الله وأمره، فان استطعت أن تلقاهم يوم القيامة وهم محبوسون مرتهنون بما عليهم، وأنت غير محبوس ولامرتهن بشيء فافعل، واستعن بالله ولا قوة إلا بالله سبحانه.
وما ملك عما قليل بسالم … ولو كثرت أحراسه ومواكبه
ومن كان ذا باب شديد وحاجب … فعما قليل يهجر الباب حاجبه
وما كان غير الموت حتى تفرقت … إلى غيره أعوانه وحبائبه
فأصبح مسرورا به كل حاسد … وأسلمه أصحابه وحبائبه
وقيل إن هذه الأبيات لغيره.
وقال ابن أبى الدنيا في كتاب الإخلاص: حدثنا عاصم بن عامر حدثنا أبى عن عبد ربه بن أبى هلال عن ميمون بن مهران قال: تكلم عمر بن عبد العزيز ذات يوم وعنده رهط من إخوانه ففتح له منطق وموعظة حسنة، فنظر إلى رجل من جلسائه وقد ذرفت عيناه بالدموع، فلما رأى ذلك عمر قطع منطقه، فقلت له: يا أمير المؤمنين امض في موعظتك فانى أرجو أن يمنّ الله به على من سمعه أو بلغه، فقال:
إليك عنى يا أبا أيوب، فان في القول على الناس فتنة لا يخلص من شرها متكلم عليهم، والفعال أولى بالمؤمنين من المقال. وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه قال: استعملنا أقواما كنا نرى أنهم أبرار أخيار، فلما استعملناهم إذا هم يعملون أعمال الفجار، قاتلهم الله، أما كانوا يمشون على القبور!! وروى عبد الرزاق قال: سمعت معمرا يذكر قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وبلغه عنه بعض ما يكره -: أما بعد فإنه غرني بك مجالستك القراء، وعمامتك السوداء، وإرسالك إياها من وراء ظهرك، وإنك أحسنت العلانية فأحسنا بك الظن، وقد أطلعنا الله على كثير مما تعملون.
وروى الطبراني والدارقطنيّ وغير واحد من أهل العلم بأسانيدهم إلى عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له: أما بعد فانى أوصيك بتقوى الله واتباع سنة رسوله، والاقتصاد في أمره، وترك ما أحدث المحدثون بعده، ممن قد حارب سنته، وكفوا مؤنته، ثم اعلم أنه لم تكن بدعة إلا وقد مضى قبلها ما هو دليل على بطلانها - أو قال دليل عليها - فعليك لزوم السنة، فإنه إنما سنها من قد علم ما في خلافها من الزيغ والزلل، والحمق والخطأ والتعمق، ولهم كانوا على كشف الأمور أقوى، وعلى العمل الشديد أشد، وإنما كان عملهم على الأسد، ولو كان فيما تحملون أنفسكم فضل لكانوا فيه أحرى، وإليه أجرى، لأنهم السابقون إلى كل خير، فان قلت: قد حدث بعدهم خير، فاعلم أنه إنما أحدثه من قد اتبع غير سبيل المؤمنين، وحاد عن طريقهم، ورغبت نفسه عنهم، ولقد تكلموا منه ما يكفى، ووصفوا منه ما يشفى، فأين لا أين، فمن دونهم مقصر، ومن فوقهم غير محسن، ولقد
стр. 3047
قصر أقوام دينهم فحفوا، وطمح عنهم آخرون فغلوا، فرحم الله ابن عبد العزيز. ما أحسن هذا القول الّذي ما يخرج إلا من قلب قد امتلأ بالمتابعة ومحبة ما كان عليه الصحابة، فمن الّذي يستطيع أن يقول مثل هذا من الفقهاء وغيرهم؟ فرحمه الله وعفا عنه.
وروى الخطيب البغدادي من طريق يعقوب بن سفيان الحافظ عن سعيد بن أبى مريم عن رشيد بن سعيد قال: حدثني عقيل عن شهاب عن عمر بن عبد العزيز. قال: سن رسول الله ﷺ وخلفاؤه بعده سننا، الأخذ بها تصديق لكتاب الله، واستعمال لطاعة الله، ليس على أحد تغييرها ولا تبديلها، ولا النظر في رأى من خالفها، فمن اقتدى بما سبق هدى، ومن استبصر بها أبصر، ومن خالفها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم وساءت مصيرا.
وأمر عمر بن عبد العزيز مناديه ذات يوم فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخطبهم فقال في خطبته: إني لم أجمعكم إلا أن المصدق منكم بما بين يديه من لقاء الله والدار الآخرة ولم يعمل لذلك ويستعد له أحمق، والمكذب له كافر. ثم تلا قوله تعالى ﴿أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقاءِ رَبِّهِمْ﴾ وقوله تعالى ﴿وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه أرسل أولاده مع مؤدب لهم إلى الطائف يعلمهم هناك، فكتب إليه عمر: بئس ما علّمت، إذ قدّمت إمام المسلمين صبيا لم يعرف النية (١) - أو لم تدخله النية - ذكره في كتاب النية له. وروى ابن أبى الدنيا في كتاب الرقة والبكاء، عن مولى لعمر بن عبد العزيز أنه قال له: يا بنى ليس الخير أن يسمع لك وتطاع، وإنما الخير أن تكون قد غفلت عن ربك ثم أطعته، يا بنى لا تأذن اليوم لأحد على حتى أصبح ويرتفع النهار، فانى أخاف أن لا أعقل عن الناس ولا يفهمون عنى، فقال له مولاه: رأيتك البارحة بكيت بكاء ما رأيتك بكيت مثله، قال فبكى ثم قال: يا بنى إني والله ذكرت الوقوف بين يدي الله . قال: ثم غشي عليه فلم يفق حتى علا النهار، قال: فما رأيته بعد ذلك متبسما حتى مات.
وقرأ ذات يوم ﴿وَما تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَما تَتْلُوا مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاّ كُنّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾ الآية، فبكى بكاء شديدا حتى سمعه أهل الدار، فجاءت فاطمة فجلست تبكى لبكائه وبكى أهل الدار لبكائهما، فجاء ابنه عبد الملك فدخل عليهم وهم على تلك الحال، فقال له: يا أبة ما يبكيك؟ فقال: يا بنى خير، ود أبوك أنه لم يعرف الدنيا ولم تعرفه، والله يا بنى لقد خشيت أن أهلك وأن أكون من أهل النار.
وروى ابن أبى الدنيا عن عبد الأعلى بن أبى عبد الله العنبري. قال: رأيت عمر بن عبد العزيز
стр. 3048
خرج يوم الجمعة في ثياب دسمة، وراءه حبشي يمشى، فلما انتهى إلى الناس رجع الحبشي، فكان عمر إذا انتهى إلى الرجلين قال: هكذا رحمكما الله، حتى صعد المنبر فخطب فقرأ ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ فقال: وما شأن الشمس ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾ فبكى وبكى أهل المسجد، وارتج المسجد بالبكاء حتى رأيت حيطان المسجد تبكى معه، ودخل عليه أعرابى فقال: يا أمير المؤمنين جاءت بى إليك الحاجة، وانتهيت إلى الغاية، والله سائلك عنى. فبكى عمر وقال له: كم أنتم؟ فقال:
أنا وثلاث بنات. ففرض له على ثلاثمائة، وفرض لبناته مائة مائة، وأعطاه مائة درهم من ماله، وقال له: اذهب فاستنفقها حتى تخرج أعطيات المسلمين فتأخذ معهم.
وجاءه رجل من أهل أذربيجان فقام بين يديه وقال: يا أمير المؤمنين اذكر بمقامي هذا بين يديك مقامك غدا بين يدي الله، حيث لا يشغل الله عنك فيه كثرة من يخاصم من الخلائق، من يوم تلقاه بلا ثقة من العمل، ولا براءة من الذنب، قال: فبكى عمر بكاء شديدا ثم قال له: ما حاجتك؟ فقال: إن عملك بأذربيجان عدا عليّ فأخذ منى اثنى عشر ألف درهم فجعلها في بيت المال. فقال عمر: اكتبوا له الساعة إلى عاملها، فليرد عليه، ثم أرسله مع البريد. وعن زياد مولى ابن عياش قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز في ليلة باردة شاتية، فجعلت أصطلى على كانون هناك، فجاء عمر وهو أمير المؤمنين فجعل يصطلى معى على ذلك الكانون، فقال لي: يا زياد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، قال: قصّ على، قلت ما أنا بقاصّ، فقال: تكلم، فقلت زياد، فقال: ما له؟ فقلت: لا ينفعه من دخل الجنة إذا دخل النار، ولا يضره من دخل النار إذا دخل الجنة، فقال:
صدقت، ثم بكى حتى أطفأ الجمر الّذي في الكانون.
وقال له زياد العبديّ: يا أمير المؤمنين لا تعمل نفسك في الوصف وأعملها في المخرج مما وقعت فيه، فلو أن كل شعرة فيك نطقت بحمد الله وشكره والثناء عليه ما بلغت كنه ما أنت فيه، ثم قال له زياد: يا أمير المؤمنين أخبرنى عن رجل له خصم ألد ما حاله؟ قال: سيء الحال، قال: فان كانا خصمين ألدّين؟ قال: فهو أسوأ حالا، قال: فان كانوا ثلاثة؟ قال: ذاك حيث لا يهنئه عيش. قال:
فو الله يا أمير المؤمنين ما أحد من أمة محمد ﷺ إلا وهو خصمك، قال: فبكى عمر حتى تمنيت أنى لم أكن حدثته ذلك. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة وأهل البصرة: أما بعد فان من الناس من شاب في هذا الشراب، ويغشون عنده أمورا انتهكوها عند ذهاب عقولهم، وسفه أحلامهم، فسفكوا له الدم الحرام، وارتكبوا فيه الفروج الحرام، والمال الحرام، وقد جعل الله عن ذلك مندوحة من أشربة حلال، فمن انتبذ فلا ينتبذ إلا من أسقية الأدم، واستغنوا بما أحل الله عما حرم، فانا من وجدناه شرب شيئا مما حرم الله بعد ما تقدمنا إليه، جعلنا له عقوبة شديدة،
стр. 3049
[ومن استخف بما حرم الله عليه فالله أشد عقوبة له وأشد تنكيلا] (١).
خلافة يزيد بن عبد الملك
بويع له بعهد من أخيه سليمان بن عبد الملك أن يكون ولى الأمر من بعد عمر بن عبد العزيز، فلما توفى عمر في رجب من هذه السنة - أعنى سنة إحدى ومائة - بايعه الناس البيعة العامة، وعمره إذ ذاك تسع وعشرون سنة، فعزل في رمضان منها عن إمرة المدينة أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وولى عليها عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس، فجرت بينه وبين أبى بكر بن حزم منافسات وضغائن، حتى آل الأمر إلى أن استدرك عليه حكومة فحده حدين فيها وفيها كانت وقعة بين الخوارج، وهم أصحاب بسطام الخارجي، وبين جند الكوفة، وكانت الخوارج جماعة قليلة، وكان جيش الكوفة نحوا من عشرة آلاف فارس، وكادت الخوارج أن تكسرهم، فتذامروا بينهم فطحنوا الخوارج طحنا عظيما، وقتلوهم عن آخرهم، فلم يبقوا منهم ثائرة.
وفيها خرج يزيد بن المهلب فخلع يزيد بن عبد الملك واستحوذ على البصرة، وذلك بعد محاصرة طويلة، وقتال طويل، فلما ظهر عليها بسط العدل في أهلها، وبذل الأموال، وحبس عاملها عدي ابن أرطاة، لأنه كان قد حبس آل المهلب الذين كانوا بالبصرة، حين هرب يزيد بن المهلب من محبس عمر بن عبد العزيز، كما ذكرنا، ولما ظهر على قصر الإمارة أتى بعدي بن أرطاة فدخل عليه وهو يضحك، فقال يزيد بن المهلب: إني لأعجب من ضحكك، لأنك هربت من القتال كما تهرب النساء، وإنك جئتني وأنت تتلّ كما يتل العبد. فقال عدي: إني لأضحك لأن بقائي بقاء لك:
وأن من ورائي طالبا لا يتركني، قال: ومن هو؟ قال: جنود بنى أمية بالشام، ولا يتركونك، فدارك نفسك قبل أن يرمى إليك البحر بأمواجه، فتطلب الاقالة فلا تقال. فرد عليه يزيد جواب ما قال، ثم سجنه كما سجن أهله، واستقر أمر يزيد بن المهلب على البصرة، وبعث نوابه في النواحي والجهات، واستناب في الأهواز، وأرسل أخاه مدرك بن المهلب على نيابة خراسان، ومعه جماعة من المقاتلة، فلما بلغ خبره الخليفة يزيد بن عبد الملك جهز ابن أخيه العباس بن الوليد بن عبد الملك في أربعة آلاف، مقدمة بين يدي عمه مسلمة بن عبد الملك، وهو في جنود الشام، قاصدين البصرة لقتاله، ولما بلغ يزيد بن المهلب مخرج الجيوش إليه خرج من البصرة واستناب عليها أخاه مروان بن المهلب، وجاء حتى نزل واسط، واستشار من معه من الأمراء فيما ذا يعتمده؟ فاختلفوا عليه في الرأى، فأشار عليه بعضهم بأن يسير إلى الأهواز ليتحصن في رءوس الجبال، فقال: إنما تريدون أن تجعلوني طائرا في رأس جبل؟ وأشار عليه رجال أهل العراق أن يسير إلى الجزيرة فينزلها بأحصن حصن فيها، ويجتمع
стр. 3050
عليه أهل الجزيرة فيقاتل بهم أهل الشام، وانسلخت هذه السنة وهو نازل بواسط وجيش الشام قاصده.
وحج بالناس في هذه السنة عبد الرحمن بن الضحاك بن قيس أمير المدينة، وعلى مكة عبد العزيز ابن عبد الله بن خالد بن أسيد، وعلى الكوفة عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وعلى قضائها عامر الشعبي، وعلى البصرة يزيد بن المهلب. قد استحوذ عليها وخلع أمير المؤمنين يزيد ابن عبد الملك. وفيها توفى عمر بن عبد العزيز، وربعي بن حراش، وأبو صالح السمان وكان عابدا صادقا ثبتا، وقد ترجمناه في كتابنا التكميل والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين ومائة
فيها كان اجتماع مسلمة بن عبد الملك مع يزيد بن المهلب، وذلك أن يزيد بن المهلب ركب من واسط واستخلف عليها ابنه معاوية، وسار هو في جيش، وبين يديه أخوه عبد الملك بن المهلب، حتى بلغ مكانا يقال له العقر، وانتهى إليه مسلمة بن عبد الملك في جنود لا قبل ليزيد بها، وقد التقت المقدمتان أولا فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم أهل البصرة أهل الشام، ثم تذامر أهل الشام فحملوا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم جماعة من الشجعان، منهم المنتوف، وكان شجاعا مشهورا، وكان من موالي بكر بن وائل، فقال في ذلك الفرزدق: -
تبكى على المنتوف بكر بن وائل … وتنهى عن ابني مسمع من بكاهما
فأجابه الجعد بن درهم مولى الثوريين من همدان، وهذا الرجل هو أول الجهمية، وهو الّذي ذبحه خالد بن عبد الله القسري يوم عيد الأضحى فقال الجعد: -
نبكي على المنتوف في نصر قومه … وليتنا نبكي الشائدين أباهما
أرادا فناء الحي بكر بن وائل … فعز تميم لو أصيب فناهما
فلا لقيا روحا من الله ساعة … ولا رقأت عينا شجىّ بكاهما
أفي الغش نبكي إن بكينا عليهما … وقد لقيا بالغش فينا رداهما
ولما اقترب مسلمة وابن أخيه العباس بن الوليد من جيش يزيد بن المهلب، خطب يزيد بن المهلب الناس وحرضهم على القتال - يعنى قتال أهل الشام - وكان مع يزيد نحو من مائة ألف، وعشرين ألفا، وقد بايعوه على السمع والطاعة، وعلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، وعلى أن لا يطأ الجنود بلادهم، وعلى أن لا تعاد عليهم سيرة الفاسق الحجاج، ومن بايعنا على ذلك قبلنا منه، ومن خالفنا قاتلناه.
وكان الحسن البصري في هذه الأيام يحرض الناس على الكف وترك الدخول في الفتنة، وينهاهم أشد النهى، وذلك لما وقع من القتال الطويل العريض في أيام ابن الأشعث، وما قتل بسبب
стр. 3051
ذلك من النفوس العديدة، وجعل الحسن يخطب الناس ويعظهم في ذلك، ويأمرهم بالكف، فبلغ ذلك نائب البصرة عبد الملك بن المهلب، فقام في الناس خطيبا فأمرهم بالجد والجهاد، والنفر إلى القتال، ثم قال: ولقد بلغني أن هذا الشيخ الضال المرائي - ولم يسمه - يثبط الناس، أما والله ليكفن عن ذلك أو لأفعلن ولأفعلن، وتوعد الحسن، فلما بلغ الحسن قوله قال: أما والله ما أكره أن يكرمني الله بهوانه، فسلمه الله منه حتى زالت دولتهم، وذلك أن الجيوش لما تواجهت تبارز الناس قليلا، ولم ينشب الحرب شديدا حتى فر أهل العراق سريعا، وبلغهم أن الجسر الّذي جاءوا عليه حرق فانهزموا، فقال: يزيد بن المهلب: ما بال الناس؟ ولم يكن من الأمر ما يفرّ من مثله، فقيل له: إنه بلغهم أن الجسر الّذي جاءوا عليه قد حرق. فقال: قبحهم الله، ثم رام أن يرد المنهزمين فلم يمكنه، فثبت في عصابة من أصحابه وجعل بعضهم يتسللون منه حتى بقي في شرذمة قليلة، وهو مع ذلك يسير قدما لا يمر بخيل إلا هزمهم، وأهل الشام يتجاوزون عنه يمينا وشمالا، وقد قتل أخوه حبيب بن المهلب، فازداد حنقا وغيظا، وهو على فرس له أشهب، ثم قصد نحو مسلمة بن عبد الملك لا يريد غيره، فلما واجهه حملت عليه خيول الشام فقتلوه، وقتلوا معه أخاه محمد بن المهلب، وقتلوا السميدع، وكان من الشجعان، وكان الّذي قتل يزيد بن المهلب رجل يقال له القحل بن عياش، فقتل إلى جانب يزيد ابن المهلب، وجاءوا برأس يزيد إلى مسلمة بن عبد الملك، فأرسله مع خالد بن الوليد بن عقبة بن أبى معيط إلى أخيه أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك، واستحوذ مسلمة على ما في معسكر يزيد بن المهلب، وأسر منهم نحوا من ثلاثمائة، فبعث بهم إلى الكوفة، وبعث إلى أخيه فيهم، فجاء كتابه بقتلهم، فسار مسلمة فنزل الحيرة ولما انتهت هزيمة ابن المهلب إلى ابنه معاوية وهو بواسط، عمد إلى نحو من ثلاثين أسيرا في يده فقتلهم، منهم نائب أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز، عدي بن أرطاة ﵀ وابنه، ومالك وعبد الملك ابنا مسمع، وجماعة من الأشراف، ثم أقبل حتى أتى البصرة ومعه الخزائن من الأموال، وجاء معه عمه المفضل بن المهلب إليه، فاجتمع آل المهلب بالبصرة فأعدوا السفن وتجهزوا أتم الجهاز واستعدوا للهرب، فساروا بعيالهم وأثقالهم حتى أتوا جبال كرمان فنزلوها، واجتمع عليهم جماعة ممن فل من الجيش الّذي كان مع يزيد بن المهلب، وقد أمروا عليهم المفضل بن المهلب، فأرسل مسلمة جيشا عليهم هلال بن ماجور المحاربي في طلب آل المهلب، ويقال إنهم أمروا عليهم رجلا يقال له مدرك بن ضب الكلبي، فلحقهم بجبال كرمان فاقتتلوا هنالك قتالا شديدا، فقتل جماعة من أصحاب المفضل وأسر جماعة من أشرافهم وانهزم بقيتهم، ثم لحقوا المفضل فقتلوه وحمل رأسه إلى مسلمة بن عبد الملك، وأقبل جماعة من أصحاب يزيد بن المهلب فأخذوا لهم أمانا من أمير الشام
стр. 3052
منهم مالك بن إبراهيم بن الأشتر النخعي، ثم أرسلوا بالأثقال والأموال والنساء والذرية فوردت على مسلمة بن عبد الملك ومعهم رأس المفضل ورأس عبد الملك بن المهلب، فبعث مسلمة بالرءوس وتسعة من الصبيان الحسان إلى أخيه يزيد، فأمر بضرب أعناق أولئك، ونصبت رءوسهم بدمشق ثم أرسلها إلى حلب فنصبت بها، وحلف مسلمة بن عبد الملك ليبيعن ذراري آل المهلب، فاشتراهم بعض الأمراء إبرارا لقسمه بمائة ألف، فأعتقهم وخلى سبيلهم، ولم يأخذ مسلمة من ذلك الأمير شيئا وقد رثى الشعراء يزيد بن المهلب بقصائد ذكرها ابن جرير.
ولاية مسلمة على بلاد العراق وخراسان
وذلك أنه لما فرغ من حرب آل المهلب كتب إليه أخوه يزيد بن عبد الملك بولاية الكوفة والبصرة وخراسان في هذه السنة، فاستناب على الكوفة وعلى البصرة، وبعث إلى خراسان ختنه - زوج ابنته - سعيد بن عبد العزيز بن الحارث بن الحكم بن أبى العاص، الملقب بخذينة، فسار إليها فحرض أهلها على الصبر والشجاعة، وعاقب عمالا ممن كان ينوب لآل المهلب، وأخذ منهم أموالا جزيلة، ومات بعضهم تحت العقوبة.
ذكر وقعة جرت بين الترك والمسلمين
وذلك أن خاقان الملك الأعظم ملك الترك، بعث جيشا إلى الصغد لقتال المسلمين، عليهم رجل منهم يقال له كورصول، فأقبل حتى نزل على قصر الباهلي، فحصره وفيه خلق من المسلمين، فصالحهم نائب سمرقند - وهو عثمان بن عبد الله بن مطرف - على أربعين ألفا، ودفع إليهم سبعة عشر دهقانا رهائن عندهم، ثم ندب عثمان الناس فانتدب رجل يقال له المسيب بن بشر الرياحي في أربعة آلاف، فساروا نحو الترك، فلما كان في بعض الطريق [خطبهم] فحثهم على القتال وأخبرهم أنه ذاهب إلى الأعداء لطلب الشهادة، فرجع عنه أكثر من ألف، ثم لم يزل في كل منزل يخطبهم ويرجع عنه بعضهم، حتى بقي في سبعمائة مقاتل، فسار بهم حتى غالق جيش الأتراك، وهم محاصر وذلك القصر، وقد عزم المسلمون الذين هم فيه على قتل نسائهم وذبح أولادهم أمامهم، ثم ينزلون فيقاتلون حتى يقتلوا عن آخرهم، فبعث إليهم المسيب يثبتهم يومهم ذلك، فثبتوا ومكث المسيب حتى إذا كان وقت السحر فكبر وكبر أصحابه، وقد جعلوا شعارهم يا محمد، ثم حملوا على الترك حملة صادقة، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعقروا دواب كثيرة، ونهض إليهم الترك فقاتلوهم قتالا شديدا، حتى فر أكثر المسلمين، وضربت دابة المسيب في عجزها فترجل وترجل معه الشجعان، فقاتلوا وهم كذلك قتالا عظيما، والتف الجماعة بالمسيب وصبروا حتى فتح الله عليهم، وفر المشركون بين أيديهم هاربين لا يلوون على شيء، وقد كان الأتراك في غاية الكثرة، فنادى منادى المسيب:
стр. 3053
أن لا تتبعوا أحدا، وعليكم بالقصر وأهله، فاحتملوهم وحازوا ما في معسكر أولئك الأتراك من الأموال والأشياء النفيسة وانصرفوا راجعين سالمين بمن معهم من المسلمين الذين كانوا محصورين، وجاءت الترك من الغد فلم يجدوا به داعيا ولا مجيبا، فقالوا في أنفسهم: هؤلاء الذين لقونا بالأمس لم يكونوا إنسا، إنما كانوا جنا.
وممن توفى فيها من الأعيان والسادة:
الضحاك بن مزاحم الهلالي
أبو القاسم، ويقال أبو محمد، الخراساني، كان يكون ببلخ وسمرقند ونيسابور، وهو تابعي جليل روى عن أنس وابن عمر وأبى هريرة، وجماعة من التابعين، وقيل إنه لم يصح له سماع من الصحابة حتى ولا من ابن عباس سماع، وإن كان قد روى عنه أنه جاوره سبع سنين، وكان الضحاك إماما في التفسير، قال الثوري: خذوا التفسير عن أربعة، مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والضحاك، وقال الامام أحمد: هو ثقة، وأنكر شعبة سماعه من ابن عباس، وقال: إنما أخذ عن سعيد عنه، وقال ابن سعيد القطان: كان ضعيفا. وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: لم يشافه أحدا من الصحابة، ومن قال: إنه لقي ابن عباس فقد وهم، وحملت به أمه سنتين، ووضعته وله أسنان، وكان يعلم الصبيان حسبة، وقيل إنه مات سنة خمس وقيل سنة ست ومائة والله أعلم.
أبو المتوكل الناجي
اسمه على بن البصري، تابعي جليل، ثقة، رفيع القدر، مات وقد بلغ الثمانين رحمه الله تعالى
ثم دخلت سنة ثلاث ومائة
فيها عزل أمير العراق وهو عمر بن هبيرة سعيد - الملقب خذينة - عن نيابة خراسان، وولى عليها سعيد بن عمرو الجريشى، باذن أمير المؤمنين، وكان سعيد هذا من الأبطال المشهورين، انزعج له الترك وخافوه خوفا شديدا، وتقهقروا من بلاد الصغد إلى ما وراء ذلك، من بلاد الصين وغيرها، وفيها جمع يزيد بن عبد الملك لعبد الرحمن بن الضحاك بن قيس بين إمرة المدينة وإمرة مكة، وولى عبد الرحمن الواحد بن عبد الله النضري نيابة الطائف. وحج بالناس فيها أمير الحرمين عبد الرحمن ابن الضحاك بن قيس والله أعلم.
وممن توفى فيها من الأعيان:
يزيد بن أبى مسلم
أبو العلاء المدني. عطاء بن يسار الهلالي، أبو محمد القاص المدني، مولى ميمونة، وهو أخو سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، وكلهم تابعي. وروى هذا عن جماعة من الصحابة، ووثقه غير واحد من الأئمة، وقيل إنه توفى سنة ثلاث أو أربع ومائة، وقيل توفى قبل المائة بالإسكندرية، وقد جاوز الثمانين والله سبحانه أعلم.
стр. 3054
مجاهد بن جبير المكيّ
أبو الحجاج القرشي المخزومي، مولى السائب بن أبى السائب المخزومي، أحد أئمة التابعين والمفسرين كان من أخصاء أصحاب ابن عباس، وكان أعلم أهل زمانه بالتفسير، حتى قيل إنه لم يكن أحد يريد بالعلم وجه الله إلا مجاهد وطاووس، وقال مجاهد: أخذ ابن عمر بركابى وقال: وددت أن ابني سالما وغلامي نافعا يحفظان حفظك. وقيل إنه عرض القرآن على ابن عباس ثلاثين مرة، وقيل مرتين، أقفه عند كل آية وأسأله عنها، مات مجاهد وهو ساجد سنة مائة، وقيل إحدى وقيل ثنتين وقيل ثلاث ومائة، وقيل أربع ومائة، وقد جاوز الثمانين والله أعلم.
[فصل
أسند مجاهد عن أعلام الصحابة وعلمائهم، عن ابن عمر وابن عباس وأبى هريرة وابن عمر وأبى سعيد ورافع بن خديج. وعنه خلق من التابعين. قال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ثنا عبد الرزاق عن أبى بكر بن عياش قال: أخبرنى أبو يحيى أنه سمع مجاهدا يقول: قال لي ابن عباس: لا تنامنّ إلا على وضوء فان الأرواح تبعث على ما قبضت عليه.
وروى الطبراني عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿اِدْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: يسلم عليه إذا لقيه وقيل هي المصافحة. وروى عمرو بن مرة عنه أنه قال: أوحى الله إلى داود ﵇:
اتّق لا يأخذك الله على ذنب لا ينظر فيه إليك فتلقاه حين تلقاه وليست لك حاجة. وروى ابن أبى شيبة عن أبى أمامة عن الأعمش عن مجاهد. قال: كان بالمدينة أهل بيت ذوى حاجة، عندهم رأس شاة فأصابوا شيئا، فقالوا: لو بعثنا بهذا الرأس إلى من هو أحوج إليه منا، فبعثوا به فلم يزل يدور بالمدينة حتى رجع إلى أصحابه الذين خرج من عندهم أولا. وروى ابن أبى شيبة عن أبى الأحوص عن منصور عن مجاهد قال: ما من مؤمن يموت إلا بكى عليه السماء والأرض أربعين صباحا. وقال: فلأنفسهم يمهدون. قال: في القبر. وروى الأوزاعي عن عبدة بن أبى لبانة عن مجاهد قال: كان يحج من بنى إسرائيل مائة ألف، فإذا بلغوا أرصاف الحرم خلعوا نعالهم ثم دخلوا الحرم حفاة. وقال يحيى بن سعيد القطان قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿يا مَرْيَمُ اُقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾ قال:
اطلبى الركود. وفي قوله تعالى: ﴿وَاِسْتَفْزِزْ مَنِ اِسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ قال المزامير. وقال في قوله تعالى ﴿أَنْكالاً وَجَحِيماً﴾ قال: قيود. وقال في قوله: ﴿لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ﴾ قال لا خصومة.
وقال: ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: عن كل لذة في الدنيا. وروى أبو الديبع عن جرير ابن عبد الحسيب عن منصور عن مجاهد. قال: رن إبليس أربع رنات، حين لعن، وحين أهبط،
стр. 3055
وحين بعث النبي ﷺ وحين أنزلت ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ وأنزلت بالمدينة. وكان يقال: الرنة والنخرة من الشيطان، فلعن من رن أو نخر. وروى ابن نجيح عنه في قوله تعالى ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ قال: بروج الحمام. وقال في قوله تعالى ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ﴾ قال:
التجارة. وروى ليث عن مجاهد قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اِسْتَقامُوا﴾ قال: استقاموا فلم يشركوا حتى ماتوا. وروى يحيى بن سعيد عن سفيان عن ابن أبجر عن طلحة بن مصرف عن مجاهد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ قال: صاحبة. وقال ليث عن مجاهد قال: النملة التي كلمت سليمان كانت مثل الذئب العظيم وروى الطبراني عن أبى نجيح عن مجاهد. قال: كان الغلام من قوم عاد لا يحتلم حتى يبلغ مائتي سنة. وقال: (سأل سائل) دعا داع. وفي قوله ﴿ماءً غَدَقاً * لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ حتى يرجعوا إلى علمي فيه ﴿لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً﴾ قال لا يحبون غيري ﴿الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئاتِ﴾ قال هم المراءون.
وفي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيّامَ اللهِ﴾ قال هم الذين لا يدرون أنعم الله عليهم أم لم ينعم. ثم قرأ ﴿وَذَكِّرْهُمْ بِأَيّامِ اللهِ﴾ قال: أيامه نعمه ونقمه. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ فردوه إلى كتاب الله وإلى رسوله ما دام حيا، فإذا مات فإلى سنته. ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً﴾ قال: أما الظاهرة فالإسلام والقرآن والرسول والرزق، وأما الباطنة فما ستر من العيوب والذنوب. وروى الحكم عن مجاهد قال: لما قدمت مكة نساء على سليمان ﵇ رأت حطبا جزلا فقالت لغلام سليمان: هل يعرف مولاك كم وزن دخان هذا الحطب؟ فقال الغلام: دعي مولاي أنا أعرف كم وزن دخانه، فكيف مولاي؟ قالت: فكم وزنه؟ فقال الغلام: يوزن الحطب ثم يحرق الحطب ويوزن رماده فما نقص فهو دخانه. وقال في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ قال: من لم يتب إذا أصبح وإذا أمسى فهو من الظالمين. وقال ما من يوم ينقضي من الدنيا إلا قال ذلك اليوم: الحمد لله الّذي أراحنى من الدنيا وأهلها، ثم يطوى عليه فيختم إلى يوم القيامة، حتى يكون الله هو الّذي يفض خاتمه. وقال في قوله تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ﴾ قال: العلم والفقه، وقال إذا ولى الأمر منكم الفقهاء. وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ قال: البدع والشبهات. وقال: أفضل العبادة الرأى الحسن - يعنى اتباع السنة - وقال: ما أدرى أي النعمتين أفضل، أن هداني للإسلام، أو عافاني من الأهواء؟. وقال في رواية: أولو الأمر منكم، أصحاب محمد، وربما قال: أولو العقل والفضل في دين الله ﴿بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ﴾ قال السرية.
﴿وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾. قال: السوس في الثياب. ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ قال: الأضراس. (حفيا) قال رحيما. وروى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: وجدت في كتاب محمد بن أبى حاتم بخط يده: حدثنا
стр. 3056
بشر بن الحارث حدثنا يحيى بن يمان عن عثمان بن الأسود عن مجاهد. قال: لو أن رجلا أنفق مثل أحد في طاعة الله لم يكن من المسرفين. وفي قوله تعالى ﴿وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ﴾ قال: العداوة ﴿بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ﴾ قال: بينهما حاجز من الله فلا يبغى الحلو على المالح ولا المالح على الحلو.
وقال ابن مندة: ذكر محمد بن حميد: حدثنا عبد الله بن عبد القدوس عن الأعمش قال: كان مجاهد لا يسمع بأعجوبة إلا ذهب فنظر إليها، قال: وذهب إلى حضرموت إلى بئر برهوت. قال:
وذهب إلى بابل، قال: وعليها وال صديق لمجاهد: فقال مجاهد: تعرض على هاروت وماروت، قال: فدعا رجلا من السحرة فقال: اذهب بهذا فاعرض عليه هاروت وماروت. فقال اليهودي:
بشرط أن لا تدعو الله عندهما، قال مجاهد: فذهب بى إلى قلعة فقطع منها حجرا ثم قال: خذ برجلي، فهوى بى حتى انتهى إلى حوبة، فإذا هما معلقين منكسين كالجبلين العظيمين، فلما رأيتهما قلت: سبحان الله خالقكما، قال: فاضطربا فكأن جبال الدنيا قد تدكدت، قال: فغشى على وعلى اليهودي، ثم أفاق اليهودي قبلي، فقال: قم! كدت أن تهلك نفسك وتهلكني.
وروى ابن فضيل عن ليث عن مجاهد قال: يؤتى يوم القيامة بثلاثة نفر، بالغنى، والمريض، والعبد المملوك. قال: فيقول الله للغنى: ما شغلك عن عبادتي التي إنما خلقتك لها؟ فيقول يا رب أكثرت لي من المال فطغيت. فيؤتى بسليمان ﵇ في ملكه فيقول لذا: أنت كنت أكثر مالا وأشد شغلا أم هذا؟ قال: فيقول: بل هذا يا رب، فيقول الله له: فان هذا لم يمنعه ما أوتى من الملك والمال والشغل عن عبادتي. قال: ويؤتى بالمريض فيقول: ما منعك عن عبادتي التي خلقتك لها؟ فيقول: يا رب شغلني عن هذا مرض جسدي، فيؤتى بأيوب ﵇ في ضره وبلائه، فيقول له: أنت كنت أشد ضرا ومرضا أم هذا؟ فيقول: بل هذا، فيقول: إن هذا لم يشغله ضره ومرضه عن عبادتي. ثم يؤتى بالمملوك فيقول الله له: ما منعك من عبادتي التي خلقتك لها؟ فيقول ربّ فضلت عليّ أربابا فملكونى وشغلونى عن عبادتك. فيؤتى بيوسف ﵇ في رقه وعبوديته فيقول الله له: أنت كنت أشد في رقك وعبوديتك أم هذا؟ فيقول: بل هذا يا رب، فيقول الله: فان هذا لم يشغله ما كان فيه من الرق عن عبادتي. وروى حميد عن الأعرج عن مجاهد. قال: كنت أصحب ابن عمر في السفر فإذا أردت أن أركب مسك ركابي، فإذا ركبت سوى عليّ ثيابي فرآني مرة كأنى كرهت ذلك فىّ، فقال: يا مجاهد إنك لضيق الخلق، وفي رواية: صحبت ابن عمر وأنا أريد أن أخدمه فكان يخدمني.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا الثوري عن رجل عن مجاهد. قال: جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول منها حيث شاء، وجعل له أعوان يتوفون الأنفس ثم يقبضها
стр. 3057
منهم. وقال: لما هبط آدم إلى الأرض قال له: ابن للخراب ولد للفناء. وروى قتيبة عن جرير عن منصور عن مجاهد. ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاّعِنُونَ﴾ قال: تلعن عصاة بنى آدم دواب الأرض وما شاء الله حتى الحيات والعقارب، يقولون: منعنا القطر بذنوب بنى آدم. وقال غيره: تسلط الحشرات على العصاة في قبورهم، لما كان ينالهم من الشدة بسبب ذنوبهم، فتلك الحشرات من العقارب والحيات هي السيئات التي كانوا يعملونها في الدنيا ويستلذونها، صارت عذابا عليهم. نسأل الله العافية. وقال:
﴿إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ لكفور. وقال الامام أحمد: حدثنا عمر بن سليمان حدثني مسلم أبو عبد الله عن ليث عن مجاهد قال: من لم يستحى من الحلال خفت مؤنته وأراح نفسه. وقال عمرو بن زروق حدثنا شعبة عن الحكم عن مجاهد. قال ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أن لن نعاقبه بذنبه. وبهذا الاسناد قال: لم أكن أحسن ما الزخرف حتى سمعتها في قراءة عبد الله بيتا من ذهب. وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا خلف بن خليفة عن ليث عن مجاهد: إن الله ليصلح بصلاح العبد ولده.
قال: وبلغني أن عيسى ﵇ كان يقول: طوبى للمؤمن كيف يخلفه الله فيمن ترك بخير. وقال الفضيل بن عياض عن عبيد المكتب عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ الأوصال التي كانت بينهم في الدنيا. وروى سفيان بن عيينة عن سفيان الثوري عن ابن أبى نجيح عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿لا يَرْقُبُونَ فِي مُؤْمِنٍ إِلاًّ وَلا ذِمَّةً﴾ قال: الالّ الله . وقال في قوله تعالى ﴿بَقِيَّتُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ طاعة الله . وفي قوله تعالى ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ قال: هو الّذي يذكر الله عند الهمّ بالمعاصي. وقال الفضيل بن عياض عن منصور عن مجاهد: ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ الخشوع. وفي قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ﴾ قال القنوت الركود والخشوع وغض البصر، وخفض الجناح من رهبة الله. وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة هاب الرحمن أن يشد بصره أو يلتفت أو يقلب الحصا، أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من الدنيا. إلا خاشعا ما دام في صلاته.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا أبو عمرو حدثنا ابن إدريس حدثني عقبة بن إسحاق - وأثنى عليه خيرا - حدثنا ليث عن مجاهد. قال: كنت إذا رأيت العرب استخفيتها وجدتها من وراء دينها، فإذا دخلوا في الصلاة فكأنما أجساد ليست فيها أرواح. وروى الأعمش عنه قال:
إنما القلب منزلة الكف، فإذا أذنب الرجل ذنبا قبض هكذا - وضم الخنصر حتى ضم أصابعه كلها إصبعا إصبعا - قال: ثم يطبع، فكانوا يرون ذلك الران: قال الله تعالى: ﴿كَلاّ بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ وروى قبيصة عن سفيان الثوري عن منصور عن مجاهد: ﴿بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قال: الذنوب تحيط بالقلوب كالحائط المبنى على الشيء المحيط، كلما عمل ذنبا ارتفعت حتى تغشى القلب حتى تكون هكذا - ثم قبض يده - ثم قال: هو الران. وفي قوله: ﴿بِما﴾
стр. 3058
قَدَّمَ وَأَخَّرَ قال: أول عمل العبد وآخره ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ قال: إذا فرغت من أمر الدنيا فقمت إلى الصلاة فاجعل رغبتك إليه، ونيتك له.
وعن منصور عن مجاهد ﴿النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ قال: هي النفس التي قد أيقنت أن الله ربها وضربت حاشا لأمره وطاعته. وروى عبد الله بن المبارك عن ليث عن مجاهد: قال: ما من ميت يموت إلا عرض عليه أهل مجلسه، إن كان من أهل الذكر فمن أهل الذكر، وإن كان من أهل اللهو فمن أهل اللهو. وقال أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا محمد بن طلحة عن زبيد عن مجاهد. قال: قال إبليس: إن يعجزنى ابن آدم فلن يعجزنى من ثلاث خصال: أخذ مال بغير حق، وإنفاقه في غير حقه (١) وقال أحمد: حدثنا ابن نمير قال قال الأعمش: كنت إذا رأيت مجاهدا ظننت أنه حر مندح قد ضل حماره فهو مهتم. وعن ليث عن مجاهد قال: من أكرم نفسه وأعزها أذل دينه، ومن أذل نفسه أعز دينه. وقال شعبة عن الحكم عن مجاهد قال قال لي: يا أبا الغازي كم لبث نوح في الأرض؟ قال: قلت ألف سنة إلا خمسين عاما، قال: فان الناس لم يزدادوا في أعمارهم وأجسادهم وأخلاقهم إلا نقصا. وروى أبو بكر بن أبى شيبة عن أبى علية عن ليث عن مجاهد قال: ذهبت العلماء فما بقي إلا المتعلمون، وما المجتهد فيكم إلا كاللاعب فيمن كان قبلكم. وروى ابن أبى شيبة أيضا عن ابن إدريس عن ليث عن مجاهد قال: لو لم يصب المسلم من أخيه إلا أن حياء منه يمنعه من المعاصي لكان في ذلك خير. وقال: الفقيه من يخاف الله وإن قل علمه، والجاهل من عصى الله وإن كثر علمه. وقال: إن العبد إذا أقبل على الله بقلبه أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه. وقال في قوله تعالى:
﴿وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ﴾ قال: عملك فأصلح. ﴿وَسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: ليس من عرض الدنيا. ﴿وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ﴾ قال: هم الذين يجيئون بالقرآن قد اتبعوه وعملوا بما فيه. وقال: يقول القرآن للعبد إني معك ما اتبعتنى، فإذا لم تعمل بى اتبعتك. ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا﴾ قال: خذ من دنياك لآخرتك، وذلك أن تعمل فيها بطاعة الله . وقال داود بن المحبر عن عباد بن كثير عن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه مجاهد بن جبير قال: قلت لابن عمر: أي حجاج بيت الله أفضل وأعظم أجرا؟ قال: من جمع ثلاث خصال، نية صادقة، وعقلا وافرا، ونفقة من حلال، فذكرت ذلك لابن عباس فقال: صدق. فقلت: إذا صدقت نيته وكانت نفقته من حلال فماذا يضره قلة عقله؟ فقال: يا أبا حجاج، سألتني عما
سألت عنه رسول الله ﷺ فقال: «والّذي نفسي بيده ما أطاع العبد الله بشيء أفضل من حسن العقل، ولا يقبل الله صوم عبد ولا صلاته، ولا شيئا مما يكون من عمله من أنواع الخير إن لم يعمل بعقل. ولو أن جاهلا فاق المجتهدين في العبادة، كان ما يفسد أكثر
стр. 3059
مما يصلح». قلت: ذكر العقل في هذا الحديث ورفعه إلى النبي ﷺ من المنكرات والموضوعات، والثلاث الخصال موقوفة على ابن عمر، من قوله من جمع ثلاث خصال، إلى قوله: قال ابن عباس صدق، والباقي لا يصح رفعه ولا وقفه، وداود بن المحبر كنيته أبو سليمان، قال الحاكم: حدث ببغداد عن جماعة من الثقات بأحاديث موضوعة، حدث بها عنه الحارث بن أبى أسامة، وله كتاب العقل، وأكثر ما أودع ذلك الكتاب موضوع على رسول الله ﷺ ، وذكر العقل مرفوعا في هذه الرواية لعله من جملتها، والله أعلم. وقد كذبه أحمد بن حنبل] (١)
مصعب بن سعد بن أبى وقاص
تابعي جليل القدر. موسى بن طلحة بن عبيد الله التميمي، كان يلقب بالمهديّ لصلاحه، كان تابعيا جليل القدر من سادات المسلمين ﵀
ثم دخلت سنة أربع ومائة
فيها قاتل سعيد بن عمرو الحرشيّ نائب خراسان أهل الصغد وحاصر أهل خجندة وقتل خلقا كثيرا، وأخذ أموالا جزيلة، وأسر رقيقا كثيرا جدا، وكتب بذلك إلى يزيد بن عبد الملك، لأنه هو الّذي ولاه. وفي ربيع الأول منها عزل يزيد بن عبد الملك عن إمرة الحرمين عبد الرحمن ابن الضحاك بن قيس، وكان سببه أنه خطب فاطمة بنت الحسين فامتنعت من قبول ذلك، فألح عليها وتوعدها، فأرسلت إلى يزيد تشكوه إليه، فبعث إلى عبد الواحد بن عبد الله النضري نائب الطائف فولاه المدينة، وأن يضرب عبد الرحمن بن الضحاك حتى يسمع صوته أمير المؤمنين وهو متكئ على فراشه بدمشق، وأن يأخذ منه أربعين ألف دينار، فلما بلغ ذلك عبد الرحمن ركب إلى دمشق واستجار بمسلمة بن عبد الملك، فدخل على أخيه فقال: إن لي إليك حاجة، فقال: كل حاجة تقولها فهي لك إلا أن تكون ابن الضحاك، فقال: هو والله حاجتي، فقال: والله لا أقبلها ولا أعفو عنه، فرده إلى المدينة فتسلمه عبد الواحد فضربه وأخذ ماله حتى تركه في جبة صوف، فسأل الناس بالمدينة، وكان قد باشر نيابة المدينة ثلاث سنين وأشهرا، وكان الزهري قد أشار عليه برأي سديد، وهو أن يسأل العلماء إذا أشكل عليه أمر فلم يقبل، ولم يفعل، فأبغضه الناس وذمه الشعراء ثم كان هذا آخر أمره وفيها عزل عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشيّ، وذلك أنه كان يستخف بأمر ابن هبيرة، فلما عزله أحضره بين يديه وعاقبه وأخذ منه أموالا كثيرة، وأمر بقتله ثم عفا عنه، وولى على خراسان مسلم بن سعيد بن أسلم بن زرعة الكلابي، فسار إليها فاستخلص أموالا كانت منكسرة في
стр. 3060
أيام سعيد بن عمرو الحرشيّ. وفيها غزا الجراح بن عبد الله الحكمي نائب أرمينية وأذربيجان، أرض الترك، ففتح بلنجر وهزم الترك وغرقهم وذراريهم في الماء، وسبى منهم خلقا كثيرا، وافتتح عامة الحصون التي تلى بلنجر، وأجلى عامة أهلها، والتقى هو والخاقان الملك فجرت بينهم وقعة هائلة آل الأمر فيها إلى أن انهزم خاقان، وتبعهم المسلمون، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة، قتل فيها خلق كثير لا يحصون. وحج بالناس في هذه السنة عبد الواحد بن عبد الله النضري أمير الحرمين والطائف، وعلى نيابة العراق وخراسان عمر، ونائبة على خراسان مسلم بن سعيد يومئذ. وفي هذه السنة ولد السفاح وهو أبو العباس عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس الملقب بالسفاح، أول خلفاء بنى العباس وقد بايع أباه في الباطن جماعة من أهل العراق.
وفيها توفى من الأعيان:
خالد بن سعدان الكلاعي
[له روايات عن جماعة من الصحابة، وكان تابعيا جليلا، وكان من العلماء وأئمة الدين المعدودين المشهورين، وكان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة وهو صائم، وكان إمام أهل حمص، وكان يصلى التراويح في شهر رمضان، فكان يقرأ فيها في كل ليلة ثلث القرآن، وروى الجوزجاني عنه أنه قال: من اجترأ على الملاوم في مراد الحق، قلب الله تلك المحامد عليه ذما. وروى ابن أبى الدنيا عنه قال: ما من عبد إلا وله أربعة أعين. عينان في وجهه يبصر بهما أمر دنياه، وعينان في قلبه يبصر بهما أمر آخرته، فإذا أراد الله بالعبد خيرا فتح عينيه اللتين في قلبه فأبصر بهما أمر آخرته وهما غيب، فأمن الغيب بالغيب، وإذا أراد الله بالعبد خلاف ذلك ترك العبد القلب على ما هو عليه، فتراه ينظر فلا ينتفع، فإذا نظر بقلبه نفع، وقال: بصر القلب من الآخرة، وبصر العينين من الدنيا وله فضائل كثيرة رحمه الله تعالى] (١)
عامر بن سعد بن أبى وقاص الليثي
له روايات كثيرة عن أبيه وغيره، وهو تابعي جليل، ثقة مشهور
عامر بن شراحيل الشعبي
توفى فيها في قول [كان الشعبي من شعب همدان، كنيته أبو عمرو، وكان علامة أهل الكوفة، كان إماما حافظا، ذا فنون، وقد أدرك خلقا من الصحابة وروى عنهم وعن جماعة من التابعين، وعنه أيضا روى جماعة من التابعين، قال أبو مجلز: ما رأيت أفقه من الشعبي. وقال مكحول:
ما رأيت أحدا أعلم بسنة ماضية منه. وقال داود الأودي: قال لي الشعبي: قم معى هاهنا حتى أفيدك علما، بل هو رأس العلم. قلت: أي شيء تفيدني؟ قال: إذا سئلت عما لا تعلم فقل: الله أعلم، فإنه
стр. 3061
علم حسن. وقال: لو أن رجلا سافر من أقصى اليمن لحفظ كلمة تنفعه فيما يستقبل من عمره ما رأيت سفره ضائعا، ولو سافر في طلب الدنيا أو الشهوات إلى خارج هذا المسجد، لرأيت سفره عقوبة وضياعا وقال: العلم أكثر من عدد الشعر، فخذ من كل شيء أحسنه] (١).
أبو بردة بن أبى موسى الأشعري
تولى قضاء الكوفة قبل الشعبي، فان الشعبي تولى في خلافة عمر بن عبد العزيز، واستمر إلى أن مات، وأما أبو بردة فإنه كان قاضيا في زمن الحجاج، ثم عزله الحجاج وولى أخاه أبا بكر، وكان أبو بردة فقيها حافظا عالما، له روايات كثيرة.
أبو قلابة الجرمي
[عبد الله بن يزيد البصري، له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة وغيرهم، وكان من كبار الأئمة والفقهاء، وطلب للقضاء فهرب منه وتغرب، قدم الشام فنزل داريّا وبها مات ﵀. قال أبو قلابة: إذا أحدث الله لك علما فأحدث له عبادة، ولم يكن همك ما تحدث به الناس، فلعل غيرك ينتفع ويستغنى وأنت في الظلمة تتعثر، وإني لأرى هذه المجالس إنما هي مناخ البطالين.
وقال: إذا بلغك عن أخيك شيء تكرهه فالتمس له عذرا جهدك، فان لم تجد له عذرا فقل: لعل لأخى عذرا لا أعلمه] (٢)
ثم دخلت سنة خمس ومائة
فيها غزا الجراح بن عبد الله الحكمي بلاد اللان، وفتح حصونا كثيرة، وبلادا متسعة الأكناف من وراء بلنجر، وأصاب غنائم جمة، وسبى خلقا من أولاد الأتراك. وفيها غزا مسلم بن سعيد بلاد الترك وحاصر مدينة عظيمة من بلاد الصغد، فصالحه ملكها على مال كثير يحمله إليه. وفيها غزا سعيد بن عبد الملك بن مروان بلاد الروم، فبعث بين يديه سرية ألف فارس، فأصيبوا جميعا وفيها لخمس بقين من شعبان منها توفى أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك بن مروان بأربد من أرض البلقاء، يوم الجمعة، وعمره ما بين الثلاثين والأربعين، وهذه ترجمته:
هو يزيد بن عبد الملك بن مروان أبو خالد القرشي الأموي، أمير المؤمنين، وأمه عاتكة بنت يزيد بن معاوية، قيل إنها دفنت بقبر عاتكة فنسبت المحلة إليها (٣) والله أعلم. بويع له بالخلافة بعد عمر بن عبد العزيز في رجب من سنة إحدى ومائة بعهد من أخيه سليمان، أن يكون الخليفة بعد عمر ابن عبد العزيز، لخمس بقين من رجب، قال محمد بن يحيى الذهلي: حدثنا كثير بن هشام ثنا جعفر ابن برقان حدثني الزهري قال: كان لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم في عهد رسول الله ﷺ وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى، فلما ولى الخلافة معاوية ورّث المسلم من الكافر. ولم يورث الكافر من
стр. 3062
المسلم، وأخذ بذلك الخلفاء من بعده، فلما قام عمر بن عبد العزيز راجع السنة الأولى، وتبعه في ذلك يزيد بن عبد الملك، فلما قام هشام أخذ بسنة الخلفاء - يعنى أنه ورث المسلم من الكافر - وقال الوليد بن مسلم عن ابن جابر قال: بينما نحن عند مكحول إذ أقبل يزيد بن عبد الملك فهممنا أن توسع له، فقال مكحول: دعوه يجلس حيث انتهى به المجلس، يتعلم التواضع.
وقد كان يزيد هذا يكثر من مجالسة العلماء قبل أن يلي الخلافة، فلما ولى عزم على أن يتأسى بعمر بن عبد العزيز، فما تركه قرناء السوء، وحسنوا له الظلم، قال حرملة عن ابن وهب عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: لما ولى يزيد بن عبد الملك قال سيروا بسيرة عمر، فمكث كذلك أربعين ليلة، فأتى بأربعين شيخا فشهدوا له أنه ما على الخلفاء من حساب ولا عذاب، وقد اتهمه بعضهم في الدين، وليس بصحيح، إنما ذاك ولده الوليد بن يزيد كما سيأتي، أما هذا فما كان به بأس، وقد كتب إليه عمر بن عبد العزيز: أما بعد فأتى لا أرانى إلا ملمّا بى، وما أرى الأمر الا سيفضى إليك، فالله الله في أمة محمد، فإنك عما قليل ميت فتدع الدنيا إلى من لا يعذرك، والسلام. وكتب يزيد بن عبد الملك إلى أخيه هشام: أما بعد فان أمير المؤمنين قد بلغه أنك استبطأت حياته وتمنيت وفاته ورمت الخلافة، وكتب في آخره.
تمنى رجال أن أموت وإن أمت … فتلك سبيل لست فيها بأوحد
وقد علموا لو ينفع العلم عندهم … متى مت ما الباغي على بمخلد
منيته تجرى لوقت وحتفه … يصادفه يوما على غير موعد
فقل للذي يبقى خلاف الّذي مضى … تهيأ لأخرى مثلها وكأن قد
فكتب إليه هشام: جعل الله يومى قبل يومك، وولدى قبل ولدك، فلا خير في العيش بعدك وقد كان يزيد هذا يحب حظية من حظاياه يقال لها حبابة - بتشديد الباء الاولى - والصحيح تخفيفها - واسمها العالية، وكانت جميلة جدا، وكان قد اشتراها في زمن أخيه بأربعة آلاف دينار، من عثمان بن سهل بن حنيف، فقال له أخوه سليمان: لقد هممت أحجر على يديك، فباعها، فلما أفضت إليه الخلافة قالت له امرأته سعدة يوما: يا أمير المؤمنين، هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شيء؟ قال:
نعم، حبابة، فبعثت امرأته فاشترتها له ولبستها وصنعتها وأجلستها من وراء الستارة، وقالت له أيضا:
يا أمير المؤمنين هل بقي في نفسك من أمر الدنيا شيء؟ قال: أو ما أخبرتك؟ فقالت: هذه حبابة - وأبرزتها له وأخلته بها وتركته وإياها - فحظيت الجارية عنده، وكذلك زوجته أيضا، فقال يوما أشتهى أن أخلو بحبابة في قصر مدة من الدهر، لا يكون عندنا أحد، ففعل ذلك، وجمع إليه في قصره ذلك حبابة، وليس عنده فيه أحد، وقد فرش له بأنواع الفرش والبسط الهائلة، والنعمة الكثيرة السابغة،
стр. 3063
فبينما هو معها في ذلك القصر على أسرّ حال وأنعم بال، وبين يديهما عنب يأكلان منه، إذ رماها بحبة عنب وهي تضحك فشرقت بها فماتت، فمكث أياما يقبلها ويرشفها وهي ميتة حتى أنتنت وجيفت فأمر بدفنها، فلما دفنها أقام أياما عندها على قبرها هائما، ثم رجع إلى المنزل ثم عاد إلى قبرها فوقف عليه وهو يقول:
فان تسل عنك النفس أو تدع الصبا … فباليأس تسلو عنك لا بالتجلد
وكل خليل زارني فهو قائل … من أجلك هذا هامة اليوم أو غد
ثم رجع فما خرج من منزله حتى خرج بنعشه وكان مرضه بالسل. وذلك بالسواد سواد الأردن يوم الجمعة لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة خمس ومائة - وكانت خلافته أربع سنين وشهرا على المشهور، وقيل أقل من ذلك، وكان عمره ثلاثا وثلاثين سنة، وقيل خمسا وقيل ستا وقيل ثمانيا وقيل تسعا وثلاثين. وقيل إنه بلغ الأربعين فالله أعلم.
وكان طويلا جسيما أبيض مدور الوجه أفقم الفم لم يشب، وقيل إنه مات بالجولان، وقيل بحوران وصلى عليه ابنه الوليد بن يزيد، وعمره خمس عشرة سنة، وقيل بل صلى عليه أخوه هشام بن عبد الملك، وهو الخليفة بعده، وحمل على أعناق الرجال حتى دفن بين باب الجابية وباب الصغير بدمشق، وكان قد عهد بالأمر من بعده لأخيه هشام، ومن بعده لولده الوليد بن يزيد، فبايع الناس من بعده هشاما
خلافة هشام بن عبد الملك بن مروان
بويع له بالخلافة يوم الجمعة بعد موت أخيه لخمس بقين من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة خمس ومائة - وله من العمر أربع وثلاثون سنة وأشهر، لأنه ولد لما قتل أبوه عبد الملك مصعب بن الزبير في سنة ثنتين وسبعين، فسماه منصورا تفاؤلا، ثم قدم فوجد أمه قد أسمته باسم أبيها هشام، فأقره. قال الواقدي: أتته الخلافة وهو بالديثونة في منزل له، فجاءه البريد بالعصا والخاتم، فسلم عليه بالخلافة فركب من الرصافة حتى أتى دمشق، فقام بأمر الخلافة أتم القيام، فعزل في شوال منها عن إمرة العراق وخراسان عمر بن هبيرة، وولى عليها خالد بن عبد الله القسري، وقيل إنه استعمله على العراق في سنة ست ومائة، والمشهور الأول. وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال أمير المؤمنين، أخو أمه عائشة بنت هشام بن إسماعيل، ولم تلد من عبد الملك سواه حتى طلقها، لأنها كانت حمقاء. وفيها قوى أمر دعوة بنى العباس في السر بأرض العراق، وحصل لدعاتهم أموال جزيلة يستعينون بها على أمرهم، وما هم بصدده.
وفيها توفى من الأعيان:
أبان بن عثمان بن عفان
تقدم ذكر وفاته سنة خمس وثمانين، كان من فقهاء التابعين وعلمائهم، قال عمرو بن شعيب
стр. 3064
ما رأيت أعلم منه بالحديث والفقه، وقال يحيى بن سعيد القطان: فقهاء المدينة عشرة، فذكر أبان بن عثمان أحدهم، وخارجة بن زيد، وسالم بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وعروة، والقاسم، وقبيصة بن ذؤيب، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. قال محمد ابن سعد: كان به صمم ووضح، وأصابه الفالج قبل أن يموت بسنة، وتوفى سنة خمس ومائة. أبو رجاء العطاردي. عامر الشعبي. في قول وقد تقدم، وكثير عزة في قول. وقيل في التي بعدها كما سيأتي:
ثم دخلت سنة ست ومائة
ففيها عزل هشام بن عبد الملك عن إمرة المدينة ومكة والطائف، عبد الواحد بن عبد الله النضري، وولى على ذلك كله ابن خاله إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي، وفيها غزا سعيد بن عبد الملك الصائفة، وفيها غزا مسلم بن سعيد مدينة فرغانة ومعاملتها، فلقيه عندها الترك، وكانت بينهم وقعة هائلة، قتل فيها الخاقان وطائفة كبيرة من الترك، وفيها أوغل الجراح الحكمي في أرض الخزر، فصالحوه وأعطوه الجزية والخراج. وفيها غزا الحجاج بن عبد الملك اللان، فقتل خلقا كثيرا وغنم وسلم. وفيها عزا خالد بن عبد الله القسري عن إمرة خراسان مسلم بن سعيد، وولى عليها أخاه أسد بن عبد الله القسري. وحج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين هشام بن الملك، وكتب إلى أبى الزناد قبل دخوله المدينة ليتلقاه ويكتب له مناسك الحج، ففعل، فتلقاه الناس من المدينة إلى أثناء الطريق، وفيهم أبو الزناد قد امتثل ما أمر به، وتلقاه فيمن تلقاه سعيد بن عبد الله ابن الوليد بن عثمان بن عفان، فقال له: يا أمير المؤمنين إن أهل بيتك في مثل هذه المواطن الصالحة لم يزالوا يلعنون أبا تراب، فالعنه أنت أيضا، قال أبو الزناد: فشق ذلك على هشام واستثقله، وقال:
ما قدمت لشتم أحد، ولا لعنة أحد، إنما قدمنا حجاجا. ثم أعرض عنه وقطع كلامه وأقبل على أبى الزناد يحادثه ولما انتهى إلى مكة عرض له إبراهيم بن طلحة فتظلم إليه في أرض، فقاله له: أين كنت عن عبد الملك؟ قال: ظلمني، قال: فالوليد؟ قال: ظلمني، قال: فسليمان؟ قال: ظلمني، قال فعمر ابن عبد العزيز؟ قال ردها على، قال: فيزيد؟ قال: انتزعها من يدي، وهي الآن في يدك، فقال له هشام: أما لو كان فيك مضرب لضربتك، فقال: بلى فىّ مضرب بالسوط والسيف، فانصرف عنه هشام وهو يقول لمن معه: ما رأيت أفصح من هذا. وفيها كان العامل على مكة والمدينة والطائف، إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وعلى العراق وخراسان خالد القسري والله سبحانه أعلم.
وممن توفى فيها
سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب
أبو عمرو الفقيه، أحد الفقهاء وأحد العلماء [وله روايات عن أبيه وغيره، وكان من العباد الزهاد، ولما حج هشام بن عبد الملك دخل
стр. 3065
الكعبة فإذا هو بسالم بن عبد الله، فقال له: سالم؟ (١) سلني حاجة، فقال: إني لأستحي من الله أن أسأل في بيته غيره، فلما خرج سالم خرج هشام في أثره فقال له: الآن قد خرجت من بيت الله فسلني حاجة، فقال سالم: من حوائج الدنيا أم من حوائج الآخرة؟ قال: من حوائج الدنيا، فقال سالم: إني ما سألت الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟ وكان سالم خشن العيش، يلبس الصوف الخشن، وكان يعالج بيده أرضاله وغيرها من الأعمال، ولا يقبل من الخلفاء، وكان متواضعا وكان شديد الأدمة وله من الزهد والورع شيء كثير.
وطاوس بن كيسان اليماني
من أكبر أصحاب ابن عباس وقد ترجمناهم في كتابنا التكميل ولله الحمد انتهى وقد زدنا هنا في ترجمة سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب زيادة حسنة. فأما طاوس فهو أبو عبد الرحمن طاوس بن كيسان اليماني، فهو أول طبقة أهل اليمن من التابعين، وهو من أبناء الفرس الذين أرسلهم كسرى إلى اليمن.
أدرك طاوس جماعة من الصحابة وروى عنهم، وكان أحد الأئمة الأعلام، قد جمع العبادة والزهادة، والعلم النافع، والعمل الصالح، وقد أدرك خمسين من الصحابة، وأكثر روايته عن ابن عباس، وروى عنه خلق من التابعين وأعلامهم، منهم مجاهد وعطاء وعمرو بن دينار، وإبراهيم ابن ميسرة، وأبو الزبير ومحمد بن المنكدر، والزهري وحبيب بن أبى ثابت، وليث بن أبى سليم، والضحاك بن مزاحم. وعبد الملك بن ميسرة، وعبد الكريم بن المخارق ووهب بن منبه، والمغيرة ابن حكيم الصنعاني، وعبد الله بن طاوس، وغير هؤلاء.
توفى طاوس بمكة حاجا، وصلى عليه الخليفة هشام بن عبد الملك، ودفن بها رحمه الله تعالى.
قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال قال أبى: مات طاوس بمكة فلم يصلوا عليه حتى بعث هشام ابنه بالحرس، قال فلقد رأيت عبد الله بن الحسن واضعا السرير على كاهله، قال: ولقد سقطت قلنسوة كانت عليه ومزق رداؤه من خلفه - يعنى من كثرة الزحام - فكيف لا وقد
قال النبي ﷺ : «الايمان يمان» وقد خرج من اليمن خلق من هؤلاء المشار إليهم في هذا وغيره، منهم أبو مسلم، وأبو إدريس، ووهب وكعب وطاوس وغير هؤلاء كثير. وروى ضمرة عن ابن شوذب قال: شهدت جنازة طاوس بمكة سنة خمس ومائة، فجعلوا يقولون: رحم الله أبا عبد الرحمن، حج أربعين حجة.
وقال عبد الرزاق: حدثنا أبى قال: توفى طاوس بالمزدلفة - أو بمنى - حاجا، فلما حمل أخذ عبد الله بن الحسن بن على بقائمة سريره. فما زايله حتى بلغ القبر. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق
стр. 3066
قال: قدم طاوس بمكة، فقدم أمير المؤمنين، فقيل لطاوس: إن من فضله ومن، ومن، فلو أتيته قال: ما لي إليه حاجة، فقالوا: إنا نخاف عليك، قال: فما هو إذا كما تقولون: وقال ابن جرير قال لي عطاء: جاءني طاوس فقال لي: يا عطاء إياك أن ترفع حوائجك إلى من أغلق دونك بابه، وجعل دونه حجابه. وعليك بطلب من بابه لك مفتوح إلى يوم القيامة، طلب منك أن تدعوه ووعدك الاجابة. وقال ابن جريج عن مجاهد عن طاوس ﴿أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قال: بعيد من قلوبهم، وروى الأحجرى عن سفيان عن ليث قال قال لي طاوس: ما تعلمت من العلم فتعلمه لنفسك، فان الأمانة والصدق قد ذهبا من الناس. وقال عبد الرحمن بن مهدي عن حماد بن زيد عن الصلت بن راشد. قال: كنا عند طاوس فجاءه مسلم بن قتيبة بن مسلم، صاحب خراسان، فسأله عن شيء فانتهره طاوس، فقلت: هذا مسلم بن قتيبة بن مسلم صاحب خراسان، قال: ذاك أهون له على. وقال لطاوس: إن منزلك قد استرم، فقال: أمسينا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس في قوله تعالى ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً﴾ قال: في أمور النساء، وليس يكون في شيء أضعف منه في النساء. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا يحيى بن بكير حدثنا إبراهيم بن نافع عن ابن طاوس عن أبيه قال: لقي عيسى بن مريم ﵇ إبليس فقال إبليس لعيسى: أما علمت أنه لن يصيبك إلا ما كتب الله لك؟ قال: نعم، قال إبليس: فأوف بذروة هذا الجبل فتردّ منه. فانظر أتعيش أم لا. قال عيسى: أما علمت أن الله تعالى قال: لا يجربنى عبدي، فانى أفعل ما شئت. وفي رواية عن الزهري عنه قال قال عيسى: إن العبد لا يختبر ربه، ولكن الرب يختبر عبده، وفي رواية أخرى: إن العبد لا يبتلى ربه، ولكن الرب يبتلى عبده.
قال: فخصمه عيسى ﵇. وقال فضيل بن عياض عن ليث عن طاوس قال: حج الأبرار على الرحال، رواه عبد الله بن أحمد عنه.
وقال الامام أحمد: حدثنا أبو ثميلة عن ابن أبى داود. قال: رأيت طاوسا وأصحابا له إذا صلوا العصر استقبلوا القبلة ولم يكلموا أحدا، وابتهلوا إلى الله تعالى في الدعاء. وقال: من لم يبخل ولم يل مال يتيم لم ينله جهد البلاء. روى عنه أبو داود الطيالسي، وقد رواه الطبراني عن محمد بن يحيى بن المنذر عن موسى بن إسماعيل عن أبى داود فذكره. وقال لابنه: يا بنى صاحب العقلاء تنسب إليهم وإن لم تكن منهم، ولا تصاحب الجهال فتنسب إليهم وإن لم تكن منهم، واعلم أن لكل شيء غاية، وغاية المرء حسن عقله. وسأله رجل عن مسألة فانتهره، فقال: - يا أبا عبد الرحمن إني أخوك، قال: أخى من دون الناس؟. وفي رواية أن رجلا من الخوارج سأله فانتهره، فقال:
إني أخوك، قال: أمن بين المسلمين كلهم؟. وقال عفان عن حماد بن زيد عن أيوب قال: سأل
стр. 3067
رجل طاوسا عن شيء فانتهره، ثم قال: تريد أن تجعل في عنقي حبلا ثم يطاف بى؟ ورأى طاوس رجلا مسكينا في عينه عمش وفي ثوبه وسخ، فقال له: عدّ! إن الفقر من الله، فأين أنت من الماء؟ وروى الطبراني عنه قال: إقرار ببعض الظلم خير من القيام فيه، وعن عبد الرزاق عن داود ابن إبراهيم أن الأسد حبس الناس ليلة في طريق الحج، فدق الناس بعضهم بعضا، فلما كان السحر ذهب عنهم الأسد، فنزل الناس يمينا وشمالا فألقوا أنفسهم، وقام طاووس يصلى، فقال له رجل - وفي رواية فقال ابنه -: ألا تنام فإنك قد سهرت ونصبت هذه الليلة؟ فقال: وهل ينام السحر أحد؟ وفي رواية: ما كنت أظن أحدا ينام السحر. وروى الطبراني من طريق عبد الرزاق عن أبى جريج وابن عيينة. قالا: حدثنا ابن طاوس قال: قلت لأبى: ما أفضل ما يقال على الميت؟ قال الاستغفار.
وقال الطبراني: حدثنا عبد الرزاق قال سمعت النعمان بن الزبير الصنعاني يحدث أن محمد بن يوسف - أو أيوب بن يحيى - بعث إلى طاوس بسبعمائة دينار وقال للرسول: إن أخذها منك فان الأمير سيكسوك ويحسن إليك. فقال: فخرج بها حتى قدم على طاوس الجند، فقال: يا أبا عبد الرحمن نفقة بعث بها الأمير إليك. فقال: ما لي بها من حاجة، فأراده على أخذها بكل طريق فأبى أن يقبلها، فغفل طاوس فرمى بها الرجل من كوة في البيت ثم ذهب راجعا إلى الأمير، وقال: قد أخذها، فمكثوا حينا ثم بلغهم عن طاوس ما يكرهون - أو شيء يكرهونه - فقالوا: ابعثوا إليه فليبعث إلينا بمالنا، فجاءه الرسول فقال: المال الّذي بعثه إليك الأمير ردّه إلينا، فقال: ما قبضت منه شيئا، فرجع الرسول إليهم فأخبرهم، فعرفوا أنه صادق، فقالوا: انظروا الّذي ذهب بها إليه، فأرسلوه إليه، فجاءه فقال: المال الّذي جئتك به يا أبا عبد الرحمن، قال: هل قبضت منك شيئا؟ قال: لا! قال: فقام إلى المكان الّذي رمى به فيه فوجدها كما هي، وقد بنت عليها العنكبوت، فأخذها فذهب بها إليهم.
ولما حج سليمان بن عبد الملك قال: انظروا إليّ فقيها أسأله عن بعض المناسك، قال: فخرج الحاجب يلتمس له، فمر طاوس فقالوا: هذا طاوس اليماني، فأخذه الحاجب فقال: أجب أمير المؤمنين، فقال: اعفنى، فأبى، فأدخله عليه، قال طاوس: فلما وقفت بين يديه قلت: إن هذا المقام يسألنى الله عنه، فقال: يا أمير المؤمنين إن صخرة كانت على شفير جهنم هوت فيها سبعين خريفا حتى استقرت في قرارها، أتدري لمن أعدها الله؟ قال: لا!! ويلك لمن أعدها الله؟ قال:
لمن أشركه الله في حكمه فجار. وفي رواية ذكرها الزهري أن سليمان رأى رجلا يطوف بالبيت، له جمال وكمال، فقال: من هذا يا زهري؟ فقلت: هذا طاوس، وقد أدرك عدة من الصحابة، فأرسل
стр. 3068
إليه سليمان فأتاه فقال: لو ما حدثتنا؟
فقال: حدثني أبو موسى قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أهون الخلق على الله من ولى من أمور المسلمين شيئا فلم يعدل فيهم». فتغير وجه سليمان فأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه فقال: لو ما حدثتنا؟
فقال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ قال ابن شهاب: ظننت أنه أراد عليا - قال: دعاني رسول الله ﷺ إلى طعام في مجلس من مجالس قريش، ثم قال: «إن لكم على قريش حقا، ولهم على الناس حق، ما إذا استرحموا رحموا، وإذا حكموا عدلوا، وإذا ائتمنوا أدوا، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا». قال: فتغير وجه سليمان وأطرق طويلا ثم رفع رأسه إليه وقال: لو ما حدثتنا؟ فقال: حدثني ابن عباس أن آخر آية نزلت من كتاب الله: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾.
وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني أبو معمر عن ابن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة قال قال عمر بن عبد العزيز لطاوس: ارفع حاجتك إلى أمير المؤمنين - يعنى سليمان - فقال طاوس ما لي إليه من حاجة، فكأنه عجب من ذلك، قال: سفيان وحلف لنا إبراهيم وهو مستقبل الكعبة:
ورب هذا البيت ما رأيت أحدا الشريف والوضيع عنده بمنزلة واحدة إلا طاوس. قال: وجاء ابن لسليمان بن عبد الملك فجلس إلى جنب طاوس فلم يلتفت إليه، فقيل له: جلس إليك أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه؟ قال: أردت أن يعلم هو وأبوه أن لله عبادا يزهدون فيهم وفيما في أيديهم. وقد روى عبد الله بن أحمد عن ابن طاوس قال: خرجنا حجاجا فنزلنا في بعض القرى، وكنت أخاف أبى من الحكام لشدته وغلظه عليهم، قال: وكان في تلك القرية عامل لمحمد بن يوسف - أخى الحجاج بن يوسف - يقال له أيوب بن يحيى، وقيل يقال له ابن نجيح، وكان من أخبث عمالهم كبرا وتجبرا، قال: فشهدنا صلاة الصبح في المسجد، فإذا ابن نجيح قد أخبر بطاوس فجاء فقعد بين يدي طاوس، فسلم عليه فلم يجبه، ثم كلمه فأعرض عنه، ثم عدل إلى الشق الآخر فأعرض عنه، فلما رأيت ما به قمت إليه وأخذت بيده ثم قلت له: إن أبا عبد الرحمن لم يعرفك، فقال طاوس: بلى! إني به لعارف، فقال الأمير: إنه بى لعارف، ومعرفته بى فعلت بى ما رأيت.
ثم مضى وهو ساكت لا يقول شيئا، فلما دخلت المنزل قال لي أبى: يا لكع، بينما أنت تقول أريد أخرج عليهم بالسيف لم تستطع أن تحبس عنهم لسانك.
وقال أبو عبد الله الشامي: أتيت طاوسا فاستأذنت عليه فخرج إلى ابنه شيخ كبير، فقلت:
أنت طاوس؟ فقال: لا! أنا ابنه، فقلت: إن كنت أنت ابنه فان الشيخ قد خرف، فقال:
إن العالم لا يخرف، فدخلت عليه فقال طاوس: سل فأوجز، فقلت: إن أوجزت أوجزت لك،
стр. 3069
فقال تريد أن أجمع لك في مجلسى هذا التوراة والإنجيل والفرقان؟ قال: قلت نعم! قال: خف الله مخافة لا يكون عندك شيء أخوف منه، وارجه رجاء هو أشد من خوفك إياه، وأحب للناس ما تحب لنفسك.
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه.
قال: يجاء يوم القيامة بالمال وصاحبه فيتحاجان، فيقول صاحب المال للمال: جمعتك في يوم كذا في شهر كذا في سنة كذا، فيقول المال: ألم أقض لك الحوائج؟ أنا الّذي حلت بينك وبين أن تصنع فيما أمرك الله من حبك إياي، فيقول صاحب المال إن هذا الّذي نفد على حبال أوثق بها وأقيد، وقال عثمان بن أبى شيبة: حدثنا أبى حدثنا يحيى بن الضريس عن أبى سنان عن حبيب ابن أبى ثابت قال: اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم قط، عطاء وطاووس، ومجاهد وسعيد بن جبير، وعكرمة. وقال سفيان: قلت لعبيد الله بن أبى يزيد: مع من كنت تدخل على ابن عباس؟ قال: مع عطاء والعامة، وكان طاوس يدخل مع الخاصة، وقال حبيب: قال لي طاوس إذا حدثتك حديثا قد أثبته فلا تسأل عنه أحدا - وفي رواية - فلا تسأل عنه غيري.
وقال أبو أسامة، حدثنا الأعمش عن عبد الملك بن ميسرة عن طاوس قال: أدركت خمسين من أصحاب رسول الله ﷺ . وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر أخبرنى ابن طاوس قال: قلت لأبى: أريد أن أتزوج فلانة، قال: اذهب فانظر إليها، قال: فذهبت فلبست من صالح ثيابي، وغسلت رأسي، وادهنت، فلما رآني في تلك الحال قال: اجلس فلا تذهب. وقال عبد الله بن طاوس: كان أبى إذا سار إلى مكة سار شهرا، وإذا رجع رجع في شهر، فقلت له في ذلك، فقال: بلغني أن الرجل إذا خرج في طاعة لا يزال في سبيل الله حتى يرجع إلى أهله. وقال حمزة عن هلال بن كعب. قال: كان طاوس إذا خرج من اليمن لم يشرب إلا من تلك المياه القديمة الجاهلية، وقال له رجل: ادع الله لي، فقال: ادع لنفسك فإنه يجيب المضطر إذا دعاه.
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان رجل فيما خلا من الزمان، وكان عاقلا لبيبا، فكبر فقعد في البيت، فقال لابنه يوما: إني قد اغتممت في البيت، فلو أدخلت على رجالا يكلموني؟ فذهب ابنه فجمع نفرا فقال: ادخلوا على أبى فحدثوه، فان سمعتم منه منكرا فاعذروه فإنه قد كبر، وإن سمعتم منه خيرا فاقبلوه. قال: فدخلوا عليه فكان أول ما تكلم به أن قال: إن أكيس الكيس التقى، وأعجز العجز الفجور، وإذا تزوج الرجل فليتزوج من معدن صالح، فإذا اطلعتم على فجرة رجل فاحذروه فان لها أخوات
стр. 3070
وقال سلمة بن شبيب: حدثنا أحمد بن نصر بن مالك حدثنا عبد الله بن عمر بن مسلم الجيرى عن أبيه قال قال طاوس لابنه: إذا قبرتنى فانظر في قبري، فان لم تجدني فاحمد الله تعالى، وإن وجدتني فانا لله وإنا إليه راجعون. قال عبد الله: فأخبرني بعض ولده أنه نظر فلم يره ولم يجد في قبره شيئا، ورئي في وجهه السرور، وقال قبيصة: حدثنا سفيان عن سعيد بن محمد قال: كان من دعاء طاوس يدعو: اللهمّ احرمنى كثرة المال والولد، وارزقني الايمان والعمل. وقال سفيان عن معمر حدثنا الزهري قال: لو رأيت طاوس بن كيسان علمت أنه لا يكذب.
وقال عون بن سلام: حدثنا جابر بن منصور - أخو إسحاق بن منصور - السلولي عن عمران ابن خالد الخزاعي. قال كنت جالسا عند عطاء فجاء رجل فقال: أبا محمد إن طاوسا يزعم أن من صلى العشاء ثم صلى بعدها ركعتين يقرأ في الأولى: ألم تنزيل السجدة، وفي الثانية تبارك الّذي بيده الملك كتب له مثل وقوف عرفة وليلة القدر. فقال عطاء: صدق طاوس ما تركتهما. وقال ابن أبى السري. حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان رجل من بنى إسرائيل، وكان ربما داوى المجانين، وكانت امرأة جميلة، فأخذها الجنون، فجيء بها إليه، فنزلت عنده فأعجبته، فوقع عليها فحملت، فجاءه الشيطان فقال: إن علم بها افتضحت، فاقتلها وادفنها في بيتك، فقتلها ودفنها، فجاء أهلها بعد ذلك بزمان يسألونه عنها، قال: ماتت، فلم يتهموه لصلاحه ومنزلته، فجاءهم الشيطان فقال: إنها لم تمت، ولكن قد وقع عليها فحملت فقتلها ودفنها في بيته، في مكان كذا وكذا، فجاء أهلها فقالوا: ما نتهمك ولكن أخبرنا أين دفنتها، ومن كان معك؟ فنبشوا بيته فوجدوها حيث دفنها، فأخذوه فحبسوه وسجنوه، فجاءه الشيطان فقال: أنا صاحبك، فان كنت تريد أن أخرجك مما أنت فيه فاكفر بالله فأطاع الشيطان فكفر بالله ، فقتل فتبرأ منه الشيطان حينئذ. وقال طاوس: ولا أعلم أن هذه الآية نزلت إلا فيه وفي مثله ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اُكْفُرْ، فَلَمّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾.
وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه. قال: كان رجل من بنى إسرائيل له أربعة بنين، فمرض، فقال أحدهم: إما أن تمرضوا أبانا وليس لكم من ميراثه شيء، وإما أن أمرضه وليس لي من ميراثه شيء، فمرضه حتى مات ودفنه ولم يأخذ من ميراثه شيئا، وكان فقيرا وله عيال، فأتى في النوم فقيل له: ايت مكان كذا وكذا فاحفره تجد فيه مائة دينار فخذها، فقال للآتى في المنام: ببركة أو بلا بركة؟ فقال: بلا بركة، فلما أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت: اذهب فخذها فان من بركتها أن تكسوني منها ونعيش منها. فأبى وقال: لا آخذ شيئا ليس فيه بركة. فلما أمسى أتى في منامه فقيل له: ايت مكان كذا وكذا فخذ
стр. 3071
منه عشرة دنانير، فقال: ببركة أو بلا بركة؟ قال: بلا بركة، فلما أصبح ذكر ذلك لامرأته فقالت له مثل ذلك فأبى أن يأخذها، ثم أتى في الليلة الثالثة فقيل له: ايت مكان كذا وكذا فخذ منه دينارا، فقال: ببركة أو بلا بركة؟ قال: ببركة، قال: نعم إذا، فلما أصبح ذهب إلى ذلك المكان الّذي أشير إليه في المنام فوجد الدينار فأخذه، فوجد صيادا يحمل حوتين فقال: بكم هما؟ قال: بدينار، فأخذهما منه بذلك الدينار ثم انطلق بهما إلى امرأته فقامت تصلحهما، فشقت بطن أحدهما فوجدت فيه درة لا يقوم بها شيء، ولم ير الناس مثلها، ثم شقت بطن الآخر فإذا فيه درة مثلها، قال: فاحتاج ملك ذلك الزمان درة فبعث يطلبها حيث كانت ليشتريها، فلم توجد إلا عنده، فقال الملك: ايت بها، فأتاه بها، فلما رآها حلاّها الله في عينيه، فقال: بعنيها، فقال: لا أنقصها عن وقر ثلاثين بغلا ذهبا، فقال الملك: أرضوه، فخرجوا به فوقروا له ثلاثين بغلا ذهبا، ثم نظر إليها الملك فأعجبته إعجابا عظيما، فقال: ما تصلح هذه إلا بأختها، اطلبوا لي أختها، قال: فأتوه فقالوا له: هل عندك أختها ونعطيك ضعف ما أعطيناك؟ قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم. فأتى الملك بها، فلما رآها أخذت بقلبه فقال أرضوه، فأضعفوا له ضعف أختها، والله أعلم.
وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا وهيب بن الورد حدثنا عبد الجبار بن الورد قال حدثني داود ابن سابور قال قلنا لطاوس: أدع بدعوات، فقال: لا أجد لذلك حسبة. وقال ابن جرير عن ابن طاوس عن أبيه قال: البخل أن يبخل الإنسان بما في يده، والشح أن يحب أن له ما في أيدي الناس بالحرام لا يقنع: وقيل الشح هو ترك القناعة، وقيل: هو أن يشح بما في يد غيره، وهو مرض من أمراض القلب ينبغي للعبد أن يعزله عن نفسه وينفيه ما استطاع، وهو يأمرنا بالبخل كما
في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ قال: «اتقوا الشح فان الشح أهلك من كان قبلكم [أمرهم] بالبخل فبخلوا وبالقطيعة فقطعوا وهذا هو الحرص على الدنيا وحبها» وقال ابن أبى شيبة: حدثنا المحاربي عن ليث عن طاوس قال: ألا رجل يقوم بعشر آيات من الليل فيصبح قد كتب له مائة حسنة أو أكثر من ذلك، ومن زاد زيد في ثوابه، وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس. قال: لا يتم نسك الشاب حتى يتزوج. وعن سفيان عن إبراهيم بن ميسرة قال: قال لي طاوس: لتنكحن أو لأقولن لك ما قال عمر بن الخطاب لأبى الزوائد: ما يمنعك من النكاح إلا عجز أو فجور. وقال طاوس: لا يحرز دين المؤمن إلا حفرته. وقال عبد الرزاق عن معمر بن طاوس وغيره أن رجلا كان يسير مع طاوس، فسمع الرجل غرابا ينعب، فقال: خير، فقال طاوس: أي خير عند هذا أو شر لا تصحبنى ولا تمش معى. وقال بشر بن موسى: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان عن ابن طاوس عن أبيه. قال: إذا غدا الإنسان اتبعه الشيطان، فإذا أتى المنزل فسلم نكص الشيطان
стр. 3072
وقال: لا مقيل، فإذا أتى بغدائه فذكر اسم الله قال: ولا غداء ولا مقيل، فإذا دخل ولم يسلم قال الشيطان: أدركنا المقيل، فإذا أتى بغدائه ولم يذكر اسم الله عليه قال الشيطان: مقيل وغداء، وفي العشاء مثل ذلك. وقال: إن الملائكة ليكتبون صلاة بنى آدم: فلان زاد فيها كذا وكذا، وفلان نقص فيها كذا وكذا. وذلك في الركوع والخشوع والسجود.
وقال: لما خلقت النار طارت أفئدة الملائكة، فلما خلق آدم سكنت، وكان إذا سمع صوت الرعد يقول: سبحان من سبحت له. وقال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن ابن أبى نجيح قال قال مجاهد لطاوس. يا أبا عبد الرّحمن! رأيتك تصلى في الكعبة والنبي ﷺ على بابها يقول لك: اكشف قناعك، وبين قراءتك. فقال له: اسكت لا يسمع هذا منك أحد. ثم تخيل إلى أن انبسط في الحديث. وقال أحمد أيضا بهذا الإسناد: إن طاوسا قال لأبى نجيح: يا أبا نجيح!! من قال واتقى الله خير ممن صمت واتقى. وقال مسعر عن رجل إن طاوسا أتى رجلا في السحر فقالوا: هو نائم، فقال: ما كنت أرى أن أحدا ينام في السحر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن يزيد حدثنا ابن يمان عن مسعود، فذكره. قال الثوري: كان طاوس يجلس في بيته، فقيل له في ذلك فقال: حيف الأئمة وفساد الناس.
وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق قال أخبرنى أبى قال: كان طاوس يصلى في غداة باردة معتمة، فمر به محمد بن يوسف صاحب اليمن وحاجبها - وهو أخو الحجاج بن يوسف - وطاوس ساجد، والأمير راكب في مركبه، فأمر بساج أو طيلسان مرتفع القيمة فطرح على طاوس وهو ساجد، فلم يرفع رأسه حتى فرغ من حاجته، فلما سلم نظر فإذا الساج عليه فانتفض فألقاه عنه، ولم ينظر إليه ومضى إلى منزله وتركه ملقى على الأرض. وقال نعيم بن حماد: حدثنا حماد بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن طاوس عن ابن عباس: ما من شيء يتكلم به ابن آدم إلا كتب عليه حتى أنينه في مرضه، فلما مرض الامام أحمد أنّ فقيل له: إن طاوسا كان يكره أنين المرض فتركه. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا الفضل بن دكين حدثنا سفيان عن أبيه عن داود بن شابور. قال:
قال رجل لطاوس: ادع الله لنا، فقال: ما أجد بقلبي خشية فأدعو لك. وقال ابن طالوت: حدثنا عبد السلام بن هاشم عن الحسن بن أبى الحصين العنبري. قال: مرّ طاوس برواس قد أخرج رءوسا فغشى عليه. وفي رواية كان إذا رأى الرءوس المشوية لم يتعش تلك الليلة.
وقال الامام أحمد: حدثنا هاشم بن القاسم حدثنا الأشجعي عن سفيان الثوري. قال قال طاوس إن الموتى يفتنون في قبورهم سغبا، وكانوا يستحبون أن يطعم عنهم تلك الأيام. وقال ابن إدريس: سمعت ليثا يذكر عن طاوس وذكر النساء فقال: فيهن كفر من مضى وكفر من بقي. وقال
стр. 3073
أبو عاصم عن بقية عن سلمة ابن وهرام عن طاوس قال: كان يقال: اسجد للقرد في زمانه، أي أطعه في المعروف. وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا أسامة حدثنا نافع بن عمر عن بشر بن عاصم.
قال قال طاوس: ما رأيت مثل (١) أحد آمن على نفسه، ولقد رأيت رجلا لو قيل لي: من أفضل من تعرف؟ لقلت: فلان ذلك الرجل، فمكثت على ذلك حينا ثم أخذه وجع في بطنه، فأصاب منه شيئا استنضح بطنه عليه، فاشتهاه، فرأيته في نطع ما أدرى أي طرفيه أسرع حتى مات عرقا. وروى أحمد حدثنا هشيم قال أخبرنا أبو بشر عن طاوس أنه رأى فتية من قريش يرفلون في مشيتهم، فقال: إنكم لتلبسون لبسة ما كانت آباؤكم تلبسها، وتمشون مشية ما يحسن الزفافون أن يمشوها.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر أن طاوسا قام على رفيق له مرض حتى فاته الحج - لعله هو الرجل المتقدم قبل هذا استنضح بطنه -
وقال مسعر بن كدام عن عبد الكبير المعلم قال طاوس قال ابن عباس: سئل النبي ﷺ : من أحسن قراءة؟ قال: «من إذا سمعته يقرأ رأيت أنه يخشى الله ».
وقد روى هذا أيضا من طريق ابن لهيعة عن عمرو بن دينار عن طاوس قال قال ابن عباس: إن النبي ﷺ قال: «إن أحسن الناس قراءة من قرأ القرآن يتحزن به».
وعنه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: رآني رسول الله ﷺ وعليّ ثوبان معصفران فقال: «أمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحدهما» رواه مسلم في صحيحه عن داود بن راشد عن عمر بن أيوب عن إبراهيم بن نافع عن سليمان الأحول عن طاوس به.
وروى محمد بن مسلمة عن إبراهيم بن ميسرة عن طاوس عن ابن عمرو قال قال رسول الله ﷺ : «الجلاوزة والشرط وأعوان الظلمة كلاب النار». انفرد به محمد بن مسلم الطالقى.
وقال الطبراني: حدثنا محمد بن الحسن الأنماطي البغدادي حدثنا عبد المنعم بن إدريس حدثنا أبى عن وهب بن منبه عن طاوس عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لعلى بن أبى طالب: «يا على استكثر من المعارف من المؤمنين فكم من معرفة في الدنيا بركة في الآخرة». فمضى على فأقام حينا لا يلقى أحدا إلا اتخذه للآخرة، ثم جاء من بعد ذلك فقال له رسول الله ﷺ : «ما فعلت فيما أمرتك به؟ قال: قد فعلت يا رسول الله، فقال له النبي ﷺ :
اذهب فابل أخبارهم، فذهب ثم أتى النبي ﷺ وهو منكس رأسه، فقال له النبي ﷺ : اذهب قابل أخبارهم، فذهب ثم أتى النبي ﷺ تبسم [فقال]: ما أحسب يا على ثبت معك إلا أبناء الآخرة؟ فقال له على: لا والّذي بعثك بالحق، فقال له النبي ﷺ (الأخلاّء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين يا عبادي لا خوف عليكم) يا على! أقبل على شأنك، وأملك لسانك، وأغفل من
стр. 3074
تعاشر من أهل زمانك تكن سالما غانما». لم يرو إلا من هذا الوجه فيما نعلم والله أعلم] (١).
ثم دخلت سنة سبع ومائة
فيها خرج باليمن رجل يقال له عباد الرعينيّ فدعا إلى مذهب الخوارج واتبعه فرقة من الناس وحلموا فقاتلهم يوسف بن عمر فقتله وقتل أصحابه، وكانوا ثلاثمائة. وفيها وقع بالشام طاعون شديد، وفيها غزا معاوية بن هشام الصائفة وعلى جيش أهل الشام ميمون بن مهران، فقطعوا البحر إلى قبرص وغزا مسلمة في البر في جيش آخر. وفيها ظفر أسد بن عبد الله القسري بجماعة من دعاة بنى العباس بخراسان فصلبهم وأشهرهم. وفيها غزا أسد القسري جبال نمروذ، ملك القرقيسيان، مما يلي جبال الطالقان، فصالحه نمروذ وأسلم على يديه. وفيها غزا أسد الغور - وهي جبال هراة - فعمد أهلها إلى حواصلهم وأموالهم وأثقالهم فجعلوا ذلك كله في كهف منيع، لا سبيل لأحد عليه، وهو مستعل جدا، فأمر أسد بالرجال فحملوا في توابيت ودلاهم إليه، وأمر بوضع ما هنالك في التوابيت ورفعوهم فسلموا وغنموا، وهذا رأى سديد. وفيها أمر أسد بجمع ما حول بلخ إليها. واستناب عليها برمك والد خالد بن برمك وبناها بناء جيدا جديدا محكما وحصنها وجعلها معقدا للمسلمين. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هشام أمير الحرمين.
وممن توفى فيها من الأعيان:
سليمان بن يسار أحد التابعين
[وهو أخو عطاء بن يسار، له روايات كثيرة، وكان من المجتهدين في العبادة، وكان من أحسن الناس وجها، توفى بالمدينة وعمره ثلاث وسبعون سنة، دخلت عليه امرأة من أحسن الناس وجها فأرادته على نفسها فأبى وتركها في منزله وخرج هاربا منها، فرأى يوسف ﵇ في المنام.
فقال له: أنت يوسف؟ فقال: نعم أنا يوسف الّذي هممت، وأنت سليمان الّذي لم تهمّ. وقيل إن هذه الحكاية إنما وقعت في بعض منازل الحجاج، وكان معه صاحب له، فبعثه إلى سوق الحجاج ليشترى شيئا فانحطت على سليمان امرأة من الجبل حسناء فقالت له: هيت لك، فبكى واشتد بكاؤه فلما رأت ذلك منه ارتفعت في الجبل، وجاء صديقه فوجده يبكى فقال له: ما لك تبكى؟ فقال خير، فقال: لعلك ذكرت بعض ولدك أو بعض أهلك؟ فقال: لا (٢)! فقال: والله لتخبرني ما أبكاك أنت.
قال: أبكانى حزني على نفسي، لو كنت مكانك لم أصبر عنها، ثم ذكر أنه نام فرأى يوسف في منامه كما تقدم والله أعلم] (٣).
عكرمة مولى ابن عباس
أحد التابعين، والمفسرين المكثرين والعلماء الربانيين، والرحالين الجوالين. [وهو أبو عبد الله، وقد روى عن خلق كثير من الصحابة، وكان أحد أوعية العلم، وقد أفتى في حياة مولاه ابن عباس،
стр. 3075
قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة، وقد طاف عكرمة البلاد، ودخل إفريقية واليمن والشام والعراق وخراسان، وبث علمه هنالك، وأخذ الصلات وجوائز الأمراء، وقد روى ابن أبى شيبة عنه قال:
كان ابن عباس يجعل في رجلي الكبل يعلمني القرآن والسنن، وقال حبيب بن أبى ثابت: اجتمع عندي خمسة لا يجتمع عندي مثلهم أبدا، عطاء، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد فأقبل سعيد ومجاهد يلقيان على عكرمة التفسير فلم يسألاه عن آية إلا فسرها لهما، فلما نفد ما عندهما جعل يقول: أنزلت آية كذا في كذا، قال: ثم دخلوا الحمام ليلا. قال جابر بن زيد: عكرمة أعلم الناس وقال الشعبي، ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من عكرمة. وروى الإمام أحمد عن عبد الصمد عن سلام بن مسكين سمعت قتادة يقول: أعلمهم بالتفسير عكرمة. وقال سعيد بن جبير نحوه، وقال عكرمة: لقد فسرت ما بين اللوحتين. وقال ابن علية عن أيوب: سأل رجل عكرمة عن آية فقال:
نزلت في سفح ذلك الجبل - وأشار إلى سلع - وقال عبد الرزاق عن أبيه: لما قدم عكرمة الجند حمله طاوس على نجيب فقال: ابتعت علم هذا الرجل، وفي رواية أن طاوسا حمله على نجيب ثمنه ستون دينارا وقال: ألا نشتري علم هذا العبد بستين دينارا! ومات عكرمة وكثير عزة في يوم واحد فأخرجت جنازتهما فقال الناس: مات أفقه الناس وأشعر الناس، وقال عكرمة: قال لي ابن عباس: انطلق فأفت الناس فمن سألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته، فإنك تطرح عنى ثلثي مؤنة الناس. وقال سفيان عن عمرو قال: كنت إذا سمعت عكرمة يحدث عن المغازي كأنه مشرف عليهم ينظر كيف يصنعون ويقتتلون. وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق قال سمعت معمرا يقول: سمعت أيوب يقول: كنت أريد أن أرحل إلى عكرمة إلى أفق من الآفاق، قال فانى لفي سوق البصرة فإذا رجل على حمار، فقيل: هذا عكرمة، قال: واجتمع الناس إليه فما قدرت أنا على شيء أسأله عنه، ذهبت منى المسائل، وشردت عنى فقمت إلى جنب حماره فجعل الناس يسألونه وأنا أحفظه. وقال شعبة عن خالد الحذاء قال قال عكرمة لرجل وهو يسأله: مالك أخبلت؟ أي فتنت. وقال زياد بن أبى أيوب: حدثنا أبو ثميلة حدثنا عبد العزيز بن أبى رواد قال قلت لعكرمة بنيسابور: الرجل يريد الخلاء وفي إصبعه خاتم فيه اسم الله، قال: يجعل فصه في باطن يده ثم يقبض عليه.
وقال الامام أحمد: حدثنا أمية بن خالد قال: سمعت شعبة يقول قال خالد الحذاء: كل شيء قال فيه محمد بن سيرين: ثبت عن ابن عباس، إنما سمعه من عكرمة، لقيه أيام المختار بالكوفة. وقال سفيان الثوري: خذوا المناسك عن سعيد بن جبير ومجاهد وعكرمة. وقال أيضا: خذوا التفسير عن أربعة:
سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وقال عكرمة: أدركت مائتين من أصحاب رسول الله
стр. 3076
ﷺ في هذا المسجد. وقال محمد بن يوسف الفريابي: حدثنا إسرائيل عن سعيد بن مسروق عن عكرمة: قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان بن داود ﵇ عشرين ألفا فعقرها، وقال أبو بكر بن أبى شيبة: حدثنا معمر بن سليمان عن الحكم بن أبان عن عكرمة: ﴿لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ قال: الدنيا كلها قريب وكلها جهالة. وفي قوله: ﴿لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ قال: عند سلاطينها وملوكها. ﴿وَلا فَساداً﴾ لا يعلمون بمعاصي الله .
﴿وَالْعاقِبَةُ﴾ هي الجنة. وقال في قوله تعالى: ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ﴾ أي تركوا ما وعظوا ﴿بِعَذابٍ بَئِيسٍ﴾ أي شديد ﴿فَلَمّا عَتَوْا عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ﴾ أي تمادوا وأصرّوا. ﴿خاسِئِينَ﴾ صاغرين. ﴿فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ أي من الأمم الماضية ﴿وَما خَلْفَها﴾ من الأمم الآتية، من أهل زمانهم وغيرهم ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ تقى من اتعظ بها الشرك والمعاصي.
وقال ابن عباس: إذا كان يوم القيامة بعث الله الذين اعتدوا ويحاسب الذين تركوا الأمر والنهى كان المسخ لهم عقوبة في الدنيا حين تركوا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وقال عكرمة: قال ابن عباس: هلك والله القوم جميعا، قال ابن عباس فالذين أمروا ونهوا نجوا، والذين لم يأمروا ولم ينهوا هلكوا فيمن هلك من أهل المعاصي. قال: وذلك أهل ايلة - وهي قرية على شاطئ البحر - وكان الله قد أمر بنى إسرائيل أن يتفرغوا ليوم الجمعة فقالوا: بل نتفرغ ليوم السبت، لأن الله فرغ من الخلق يوم السبت، فأصبحت الأشياء مسبوتة. وذكروا قصة أصحاب السبت، وتحريم الصيد عليهم، وأن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت ولا تأتيهم في غيره من الأيام، وذكروا احتيالهم على صيدها في يوم السبت فقال قوم: لا ندعكم تصيدون في يوم السبت ووعظوهم، فجاء قوم آخرون مداهنون فقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً؟﴾ قال الناهون ﴿مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ أي ينتهون عن الصيد في يوم السبت. وقد ذكر عكرمة أنه لما قال لابن عباس إن المداهنين هلكوا مع الغافلين، كساه ثوبين. وقال حوثرة عن مغيرة عن عكرمة قال: كانت القضاة ثلاثة - يعنى في بنى إسرائيل - فمات واحد فجعل الآخر مكانه، فقضوا ما شاء الله أن يقضوا فبعث الله ملكا على فرس فمر على رجل يسقى بقرة معها عجل، فدعا الملك العجل فتبع العجل الفرس، فجاء صاحبه ليرده فقال: يا عبد الله! عجلي وابن بقرتي، فقال الملك: بل هو عجلي وابن فرسي، فخاصمه حتى أعيا، فقال: القاضي بيني وبينك، قال: لقد رضيت، فارتفعا إلى أحد القضاة فتكلم صاحب العجل فقال له: مر بي على فرس فدعا عجلي فتبعه فأبى أن يرده. قال: ومع الملك ثلاث درأت لم ير الناس مثلها، فأعطى القاضي درة وقال: اقض لي، فقال: كيف يسوغ هذا؟ فقال:
نرسل العجل خلف الفرس والبقرة فأيهما تبعها فهو ابنها، ففعل ذلك فتبع الفرس فقضى له. فقال
стр. 3077
صاحب العجل: لا أرضى، بيني وبينك القاضي الآخر، ففعلا مثل ذلك، ثم أتيا الثالث فقصا عليه قصتهما، وناوله الملك الدرة الثالثة فلم يأخذها، وقال لا أقضى بينكما اليوم، فقالا: ولم لا تقضى بيننا؟ فقال: لأني حائض، فقال الملك: سبحان الله!! رجل يحيض!؟. فقال القاضي: سبحان الله! وهل تنتج الفرس عجلا؟ فقضى لصاحب البقرة. فقال الملك: إنكم إنما ابتليتم، وقد رضى الله عنك وسخط على صاحبيك.
وقال أبو بكر بن عياش عن أبى حمزة الثمالي عن عكرمة أن ملكا من الملوك نادى في مملكته:
إني إن وجدت أحدا يتصدق بصدقة قطعت يده، فجاء سائل إلى امرأة فقال: تصدقي علي بشيء فقالت: كيف أتصدق عليك والملك يقطع يد من يتصدق؟ قال: أسألك بوجه الله إلا تصدقت علي بشيء، فتصدقت عليه برغيفين، فبلغ ذلك الملك فأرسل إليها فقطع يديها، ثم إن الملك قال لأمه:
دلينى على امرأة جميلة لأتزوجها، فقالت: إن هاهنا امرأة ما رأيت مثلها، لولا عيب بها، قال:
أي عيب هو؟ قالت: مقطوعة اليدين، قال: فأرسلى إليها، فلما رآها أعجبته - وكان لها جمال - فقالت: إن الملك يريد أن يتزوجك: قالت: نعم إن شاء الله، فتزوجها وأكرمها، فنهد إلى الملك عدو فخرج إليهم، ثم كتب إلى أمه: انظري فلانة فاستوصى بها خيرا وافعلي وافعلي معها، فجاء الرسول فنزل على بعض ضرائرها فحسدنها فأخذن الكتاب فغيرنه وكتبن إلى أمه: انظري فلانة فقد بلغني أن رجالا يأتونها فأخرجيها من البيت وافعلي وافعلي، فكتب إليه الأم إنك قد كذبت، وإنها لامرأة صدق، فذهب الرسول إليهن فنزل بهن فأخذن الكتاب فغيرنه فكتبن إليه: إنها فاجرة وقد ولدت غلاما من الزنا، فكتب إلى أمه: انظري فلانة فاجعلي ولدها على رقبتها واضربى على جيبها واخرجيها. قال: فلما جاءها الكتاب قرأته عليها وقالت لها: اخرجى، فجعلت الصبى على رقبتها وذهبت، فمرت بنهر وهي عطشانة فنزلت لتشرب والصبى على رقبتها فوقع في الماء فغرق، فجلست تبكى على شاطئ النهر، فمر بها رجلان فقالا: ما يبكيك؟ فقالت: ابني كان على رقبتي وليس لي يدان فسقط في الماء فغرق. فقالا لها: أتحبين أن يرد الله عليك يديك كما كانتا؟ قالت: نعم! فدعوا الله ربهما لها فاستوت يداها، ثم قالا لها: أتدرين من نحن؟ قالت:
لا قالا: نحن الرغيفان اللذان تصدقت بهما. وقال في قوله: ﴿طَيْراً أَبابِيلَ﴾ قال: طير خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع فلم تزل ترميهم حتى جدرت جلودهم، وما رئي الجدري قبل يومئذ وما رئي الطير قبل يومئذ ولا بعد. وفي قوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ قال:
لا يقولون لا إله إلا الله، وفي قوله ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ قال: من يقول لا إله إلا الله، وفي قوله:
﴿هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكّى﴾ إلى أن تقول لا إله إلا الله، وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ﴾
стр. 3078
اِسْتَقامُوا على شهادة أن لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ أليس منكم من يقول: لا إله إلا الله، وفي قوله: ﴿وَقالَ صَواباً﴾ قال: لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ﴾ لمن قال: لا إله إلا الله. وفي قوله ﴿فَلا عُدْوانَ إِلاّ عَلَى الظّالِمِينَ﴾ على من لا يقول: لا إله إلا الله. وفي قوله: ﴿وَاُذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ﴾ قال: إذا غضبت ﴿سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ قال: السهر وقال: إن الشيطان ليزين للعبد الذنب، فإذا عمله تبرأ منه، فلا يزال يتضرع إلى ربه ويتمسكن له ويبكى حتى يغفر الله له ذلك وما قبله. وقال قال جبريل ﵇: إن ربى ليبعثنى إلى الشيء لا مضيه فأجد الكون قد سبقني إليه. وسئل عن الماعون قال: العارية. قلت: فان منع الرجل غربالا أو قدرا أو قصعة أو شيئا من متاع البيت فله الويل؟ قال: لا! ولكن إذا نهى عن الصلاة ومنع الماعون فله الويل. وقال: البضاعة المزجاة التي فيها تجوز. وقال: السائحون، هم طلبة العلم. وقال: ﴿كَما يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ قال: إذا دخل الكفار القبور وعاينوا ما أعد الله لهم من الخزي، يئسوا من نعمة الله. وقال غيره: ﴿يَئِسَ الْكُفّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ﴾ أي من حياتهم وبعثهم بعد موتهم. وقال: كان إبراهيم ﵇ يدعى أبا الضيفان، وكان لقصره أربعة أبواب لكيلا يفوته أحد، وقال: أنكالا، أي قيودا. وقال في كاهن سبإ: إنه قال لقومه لما دنا منهم العذاب: من أراد سفرا بعيدا وحملا شديدا، فعليه بعمان، ومن أراد الخمر والخمير، وكذا وكذا والعصير، فعليه ببصرى - يعنى الشام - ومن أراد الراسخات في الوحل، والمقيمات في المحل فعليه بيثرب ذات النخل. فخرج قوم إلى عمان وقوم إلى الشام، وهم غسان، وخرج الأوس والخزرج - وهم بنو كعب بن عمرو - وخزاعة حتى نزلوا يثرب، ذات النخل، فلما كانوا ببطن مرّ قالت خزاعة: هذا موضع صالح لا نريد به بدلا، فنزلوا، فمن ثم سميت خزاعة، لأنهم تخزعوا من أصحابهم. وتقدمت الأوس والخزرج حتى نزلوا بيثرب، فقال الله ليوسف ﵇ يا يوسف! بعفوك عن إخوتك رفعت لك ذكرك مع الذاكرين. وقال: قال لقمان لابنه:
قد ذقت المرار فلم أذق شيئا أمرّ من الفقر. وحملت كل حمل ثقيل فلم أحمل أثقل من جار السوء.
ولو أن الكلام من فضة لكان السكوت من ذهب. رواه وكيع بن الجراح عن سفيان عن أبيه عن عكرمة: ﴿وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللهَ رَمى﴾ قال: ما وقع شيء منها إلا في عين رجل منهم.
وقال: في قوله تعالى ﴿زَنِيمٍ﴾ هو اللئيم الّذي يعرف اللؤمة كما يعرف الشاة بزنمتها. وقال في قوله تعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال: هم أصحاب التصاوير، ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ﴾ قال: لو أن القلوب تحركت أو زالت لخرجت نفسه، وإنما هو الخوف والفزع. ﴿فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي بالشهوات ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ بالتوبة ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ﴾ أي التسويف ﴿حَتّى جاءَ أَمْرُ اللهِ﴾ الموت ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللهِ الْغَرُورُ﴾
стр. 3079
الشيطان. وقال: من قرأ يس والقرآن الحكيم لم يزل ذلك اليوم في سرور حتى يمسى.
قال سلمة بن شعيب: حدثنا إبراهيم بن الحكم عن أبان عن أبيه. قال: كنت جالسا مع عكرمة عند البحر فذكروا الذين يغرقون في البحر فقال عكرمة: الذين يغرقون في البحار تقتسم لحومهم الحيتان فلا يبقى منهم شيء إلا العظام، حتى تصير حائلا نخرة فتمر بها الإبل فتأكلها، ثم تسير الإبل فتبعرها، ثم يجيء بعدهم قوم فينزلون ذلك المنزل فيأخذون ذلك البعر فيوقدونه ثم يصير رمادا فتجيء الريح فتأخذه فتذريه في كل مكان من الأرض حيث يشاء الله من بره وبحرة، فإذا جاءت النفخة - نفخة المبعث - فيخرج أولئك وأهل القبور المجموعين سواء. وبهذا الاسناد عنه قال: إن الله أخرج رجلين، رجلا من الجنة ورجلا من النار، فقال لصاحب الجنة: عبدي! كيف وجدت مقيلك؟ قال خير مقيل. ثم قال لصاحب النار: عبدي كيف وجدت مقيلك؟ فقال: شرّ مقيل قاله القائلون، ثم ذكر من عقاربها وحياتها وزنابيرها، ومن أنواع ما فيها من العذاب وألوانه، فيقول الله تعالى لصاحب النار: عبدي! ماذا تعطيني إن أنا أعفيتك من النار؟ فيقول العبد: إلهي وماذا عندي ما أعطيك، فقال له الرب تعالى: لو كان لك جبل من ذهب أكنت تعطيني فأعفيك من النار؟ فقال نعم، فقال له الرب: كذبت لقد سألتك في الدنيا ما هو أيسر من ذلك! تدعوني فأستجيب لك، وتستغفرنى فأغفر لك، وتسألنى فأعطيك، فكنت تتولى ذاهبا.
وبهذا الاسناد قال: ما من عبد يقربه الله يوم القيامة للحساب إلا قام من عند الله بعفوه، وبه عنه: لكل شيء أساس، وأساس الإسلام الخلق الحسن. وبه عنه قال: شكا نبي من الأنبياء إلى ربه الجوع والعرى، فأوحى الله إليه: أما ترضى أنى سددت عنك باب الشر الناشئ عنها؟. وبه عنه قال: إن في السماء ملكا يقال له إسماعيل لو أذن الله له بفتح أذن من آذانه يسبح الرحمن لمات من في السموات والأرض. وبه عنه قال: سعة الشمس سعة الأرض وزيادة ثلاث مرات، وسعة القمر سعة الأرض مرة، وإن الشمس إذا غربت دخلت بحرا تحت العرش تسبح الله حتى إذا أصبحت استعفت ربها تعالى من الطلوع فيقول لها: ولم ذاك - وهو أعلم - فتقول: لئلا أعبد من دونك، فيقول لها: اطلعى فليس عليك شيء من ذلك، حسبهم جهنم أبعثها إليهم مع ثلاث عشرة ألف ملك تقودها حتى يدخلوهم: وهذا خلاف ما ثبت في الحديث الصحيح «إن جهنم يؤتى بها تقاد بسبعين ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك».
وقال مندل عن أسد ابن عطاء عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول الله ﷺ . «لا يقفن أحدكم على رجل يضرب ظلما فان اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم تدفعوا عنه. ولا يقفن أحدكم على رجل يقتل ظلما فان اللعنة تنزل من السماء على من يحضره إذا لم تدفعوا عنه». لم يرفعه إلا مندل هذا.
стр. 3080
وروى شعبة عن عمارة بن حفصة عن عكرمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ «كان إذا عطس غطى وجهه بثوبه، ووضع يديه على حاجبيه»، هذا حديث عال من حديث شعبة.
وروى بقية عن إسحاق بن مالك الخضرى عن عكرمة عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «من حلف على أحد يمينا، وهو يرى أنه سيبره فلم يفعل، فإنما إثمه على الّذي لم يبره». تفرد به بقية بن الوليد مرفوعا.
وقال عبد الله بن أحمد في مسند أبيه: حدثنا عبيد بن عمر القواريري حدثنا يزيد بن ربيع حدثنا عمارة بن أبى حفصة حدثنا عكرمة حدثتنا عائشة أن النبي ﷺ كان عليه بردان قطريان خشنان غليظان، فقالت عائشة: يا رسول الله، إن ثوبيك هذين غليظان خشنان، ترشح فيهما فيثقلان عليك، فأرسل إلى فلان فقد أتاه برد من الشام فاشتر منه ثوبين إلى ميسرة، فأرسل إليه فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ بعث إليك لتبيعه ثوبين إلى ميسرة. فقال: قد علمت والله، ما يريد نبي الله إلا أن يذهب بثوبي ويمطلنى بثمنهما، فرجع الرسول إلى رسول الله ﷺ فأخبره فقال ﷺ : كذب! قد علموا أنى أتقاهم لله، وآداهم للأمانة»
. وفي هذا اليوم قال النبي ﷺ : «لأن يلبس أحدكم من رقاع شتى خير له من أن يستدين ما ليس عنده» والله سبحانه أعلم] (١).
القاسم بن محمد بن أبى بكر الصديق
كان أحد الفقهاء المشهورين، له روايات كثيرة، عن الصحابة وغيرهم، وكان من أفضل أهل المدينة، وأعلم أهل زمانه، قتل أبوه بمصر وهو صغير، فأخذته خالته فنشأ عندها، وساد وله مناقب كثيرة. أبو رجاء العطاردي.
وفيها توفى كثير عزة الشاعر المشهور
وهو كثير بن عبد الرحمن بن الأسود بن عامر، أبو صخر الخزاعي الحجازي، المعروف بابن أبى جمعة، وعزة هذه المشهور بها المنسوب إليها، لتغزله فيها، هي أم عمرو عزة بالعين المهملة، بنت جميل بن حفص، من بنى حاجب بن غفار، وإنما صغر اسمه فقيل كثير، لأنه كان دميم الخلق قصيرا، طوله ثلاثة أشبار. قال ابن خلكان: كان يقال له رب الدبان، وكان إذا مشى يظن أنه صغير من قصره، وكان إذا دخل على عبد الملك بن مروان يقول له: طأطئ رأسك لا يؤذيك السقف، وكان يضحك إليه، وكان يفد على عبد الملك، ووفد على عبد الملك بن مروان مرات، ووفد على عمر بن عبد العزيز، وكان يقال إنه أشعر الإسلاميين، على أنه كان فيه تشيع، وربما نسبه بعضهم إلى مذهب التناسخية، وكان يحتج على ذلك من جهله وقلة عقله إن صح النقل عنه، في قوله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ وقد استأذن يوما على عبد الملك فلما دخل عليه قال عبد الملك: لأن
стр. 3081
تسمع بالمعيدي خير من أن تراه، فقال: حيّهلا يا أمير المؤمنين إنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه، إن نطق نطق ببيان، وإن قاتل قاتل بجنان، وأنا الّذي أقول
وجربت الأمور وجربتنى … وقد أبدت عريكتى الأمور
وما تخفى الرجال على أنى … بهم لأخو مثاقفة خبير
ترى الرجل النحيف فتزدريه … وفي أثوابه أسد زئير
ويعجبك الطرير فتختبره … فيخلف ظنك الرجل الطرير
وما هام الرجال لها بزين … ولكن زينها دين وخير
بغاث الطير أطولها جسوما … ولم تطل البزاة ولا الصقور
وقد عظم البعير بغير لب … فلم يستغن بالعظم البعير
فيركب ثم يضرب بالهراوى … ولا عرف لديه ولا نكير
وعود النبع ينبت مستمرا … وليس يطول والعضباء حور
وقد تكلم أبو الفرج بن طرار على غريب هذه الحكاية وشعرها بكلام طويل، قالوا: ودخل كثير عزة يوما على عبد الملك بن مروان فامتدحه بقصيدته التي يقول فيها: -
على ابن أبى العاصي دروع حصينة … أجاد المسدى سردها وأدالها
قال له عبد الملك: أفلا قلت كما قال الأعشى لقيس بن معديكرب: -
وإذا تجيء كتيبة ملمومة … شهبا يخشى الذائدون صيالها
كنت المقدم غير لابس جبة … بالسيف يضرب معلما أبطالها
فقال: يا أمير المؤمنين وصفه بالخرق ووصفتك بالحزم. ودخل يوما على عبد الملك وهو يتجهز للخروج إلى مصعب بن الزبير فقال: ويحك يا كثير، ذكرتك الآن بشعرك فان أصبته أعطيتك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين كأنك لما ودعت عاتكة بنت يزيد بكت لفراقك فبكى لبكائها حشمها فذكرت قولي:
إذا ما أراد الغزو لم تثن عزمه … حصان عليها نظم در يزينها
نهته فلما لم تر النهى عافه … بكت فبكى مما عراها قطينها
قال: أصبت فاحتكم، قال: مائة ناقة من نوقك المختارة، قال: هي لك، فلما سار عبد الملك إلى العراق نظر يوما إلى كثير عزة وهو مفكر في أمره فقال: عليّ به، فلما جيء به قال له: أرأيت إن أخبرتك بما كنت تفكر به تعطيني حكمي؟ قال: نعم، قال: والله؟ قال: والله، قال له عبد الملك إنك تقول في نفسك: هذا رجل ليس هو على مذهبي، وهو ذاهب إلى قتال رجل ليس هو على
стр. 3082
مذهبي، فان أصابني سهم غرب من بينهما خسرت الدنيا والآخرة، فقال: إي والله يا أمير المؤمنين، فاحتكم، قال: أحتكم حكمي أن أردك إلى أهلك وأحسن جائزتك، فأعطاه مالا وأذن له بالانصراف.
وقال حماد الراوية عن كثير عزة: وفدت أنا والأحوص ونصيب إلى عمر بن عبد العزيز حين ولى الخلافة، ونحن نمتّ بصحبتنا إياه ومعاشرتنا له، لما كان بالمدينة، وكل منا يظن أنه سيشركه في الخلافة، فنحن نسير ونختال في رحالنا، فلما انتهينا إلى خناصرة ولاحت لنا أعلامها، تلقانا مسلمة بن عبد الملك فقال: ما أقدمكم؟ أو ما علمتم أن صاحبكم لا يحب الشعر ولا الشعراء؟ قال: فوجمنا لذلك، فأنزلنا مسلمة عنده وأجرى علينا النفقات وعلف دوابنا، وأقمنا عنده أربعة أشهر لا يمكنه أن يستأذن لنا على عمر، فلما كان في بعض الجمع دنوت منه لأسمع خطبته فأسلم عليه بعد الصلاة، فسمعته يقول في خطبته: لكل سفر زاد، فتزودوا لسفركم من الدنيا إلى الآخرة بالتقوى، وكونوا كمن عاين ما أعد الله له من عذابه وثوابه فترغبوا وترهبوا، ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم وتنقادوا لعدوكم، فإنه والله ما بسط أمل من لا يدرى لعله لا يمسى بعد إصباحه ولا يصبح بعد إمسائه، وربما كانت له كامنة بين ذلك خطرات الموت والمنايا، وإنما يطمئن من وثق بالنجاة من عذاب الله وأهوال يوم القيامة، فأما من لا يداوي من الدنيا كلما إلا أصابه جارح من ناحية أخرى فكيف يطمئن، أعوذ بالله أن آمركم بما أنهى عنه نفسي فتخسر صفقتي وتبدو مسكنتي في يوم لا ينفع فيه إلا الحق والصدق، ثم بكى حتى ظننا أنه قاض نحبه، وارتج المسجد وما حوله بالبكاء والعويل: قال: فانصرفت إلى صاحبي فقلت: خذ سرحا من الشعر غير ما كنا نقول لعمر وآبائه فإنه رجل أخرى ليس برجل دنيا. قال:
ثم استأذن لنا مسلمة عليه يوم الجمعة فلما دخلنا عليه سلمت عليه ثم قلت: يا أمير المؤمنين طال الثواء وقلت! الفائدة، وتحدث بجفائك إيانا وفود العرب. فقال: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ﴾ وقرأ الآية، فان كنتم من هؤلاء أعطيتم وإلا فلا حق لكم فيها، فقلت: يا أمير المؤمنين إني مسكين وعابر سبيل ومنقطع به، فقال: ألستم عند أبى سعيد؟ - يعنى مسلمة بن عبد الملك - فقلنا: بلى! فقال: إنه لا ثواب على من هو عند أبى سعيد، فقلت: ائذن لي يا أمير المؤمنين بالإنشاد، قال:
نعم ولا تقل إلا حقا، فأنشدته قصيدة فيه:
وليت فلم تشتم عليا ولم تخف … بريئا ولم تقبل إشارة مجرم
وصدقت بالفعل المقال مع الّذي … أتيت فأمسى راضيا كل مسلم
ألا إنما يكفى الفتى بعد ريعه … من الأود النادي ثقاف المقوم
وقد لبست تسعى إليك ثيابها … تراءى لك الدنيا بكف ومعصم
وتومض أحيانا بعين مريضة … وتبسم عن مثل الجمان المنظم
стр. 3083
فأعرضت عنها مشمئزا كأنما … سقتك مذوقا من سمام وعلقم
وقد كنت من أحبالها في ممنع … ومن بحرها في مزبد الموج مفعم
وما زلت تواقا إلى كل غاية … بلغت بها أعلى البناء المقدم
فلما أتاك الملك عفوا ولم تكن … لطالب دنيا بعده في تكلم
تركت الّذي يفنى وإن كان مونقا … وآثرت ما يبقى برأي مصمم
وأضررت بالفاني وشمرت للذي … أمامك في يوم من الشر مظلم
ومالك إذ كنت الخليفة مانع … سوى الله من مال رعيت ولا دم
سما لك هم في الفؤاد مؤرق … بلغت به أعلى المعالي بسلم
فما بين شرق الأرض والغرب كلها … مناد ينادى من فصيح وأعجم
يقول أمير المؤمنين ظلمتني … بأخذك ديناري وأخذك درهمى
ولا بسط كف لامرئ غير مجرم … ولا السفك منه ظالما ملء محجم
ولو يستطيع المسلمون لقسموا … لك الشطر من أعمارهم غير ندّم
فعشت بها ما حج لله راكب … ملب مطيف بالمقام وزمزم
فاربح بها من صفقة لمبايع … وأعظم بها أعظم بها ثم أعظم
قال: فأقبل عليّ عمر بن عبد العزيز وقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة، ثم استأذنه الأحوص فأنشده قصيدة أخرى فقال: إنك تسأل عن هذا يوم القيامة. ثم استأذنه نصيب فلم يأذن له وأمر لكل واحد منهم بمائة وخمسين درهما، وأغزى نصيبا إلى مرج دابق. وقد وفد كثير عزة بعد ذلك على يزيد بن عبد الملك فامتدحه بقصائد فأعطاه سبعمائة دينار. وقال الزبير بن بكار: كان كثير عزة شيعيا خبيثا يرى الرجعة، وكان يرى التناسخ ويحتج بقوله تعالى ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ وقال موسى بن عقبة هوّل كثير عزة ليلة في منامه فأصبح يمتدح آل الزبير ويرثى عبد الله بن الزبير، وكان يسيء الرأى فيه:
بمفتضح البطحا تأول أنه … أقام بها ما لم ترمها الأخاشب
سرحنا سروبا آمنين ومن يخف … بوائق ما يخشى تنبه النوائب
تبرأت من عيب ابن أسماء إنني … إلى الله من عيب ابن أسماء تائب
هو المرء لا ترزى به أمهاته … وآباؤه فينا الكرام الأطايب
وقال مصعب بن عبد الله الزبيري: قالت عائشة بنت طلحة لكثير عزة: ما الّذي يدعوك إلى ما تقول من الشعر في عزة وليست على نصف من الحسن والجمال؟ فلو قلت ذلك فىّ وفي أمثالى فانا
стр. 3084
أشرف وأفضل وأحسن منها - وكانت عائشة بنت طلحة قد فاقت النساء حسنا وجمالا وأصالة - وإنما قالت له ذلك لتختبره وتبلوه فقال:
ضحى قلبه يا عز أو كاد يذهل … وأضحى يريد الصوم أو يتبدل
وكيف يريد الصوم من هو وامق … لعزة لا قال ولا متبذل
إذا واصلتنا خلة كي تزيلنا … أبينا وقلنا الحاجبية أول
سنوليك عرفا إن أردت وصالنا … ونحن لتيك الحاجبية أوصل
وحدثها الواشون أنى هجرتها … فحملها غيظا عليّ المحمل
فقالت له عائشة: قد جعلتني خلة ولست لك بخلة، وهلا قلت كما قال جميل فهو والله أشعر منك حيث يقول:
يا رب عارضة علينا وصلها … بالجد تخلطه بقول الهازل
فأجبتها بالقول بعد تستر … حبي بثينة عن وصالك شاغلى
لو كان في قلبي بقدر قلامة … فضل وصلتك أو أتتك رسائلي
فقال: والله ما أنكر فضل جميل، وما أنا إلا حسنة من حسناته، واستحيا. ومما أنشده ابن الأنباري لكثير عزة:
بأبي وأمى أنت من معشوقة … طبن العدو لها فغير حالها
ومشى إليّ بعيب عزة نسوة … جعل الآله خدودهن نعالها
الله يعلم لو جمعن ومثلت … لأخذت قبل تأمل تمثالها
ولو ان عزة خاصمت شمس الضحى … في الحسن عند موفق لقضي لها
وأنشد غيره لكثير عزة:
فما أحدث النأى الّذي كان بيننا … سلوا ولا طول اجتماع تقاليا
وما زادني الواشون إلا صبابة … ولا كثرة الناهين إلا تماديا
غيره له: فقلت لها يا عز كل مصيبة … إذا وطنت يوما لها النفس ذلت
هنيئا مريئا غير داء مخامر … لعزة من أعراضنا ما استحلت
وقال كثير عزة أيضا وفيه حكمة أيضا:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه … وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة … يجدها ولا يبقى له الدهر صاحب
وذكروا أن عزة بنت جميل بن حفص أحد بنى حاجب بن عبد الله بن غفار أم عمرو الضمرية
стр. 3085
وفدت على عبد الملك بن مروان تشكو إليه ظلامة فقال: لا أقضيها لك حتى تنشدينى شيئا من شعره، فقالت: لا أحفظ لكثير شعرا، لكنى سمعتهم يحكون عنه أنه قال فىّ هذه الأبيات:
قضى كل ذي دين علمت غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها
فقال: ليس عن هذا أسألك ولكن أنشدينى قوله:
وقد زعمت أنى تغيرت بعدها … ومن ذا الّذي يا عز لا يتغير
تغير جسمي والمحبة كالذي … عهدت ولم يخبر بذاك مخبر
قال فاستحيت وقالت: أما هذا فلا أحفظه ولكن سمعتهم يحكونه عنه، ولكن أحفظ له قوله:
كأنى أنادى صخرة حين أعرضت … من الظلم لو تمشى بها العصم زلت
صفوح فما تلقاك إلا بخيلة … ومن مل منها ذلك الوصل ملت
قال فقضى لها حاجتها وردها ورد عليها ظلامتها وقال: أدخلوها الحرم ليتعلموا من أدبها. وروى عن بعض نساء العرب قالت: اجتازت بنا عزة فاجتمع نساء الحاضر إليها لينظرن حسنها، فإذا هي حميراء حلوة لطيفة، فلم تقع من النساء بذاك الموقع حتى تكلمت فإذا هي أبرع النساء وأحلاهن حديثا، فما بقي في أعيننا امرأة تفوقها حسنا وجمالا وحلاوة. وذكر الأصمعي عن سفيان بن عيينة قال: دخلت عزة على سكينة بنت الحسين فقالت لها: إني أسألك عن شيء فاصدقيني، ما الّذي أراد كثير في قوله لك:
قضى كل ذي دين فوفى غريمه … وعزة ممطول معنى غريمها
فقالت: كنت وعدته قبلة فمطلته بها، فقالت: أنجزيها له وإثمها على، وقد كانت سكينة بنت الحسين من أحسن النساء حتى كان يضرب بحسنها المثل. وروى أن عبد الملك بن مروان أراد أن يزوج كثيرا من عزة فأبت عليه وقالت: يا أمير المؤمنين أبعد ما فضحني بين الناس وشهرني في العرب؟ وامتنعت من ذلك كل الامتناع، ذكره ابن عساكر. وروى أنها اجتازت مرة بكثير وهو لا يعرفها فتنكرت عليه وأرادت أن تختبر ما عنده، فتعرض لها فقالت: فأين حبك عزة؟ فقال: أنا لك الفداء لو أن عزة أمة لو لوهبتها لك، فقالت: ويحك لا تفعل ألست القائل:
إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا … أبينا وقلنا الحاجبية أول؟
فقال: بأبي أنت وأمى، أقصرى عن ذكرها واسمعي ما أقول:
هل وصل عزة إلا وصل غانية … في وصل غانية من وصلها بدل
قالت: فهل لك في المجالسة؟ قال: ومن لي بذلك؟ قالت: فكيف بما قلت في عزة؟ قال:
أقلبه فيتحول لك، قال فسفرت عن وجهها وقالت: أغدرا وتناكثا يا فاسق، وإنك لهاهنا يا عدو