← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

واعتم بعمامة خضراء وجلس على فراش أخضر وقد بسط ما حوله بالخضرة، ثم نظر في المرآة فأعجب؟ حسنه، وشمر عن ذراعيه وقال: أنا الخليفة الشاب، وقيل إنه كان ينظر في المرآة من فرقه إلى قدمه ويقول: أنا الملك الشاب، وفي رواية أنه كان ينظر فيها ويقول: كان محمد نبيا، وكان أبو بكر صديقا وكان عمر فاروقا، وكان عثمان حبيا، وكان على شجاعا، وكان معاوية حليما، وكان يزيد صبورا، وكان عبد الملك سائسا، وكان الوليد جبارا، وأنا الملك الشاب. قالوا: فما حال عليه بعد ذلك شهر، وفي رواية جمعة، حتى مات. قالوا: ولما حم شرع يتوضأ فدعا بجارية فصبت عليه ماء الوضوء ثم أنشدته: أنت نعم المتاع لو كنت تبقى … غير أن لا بقاء للإنسان أنت خلو من العيوب ومما … يكره الناس غير أنك فان قالوا: فصاح بها وقال: عزتنى في نفسي، ثم أمر خاله الوليد بن العباس القعقاع العنسيّ (١) أن يصب عليه وقال: قرب وضوءك يا وليد فإنما … دنياك هذي بلغة ومتاع فاعمل لنفسك في حياتك صالحا … فالدهر فيه فرقة وجماع ويروى أن الجارية لما جاءته بالطست جعلت تضطرب من الحمى، فقال: أين فلانة؟ فقالت: محمومة، قال: فلانة؟ قالت: محمومة، وكان بمرج دابق من أرض قنسرين، فأمر خاله فوضأه ثم خرج يصلى بالناس فأخذته بحة في الخطبة، ثم نزل وقد أصابته الحمى فمات في الجمعة المقبلة، ويقال: إنه أصابه ذات الجنب فمات بها ﵀. وكان قد أقسم أنه لا يبرح بمرج دابق حتى يرجع إليه الخبر بفتح القسطنطينية، أو يموت قبل ذلك، فمات قبل ذلك ﵀ وأكرم مثواه، قالوا: وجعل يلهج في مرضه ويقول: إن بنىّ صغار … أفلح من كان له كبار فيقول له عمر بن عبد العزيز: قد أفلح المؤمنون يا أمير المؤمنين، ثم يقول: إن بنىّ صبية صيفيون … قد أفلح من كان له ربعيون ويروى أن هذا آخر ما تكلم به، والصحيح أن آخر ما تكلم به أن قال: أسألك منقلبا كريما، ثم قضى. وروى ابن جرير عن رجاء بن حيوة - وكان وزير صدق لبني أمية - قال: استشارني سليمان بن عبد الملك وهو مريض أن يولى له ابنا صغيرا لم يبلغ الحلم، فقلت: إن مما يحفظ الخليفة في قبره أن يولى على المسلمين الرجل الصالح، ثم شاورنى في ولاية ابنه داود، فقلت: إنه غائب عنك بالقسطنطينية ولا تدري أحي هو أو ميت، فقال: من ترى؟ فقلت: رأيك يا أمير المؤمنين،

стр. 3012

قال: فكيف ترى في عمر بن عبد العزيز؟ فقلت: أعلمه والله خيرا فاضلا مسلما يحب الخير وأهله، ولكن أتخوف عليه إخوتك أن لا يرضوا بذلك، فقال: هو والله على ذلك وأشار رجال (١) أن يجعل يزيد بن عبد الملك ولى العهد من بعد عمر بن عبد العزيز ليرضى بذلك بنو مروان، فكتب: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا كتاب من عبد الله سليمان بن عبد الملك لعمر بن عبد العزيز، إني قد وليته الخلافة من بعدي ومن بعده يزيد بن عبد الملك، فاسمعوا له وأطيعوا، واتقوا الله ولا تختلفوا فيطمع فيكم عدوكم. وختم الكتاب وأرسل إلى كعب بن حامد العبسيّ صاحب الشرطة، فقال له: اجمع أهل بيتي فمرهم فليبايعوا على ما في هذا الكتاب مختوما، فمن أبى منهم ضرب عنقه. فاجتمعوا ودخل رجال منهم فسلموا على أمير المؤمنين، فقال لهم: هذا الكتاب عهدي إليكم، فاسمعوا له وأطيعوا وبايعوا من وليت فيه، فبايعوا لذلك رجلا رجلا، قال رجاء: فلما تفرقوا جاءني عمر بن عبد العزيز فقال: أنشدك الله وحرمتي ومودتي إلا أعلمتنى إن كان كتب لي ذلك حتى أستعفيه الآن قبل أن يأتى حال لا أقدر فيها على ما أقدر عليه الساعة، فقلت: والله لا أخبرك حرفا واحدا. قال: ولقيه هشام بن عبد الملك فقال: يا رجاء إن لي بك حرمة ومودة قديمة، فأخبرني هذا الأمر إن كان إليّ علمت، وإن كان لغيري فما مثلي قصّر به عن هذا. فقلت: والله لا أخبرك حرفا واحدا مما أسرّه إليّ أمير المؤمنين، قال رجاء: ودخلت على سليمان فإذا هو يموت، فجعلت إذا أخذته السكرة من سكرات الموت أحرفه إلى القبلة، فإذا أفاق يقول: لم يأن لذلك بعد يا رجاء، فلما كانت الثالثة قال: من الآن يا رجاء إن كنت تريد شيئا، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، قال: فحرفته إلى القبلة فمات ﵀. قال: فغطيته بقطيفة خضراء وأغلقت الباب عليه وأرسلت إلى كعب بن حامد فجمع الناس في مسجد دابق، فقلت: بايعوا لمن في هذا الكتاب، فقالوا: قد بايعنا، فقلت: بايعوا ثانية، ففعلوا، ثم قلت: قوموا إلى صاحبكم فقد مات، وقرأت الكتاب عليهم، فلما انتهيت إلى ذكر عمر بن عبد العزيز تغيرت وجوه بنى مروان، فلما قرأت وإن هشام (٢) بن عبد الملك بعده، تراجعوا بعض الشيء. ونادى هشام لا نبايعه أبدا، فقلت: أضرب عنقك والله، قم فبايع، ونهض الناس إلى عمر بن عبد العزيز وهو في مؤخر المسجد، فلما تحقق ذلك قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولم تحمله رجلاه حتى أخذوا بضبعيه فأصعدوه على المنبر، فسكت حينا، فقال: رجاء بن حيوة: ألا تقوموا إلى أمير المؤمنين فتبايعوه، فنهض القوم فبايعوه، ثم أتى هشام فصعد المنبر ليبايع وهو يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، فقال عمر: نعم! ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ الّذي صرت أنا وأنت

стр. 3013

نتنازع هذا الأمر. ثم قام فخطب الناس خطبة بليغة وبايعوه، فكان مما قال في خطبته: أيها الناس، إني لست بمبتدع ولكنى متبع، وإن من حولكم من الأمصار والمدن إن أطاعوا كما أطعتم فأنا وإليكم، وإن هم أبوا فلست لكم بوال، ثم نزل، فأخذوا في جهاز سليمان، قال الأوزاعي: فلم يفرغوا منه حتى دخل وقت المغرب، فصلى عمر بالناس صلاة المغرب، ثم صلى على سليمان ودفن بعد المغرب، فلما انصرف عمر أتى بمراكب الخلافة [فأبى أن يركبها] وركب دابته وانصرف مع الناس حتى أتوا دمشق، فمالوا به نحو دار الخلافة فقال: لا أنزل إلا في منزلي (١) حتى تفرغ دار أبى أيوب، فاستحسنوا ذلك منه، ثم استدعى بالكاتب فجعل يملى عليه نسخة الكتاب الّذي يبايع عليه الأمصار، قال رجاء: فما رأيت أفصح منه. قال محمد بن إسحاق: وكانت وفاة سليمان بن عبد الملك بدابق من أرض قنسرين يوم الجمعة لعشر ليال خلت من صفر سنة تسع وتسعين، على رأس سنتين وتسعة أشهر وعشرين يوما من متوفى الوليد، وكذا قال الجمهور في تاريخ وفاته، ومنهم من يقول: لعشر بقين من صفر، وقالوا: كانت ولايته سنتين وثمانية أشهر، زاد بعضهم إلا خمسة أيام والله أعلم. وقول الحاكم أبى أحمد: إنه توفى يوم الجمعة لثلاث عشر بقين من رمضان سنة تسع وتسعين، حكاه ابن عساكر، وهو غريب جدا، وقد خالفه الجمهور في كل ما قاله، وعندهم أنه جاوز الأربعين فقيل بثلاث وقيل بخمس والله أعلم. قالوا: وكان طويلا جميلا أبيض نحيفا، حسن الوجه، مقرون الحاجبين، وكان فصيحا بليغا، يحسن العربية ويرجع إلى دين وخير ومحبة للحق وأهله، واتباع القرآن والسنة، وإظهار الشرائع الإسلامية ﵀، وقد كان ﵀ آلى على نفسه حين خرج من دمشق إلى مرج دابق - ودابق قريبة من بلاد حلب - لما جهز الجيوش إلى مدينة الروم العظمى المسماة بالقسطنطينية، أن لا يرجع إلى دمشق حتى تفتح أو يموت، فمات هنالك كما ذكرنا، فحصل له بهذه النية أجر الرباط في سبيل الله، فهو إن شاء الله ممن يجرى له ثوابه إلى يوم القيامة ﵀. وقد ذكر الحافظ ابن عساكر في ترجمة شراحيل بن عبيدة بن قيس العقيلي ما مضمونه: إن مسلمة ابن عبد الملك لما ضيق بمحاصرته على أهل القسطنطينية، وتتبع المسالك واستحوذ على ما هنالك من الممالك، كتب إليون ملك الروم إلى ملك البرجان (٢) يستنصره على مسلمة، ويقول له: ليس لهم

стр. 3014

همة إلا في الدعوة إلى دينهم، الأقرب منهم فالأقرب، وإنهم متى فرغوا منى خلصوا إليك، فمهما كنت صانعا حينئذ فاصنعه الآن، فعند ذلك شرع لعنه الله في المكر والخديعة، فكتب إلى مسلمة يقول له: إن إليون كتب إلى يستنصرنى عليك، وأنا معك فمرني بما شئت. فكتب إليه مسلمة: إني لا أريد منك رجالا ولا عددا، ولكن أرسل إلينا بالميرة فقد قلّ ما عندنا من الأزواد. فكتب إليه: إني قد أرسلت إليك بسوق عظيمة إلى مكان كذا وكذا، فأرسل من يتسلمها ويشترى منها. فأذن مسلمة لمن شاء من الجيش أن يذهب إلى هناك فيشترى له ما يحتاج إليه، فذهب خلق كثير فوجدوا هنالك سوقا هائلة، فيها من أنواع البضائع والأمتعة والأطعمة، فأقبلوا يشترون، واشتغلوا بذلك، ولا يشعرون بما أرصد لهم الخبيث من الكمائن بين تلك الجبال التي هنالك، فخرجوا عليهم بغتة واحدة فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين وأسروا آخرين، وما رجع إلى مسلمة إلا القليل منهم، فانا لله وإنا إليه راجعون، فكتب مسلمة بذلك إلى أخيه سليمان يخبره بما وقع من ذلك، فأرسل جيشا كثيفا صحبة شراحيل بن عبيدة هذا، وأمرهم أن يعبروا خليج القسطنطينية أولا فيقاتلوا ملك البرجان، ثم يعودوا إلى مسلمة، فذهبوا إلى بلاد البرجان وقطعوا إليهم تلك الخلجان، فاقتتلوا معهم قتالا شديدا، فهزمهم المسلمون باذن الله، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وسبوا وأسروا خلقا كثيرا، وخلّصوا أسرى المسلمين، ثم تحيزوا إلى مسلمة فكانوا عنده حتى استقدم الجميع عمر بن عبد العزيز خوفا عليهم من غائلة الروم وبلادهم، ومن ضيق العيش، وقد كان لهم قبل ذلك مدة طويلة أثابهم الله. وهذه خلافة عمر بن عبد العزيز أشجّ بنى مروان ﵁ وأكرمه قد تقدم أنه بويع له بالخلافة يوم الجمعة لعشر مضين، وقد قيل بقين من صفر من هذه السنة - أعنى سنة تسع وتسعين - يوم مات سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه إليه من غير علم من عمر كما قدمنا، وقد ظهرت عليه مخايل الورع والدين والتقشف والصيانة والنزاهة، من أول حركة بدت منه، حيث أعرض عن ركوب مراكب الخلافة، وهي الخيول الحسان الجياد المعدة لها، والاجتزاء بمركوبه الّذي كان يركبه، وسكنى منزله رغبة عن منزل الخلافة، ويقال إنه خطب الناس فقال في خطبته: أيها الناس، إن لي نفسا تواقة لا تعطى شيئا إلا تاقت إلى ما هو أعلى منه، وإني لما أعطيت الخلافة تاقت نفسي إلى ما هو أعلى منها وهي الجنة، فأعينونى عليها يرحمكم الله. وستأتي ترجمته عند وفاته إن شاء الله، وكان مما بادر إليه عمر في هذه السنة أن بعث إلى مسلمة بن عبد الملك ومن معه من المسلمين وهم بأرض الروم محاضر والقسطنطينية، وقد اشتد عليهم الحال وضاق عليهم المجال، لأنهم عسكر كثير، فكتب إليهم يأمرهم بالرجوع إلى الشام إلى منازلهم. وبعث إليهم بطعام كثير وخيول كثيرة عتاق، يقال خمسمائة فرس، ففرح الناس بذلك،

стр. 3015

وفيها أغارت الترك على أذربيجان فقتلوا خلقا كثيرا من المسلمين، فوجه إليهم عمر حاتم بن النعمان الباهلي فقتل أولئك الأتراك، ولم يفلت منهم إلا اليسير، وبعث منهم أسارى إلى عمر وهو بخناصرة. وقد كان المؤذنون يذكرونه بعد أذانهم باقتراب الوقت وضيقه لئلا يؤخرها كما كان يؤخرها من قبله، لكثرة الأشغال، وكان ذلك عن أمره لهم بذلك والله أعلم. فروى ابن عساكر في ترجمة جرير بن عثمان الرحبيّ الحمصي قال: رأيت مؤذني عمر بن عبد العزيز يسلمون عليه في الصلاة: السلام عليك أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة قد قاربت. وفي هذه السنة عزل عمر يزيد بن المهلب عن إمرة العراق وبعث عدي بن أرطاة الفزاري على إمرة البصرة، فاستقضى عليها الحسن البصري، ثم استعفاه فأعفاه، واستقضى مكانه إياس بن معاوية الذكي المشهور، وبعث على إمرة الكوفة وأرضها عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وضم إليه أبا الزناد كاتبا بين يديه، واستقضى عليها عامرا الشعبي. قال الواقدي: فلم يزل قاضيا عليها مدة خلافة عمر بن عبد العزيز، وجعل على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي، وكان نائب مكة عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى إمرة المدينة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو الّذي حج بالناس في هذه السنة، وعزل عن إمرة مصر عبد الملك بن أبى وداعة وولى عليها أيوب بن شرحبيل، وجعل الفتيا إلى جعفر بن ربيعة ويزيد بن أبى حبيب وعبيد الله بن أبى جعفر، فهؤلاء الذين كانوا يفتون الناس، واستعمل على إفريقية وبلاد المغرب إسماعيل بن عبد الله المخزومي، وكان حسن السيرة، وأسلم في ولايته على بلاد المغرب خلق كثير من البربر والله أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان: الحسن بن محمد بن الحنفية تابعي جليل، يقال إنه أول من تكلم في الارجاء، وقد تقدم أن أبا عبيد قال: توفى في سنة خمس وتسعين، وذكر خليفة أنه توفى في خلافة عمر بن عبد العزيز، وذكر شيخنا الذهبي في الأعلام أنه توفى هذا العام، والله أعلم. عبد الله بن محيريز بن جنادة بن عبيد القرشي الجمحيّ المكيّ، نزيل بيت المقدس، تابعي جليل، روى عن زوج أم أبى محذورة المؤذن، وعبادة بن الصامت، وأبى سعيد، ومعاوية، وغيرهم، وعنه خالد بن معدان، ومكحول، وحسان بن عطية، والزهري، وآخرون. وقد وثقه غير واحد، وأثنى عليه جماعة من الأئمة، حتى قال رجاء بن حيوة: إن يفخر علينا أهل المدينة بعابدهم ابن عمر، فانا نفخر عليهم بعابدنا عبد الله ابن محيريز. وقال بعض ولده: كان يختم القرآن كل جمعة، وكان يفرش له الفراش فلا ينام عليه،

стр. 3016

قالوا: وكان صمونا معتزلا للفتن، وكان لا يترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولا يذكر شيئا من خصاله المحمودة، ورأى على بعض الأمراء حلة من حرير فأنكر عليه، فقال: إنما ألبسها من أجل هؤلاء - وأشار إلى عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين - فقال له ابن محيريز: لا تعدل بخوفك من الله خوف أحد من المخلوقين. وقال الأوزاعي: من كان مقتديا فليقتد بمثله، فان الله لا يضل أمة فيها مثله. قال بعضهم: توفى أيام الوليد، وقال خليفة بن خياط: توفى أيام عمر بن عبد العزيز، وذكر الذهبي في الأعلام أنه توفى في هذا العام، والله سبحانه أعلم. دخل ابن محيريز مرة حانوت بزاز ليشترى منه ثوبا فرفع في السوم، فقال له جاره: ويحك هذا ابن محيريز ضع له، فأخذ ابن محيريز بيد غلامه وقال: اذهب بنا، إنما جئت لنشترى بأموالنا لا بأدياننا، فذهب وتركه. محمود بن لبيد بن عقبة أبو نعيم الأنصاري الأشهلي ولد في حياة النبي ﷺ ، وروى عنه أحاديث لكن حكمها حكم الإرسال. وقال البخاري: له صحبة. وقال ابن عبد البر: هو أحسن من محمود بن الربيع. قيل إنه توفى سنة ست وقيل سبع وتسعين، وذكر الذهبي في الأعلام أنه توفى في هذا العام والله أعلم باليقين نافع بن جبير بن مطعم ابن عدي بن نوفل القرشي النوفلي المدني، روى عن أبيه وعثمان وعلى والعباس وأبى هريرة وعائشة وغيرهم، وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، وكان ثقة عابدا يحج ماشيا ومركوبة يقاد معه، قال غير واحد: توفى سنة تسع وتسعين بالمدينة. كريب بن مسلم مولى ابن عباس، روى عن جماعة من الصحابة وغيرهم، وكان عنده حمل كتب، وكان من الثقات المشهورين بالخير والديانة. محمد بن جبير بن مطعم كان من علماء قريش وأشرافها، وله روايات كثيرة، وكان يعقل مجة مجها النبي ﷺ في وجهه وعمره أربع سنين، توفى وعمره ثلاث وتسعون سنة بالمدينة. مسلم بن يسار أبو عبد الله البصري، الفقيه الزاهد، له روايات كثيرة، كان لا يفضل عليه أحد في زمانه، وكان عابدا ورعا زاهدا كثير الصلاة كثير الخشوع، وقيل إنه وقع في داره حريق فأطفئوه وهو في الصلاة لم يشعر به، وله مناقب كثيرة ﵀. قلت: وانهدمت مرة ناحية من المسجد ففزع أهل السوق لهدتها، وإنه لفي المسجد في صلاته فما التفت. وقال ابنه: رأيته ساجدا وهو يقول: متى ألقاك

стр. 3017

وأنت عنى راض، ثم يذهب في الدعاء، ثم يقول: متى ألقاك وأنت عنى راض، وكان إذا كان في غير صلاة كأنه في الصلاة، وقد تقدمت ترجمته حنش بن عمرو الصنعائى كان والى إفريقية وبلاد المغرب، وبإفريقية توفى غازيا، وله روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة. خارجة بن زيد ابن الضحاك الأنصاري المدني الفقيه، كان يفتى بالمدينة، وكان من فقهائها المعدودين، كان عالما بالفرائض وتقسيم المواريث، وهو أحد الفقهاء السبعة الذين مدار الفتوى على قولهم. سنة مائة من الهجرة النبويّة قال الامام أحمد: حدثنا على بن حفص أنبأ ورقاء عن منصور عن المنهال بن عمرو عن نعيم بن دجاجة قال: دخل ابن مسعود على على فقال: أنت القائل قال رسول الله ﷺ : «لا يأتى على الناس مائة عام وعلى الأرض نفس منفوسة»؟ إنما قال رسول الله ﷺ : «لا يأتى على الناس مائة عام وعلى الأرض نفس منفوسة ممن هو حي، وإن رخاء هذه الأمة بعد المائة». تفرد به أحمد. وفي رواية لابنه عبد الله أن عليا قال له: يا فروخ أنت القائل لا يأتى على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف ممن هو حي اليوم، وإنما رخاء هذه الأمة وفرحها بعد المائة؟ إنما قال رسول الله ﷺ : «لا يأتى على الناس مائة سنة وعلى الأرض عين تطرف، أخطأت استك الحفرة، وإنما أراد ممن هو اليوم حي» تفرد به (١) وهكذا جاء في الصحيحين عن ابن عمر، فوهل الناس في مقالة رسول الله ﷺ تلك، وإنما أراد انخرام قرنه وفيها خرجت خارجة من الحرورية بالعراق فبعث أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز إلى عبد الحميد نائب الكوفة، يأمره بأن يدعوهم إلى الحق، ويتلطف بهم، ولا يقاتلهم حتى يفسدوا في الأرض، فلما فعلوا ذلك بعث إليهم جيشا فكسرهم الحرورية، فبعث عمر إليه يلومه على جيشه، وأرسل عمر ابن عمه مسلمة بن عبد الملك من الجزيرة إلى حربهم، فأظفره الله بهم، وقد أرسل عمر إلى كبير الخوارج - وكان يقال له بسطام - يقول له: ما أخرجك على؟ فان كنت خرجت غضبا لله فأنا أحق بذلك منك، ولست أولى بذلك منى، وهلم أناظرك، فان رأيت حقا اتبعته، وإن أبديت حقا نظرنا فيه. فبعث طائفة من أصحابه إليه فاختار منهم عمر رجلين فسألهما: ماذا تنقمون؟ فقالا: جعلك يزيد بن عبد الملك (٢) من بعدك، فقال: إني لم أجعله أبدا وإنما جعله غيري. قالا: فكيف ترضى به أمينا للأمة من بعدك؟ فقال: أنظرانى ثلاثة، فيقال ان بنى أمية دست إليه سما فقتلوه خشية أن يخرج الأمر من أيديهم ويمنعهم الأموال والله أعلم.

стр. 3018

وفيها غزا عمر بن الوليد بن هشام المعيطي، وعمرو بن قيس الكندي من أهل حمص، الصائفة وفيها ولى عمر بن عبد العزيز عمر بن هبيرة الجزيرة فسار إليها. وفيها حمل يزيد بن المهلب إلى عمر ابن عبد العزيز من العراق، فأرسله عدي بن أرطاة نائب البصرة مع موسى بن وجيه، وكان عمر يبغض يزيد بن المهلب وأهل بيته، ويقول: هؤلاء جبابرة ولا أحب مثلهم، فلما دخل على عمر طالبه بما قبله من الأموال التي كان قد كتب إلى سليمان أنها حاصلة عنده، فقال: إنما كتبت ذلك لأرهب الأعداء بذلك، ولم يكن بيني وبين سليمان شيء، وقد عرفت مكانتى عنده. فقال له عمر: لا أسمع منك هذا، ولست أطلقك حتى تؤدى أموال المسلمين، وأمر بسجنه. وكان عمر قد بعث على إمرة خراسان الجراح بن عبد الله الحكمي عوضه، وقدم ولد يزيد بن المهلب، مخلد بن يزيد، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد من على هذه الأمة بولايتك عليها، فلا نكونن نحن أشقى الناس بك فعلام تحبس هذا الشيخ وأنا أقوم له أتصالحني عنه؟ فقال عمر: لا أصالحك عنه إلا أن تقوم بجميع ما يطلب منه، ولا آخذ منه إلا جميع ما عنده من مال المسلمين. فقال: يا أمير المؤمنين إن كانت لك بينة عليه بما تقول وإلا فاقبل يمينه أو فصالحني عنه، فقال: لا آخذ منه إلا جميع ما عنده. فخرج مخلد بن يزيد من عند عمر، فلم يلبث أن مات مخلد. وكان عمر يقول: هو خير من أبيه. ثم إن عمر أمر بأن يلبس يزيد بن المهلب جبة صوف ويركب على بعير إلى جزيرة دهلك التي كان ينفى إليها الفساق، فشفعوا فيه فرده إلى السجن، فلم يزل به حتى مرض عمر مرضه الّذي مات فيه، فهرب من السجن وهو مريض، وعلم أنه يموت في مرضه ذلك، وبذلك كتب إليه كما سيأتي (١)، وأظنه كان عالما أن عمر قد سقى سما. وفيها في رمضان منها عزل عمر بن عبد العزيز الجراح بن عبد الله الحكمي عن إمرة خراسان، بعد سنة وخمسة أشهر، وإنما عزله لأنه كان يأخذ الجزية ممن أسلم من الكفار ويقول: أنتم إنما تسلمون فرارا منها. فامتنعوا من الإسلام وثبتوا على دينهم وأدوا الجزية، فكتب إليه عمر: إن الله إنما بعث محمدا ﷺ داعيا، ولم يبعثه جابيا. وعزله وولى بدله عبد الرحمن بن نعيم القشيري على الحرب، وعبد الرحمن بن عبد الله على الخراج. وفيها كتب عمر إلى عماله يأمرهم بالخير وينهاهم عن الشر، ويبين لهم الحق ويوضحه لهم ويعظهم فيما بينه وبينهم، ويخوفهم بأس الله وانتقامه، وكان فيما كتب إلى عبد الرحمن بن نعيم القشيري: أما بعد فكن عبدا لله ناصحا لله في عباده، ولا تأخذك في الله لومة لائم، فان الله أولى بك من الناس، وحقه عليك أعظم، ولا تولين شيئا من أمور المسلمين إلا المعروف بالنصيحة لهم،

стр. 3019

والتوفير عليهم. وأدّى الأمانة فيما استرعى، وإياك أن يكون ميلك ميلا إلى غير الحق، فان الله لا تخفى عليه خافية، ولا تذهبن عن الله مذهبا، فإنه لا ملجأ من الله إلا إليه. وكتب مثل ذلك مواعظ كثيرة إلى العمال. وقال البخاري في صحيحه: وكتب عمر إلى عدي بن عدي: إن للايمان فرائض وشرائع وحدودا وسننا، من استكملها استكمل الايمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الايمان، فان أعش فسأبينها لكم حتى تعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. وفيها كان بدوّ دعوة بنى العباس وذلك أن محمد بن على بن عبد الله بن عباس - وكان مقيما بأرض الشراة - بعث من جهته رجلا يقال له ميسرة، إلى العراق، وأرسل طائفة أخرى وهم محمد بن خنيس وأبو عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، وحيان العطار - خال إبراهيم بن سلمة - إلى خراسان، وعليها يومئذ الجراح ابن عبد الله الحكمي قبل أن يعزل في رمضان، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته، فلقوا من لقوا ثم انصرفوا بكتب من استجاب منهم إلى ميسرة الّذي بالعراق، فبعث بها إلى محمد بن على ففرح بها واستبشر وسره أن ذلك أول مبادئ أمر قد كتب الله إتمامه، وأول رأى قد أحكم الله إبرامه، أن دولة بنى أمية قد بان عليها مخايل الوهن والضعف، ولا سيما بعد موت عمر بن عبد العزيز، كما سيأتي بيانه. وقد اختار أبو محمد الصادق لمحمد بن على اثنى عشر نقيبا، وهم سليمان بن كثير الخزاعي، ولاهز بن قريظ التميمي، وقحطبة بن شبيب الطائي، وموسى بن كعب التميمي، وخالد بن إبراهيم أبو داود من بنى عمرو بن شيبان بن ذهل، والقاسم بن مجاشع التميمي، وعمران بن إسماعيل أبو النجم - مولى لآل أبى معيط - ومالك بن الهيثم الخزاعي، وطلحة بن زريق الخزاعي، وعمرو ابن أعين أبو حمزة - مولى لخزاعة -، وشبل بن طهمان أبو على الهروي - مولى لبني حنيفة - وعيسى ابن أعين مولى لخزاعة أيضا. واختار سبعين رجلا أيضا. وكتب إليهم محمد بن على كتابا يكون مثالا وسيرة يقتدون بها ويسيرون بها. وقد حج بالناس في هذه السنة أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، نائب المدينة، والنواب على الأمصار هم المذكورون في التي قبلها، سوى من ذكرنا ممن عزل وتولى عيره والله أعلم. ولم يحج عمر ابن عبد العزيز في أيام خلافته لشغله بالأمور، ولكنه كان يبرد البريد إلى المدينة فيقول له: سلم على رسول الله ﷺ عنى، وسيأتي باسناده إن شاء الله. وممن توفى فيها من الأعيان سالم بن أبى الجعد الأشجعي مولاهم الكوفي. أخو زياد وعبد الله وعبيد الله وعمران

стр. 3020

ومسلم، وهو تابعي جليل، روى عن ثوبان (١) وجابر وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، والنعمان ابن بشير وغيرهم. وعنه قتادة والأعمش وآخرون، وكان ثقة نبيلا جليلا. أبو أمامة سهل بن حنيف الأنصاري الأوسي المدني، ولد في حياة النبي ﷺ ، ورآه وحدث عن أبيه وعمر وعثمان وزيد بن ثابت ومعاوية وابن عباس، وعنه الزهري وأبو حازم وجماعة، قال الزهري: كان من علية الأنصار وعلمائهم، ومن أبناء الذين شهدوا بدرا. وقال يوسف بن الماجشون عن عتبة بن مسلم، قال: آخر خرجة خرجها عثمان بن عفان إلى الجمعة حصبه الناس وحالوا بينه وبين الصلاة، فصلى بالناس يومئذ أبو أمامة سهل بن حنيف. قالوا: توفى سنة مائة والله أعلم. أبو الزاهرية حدير بن كريب الحمصي تابعي جليل، سمع أبا أمامة صدى بن عجلان، وعبد الله بن بسر، ويقال إنه أدرك أبا الدرداء والصحيح أن روايته عنه وعن حذيفة مرسلة، وقد حدث عنه جماعة من أهل بلده، وقد وثقه ابن معين وغيره. ومن أغرب ما روى عنه قول قتيبة: ثنا شهاب بن خراش عن حميد عن أبى الزاهرية قال: أغفيت في صخرة بيت المقدس فجاءت السدنة فأغلقوا عليّ الباب، فما انتبهت إلا بتسبيح الملائكة فوثبت مذعورا فإذا الملائكة صفوف، فدخلت معهم في الصف. قال أبو عبيدة وغيره: مات سنة مائة. أبو الطفيل عامر بن واثلة ابن عبد الله بن عمرو الليثي الكناني، صحابى، وهو آخر من رأى النبي ﷺ وفاة بالإجماع قال: رأيت النبي ﷺ يستلم الركن بمحجنه، وذكر صفة النبي ﷺ ، وروى عن أبى بكر وعمر وعلى ومعاذ وابن مسعود، وحدث عنه الزهري وقتادة وعمرو بن دينار وأبو الزبير وجماعة من التابعين، وكان من أنصار على بن أبى طالب، شهد معه حروبه كلها، لكن نقم بعضهم عليه كونه كان مع المختار بن أبى عبيد، ويقال إنه كان حامل رايته، وقد روى أنه دخل على معاوية فقال: ما أبقى لك الدهر من ثكلك عليا؟ فقال: ثكل العجوز المقلاة والشيخ الرقوب، فقال: كيف حبك له؟ قال حب أم موسى لموسى، وإلى الله أشكو التقصير. قيل إنه أدرك من حياة النبي ﷺ ثمان سنين، ومات سنة مائة وقيل سنة سبع ومائة فالله أعلم. قال مسلمة بن الحجاج: وهو آخر من مات من الصحابة مطلقا ومات سنة مائة. أبو عثمان النهدي واسمه عبد الرحمن بن مل البصري، أدرك الجاهلية وحج في زمن الجاهلية مرتين، وأسلم في حياة

стр. 3021

النبي ﷺ ولم يره، وأدى في زمانه الزكاة ثلاث سنين إلى عمال النبي ﷺ ، ومثل هذا يسميه أئمة الحديث مخضرما، وهاجر إلى المدينة في زمان عمر بن الخطاب، فسمع منه ومن على وابن مسعود وخلق من الصحابة وصحب سلمان الفارسي ثنتى عشرة سنة حتى دفنه، وروى عنه جماعة من التابعين وغيرهم، منهم أيوب، وحميد الطويل، وسليمان بن طرخان التيمي، وقال عاصم الأحول: سمعته يقول: أدركت في الجاهلية يغوث صنما من رصاص يحمل على جمل أجرد، فإذا بلغ واديا برك فيه فيقولون: قد رضى ربكم لكم هذا الوادي فينزلون فيه، قال: وسمعته وقد قيل له أدركت النبي ﷺ ؟ فقال: نعم! أسلمت على عهده، وأديت إليه الزكاة ثلاث مرات، ولم ألقه، وشهدت اليرموك والقادسية وجلولاء ونهاوند. كان أبو عثمان صوّاما قوّاما، يسرد الصوم ويقوم الليل لا يتركه، وكان يصلى حتى يغشى عليه، وحج ستين مرة ما بين حجة وعمرة، قال سليمان التيمي: إني لأحسبه لا يصيب ذنبا، لأنه ليله قائما ونهاره صائما، وقال بعضهم: سمعت أبا عثمان النهدي يقول: أتت على ثلاثون ومائة سنة وما منى شيء إلا وقد أنكرته خلا أملى فانى أجده كما هو. وقال ثابت البناني عن أبى عثمان. قال: إني لأعلم حين يذكرني ربى ، قال فيقول: من أين تعلم ذلك؟ فيقول قال الله تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ فإذا ذكرت الله ذكرني. قال: وكنا إذا دعونا الله قال: والله لقد استجاب الله لنا، قال الله تعالى ﴿وَقالَ رَبُّكُمُ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ قالوا: وعاش مائة وثلاثين سنة، قاله هشيم وغيره. قال المدائني وغيره: توفى سنة مائة، وقال الفلاس: توفى سنة خمس وتسعين، والصحيح سنة مائة والله أعلم. وفيها توفى عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، وكان يفضل على والده في العبادة والانقطاع عن الناس، وله كلمات حسان مع أبيه ووعظه إياه. ثم دخلت سنة إحدى ومائة فيها كان هرب يزيد بن المهلب من السجن حين بلغه مرض عمر بن عبد العزيز، فواعد غلمانه يلقونه بالخيل في بعض الأماكن، وقيل بابل له، ثم نزل من محبسه ومعه جماعة وامرأته عاتكة بنت الفرات العامرية، فلما جاء غلمانه ركب رواحله وسار، وكتب إلى عمر بن عبد العزيز: إني والله ما خرجت من سجنك إلا حين بلغني مرضك، ولو رجوت حياتك ما خرجت، ولكنى خشيت من يزيد بن عبد الملك فإنه يتوعدنى بالقتل، وكان يزيد يقول: لئن وليت لأقطعن من يزيد بن المهلب طائفة، وذلك أنه لما ولى العراق عاقب أصهاره آل عقيل، وهم بيت الحجاج بن يوسف الثقفي، وكان يزيد بن عبد الملك مزوجا ببنت محمد بن يوسف، وله ابنه الوليد بن يزيد الفاسق المقتول كما سيأتي. ولما بلغ عمر بن عبد العزيز أن يزيد بن المهلب هرب من السجن قال: اللهمّ إن كان يريد بهذه الأمة

стр. 3022

سوءا فاكفهم شره واردد كيده في نحره، ثم لم يزل المرض يتزايد بعمر بن عبد العزيز حتى مات وهو بخناصرة، من دير سمعان بين حماه وحلب، في يوم الجمعة، وقيل في يوم الأربعاء لخمس بقين من رجب من هذه السنة - أعنى سنة إحدى ومائة - عن تسع وثلاثين سنة وأشهر، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر فالله أعلم. وكانت خلافته فيما ذكر غير واحد سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وكان حكما مقسطا، وإماما عادلا وورعا دينا، لا تأخذه في الله لومة لائم رحمه الله تعالى. وهذه ترجمة عمر بن عبد العزيز الأموي الامام المعروف المشهور ﵀ وأكرم مثواه هو عمر بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف أبو حفص القرشي الأموي المعروف أمير المؤمنين، وأمه أم عاصم ليلى بنت عاصم بن عمر بن الخطاب ﵄، ويقال له أشج بنى مروان، وكان يقال: الأشج والناقص أعدلا بنى مروان. فهذا هو الأشج وسيأتي ذكر الناقص. كان عمر تابعيا جليلا، روى عن أنس بن مالك والسائب بن يزيد، ويوسف بن عبد الله بن سلام، ويوسف صحابى صغير. وروى عن خلق من التابعين. وعنه جماعة من التابعين وغيرهم. قال الإمام أحمد بن حنبل: لا أدرى قول أحد من التابعين حجة إلا قول عمر بن عبد العزيز. بويع له بالخلافة بعد ابن عمه سليمان بن عبد الملك، عن عهد منه له بذلك كما تقدم، ويقال: كان مولده في سنة إحدى وستين، وهي السنة التي قتل فيها الحسين بن على بمصر، قاله غير واحد. وقال محمد بن سعد: ولد سنة ثلاث وستين، وقيل سنة تسع وخمسين، فالله أعلم. وكان له جماعة من الإخوة ولكن الذين هم من أبويه أبو بكر وعاصم ومحمد، وقال أبو بكر بن أبى خيثمة عن يحيى بن معين عن يحيى بن بكير عن الليث. قال: بلغني أن عمران بن عبد الرحمن ابن شرحبيل بن حسنة كان يحدث أن رجلا رأى في المنام ليلة ولد عمر بن عبد العزيز - أو ليلة ولى الخلافة شك أبو بكر - أن مناديا بين السماء والأرض ينادى: أتاكم الليّن والديّن وإظهار العمل الصالح في المصلين، فقلت: ومن هو؟ فنزل فكتب في الأرض ع م ر. وقال آدم بن إياس: ثنا أبو على ثروان مولى عمر بن عبد العزيز. قال: دخل عمر بن عبد العزيز إلى اصطبل أبيه فضربه فرس فشجه، فجعل أبوه يمسح الدم عنه ويقول: إن كنت أشج بنى أمية إنك إذا لسعيد. رواه الحافظ ابن عساكر من طريق هارون بن معروف عن ضمرة، وقال نعيم بن حماد: ثنا ضمام بن إسماعيل عن أبى قبيل أن عمر بن عبد العزيز بكى وهو غلام صغير، فبلغ أمه فأرسلت إليه فقالت: ما يبكيك؟ قال: ذكرت الموت، فبكت أمه. وكان قد جمع القرآن وهو صغير، وقال الضحاك بن عثمان الخزامي: كان أبوه قد جعله عند صالح بن كيسان يؤدبه، فلما حج أبوه اجتاز به في

стр. 3023

المدينة فسأله عنه فقال: ما خبرت أحدا الله أعظم في صدره من هذا الغلام. وروى يعقوب بن سفيان أن عمر بن عبد العزيز تأخر عن الصلاة مع الجماعة يوما فقال صالح بن كيسان: ما شغلك؟ فقال: كانت مرّجلتى تسكن شعرى، فقال له: قدّمت ذلك على الصلاة؟ وكتب إلى أبيه وهو على مصر يعلمه بذلك، فبعث أبوه رسولا فلم يكلمه حتى حلق رأسه. وكان عمر بن عبد العزيز يختلف إلى عبيد الله بن عبد الله يسمع منه، فبلغ عبيد الله أن عمر ينتقص عليا، فلما أتاه عمر أعرض عبيد الله عنه وقام يصلى، فجلس عمر ينتظره، فلما سلم أقبل على عمر مغضبا وقال له: متى بلغك أن الله سخط على أهل بدر بعد أن رضى عنهم؟ قال ففهمها عمر وقال: معذرة إلى الله ثم إليك، والله لا أعود، قال: فما سمع بعد ذلك يذكر عليا إلا بخير. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا أبى ثنا المفضل بن عبد الله عن داود بن أبى هند. قال: دخل علينا عمر بن عبد العزيز من هذا الباب - وأشار إلى باب من أبواب مسجد النبي ﷺ فقال رجل من القوم: بعث الفاسق لنا بابنه هذا يتعلم الفرائض والسنن، ويزعم أنه لن يموت حتى يكون خليفة، ويسير سيرة عمر بن الخطاب. قال داود: والله ما مات حتى رأينا ذلك فيه. وقال الزبير بن بكار: حدثني العتبى قال: إن أول ما استبين من رشد عمر بن عبد العزيز حرصه على العلم ورغبته في الأدب، إن أباه ولى مصر وهو حديث السن يشك في بلوغه، فأراد أبوه إخراجه معه إلى مصر من الشام، فقال: يا أبة أو غير ذلك لعله يكون أنفع لي ولك؟ قال: وما هو؟ قال: ترحّلنى إلى المدينة فأقعد إلى فقهائها وأتأدب بآدابهم، فعند ذلك أرسله أبوه إلى المدينة، وأرسل معه الخدام، فقعد مع مشايخ قريش، وتجنب شبابهم، وما زال ذلك دأبه حتى اشتهر ذكره، فلما مات أبوه أخذه عمه أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان فخلطه بولده، وقدمه على كثير منهم، وزوجه بابنته فاطمة، وهي التي يقول الشاعر فيها: بنت الخليفة والخليفة جدها … أخت الخلائف والخليفة زوجها قال: ولا نعرف امرأة بهذه الصفة إلى يومنا هذا سواها. قال العتبى: ولم يكن حاسد عمر بن عبد العزيز ينقم عليه شيئا سوى متابعته في النعمة، والاختيال في المشية، وقد قال الأحنف بن قيس: الكامل من عدت هفواته ولا تعد إلا من قلة. وقد ورث عمر من أبيه من الأموال والمتاع والدواب هو وإخوته ما لم يرثه غيره فيما نعلم، كما تقدم ذلك، ودخل يوما على عمه عبد الملك وهو يتجانف في مشيته فقال: يا عمر ما لك تمشى غير مشيتك؟ قال: إن فىّ جرحا، فقال: وأين هو من جسدك؟ قال: بين الرانفة والصفن - يعنى بين طرف الالية وجلدة الخصية - فقال عبد الملك لروح بن زنباع: بالله لو رجل من قومك سئل عن هذا ما أجاب بمثل

стр. 3024

هذا الجواب. قالوا: ولما مات عمه عبد الملك حزن عليه ولبس المسوح تحت ثيابه سبعين يوما، ولما ولى الوليد عامله بما كان أبوه يعامله به، وولاه المدينة ومكة والطائف من سنة ست وثمانين إلى سنة ثلاث وتسعين، وأقام للناس الحج سنة تسع وثمانين، وسنة تسعين، وحج الوليد بالناس سنة إحدى وتسعين، ثم حج بالناس عمر سنة ثنتين أو ثلاث وتسعين. وبنى في مدة ولايته هذه مسجد النبي ﷺ ووسعه عن أمر الوليد له بذلك، فدخل فيه قبر النبي ﷺ ، وقد كان في هذه المدة من أحسن الناس معاشرة، وأعدلهم سيرة، كان إذا وقع له أمر مشكل جمع فقهاء المدينة عليه، وقد عين عشرة منهم، وكان لا يقطع أمرا بدونهم أو من حضر منهم، وهم عروة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر بن سليمان بن خيثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد بن حزم، وسالم بن عبد الله، وعبد الله بن عامر بن ربيعة، وخارجة بن زيد بن ثابت. وكان لا يخرج عن قول سعيد بن المسيب، وقد كان سعيد بن المسيب لا يأتى أحدا من الخلفاء، وكان يأتى إلى عمر بن عبد العزيز وهو بالمدينة، وقال إبراهيم بن عبلة: قدمت المدينة وبها ابن المسيب وغيره، وقد ندبهم عمر يوما إلى رأى وقال ابن وهب: حدثني الليث حدثني قادم البربري أنه ذاكر ربيعة بن أبى عبد الرحمن يوما شيئا من قضايا عمر بن عبد العزيز إذ كان بالمدينة، فقال له الربيع: كأنك تقول: أخطأ، والّذي نفسي بيده ما أخطأ قط. وثبت من غير وجه عن أنس بن مالك. قال: ما صليت وراء إمام أشبه بصلاة رسول الله ﷺ من هذا الفتى - يعنى عمر بن عبد العزيز - حين كان على المدينة. قالوا: وكان يتم الركوع والسجود ويخفف القيام والقعود، وفي رواية صحيحة أنه كان يسبح في الركوع والسجود عشرا عشرا، وقال ابن وهب: حدثني الليث عن أبى النضر المديني، قال: رأيت سليمان ابن يسار (١) خارجا من عند عمر بن عبد العزيز فقلت له: من عند عمر خرجت؟ قال: نعم! قلت: تعلّمونه؟ قال: نعم، فقلت: هو والله أعلمكم. وقال مجاهد: أتينا عمر نعلمه فما برحنا حتى تعلمنا منه. وقال ميمون بن مهران: كانت العلماء عند عمر بن عبد العزيز تلامذة، وفي رواية قال ميمون: كان عمر بن عبد العزيز معلم العلماء. وقال الليث: حدثني رجل كان قد صحب ابن عمرو ابن عباس، وكان عمر بن عبد العزيز يستعمله على الجزيرة، قال: ما التمسنا علم شيء إلا وجدنا عمر بن عبد العزيز أعلم الناس بأصله وفرعه، وما كان العلماء عند عمر بن عبد العزيز إلا تلامذة. وقال عبد الله بن طاووس: رأيت أبى تواقف هو وعمر بن عبد العزيز من بعد صلاة العشاء حتى أصبحنا، فلما افترقا قلت: يا أبة من هذا الرجل؟ قال هذا عمر بن عبد العزيز، وهو من صالحي هذا البيت -

стр. 3025

يعنى بنى أمية - وقال عبد الله بن كثير قلت لعمر بن عبد العزيز ما كان بدء إنابتك؟ قال: أردت ضرب غلام لي فقال لي: اذكر ليلة صبيحتها يوم القيامة (١) وقال الامام مالك: لما عزل عمر بن عبد العزيز عن المدينة - يعنى في سنة ثلاث وتسعين - وخرج منها التفت إليها وبكى وقال لمولاه: يا مزاحم، نخشى أن نكون ممن نفت المدينة - يعنى أن المدينة تنفى خبثها كما ينفى الكير خبث الحديد - وينصع طيبها. قلت: خرج من المدينة فنزل بمكان قريب منها يقال له السويداء حينا (٢)، ثم قدم دمشق على بنى عمه. قال محمد بن إسحاق عن إسماعيل بن أبى حكيم. قال: سمعت عمر بن عبد العزيز يقول: خرجت من المدينة وما من رجل أعلم منى، فلما قدمت الشام نسيت. وقال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا حماد بن زيد عن معمر عن الزهري قال: سهرت مع عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فحدثته، فقال: كلّ ما حدثت فقد سمعته ولكن حفظت ونسيت. وقال ابن وهب عن الليث عن عقيل عن الزهري قال قال عمر بن عبد العزيز: بعث إلى الوليد ذات ساعة من الظهيرة، فدخلت عليه فإذا هو عابس، فأشار إلى أن اجلس، فجلست فقال: ما تقول فيمن يسب الخلفاء أيقتل؟ فسكت، ثم عاد فسكت، ثم عاد فقلت: أقتل يا أمير المؤمنين؟ قال: لا، ولكن سب، فقلت: ينكّل به، فغضب وانصرف إلى أهله، وقال لي ابن الريان السياف: اذهب، قال: فخرجت من عنده وما تهب ريح إلا وأنا أظن أنه رسول يردني إليه. وقال عثمان بن زبر: أقبل سليمان بن عبد الملك وهو أمير المؤمنين ومعه عمر بن عبد العزيز على معسكر سليمان، وفيه تلك الخيول والجمال والبغال والأثقال والرجال، فقال سليمان: ما تقول يا عمر في هذا؟ فقال: أرى دنيا يأكل بعضها بعضا وأنت المسئول عن ذلك كله، فلما اقتربوا من المعسكر إذا غراب قد أخذ لقمة في فيه من فسطاط سليمان وهو طائر بها، ونعب نعبة، فقال له سليمان: ما هذا يا عمر؟ فقال: لا أدرى، فقال: ما ظنك أنه يقول؟ قلت: كأنه يقول: من أين جاءت وأين يذهب بها؟ فقال له سليمان: ما أعجبك؟ فقال عمر: اعجب ممن عرف الله فعصاه، ومن عرف الشيطان فأطاعه، ومن عرف الدنيا فركن إليها. وتقدم أنه لما وقف سليمان وعمر بعرفة ورأى سليمان كثرة الناس فقال له عمر: هؤلاء رعيتك

стр. 3026

اليوم وأنت مسئول عنهم غدا، وفي رواية وهم خصماؤك يوم القيامة، فبكى سليمان وقال: بالله نستعين. وتقدم أنهم لما أصابهم ذلك المطر والرعد فزع سليمان وضحك عمر فقال له: أتضحك؟ فقال: نعم هذه آثار رحمته ونحن في هذه الحال، فكيف بآثار غضبه وعقابه ونحن في تلك الحال؟ وذكر الامام مالك أن سليمان وعمر تقاولا مرة فقال له سليمان في جملة الكلام: كذبت، فقال: تقول كذبت؟ والله ما كذبت منذ عرفت أن الكذب يضر أهله، ثم هجره عمر وعزم على الرحيل إلى مصر، فلم يمكنه سليمان، ثم بعث إليه فصالحه وقال له: ما عرض لي أمر يهمني إلا خطرت على بالي. وقد ذكرنا أنه لما حضرته الوفاة أوصى بالأمر من بعده إلى عمر بن عبد العزيز فانتظم الأمر على ذلك ولله الحمد. فصل وقد كان منتظرا فيما يؤثر من الأخبار قال أبو داود الطيالسي: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله بن أبى سلمة الماجشون ثنا عبد الله ابن دينار قال قال ابن عمر: يا عجبا!! يزعم الناس أن الدنيا لا تنقضي حتى يلي رجل من آل عمر يعمل بمثل عمل عمر، قال: وكانوا يرونه بلال بن عبد الله بن عمر، قال: وكان بوجهه أثر، فلم يكن هو، وإذا هو عمر بن عبد العزيز، وأمه ابنة عاصم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب. وقال البيهقي: أنبأ الحاكم أنبأ أبو حامد بن على المقري ثنا أبو عيسى الترمذي ثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عفان ثنا عثمان بن عبد الحميد بن لاحق عن جويرية بن أسماء عن نافع. قال: بلغنا أن عمر بن الخطاب قال: إن من ولدى رجلا بوجهه شجان يلي فيملأ الأرض عدلا. قال نافع من قبله: ولا أحسبه إلا عمر ابن عبد العزيز. ورواه مبارك بن فضالة عن عبيد الله عن نافع. وقال: كان ابن عمر يقول: ليت شعرى من هذا الّذي من ولد عمر في وجهه علامة يملأ الأرض عدلا؟ قال وهيب بن الورد: بينما أنا نائم رأيت كأن رجلا دخل من باب بنى شيبة وهو يقول: يا أيها الناس! ولى عليكم كتاب الله. فقلت: من؟ فأشار إلى ظفره فإذا مكتوب عليه ع م ر، قال فجاءت بيعة عمر بن عبد العزيز. وقال بقية عن عيسى بن أبى رزين حدثني الخزاعي عن عمر بن عبد العزيز أنه رأى رسول الله ﷺ في روضة خضراء فقال له: «إنك ستلي أمر أمتى فزع عن الدم فزع عن الدم (١)، فان اسمك في الناس عمر بن عبد العزيز، واسمك عند الله جابر». وقال أبو بكر بن المقري: ثنا أبو عروبة الحسين بن محمد بن مودود الحراني ثنا أيوب بن محمد الوزان ثنا ضمرة بن ربيعة ثنا السري بن يحيى عن رياح بن عبيدة. قال: خرج عمر بن عبد العزيز إلى الصلاة وشيخ متوكئ على يده، فقلت في نفسي: إن

стр. 3027

هذا الشيخ جاف، فلما صلى ودخل لحقته فقلت: أصلح الله الأمير، من هذا الشيخ الّذي أتكأته يدك؟ فقال: يا رياح رأيته؟ قلت: نعم! قال: ما أحسبك يا رياح إلا رجلا صالحا، ذاك أخى الخضر أتانى فأعلمني أنى سألى أمر هذه الأمة وأنى سأعدل فيها. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا أبو عمير ثنا ضمرة عن على بن خولة عن أبى عنبس. قال: كنت جالسا مع خالد بن يزيد بن معاوية فجاء شاب عليه مقطعات فأخذ بيد خالد، فقال: هل علينا من عين؟ فقال أبو عنبس: فقلت عليكما من الله عين بصيرة، وأذن سميعة، قال: فترقرقت عينا الفتى. فأرسل يده من يد خالد وولى، فقلت: من هذا؟ قال: هذا عمر بن عبد العزيز ابن أخى أمير المؤمنين، ولئن طالت بك حياة لترينه إمام هدى. قلت: قد كان عند خالد بن يزيد بن معاوية شيء جيد من أخبار الأوائل وأقوالهم، وكان ينظر في النجوم والطب. وقد ذكرنا في ترجمة سليمان بن عبد الملك أنه لما حضرته الوفاة أراد أن يعهد إلى بعض أولاده، فصرفه وزيره الصالح رجاء بن حيوة عن ذلك، وما زال به حتى عهد إلى عمر بن عبد العزيز من بعده وصوّب ذلك رجاء فكتب سليمان العهد في صحيفة وختمها ولم يشعر بذلك عمر ولا أحد من بنى مروان سوى سليمان ورجاء، ثم أمر صاحب الشرطة بإحضار الأمراء ورءوس الناس من بنى مروان وغيرهم، فبايعوا سليمان على ما في الصحيفة المختومة، ثم انصرفوا، ثم لما مات الخليفة استدعاهم رجاء بن حيوة فبايعوا ثانية قبل أن يعلموا موت الخليفة، ثم فتحها فقرأها عليهم، فإذا فيها البيعة لعمر بن عبد العزيز، فأخذوه فأجلسوه على المنبر وبايعوه فانعقدت له البيعة. وقد اختلف العلماء في مثل هذا الصنيع في الرجل يوصى الوصية في كتاب ويشهد على ما فيه من غير أن يقرأ على الشهود. ثم يشهدون على ما فيه فينفذ، فسوغ ذلك جماعات من أهل العلم، قال القاضي أبو الفرج العافي بن زكريا الجريريّ: أجاز ذلك وأمضاه وأنفذ الحكم به جمهور أهل الحجاز، وروى ذلك عن سالم بن عبد الله. وهو مذهب مالك ومحمد بن مسلمة المخزومي ومكحول، ونمير بن أوس وزرعة بن إبراهيم، والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، ومن وافقهم من فقهاء الشام. وحكى نحو ذلك خالد بن يزيد بن أبى مالك عن أبيه وقضاة جنده، وهو قول الليث بن سعد فيمن وافقه من فقهاء أهل مصر والمغرب، وهو قول فقهاء أهل البصرة وقضاتهم. وروى عن قتادة وعن سوار ابن عبد الله وعبيد الله بن الحسن ومعاذ بن معاذ العنبري فيمن سلك سبيلهم، وأخذ بهذا عدد كثير من أصحاب الحديث، منهم أبو عبيد وإسحاق بن راهويه. قلت: وقد اعتنى به البخاري في صحيحه. قال المعافى: وأبى ذلك جماعة من فقهاء العراق، منهم إبراهيم وحماد والحسن، وهو مذهب الشافعيّ وأبى ثور، قال: وهو قول شيخنا أبى جعفر، وكان بعض أصحاب الشافعيّ بالعراق يذهب

стр. 3028

الى القول الأول، قال الجريريّ: وإلى القول الأول نذهب. وتقدم أن عمر بن عبد العزيز لما رجع من جنازة سليمان أتى بمراكب الخلافة ليركبها فامتنع من ذلك وأنشأ يقول: - فلولا التقى ثم النهى خشية الردى … لعاصيت في حب الصبا كل زاجر قضى ما قضى فيما مضى ثم لا ترى … له صبوة أخرى الليالي الغوابر ثم قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله، قدموا إلى بغلتي، ثم أمر ببيع تلك المراكب الخليفية فيمن يزيد، وكانت من الخيول الجياد المثمنة، فباعها وجعل أثمانها في بيت المال. قالوا: ولما رجع من الجنازة وقد بايعه الناس واستقرت الخلافة باسمه، انقلب وهو مغتم مهموم، فقال له مولاه: مالك هكذا مغتما مهموما وليس هذا بوقت هذا؟ فقال: ويحك وما لي لا أغتم وليس أحد من أهل المشارق والمغارب من هذه الأمة إلا وهو يطالبني بحقه أن أؤديه إليه، كتب إلى في ذلك أو لم يكتب، طلبه منى أو لم يطلب. قالوا: ثم إنه خير امرأته فاطمة بين أن تقيم معه على أنه لا فراغ له إليها، وبين أن تلحق بأهلها، فبكت وبكى جواريها لبكائها، فسمعت ضجة في داره، ثم اختارت مقامها معه على كل حال رحمها الله. وقال له رجل: تفرغ لنا يا أمير المؤمنين، فأنشأ يقول: قد جاء شغل شاغل … وعدلت عن طرق السلامة ذهب الفراغ فلا فراغ … لنا إلى يوم القيامة وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن سلام عن سلام بن سليم قال: لما ولى عمر بن عبد العزيز صعد المنبر وكان أول خطبة خطبها حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس من صحبنا فليصحبنا بخمس وإلا فليفارقنا، يرفع إلينا حاجة من لا يستطيع رفعها، ويعيننا على الخير بجهده، ويدلنا من الخير على ما لا نهتدي إليه، ولا يغتابن عندنا أحدا، ولا يعرضن فيما لا يعنيه. فانقشع عنه الشعراء والخطباء وثبت معه الفقهاء والزهاد، وقالوا: ما يسعنا أن نفارق هذا الرجل حتى يخالف فعله قوله. وقال سفيان ابن عيينة: لما ولى عمر بن عبد العزيز بعث إلى محمد بن كعب ورجاء بن حيوة وسالم بن عبد الله فقال لهم: قد ترون ما ابتليت به وما قد نزل بى، فما عندكم؟ فقال محمد بن كعب: اجعل الشيخ أبا، والشاب أخا، والصغير ولدا، وبر أباك وصل أخاك، وتعطف على ولدك. وقال رجاء: ارض للناس ما ترضى لنفسك، وما كرهت أن يؤتى إليك فلا تأته إليهم، واعلم أنك أول خليفة تموت. وقال سالم: اجعل الأمر واحدا وصم فيه عن شهوات الدنيا، واجعل آخر فطرك فيه الموت. فكأن قد. فقال عمر: لا حول ولا قوة إلا بالله. وقال غيره: خطب عمر بن عبد العزيز يوما الناس فقال - وقد خنقته العبرة - أيها الناس! أصلحوا آخرتكم يصلح الله دنياكم، وأصلحوا أسراركم يصلح لكم علانيتكم، والله إن عبدا ليس

стр. 3029

بينه وبين آدم أب إلا قد مات، إنه لمعرق له في الموت. وقال في بعض خطبه: كم من عامر موثق عما قليل يخرب، وكم من مقيم مغتبط عما قليل يظعن. فأحسنوا رحمكم الله من الدنيا الرحلة بأحسن ما يحضر بكم من النقلة، بينما ابن آدم في الدنيا ينافس قرير العين فيها يانع، إذ دعاه الله بقدره، ورماه بسهم حتفه، فسلبه اثارة دنياه، وصير إلى قوم آخرين مصانعة ومغناه، إن الدنيا لا تسر بقدر ما تضر، تسر قليلا وتحزن طويلا: وقال إسماعيل بن عياش عن عمرو بن مهاجر قال: لما استخلف عمر بن عبد العزيز قام في الناس فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس! إنه لا كتاب بعد القرآن، ولا نبي بعد محمد ﵇، وإني لست بقاض ولكنى منفذ، وإني لست بمبتدع ولكنى متبع، إن الرجل الهارب من الامام الظالم ليس بظالم إلا أن الامام الظالم هو العاصي، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق . وفي رواية أنه قال فيها: وإني لست بخير من أحد منكم، ولكنني أثقلكم حملا، ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الله، ألا هل أسمعت. وقال أحمد بن مروان: ثنا أحمد بن يحيى الحلواني ثنا محمد بن عبيد ثنا إسحاق بن سليمان عن شعيب بن صفوان حدثني ابن لسعيد بن العاص قال: كان آخر خطبة خطبها عمر بن عبد العزيز، حمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإنكم لم تخلقوا عبثا، ولم تتركوا سدى، وإن لكم معادا ينزل الله فيه للحكم فيكم والفصل بينكم، فخاب وخسر من خرج من رحمة الله تعالى، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألم تعلموا أنه لا يأمن غدا إلا من حذر اليوم الآخر وخافه، وباع فانيا بباق، ونافدا بما لا نفاد له، وقليلا بكثير، وخوفا بأمان، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيكون من بعدكم للباقين، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، ثم إنكم في كل يوم تشيعون غاديا ورائحا إلى الله لا يرجع، قد قضى نحبه حتى تغيبوه في صدع من الأرض، في بطن صدع غير موسد ولا ممهد، قد فارق الأحباب، وواجه التراب والحساب، فهو مرتهن بعمله، غنى عما ترك، فقير لما قدم، فاتقوا الله قبل القضاء، وراقبوه قبل نزول الموت بكم، أما إني أقول هذا، ثم وضع طرف ردائه على وجهه فبكى وأبكى من حوله. وفي رواية: وايم الله إني لأقول قولي هذا ولا أعلم عند أحد منكم من الذنوب أكثر مما أعلم من نفسي، ولكنها سنن من الله عادلة، أمر فيها بطاعته، ونهى فيها عن معصيته، وأستغفر الله، ووضع كمه على وجهه فبكى حتى بل لحيته، فما عاد لمجلسه حتى مات ﵀. وروى أبو بكر بن أبى الدنيا عن عمر بن عبد العزيز أنه رأى رسول الله ﷺ في النوم وهو يقول: «ادن يا عمر، فدنوت حتى خشيت أن أصيبه، فقال: إذا وليت فاعمل نحوا من عمل هذين، فإذا كهلان قد اكتنفاه، فقلت: ومن هذان؟ قال: هذا أبو بكر وهذا عمر». وروينا أنه قال: لسالم بن عبد الله بن عمر: اكتب لي سيرة عمر حتى أعمل بها، فقال له سالم: إنك لا تستطيع ذلك،

стр. 3030

قال: ولم؟ قال: إنك إن عملت بها كنت أفضل من عمر، لأنه كان يجد على الخير أعوانا، وأنت لا تجد من يعينك على الخير. وقد روى أنه كان نقش خاتمه لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وفي رواية آمنت بالله، وفي رواية الوفاء عزيز. وقد جمع يوما رءوس الناس فخطبهم فقال: إن فدك كانت بيد رسول الله ﷺ يضعها حيث أراه الله، ثم وليها أبو بكر وعمر كذلك، قال الأصمعي: وما أدرى ما قال في عثمان، قال: ثم إن مروان أقطعها فحصل لي منها نصيب، ووهبنى الوليد وسليمان نصيبهما، ولم يكن من مالي شيء أرده أغلى منها، وقد رددتها في بيت المال على ما كانت عليه في زمان رسول الله ﷺ . قال: فيئس الناس عند ذلك من المظالم، ثم أمر بأموال جماعة من بنى أمية فردها إلى بيت المال وسماها أموال المظالم، فاستشفعوا إليه بالناس، وتوسلوا اليه بعمته فاطمة بنت مروان فلم ينجع فيه شيء، وقال لهم: لتدعنى وإلا ذهبت إلى مكة فنزلت عن هذا الأمر لأحق الناس به، وقال: والله لو أقمت فيكم خمسين عاما ما أقمت فيكم إلا ما أريد من العدل، وإني لأريد الأمر فما أنفذه إلا مع طمع من الدنيا حتى تسكن قلوبهم. وقال الامام أحمد عن عبد الرزاق عن أبيه عن وهب بن منبه أنه قال: إن كان في هذه الأمة مهدي فهو عمر بن عبد العزيز، ونحو هذا قال قتادة وسعيد بن المسيب وغير واحد. وقال طاووس: هو مهدي وليس به، إنه لم يستكمل العدل كله، إذا كان المهدي ثبت على المسيء من إساءته، وزيد المحسن في إحسانه، سمح بالمال شديد على العمال رحيم بالمساكين. وقال مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الخلفاء أبو بكر والعمران، فقيل له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر الآخر؟ قال: يوشك إن عشت أن تعرفه، يريد عمر بن عبد العزيز، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشج بنى مروان. وقال عباد السماك وكان يجالس سفيان الثوري -: سمعت الثوري يقول: الخلفاء خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلى، وعمر بن عبد العزيز. وهكذا روى عن أبى بكر بن عياش والشافعيّ وغير واحد. وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل وأحد الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين. وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح: «لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثنى عشر خليفة كلهم من قريش». وقد اجتهد ﵀ في مدة ولايته - مع قصرها - حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادى: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء. وقد اختلف العلماء أيهم أفضل هو أو معاوية بن أبى سفيان؟ ففضل بعضهم عمر لسيرته ومعدلته وزهده وعبادته، وفضل آخرون معاوية لسابقته وصحبته، حتى قال بعضهم: ليوم شهده معاوية من رسول الله ﷺ خير من عمر بن عبد العزيز وأيامه وأهل بيته. وذكر ابن

стр. 3031

عساكر في تاريخه أن عمر بن عبد العزيز كان يعجبه جارية من جواري زوجته فاطمة بنت عبد الملك، فكان سألها إياها إما بيعا أو هبة، فكانت تأبى عليه ذلك، فلما ولى الخلافة ألبستها وطيبتها وأهدتها إليه ووهبتها منه، فلما أخلتها به أعرض عنها، فتعرضت له فصدف عنها، فقالت له: يا سيدي فأين ما كان يظهر لي من محبتك إياي؟ فقال: والله إن محبتك لباقية كما هي، ولكن لا حاجة لي في النساء، فقد جاءني أمر شغلني عنك وعن غيرك، ثم سألها عن أصلها ومن أين جلبوها، فقالت: يا أمير المؤمنين إن أبى أصاب جناية ببلاد المغرب فصادره موسى بن نصير فأخذت في الجناية، وبعث بى إلى الوليد فوهبني الوليد إلى أخته فاطمة زوجتك، فأهدتنى إليك. فقال عمر: إنا لله وإنا إليه راجعون، كدنا والله نفتضح ونهلك، ثم أمر بردها مكرمة إلى بلادها وأهلها. وقالت زوجته فاطمة: دخلت يوما عليه وهو جالس في مصلاه واضعا خده على يده ودموعه تسيل على خديه، فقلت: مالك؟ فقال: ويحك يا فاطمة، قد وليت من أمر هذه الأمة ما وليت، فتفكرت في الفقير الجائع، والمريض الضائع، والعاري المجهود، واليتيم المكسور، والأرملة الوحيدة والمظلوم المقهور. والغريب والأسير، والشيخ الكبير، وذي العيال الكثير، والمال القليل، وأشباههم في أقطار الأرض وأطراف البلاد، فعلمت أن ربى سيسألني عنهم يوم القيامة، وأن خصمي دونهم محمد ﷺ ، فخشيت أن لا يثبت لي حجة عند خصومته، فرحمت نفسي فبكيت. وقال ميمون بن مهران ولانى عمر بن عبد العزيز عمالة ثم قال لي: إذا جاءك كتاب منى على غير الحق فاضرب به الأرض. وكتب إلى بعض عماله: إذا دعتك قدرتك على الناس إلى مظلمة، فاذكر قدرة الله عليك ونفاد ما تأتى إليهم، وبقاء ما يأتون إليك. وقال عبد الرحمن بن مهدي عن جرير بن حازم عن عيسى بن عاصم قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إن للإسلام سننا وفرائض وشرائع، فمن استكملها استكمل الايمان، ومن لم يستكملها لم يستكمل الايمان، فان أعش أبينها لكم لتعملوا بها، وإن أمت فما أنا على صحبتكم بحريص. وذكره البخاري في صحيحه تعليقا مجزوما به. وذكر الصولي أن عمر كتب إلى بعض عماله: عليك بتقوى الله فإنها هي التي لا يقبل غيرها ولا يرحم إلا أهلها، ولا يثاب إلا عليها، وإن الواعظين بها كثير، والعاملين بها قليل. وقال: من علم أن كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه وينفعه، ومن أكثر ذكر الموت اجتزأ من الدنيا باليسير. وقال: من لم يعد كلامه من عمله كثرت خطاياه، ومن عبد الله بغير علم كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وكلمه رجل يوما حتى أغضبه فهم به عمر ثم أمسك نفسه، ثم قال للرجل: أردت أن يستفزني الشيطان بعزة السلطان فأنال منك ما تناله منى غدا؟ قم عافاك الله لا حاجة لنا في مقاولتك. وكان يقول: إن أحب الأمور إلى الله القصد في الجد، والعفو في المقدرة، والرّفق في الولاية، وما رفق عبد

стр. 3032

بعبد في الدنيا إلا رفق الله به يوم القيامة. وخرج ابن له وهو صغير يلعب مع الغلمان فشجه صبي منهم، فاحتملوا الصبى الّذي شج ابنه وجاءوا به إلى عمر، فسمع الجلبة فخرج إليهم، فإذا مريئة تقول: إنه ابني وإنه يتيم، فقال لها عمر: هوني عليك، ثم قال لها عمر: أله عطاء في الديوان؟ قالت: لا! قال: فاكتبوه في الذرية. فقالت زوجته فاطمة: أتفعل هذا به وقد شج ابنك؟ فعل الله به وفعل، المرة الأخرى يشج ابنك ثانية. فقال: ويحك، إنه يتيم وقد أفزعتموه. وقال مالك بن دينار: يقولون مالك زاهد، أي زهد عندي؟ إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز، أتته الدنيا فاغرة فاها فتركها جملة. قالوا: ولم يكن له سوى قميص واحد فكان إذا غسلوه جلس في المنزل حتى ييبس، وقد وقف مرة على راهب فقال له: ويحك عظني، فقال له: عليك بقول الشاعر: - تجرد من الدنيا فإنك إنما … خرجت إلى الدنيا وأنت مجرد قال: وكان يعجبه ويكرره وعمل به حق العمل. قالوا: ودخل على امرأته يوما فسألها أن تقرضه درهما أو فلوسا يشترى له بها عنبا، فلم يجد عندها شيئا، فقالت له: أنت أمير المؤمنين وليس في خزانتك ما تشترى به عنبا؟ فقال: هذا أيسر من معالجة الأغلال والأنكال غدا في نار جهنم. قالوا: وكان سراج بيته على ثلاث قصبات في رأسهن طين، قالوا: وبعث [يوما غلامه ليشوى له لحمة فجاءه بها سريعا مشوية، فقال: أين شويتها؟ قال: في المطبخ، فقال: في مطبخ المسلمين؟ قال: نعم. فقال: كلها فانى لم أرزقها، هي رزقك. وسخنوا له الماء في المطبخ العام فرد بدل ذلك بدرهم حطبا. وقالت زوجته: ما جامع ولا احتلم وهو خليفة. قالوا: وبلغ عمر بن عبد العزيز عن أبى سلام الأسود أنه يحدث عن ثوبان بحديث الحوض فبعث إليه فأحضره على البريد وقال له، كالمتوجع له: يا أبا سلام ما أردنا المشقة عليك، ولكن أردت أن تشافهنى بالحديث مشافهة، فقال: سمعت ثوبان يقول قال رسول الله ﷺ : «حوضي ما بين عدن إلى عمان البلقاء ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وأكوابه عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وأول الناس ورودا عليه فقراء المهاجرين، الشعث رءوسا، الدنس ثيابا، الذين لا ينكحون المتنعمات، ولا تفتح لهم السدد». فقال عمر: لكنى نكحت المتنعمات، فاطمة بنت عبد الملك، فلا جرم لا أغسل رأسي حتى يشعث، ولا ألقى ثوبي حتى يتسخ. قالوا: وكان له سراج يكتب عليه حوائجه، وسراج لبيت المال يكتب عليه مصالح المسلمين، لا يكتب على ضوئه لنفسه حرفا. وكان يقرأ في المصحف كل يوم أول النهار، ولا يطيل القراءة، وكان له ثلاثمائة شرطي، وثلاثمائة حرسى، وأهدى له رجل من أهل بيته تفاحا فاشتمه ثم رده مع الرسول، وقال له: قل له قد بلغت محلها، فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ كان يقبل الهدية، وهذا رجل من أهل بيتك، فقال: إن الهدية

стр. 3033

كانت لرسول الله ﷺ هدية، فأما نحن فهي لنا رشوة. قالوا: وكان يوسع على عماله في النفقة، يعطى الرجل منهم في الشهر مائة دينار، ومائتي دينار، وكان يتأول أنهم إذا كانوا في كفاية تفرغوا لأشغال المسلمين، فقالوا له: لو أنفقت على عيالك كما تنفق على عمالك؟ فقال: لا أمنعهم حقا لهم، ولا أعطيهم حق غيرهم. وكان أهله قد بقوا في جهد عظيم فاعتذر بأن معهم سلفا كثيرا من قبل ذلك، وقال يوما لرجل من ولد على: إني لأستحي من الله أن تقف ببابي ولا يؤذن لك، وقال لآخر منهم: إني لأستحي من الله وأرغب بك أن أدنسك بالدنيا لما أكرمكم الله به. وقال أيضا: كنا نحن وبنو عمنا بنو هاشم مرة لنا ومرة علينا، نلجأ إليهم ويلجئون إلينا، حتى طلعت شمس الرسالة فأكسدت كل نافق، وأخرست كل منافق، وأسكتت كل ناطق. وقال أحمد بن مروان: ثنا أبو بكر ابن أخى خطاب ثنا خالد بن خداش ثنا حماد بن زيد عن موسى بن أيمن الراعي - وكان يرعى الغنم لمحمد بن عيينة - قال: كانت الأسد والغنم والوحش ترعى في خلافة عمر بن عبد العزيز في موضع واحد، فعرض ذات يوم لشاه منها ذئب فقلت: إنا لله، ما أرى الرجل الصالح إلا قد هلك. قال فحسبناه فوجدناه قد هلك في تلك الليلة. ورواه غيره عن حماد فقال: كان يرعى الشاة بكرمان فذكر نحوه، وله شاهد من وجه آخر، ومن دعائه: اللهمّ إن رجالا أطاعوك فيما أمرتهم وانتهوا عما نهيتهم، اللهمّ وإن توفيقك إياهم كان قبل طاعتهم إياك، فوفقني. ومنه: اللهم إن عمر ليس بأهل أن تناله رحمتك، ولكن رحمتك أهل أن تنال عمر. وقال له رجل: أبقاك الله ما كان البقاء خيرا لك، فقال: هذا شيء قد فرغ منه، ولكن قل: أحياك الله حياة طيبة، وتوفاك مع الأبرار. وقال له رجل: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ فقال: أصبحت بطيئا بطينا، متلوثا بالخطايا، أتمنى على الله . ودخل عليه رجل (١) فقال: يا أمير المؤمنين إن من كان قبلك كانت الخلافة لهم زين، وأنت زين الخلافة، وإنما مثلك يا أمير المؤمنين كما قال الشاعر (٢) وإذا الدر زان حسن وجوه … كان للدر حسن وجهك زينا قال: فأعرض عنه عمر. وقال رجاء بن حيوة: سمرت عند عمر بن عبد العزيز ذات ليلة فعشى السراج فقلت: يا أمير المؤمنين: ألا أنبه هذا الغلام يصلحه؟ فقال: لا! دعه ينام، لا أحب أن أجمع عليه عملين. فقلت: أفلا أقوم أصلحه؟ فقال: لا! ليس من المروءة استخدام الضيف، ثم قام بنفسه فأصلحه وصب فيه زيتا ثم جاء وقال: قمت وأنا عمر بن عبد العزيز، وجلست وأنا عمر ابن عبد العزيز، وقال: أكثروا ذكر النعم فان ذكرها شكرها. وقال: إنه ليمنعني من كثرة ذكرها مخافة المباهاة، وبلغه أن رجلا من أصحابه توفى، فجاء إلى أهله ليعزيهم فيه، فصرخوا في وجهه

стр. 3034

بالبكاء عليه، فقال: مه، إن صاحبكم لم يكن يرزقكم، وإن الّذي يرزقكم حي لا يموت، وإن صاحبكم هذا] (١) لم يسد شيئا من حفركم، وإنما سد حفرة نفسه، ألا وإن لكل امرئ منكم حفرة لا بد والله أن يسدها، إن الله لما خلق الدنيا حكم عليها بالخراب، وعلى أهلها بالفناء، وما امتلأت دار خبرة إلا امتلأت عبرة، ولا اجتمعوا إلا تفرقوا، حتى يكون الله هو الّذي يرث الأرض ومن عليها، فمن كان منكم باكيا فليبك على نفسه، فان الّذي صار إليه صاحبكم كل الناس يصيرون إليه غدا. وقال ميمون بن مهران: خرجت مع عمر إلى القبور فقال لي: يا أبا أيوب! هذه قبور آبائي بنى أمية، كأنهم لم يشاركوا أهل الدنيا في لذتهم وعيشهم، أما تراهم صرعى قد خلت بهم المثلات، واستحكم فيهم البلاء؟ ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فقال: انطلقوا بنا فو الله لا أعلم أحدا أنعم ممن صار إلى هذه القبور، وقد أمن من عذاب الله، ينتظر ثواب الله. وقال غيره: خرج عمر بن عبد العزيز في جنازة فلما دفنت قال لأصحابه: قفوا حتى آتى قبور الأحبة، فأتاهم فجعل يبكى ويدعو، إذ هتف به التراب فقال: يا عمر ألا تسألنى ما فعلت في الأحبة؟ قال قلت: وما فعلت بهم؟ قال: مزقت الأكفان، وأكلت اللحوم، وشدخت المقلتين، وأكلت الحدقتين، ونزعت الكفين من الساعدين، والساعدين من العضدين، والعضدين من المنكبين، والمنكبين من الصلب، والقدمين من الساقين، والساقين من الفخذين، والفخذين من الورك، والورك من الصلب. فلما أراد أن يذهب قال له: يا عمر أدلك على أكفان لا تبلى؟ قال: وما هي؟ قال: تقوى الله والعمل الصالح. وقال مرة لرجل من جلسائه: لقد أرقت الليلة مفكرا، قال: وفيم يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثلاث في قبره، وما صار إليه، لاستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوام، وتخترق فيه الديدان، ويجرى فيه الصديد، مع تغير الريح، وبلى الأكفان بعد حسن الهيئة وطيب الريح، ونقاء الثوب، قال: ثم شهق شهقة خر مغشيا عليه. وقال مقاتل بن حيان: صليت وراء عمر بن عبد العزيز فقرأ ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ﴾ فجعل يكررها وما يستطيع أن يتجاوزها. وقالت امرأته فاطمة: ما رأيت أحدا أكثر صلاة وصياما منه، ولا أحدا أشد فرقا من ربه منه، كان يصلى العشاء ثم يجلس يبكى حتى تغلبه عيناه، ثم ينتبه فلا يزال يبكى حتى تغلبه عيناه، قالت: ولقد كان يكون معى في الفراش فيذكر الشيء من أمر الآخرة فينتفض كما ينتفض العصفور في الماء، ويجلس يبكى، فأطرح عليه اللحاف رحمة له، وأنا أقول: يا ليت كان بيننا وبين الخلافة بعد المشرقين، فو الله ما رأينا سرورا منذ دخلنا فيها.

стр. 3035

وقال على بن زيد: ما رأيت رجلين كأن النار لم تخلق إلا لهما مثل الحسن وعمر بن عبد العزيز. وقال بعضهم: رأيته يبكى حتى بكى دما، قالوا: وكان إذا أوى إلى فراشه قرأ ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ﴾ الآية، ويقرأ ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً وَهُمْ نائِمُونَ﴾ ونحو هذه الآيات، وكان يجتمع كل ليلة إليه أصحابه من الفقهاء فلا يذكرون إلا الموت والآخرة، ثم يبكون حتى كأن بينهم جنازة، وقال أبو بكر الصولي: كان عمر بن عبد العزيز يتمثل بقول الشاعر: فما تزود مما كان يجمعه … سوى حنوط غداة البين في خرق وغير نفحة أعواد تشبّ له … وقلّ ذلك من زاد لمنطلق بأيما بلد كانت منيته … إن لا يسر طائعا في قصدها يسق ونظر عمر بن عبد العزيز وهو في جنازة إلى قوم قد تلثموا من الغبار والشمس وانحازوا إلى الظل فبكى وأنشد: من كان حين تصيب الشمس جبهته … أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشنة … فسوف يسكن يوما راغما جدثا في قعر مظلمة غبراء موحشة … يطيل في قعرها تحت الثرى اللبثا تجهزى بجهاز تبلغين به … يا نفس قبل الردى لم تخلقى عبثا [هذه الأبيات ذكرها الآجري في أدب النفوس بزيادة فيها فقال: أخبرنا أبو بكر أنبأنا أبو حفص عمر بن سعد القراطيسي حدثنا أبو بكر بن عبد الله بن أبى الدنيا حدثني محمد بن صالح القرشي أخبرنى عمر بن الخطاب الأزدي حدثني ابن لعبد الصمد بن عبد الأعلى بن أبى عمرة قال: أراد عمر بن عبد العزيز أن يبعثه رسولا إلى اليون طاغية الروم يدعوه إلى الإسلام، فقال له عبد الأعلى: يا أمير المؤمنين! ائذن لي في بعض بنى يخرج معى - وكان عبد الأعلى له عشرة من الذكور - فقال له: انظر من يخرج معك من ولدك. فقال: عبد الله، فقال له عمر: إني رأيت ابنك عبد الله يمشى مشية كرهتها منه ومقته عليها، وبلغني أنه يقول الشعر. فقال عبد الأعلى: أما مشيته تلك فغريزة فيه، وأما الشعر فإنما هو نواحة ينوح بها على نفسه، فقال له: مر عبد الله يأتينى وخذ معك غيره، فراح عبد الأعلى بابنه عبد الله إليه، فاستنشده فأنشده ذلك الشعر المتقدم: تجهزى بجهاز تبلغين به … يا نفس قبل الردى لم تخلقى عبثا ولا تكدى لمن يبقى وتفتقرى … إن الردى وارث الباقي وما ورثا وأخشى حوادث صرف الدهر في مهل … واستيقظى لا تكوني كالذي بحثا عن مدية كان فيها قطع مدته … فوافت الحرث موفورا كما حرثا

стр. 3036

لا تأمنى فجمع دهر مترف ختل … قد استوى عنده من طاب أو خبثا يا رب ذي أمل فيه على وجل … أضحى به آمنا امسى وقد حدثا من كان حين تصيب الشمس جبهته … أو الغبار يخاف الشين والشعثا ويألف الظل كي تبقى بشاشته … فكيف يسكن يوما راغما جدثا قفراء موحشة غبراء مظلمة … يطيل تحت الثرى من قعرها اللبثا وقد ذكرها ابن أبى الدنيا فعمر أنشدها عنه، والله أعلم. وكان عمر يتمثل بها كثيرا ويبكى] (١) وقال الفضل بن عباس الحلبي: كان عمر بن عبد العزيز لا يجف فوه من هذا البيت: ولا خير في عيش امرئ لم يكن له … من الله في دار القرار نصيب وزاد غيره معه بيتا حسنا وهو قوله: فان تعجب الدنيا أناسا فإنها … متاع قليل والزوال قريب ومن شعره الّذي أنشده ابن الجوزي: أنا ميت وعز من لا يموت … قد تيقنت أننى سأموت ليس ملك يزيله الموت ملكا … إنما الملك ملك من لا يموت وقال عبد الله بن المبارك: كان عمر بن عبد العزيز يقول (٢): - تسر بما يفنى وتفرح بالمنى … كما اغتر باللذات في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والردى لك لازم وسعيك فيما سوف تكره غبه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم وقال محمد بن كثير: قال عمر بن عبد العزيز يلوم نفسه: أيقظان أنت اليوم أم أنت نائم … وكيف يطيق النوم حيران هائم فلو كنت يقظان الغداة لحرّقت … محاجر عينيك الدموع السواجم بل أصبحت في النوم الطويل وقد دنت … إليك أمور مفظعات عظائم وتكدح فيما سوف تكره غبّه … كذلك في الدنيا تعيش البهائم فلا أنت في النوام يوما بسالم … ولا أنت في الإيقاظ يقظان حازم وروى ابن أبى الدنيا بسنده عن فاطمة بنت عبد الملك قالت: انتبه عمر ذات ليلة وهو يقول: لقد رأيت الليلة رؤيا عجيبة، فقلت: أخبرنى بها، فقال: حتى نصبح، فلما صلى بالمسلمين دخل

стр. 3037

فسألته فقال: رأيت كأنى دفعت إلى أرض خضراء واسعة كأنها بساط أخضر وإذا فيها قصر كأنه الفضة فخرج منه خارج فنادى أين محمد بن عبد الله، أين رسول الله؟ إذ أقبل رسول الله ﷺ ، حتى دخل ذلك القصر، ثم خرج آخر فنادى: أين أبو بكر الصديق؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن الخطاب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عثمان بن عفان؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين على بن أبى طالب؟ فأقبل فدخل، ثم خرج آخر فنادى أين عمر بن عبد العزيز؟ فقمت فدخلت فجلست إلى جانب أبى عمر بن الخطاب، وهو عن يسار رسول الله ﷺ ، وأبو بكر عن يمينه، وبينه وبين رسول الله ﷺ رجل، فقلت: لأبي: من هذا؟ قال: هذا عيسى بن مريم، ثم سمعت هاتفا يهتف بيني وبينه نور لا أراه، وهو يقول: يا عمر بن عبد العزيز تمسك بما أنت عليه، واثبت على ما أنت عليه، ثم كأنه أذن لي في الخروج فخرجت، فالتفت فإذا عثمان بن عفان وهو خارج من القصر وهو يقول: الحمد لله الّذي نصرني ربى، وإذا على في إثره وهو يقول: الحمد لله الّذي غفر لي ربى. فصل وقد ذكرنا في دلائل النبوة الحديث الّذي رواه أبو داود في سننه أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها». فقال جماعة من أهل العلم منهم أحمد بن حنبل فيما ذكره ابن الجوزي وغيره: إن عمر بن عبد العزيز كان على رأس المائة الأولى، وإن كان هو أولى من دخل في ذلك وأحق، لإمامته وعموم ولايته، وقيامه واجتهاده في تنفيذ الحق، فقد كانت سيرته شبيهة، بسيرة عمر بن الخطاب، وكان كثيرا ما تشبه به. وقد جمع الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي سيرة لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز، وقد أفردنا سيرة عمر بن الخطاب في مجلد على حدة، ومسندة في مجلد ضخم، وأما سيرة عمر بن عبد العزيز فقد ذكرنا منها طرفا صالحا هنا، يستدل به على ما لم نذكره. وقد كان عمر ﵀ يعطى من انقطع إلى المسجد الجامع من بلده وغيرها، للفقه ونشر العلم وتلاوة القرآن، في كل عام من بيت المال مائة دينار، وكان يكتب إلى عماله أن يأخذوا بالسنة، ويقول: إن لم تصلحهم السنة فلا أصلحهم الله، وكتب إلى سائر البلاد أن لا يركب ذمي من اليهود والنصارى وغيرهم على سرج، ولا يلبس قباء ولا طيلسانا لا السراويل. ولا يمشين أحد منهم إلا بزنار من جلد، وهو مقرون الناصية، ومن وجد منهم في منزله سلاح أخذ منه. وكتب أيضا أن لا يستعمل على الأعمال إلا أهل القرآن، فان لم يكن عندهم خير فغيرهم أولى أن لا يكون عنده خير. وكان يكتب إلى عماله: اجتنبوا الأشغال عند حضور الصلاة، فان من أضاعها فهو لما سواها

стр. 3038

من شرائع الإسلام أشد تضييعا. وقد كان يكتب الموعظة إلى العامل من عماله فينخلع منها، وربما عزل بعضهم نفسه عن العمالة وطوى البلاد من شدة ما تقع موعظته منه، وذلك أن الموعظة إذا خرجت من قلب الواعظ دخلت قلب الموعوظ. وقد صرح كثير من الأئمة بأن كل من استعمله عمر بن عبد العزيز ثقة، وقد كتب إليه الحسن البصري بمواعظ حسان ولو تقصينا ذلك لطال هذا الفصل، ولكن قد ذكرنا ما فيه إشارة إلى ذلك. وكتب إلى بعض عماله: أذكر ليلة تمخض بالساعة فصباحها القيامة، فيا لها من ليلة ويا له من صباح، وكان يوما على الكافرين عسيرا. وكتب إلى آخر: أذكرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد بك، وانقطاع الرجاء منك، قالوا: فخلع هذا العامل نفسه من العمالة وقدم على عمر فقال له: مالك؟ فقال: خلعت قلبي بكتابك يا أمير المؤمنين، والله لا أعود إلى ولاية أبدا. فصل وقد رد جميع المظالم كما قدمنا، حتى انه رد فص خاتم كان في يده، قال: أعطانيه الوليد من غير حقه، وخرج من جميع ما كان فيه من النعيم في الملبس والمأكل والمتاع، حتى انه ترك التمتع بزوجته الحسناء، فاطمة بن عبد الملك، يقال كانت من أحسن النساء، ويقال إنه رد جهازها إلى بيت المال، والله أعلم. وقد كان دخله في كل سنة قبل أن يلي الخلافة أربعين ألف دينار، فترك ذلك كله حتى لم يبق له دخل سوى أربعمائة دينار في كل سنة، وكان حاصله في خلافته ثلاثمائة درهم، وكان له من الأولاد جماعة، وكان ابنه عبد الملك أجلهم، فمات في حياته في زمن خلافته، حتى يقال إنه كان خيرا من أبيه، فلما مات لم يظهر عليه حزن، وقال: أمر رضيه الله فلا أكرهه، وكان قبل الخلافة يؤتى بالقميص الرفيع اللين جدا فيقول: ما أحسنه لولا خشونة فيه، فلما ولى الخلافة كان بعد ذلك بلبس القميص الغليظ المرقوع ولا يغسله حتى يتسخ جدا، ويقول: ما أحسنه لولا لينه. وكان يلبس الفروة الغليظة، وكان سراجه على ثلاث قصبات في رأسهن طين، ولم يبن شيئا في أيام خلافته، وكان يخدم نفسه بنفسه، وقال: ما تركت شيئا من الدنيا إلا عوضني الله ما هو خير منه، وكان يأكل الغليظ ولا يبالي بشيء من النعيم، ولا يتبعه نفسه ولا يوده، حتى قال أبو سليمان الدارانيّ: كان عمر بن عبد العزيز أزهد من أويس القرني، لأن عمر ملك الدنيا بحذافيرها وزهد فيها، ولا ندري حال أويس لو ملك ما ملكه عمر كيف يكون؟ ليس من جرب كمن لم يجرب. وتقدم قول مالك بن دينار: إنما الزاهد عمر بن عبد العزيز. وقال عبد الله بن دينار: لم يكن عمر يرتزق من بيت المال شيئا، وذكروا أنه أمر جارية تروحه حتى ينام فروحته، فنامت هي، فأخذ المروحة من يدها وجعل

стр. 3039

يروحها ويقول: أصابك من الحر ما أصابنى. وقال له رجل: جزاك الله عن الإسلام خيرا. فقال: بل جزى الله الإسلام عنى خيرا. ويقال إنه كان يلبس تحت ثيابه مسحا غليظا من شعر، ويضع في رقبته غلا إذا قام يصلى من الليل، ثم إذا أصبح وضعه في مكان وختم عليه فلا يشعر به أحد، وكانوا يظنونه مالا أو جوهرا من حرصه عليه، فلما مات فتحوا ذلك المكان فإذا فيه غل ومسح. وكان يبكى حتى يبكى الدم من الدموع، ويقال إنه بكى فوق سطح حتى سال دمعه من الميزاب، وكان يأكل من العدس ليرق قلبه وتغزر دمعته، وكان إذا ذكر الموت اضطربت أوصاله، وقرأ رجل عنده ﴿وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ﴾ الآية، فبكى بكاء شديدا ثم قام فدخل منزله وتفرق الناس عنه، وكان يكثر أن يقول: اللهمّ سلم سلم، وكان يقول: اللهمّ أصلح من كان في صلاحه صلاح لأمة محمد ﷺ ، وأهلك من كان في هلاكه صلاح أمة محمد ﷺ . وقال: أفضل العبادة أداء الفرائض واجتناب المحارم. وقال: لو أن المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى يحكم أمر نفسه لتواكل الناس الخير، ولذهب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ولقل الواعظون والساعون لله بالنصيحة. وقال: الدنيا عدوة أولياء الله، وولية أعداء الله، أما الأولياء فغمتهم وأحزنتهم، وأما الأعداء فغرتهم وشتتهم وأبعدتهم عن الله. وقال: قد أفلح من عصم من المراء والغضب والطمع. وقال لرجل: من سيد قومك؟ قال: أنا، قال: لو كنت كذلك لم تقله. وقال: أزهد الناس في الدنيا على بن أبى طالب. وقال: لقد بورك لعبد في حاجة أكثر فيها سؤال ربه، أعطى أو منع. وقال: قيدوا العلم بالكتاب، وقال لرجل: علم ولدك الفقه الأكبر: القناعة وكف الأذى. وتكلم رجل عنده فأحسن فقال: هذا هو السحر الحلال. وقصته مع أبى حازم مطولة حين رآه خليفة وقد شحب وجهه من التقشف، وتغير حاله، فقال له: ألم يكن ثوبك نقيا؟ ووجهك وضيا؟ وطعامك شهيا؟ ومركبك وطيا؟ فقال له: ألم تخبرني عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إن من ورائكم عقبة كئودا لا يجوزها إلا كل ضامر مهزول»؟ ثم بكى حتى غشي عليه، ثم أفاق فذكر أنه لقي في غشيته تلك أن القيامة قد قامت، وقد استدعى بكل من الخلفاء الأربعة، فأمر بهم إلى الجنة، ثم ذكر من بينه وبينهم فلم يدر ما صنع بهم، ثم دعي هو فأمر به إلى الجنة، فلما انفصل لقيه سائل فسأله عما كان من أمره فأخبره، ثم قال للسائل: فمن أنت؟ قال: أنا الحجاج بن يوسف، قتلني ربى بكل قتلة قتلة، ثم ها أنا أنتظر ما ينتظره الموحدون. وفضائله ومآثره كثيرة جدا، وفيما ذكرنا كفاية ولله الحمد والمنة، وهو حسبنا ونعم الوكيل، ولا حول ولا قوة لنا إلا به. ذكر سبب وفاته ﵀ كان سببها السل، وقيل سببها أن مولى له سمه في طعام أو شراب، وأعطى على ذلك ألف

стр. 3040

دينار، فحصل له بسبب ذلك مرض، فأخبر أنه مسموم، فقال: لقد علمت يوم سقيت السّم، ثم استدعى مولاه الّذي سقاه، فقال له: ويحك!! ما حملك على ما صنعت؟ فقال: ألف دينار أعطيتها. فقال: هاتها، فأحضرها فوضعها في بيت المال، ثم قال له: اذهب حيث لا يراك أحد فتهلك. ثم قيل لعمر: تدارك نفسك، فقال: والله لو أن شفائى أن أمسّ شحمة أذنى أو أوتى بطيب فأشمه ما فعلت، فقيل له: هؤلاء بنوك - وكانوا اثنى عشر - ألا توصي لهم بشيء فإنهم فقراء؟ فقال: (إن وليّى الله الّذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) والله لا أعطيتهم حق أحد وهم بين رجلين إما صالح فالله يتولى الصالحين، وإما غير صالح فما كنت لأعينه على فسقه. وفي رواية فلا أبالى في أي واد هلك. وفي رواية أفأدع له ما يستعين به على معصية الله فأكون شريكه فيما يعمل بعد الموت؟ ما كنت لأفعل. ثم استدعى بأولاده فودعهم وعزاهم بهذا، وأوصاهم بهذا الكلام ثم قال: انصرفوا عصمكم الله وأحسن الخلافة عليكم. قال: لقد رأينا بعض أولاد عمر ابن عبد العزيز يحمل على ثمانين فرس في سبيل الله، وكان بعض أولاد سليمان بن عبد الملك - مع كثرة ما ترك لهم من الأموال - يتعاطى ويسأل من أولاد عمر بن عبد العزيز، لأن عمر وكل ولده إلى الله ، وسليمان وغيره إنما يكلون أولادهم إلى ما يدعون لهم، فيضيعون وتذهب أموالهم في شهوات أولادهم. وقال يعقوب بن سفيان: ثنا أبو النعمان ثنا حماد بن زيد عن أيوب قال قيل لعمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين لو أتيت المدينة، فان قضى الله موتا دفنت في القبر الرابع مع رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر، فقال: والله لأن يعذبني الله بكل عذاب، إلا النار فإنه لا صبر لي عليها، أحب إلى من أن يعلم الله من قلبي أنى لذلك الموضع أهل. قالوا: وكان مرضه بدير سمعان من قرى حمص وكانت مدة مرضه عشرين يوما، ولما احتضر قال: أجلسونى فأجلسوه فقال: إلهي أنا الّذي أمرتنى فقصرت، ونهيتني فعصيت، ثلاثا، ولكن لا إله إلا الله، ثم رفع رأسه فأحدّ النظر، فقالوا: إنك لتنظر نظرا شديدا يا أمير المؤمنين، فقال: إني لأرى حضرة ما هم بإنس ولا جان، ثم قبض من ساعته. وفي رواية أنه قال لأهله: اخرجوا عنى، فخرجوا وجلس على الباب مسلمة بن عبد الملك وأخته فاطمة، فسمعوه يقول: مرحبا بهذه الوجوه التي ليست بوجوه إنس ولا جان ثم قرأ ﴿تِلْكَ الدّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَساداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثم هدأ الصوت فدخلوا عليه فوجدوه قد غمض وسوى إلى القبلة وقبض. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: ثنا عبد الملك بن عبد العزيز عن الدراوَرْديّ عن عبد العزيز بن أبى سلمة أن عمر بن عبد العزيز لما وضع عند قبره هبت ريح شديدة فسقطت صحيفة بأحسن كتاب

стр. 3041

فقرءوها فإذا فيها: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ براءة من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. فأدخلوها بين أكفانه ودفنوها معه. وروى نحو هذا من وجه آخر ابن عساكر في ترجمة عبد الصمد بن إسماعيل بسنده عن عمير ابن حبيب السلمي، قال: أسرت أنا وثمانية في زمن بنى أمية، فأمر ملك الروم بضرب رقابنا، فقتل أصحابى وشفع فىّ بطريق من بطارقة الملك، فأطلقني له، فأخذني إلى منزله، وإذا له ابنة مثل الشمس، فعرضها عليّ على أن يقاسمنى نعمته وأدخل معه في دينه فأبيت، وخلت بى ابنته فعرضت نفسها على فامتنعت، فقالت: ما يمنعك من ذلك؟ فقلت: يمنعني ديني، فلا أترك ديني لامرأة ولا لشيء. فقالت: تريد الذهاب إلى بلادك؟ قلت: نعم، فقالت: سر على هذا النجم بالليل واكمن بالنهار، فإنه يلقيك إلى بلادك، قال: فسرت كذلك، قال فبينا أنا في اليوم الرابع مكمن إذا بخيل مقبلة فخشيت أن تكون في طلبى، فإذا أنا بأصحابي الذين قتلوا ومعهم آخرون على دواب شهب، فقالوا: عمير؟ فقلت: عمير. فقلت: لهم أو ليس قد قتلتم؟ قالوا: بلى، ولكن الله نشر الشهداء وأذن لهم أن يشهدوا جنازة عمر بن عبد العزيز، قال: ثم قال لي بعضهم: ناولني يدك يا عمير، فأردفتى فسرنا يسيرا ثم قذف بى قذفة وقعت قرب منزلي بالجزيرة، من غير أن يكون لحقني شر. وقال رجاء بن حيوة: كان عمر بن عبد العزيز قد أوصى إلى أن أغسله وأكفنه، فإذا حللت عقدة الكفن أن انظر في وجهه فأدلى، ففعلت فإذا وجهه مثل القراطيس بياضا، وكان قد أخبرنى أنه كل من دفنه قبله من الخلفاء وكان يحل عن وجوههم فإذا هي مسودة. وروى ابن عساكر في ترجمة يوسف ابن ماهك قال: بينما نحن نسوى التراب على قبر عمر بن عبد العزيز إذ سقط علينا من السماء كتاب فيه: بسم الله الرحمن الرحيم أمان من الله لعمر بن عبد العزيز من النار. ساقه من طريق إبراهيم بن بشار عن عباد بن عمرو عن محمد بن يزيد البصري عن يوسف بن ماهك فذكره، وفيه غرابة شديدة والله أعلم. وقد رئيت له منامات صالحة، وتأسف عليه الخاصة والعامة، لا سيما العلماء والزهاد والعباد. ورثاه الشعراء، فمن ذلك ما أنشده أبو عمرو الشيباني لكثير عزة يرثى عمر: - عمت صنائعه فعم هلاكه … فالناس فيه كلهم مأجور والناس مأتمهم عليه واحد … في كل دار رنة وزفير يثنى عليك لسان من لم توله … خيرا لأنك بالثناء جدير ردت صنائعه عليه حياته … فكأنه من نشرها منشور وقال جرير يرثى عمر بن عبد العزيز ﵀: - ينعى النعاة أمير المؤمنين لنا … يا خير من حج بيت الله واعتمرا

стр. 3042

حملت أمرا عظيما فاضطلعت به … وسرت فيه بأمر الله يا عمرا الشمس كاسفة ليست بطالعة … تبكى عليك نجوم الليل والقمرا وقال محارب بن دثار ﵀ يرثى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: - لو أعظم الموت خلقا أن يواقعه … لعدله لم يصبك الموت يا عمر كم من شريعة عدل قد نعشت لهم … كادت تموت وأخرى منك تنتظر يا لهف نفسي ولهف الواجدين معى … على العدول التي تغتالها الحفر ثلاثة ما رأت عيني لهم شبها … تضم أعظمهم في المسجد الحفر وأنت تتبعهم لم تأل مجتهدا … سقيا لها سنن بالحق تفتقر لو كنت أملك والأقدار غالبة … تأتى رواحا وتبيانا وتبتكر صرفت عن عمر الخيرات مصرعه … بدير سمعان لكن يغلب القدر قالوا: وكانت وفاته بدير سمعان من أرض حمص، يوم الخميس، وقيل الجمعة لخمس مضين، وقيل بقين من رجب، وقيل لعشر بقين منه، سنة إحدى وقيل ثنتين ومائة، وصلى عليه ابن عمه مسلمة ابن عبد الملك، وقيل صلى عليه يزيد بن عبد الملك، وقيل ابنه عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، وكان عمره يوم مات تسعا وثلاثين سنة وأشهرا، وقيل إنه جاوز الأربعين بأشهر، وقيل بسنة، وقيل بأكثر، وقيل إنه عاش ثلاثا وستين سنة، وقيل ستا وثلاثين، وقيل سبعا وثلاثين، وقيل ثمانيا وثلاثين سنة، وقيل ما بين الثلاثين إلى الأربعين ولم يبلغها. وقال أحمد عن عبد الرزاق عن معمر: مات على رأس خمس وأربعين وأربعين سنة. قال ابن عساكر: وهذا وهم، والصحيح الأول تسعا وثلاثين سنة وأشهرا. وكانت خلافته سنتين وخمسة أشهر وأربعة أيام، وقيل أربعة عشر يوما، وقيل سنتان ونصف. وكان ﵀ أسمر دقيق الوجه حسنه نحيف الجسم حسن اللحية غائر العينين، بجبهته أثر شجة وكان قد شاب وخضب ﵀، والله سبحانه أعلم. [فصل لما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة جاءه صاحب الشرطة ليسير بين يديه بالحربة على عادته مع الخلفاء قبله، فقال له عمر: ما لي ولك؟ تنح عنى، إنما أنا رجل من المسلمين. ثم سار وساروا معه حتى دخل المسجد، فصعد المنبر واجتمع الناس إليه فقال: أيها الناس! إني قد ابتليت بهذا الأمر عن غير رأى كان منى فيه، ولا طلبة له، ولا مشورة من المسلمين، وإني قد خلعت ما في أعناقكم من بيعتي، فاختاروا لأنفسكم ولأمركم من تريدون. فصاح المسلمون صيحة واحدة: قد اخترناك

стр. 3043

لأنفسنا وأمرنا، ورضينا كلنا بك. فلما هدأت أصواتهم حمد الله وأثنى عليه وقال: أوصيكم بتقوى الله، فان تقوى الله خلف من كل شيء، وليس من تقوى الله خلف، وأكثروا من ذكر الموت فإنه هادم اللذات، وأحسنوا الاستعداد له قبل نزوله، وإن هذه الأمة لم تختلف في ربها ولا في كتابها ولا في نبيها، وإنما اختلفوا في الدينار والدرهم، وإني والله لا أعطى أحدا باطلا، ولا أمنع أحدا حقا، ثم رفع صوته فقال: أيها الناس! من أطاع الله وجبت طاعته، ومن عصى الله فلا طاعة له، أطيعونى ما أطعت الله، فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم. ثم نزل فدخل فأمر بالستور فهتكت والثياب التي كانت تبسط للخلفاء أمر بها فبيعت، وأدخل أثمانها في بيت المال، ثم ذهب يتبوأ مقيلا، فأتاه ابنه عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين ماذا تريد أن تصنع؟ قال: يا بنى أقيل، قال: تقيل ولا ترد المظالم إلى أهلها؟ فقال: إني سهرت البارحة في أمر سليمان، فإذا صليت الظهر رددت المظالم. فقال له ابنه: ومن لك أن تعيش إلى الظهر؟ قال: ادن منى أي بنى، فدنا منه فقبل بين عينيه وقال: الحمد لله الّذي أخرج من صلبى من يعينني على ديني. ثم قام وخرج وترك القائلة وأمر مناديه فنادى: ألا من كانت له مظلمة فليرفعها، فقام إليه رجل ذمي من أهل حمص (١) فقال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله، قال: ما ذاك؟ قال: العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبنى أرضى. والعباس جالس، فقال له عمر: يا عباس ما تقول؟ قال: نعم! أقطعنيها أمير المؤمنين الوليد وكتب لي بها سجلا، فقال عمر: ما تقول يا ذمي؟ قال: يا أمير المؤمنين أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: نعم كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته، فردها عليه. ثم تتابع الناس في رفع المظالم إليه، فما رفعت إليه مظلمة إلا ردها، سواء كانت في يده أو في يد غيره حتى أخذ أموال بنى مروان وغيرهم، مما كان في أيديهم بغير استحقاق، فاستغاث بنو مروان بكل واحد من أعيان الناس، فلم يفدهم ذلك شيئا، فأتوا عمتهم فاطمة بنت مروان - وكانت عمته - فشكوا إليها ما لقوا من عمر، وأنه قد أخذ أموالهم ويستنقصون عنده، وأنه لا يرفع بهم رأسا، وكانت هذه المرأة لا تحجب عن الخلفاء، ولا ترد لها حاجة، وكانوا يكرمونها ويعظمونها، وكذلك كان عمر يفعل معها قبل الخلافة، وقامت فركبت إليه، فلما دخلت عليه عظمها وأكرمها، لأنها أخت أبيه، وألقى لها وسادة، وشرع يحادثها، فرآها غضبى وهي على غير العادة، فقال لها عمر: يا عمه مالك؟ فقالت: بنو أخى عبد الملك وأولادهم يهانون في زمانك وولايتك؟ وتأخذ أموالهم فتعطيها لغيرهم، ويسبون عندك فلا تنكر؟ فضحك عمر وعلم أنها متحملة، وأن عقلها قد كبر، ثم شرع يحادثها والغضب لا يتحيز عنها، فلما رأى ذلك أخذ معها في الجد، فقال: يا عمه! اعلمي أن النبي ﷺ

стр. 3044

مات وترك الناس على نهر مورود، فولى ذلك النهر بعده رجل فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر بعد ذلك الرجل رجل آخر فلم يستنقص منه شيئا حتى مات، ثم ولى ذلك النهر رجل آخر فكرى منه ساقية، ثم لم يزل الناس بعده يكرون السواقي حتى تركوه يابسا لا قطرة فيه، وايم الله لئن أبقانى الله لأردنه إلى مجراه الأول، فمن رضى فله الرضا، ومن سخط فله السخط، وإذا كان الظلم من الأقارب الذين هم بطانة الوالي، والوالي لا يزيل ذلك، فكيف يستطيع أن يزيل ما هو ناء عنه في غيرهم؟ فقالت: فلا يسبوا عندك؟ قال: ومن يسبهم؟ إنما يرفع الرجل مظلمته فآخذ له بها. ذكر ذلك ابن أبى الدنيا وأبو نعيم وغيرهما، وقد أشار إليه المؤلف إشارة خفية. وقال مسلمة بن عبد الملك: دخلت على عمر في مرضه فإذا عليه قميص وسخ، فقلت لفاطمة: ألا تغسلوا قميص أمير المؤمنين؟ فقالت: والله ما له قميص غيره، وبكى فبكت فاطمة فبكى أهل الدار، لا يدرى هؤلاء ما أبكى هؤلاء، فلما انجلت عنهم العبرة قالت فاطمة: ما أبكاك يا أمير المؤمنين؟ فقال: إني ذكرت منصرف الخلائق من بين يدي الله، فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم صرخ وغشي عليه. وعرض عليه مرة مسك من بيت المال فسدّ أنفه حتى وضع، فقيل له في ذلك فقال: وهل ينتفع من المسك إلا بريحة؟ ولما احتضر دعا بأولاده وكانوا بضعة عشر ذكرا، فنظر إليهم فذرفت عيناه ثم قال: بنفسي الفتية. وكان عمر بن عبد العزيز يتمثل كثيرا بهذه الأبيات: - يرى مستكينا وهو للقول ماقت … به عن حديث القوم ما هو شاغله وأزعجه علم عن الجهل كله … وما عالم شيئا كمن هو جاهله عبوس عن الجهال حين يراهم … فليس له منهم خدين يهازله تذكر ما يبقى من العيش فارعوى … فأشغله عن عاجل العيش آجله وروى ابن أبى الدنيا عن ميمون بن مهران قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده سابق البربري وهو ينشده شعرا، فانتهى في شعره إلى هذه الأبيات: - فكم من صحيح بات للموت آمنا … أتته المنايا بغتة بعد ما هجع فلم يستطع إذ جاءه الموت بغتة … فرارا ولا منه بقوّته امتنع فأصبح تبكيه النساء مقنعا … ولا يسمع الداعي وإن صوته رفع وقرب من لحد فصار مقيله … وفارق ما قد كان بالأمس قد جمع فلا يترك الموت الغنىّ لماله … ولا معدما في المال ذا حاجة يدع وقال رجا بن حيوة: لما مات أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز وقام يزيد بن عبد الملك بعده

стр. 3045

في الخلافة، أتاه عمر بن الوليد بن عبد الملك فقال ليزيد يا أمير المؤمنين! إن هذا المرائي - يعنى عمر ابن عبد العزيز - قد خان من المسلمين كل ما قدر عليه من جوهر نفيس ودر ثمين، في بيتين في داره مملوءين، وهما مقفولان على ذلك الدر والجوهر. فأرسل يزيد إلى أخته فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر: بلغني أن عمر خلف جوهرا ودرا في بيتين مقفولين. فأرسلت إليه: يا أخى ما ترك عمر من سبد ولا لبد، إلا ما في هذا المنديل. وأرسلت إليه به، فحله فوجد فيه قميصا غليظا مرقوعا، ورداء قشبا، وجبة محشوة غليظة واهية البطانة. فقال يزيد للرسول: قل لها: ليس عن هذا أسأل، ولا هذا أريد، إنما أسأل عما في البيتين. فأرسلت تقول له: والّذي فجعني بأمير المؤمنين ما دخلت هذين البيتين منذ ولى الخلافة، لعلمي بكراهته لذلك، وهذه مفاتيحهما فتعال فحول ما فيهما لبيت مالك. فركب يزيد ومعه عمر بن الوليد حتى دخل الدار ففتح أحد البيتين فإذا فيه كرسي من أدم وأربع آجرّات مبسوطات عند الكرسي، وقمقم. فقال عمر بن الوليد: أستغفر الله، ثم فتح البيت الثاني فوجد فيه مسجدا مفروشا بالحصى، وسلسلة معلقة بسقف البيت، فيها كهيئة الطوق بقدر ما يدخل الإنسان رأسه فيها إلى أن تبلغ العنق، كان إذا فتر عن العبادة أو ذكر بعض ذنوبه وضعها في رقبته، وربما كان يضعها إذا نعس لئلا ينام، ووجدوا صندوقا مقفلا ففتح فوجدوا فيه سفطا ففتحه فإذا فيه دراعة وتبان، كل ذلك من مسوح غليظ، فبكى يزيد ومن معه وقال: يرحمك الله يا أخى، إن كنت لنقى السريرة، نقى العلانية. وخرج عمر بن الوليد وهو مخذول وهو يقول: أستغفر الله، إنما قلت ما قيل لي. وقال رجاء: لما احتضر جعل يقول: اللهمّ رضني بقضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحب لما عجلت تأخيرا، ولا لما أخرت تعجيلا. فلا زال يقول ذلك حتى مات. وكان يقول: لقد أصبحت وما لي في الأمور هوى إلا في مواضع قضاء الله فيها. وقال شعيب بن صفوان: كتب سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب إلى عمر بن عبد العزيز لما ولى الخلافة: أما بعد يا عمر فإنه قد ولى الخلافة والملك قبلك أقوام، فماتوا على ما قد رأيت، ولقوا الله فرادى بعد الجموع والحفدة والحشم، وعالجوا نزع الموت الّذي كانوا منه يفرون، فانفقأت أعينهم التي كانت لا تفتأ تنظر لذاتها، واندفنت رقابهم غير موسدين بعد لين الوسائد، وتظاهر الفرش والمرافق والسرر والخدم، وانشقت بطونهم التي كانت لا تشبع من كل نوع ولون من الأموال والأطعمة، وصاروا جيفا بعد طيب الروائح العطرة، حتى لو كانوا إلى جانب مسكين ممن كانوا يحقرونه وهم أحياء لتأذى بهم، ولنفر منهم، بعد إنفاق الأموال على أغراضهم من الطيب والثياب الفاخرة اللينة، كانوا ينفقون الأموال إسرافا في أغراضهم وأهوائهم، ويقترون في حق

стр. 3046

الله وأمره، فان استطعت أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهنون بما عليهم، وأنت غير محبوس ولامرتهن بشيء فافعل، واستعن بالله ولا قوة إلا بالله سبحانه. وما ملك عما قليل بسالم … ولو كثرت أحراسه ومواكبه ومن كان ذا باب شديد وحاجب … فعما قليل يهجر الباب حاجبه وما كان غير الموت حتى تفرقت … إلى غيره أعوانه وحبائبه فأصبح مسرورا به كل حاسد … وأسلمه أصحابه وحبائبه وقيل إن هذه الأبيات لغيره. وقال ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص: حدثنا عاصم بن عامر حدثنا أبى عن عبد ربه بن أبى هلال عن ميمون بن مهران قال: تكلم عمر بن عبد العزيز ذات يوم وعنده رهط من إخوانه ففتح له منطق وموعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه وقد ذرفت عيناه بالدموع، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه، فقلت له: يا أمير المؤمنين امض في موعظتك فانى أرجو أن يمنّ الله به على من سمعه أو بلغه، فقال: إليك عنى يا أبا أيوب، فان في القول على الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلم عليهم، والفعال أولى بالمؤمنين من المقال. وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه قال: استعملنا أقواما كنا نرى أنهم أبرار أخيار، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمال الفجار، قاتلهم الله، أما كانوا يمشون على القبور!! وروى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يذكر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وبلغه عنه بعض ما يكره -: أما بعد فإنه غرني بك مجالستك القراء، وعمامتك السوداء، وإرسالك إياها من وراء ظهرك، وإنك أحسنت العلانية فأحسنا بك الظن، وقد أطلعنا الله على كثير مما تعملون. وروى الطبراني والدارقطنيّ وغير واحد من أهل العلم بأسانيدهم إلى عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له: أما بعد فانى أوصيك بتقوى الله واتباع سنة رسوله، والاقتصاد في أمره، وترك ما أحدث المحدثون بعده، ممن قد حارب سنته، وكفوا مؤنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها - أو قال دليل عليها - فعليك لزوم السنة، فإنه إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزيغ والزلل، والحمق والخطأ والتعمق، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وعلى العمل الشديد أشد، وإنما كان عملهم على الأسد، ولو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى، وإليه أجرى، لأنهم السابقون إلى كل خير، فان قلت: قد حدث بعدهم خير، فاعلم أنه إنما أحدثه من قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وحاد عن طريقهم، ورغبت نفسه عنهم، ولقد تكلموا منه ما يكفى، ووصفوا منه ما يشفى، فأين لا أين، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم غير محسن، ولقد

стр. 3047

قصر أقوام دينهم فحفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، فرحم الله ابن عبد العزيز. ما أحسن هذا القول الّذي ما يخرج إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة ومحبة ما كان عليه الصحابة، فمن الّذي يستطيع أن يقول مثل هذا من الفقهاء وغيرهم؟ فرحمه الله وعفا عنه. وروى الخطيب البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ عن سعيد بن أبى مريم عن رشيد بن سعيد قال: حدثني عقيل عن شهاب عن عمر بن عبد العزيز. قال: سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، ليس على أحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأى من خالفها، فمن اقتدى بما سبق هدى، ومن استبصر بها أبصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا. وأمر عمر بن عبد العزيز مناديه ذات يوم فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم فقال في خطبته: إني لم أجمعكم إلا أن المصدق منكم بما بين يديه من لقاء الله والدار الآخرة ولم يعمل لذلك ويستعد له أحمق، والمكذب له كافر. ثم تلا قوله تعالى ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه أرسل أولاده مع مؤدب لهم إلى الطائف يعلمهم هناك، فكتب إليه عمر: بئس ما علّمت، إذ قدّمت إمام المسلمين صبيا لم يعرف النية (١) - أو لم تدخله النية - ذكره في كتاب النية له. وروى ابن أبى الدنيا في كتاب الرقة والبكاء، عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه قال له: يا بنى ليس الخير أن يسمع لك وتطاع، وإنما الخير أن تكون قد غفلت عن ربك ثم أطعته، يا بنى لا تأذن اليوم لأحد على حتى أصبح ويرتفع النهار، فانى أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهمون عنى، فقال له مولاه: رأيتك البارحة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله، قال فبكى ثم قال: يا بنى إني والله ذكرت الوقوف بين يدي الله . قال: ثم غشي عليه فلم يفق حتى علا النهار، قال: فما رأيته بعد ذلك متبسما حتى مات. وقرأ ذات يوم ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ الآية، فبكى بكاء شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكى لبكائه وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحال، فقال له: يا أبة ما يبكيك؟ فقال: يا بنى خير، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بنى لقد خشيت أن أهلك وأن أكون من أهل النار. وروى ابن أبى الدنيا عن عبد الأعلى بن أبى عبد الله العنبري. قال: رأيت عمر بن عبد العزيز

стр. 3048

خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة، وراءه حبشي يمشى، فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما الله، حتى صعد المنبر فخطب فقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ فقال: وما شأن الشمس ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ فبكى وبكى أهل المسجد، وارتج المسجد بالبكاء حتى رأيت حيطان المسجد تبكى معه، ودخل عليه أعرابى فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بى إليك الحاجة، وانتهيت إلى الغاية، والله سائلك عنى. فبكى عمر وقال له: كم أنتم؟ فقال: أنا وثلاث بنات. ففرض له على ثلاثمائة، وفرض لبناته مائة مائة، وأعطاه مائة درهم من ماله، وقال له: اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم. وجاءه رجل من أهل أذربيجان فقام بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي الله، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق، من يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، ولا براءة من الذنب، قال: فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال له: ما حاجتك؟ فقال: إن عملك بأذربيجان عدا عليّ فأخذ منى اثنى عشر ألف درهم فجعلها في بيت المال. فقال عمر: اكتبوا له الساعة إلى عاملها، فليرد عليه، ثم أرسله مع البريد. وعن زياد مولى ابن عياش قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في ليلة باردة شاتية، فجعلت أصطلى على كانون هناك، فجاء عمر وهو أمير المؤمنين فجعل يصطلى معى على ذلك الكانون، فقال لي: يا زياد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قصّ على، قلت ما أنا بقاصّ، فقال: تكلم، فقلت زياد، فقال: ما له؟ فقلت: لا ينفعه من دخل الجنة إذا دخل النار، ولا يضره من دخل النار إذا دخل الجنة، فقال: صدقت، ثم بكى حتى أطفأ الجمر الّذي في الكانون. وقال له زياد العبديّ: يا أمير المؤمنين لا تعمل نفسك في الوصف وأعملها في المخرج مما وقعت فيه، فلو أن كل شعرة فيك نطقت بحمد الله وشكره والثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه، ثم قال له زياد: يا أمير المؤمنين أخبرنى عن رجل له خصم ألد ما حاله؟ قال: سيء الحال، قال: فان كانا خصمين ألدّين؟ قال: فهو أسوأ حالا، قال: فان كانوا ثلاثة؟ قال: ذاك حيث لا يهنئه عيش. قال: فو الله يا أمير المؤمنين ما أحد من أمة محمد ﷺ إلا وهو خصمك، قال: فبكى عمر حتى تمنيت أنى لم أكن حدثته ذلك. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة وأهل البصرة: أما بعد فان من الناس من شاب في هذا الشراب، ويغشون عنده أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم، فسفكوا له الدم الحرام، وارتكبوا فيه الفروج الحرام، والمال الحرام، وقد جعل الله عن ذلك مندوحة من أشربة حلال، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقية الأدم، واستغنوا بما أحل الله عما حرم، فانا من وجدناه شرب شيئا مما حرم الله بعد ما تقدمنا إليه، جعلنا له عقوبة شديدة،

стр. 3049

[ومن استخف بما حرم الله عليه فالله أشد عقوبة له وأشد تنكيلا] (١). خلافة يزيد بن عبد الملك بويع له بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك أن يكون ولى الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، فلما توفى عمر في رجب من هذه السنة - أعنى سنة إحدى ومائة - بايعه الناس البيعة العامة، وعمره إذ ذاك تسع وعشرون سنة، فعزل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، فجرت بينه وبين أبى بكر بن حزم منافسات وضغائن، حتى آل الأمر إلى أن استدرك عليه حكومة فحده حدين فيها وفيها كانت وقعة بين الخوارج، وهم أصحاب بسطام الخارجي، وبين جند الكوفة، وكانت الخوارج جماعة قليلة، وكان جيش الكوفة نحوا من عشرة آلاف فارس، وكادت الخوارج أن تكسرهم، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنا عظيما، وقتلوهم عن آخرهم، فلم يبقوا منهم ثائرة. وفيها خرج يزيد بن المهلب فخلع يزيد بن عبد الملك واستحوذ على البصرة، وذلك بعد محاصرة طويلة، وقتال طويل، فلما ظهر عليها بسط العدل في أهلها، وبذل الأموال، وحبس عاملها عدي ابن أرطاة، لأنه كان قد حبس آل المهلب الذين كانوا بالبصرة، حين هرب يزيد بن المهلب من محبس عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا، ولما ظهر على قصر الإمارة أتى بعدي بن أرطاة فدخل عليه وهو يضحك، فقال يزيد بن المهلب: إني لأعجب من ضحكك، لأنك هربت من القتال كما تهرب النساء، وإنك جئتني وأنت تتلّ كما يتل العبد. فقال عدي: إني لأضحك لأن بقائي بقاء لك: وأن من ورائي طالبا لا يتركني، قال: ومن هو؟ قال: جنود بنى أمية بالشام، ولا يتركونك، فدارك نفسك قبل أن يرمى إليك البحر بأمواجه، فتطلب الاقالة فلا تقال. فرد عليه يزيد جواب ما قال، ثم سجنه كما سجن أهله، واستقر أمر يزيد بن المهلب على البصرة، وبعث نوابه في النواحي والجهات، واستناب في الأهواز، وأرسل أخاه مدرك بن المهلب على نيابة خراسان، ومعه جماعة من المقاتلة، فلما بلغ خبره الخليفة يزيد بن عبد الملك جهز ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف، مقدمة بين يدي عمه مسلمة بن عبد الملك، وهو في جنود الشام، قاصدين البصرة لقتاله، ولما بلغ يزيد بن المهلب مخرج الجيوش إليه خرج من البصرة واستناب عليها أخاه مروان بن المهلب، وجاء حتى نزل واسط، واستشار من معه من الأمراء فيما ذا يعتمده؟ فاختلفوا عليه في الرأى، فأشار عليه بعضهم بأن يسير إلى الأهواز ليتحصن في رءوس الجبال، فقال: إنما تريدون أن تجعلوني طائرا في رأس جبل؟ وأشار عليه رجال أهل العراق أن يسير إلى الجزيرة فينزلها بأحصن حصن فيها، ويجتمع

стр. 3050

عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام، وانسلخت هذه السنة وهو نازل بواسط وجيش الشام قاصده. وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة، وعلى مكة عبد العزيز ابن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعلى قضائها عامر الشعبي، وعلى البصرة يزيد بن المهلب. قد استحوذ عليها وخلع أمير المؤمنين يزيد ابن عبد الملك. وفيها توفى عمر بن عبد العزيز، وربعي بن حراش، وأبو صالح السمان وكان عابدا صادقا ثبتا، وقد ترجمناه في كتابنا التكميل والله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين ومائة فيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب، وذلك أن يزيد بن المهلب ركب من واسط واستخلف عليها ابنه معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانا يقال له العقر، وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنود لا قبل ليزيد بها، وقد التقت المقدمتان أولا فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أهل البصرة أهل الشام، ثم تذامر أهل الشام فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المنتوف، وكان شجاعا مشهورا، وكان من موالي بكر بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق: - تبكى على المنتوف بكر بن وائل … وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما فأجابه الجعد بن درهم مولى الثوريين من همدان، وهذا الرجل هو أول الجهمية، وهو الّذي ذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد: - نبكي على المنتوف في نصر قومه … وليتنا نبكي الشائدين أباهما أرادا فناء الحي بكر بن وائل … فعز تميم لو أصيب فناهما فلا لقيا روحا من الله ساعة … ولا رقأت عينا شجىّ بكاهما أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما … وقد لقيا بالغش فينا رداهما ولما اقترب مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيد بن المهلب، خطب يزيد بن المهلب الناس وحرضهم على القتال - يعنى قتال أهل الشام - وكان مع يزيد نحو من مائة ألف، وعشرين ألفا، وقد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى أن لا يطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، ومن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفنا قاتلناه. وكان الحسن البصري في هذه الأيام يحرض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشد النهى، وذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، وما قتل بسبب
следующие страницы →