← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

مليك عزيز لا يرد قضاؤه … حكيم عليم نافذ الأمر قاهر عنى كل ذي عز لعزة وجهه … فكم من عزيز للمهيمن صاغر لقد خضعت واستسلمت وتضاءلت … لعزة ذي العرش الملوك الجبابر فالبدار البدار والحذار الحذار من الدنيا ومكايدها، وما نصبت لك من مصايدها، وتحلت لك من زينتها، وأظهرت لك من بهجتها، وأبرزت لك من شهواتها، وأخفت عنك من قواتلها وهلكاتها، وفي دون ما عاينت من فجعاتها … إلى دفعها داع وبالزهد آمر فجد ولا تغفل وكن متيقظا … فعما قليل يترك الدار عامر فشمر ولا تفتر فعمرك زائل … وأنت إلى دار الاقامة صائر ولا تطلب الدنيا فان نعيمها … وإن نلت منها غبه لك ضائر فهل يحرص عليها لبيب، أو يسر بها أريب؟ وهو على ثقة من فنائها، وغير طامع في بقائها، أم كيف تنام عينا من يخشى البيات، وتسكن نفس من توقع في جميع أموره الممات. ألا لا ولكنا نغرّ نفوسنا … وتشغلنا اللذات عما نحاذر وكيف يلذ العيش من هو موقف … بموقف عدل يوم تبلى السرائر كأنا نرى أن لا نشور وأننا … سدى مالنا بعد الممات مصادر وما عسى أن ينال صاحب الدنيا من لذتها ويتمتع به من بهجتها، مع صنوف عجائبها وقوارع فجائعها، وكثرة عذابه في مصابها وفي طلبها، وما يكابد من أسقامها وأوصابها وآلامها أما قد نرى في كل يوم وليلة … يروح علينا صرفها ويباكر تعاورنا آفاتها وهمومها … وكم قد ترى يبقى لها المتعاور فلا هو مغبوط بدنياه آمن … ولا هو عن تطلابها النفس قاصر كم قد غرت الدنيا من مخلد إليها، وصرعت من مكب عليها، فلم تنعشه من عثرته، ولم تنقذه من صرعته، ولم تشفه من ألمه، ولم تبره من سقمه. ولم تخلصه من وصمه. بل أوردته بعد عز ومنعة … موارد سوء ما لهن مصادر] (١) فلما رأى أن لا نجاة وأنه … هو الموت لا ينجيه منه التحاذر تندم إذ لم تغن عنه ندامة … عليه وأبكته الذنوب الكبائر إذ بكى على ما سلف من خطاياه، وتحسر على ما خلف من دنياه، واستغفر حتى لا ينفعه الاستغفار، ولا ينجيه الاعتذار، عند هول المنية ونزول البلية.

стр. 2942

أحاطت به أحزانه وهمومه … وأبلس لما أعجزته المقادر فليس له من كربة الموت فارج … وليس له مما يحاذر ناصر وقد جشأت خوف المنية نفسه … ترددها منه اللها والحناجر هنالك خف عواده، وأسلمه أهله وأولاده، وارتفعت البرية بالعويل، وقد أيسوا من العليل، فغمضوا بأيديهم عينيه، ومد عند خروج روحه رجليه، وتخلى عند الصديق، والصاحب الشفيق. فكم موجع يبكى عليه مفجع … ومستنجد صبرا وما هو صابر ومسترجع داع له الله مخلصا … يعدد منه كل ما هو ذاكر وكم شامت مستبشر بوفاته … وعما قليل للذي صار صائر فشقت جيوبها نساؤه، ولطمت خدودها إماؤه، وأعول لفقده جيرانه، وتوجع لرزيته إخوانه، ثم أقبلوا على جهازه، وشمروا لا برازه، كأنه لم يكن بينهم العزيز المفدى، ولا الحبيب المبدى. وحل أحب القوم كان بقربة … يحث على تجهيزه ويبادر وشمر من قد أحضروه لغسله … ووجه لما فاض للقبر حافر وكفن في ثوبين واجتمعت له … مشيعة إخوانه والعشائر فلو رأيت الأصغر من أولاده، وقد غلب الحزن على فؤاده، ويخشى من الجزع عليه، وخضبت الدموع عينيه، وهو يندب أباه ويقول: يا ويلاه وا حرباه: - لعاينت من قبح المنية منظرا … يهال لمرآه ويرتاع ناظر أكابر أولاد يهيج اكتئابهم … إذا ما تناساه البنون الأصاغر وربّة نسوان عليه جوازع … مدامعهم فوق الخدود غوازر ثم أخرج من سعة قصره، إلى ضيق قبره، فلما استقر في اللحد وهيئ عليه اللبن، احتوشته أعماله وأحاطت به خطاياه، وضاق ذرعا بما رآه، ثم حثوا بأيديهم عليه التراب، وأكثروا البكاء عليه والانتحاب، ثم وقفوا ساعة عليه، وأيسوا من النظر إليه، وتركوه رهنا بما كسب وطلب فولوا عليه معولين وكلهم … لمثل الّذي لاقى أخوه محاذر كشاء رتاع آمنين بدا لها … بمديته بادى الذراعين حاسر فريعت ولم ترتع قليلا وأجفلت … فلما نأى عنها الّذي هو جازر عادت إلى مرعاها، ونسيت ما في أختها دهاها، أفبأفعال الأنعام اقتدينا؟ أم على عادتها جرينا؟ عد إلى ذكر المنقول إلى دار البلى، واعتبر بموضعه تحت الثرى، المدفوع إلى هول ما ترى. ثوى مفردا في لحده وتوزعت … مواريثه أولاده والأصاهر

стр. 2943

وأحنوا على أمواله يقسمونها … فلا حامد منهم عليها وشاكر فيا عامر الدنيا ويا ساعيا لها … ويا آمنا من أن تدور الدوائر كيف أمنت هذه الحالة وأنت صائر إليها لا محالة؟ أم كيف ضيعت حياتك وهي مطيتك إلى مماتك؟ أم كيف تشبع من طعامك وأنت منتظر حمامك؟ أم كيف تهنأ بالشهوات، وهي مطية الآفات ولم تتزود للرحيل وقد دنا … وأنت على حال وشيك مسافر فيا لهف نفسي كم أسوف توبتي … وعمري فان والردى لي ناظر وكل الّذي أسلفت في الصحف مثبت … يجازى عليه عادل الحكم قادر فكم ترقع بآخرتك دنياك، وتركب غيك وهواك، أراك ضعيف اليقين، يا مؤثر الدنيا على الدين أبهذا أمرك الرحمن؟ أم على هذا نزل القرآن؟ أما تذكر ما أمامك من شدة الحساب، وشر المآب أما تذكر حال من جمع وثمر، ورفع البناء وزخرف وعمر، أما صار جمعهم بورا، ومساكنهم قبورا: تخرب ما يبقى وتعمر فانيا … فلا ذاك موفور ولا ذاك عامر وهل لك إن وافاك حتفك بغتة … ولم تكتسب خيرا لدى الله عاذر أترضى بان تفنى الحياة وتنقضي … ودينك منقوص ومالك وافر وقد اختلف أهل التاريخ في السنة التي توفى فيها على بن الحسين، زين العابدين، فالمشهور عن الجمهور أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة أربع وتسعين - في أولها عن ثمان وخمسين سنة، وصلى عليه بالبقيع، ودفن به، قال الفلاس: مات على بن الحسين وسعيد بن المسيب وعروة وأبو بكر بن عبد الرحمن سنة أربع وتسعين، وقال بعضهم: توفى سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين، وأغرب المدائني في قوله: إنه توفى سنة تسع وتسعين والله أعلم انتهى ما ذكره المؤلف [من ترجمة على بن الحسين وقد رأيت له كلاما متفرقا وهو من جيد الحكمة، فأحببت أن أذكره لعل الله أن ينفع به من وقف عليه: قال حفص بن غياث عن حجاج عن أبى جعفر عن على بن الحسين قال: إن الجسد إذا لم يمرض أشر وبطر، ولا خير في جسد يأشر ويبطر. وقال أبو بكر بن الأنباري: حدثنا أحمد بن الصلت حدثنا قاسم بن إبراهيم العلويّ حدثنا أبى عن جعفر بن محمد عن أبيه قال قال على بن الحسين: فقد الأحبة غربة. وكان يقول: اللهمّ إني أعوذ بك أن تحسن في لوامع العيون علانيتي، وتقبح في خفيات الغيوب سريرتي، اللهمّ كما أسأت وأحسنت إلى، فإذا عدت فعد إلى. اللهمّ ارزقني مواساة من قترت عليه رزقك بما وسعت على من فضلك. وقال لابنه: يا بنى اتخذ ثوبا للغائط فانى رأيت الذباب يقع على الشيء ثم يقع على الثوب. ثم انتبه فقال: وما كان لرسول الله ﷺ وأصحابه إلا ثوب واحد، فرفضه. وعن أبى حمزة الثمالي قال: أتيت باب على بن الحسين فكرهت أن أصوت فقعدت على

стр. 2944

الباب حتى خرج فسلمت عليه ودعوت له فرد على السلام ودعا لي، ثم انتهى إلى حائط فقال: يا حمزة ترى هذا الحائط؟ قلت: نعم! قال: فانى اتكأت عليه يوما وأنا حزين فإذا رجل حسن الوجه حسن الثياب ينظر في تجاه وجهي، ثم قال: يا على بن الحسين! ما لي أراك كئيبا حزينا على الدنيا! فهي رزق حاضر يأخذ منها البر والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن لأنها كما تقول، فقال على الآخرة؟ فهي وعد صادق، بحكم فيها ملك قادر، فقلت: ما على هذا أحزن لأنه كما تقول. فقال: فعلام حزنك؟ فقلت: ما أتخوف من الفتنة - يعنى فتنة ابن الزبير - فقال لي: يا على! هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟ قلت: لا! قال ويخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا! ثم غاب عنى فقيل لي: يا على إن هذا الخضر الّذي جاءك لفظ الخضر مزاد فيه من بعض الرواة. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عبد الله الخضرى حدثنا عثمان بن أبى شيبة حدثنا جرير عن عمر بن حارث. قال: لما مات على بن الحسين فغسلوه جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره. فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة. وقال ابن عائشة: سمعت أهل المدينة يقولون: ما فقدنا صدقة السر حتى مات على بن الحسين. وروى عبد الله بن حنبل عن ابن إشكاب عن محمد بن بشر عن أبى المنهال الطائي أن على بن الحسين كان إذا ناول المسكين الصدقة قبله ثم ناوله. وقال الطبري: حدثنا يحيى بن زكريا الغلابي حدثنا العتبى حدثني أبى. قال قال على بن الحسين - وكان من أفضل بنى هاشم الأربعة - يا بنى اصبر على النوائب ولا تتعرض للحقوق، ولا تخيب أخاك إلا في الأمر الّذي مضرته عليك أكثر من منفعته لك . وروى الطبراني باسناده عنه: أنه كان جالسا في جماعة فسمع داعية في بيته فنهض فدخل منزله ثم رجع إلى مجلسه، فقيل له: أمن حدث كانت الداعية؟ قال: نعم! فعزوه وتعجبوا من صبره، فقال: إنا أهل بيت نطيع الله فيما نحبه، ونحمده على ما نكره. وروى الطبراني عنه قال: إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم أهل الفضل فيقوم ناس من الناس فيقال لهم: انطلقوا إلى الجنة. فتلقاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنة. فيقولون قبل الحساب؟ قالوا: نعم! قالوا: من أنتم؟ قالوا نحن أهل الفضل، قالوا: وما كان فضلكم؟ قالوا: كنا إذا جهل علينا حملنا، وإذا ظلمنا صبرنا، وإذا أسيء إلينا غفرنا، قالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادى مناد: ليقم أهل الصبر، فيقوم ناس من الناس فيقال لهم انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك فيقولون: نحن أهل الصبر، قالوا: فما كان صبركم؟ قالوا: صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معصية الله، وصبرناها على البلاء. فقالوا لهم: ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. ثم ينادى المنادي: ليقم جيران الله في داره! فيقوم ناس من الناس وهم قليل، فيقال لهم:

стр. 2945

انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون لهم مثل ذلك، فيقولون: بم استحققتم مجاورة الله في داره؟ فيقولون: كنا نتزاور في الله، ونتجالس في الله، ونتباذل في الله . فيقال لهم، ادخلوا الجنة فنعم أجر العاملين. وقال على بن الحسين: إن الله يحب المؤمن المذنب التواب. وقال: التارك للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كالنابذ كتاب الله وراء ظهره، إلا أن يتقى منهم تقاة. قالوا: وما تقاه؟ قال: يخاف جبارا عنيدا أن يسطو عليه وأن يطغى. وقال رجل لسعيد بن المسيب: ما رأيت أحدا أورع من فلان. فقال له سعيد: هل رأيت على بن الحسين؟ قال: لا! قال: ما رأيت أورع منه. وروى سفيان بن عيينة عن الزهري. قال: دخلت على على بن الحسين فقال: يا زهري فيم كنتم؟ قلت: كنا نتذاكر الصوم، فأجمع رأيي ورأى أصحابى على أنه ليس من الصوم شيء واجب، إلا شهر رمضان فقال! يا زهري ليس كما قلتم، الصوم على أربعين وجها، عشرة منها واجب كوجوب شهر رمضان، وعشرة منها حرام، وأربع عشرة منها صاحبها بالخيار، إن شاء صام وإن شاء أفطر، وصوم النذر واجب، وصوم الاعتكاف واجب، قال الزهري قلت: فسّرهن يا ابن رسول الله ﷺ ، قال: أما الواجب فصوم شهر رمضان، وصوم شهرين متتابعين في قتل الخطأ لمن لم يجد العتق، وصيام ثلاثة أيام كفارة اليمين لمن لم يجد الإطعام، وصيام حلق الرأس، وصوم دم المتعة لمن لم يجد الهدى وصوم جزاء الصيد، يقوّم الصيد قيمته ثم يقسم ذلك الثمن على الحنطة. وأما الّذي صاحبه بالخيار فصوم الإثنين والخميس، وستة أيام من شوال بعد رمضان، وصوم عرفة ويوم عاشوراء، كل ذلك صاحبه بالخيار. فأما صوم الأذن فالمرأة لا تصوم تطوعا إلا باذن زوجها، وكذلك العبد والأمة، وأما صوم الحرام فصوم يوم الفطر والأضحى، وأيام التشريق، ويوم الشك، نهينا أن نصومه لرمضان. وصوم الوصال حرام، وصوم الصمت حرام، وصوم نذر المعصية حرام، وصوم الدهر، وصوم الضيف لا يصوم تطوعا إلا باذن صاحبه، قال رسول الله ﷺ : «من نزل على قوم لا يصومن تطوعا إلا بأذنهم». وأما صوم الاباحة فمن أكل أو شرب ناسيا أجزأه صومه، وأما صوم المريض والمسافر فقال قوم: يصوم، وقال قوم لا يصوم، وقال قوم إن شاء صام وإن شاء أفطر» وأما نحن فنقول: يفطر في الحالين، فان صام في السفر والمرض فعليه القضاء] (١) أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المدني أحد الفقهاء السبعة، قيل اسمه محمد، وقيل اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد، وله من

стр. 2946

الأولاد والاخوة كثير، وهو تابعي جليل، روى عن عمار وأبى هريرة وأسماء بنت أبى بكر، وعائشة وأم سلمة وغيرهم، وعنه جماعة منهم بنوه سلمة وعبد الله وعبد الملك وعمر، ومولاه سمى، وعامر الشعبي وعمر بن عبد العزيز، وعمرو بن دينار، ومجاهد، والزهري. ولد في خلافة عمر، وكان يقال له راهب قريش، لكثرة صلاته، وكان مكفوفا، وكان يصوم الدهر، وكان من الثقة والأمانة والفقه وصحة الرواية على جانب عظيم، قال أبو داود: وكان قد كف وكان إذا سجد يضع يده في طست لعلة كان يجدها. والصحيح أنه مات في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. والله أعلم. [قلت: ونظم بعض الشعراء بيتين ذكر فيهما الفقهاء السبعة فقال: - ألا كل من لا يقتدى بأئمة … فقسمته جبرا عن الحق خارجة فخذهم عبيد الله عروة قاسم … سعيد أبو بكر سليمان خارجة وفيها توفى الفضل بن زياد الرقاشيّ، أحد زهاد أهل البصرة، وله مناقب وفضائل كثيرة جدا، قال: لا يلهينك الناس عن ذات نفسك، فان الأمر يخلص إليك دونهم، ولا تقطع نهارك بكيت وكيت، فإنه محفوظ عليك ما قلت. وقال: لم أر شيئا أحسن طلبا، ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثة لذنب قديم. أبو سلمة أبو عبد الرحمن بن عوف الزهري، كان أحد فقهاء المدينة، وكان إماما عالما، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة، وكان واسع العلم. توفى بالمدينة. عبد الرحمن بن عائذ الأزدي، له روايات كثيرة، وكان عالما، وخلف كتبا كثيرة من علمه، روى عن جماعة من الصحابة، وأسر يوم وقعة ابن الأشعث فأطلقه الحجاج. عبد الرحمن بن معاوية بن خزيمة، قاضى مصر لعمر بن عبد العزيز بن مروان وصاحب شرطته، كان عالما فاضلا، روى الحديث وعنه جماعة] (١) ثم دخلت سنة خمس وتسعين فيها غزا العباس بن الوليد بلاد الروم، وافتتح حصونا كثيرة. وفيها فتح مسلمة بن عبد الملك مدينة في بلاد الروم، ثم حرقها ثم بناها بعد ذلك بعشر سنين، وفيها افتتح محمد بن القاسم مدينة المولينا (٢) من بلاد الهند، وأخذ منها أموالا جزيلة، وفيها قدم موسى بن نصير من بلاد الأندلس إلى إفريقية ومعه الأموال على العجل تحمل من كثرتها، ومعه ثلاثون ألف رأس من السبي، وفيها غزا قتيبة بن مسلم بلاد الشاش، ففتح مدنا وأقاليم كثيرة، فلما كان هناك جاءه الخبر بموت الحجاج بن يوسف فقمعه ذلك ورجع بالناس إلى مدينة مرو وتمثل بقول بعض الشعراء:

стр. 2947

لعمري لنعم المرء من آل جعفر … بحوران أمسى أعلقته الحبائل فان تحيا لا أملك حياتي وإن تمت … فما في حياتي بعد موتك طائل وفيها كتب الوليد إلى قتيبة بأن يستمر على ما هو عليه من مناجزة الأعداء، ويعده على ذلك ويجزيه خيرا، ويثنى عليه بما صنع من الجهاد وفتح البلاد وقتال أهل الكفر والعناد. وقد كان الحجاج استخلف على الصلاة ابنه عبد الله، فولى الوليد الصلاة والحرب بالمصرين - الكوفة والبصرة - يزيد بن أبى كبشة، وولى خراجهما يزيد بن مسلم، وقيل كان الحجاج يستخلفهما على ذلك فأقرهما الوليد، واستمر سائر نواب الحجاج على ما كانوا عليه، وكانت وفاة الحجاج لخمس، وقيل لثلاث بقين من رمضان، وقيل مات في شوال من هذه السنة. وحج بالناس فيها بشر بن الوليد بن عبد الملك، قاله أبو معشر والواقدي. وفيها قتل الوضاحى بأرض الروم ومعه ألف من أصحابه، وفي هذه السنة كان مولد أبى جعفر المنصور عبد الله بن محمد ابن على بن عبد الله بن عباس. وهذه ترجمة الحجاج بن يوسف الثقفي وذكر وفاته هو الحجاج بن يوسف بن أبى عقيل بن مسعود بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو ابن سعد بن عوف بن ثقيف، وهو قسى بن منبه بن بكر بن هوازن، أبو محمد الثقفي، سمع ابن عباس وروى عن أنس وسمرة بن جندب وعبد الملك بن مروان وأبى بردة بن أبى موسى، وروى عنه أنس بن مالك، وثابت البناني، وحميد الطويل، ومالك بن دينار، وجواد بن مجالد، وقتيبة بن مسلم، وسعيد بن أبى عروبة. قاله ابن عساكر، قال: وكانت له بدمشق دور منها دار الرواية بقرب قصر ابن أبى الحديد. وولاه عبد الملك الحجاز فقتل ابن الزبير، ثم عزله عنها وولاه العراق. وقدم دمشق وافدا على عبد الملك، ثم روى من طريق المغيرة بن مسلم، سمعت أبى يقول: خطبنا الحجاج بن يوسف فذكر القبر، فما زال يقول: إنه بيت الوحدة، وبيت الغربة، حتى بكى وأبكى من حوله، ثم قال: سمعت أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان يقول: سمعت مروان يقول في خطبته: خطبنا عثمان بن عفان فقال في خطبته: «ما نظر رسول الله ﷺ إلى قبر أو ذكره إلا بكى». وهذا الحديث له شاهد في سنن أبى داود وغيره، وساق من طريق أحمد بن عبد الجبار: ثنا يسار عن جعفر عن مالك بن دينار قال: دخلت يوما على الحجاج فقال لي: يا ابا يحيى ألا أحدثك بحديث حسن عن رسول الله ﷺ ؟ فقلت: بلى! فقال: حدثني أبو بردة عن أبى موسى. قال قال رسول الله ﷺ : «من كانت له إلى الله حاجة فليدع بها في دبر صلاة مفروضة». وهذا الحديث له شاهد عن فضالة بن عبيد وغيره في السنن والمسانيد والله أعلم.

стр. 2948

قال الشافعيّ: سمعت من يذكر أن المغيرة بن شعبة دخل على امرأته وهي تتخلل - أي تخلل أسنانها لتخرج ما بينها من أذى - وكان ذلك في أول النهار، فقال: والله لئن كنت باكرت الغذاء إنك لرعينة دنية، وإن كان الّذي تخللين منه شيء بقي في فيك من البارحة إنك لقذرة، فطلقها فقالت: والله ما كان شيء مما ذكرت، ولكنني باكرت ما تباكره الحرة من السواك، فبقيت شظية في فمي منه فحاولتها لأخرجها. فقال المغيرة ليوسف أبى الحجاج: تزوجها فإنها لخليقة بأن تأتى برجل يسود، فتزوجها يوسف أبو الحجاج. قال الشافعيّ: فأخبرت أن أبا الحجاج لما بنى بها واقعها فنام فقيل له في النوم: ما أسرع ما ألقحت بالمبير. قال ابن خلكان: واسم أمه الفارعة بنت همام بن عروة بن مسعود الثقفي، وكان زوجها الحارث ابن كلدة الثقفي طبيب العرب، وذكر عنه هذه الحكاية في السواك. وذكر صاحب العقد أن الحجاج كان هو وأبوه يعلمان الغلمان بالطائف، ثم قدم دمشق فكان عند روح بن زنباع وزير عبد الملك، فشكا عبد الملك إلى روح أن الجيش لا ينزلون لنزوله ولا يرحلون لرحيله، فقال روح: عندي رجل توليه ذلك، فولى عبد الملك الحجاج أمر الجيش، فكان لا يتأخر أحد في النزول والرحيل، حتى اجتاز إلى فسطاط روح بن زنباع وهم يأكلون فضربهم وطوف بهم وأحرق الفسطاط، فشكا روح ذلك إلى عبد الملك، فقال للحجاج: لم صنعت هذا؟ فقال: لم أفعله إنما فعله أنت، فان يدي يدك، وسوطي سوطك، وما ضرك إذا أعطيت روحا فسطاطين بدل فسطاطه، وبدل الغلام غلامين، ولا تكسرنى في الّذي وليتني؟ ففعل ذلك وتقدم الحجاج عنده. قال: وبنى واسط في سنة أربع وثمانين، وفرغ منها في سنة ست وثمانين، وقيل قبل ذلك. قال: وفي أيامه نقطت المصاحف، وذكر في حكايته ما يدل أنه كان أولا يسمى كليبا، ثم سمى الحجاج. وذكر أنه ولد ولا مخرج له حتى فتق له مخرج، وأنه لم يرتضع أياما حتى سقوه دم جدي ثم دم سالح ولطخ وجهه بدمه فارتضع، وكانت فيه شهامة وحب لسفك الدماء، لأنه أول ما ارتضع ذلك الدم الّذي لطخ به وجهه، ويقال إن أمه هي المتمنية لنصر بن حجاج بن علاط، وقيل إنها أم أبيه والله أعلم. وكانت فيه شهامة عظيمة، وفي سيفه رهق، وكان كثير قتل النفوس التي حرمها الله بأدنى شبهة، وكان يغضب غضب الملوك، وكان فيما يزعم يتشبه بزياد بن أبيه، وكان زياد يتشبه بعمر بن الخطاب فيما يزعم أيضا، ولا سواء ولا قريب. وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سليم بن عنز التجيبي قاضى مصر، وكان من كبار التابعين. وكان ممن شهد خطبة عمر بن الخطاب بالجابية، وكان من الزهادة والعبادة على جانب عظيم، وكان يختم القرآن في كل ليلة ثلاث ختمات في الصلاة وغيرها، والمقصود أن الحجاج كان مع أبيه بمصر في جامعها فاجتاز بهما سليم بن عنز هذا فنهض إليه أبو

стр. 2949

الحجاج فسلم عليه، وقال له: إني ذاهب إلى أمير المؤمنين، فهل من حاجة لك عنده؟ قال: نعم! تسأله أن يعزلني عن القضاء. فقال: سبحان الله!! والله لا أعلم قاضيا اليوم خيرا منك. ثم رجع إلى ابنه الحجاج فقال له ابنه: يا أبة أتقوم إلى رجل من تحبيب وأنت ثقفي؟ فقال له: يا بنى والله إني لأحسب أن الناس يرحمون بهذا وأمثاله. فقال: والله ما على أمير المؤمنين أضر من هذا وأمثاله، فقال: ولم يا بنى؟ قال: لأن هذا وأمثاله يجتمع الناس إليهم فيحدثونهم عن سيرة أبى بكر وعمر، فيحقر الناس سيرة أمير المؤمنين ولا يرونها شيئا عند سيرتهما فيخلعونه ويخرجون عليه ويبغضونه، ولا يرون طاعته، والله لو خلص لي من الأمر شيء لأضربن عنق هذا وأمثاله. فقال له أبوه: يا بنى والله إني لأظن أن الله خلقك شقيا. وهذا يدل على أن أباه كان ذا وجاهة عند الخليفة، وأنه كان ذا فراسة صحيحة، فإنه تفرس في ابنه ما آل إليه أمره بعد ذلك، قالوا: وكان مولد الحجاج في سنة تسع وثلاثين، وقيل في سنة أربعين، وقيل في سنة إحدى وأربعين، ثم نشأ شابا لبيبا فصيحا بليغا حافظا للقرآن، قال بعض السلف: كان الحجاج يقرأ القرآن كل ليلة، وقال أبو عمرو بن العلاء: ما رأيت أفصح منه ومن الحسن البصري، وكان الحسن أفصح منه. وقال الدار قطنى: ذكر سليمان بن أبى منيح عن صالح بن سليمان قال قال عقبة بن عمرو: ما رأيت عقول الناس إلا قريبا بعضها من بعض، إلا الحجاج وإياس بن معاوية، فان عقولهما كانت ترجح على عقول الناس. وتقدم أن عبد الملك لما قتل مصعب بن الزبير سنة ثلاث وسبعين بعث الحجاج إلى أخيه عبد الله بمكة فحاصره بها وأقام للناس الحج عامئذ، ولم يتمكن ومن معه من الطواف بالبيت، ولا تمكن ابن الزبير ومن عنده من الوقوف، ولم يزل محاصره حتى ظفر به في جمادى سنة ثلاث وسبعين، ثم استنابه عبد الملك على مكة والمدينة والطائف واليمن، ثم نقله إلى العراق بعد موت أخيه بشر، فدخل الكوفة كما ذكرنا، وقال لهم وفعل بهم ما تقدم إيراده مفصلا، فأقام بين ظهرانيهم عشرين سنة كاملة، وفتح فيها فتوحات كثيرة، هائلة منتشرة، حتى وصلت خيوله إلى بلاد الهند والسند، ففتح فيها جملة مدن وأقاليم، ووصلت خيوله أيضا إلى قريب من بلاد الصين، وجرت له فصول قد ذكرناها. ونحن نورد هنا أشياء أخر مما وقع له من الأمور والجراءة والاقدام، والتهاون في الأمور العظام، مما يمدح على مثله ومما يذم بقوله وفعله، مما ساقه الحافظ ابن عساكر وغيره: فروى أبو بكر بن أبى خيثمة عن يحيى بن أيوب عن عبد الله بن كثير ابن أخى إسماعيل بن جعفر المديني ما معناه: أن الحجاج بن يوسف صلى مرة بجنب سعيد بن المسيب - وذلك قبل أن يلي شيئا - فجعل يرفع قبل الامام ويقع قبله في السجود، فلما سلم أخذ سعيد بطرف ردائه - وكان له ذكر يقوله بعد الصلاة - فما زال الحجاج ينازعه رداءه حتى قضى سعيد ذكره، ثم أقبل عليه سعيد

стр. 2950

فقال له: يا سارق يا خائن، تصلى هذه الصلاة، لقد هممت أن أضرب بهذا النعل وجهك. فلم يرد عليه ثم مضى الحجاج إلى الحج، ثم رجع فعاد إلى الشام، ثم جاء نائبا على الحجاز. فلما قتل ابن الزبير كر راجعا إلى المدينة نائبا عليها، فلما دخل المسجد إذا مجلس سعيد بن المسيب، فقصده الحجاج فخشي الناس على سعيد منه، فجاء حتى جلس بين يديه فقال له: أنت صاحب الكلمات؟ فضرب سعيد صدره بيده وقال: نعم! قال: فجزاك الله من معلم ومؤدب خيرا، ما صليت بعدك صلاة إلا وأنا أذكر قولك. ثم قام ومضى. وروى الرياشي عن الأصمعي وأبى زيد عن معاذ بن العلاء - أخى أبى عمرو بن العلاء - قال: لما قتل الحجاج ابن الزبير ارتجت مكة بالبكاء، فأمر الناس فجمعوا في المسجد ثم صعد المنبر فقال بعد حمد الله والثناء عليه: يا أهل مكة! بلغني إكباركم قتل ابن الزبير، ألا وإن ابن الزبير كان من خيار هذه الأمة، حتى رغب في الخلافة ونازع فيها أهلها، فنزع طاعة الله واستكن بحرم الله، ولو كان شيء مانع العصاة لمنعت آدم حرمة الله، إن الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وأباح له كرامته، وأسكنه جنته، فلما أخطأ أخرجه من الجنة بخطيئته، وآدم أكرم على الله من ابن الزبير، والجنة أعظم حرمة من الكعبة، اذكروا الله يذكركم. وقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن يوسف ثنا عون عن أبى الصديق الناجي أن الحجاج دخل على أسماء بنت أبى بكر بعد ما قتل ابنها عبد الله فقال: إن ابنك ألحد في هذا البيت، وإن الله أذاقه من عذاب أليم، وفعل. فقالت: كذبت، كان برا بوالديه، صواما قواما، والله لقد أخبرنا رسول الله ﷺ «أنه يخرج من ثقيف كذابان الآخر منهما شر من الأول، وهو مبير». ورواه أبو يعلى عن وهب بن بقية عن خالد عن عون عن أبى الصديق. قال: بلغني أن الحجاج دخل على أسماء فذكر مثله، وقال أبو يعلى: ثنا زهير ثنا جرير عن يزيد بن أبى زياد عن قيس بن الأحنف عن أسماء بنت أبى بكر. قالت: سمعت رسول الله ﷺ نهى عن المثلة. وسمعته يقول: «يخرج من ثقيف رجلان كذاب ومبير». قالت فقلت للحجاج: أما الكذاب فقد رأيناه، وأما المبير فأنت هو يا حجاج. وقال عبيد بن حميد: أنبأ يزيد بن هارون أنبأ العوام بن حوشب حدثني من سمع أسماء بنت أبى بكر الصديق تقول للحجاج حين دخل عليها يعزيها في ابنها: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يخرج من ثقيف رجلان مبير وكذاب». فأما الكذاب فابن أبى عبيد - تعنى المختار وأما المبير فأنت. وتقدم في صحيح مسلم من وجه آخر أوردناه عند مقتل ابنها عبد الله، وقد رواه غير أسماء عن النبي ﷺ فقال أبو يعلى: ثنا أحمد بن عمر الوكيعى ثنا وكيع حدثتنا أم عراب عن امرأة يقال لها عقيلة عن سلامة بنت الحر قالت قال رسول الله ﷺ : «في ثقيف كذاب «مبير». تفرد به أبو يعلى. وقد روى الامام أحمد عن وكيع عن أم عراب - واسمها

стр. 2951

طلحة - عن عقيلة عن سلامة حديثا آخر في الصلاة، وأخرجه أبو داود وابن ماجة، وروى من حديث ابن عمر، فقال أبو يعلى: ثنا أمية بن بسطام ثنا يزيد بن ربيع ثنا إسرائيل ثنا عبد الله بن عصمة قال: سمعت ابن عمر «أنبأنا رسول الله ﷺ أن في ثقيف مبيرا وكذابا» وأخرجه الترمذي من حديث شريك عن عبد الله بن عاصم ويقال عصمة. وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث شريك. وقال الشافعيّ: ثنا مسلم بن خالد عن ابن جريج عن نافع أن ابن عمر اعتزل ليالي قتال ابن الزبير والحجاج بمنى، فكان لا يصلى مع الحجاج. وقال الثوري عن محمد بن المنكدر عن جابر أنه دخل على الحجاج فلم يسلم عليه ولم يكن يصلى وراءه. وقال إسحاق بن راهويه: أنبأ جرير عن القعقاع بن الصلت قال: خطب الحجاج فقال: إن ابن الزبير غير كتاب الله، فقال ابن عمر: ما سلطه الله على ذلك، ولا أنت معه، ولو شئت أقول: كذبت لفعلت. وروى عن شهر بن حوشب وغيره أن الحجاج أطال الخطبة فجعل ابن عمر يقول: الصلاة الصلاة مرارا، ثم قام فأقام الصلاة فقام الناس، فصلى الحجاج بالناس، فلما انصرف قال لابن عمر: ما حملك على ذلك؟ فقال: إنما نجيء للصلاة فصل الصلاة لوقتها ثم تفتق ما شئت بعد من تفتقه. وقال الأصمعي: سمعت عمى يقول: بلغني أن الحجاج لما فرغ من ابن الزبير وقدم المدينة لقي شيخا خارجا من المدينة فسأله عن حال أهل المدينة، فقال: بشرّ حال، قتل ابن حواري رسول الله ﷺ ، فقال الحجاج: ومن قتله؟ فقال: الفاجر اللعين الحجاج عليه لعائن الله وتهلكته، من قليل المراقبة لله. فغضب الحجاج غضبا شديدا ثم قال: أيها الشيخ! أتعرف الحجاج إذا رأيته؟ قال: نعم! فلا عرفه الله خيرا ولا وقاه ضرا. فكشف الحجاج عن لثامه وقال: ستعلم أيها الشيخ الآن إذا سال دمك الساعة. فلما تحقق الشيخ الجد قال: والله إن هذا لهو العجب يا حجاج، لو كنت تعرفني ما قلت هذه المقالة، أنا العباس بن أبى داود، أصرع كل يوم خمس مرات، فقال الحجاج: انطلق فلا شفى الله الأبعد من جنونه ولا عافاه. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا حماد بن سلمة عن ابن أبى رافع عن عبد الله بن جعفر قال خالد بن يزيد بن معاوية لعبد الملك: أتمكنه من ذلك؟ فقال: وما بأس من ذلك. قال: أشد الناس والله، قال: كيف؟ قال: والله يا أمير المؤمنين لقد ذهب ما في صدري على آل الزبير منذ تزوجت (١) رملة بنت الزبير، قال: وكأنه كان نائما فأيقظه، فكتب إلى الحجاج يعزم عليه بطلاقها فطلقها. وقال سعيد بن أبى عروبة: حج الحجاج مرة فمر بين مكة والمدينة فأتى بغذائه فقال لحاجبه:

стр. 2952

انظر من يأكل معى، فذهب فإذا أعرابى نائم فضربه برجله وقال: أجب الأمير، فقام فلما دخل على الحجاج قال له: اغسل يديك ثم تغدّ معى، فقال: إنه دعاني من هو خير منك، قال: ومن؟ قال الله دعاني إلى الصوم فأجبته، قال: في هذا الحر الشديد؟ قال: نعم صمت ليوم هو أشد حرا منه، قال: فأفطر وصم غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء لغد. قال: ليس ذلك لي، قال: فكيف تسألنى عاجلا بآجل لا تقدر عليه؟ قال: إن طعامنا طعام طيب، قال: لم تطيبه أنت ولا الطباخ، إنما طيبته العافية فصل قد ذكرنا كيفية دخول الحجاج الكوفة في سنة خمس وسبعين وخطبته إياهم بغتة، وتهديده ووعيده إياهم، وأنهم خافوه مخافة شديدة، وأنه قتل عمير بن ضابئ، وكذلك قتل كميل بن زياد صبرا، ثم كان من أمره في قتال ابن الأشعث ما قدمنا، ثم تسلط على من كان معه من الرؤساء والأمراء والعبّاد والقراء، حتى كان آخر من قتل منهم سعيد بن جبير. قال القاضي المعافى زكريا: ثنا أحمد بن محمد بن سعد الكلبي ثنا محمد بن زكريا الغلابي ثنا محمد - يعنى ابن عبد الله بن عباس - عن عطاء - يعنى ابن مصعب - عن عاصم قال: خطب الحجاج أهل العراق بعد دير الجماجم، فقال: يا أهل العراق إن الشيطان قد استبطنكم فخالط اللحم والدم، والعصب والمسامع، والأطراف، ثم أفضى إلى الاسماخ والأمخاخ، والأشباح والأرواح، ثم ارتع فعشش، ثم باض وفرخ، ثم دب ودرج، فحشاكم نفاقا وشقاقا، وأشعركم خلافا، اتخذتموه دليلا تتبعونه، وقائدا تطيعونه، ومؤتمنا تشاورونه وتستأمرونه، فكيف تنفعكم تجربة، أو ينفعكم بيان! ألستم أصحابى بالأهواز حيث منيتم المكر واجتمعتم على الغدر، واتفقتم على الكفر، وظننتم أن الله يخذل دينه وخلافته، وأنا والله أرميكم بطرفي وأنتم تتسللون لو إذا، وتنهزمون سراعا. ويوم الزاوية وما يوم الزاوية، مما كان من فشلكم وتنازعكم وتخاذلكم وبراءة الله منكم، ونكوس قلوبكم إذ وليتم كالإبل الشاردة عن أوطانها النوازع، لا يسأل المرء منكم عن أخيه، ولا يلوى الشيخ على بنيه، حين عضكم السلاح، ونخعتكم الرماح. ويوم دير الجماجم وما يوم دير الجماجم، بها كانت المعارك والملاحم، بضرب يزيل الهام عن مقيله، ويذهل الخليل عن خليله. يا أهل العراق يا أهل الكفران بعد الفجران، والغدران بعد الخذلان، والنزوة بعد النزوات، إن بعثناكم إلى ثغوركم غللتم وخنتم، وإن أمنتم أرجفتم، وإن خفتم نافقتم، لا تذكرون نعمة، ولا تشكرون معروفا، ما استخفكم ناكث، ولا استغواكم غاو، ولا استنقذكم عاص، ولا استنصركم ظالم، ولا استعضدكم خالع، إلا لبيتم دعوته، وأجبتم صيحته، ونفرتم إليه خفافا وثقالا، وفرسانا ورجالا. يا أهل العراق هل شغب شاغب، أو نعب ناعب، أو زفر زافر

стр. 2953

إلا كنتم أتباعه وأنصاره؟ يا أهل العراق ألم تنفعكم المواعظ؟ ألم تزجركم الوقائع؟ ألم يشدد الله عليكم وطأته، ويذقكم حر سيفه، وأليم بأسه ومثلاته؟. ثم التفت إلى أهل الشام فقال: يا أهل الشام إنما أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه ينفى عنها القذر، ويباعد عنها الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذباب. يا أهل الشام! أنتم الجنة والبرد، وأنتم الملاءة والجلد، أنتم الأولياء والأنصار، والشعار والدثار، بكم يذب عن البيضة والحوذة، وبكم ترمى كتائب الأعداء ويهزم من عاند وتولى. قال ابن أبى الدنيا: حدثني محمد بن الحسين حدثنا عبيد الله بن محمد التميمي سمعت شيخا من قريش يكنى أبا بكر التيمي قال: كان الحجاج يقول في خطبته - وكان لسنا -: إن الله خلق آدم وذريته من الأرض فأمشاهم على ظهرها، فأكلوا ثمارها وشربوا أنهارها وهتكوها بالمساحي والمرور، ثم أدال الله الأرض منهم فردهم إليها فأكلت لحومهم كما أكلوا ثمارها، وشربت دماءهم كما شربوا أنهارها، وقطعتهم في جوفها وفرقت أوصالهم كما هتكوها بالمساحي والمرور. ومما رواه غير واحد عن الحجاج أنه قال في خطبته في المواعظ: الرجل وكلكم ذاك الرجل، رجل خطم نفسه وزمها فقادها بخطامها إلى طاعة الله، وكفها بزمامها عن معاصي الله، رحم الله امرأ رد نفسه، امرأ اتهم نفسه، امرأ اتخذ نفسه عدوة، امرأ حاسب نفسه قبل أن يكون الحساب إلى غيره، امرأ نظر إلى ميزانه، امرأ نظر إلى حسابه، امرأ وزن عمله، امرأ فكر فيما يقرأ غدا في صحيفته ويراه في ميزانه، وكان عند قلبه زاجرا، وعند همه آمرا، امرأ أخذ بعنان عمله كما يأخذ بعنان جمله، فان قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصية الله كف، امرأ، عقل عن الله أمره، امرأ فاق واستفاق، وأبغض المعاصي والنفاق، وكان إلى ما عند الله بالأشواق. فما زال يقول امرأ امرأ، حتى بكى مالك بن دينار. [وقال المدائني عن عوانة بن الحكم قال قال الشعبي: سمعت الحجاج تكلم بكلام ما سبقه إليه أحد، يقول: أما بعد فان الله تعالى كتب على الدنيا الفناء، وعلى الآخرة البقاء، فلا فناء لما كتب عليه البقاء، ولا بقاء لما كتب عليه الفناء، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة، واقهروا طول الأمل بقصر الأجل] (١) وقال المدائني عن أبى عبد الله الثقفي عن عمه قال: سمعت الحسن البصري يقول: وقذتنى كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرأ ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحرى أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة. وقال شريك القاضي عن عبد الملك بن عمير قال قال الحجاج يوما: من كان له بلاء أعطيناه على قدره، فقام رجل فقال:

стр. 2954

أعطني فانى قتلت الحسين، فقال: وكيف قتلته؟ قال: دسرته بالرمح دسرا، وهبرته بالسيف هبرا، وما أشركت معى في قتله أحدا. فقال: اذهب فو الله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد، ولم يعطه شيئا. وقال الهيثم بن عدي: جاء رجل إلى الحجاج فقال: إن أخى خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمى في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري، فقال الحجاج، أما سمعت قول الشاعر: حنانيك من تجنى عليك وقد … تعدى الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب قريبه … ونجا المقارف صاحب الذنب؟ فقال الرجل: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا، وقول الله أصدق من هذا، قال: وما قال؟ قال ﴿قالُوا يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ إِنّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ، * قالَ مَعاذَ اللهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلاّ مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنّا إِذاً لَظالِمُونَ﴾ قال: يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره، وأعطه عطاءه، ومر منادى ينادى صدق الله وكذب الشاعر. وقال الهيثم بن عدي عن ابن عباس: كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إلى برأس أسلم بن عبد البكري، لما بلغني عنه، فأحضره الحجاج فقال: أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب، وقال الله تعالى ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ وما بلغه باطل، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهن بالباب، فأمر الحجاج بإحضارهن، فلما حضرن جعلت هذه تقول: أنا خالته، وهذه أنا عمته، وهذه أنا أخته، وهذه أنا زوجته، وهذه أنا بنته، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة، فقال لها الحجاج: من أنت؟ فقالت: أنا ابنته، ثم قالت: أصلح الله الأمير، وجثت على ركبتيها وقالت: - أحجاج لم تشهد مقام بناته … وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج كم تقتل به إن قتلته … ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه … علينا فمهلا إن تزدنا تضعضعا أحجاج إما أن تجود بنعمة … علينا وإما أن تقتلنا معا قال: فبكى الحجاج وقال: والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعا، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل، وبما قالت ابنته هذه، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره بإطلاقه وحسن صلته وبالإحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت وقيل إن الحجاج خطب يوما فقال: أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله. فقام إليه رجل فقال له: ويحك يا حجاج ما أصفق وجهك وأقل حياءك، تفعل ما تفعل وتقول مثل هذا الكلام؟ خبث وضل سعيك، فقال للحرس خذوه، فلما فرغ من خطبته قال له: ما الّذي جرأك على؟ فقال: ويحك يا حجاج، أنت

стр. 2955

تجترئ على الله ولا أجترئ أنا عليك، ومن أنت حتى لا أجترئ عليك، وأنت تجترئ على الله رب العالمين، فقال: خلوا سبيله، فأطلق. وقال المدائني: أتى الحجاج بأسيرين من أصحاب ابن لأشعث فأمر بقتلهما، فقال أحدهما: إن لي عندك يدا، قال: وما هي؟ قال: ذكر ابن الأشعث يوما أمك فرددت عليه، فقال: ومن يشهد لك؟ قال: صاحبي هذا! فسأله فقال: نعم! فقال: ما منعك أن تفعل كما فعل؟ قال: بغضك، قال أطلقوا هذا لصدقه، وهذا لفعله. فأطلقوهما. وذكر محمد بن زياد عن ابن الأعرابي فيما بلغه أنه كان رجل من بنى حنيفة يقال له جحدر بن مالك وكان فاتكا بأرض اليمامة، فأرسل الحجاج إلى نائبها يؤنبه ويلومه على عدم أخذه، فما زال نائبها في طلبه حتى أسره وبعث به إلى الحجاج، فقال له الحجاج: ما حملك على ما كنت تصنعه؟ فقال: جراءة الجنان، وجفاء السلطان، وكلب الزمان، ولو اختبرنى الأمير لوجدني من صالح الأعوان، وشهم الفرسان، ولوجدني من أصلح رعيته، وذلك أنى ما لقيت فارسا قط إلا كنت عليه في نفسي مقتدرا، فقال له الحجاج: إنا قاذفوك في حائر فيه أسد عاقر فان قتلك كفانا مؤنتك، وإن قتلته خلينا سبيلك. ثم أودعه السجن مقيدا مغلولة يده اليمنى إلى عنقه، وكتب الحجاج إلى نائبة بكسكر أن يبعث بأسد عظيم ضار، وقد قال جحدر هذا في محبسه هذا أشعارا يتحزن فيها على امرأته سليمى أم عمرو يقول في بعضها: أليس الليل يجمع أم عمرو … وإيانا فذاك بنا تدانى بلى وترى الهلال كما نراه … ويعلوها النهار إذا علاني إذا جاوزتما نخلات نجد … وأودية اليمامة فانعيانى وقولا حجدر أمسى رهينا … يحاذر وقع مصقول يماني فلما قدم الأسد على الحجاج أمر به فجوع ثلاثة أيام، ثم أبرز إلى حائر - وهو البستان - وأمر بجحدر فأخرج في قيوده ويده اليمنى مغلولة بحالها، وأعطى سيفا في يده اليسرى وخلى بينه وبين الأسد وجلس الحجاج وأصحابه في منظرة، وأقبل جحدر نحو الأسد وهو يقول: ليث وليث في مجال ضنك … كلاهما ذو أنف ومحك وشدة في نفسه وفتك … إن يكشف الله قناع الشك فهو أحق منزل بترك فلما نظر إليه الأسد زأر زأرة شديدة وتمطى وأقبل نحوه فلما صار منه على قدر رمح وثب الأسد على جحدر وثبة شديدة فتلقاه جحدر بالسيف فضربه ضربة خالط ذباب السيف لهواته، فخر الأسد كأنه خيمة قد صرعتها الريح، من شدة الضربة، وسقط حجدر من شدة وثبة الأسد وشدة موضع

стр. 2956

القيود عليه، فكبر الحجاج وكبر أصحابه وأشار جحدر يقول: يا جمل إنك لو رأيت كريهتى … في يوم هول مسدف وعجاج وتقدمى لليث أرسف موثقا … كيما أساوره على الأخراج شثن براثنه كأن نيوبه … زرق المعاول أو شباة زجاج يسمو بناظرتين تحسب فيهما … لهبا أحدّهما شعاع سراج وكأنما خيطت عليه عباءة … برقاء أو خرقا من الديباج لعلمت أنى ذو حفاظ ماجد … من نسل أقوام ذوى أبراج فعند ذلك خيره الحجاج إن شاء أقام عنده، وإن شاء انطلق إلى بلاده، فاختار المقام عند الحجاج، فأحسن جائزته وأعطاه أموالا. وأنكر يوما أن يكون الحسين من ذرية رسول الله ﷺ لأنه ابن بنته، فقال له يحيى بن يعمر: كذبت! فقال الحجاج: لتأتينى على ما قلت ببينة من كتاب الله أو لأضربن عنقك، فقال قال الله ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ إلى قوله ﴿وَزَكَرِيّا وَيَحْيى وَعِيسى﴾ فعيسى من ذرية إبراهيم، وهو إنما ينسب إلى أمه مريم، والحسين ابن بنت رسول الله ﷺ . فقال الحجاج: صدقت، ونفاه إلى خراسان. وقد كان الحجاج مع فصاحته وبلاغته يلحن في حروف من القرآن أنكرها يحيى بن يعمر، منها أنه كان يبدل إن المكسورة بان المفتوحة وعكسه، وكان يقرأ ﴿قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ﴾ فيقرأها برفع أحب. وقال الأصمعي وغيره: كتب عبد الملك إلى الحجاج يسأله عن أمس واليوم وغد، فقال للرسول: أكان خويلد بن يزيد بن معاوية عنده؟ قال: نعم! فكتب الحجاج إلى عبد الملك: أما أمس فأجل، وأما اليوم فعمل، وأما غدا فأمل. وقال ابن دريد عن أبى حاتم السجستاني عن أبى عبيدة معمر بن المثنى. قال: لما قتل الحجاج ابن الأشعث وصفت له العراق، وسع على الناس في العطاء، فكتب إليه عبد الملك: أما بعد فقد بلغ أمير المؤمنين أنك تنفق في اليوم ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الأسبوع وتنفق في الأسبوع ما لا ينفقه أمير المؤمنين في الشهر، ثم قال منشدا: عليك بتقوى الله في الأمر كله … وكن يا عبيد الله تخشى وتضرع ووفر خراج المسلمين وفيأهم … وكن لهم حصنا تجير وتمنع فكتب إليه الحجاج: لعمري لقد جاء الرسول بكتبكم … قراطيس تملا ثم تطوى فتطبع كتاب أتانى فيه لين وغلظة … وذكرت والذكرى لذي اللب تنفع

стр. 2957

وكانت أمور تعتريني كثيرة … فأرضخ أو اعتل حينا فأمنع إذا كنت سوطا من عذاب عليهم … ولم يك عندي بالمنافع مطمع أيرضى بذلك الناس أو يسخطونه … أم احمد فيهم أم ألام فأقذع وكان بلاد جئتها حين جئتها … بها كل نيران العداوة تلمع فقاسيت منها ما علمت ولم أزل … أصارع حتى كدت بالموت أصرع وكم أرجفوا من رجفة قد سمعتها … ولو كان غيري طار مما يروع وكنت إذا هموا بإحدى نهاتهم … حسرت لهم رأسي ولا أتقنع فلو لم يذد عنى صناديد منهم … تقسم أعضائى ذئاب وأضبع قال: فكتب إليه عبد الملك: أن اعمل برأيك. وقال الثوري عن محمد بن المستورد الجمحيّ قال: أتى الحجاج بسارق فقال له: لقد كنت غنيا أن تكسب جناية فيؤتى بك إلى الحاكم فيبطل عليك عضوا من أعضائك، فقال الرجل: إذا قلّ ذات اليد سخت النفس بالمتالف. قال: صدقت والله لو كان حسن اعتذار يبطل حدا لكنت له موضعا، يا غلام سيف صارم ورجل قاطع، فقطع يده. وقال أبو بكر بن مجاهد عن محمد بن الجهم عن الفراء قال: تغدى الحجاج يوما مع الوليد بن عبد الملك فلما انقضى غداؤهما دعاه الوليد إلى شرب النبيذ (١) فقال: يا أمير المؤمنين الحلال ما أحللت، ولكنى أنهى عنه أهل العراق وأهل عملي، وأكره أن أخالف قول العبد الصالح ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾. وقال عمر بن شبة عن أشياخه قال: كتب عبد الملك إلى الحجاج يعتب عليه في إسرافه في صرف الأموال، وسفك الدماء، ويقول: إنما المال مال الله ونحن خزّانه، وسيان منع حق أو إعطاء باطل، وكتب في أسفل الكتاب هذه الأبيات: - إذ أنت لم تترك أمورا كرهتها … وتطلب رضائي في الّذي أنا طالبه وتخشى الّذي يخشاه مثلك هاربا … إلى الله منه ضيع الدر حالبه فان تر منى غفلة قرشية … فيا ربما قد غص بالماء شاربه وإن تر منى وثبة أموية … فهذا وهذا كله أنا صاحبه فلا تعد ما يأتيك منى فان تعد … تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه فلما قرأه الحجاج كتب: أما بعد فقد جاءني كتاب أمير المؤمنين يذكر فيه سرفى في الأموال،

стр. 2958

والدماء، فو الله ما بالغت في عقوبة أهل المعصية، ولا قضيت حق أهل الطاعة، فان كان ذلك سرفا فليحدّ لي أمير المؤمنين حدا أنتهي إليه ولا أتجاوزه، وكتب في أسفل الكتاب: إذا أنا لم أطلب رضاك وأتقى … أذاك فيومى لا توارت كواكبه إذا قارف الحجاج فيك خطيئة … فقامت عليه في الصباح نوادبه أسالم من سالمت من ذي هوادة … ومن لا تسالمه فانى محاربه إذا أنا لم أدن الشفيق لنصحه … وأقص الّذي تسرى إلى عقاربه فمن يتقى يومى ويرجو إذا غدي … على ما أرى والدهر جم عجائبه وعن الشافعيّ أنه قال قال الوليد بن عبد الملك للغاز بن ربيعة أن يسأل الحجاج فيما بينه وبينه: هل يجد في نفسه مما أصاب من الدنيا شيئا؟ فسأله كما أمره، فقال: والله ما أحب أن لي لبنان أو سبير ذهبا أنفقه في سبيل الله مكان ما أبلانى الله من الطاعة، والله أعلم. فصل فيما روى عنه من الكلمات النافعة والجراءة البالغة قال أبو داود: ثنا محمد بن العلاء ثنا أبو بكر عن عاصم قال سمعت الحجاج وهو على المنبر يقول: اتّقوا الله ما استطعتم، ليس فيها مثنوية، واسمعوا وأطيعوا ليس فيها مثنوية لأمير المؤمنين عبد الملك، والله لو أمرت الناس أن يخرجوا من باب المسجد فخرجوا من باب آخر لحلت لي دماؤهم وأموالهم، والله لو أخذت ربيعة بمضر لكان ذلك لي من الله حلالا، وما عذيري من عبد هذيل يزعم أن قرآنه من عند الله، والله ما هي إلا رجز من رجز الأعراب ما أنزلها الله على نبيه ﷺ ، وعذيري من هذه الحمراء، يزعم أحدهم يرمى بالحجر فيقول لي إن تقع الحجر حدث أمر، فو الله لأدعنهم كالأمس الدابر. قال: فذكرته للأعمش فقال: وأنا والله سمعته منه. ورواه أبو بكر بن أبى خيثمة عن محمد بن يزيد عن أبى بكر بن عياش عن عاصم بن أبى النجود والأعمش أنهما سمعا الحجاج قبحه الله يقول ذلك، وفيه والله لو أمرتكم أن تخرجوا من هذا الباب فخرجتم من هذا الباب لحلت لي دماؤكم، ولا أجد أحدا يقرأ على قراءة ابن أم عبد إلا ضربت عنقه، ولأحكّنها من المصحف ولو بضلع خنزير. ورواه غير واحد عن أبى بكر بن عياش بنحوه، وفي بعض الروايات: والله لو أدركت عبد هذيل لأضربن عنقه. وهذا من جراءة الحجاج قبحه الله، وإقدامه على الكلام السيئ، والدماء الحرام. وإنما نقم على قراءة ابن مسعود ﵁ لكونه خالف القراءة على المصحف الإمام الّذي جمع الناس عليه عثمان، والظاهر أن ابن مسعود رجع إلى قول عثمان وموافقيه والله أعلم.

стр. 2959

وقال على بن عبد الله بن مبشر عن عباس الدوري عن مسلم بن إبراهيم: ثنا الصلت بن دينار سمعت الحجاج على منبر واسط يقول: عبد الله بن مسعود رأس المنافقين، لو أدركته لأسقيت الأرض من دمه. قال وسمعته على منبر واسط وتلا هذه الآية ﴿هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ قال: والله ان كان سليمان لحسودا. وهذه جراءة عظيمة تفضى به إلى الكفر: قبحه الله وأخزاه، وأبعده وأقصاه. [قال أبو نعيم: حدثنا الأعمش عن إبراهيم عن علقمة. قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: إني جئتك من عند رجل يملى المصاحف عن ظهر قلب، ففزع عمرو غضب وقال: ويحك، انظر ما تقول. قال: ما جئتك إلا بالحق، قال: من هو؟ قال: عبد الله بن مسعود. قال: ما أعلم أحدا أحق بذلك منه، وسأحدثك عن ذلك. «إنا سهرنا ليلة في بيت عند أبى بكر في بعض ما يكون من حاجة النبي ﷺ ثم خرجنا ورسول الله ﷺ يمشى بيني وبين أبى بكر، فلما انتهينا إلى المسجد إذا رجل يقرأ فقام النبي ﷺ يستمع إليه، فقلت: يا رسول الله أعتمت، فغمزني بيده - يعنى اسكت - قال: فقرأ وركع وسجد وجلس يدعو ويستغفر، فقال النبي ﷺ : سلّ نفطه (١) ثم قال: من سرّه أن يقرأ القرآن رطبا كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد، فعلمت أنا وصاحبي أنه عبد الله بن مسعود، فلما أصبحت غدوت إليه لأبشره فقال: سبقك بها أبو بكر، وما سابقته إلى خير قط إلا سبقني إليه» وهذا الحديث قد روى من طرق، فرواه حبيب بن حسان عن زيد بن وهب عن عمر مثله، ورواه شعبة وزهير وخديج عن أبى إسحاق عن أبى عبيدة عن عبد الله، ورواه عاصم عن عبد الله، ورواه الثوري وزائدة عن الأعمش نحوه. وقال أبو داود: حدثنا عمر بن ثابت عن أبى إسحاق عن حمير بن مالك قال: سمعت عبد الله بن مسعود يقول: «أخذت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة، وإن زيد بن ثابت لصبي مع الصبيان، فأنا لا أدع ما أخذت من في رسول الله ﷺ ». وقد رواه الثوري وإسرافيل عن أبى إسحاق به. وفي رواية ذكرها الطبراني عنه قال: «لقد تلقيت من في رسول الله ﷺ سبعين سورة أحكمتها قبل أن يسلم زيد بن ثابت، وله ذؤابة يلعب مع الغلمان». وقد روى أبو داود عنه وذكر قصة رعيه الغنم لعقبة بن أبى معيط، وأنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : «إنك غلام معلم، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد». ورواه أبو أيوب الإفريقي وأبو عوانة عن عاصم عن زر عنه نحوه. وقال له النبي ﷺ : «إذنك أن ترفع الحجاب وأن تسمع سوادي حتى أنهاك». وقد روى هذا عنه من طرق. وروى الطبراني عن عبد الله بن شداد بن الهاد أن عبد الله كان صاحب الوساد والسواد والسواك

стр. 2960

والنعلين. وروى غيره عن علقمة قال: قدمت الشام فجلست إلى أبى الدرداء فقال لي: ممن أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة، فقال: أليس فيكم صاحب الوساد والسواك؟ وقال الحارث بن أبى أسامة: حدثنا عبد العزيز بن أبان حدثنا قطر بن خليفة حدثنا أبو وائل قال سمعت حذيفة يقول، وابن مسعود قائم: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد ﷺ ، من أقربهم وسيلة يوم القيامة. وقد روى هذا عن حذيفة من طرق، فرواه شعبة عن أبى إسحاق عن أبى وائل عن حذيفة ورواه عن أبى وائل فاضل الأحدب وجامع بن أبى راشد، وعبيدة، وأبو سنان الشيباني، وحكيم بن جبير، ورواه عبد الرحمن بن يزيد عن حذيفة. وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة عن أبى إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: قلنا لحذيفة أخبرنا برجل قريب الهدى والسمت من رسول الله ﷺ حتى نلزمه، فقال: ما أعلم أحدا أقرب هديا وسمتا من رسول الله ﷺ حتى يواريه جدار بيته من ابن أم عبد، ولقد علم المحفوظون من أصحاب النبي ﷺ أن ابن أم عبد أقربهم إلى الله وسيلة. قلت: فهذا حذيفة بن اليمان صاحب سر رسول الله ﷺ ، وهذا قوله في عبد الله بن مسعود ﵁. فكذب الحجاج وفجر، ولقم النار والحجر فيما يقوله فيه، وفي رميه له بالنفاق، وفي قوله عن قراءته: إنها شعر من شعر هذيل، وإنه لا بد أن يحكّها من المصحف ولو بضلع خنزير، وأنه لو أدركه لضرب عنقه، فحصل على إثم ذلك كله بنيته الخبيثة. وقال عفان: حدثنا حماد حدثنا عاصم عن زر عن عبد الله قال: كنت أجتني لرسول الله ﷺ سواكا من أراك، فكانت الريح تكفوه، وكان في ساقه دقة، فضحك القوم، فقال النبي ﷺ : «ما يضحككم؟ قالوا: من دقة ساقيه، فقال النبي ﷺ : والّذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحد». ورواه جرير وعلى بن عاصم عن مغيرة عن أم موسى عن على بن أبى طالب. وروى سلمة بن كهيل عن أبى الزعراء عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : «تمسكوا بعهد عبد الله بن أم مسعود» ورواه الترمذي والطبراني. وقال الامام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن أبى إسحاق. قال: سمعت أبا الأحوص قال: شهدت أبا موسى وأبا مسعود حين توفى ابن مسعود وأحدهما يقول لصاحبه: أتراه ترك بعده مثله. قال: إن قلت ذاك إنه كان ليؤذن له إذا حجبنا، ويشهد إذا غبنا. وقال الأعمش: يعنى عبد الله بن مسعود. وقال أبو معاوية: حدثنا الأعمش عن زيد بن وهب. قال: أقبل عبد الله بن مسعود ذات يوم وعمر جالس فقال: كيف مليء فقها. وقال عمر بن حفص: حدثنا عاصم بن على حدثنا المسعودي عن أبى حصين عن أبى عطية أن أبا موسى الأشعري قال: لا تسألونا عن شيء ما دام هذا الحبر بين أظهرنا من أصحاب محمد ﷺ يعنى ابن مسعود - وروى جرير عن الأعمش

стр. 2961

عن عمرو بن عروة عن أبى البختري قال: قالوا لعلى: حدثنا عن أصحاب محمد ﷺ ، قال: عن أيهم؟ قالوا: حدثنا عن ابن مسعود. قال: علم القرآن والسنة ثم انتهى، وكفى بذلك علما. وفي رواية عن على قال: علم القرآن ثم وقف عنده وكفى به. فهداتنا الصحابة العالمون به، العارفون بما كان عليه، فهم أولى بالاتباع وأصدق أقوالا من أصحاب الأهواء الحائدين عن الحق، بل أقوال الحجاج وغيره من أهل الأهواء: هذيانات وكذب وافتراء، وبعضها كفر وزندقة، فان الحجاج كان عثمانيا أمويا، يميل إليهم ميلا عظيما. ويرى أن خلافهم كفر. ويستحل بذلك الدماء، ولا تأخذه في ذلك لومة لائم] (١). ومن الطامات أيضا ما رواه أبو داود: ثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقانيّ ثنا جرير. وحدثنا زهير بن حرب ثنا جرير عن المغيرة عن بزيع بن خالد الضبيّ قال: سمعت الحجاج يخطب فقال في خطبته: رسول أحدكم في حاجته أكرم عليه أم خليفته في أهله؟ فقلت في نفسي: لله عليّ أن لا أصلى خلفك صلاة أبدا، وإن وجدت قوما يجاهدونك لأجاهدنك معهم. زاد إسحاق فقاتل في الجماجم حتى قتل. فان صح هذا عنه فظاهره كفر إن أراد تفضيل منصب الخلافة على الرسالة، أو أراد أن الخليفة من بنى أمية أفضل من الرسول. وقال الأصمعي: ثنا أبو عاصم النبيل ثنا أبو حفص الثقفي قال: خطب الحجاج يوما فأقبل عن يمينه فقال: ألا إن الحجاج كافر، ثم أطرق فقال: إن الحجاج كافر، ثم أطرق فأقبل عن يساره فقال: ألا إن الحجاج كافر، فعل ذلك مرارا، ثم قال: كافريا أهل العراق باللات والعزى. وقال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة ثنا ابن شوذب عن مالك بن دينار قال: بينما الحجاج يخطبنا يوما إذ قال: الحجاج كافر، قلنا: ما له؟ أي شيء يريد؟ قال: الحجاج كافر بيوم الأربعاء والبغلة الشهباء. وقال الأصمعي قال عبد الملك يوما للحجاج: ما من أحد إلا وهو يعرف عيب نفسه، فصف عيب نفسك، فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فأبى، فقال: أنا لجوج حقود حسود، فقال عبد الملك: ما في الشيطان شر مما ذكرت. وفي رواية أنه قال: إذا بينك وبين إبليس نسب. وبالجملة فقد كان الحجاج نقمة على أهل العراق بما سلف لهم من الذنوب والخروج على الأئمة، وخذ لانهم لهم، وعصيانهم، ومخالفتهم، والافتيات عليهم، قال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو صالح عبد الله بن صالح حدثني معاوية بن صالح عن شريح بن عبيد عمن حدثه قال: جاء رجل إلى عمر ابن الخطاب فأخبره أن أهل العراق حصبوا أميرهم فخرج غضبان، فصلى لنا صلاة فسها فيها، حتى جعل الناس يقولون: سبحان الله سبحان الله، فلما سلم أقبل على الناس فقال: من هاهنا من أهل الشام؟

стр. 2962

فقام رجل ثم قام آخر ثم قمت أنا ثالثا أو رابعا، فقال: يا أهل الشام استعدوا لأهل العراق، فان الشيطان قد باض فيهم وفرّخ، اللهمّ انهم قد لبسوا عليهم فالبس عليهم وعجل عليهم بالغلام الثقفي، يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم ولا يتجاوز عن مسيئهم. وقد رويناه في كتاب مسند عمر بن الخطاب من طريق أبى عذبة الحمصي عن عمر مثله. وقال عبد الرزاق: ثنا جعفر بن سليمان عن مالك بن دينار عن الحسن قال على بن أبى طالب: اللهمّ كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحت لهم فغشوني فسلط عليهم فتى ثقيف الذيال الميال، يأكل خضرتها، ويلبس فروتها، ويحكم فيها بحكم الجاهلية. قال يقول الحسن: وما خلق الحجاج يومئذ. ورواه معتمر بن سليمان عن أبيه عن أيوب عن مالك بن أوس بن الحدثان عن على أنه قال: الشاب الذيال أمير المصرين يلبس فروتها ويأكل خضرتها، ويقتل أشراف أهلها، يشتد منه الفرق، ويكثر منه الأرق، ويسلطه الله على شيعته. وقال الحافظ البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي: ثنا سعيد بن مسعود: ثنا يزيد بن هارون أنبأ العوام بن حوشب حدثني حبيب بن أبى ثابت. قال قال على لرجل: لا متّ حتى تدرك فتى ثقيف، قال: وما فتى ثقيف؟ قال: ليقالن له يوم القيامة: اكفنا زاوية من زوايا جهنم، رجل يملك عشرين سنة، أو بضعا وعشرين سنة، لا يدع لله معصية إلا ارتكبها، حتى لو لم يبق إلا معصية واحدة، وكان بينه وبينها باب مغلق لكسره حتى يرتكبها، يقتل بمن أطاعه من عصاه. وقال الطبراني: حدثنا القاسم بن زكريا ثنا إسماعيل بن موسى السدوسي ثنا على بن مسهر عن الأجلح عن الشعبي عن أم حكيم بنت عمر بن سنان الجدلية قالت: استأذن الأشعث بن قيس على علي فرده قنبر فأدمى أنفه فخرج علي فقال: ما لك وله يا أشعث، أما والله لو بعبد ثقيف تحرشت لاقشعرت شعيرات استك، قيل له: يا أمير المؤمنين ومن عبد ثقيف؟ قال: غلام يليهم لا يبقى أهل بيت من العرب إلا ألبسهم ذلا، قيل كم يملك؟ قال عشرين إن بلغ. وقال البيهقي أنبأنا الحاكم أنبأ الحسن بن الحسن بن أيوب ثنا أبو حاتم الرازيّ ثنا عبد الله بن يوسف التنيسي ثنا ابن يحيى الغاني. قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل أمة بخبيثها، وجئنا بالحجاج لغلبناهم. وقال أبو بكر بن عياش: عن عاصم بن أبى النجود أنه قال: ما بقيت لله حرمة إلا وقد ارتكبها الحجاج. وقد تقدم الحديث «إن في ثقيف كذابا ومبيرا» وكان المختار هو الكذاب المذكور في هذا الحديث، وقد كان يظهر الرفض أولا ويبطن الكفر المحض، وأما المبير فهو الحجاج بن يوسف هذا، وقد كان ناصبيا يبغض عليا وشيعته في هوى آل مروان بنى أمية، وكان جبارا عنيدا، مقداما على سفك الدماء بأدنى شبهة. وقد روى عنه ألفاظ بشعة شنيعة ظاهرها الكفر كما قدمنا. فان كان

стр. 2963

قد تاب منها وأقلع عنها، وإلا فهو باق في عهدتها، ولكن قد يخشى أنها رويت عنه بنوع من زيادة عليه، فان الشيعة كانوا يبغضونه جدا لوجوه، وربما حرفوا عليه بعض الكلم. وزادوا فيما يحكونه عنه بشاعات وشناعات. وقد روينا عنه أنه كان يتدين بترك المسكر، وكان يكثر تلاوة القرآن، ويتجنب المحارم، ولم يشتهر عنه شيء من التلطخ بالفروج، وإن كان متسرعا في سفك الدماء فالله تعالى أعلم بالصواب وحقائق الأمور وساترها، وخفيات الصدور وضمائرها: [قلت: الحجاج أعظم ما نقم عليه وصح من أفعاله سفك الدماء، وكفى به عقوبة عند الله ، وقد كان حريصا على الجهاد وفتح البلاد، وكان فيه سماحة بإعطاء المال لأهل القرآن، فكان يعطى على القرآن كثيرا، ولما مات لم يترك فيما قيل إلا ثلاثمائة درهم. والله أعلم.] (١). وقال المعافى بن زكريا الجريريّ المعروف بابن طرار البغدادي: ثنا محمد بن القاسم الأنباري ثنا أبى ثنا أحمد بن عبيد ثنا هشام أبو محمد بن السائب الكلبي ثنا عوانة بن الحكم الكلبي. قال: دخل أنس بن مالك على الحجاج بن يوسف فلما وقف بين يديه قال له إيه إيه يا أنيس، يوم لك مع على، ويوم لك مع ابن الزبير، ويوم لك مع ابن الأشعث، والله لأستأصلنك كما تستأصل الشاة، ولأدمغنك كما تدمغ الصمغة. فقال أنس: إياي يعنى الأمير أصلحه الله؟ قال: إياك أعنى صك الله سمعك. قال أنس: إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لولا الصبية الصغار ما باليت أي قتلة قتلت، ولا أي ميتة مت، ثم خرج من عند الحجاج فكتب إلى عبد الملك بن مروان يخبره بما قال له الحجاج، فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا، وشفق عجبا، وتعاظم ذلك من الحجاج، وكان كتاب أنس إلى عبد الملك: بسم الله الرحمن الرحيم إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين من أنس بن مالك، أما بعد: فان الحجاج قال لي هجرا، وأسمعني نكرا، ولم أكن لذلك أهلا، فخذ لي على يديه، فانى أمتّ بخدمتي رسول الله ﷺ وصحبتي إياه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. فبعث عبد الملك إسماعيل بن عبيد الله بن أبى المهاجر - وكان مصادقا للحجاج - فقال له: دونك كتابيّ هذين فخذهما واركب البريد إلى العراق، وابدأ بأنس بن مالك صاحب رسول الله ﷺ فارفع كتابي إليه وأبلغه منى السلام، وقل له: يا أبا حمزة قد كتبت إلى الحجاج الملعون كتابا إذا قرأه كان أطوع لك من أمتك، وكان كتاب عبد الملك إلى أنس بن مالك: بسم الله الرحمن الرحيم! من عبد الملك بن مروان إلى أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ،

стр. 2964

أما بعد فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت من شكايتك الحجاج، وما سلطته عليك ولا أمرته بالإساءة إليك، فان عاد لمثلها اكتب إلى بذلك أنزل به عقوبتي، وتحسن لك معونتى. والسلام. فلما قرأ أنس كتاب أمير المؤمنين وأخبر برسالته قال: جزى الله أمير المؤمنين عنى خيرا، وعافاه وكفاه وكافأه بالجنة، فهذا كان ظني به والرجاء منه. فقال إسماعيل بن عبيد الله لأنس: يا أبا حمزة إن الحجاج عامل أمير المؤمنين، وليس بك عنه غنى، ولا بأهل بيتك، ولو جعل لك في جامعة ثم دفع إليك، فقاربه وداره تعش معه بخير وسلام. فقال أنس: أفعل إن شاء الله. ثم خرج إسماعيل من عند أنس فدخل على الحجاج، فقال الحجاج: مرحبا برجل أحبه وكنت أحب لقاه، فقال إسماعيل: أنا والله كنت أحب لقاءك في غير ما أتيتك به، فتغير لون الحجاج وخاف وقال: ما أتيتنى به؟ قال: فارقت أمير المؤمنين وهو أشد الناس غضبا عليك، ومنك بعدا، قال: فاستوى الحجاج جالسا مرعوبا، فرمى إليه إسماعيل بالطومار فجعل الحجاج ينظر فيه مرة ويعرق، وينظر إلى إسماعيل أخرى، فلما فضه قال: قم بنا إلى أبى حمزة نعتذر إليه ونترضاه، فقال له إسماعيل: لا تعجل! فقال: كيف لا أعجل وقد أتيتنى بآبدة؟ وكان في الطومار: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ،﴾ من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان إلى الحجاج بن يوسف، أما بعد فإنك عبد طمت بك الأمور، فسموت فيها وعدوت طورك، وجاوزت قدرك، وركبت داهية إدّا، وأردت أن تبدو لي فان سوغتكها مضيت قدما، وإن لم أسوغها رجعت القهقرى، فلعنك الله من عبد أخفش العينين، منقوص الجاعرتين. أنسيت مكاسب آبائك بالطائف، وحفرهم الآبار، ونقلهم الصخور على ظهورهم في المناهل، يا ابن المستفرمة بعجم الزبيب، والله لأغمرنك غمر الليث الثعلب، والصقر الأرنب. وثبت على رجل من أصحاب رسول الله ﷺ بين أظهرنا، فلم تقبل له إحسانه، ولم تتجاوز له عن إساءته، جرأة منك على الرب ، واستخفافا منك بالعهد، والله لو أن اليهود والنصارى رأت رجلا خدم عزير بن عزرى، وعيسى بن مريم، لعظمته وشرفته وأكرمته وأحبته، بل لو رأوا من خدم حمار العزير أو خدم حواري المسيح لعظموه وأكرموه، فكيف وهذا أنس بن مالك خادم رسول الله ﷺ ثماني سنين، يطلعه على سره، ويشاوره في أمره، ثم هو مع هذا بقية من بقايا أصحابه، فإذا قرأت كتابي هذا فكن أطوع له من خفه ونعله، وإلا أتاك منى سهم بكل حتف قاض، ولكل نبأ مستقر وسوف تعلمون. وقد تكلم ابن طرار على ما وقع في هذا الكتاب من الغريب، وكذلك ابن قتيبة وغيرهما من أئمة اللغة والله أعلم. وقال الامام أحمد: ثنا عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عن الزبير - يعنى ابن عدي - قال: أتينا أنس بن مالك [نشكو إليه ما نلقى من الحجاج، فقال: «اصبروا فإنه لا يأتى عليكم عام أو زمان

стр. 2965

أو يوم إلا والّذي بعده شر منه، حتى تلقوا ربكم ، سمعته من نبيكم ﷺ » وهذا رواه البخاري عن محمد بن يوسف عن سفيان وهو الثوري عن الزبير بن عدي عن أنس قال: «لا يأتى عليكم زمان إلا والّذي بعده شر منه» الحديث. قلت: ومن الناس من يروى هذا الحديث بالمعنى فيقول: كل عام ترذلون. وهذا اللفظ لا أصل له، وإنما هو مأخوذ من معنى هذا الحديث، والله أعلم. قلت: قد مر بى مرة من كلام عائشة مرفوعا وموقوفا: كل يوم ترذلون. ورأيت للإمام أحمد كلاما قال فيه: وروى في الحديث كل يوم ترذلون نسما خبيثا. فيحتمل هذا أنه وقع للإمام أحمد مرفوعا، ومثل أحمد لا يقول هذا إلا عن أصل، وقد روى عن الحسن مثل ذلك، والله أعلم. فدل على أن له أصلا إما مرفوعا وإما من كلام السلف، لم يزل يتناوله الناس قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، حتى وصل إلى هذه الأزمان، وهو موجود في كل يوم، بل في كل ساعة تفوح رائحته، ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك، وإلى الآن نجد الرذالة في كل شيء، وهذا ظاهر لمن تأمله، والله أعلم. وقد قال سفيان الثوري عن إسماعيل بن أبى خالد عن الشعبي. قال: يأتى على الناس زمان يصلون فيه على الحجاج. وقال أبو نعيم عن يونس بن أبى إسحاق عن أبى السفر. قال قال الشعبي: والله لئن بقيتم لتمنون الحجاج. وقال الأصمعي: قيل للحسن: إنك تقول: الآخر شر من الأول، وهذا عمر بن عبد العزيز بعد الحجاج. فقال الحسن: لا بد للناس من تنفيسات. وقال ميمون بن مهران: بعث الحجاج إلى الحسن وقد هم به، فلما قام بين يديه قال: يا حجاج كم بينك وبين آدم من أب؟ قال: كثير، قال: فأين هم؟ قال: ماتوا. قال: فنكّس الحجاج رأسه وخرج الحسن. وقال أيوب السختياني: إن الحجاج أراد قتل الحسن مرارا فعصمه الله منه، وقد ذكر له معه مناظرات، على أن الحسن لم يكن ممن يرى الخروج عليه، وكان ينهى أصحاب ابن الأشعث عن ذلك، وإنما خرج معهم مكرها كما قدمنا، وكان الحسن يقول: إنما هو نقمة فلا تقابل نقمة الله بالسيف، وعليكم بالصبر والسكينة والتضرع. وقال ابن دريد عن الحسن بن الحضر عن ابن عائشة. قال: أتى الوليد بن عبد الملك رجل من الخوارج فقيل له: ما تقول في أبى بكر وعمر؟ فأثنى خيرا، قال فعثمان؟ فأثنى خيرا، قيل له: فما تقول في على؟ فأثنى خيرا، فذكر له الخلفاء واحدا بعد واحد، فيثنى على كل بما يناسبه، حتى قيل له: فما تقول في عبد الملك بن مروان؟ فقال: الآن جاءت المسألة، ما أقول في رجل الحجاج خطيئة من بعض خطاياه؟.] (١) وقال الأصمعي عن على بن مسلم الباهلي قال: أتى الحجاج بامرأة من الخوارج فجعل يكلمها وهي لا تنظر إليه ولا ترد عليه كلاما، فقال لها بعض الشرط: يكلمك الأمير وأنت معرضة عنه؟

стр. 2966

فقالت: إني لأستحي من الله أن انظر إلى من لا ينظر الله إليه، فأمر بها فقتلت. وقد ذكرنا في سنة أربع وتسعين كيفية مقتل الحجاج لسعيد بن جبير، وما دار بينهما من الكلام والمراجعة. وقد قال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا أبو ظفر ثنا جعفر بن سليمان عن بسطام بن مسلم عن قتادة قال قيل لسعيد بن جبير: خرجت على الحجاج؟ قال: إني والله ما خرجت عليه حتى كفر، ويقال إنه لم يقتل بعده إلا رجلا واحدا اسمه ماهان، وكان قد قتل قبله خلقا كثيرا، أكثرهم ممن خرج مع ابن الأشعث. وقال أبو عيسى الترمذي: ثنا أبو داود سليمان بن مسلم البلخي ثنا النضر بن شميل عن هشام بن حسان قال: أحصوا ما قتل الحجاج صبرا فبلغ مائة ألف وعشرين ألفا قال الأصمعي: ثنا أبو صم عن عباد بن كثير عن قحدم قال: أطلق سليمان بن عبد الملك في غداة واحدة أحدا وثمانين ألف أسير كانوا في سجن الحجاج، وقيل إنه لبث في سجنه ثمانون ألفا منهم ثلاثون ألف امرأة وعرضت السجون بعد الحجاج فوجدوا فيها ثلاثة وثلاثين ألفا، لم يجب على أحد منهم قطع ولا صلب، وكان فيمن حبس أعرابى وجد يبول في أصل ربض مدينة واسط، وكان فيمن أطلق فأنشأ يقول: إذا نحن جاوزنا مدينة واسط … خرينا وصلينا بغير حساب وقد كان الحجاج مع هذا العنف الشديد لا يستخرج من خراج العراق كبير أمر، قال ابن أبى الدنيا وإبراهيم الحربي: ثنا سليمان بن أبى سنح ثنا صالح بن سليمان قال قال عمر بن عبد العزيز: لو تخابثت الأمم فجاءت كل امة بخبيثها وجئنا بالحجاج لغلبناهم، وما كان الحجاج يصلح لدنيا ولا لآخرة لقد ولى العراق وهو أوفر ما يكون في العمارة، فأخسّ به إلى أن صيره إلى أربعين ألف ألف، ولقد أدى إليّ عمالى في عامي هذا ثمانين ألف ألف، وإن بقيت إلى قابل رجوت أن يؤدى إلى ما أدى إلى عمر بن الخطاب مائة ألف ألف وعشرة آلاف ألف. وقال أبو بكر بن المقري: ثنا أبو عروبة ثنا عمرو بن عثمان ثنا أبى سمعت جدي قال. كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة: بلغني أنك تستن بسنن الحجاج فلا تستن بسننه، فإنه كان يصلى الصلاة لغير وقتها، ويأخذ الزكاة من غير حقها وكان لما سوى ذلك أضيع. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا سعيد بن أسد ثنا ضمرة عن الريان بن مسلم. قال: بعث عمر بن عبد العزيز بآل بيت أبى عقيل - أهل بيت الحجاج - إلى صاحب اليمن وكتب إليه: أما بعد فانى قد بعثت بآل أبى عقيل وهم شرّ بيت في العمل، ففرقهم في العمل على قدر هوانهم على الله وعلينا، وعليك السلام. وإنما نفاهم. وقال الأوزاعي: سمعت القاسم بن مخيمرة يقول: كان الحجاج ينقض عرى الإسلام، وذكر حكاية. وقال أبو بكر بن عياش عن عاصم: لم يبق لله حرمة إلا ارتكبها الحجاج بن يوسف، وقال يحيى بن عيسى الرمليّ عن الأعمش: اختلفوا في الحجاج فسألوا مجاهدا فقال: تسألون عن الشيخ الكافر.

стр. 2967

وروى ابن عساكر عن الشعبي أنه قال: الحجاج مؤمن بالجبت والطاغوت، كافر بالله العظيم. كذا قال والله أعلم. وقال الثوري عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال: عجبا لإخواننا من أهل العراق يسمون الحجاج مؤمنا؟! وقال الثوري عن ابن عوف: سمعت أبا وائل يسأل عن الحجاج أتشهد أنه من أهل النار؟ قال أتأمروني أن أشهد على (١) الله العظيم، وقال الثوري عن منصور: سألت إبراهيم عن الحجاج أو بعض الجبابرة فقال: أليس الله يقول ﴿أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ وبه قال إبراهيم وكفى بالرجل عمى أن يعمى عن أمر الحجاج. وقال سلام بن أبى مطيع لأنا بالحجاج أرجى منى لعمرو بن عبيد، لأن الحجاج قتل الناس على الدنيا، وعمرو بن عبيد أحدث للناس بدعة شنعاء، قتل الناس بعضهم بعضا، وقال الزبير: سببت الحجاج يوما عند أبى وائل فقال: لا تسبه لعله قال يوما اللهمّ ارحمني فيرحمه، إياك ومجالسة من يقول أرأيت أرأيت. وقال عوف: ذكر الحجاج عند محمد بن سيرين فقال: مسكين أبو محمد، إن يعذبه الله فبذنبه، وإن يغفر له فهنيئا له، وإن يلق الله بقلب سليم فهو خير منا، وقد أصاب الذنوب من هو خير منه. فقيل له ما القلب السليم؟ قال: أن يعلم الله تعالى منه الحياء والايمان، وأن يعلم أن الله حق، وأن الساعة حق قائمة، وأن الله يبعث من في القبور. وقال أبو قاسم البغوي: ثنا أبو سعيد ثنا أبو أسامة قال قال رجل لسفيان الثوري: أتشهد على الحجاج وعلى أبى مسلم الخراساني أنهما في النار؟ قال: لا! إن أقرّا بالتوحيد. وقال الرياشي: حدثنا عباس الأزرق عن السري بن يحيى قال: مر الحجاج في يوم جمعة فسمع استغاثة فقال: ما هذا؟ فقيل أهل السجون يقولون قتلنا الحر، فقال: قولوا لهم اخسئوا فيها ولا تكلمون. قال: فما عاش بعد ذلك إلا أقل من جمعة حتى قصمه الله قاصم كل جبار. وقال بعضهم: رأيته وهو يأتى الجمعة وقد كاد يهلك من العلة. وقال الأصمعي: لما مرض الحجاج أرجف الناس بموته فقال في خطبته: إن طائفة من أهل الشقاق والنفاق نزغ الشيطان بينهم فقالوا: مات الحجاج، ومات الحجاج فمه؟! فهل يرجو الحجاج الخير إلا بعد الموت؟ والله ما يسرني أن لا أموت وأن لي الدنيا وما فيها، وما رأيت الله رضى التخليد إلا لأهون خلقه عليه إبليس، قال الله له ﴿إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ فأنظره إلى يوم الدين، ولقد دعا الله العبد الصالح فقال ﴿هَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ فأعطاه الله ذلك إلا البقاء، ولقد طلب العبد الصالح الموت بعد أن تم له أمره، فقال ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ فما عسى أن يكون أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل، كأنى والله بكل حي منكم ميتا، وبكل رطب يابسا، ثم نقل في أثياب أكفانه ثلاثة أذرع طولا في ذراع عرضا، فأكلت الأرض لحمه، ومصت صديده،

стр. 2968

وانصرف الخبيث من ولده يقسم الخبيث من ماله، إن الذين يعقلون يعقلون ما أقول، ثم نزل. وقال إبراهيم بن هشام بن يحيى الغساني عن أبيه عن جده عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: ما حسدت الحجاج عدو الله على شيء حسدي إياه على حبه القرآن وإعطائه أهله عليه، وقوله حين حضرته الوفاة: اللهمّ اغفر لي فان الناس يزعمون أنك لا تفعل. وقال أبو بكر بن أبى الدنيا: حدثنا على بن الجعد حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون عن محمد بن المنكدر. قال: كان عمر بن عبد العزيز يبغض الحجاج فنفس عليه بكلمة قالها عند الموت: اللهمّ اغفر لي فإنهم يزعمون أنك لا تفعل. قال: وحدثني بعض أهل العلم قال قيل للحسن: ان الحجاج قال عند الموت كذا وكذا، قال: قالها؟ قالوا: نعم! قال فما عسى. وقال أبو العباس المري عن الرياشي عن الأصمعي قال: لما حضرت الحجاج الوفاة أنشأ يقول: يا رب قد حلف الأعداء واجتهدوا … بأنني رجل من ساكني النار أيحلفون على عمياء ويحهم … ما علمهم بعظيم العفو غفار قال فأخبر بذلك الحسن فقال: بالله إن نجا لينجون بهما. وزاد بعضهم في ذلك: - إن الموالي إذا شابت عبيدهم … في رقهم عتقوهم عتق أبرار وأنت يا خالقي أولى بذا كرما … قد شبت في الرق فأعتقني من النار وقال ابن أبى الدنيا: ثنا أحمد بن عبد الله التيمي قال: لما مات الحجاج لم يعلم أحد بموته حتى أشرفت جارية فبكت فقالت: ألا إن مطعم الطعام، وميتم الأيتام، ومرمل النساء، ومفلق الهام، وسيد أهل الشام قد مات، ثم أنشأت تقول: - اليوم يرحمنا من كان يبغضنا … واليوم يأمننا من كان يخشانا وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاووس عن أبيه أنه أخبر بموت الحجاج مرارا فلما تحقق وفاته قال: (فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) وروى غير واحد أن الحسن لما بشر بموت الحجاج سجد شكرا لله تعالى، وكان مختفيا فظهر، وقال اللهمّ أمّته فأذهب عنا سنته. وقال حماد بن أبى سليمان: لما أخبرت إبراهيم النخعي بموت الحجاج بكى من الفرح. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا سليمان بن أبى شيخ ثنا صالح بن سليمان قال قال زياد بن الربيع بن الحارث لأهل السجن يموت الحجاج في مرضه هذا في ليلة كذا وكذا، فلما كانت تلك الليلة لم ينم أهل السجن فرحا، جلسوا ينظرون حتى يسمعوا الناعية، وذلك ليلة سبع وعشرين من شهر رمضان، وقيل كان ذلك لخمس بقين من رمضان، وقيل في شوال من هذه السنة، وكان عمره إذ ذاك خمسا وخمسين سنة، لأن مولده كان عام الجماعة سنة أربعين، وقيل بعدها بسنة، وقيل قبلها بسنة، مات بواسط

стр. 2969

وعفى قبره، وأجرى عليه الماء لكيلا ينبش ويحرق والله أعلم. وقال الأصمعي: ما كان أعجب حال الحجاج، ما ترك إلا ثلاثمائة درهم. وقال الواقدي: ثنا عبد الله بن محمد بن عبيد حدثني عبد الرحمن بن عبيد الله بن فرق: ثنا عمى قال: زعموا أن الحجاج لما مات لم يترك إلا ثلاثمائة درهم ومصحفا وسيفا وسرجا ورحلا ومائة درع موقوفة. وقال شهاب بن خراش: حدثني عمى يزيد بن حوشب قال: بعث إلى أبو جعفر المنصور فقال: حدثني بوصية الحجاج ابن يوسف، فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فقال: حدثني بها، فقلت: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به الحجاج بن يوسف أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأنه لا يعرف إلا طاعة الوليد بن عبد الملك، عليها يحيى، وعليها يموت، وعليها يبعث، وأوصى بتسعمائة درع حديد، ستمائة منها لمنافقى أهل العراق يغزون بها، وثلاثمائة للترك. قال: فرفع أبو جعفر رأسه إلى أبى العباس الطوسي - وكان قائما على رأسه - فقال: هذه والله الشيعة لا شيعتكم. وقال الأصمعي عن أبيه قال: رأيت الحجاج في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: قتلني بكل قتلة قتلت بها إنسانا، قال: ثم رأيته بعد الحول ففلت: يا أبا محمد ما صنع الله بك؟ فقال: يا ماصّ بظر أمه أما سألت عن هذا عام أول؟ وقال القاضي أبو يوسف: كنت عند الرشيد فدخل عليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين رأيت الحجاج البارحة في النوم، قال: في أي زي رأيته؟ قال: في زي قبيح. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: ما أنت وذاك يا ماصّ بظر أمه! فقال هارون: صدق والله، أنت رأيت الحجاج حقا، ما كان أبو محمد ليدع صرامته حيا وميتا. وقال حنبل بن إسحاق: ثنا هارون بن معروف ثنا ضمرة بن أبى شوذب عن أشعث الخراز. قال: رأيت الحجاج في المنام في حالة سيئة فقلت: يا أبا محمد ما صنع بك ربك؟ قال: ما قتلت أحدا قتلة إلا قتلني بها. قال ثم أمر بى إلى النار، قلت ثم مه، قال ثم أرجو ما يرجو أهل لا إله إلا الله. قال: وكان ابن سيرين يقول: إني لأرجو له، فبلغ ذلك الحسن فقال: أما والله ليخلفن الله رجاءه فيه. وقال أحمد بن أبى الحواري: سمعت أبا سليمان الدارانيّ يقول: كان الحسن البصري لا يجلس مجلسا إلا ذكر فيه الحجاج فدعا عليه، قال: فرآه في منامه فقال له: أنت الحجاج؟ قال: أنا الحجاج، قال: ما فعل الله بك؟ قال: قتلت بكل قتيل قتلته ثم عزلت مع الموحدين. قال: فأمسك الحسن بعد ذلك عن شتمه والله أعلم. [وقال ابن أبى الدنيا: حدثنا حمزة بن العباس حدثنا عبد الله بن عثمان أنبأ ابن المبارك أنبأنا سفيان. قال: قدم الحجاج على عبد الملك بن مروان وافدا ومعه معاوية بن قرة، فسأل عبد الملك معاوية عن الحجاج فقال: إن صدقنا كم قتلتمونا، وإن كذبناكم خشينا الله ، فنظر إليه الحجاج فقال له عبد الملك: لا تعرض له، فنفاه إلى السند فكان له بها مواقف] (١).

стр. 2970

وممن توفى فيها من الأعيان إبراهيم بن يزيد النخعي [قال: كنا إذا حضرنا جنازة أو سمعنا بميت عرف ذلك فينا أياما، لأنا قد عرفنا أنه نزل به أمر صيره إلى الجنة أو إلى النار، وإنكم تتحدثون في جنائزكم بأحاديث دنياكم. وقال: لا يستقيم رأى إلا بروية، ولا روية إلا برأي. وقال: إذا رأيت الرجل يتهاون بالتكبيرة الأولى فاغسل يديك من فلاحه. وقال: إني لأرى الشيء مما يعاب مما يعاب فلا يمنعني من عيبه إلا مخافة أن أبتلي به. وبكى عند موته فقيل له ما يبكيك؟ فقال: انتظار ملك الموت، ما أدرى يبشرني بجنة أو بنار] (١). الحسن بن محمد بن الحنفية كنيته أبو محمد، كان المقدم على إخوته، وكان عالما فقيها عارفا بالاختلاف والفقه، قال أيوب السختياني وغيره: كان أول من تكلم في الارجاء، وكتب في ذلك رسالة ثم ندم عليها. وقال غيرهم: كان يتوقف في عثمان وعلى وطلحة والزبير، فلا يتولاهم ولا يذمهم، فلما بلغ ذلك أباه محمد بن الحنفية ضربه فشجه وقال: ويحك ألا تتولى أباك عليا؟ وقال أبو عبيد: توفى سنة خمس وتسعين، وقال خليفة: توفى في أيام عمر بن عبد العزيز والله أعلم. حميد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري وأمه أم كلثوم بنت عقبة بن أبى معيط، وهي أخت عثمان بن عفان لأمه، وكان حميد فقيها نبيلا عالما، له روايات كثيرة. مطرف بن عبد الله بن الشخير تقدمت ترجمته، وهؤلاء كلهم لهم تراجم في كتاب التكميل. وفيها كان موت الحجاج بواسط كما تقدم ذلك مبسوطا مستقصى ولله الحمد. وفيها كان مقتل سعيد بن جبير في قول على بن المدائني وجماعة، والمشهور أنه كان في سنة أربع وتسعين كما ذكره ابن جرير وغير واحد والله أعلم. ثم دخلت سنة ست وتسعين وفيها فتح قتيبة بن مسلم رحمه الله تعالى كاشغر من أرض الصين وبعث إلى ملك الصين رسلا يتهدده ويتوعده ويقسم بالله لا يرجع حتى يطأ بلاده ويختم ملوكهم وأشرافهم، ويأخذ الجزية منهم أو يدخلوا في الإسلام. فدخل الرسل على الملك الأعظم فيهم، وهو في مدينة عظيمة، يقال إن عليها تسعين بابا في سورها المحيط بها، يقال لها خان بالق، من أعظم المدن وأكثرها ريعا ومعاملات وأموالا، حتى قيل إن بلاد الهند مع اتساعها كالشامة في ملك الصين، والصين لا يحتاجون إلى أن

стр. 2971

يسافروا في ملك غيرهم لكثرة أموالهم ومتاعهم، وغيرهم محتاج إليهم لما عندهم من المتاع والدنيا المتسعة، وسائر ملوك تلك البلاد تؤدى إلى ملك الصين الخراج، لقهره وكثرة جنده وعدده. والمقصود أن الرسل لما دخلوا على ملك الصين وجدوا مملكة عظمة حصينة [ذات أنهار وأسواق وحسن وبهاء، فدخلوا عليه في قلعة عظيمة حصينة] (١) بقدر مدينة كبيرة، فقال لهم ملك الصين: ما أنتم؟ - وكانوا ثلاثمائة رسول عليهم هبيرة - فقال الملك لترجمانه: قل لهم: ما أنتم وما تريدون؟ فقالوا: نحن رسل قتيبة بن مسلم، وهو يدعوك إلى الإسلام، فان لم تفعل فالجزية، فان لم تفعل فالحرب. فغضب الملك وأمر بهم إلى دار، فلما كان الغد دعاهم فقال لهم: كيف تكونون في عبادة إلهكم؟ فصلوا الصلاة على عادتهم فلما ركعوا وسجدوا ضحك منهم، فقال: كيف تكونون في بيوتكم؟ فلبسوا ثياب مهنهم، فأمرهم بالانصراف، فلما كان من الغد أرسل إليهم فقال: كيف تدخلون على ملوككم؟ فلبسوا الوشي والعمائم والمطارف ودخلوا على الملك، فقال لهم: ارجعوا فرجعوا، فقال الملك لأصحابه: كيف رأيتم هؤلاء؟ فقالوا: هذه أشبه بهيئة الرجال من تلك المرة الأولى، وهم أولئك. فلما كان اليوم الثالث: أرسل إليهم فقال لهم كيف تلقون عدوكم؟ فشدوا عليهم سلاحهم ولبسوا المغافر والبيض وتقلدوا السيوف ونكبوا القسي وأخذوا الرماح وركبوا خيولهم ومضوا، فنظر إليهم ملك الصين فرأى أمثال الجبال مقبلة، فلما قربوا منه ركزوا رماحهم ثم أقبلوا نحوه مشمرين، فقيل لهم: ارجعوا - وذلك لما دخل قلوب أهل الصين من الخوف منهم - فانصرفوا فركبوا خيولهم واختلجوا رماحهم ثم ساقوا خيولهم كأنهم يتطاردون بها، فقال الملك لأصحابه: كيف ترونهم؟ فقالوا: ما رأينا كهؤلاء قط. فلما أمسوا بعث إليهم الملك أن ابعثوا إلى زعيمكم وأفضلكم، فبعثوا إليه هبيرة، فقال له الملك حين دخل عليه: قد رأيتم عظم ملكي، وليس أحد يمنعكم منى، وأنتم بمنزلة البيضة في كفى، وأنا سائلك عن أمر فان تصدقني وإلا قتلتك، فقال: سل! فقال الملك: لم صنعتم ما صنعتم من زي أول يوم والثاني والثالث؟ فقال: أما زينا أول يوم فهو لباسنا في أهلنا ونسائنا وطيبنا عندهم، وأما ما فعلنا ثانى يوم فهو زينا إذا دخلنا على ملوكنا، وأما زينا ثالث يوم فهو إذا لقينا عدونا. فقال الملك: ما أحسن ما دبرتم دهركم، فانصرفوا إلى صاحبكم - يعنى قتيبة - وقولوا له ينصرف راجعا عن بلادي، فانى قد عرفت حرصه وقلة أصحابه، وإلا بعثت إليكم من يهلككم عن آخركم. فقال له هبيرة: تقول لقتيبة هذا؟! فكيف يكون قليل الأصحاب من أول خيله في بلادك وآخرها في منابت الزيتون؟ وكيف يكون حريصا من خلف الدنيا قادرا عليها، وغزاك في بلادك؟ وأما تخويفك إيانا بالقتل فانا نعلم أن لنا أجلا إذا حضر فأكرمها عندنا القتل، فلسنا نكرهه ولا نخافه.

стр. 2972

فقال الملك: فما الّذي يرضى صاحبكم؟ فقال: قد حلف أنه لا ينصرف حتى يطأ أرضك ويختم ملوكك ويجبى الجزية من بلادك، فقال أنا أبر يمينه وأخرجه منها، أرسل إليه بتراب من أرضى، وأربع غلمان من أبناء الملوك، وأرسل إليه ذهبا كثيرا وحريرا وثيابا صينية لا تقوّم ولا يدرى قدرها، ثم جرت لهم معه مقاولات كثيرة، ثم اتفق الحال على أن بعث صحافا من ذهب متسعة فيها تراب من أرضه ليطأه قتيبة، وبعث بجماعة من أولاده وأولاده الملوك ليختم رقابهم، وبعث بمال جزيل ليبر بيمين قتيبة، وقيل إنه بعث أربعمائة من أولاده وأولاد الملوك، فلما انتهى إلى قتيبة ما أرسله ملك الصين قبل ذلك منه، وذلك لأنه كان قد انتهى إليه خبر موت الوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين، فانكسرت همته لذلك، وقد عزم قتيبة بن مسلم الباهلي على ترك مبايعة سليمان بن عبد الملك، وأراد الدعوة إلى نفسه. لما تحت يده من العساكر، ولما فتح من البلاد والأقاليم فلم يمكنه ذلك، ثم قتل في آخر هذه السنة رحمه الله تعالى، فإنه يقال إنه ما كسرت له راية، وكان من المجاهدين في سبيل الله، واجتمع له من العساكر ما لم يجتمع لغيره. وفيها غزا مسلمة بن عبد الملك الصائفة، وغزا العباس بن الوليد الروم، ففتح طولس والمرزبانين من بلاد الروم. وفيها تكامل بناء الجامع الأموي بدمشق على يد بإنية أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى وجزاه خيرا، وكان أصل موضع هذا الجامع قديما معبدا بنته اليونان الكلدانيون الذين كانوا بعمرون دمشق، وهم الذين وضعوها وعمروها أولا، فهم أول من بناها، وقد كانوا يعبدون الكواكب السبعة المتميزة، وهي القمر في السماء الدنيا، وعطارد في السماء الثانية، والزهرة في السماء الثالثة، والشمس في الرابعة، والمريخ في الخامسة، والمشترى في السادسة، وزحل في السابعة. وقد كانوا صوروا على كل باب من أبواب دمشق هيكلا لكوكب من هذه الكواكب السبعة، وكانت أبواب دمشق سبعة وضعوها قصدا لذلك، فنصبوا هياكل سبعة لكل كوكب هيكل، وكان لهم عند كل باب من أبواب دمشق عيد في السنة، وهؤلاء هم الذين وضعوا الأرصاد وتكلموا على حركات الكواكب واتصالاتها ومقارنتها، وبنوا دمشق واختاروا لها هذه البقعة إلى جانب الماء الوارد من بين هذين الجبلين، وصرفوه أنهارا تجرى إلى الأماكن المرتفعة والمنخفضة، وسلكوا الماء في أفناء أبنية الدور بدمشق، فكانت دمشق في أيامهم من أحسن المدن، بل هي أحسنها، لما فيها من التصاريف العجيبة، وبنوا هذا المعبد وهو الجامع اليوم في جهة القطب، وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، وكانت محاريبهم إلى جهته، وكان باب معبدهم يفتح إلى جهة القبلة، خلف المحراب اليوم، كما شاهدنا ذلك عيانا، ورأينا محاريبهم إلى جهة القطب، ورأينا الباب وهو باب حسن مبنى بحجارة منقوشة، وعليه كتاب بخطهم، وعن يمينه ويساره بابان صغيران بالنسبة

стр. 2973

إليه، وكان غربي المعبد قصر منيف جدا تحمله هذه الأعمدة التي بباب البريد، وشرقى المعبد قصر جيرون الملك، الّذي كان ملكهم، وكان هناك داران عظيمتان معدتان لمن يتملك دمشق قديما منهم، ويقال إنه كان مع المعبد ثلاث دور عظيمة للملوك، ويحيط بهذه الدور والمعبد سور واحد عال منيف، بحجارة كبار منحوتة، وهن دار المطبق، ودار الخيل، ودار كانت تكون مكان الخضراء التي بناها معاوية. قال ابن عساكر فيما حكاه عن كتب بعض الأوائل: إن اليونان مكثوا يأخذون الطالع لبناء دمشق وهذه الأماكن ثماني عشرة سنة، وقد حفروا أساس الجدران حتى وأتاهم الوقت الّذي طلع فيه الكوكبان اللذان أرادوا أن هذا المعبد لا يخرب أبدا ولا تخلو منه العبادة، وأن هذه الدار إذا بنيت لا تخلو من أن تكون دار الملك والسلطنة. قلت: أما المعبد فلم يخل من العبادة. قال كعب الأحبار: لا يخلو منها حتى تقوم الساعة، وأما دار الملك التي هي الخضراء فقد جدد بناءها معاوية، ثم أحرقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة كما سنذكره، فبادت وصارت مساكن ضعفاء الناس وأراذلهم في الغالب إلى زماننا هذا. والمقصود أن اليونان استمروا على هذه الصفة التي ذكرناها بدمشق مددا طويلة، تزيد على أربعة آلاف سنة، حتى أنه يقال إن أول من بنى جدران هذا المعبد الأربعة هود ﵊، وقد كان هود قبل إبراهيم الخليل بمدد طويلة، وقد ورد إبراهيم الخليل دمشق ونزل شمالها عند برزة، وقاتل هناك قوما من أعدائه فظفر بهم، ونصره الله عليهم، وكان مقامه لمقاتلتهم عند برزة، فهذا المكان المنسوب إليه بها منصوص عليه في الكتب المتقدمة، يأثرونه كابرا عن كابر وإلى زماننا والله أعلم. وكانت دمشق إذ ذاك عامرة آهلة بمن فيها من اليونان، وكانوا خلقا لا يحصيهم إلا الله، وهم خصماء الخليل، وقد ناظرهم الخليل في عبادتهم الأصنام والكواكب وغيرها في غير موضع، كما قررنا ذلك في التفسير، وفي قصة الخليل من كتابنا هذا «البداية والنهاية» ولله الحمد وبالله المستعان. والمقصود أن اليونان لم يزالوا يعمرون دمشق ويبنون فيها وفي معاملاتها من أرض حوران والبقاع وبعلبكّ وغيرها، البنايات الهائلة الغريبة العجيبة، حتى إذا كان بعد المسيح بمدة نحو من ثلاثمائة سنة تنصر أهل الشام على يد الملك قسطنطين بن قسطنطين، الّذي بنى المدينة المشهورة به ببلاد الروم وهي القسطنطينية، وهو الّذي وضع لهم القوانين، وقد كان أولا هو وقومه وغالب أهل الأرض يونانا، ووضعت له بطاركته النصارى دينا مخترعا مركبا من أصل دين النصرانية، ممزوجا بشيء من عبادة الأوثان، وصلوا به إلى الشرق، وزادوا في الصيام، وأحلوا الخنزير، وعلموا أولادهم الأمانة الكبيرة فيما يزعمون، وإنما هي في الحقيقة خيانة كبيرة، وجناية كثيرة حقيرة، وهي مع ذلك في الحجم

стр. 2974

صغيرة. وقد تكلمنا على ذلك فيما سلف وبيناه. فبنى لهم هذا الملك الّذي ينتسب إليه الطائفة الملكية من النصارى، كنائس كبيرة في دمشق وفي غيرها، حتى يقال إنه بنى اثنتي عشرة ألف كنيسة، وأوقف عليها أوقافا دارّة، من ذلك كنيسة بيت لحم، وقمامة في القدس، بنتها أم هيلانة الغندقانية، وغير ذلك. والمقصود أنهم - يعنى النصارى - حولوا بناء هذا المعبد الّذي هو بدمشق معظما عند اليونان فجعلوه كنيسة يوحنا، وبنوا بدمشق كنائس كثيرة غيرها مستأنفة، واستمر النصارى على دينهم بدمشق وغيرها نحوا من ثلاثمائة سنة، حتى بعث الله محمدا ﷺ ، فكان من شأنه ما تقدم بعضه في كتاب السيرة من هذا الكتاب، وقد بعث إلى ملك الروم في زمانه - وهو قيصر ذلك الوقت - واسمه هرقل يدعوه إلى الله ، وكان من مراجعته ومخاطبته إلى أبى سفيان ما تقدم، ثم بعث أمراءه الثلاثة، زيد بن حارثة، وجعفر، وابن رواحة، إلى البلقاء من تخوم الشام، فبعث الروم إليهم جيشا كبيرا فقتلوا هؤلاء الأمراء وجماعة ممن معهم من الجيش، فعزم النبي ﷺ على قتال الروم ودخول الشام عام تبوك، ثم رجع عام ذلك لشدة الحر، وضعف الحال، وضيقة على الناس. ثم لما توفى بعث الصديق الجيوش إلى الشام بكمالها، ومن ذلك مدينة دمشق بأعمالها، وقد بسطنا القول في ذلك عند ذكر فتحها، فلما استقرت اليد الإسلامية عليها وأنزل الله رحمته فيها، وساق بره إليها، وكتب أمير الحرب أبو عبيدة إذ ذاك، وقيل خالد بن الوليد، لأهل دمشق كتاب أمان، أقروا أيدي النصارى على أربع عشرة كنيسة، وأخذوا منهم نصف هذه الكنيسة التي كانوا يسمونها كنيسة مريحنا، بحكم أن البلد فتحه خالد من الباب الشرقي بالسيف، وأخذت النصارى الأمان من أبى عبيدة، وكان على باب الجابية الصلح، فاختلفوا ثم اتفقوا على أن جعلوا نصف البلد صلحا ونصفه عنوة، فأخذوا نصف هذه الكنيسة الشرقي فجعله أبو عبيدة مسجدا يصلى فيه المسلمون، وكان أول من صلى في هذا المسجد أبو عبيدة ثم الصحابة بعده في البقعة الشرقية منه، التي يقال لها محراب الصحابة. ولكن لم يكن الجدار مفتوحا بمحراب محنى، وإنما كانوا يصلون عنده هذه البقعة المباركة، والظاهر أن الوليد هو الّذي فتق المحاريب في الجدار القبلي [قلت: هذه المحاريب متجددة ليست من فتق الوليد، وإنما فتق الوليد محرابا واحدا، إن كان قد فعل، ولعله لم يفعل شيئا منها، فكان يصلى فيه الخليفة، وبقيتها فتقت قريبا، لكل إمام محراب، شافعيّ وحنفي ومالكي وحنبلي، وهؤلاء إنما حدثوا بعد الوليد بزمان] (١) وقد كره كثير من السلف مثل هذه المحاريب، وجعلوه من البدع المحدثة، وكان المسلمون والنصارى يدخلون هذا المعبد من باب واحد،

стр. 2975

وهو باب المعبد الأعلى من جهة القبلة، مكان المحراب الكبير الّذي في المقصورة اليوم، فينصرف النصارى إلى جهة الغرب إلى كنيستهم، ويأخذ المسلمون يمنة إلى مسجدهم، ولا يستطيع النصارى أن يجهروا بقراءة كتابهم، ولا يضربوا بناقوسهم، إجلالا للصحابة ومهابة وخوفا. وقد بنى معاوية في أيام ولايته على الشام دار الامارة قبلي المسجد الّذي كان للصحابة، وبنى فيها قبة خضراء، فعرفت الدار بكمالها بها، فسكنها معاوية أربعين سنة كما قدمنا. ثم لم يزل الأمر على ما ذكرنا من أمر هذه الكنيسة شطرين بين المسلمين والنصارى، من سنة أربع عشرة، إلى سنة ست وثمانين في ذي القعدة منها، وقد صارت الخلافة إلى الوليد بن عبد الملك في شوال منها، فعزم الوليد على أخذ بقية هذه الكنيسة وإضافتها إلى ما بأيدي المسلمين منها، وجعل الجميع مسجدا واحدا، وذلك لأن بعض المسلمين كان يتأذى بسماع قراءة النصارى للانجيل، ورفع أصواتهم في صلواتهم، فأحب أن يبعدهم عن المسلمين، وأن يضيف ذلك المكان إلى هذا، فيصير كله معبدا للمسلمين، ويتسع المسجد لكثرة المسلمين، فعند ذلك طلب النصارى وسأل منهم أن يخرجوا له عن هذا المكان، ويعوضهم إقطاعات كثيرة، وعرضها عليهم، وأن يبقى بأيديهم أربع كنائس لم تدخل في العهد، وهي كنيسة مريم، وكنيسة المصلبة داخل باب شرقى، وكنيسة تل الجبن، وكنيسة حميد بن درة التي بدرب الصقل، فأبوا ذلك أشد الاباء، فقال: ائتوني بعهودكم التي بأيديكم من زمن الصحابة، فأتوا بها فقرئت بحضرة الوليد، فإذا كنيسة توما التي كانت خارج باب توما على حافة النهر - لم تدخل في العهد، وكانت فيما يقال أكبر من كنيسة مريحنا، فقال الوليد: أنا أهدمها وأجعلها مسجدا، فقالوا: بل يتركها أمير المؤمنين وما ذكر من الكنائس ونحن نرضى ونطيب له نفسا ببقية هذه الكنيسة، فأقرهم على تلك الكنائس، وأخذ منهم بقية هذه الكنيسة. هذا قول، ويقال إن الوليد لما أهمه ذلك وعرض ما عرض على النصارى فأبوا من قبوله، دخل عليه بعض الناس فأرشده إلى أن يقيس من باب شرقى ومن باب الجابية، فوجدوا أن الكنيسة قد دخلت في العنوة وذلك أنهم قاسوا من باب شرقى ومن باب الجابية فوجدوا منتصف ذلك عند سوق الريحان تقريبا، فإذا الكنيسة قد دخلت في العنوة، فأخذها. وحكى عن المغيرة مولى الوليد قال: دخلت على الوليد فوجدته مهموما فقلت: مالك يا أمير المؤمنين مهموما؟ فقال: إنه قد كثر المسلمون وقد ضاق بهم المسجد، فأحضرت النصارى وبذلت لهم الأموال في بقية هذه الكنيسة لأضيفها إلى المسجد فيتسع على المسلمين فأبوا، فقال المغيرة: يا أمير المؤمنين عندي ما يزيل همك، قال: وما هو؟ قلت: الصحابة لما أخذوا دمشق دخل خالد بن الوليد من الباب شرقى بالسيف، فلما سمع أهل البلد بذلك فزعوا إلى أبى عبيدة يطلبون منه الأمان فأمنهم، وفتحوا له باب الجابية، فدخل منه أبو عبيدة

стр. 2976

بالصلح، فنحن نماسحهم إلى أي موضع بلغ السيف أخذناه، وما بالصلح تركناه بأيديهم، وأرجو أن تدخل الكنيسة كلها في العنوة، فتدخل في المسجد. فقال الوليد: فرجت عنى، فتول أنت ذلك بنفسك، فتولاه المغيرة ومسح من الباب الشرقي إلى نحو باب الجابية إلى سوق الريحان فوجد السيف لم يزل عمالا حتى جاوز القنطرة الكبيرة بأربع أذرع وكسر، فدخلت الكنيسة في المسجد، فأرسل الوليد إلى النصارى فأخبرهم وقال: إن هذه الكنيسة كلها دخلت في العنوة فهي لنا دونكم، فقالوا: إنك أولا دفعت إلينا الأموال وأقطعتنا الأقطاعات فأبينا، فمن إحسان أمير المؤمنين أن يصالحنا فيبقى لنا هذه الكنائس الأربع بأيدينا، ونحن نترك له بقية هذه الكنيسة، فصالحهم على إبقاء هذه الأربع الكنائس والله أعلم. وقيل إنه عوضهم منها كنيسة عند حمام القاسم عند باب الفراديس داخله فسموها مريحنا باسم تلك الكنيسة التي أخذت منهم، وأخذوا شاهدها فوضعوه فوق التي أخذوها بدلها فالله أعلم. ثم أمر الوليد بإحضار آلات الهدم واجتمع إليه الأمراء والكبراء، وجاء إليه أساقفة النصارى وقساوستهم فقالوا: يا أمير المؤمنين إنا نجد في كتبنا أن من يهدم هذه الكنيسة يجن، فقال الوليد: أنا أحب أن أجن في الله، والله لا يهدم فيها أحد شيئا قبلي، ثم صعد المنارة الشرقية ذات الأضالع المعروفة بالساعات، وكانت صومعة هائلة فيها راهب عندهم، فأمره الوليد بالنزول منها فأكبر الراهب ذلك، فأخذ الوليد بقفاه فلم يزل يدفعه حتى أنزله منها، ثم صعد الوليد على أعلى مكان في الكنيسة فوق المذبح الأكبر منها، الّذي يسمونه الشاهد، وهو تمثال في أعلى الكنيسة، فقال له الرهبان: احذر الشاهد، فقال: أنا أول ما أضع فأسى في رأس الشاهد، ثم كبر وضربه فهدمه، وكان على الوليد قباء أصفر لونه سفرجلىّ قد غرز أذياله في المنطقة، ثم أخذ فأسا بيده فضرب بها في أعلى حجر فألقاه، فتبادر الأمراء إلى الهدم، وكبر المسلمون ثلاث تكبيرات، وصرخت النصارى بالعويل على درج جيرون، وكانوا قد اجتمعوا هنالك، فأمر الوليد أمير الشرطة وهو أبو نائل رياح الغساني، أن يضربهم حتى يذهبوا من هنالك، ففعل ذلك، فهدم الوليد والأمراء جميع ما جدده النصارى في تربيع هذا المعبد من المذابح والأبنية والحنايا، حتى بقي المكان صرحة مربعة، ثم شرع في بنائه بفكرة جيدة على هذه الصفة الحسنة الأنيقة، التي لم يشتهر مثلها قبلها كما سنذكره. وقد استعمل الوليد في بناء هذا المسجد خلقا كثيرا من الصناع والمهندسين والفعلة، وكان المستحث على عمارته أخوه وولى عهده من بعده سليمان بن عبد الملك، ويقال إن الوليد بعث الى ملك الروم يطلب منه صناعا في الرخام وغير ذلك، ليستعين بهم على عمارة هذا المسجد على ما يريد، وأرسل يتوعده لئن لم يفعل ليغزون بلاده بالجيوش، وليخربن كل كنيسة في بلاده، حتى

стр. 2977

كنيسة القدس، وهي قمامة، وكنيسة الرها، وسائر آثار الروم، فبعث ملك الروم إليه صناعا كثيرة جدا، مائتي صانع، وكتب إليه يقول: إن كان أبوك فهم هذا الّذي تصنعه وتركه فإنه لوصمة عليك، وإن لم يكن فهمه وفهمت أنت لوصمة عليه، فلما وصل ذلك إلى الوليد أراد أن يجيب عن ذلك، واجتمع الناس عنده لذلك، فكان فيهم الفرزدق الشاعر، فقال: أنا أجيبه يا أمير المؤمنين من كتاب الله. قال الوليد: وما هو ويحك؟ فقال قال الله تعالى ﴿فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ وسليمان هو ابن داود، ففهمه الله ما لم يفهمه أبوه. فأعجب ذلك الوليد فأرسل به جوابا إلى ملك الروم. وقد قال الفرزدق في ذلك: - فرقت بين النصارى في كنائسهم … والعابدين مع الأسحار والعنم وهم جميعا إذا صلوا وأوجههم … شتى إذا سجدوا لله والصنم وكيف يجتمع الناقوس يضربه … أهل الصليب مع القراء لم تنم فهمت تحويلها عنهم كما فهما … إذ يحكمان لهم في الحرث والغنم داود والملك المهدي إذ جزآ … ولادها واجتزاز الصوف بالجلم فهمك الله تحويلا لبيعتهم … عن مسجد فيه يتلى طيب الكلم ما من أب حملته الأرض نعلمه … خير بنين ولا خير من الحكم قال الحافظ عبد الرحمن بن إبراهيم دحيم الدمشقيّ: بنى الوليد ما كان داخل حيطان المسجد وزاد في سمك الحيطان. وقال الحسن بن يحيى الخشنيّ: إن هودا ﵇ هو الّذي بنى الحائط القبلي من مسجد دمشق. وقال غيره: لما أراد الوليد بناء القبة التي وسط الرواقات - وهي قبة النسر وهو اسم حادث لها، وكأنهم شبهوها بالنسر في شكله، لأن الرواقات عن يمينها وشمالها كالأجنحة لها - حفر لأركانها حتى وصلوا إلى الماء وشربوا منه ماء عذبا زلالا، ثم إنهم وضعوا فيه زيادة الكرم، وبنوا فوقها بالحجارة، فلما ارتفعت الأركان بنوا عليها القبة فسقطت، فقال الوليد لبعض المهندسين: أريد أن تبنى لي أنت هذه القبة، فقال: على أن تعطيني عهد الله وميثاقه على أن لا يبنيها أحد غيري، ففعل. فبنى الأركان ثم غلفها بالبواري، وغاب عنها سنة كاملة لا يدرى الوليد أين ذهب، فلما كان بعد السنة حضر، فهمّ به الوليد فأخذه ومعه رءوس الناس، فكشف البواري عن الأركان فإذا هي قد هبطت بعد ارتفاعها حتى ساوت الأرض، فقال له: من هذا أتيت، ثم بناها فانعقدت. وقال بعضهم: أراد الوليد أن يجعل بيضة القبة من ذهب خالص ليعظم بذلك شأن هذا البناء، فقال له المعمار: إنك لا تقدر على ذلك، فضربه خمسين سوطا، وقال له: ويلك! أنا لا أقدر على ذلك وتزعم أنى أعجز عنه؟ وخراج الأرض وأموالها تجبى إلى؟ قال: نعم أنا أبين لك ذلك، قال: فبين

стр. 2978

ذلك، قال: اضرب لبنة واحدة من الذهب وقس عليها ما تريد هذه القبة من ذلك، فأمر الوليد فأحضر من الذهب ما ضرب منه لبنة فإذا هي قد دخلها ألوف من الذهب، فقال: يا أمير المؤمنين إنا نريد مثل هذه اللبنة كذا وكذا ألف لبنة، فان كان عندك ما يكفى من ذلك عملناه، فلما تحقق صحة قوله أطلق له الوليد خمسين دينارا، وقال إني لا أعجز عما قلت، ولكن فيه إسراف وضياع مال في غير وجهه اللائق به، ولأن يكون ما أردنا من ذلك نفقة في سبيل الله، وردا على ضعفاء المسلمين خير من ذلك. ثم عقدها على ما أشار به المعمار. ولما سقف الوليد الجامع جعلوا سقفه جملونات، وباطنها مسطحا مقرنصا بالذهب، فقال له بعض أهله: أتعبت الناس بعدك في طين أسطحتهم، لما يريد هذا المسجد في كل عام من الطين الكثير - يشير إلى أن التراب يغلو والفعلة تقل لأجل العمل في هذا المسجد في كل عام - فأمر الوليد أن يجمع ما في بلاده من الرصاص ليجعله عوض الطين، ويكون أخف على السقوف. فجمع من كل ناحية من الشام وغيره من الأقاليم، فعازوا فإذا عند امرأة منه قناطير مقنطرة، فساوموها فيه، فقالت: لا أبيعه إلا بوزنه فضة، فكتبوا إلى الوليد فقال: اشتروه منها ولو بوزنه فضة، فلما بذلوا لها ذلك قالت: أما إذا قلتم ذلك فهو صدقة لله يكون في سقف هذا المسجد، فكتبوا على ألواحها بطابع «لله» ويقال إنها كانت إسرائيلية، وإنه كتب على الألواح التي أخذت منها: هذا ما أعطته الإسرائيلية. وقال محمد بن عائذ: سمعت المشايخ يقولون: ما تم بناء مسجد دمشق إلا بأداء الأمانة، لقد كان يفضل عند الرجل من القوم أو الفعلة الفلس ورأس المسمار فيأتى به حتى يضعه في الخزانة. وقال بعض مشايخ الدماشقة: ليس في الجامع من الرخام شيء إلا الرخامتان اللتان في المقام من عرش بلقيس والباقي كله مرمر. وقال بعضهم: اشترى الوليد العمودين الأخضرين اللذين تحت النسر، من حرب ابن خالد بن يزيد بن معاوية بألف وخمسمائة دينار. وقال دحيم عن الوليد بن مسلم: ثنا مروان بن جناح عن أبيه قال: كان في مسجد دمشق اثنا عشر ألف مرخم، وقال أبو قصي عن دحيم عن الوليد ابن مسلم عن عمرو بن مهاجر الأنصاري: إنهم حسبوا ما أنفقه الوليد على الكرمة (١) التي في قبلي المسجد فإذا هو سبعون ألف دينار. وقال أبو قصي: أنفق في مسجد دمشق أربعمائة صندوق من الذهب، في كل صندوق أربعة عشر ألف دينار، وفي رواية في كل صندوق ثمانية وعشرون ألف دينار. قلت: فعلى الأول يكون ذلك

стр. 2979

خمسة آلاف ألف دينار، وستمائة ألف دينار، وعلى الثاني يكون المصروف في عمارة الجامع الأموي أحد عشر ألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار. وقيل إنه صرف أكثر من ذلك بكثير، والله أعلم. قال أبو قصي: وأتى الحرسي إلى الوليد فقال: يا أمير المؤمنين إن الناس يقولون أنفق أمير المؤمنين بيوت الأموال في غير حقها. فنودي في الناس الصلاة جامعة. فاجتمع الناس فصعد [الوليد] المنبر وقال: إنه بلغني عنكم أنكم قلتم أنفق الوليد بيوت الأموال في غير حقها، ثم قال: يا عمرو بن مهاجر، قم فأحضر أموال بيت المال، فحملت على البغال إلى الجامع، ثم بسط لها الأنطاع تحت قبة النسر، ثم أفرغ عليها المال ذهبا صبيبا، وفضة خالصة، حتى صارت كوما، حتى كان الرجل إذا قام من الجانب الواحد لا يرى الرجل من الجانب الآخر، وهذا شيء كثير، ثم جيء بالقبانين فوزنت الأموال فإذا هي تكفى الناس ثلاث سنين مستقبلة، وفي رواية ست عشرة سنة مستقبلة، لو لم يدخل للناس شيء بالكلية، فقال لهم الوليد: والله ما أنفقت في عمارة هذا المسجد درهما من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي. ففرح الناس وكبروا وحمدوا الله على ذلك، ودعوا للخليفة وانصرفوا شاكرين داعين. فقال لهم الوليد: يا أهل دمشق، والله ما أنفقت في بناء هذا المسجد شيئا من بيوت المال، وإنما هذا كله من مالي، لم أرزأكم من أموالكم شيئا، ثم قال الوليد: يا أهل دمشق، إنكم تفخرون على الناس بأربع، بهوائكم ومائكم وفاكهتكم وحماماتكم، فأحببت أن أزيدكم خامسة وهي هذا الجامع. وقال بعضهم: كان في قبلة جامع دمشق ثلاث صفائح مذهبة بلازورد، في كل منها: بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم. لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا نعبد إلا إياه، ربنا الله وحده، وديننا الإسلام، ونبينا محمد ﷺ . أمر ببنيان هذا المسجد وهدم الكنيسة التي كانت فيه عبد الله أمير المؤمنين الوليد، في ذي القعدة سنة ست وثمانين، وفي صفيحة أخرى رابعة من تلك الصفائح: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم إلى آخر الفاتحة، ثم النازعات، ثم عبس، ثم إذا الشمس كورت، قالوا: ثم محيت بعد مجيء المأمون إلى دمشق. وذكروا أن أرضه كانت مفضضة كلها، وأن الرخام كان في جدرانه إلى قامات، وفوق الرخام كرمة عظيمة من ذهب، وفوق الكرمة الفصوص المذهبة والخضر والحمر والزرق والبيض، قد صوروا بها سائر البلدان المشهورة، الكعبة فوق المحراب، وسائر الأقاليم يمنة ويسرة، وصوروا ما في البلدان من الأشجار الحسنة المثمرة والمزهرة وغير ذلك، وسقفه مقرنص بالذهب، والسلاسل المعلقة فيها جميعها من ذهب وفضة، وأنوار الشموع في أماكنه مفرقة. قال: وكان في محراب الصحابة برنية حجر من بلور، ويقال بل كانت حجرا من جوهر وهي الدرة، وكانت تسمى القليلة، وكانت إذا طفئت القناديل تضيء لمن هناك بنورها، فلما كان زمن الأمين بن الرشيد - وكان يحب البلور وقيل

стр. 2980

الجوهر - بعث إلى سليمان والى شرطة دمشق أن يبعث بها إليه، فسرقها الوالي خوفا من الناس وأرسلها إليه، فلما ولى المأمون ردها إلى دمشق ليشنع بذلك على الأمين. قال ابن عساكر: ثم ذهبت بعد ذلك فجعل مكانها برنية من زجاج، قال: وقد رأيت تلك البرنية ثم انكسرت بعد ذلك فلم يجعل مكانها شيء، قالوا: وكانت الأبواب الشارعة من داخل الصحن ليس عليها أغلاق، وإنما كان عليها الستور مرخاة، وكذلك الستور على سائر جدرانه إلى حد الكومة التي فوقها الفصوص المذهبة، ورءوس الأعمدة مطلية بالذهب الخالص الكثير، وعملوا له شرفات تحيط به، وبنى الوليد المنارة الشمالية التي يقال لها مئذنة العروس، فأما الشرقية والغربية فكانتا فيه قبل ذلك بدهور متطاولة، وقد كان في كل زاوية من هذا المعبد صومعة شاهقة جدا، بنتها اليونان للرصد، ثم بعد ذلك سقطت الشماليتان وبقيت القبليتان إلى الآن، وقد أحرق بعض الشرقية بعد الأربعين وسبعمائة، فنقضت وجدد بناؤها من أموال النصارى، حيث اتهموا بحريقها، فقامت على أحسن الأشكال، بيضاء بذاتها وهي والله أعلم الشرفة التي ينزل عليها عيسى بن مريم في آخر الزمان بعد خروج الدجال، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن النواس بن سمعان. [قلت: ثم أحرق أعلى هذه المنارة وجددت، وكان أعلاها من خشب فبنيت بحجارة كلها في آخر السبعين وسبعمائة، فصارت كلها مبنية بالحجارة] (١) والمقصود أن الجامع الأموي لما كمل بناؤه لم يكن على وجه الأرض بناء أحسن منه، ولا أبهى ولا أجمل منه، بحيث إنه إذا نظر الناظر إليه أو إلى جهة منه أو إلى بقعة أو مكان منه تحير فيها نظره لحسنه وجماله، ولا يمل ناظره، بل كلما أدمن النظر بانت له أعجوبة ليست كالأخرى، وكانت فيه طلسمات من أيام اليونان فلا يدخل هذه البقعة شيء من الحشرات بالكلية، لا من الحيات ولا من العقارب، ولا الخنافس ولا العناكيب، ويقال ولا العصافير أيضا تعشش فيه، ولا الحمام ولا شيء مما يتأذى به الناس، وأكثر هذه الطلسمات أو كلها كانت مودعة في سقف هذا المعبد، مما يلي السبع، فأحرقت لما أحرق ليلة النصف من شعبان بعد العصر، سنة إحدى وستين وأربعمائة، في دولة الفاطميين كما سيأتي ذلك في موضعه. وقد كانت بدمشق طلسمات وضعتها اليونان بعضها باق إلى يومنا هذا والله أعلم. فمن ذلك العمود الّذي في رأسه مثل الكرة في سوق الشعير عند قنطرة أم حكيم، وهذا المكان يعرف اليوم بالعلبيين، ذكر أهل دمشق أنه من وضع اليونان لعسر بول الحيوان، فإذا داروا بالحيوان حول هذا العمود ثلاث دورات انطلق باطنه فبال، وذلك مجرب من عهد اليونان.
следующие страницы →