوى إليه الذخائر
ولا دفعت عنه الحصون التي بنى … وحف بها أنهاره والدساكر
ولا قارعت عنه المنية حيلة … ولا طمعت في الذب عنه العساكر
أتاه من الله ما لا يرد، ونزل به من قضائه ما لا يصد، فتعالى الله الملك الجبار، المتكبر العزيز القهار، قاصم الجبارين، ومبيد المتكبرين، الّذي ذل لعزه كل سلطان، وأباد بقوته كل ديان.
стр. 2941
مليك عزيز لا يرد قضاؤه … حكيم عليم نافذ الأمر قاهر
عنى كل ذي عز لعزة وجهه … فكم من عزيز للمهيمن صاغر
لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت … لعزة ذي العرش الملوك الجبابر
فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها، وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها،
وفي دون ما عاينت من فجعاتها … إلى دفعها داع وبالزهد آمر
فجد ولا تغفل وكن متيقظا … فعما قليل يترك الدار عامر
فشمر ولا تفتر فعمرك زائل … وأنت إلى دار الاقامة صائر
ولا تطلب الدنيا فان نعيمها … وإن نلت منها غبه لك ضائر
فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات.
ألا لا ولكنا نغرّ نفوسنا … وتشغلنا اللذات عما نحاذر
وكيف يلذ العيش من هو موقف … بموقف عدل يوم تبلى السرائر
كأنا نرى أن لا نشور وأننا … سدى مالنا بعد الممات مصادر
وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة عذابه في مصابها وفي طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها
أما قد نرى في كل يوم وليلة … يروح علينا صرفها ويباكر
تعاورنا آفاتها وهمومها … وكم قد ترى يبقى لها المتعاور
فلا هو مغبوط بدنياه آمن … ولا هو عن تطلابها النفس قاصر
كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه. ولم تخلصه من وصمه.
بل أوردته بعد عز ومنعة … موارد سوء ما لهن مصادر] (١)
فلما رأى أن لا نجاة وأنه … هو الموت لا ينجيه منه التحاذر
تندم إذ لم تغن عنه ندامة … عليه وأبكته الذنوب الكبائر
إذ بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه، واستغفر حتى لا ينفعه الاستغفار، ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية.
стр. 2942
أحاطت به أحزانه وهمومه … وأبلس لما أعجزته المقادر
فليس له من كربة الموت فارج … وليس له مما يحاذر ناصر
وقد جشأت خوف المنية نفسه … ترددها منه اللها والحناجر
هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه، وتخلى عند الصديق، والصاحب الشفيق.
فكم موجع يبكى عليه مفجع … ومستنجد صبرا وما هو صابر
ومسترجع داع له الله مخلصا … يعدد منه كل ما هو ذاكر
وكم شامت مستبشر بوفاته … وعما قليل للذي صار صائر
فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا لا برازه، كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدى.
وحل أحب القوم كان بقربة … يحث على تجهيزه ويبادر
وشمر من قد أحضروه لغسله … ووجه لما فاض للقبر حافر
وكفن في ثوبين واجتمعت له … مشيعة إخوانه والعشائر
فلو رأيت الأصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه وا حرباه: -
لعاينت من قبح المنية منظرا … يهال لمرآه ويرتاع ناظر
أكابر أولاد يهيج اكتئابهم … إذا ما تناساه البنون الأصاغر
وربّة نسوان عليه جوازع … مدامعهم فوق الخدود غوازر
ثم أخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد وهيئ عليه اللبن، احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنا بما كسب وطلب
فولوا عليه معولين وكلهم … لمثل الّذي لاقى أخوه محاذر
كشاء رتاع آمنين بدا لها … بمديته بادى الذراعين حاسر
فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت … فلما نأى عنها الّذي هو جازر
عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الأنعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى.
ثوى مفردا في لحده وتوزعت … مواريثه أولاده والأصاهر
стр. 2943
وأحنوا على أمواله يقسمونها … فلا حامد منهم عليها وشاكر
فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها … ويا آمنا من أن تدور الدوائر
كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟ أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك إلى مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات
ولم تتزود للرحيل وقد دنا … وأنت على حال وشيك مسافر
فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي … وعمري فان والردى لي ناظر
وكل الّذي أسلفت في الصحف مثبت … يجازى عليه عادل الحكم قادر
فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورا، ومساكنهم قبورا:
تخرب ما يبقى وتعمر فانيا … فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر
وهل لك إن وافاك حتفك بغتة … ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر
أترضى بان تفنى الحياة وتنقضي … ودينك منقوص ومالك وافر
وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفى فيها على بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلى عليه بالبقيع، ودفن به، قال الفلاس: مات على بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين، وقال بعضهم: توفى سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين، وأغرب المدائني في قوله: إنه توفى سنة تسع وتسعين والله أعلم انتهى ما ذكره المؤلف [من ترجمة على بن الحسين وقد رأيت له كلاما متفرقا وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه:
قال حفص بن غياث عن حجاج عن أبى جعفر عن على بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر.
وقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا أحمد بن الصلت حدثنا قاسم بن إبراهيم العلويّ حدثنا أبى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال على بن الحسين: فقد الأحبة غربة.
وكان يقول: اللهمّ إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي، اللهمّ كما أسأت وأحسنت إلى، فإذا عدت فعد إلى. اللهمّ ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك بما وسعت على من فضلك.
وقال لابنه: يا بنى اتخذ ثوبا للغائط فانى رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب. ثم انتبه فقال: وما كان لرسول الله ﷺ وأصحابه إلا ثوب واحد، فرفضه.
وعن أبى حمزة الثمالي قال: أتيت باب على بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على
стр. 2944
الباب حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد على السلام ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال: يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فانى اتكأت عليه يوما وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا على بن الحسين! ما لي أراك كئيبا حزينا على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البر والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟ فهي وعد صادق، بحكم فيها ملك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول. فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة - يعنى فتنة ابن الزبير - فقال لي: يا على! هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا! قال ويخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عنى فقيل لي: يا على إن هذا الخضر الّذي جاءك لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الخضرى حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن عمر بن حارث. قال: لما مات على بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره. فقالوا:
ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة. وقال ابن عائشة:
سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات على بن الحسين.
وروى عبد الله بن حنبل عن ابن إشكاب عن محمد بن بشر عن أبى المنهال الطائي أن على بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله.
وقال الطبري: حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي حدثنا العتبى حدثني أبى. قال قال على بن الحسين - وكان من أفضل بنى هاشم الأربعة - يا بنى اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الأمر الّذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك
. وروى الطبراني باسناده عنه: أنه كان جالسا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحبه، ونحمده على ما نكره.
وروى الطبراني عنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة. فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون قبل الحساب؟ قالوا:
نعم! قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حملنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادى مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء. فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادى المنادي: ليقم جيران الله في داره! فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم:
стр. 2945
انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: بم استحققتم مجاورة الله في داره؟ فيقولون: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله . فيقال لهم، ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين.
وقال على بن الحسين: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب.
وقال: التارك للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقى منهم تقاة. قالوا: وما تقاه؟ قال:
يخاف جبارا عنيدا أن يسطو عليه وأن يطغى. وقال رجل لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحدا أورع من فلان. فقال له سعيد: هل رأيت على بن الحسين؟ قال: لا! قال: ما رأيت أورع منه.
وروى سفيان بن عيينة عن الزهري. قال: دخلت على على بن الحسين فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قلت:
كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأيي ورأى أصحابى على أنه ليس من الصوم شيء واجب، إلا شهر رمضان فقال! يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجها، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزهري قلت: فسّرهن يا ابن رسول الله ﷺ ، قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدى وصوم جزاء الصيد، يقوّم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة. وأما الّذي صاحبه بالخيار فصوم الإثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار. فأما صوم الأذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا باذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان. وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، قال رسول الله ﷺ : «من نزل على قوم لا يصومن تطوعا إلا بأذنهم».
وأما صوم الاباحة فمن أكل أو شرب ناسيا أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم:
يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم إن شاء صام وإن شاء أفطر» وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فان صام في السفر والمرض فعليه القضاء] (١)
أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمد، وقيل اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وله من