← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

طالب، فسماه أبوه باسمه، وكناه بكنيته، وقيل إنه ولد في حياة على وهو الّذي سماه وكناه ولقبه بأبي الأملاك، فلما وفد على عبد الملك بن مروان أجلسه معه على السرير وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره فقال له: ألك ولد؟ قال: نعم ولد لي ولد سميته محمدا، فقال له: أنت أبو محمد، وأجزل عطيته، وأحسن إليه. وقد كان على هذا في غاية العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل والعدالة والثقة كان يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة، قال عمرو بن على الفلاس: كان من خيار الناس، وكانت وفاته بالجهمة من أرض البلقاء في هذه السنة، وقد قارب الثمانين. وقد ذكر ابن خلكان أنه تزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر، التي كانت تحت عبد الملك بن مروان، فطلقها، وكان سبب طلاقه إياها أنه عض تفاحة ثم رمى بها إليها فأخذت السكين فحزت من التفاحة ما مس فمه منها، فقال: ولم تفعلين هذا؟ فقالت: أزيل الأذى عنها - وذلك لأن عبد الملك كان أبخر - فطلقها عبد الملك، فلما تزوجها على بن عبد الله بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك لأجل ذلك، فضربه بالسياط، وقال إنما أردت أن تذل بنيها من الخلفاء، وضربه مرة ثانية لأنه اشتهر عنه أنه قال: الخلافة صائرة إلى بيته، فوقع الأمر كذلك. وذكر المبرد أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه السفاح والمنصور وهما صغيران، فأكرمه هشام وأدنى مجلسه، وأطلق له مائة وثلاثين ألفا، وجعل على بن عبد الله يوصيه بابنيه خيرا، ويقول: إنهما سيليان الأمر، فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق، فوقع الأمر كما قال. قالوا: وقد كان على في غاية الجمال وتمام القامة، كان بين الناس كأنه راكب، وكان إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب، وقد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل أن يموت على هذا قبل هذه السنة بسنوات، ولكن لم يظهر أمره حتى مات فقام بالأمر من بعده ولده عبد الله أبو العباس السفاح، وكان ظهوره في سنة اثنتين وثلاثين كما سيأتي إن شاء الله تعالى عمرو بن شعيب، وعبادة بن نسىّ، وأبو صخرة جامع بن شداد، وأبو عياش المعافري. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم. وفيها قتل أسد بن عبد الله القسري ملك الترك الأعظم خاقان، وكان سبب ذلك أن أسد بن عبد الله أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق، ثم سار بجيوشه إلى مدينة ختّل فافتتحها، وتفرقت في أرضها جنوده يقتلون ويأسرون ويغنمون، فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان أن جيش أسد قد تفرق في بلاد ختّل، فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصدا إلى أسد، وتزود خاقان وأصحابه سلاحا كثيرا، وقديدا وملحا، وساروا في حنق عظيم، وجاء إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم

стр. 3152

كثيف، فتجهز لذلك وأخذ أهبته، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه، فلمها وأشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد الله فقتله وأصحابه، ليحصل بذلك خذلان لأصحابه فلا يجتمعون إليه، فردّ الله كيدهم في نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الإسلام وازدادوا حنقا على عدوهم، وعزموا على الأخذ بالثأر، فقصدوا الموضع الّذي فيه أسد، فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب، وسار أسد نحو خافان حتى أتى جبل الملح، وأراد أن يخوض نهر بلخ، وكان معهم أغنام كثيرة، فكره أسد أن يتركها وراء ظهره، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة وعلى عنقه شاة، وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد، وحمل هو معه شاة وخاضوا النهر، فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا وظن المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر، فتشاور الأتراك فيما بينهم، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة واحدة - وكانوا خمسين ألفا - فيقتحمون النهر، فضربوا بكؤساتهم ضربا شديدا حتى ظن المسلمون أنهم معهم في عسكرهم، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحدة، فجعلت خيولهم تنخر أشد النخير، وخرجوا منه إلى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم، وكانوا قد خندقوا حولهم خندقا لا يخلصون إليهم منه، فبات الجيشان تتراءى ناراهما، فلما أصبحا مال خاقان على بعض الجيش الّذي للمسلمين فقتل منهم خلقا وأسر أمما وإبلا موقرة، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر حتى خاف جيش أسد أن لا يصلوا صلاة العيد، فما صلوها إلا على وجل، ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ، حتى انقضى الشتاء، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس واستشارهم في الذهاب إلى مرو أو في لقاء خاقان، أو في التحصن ببلخ. فمنهم من أشار بالتحصن، ومنهم من أشار بملتقاه والتوكل على الله، فوافق ذلك رأى أسد الأسد، فقصد بجيشه نحو خاقان، وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف وهو يقول: نصرتم إن شاء الله، ثم سار بمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان، فقتل المسلمون منهم خلقا وأسروا أميرهم وسبعة أمراء معه، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستافها، فإذا هي مائة ألف وخمسون ألف شاة، ثم التقى معهم، وكان خاقان إنما معه أربعة آلاف أو نحوها، ومعه رجل من العرب قد خامر إليه، يقال له الحارث بن شريح، فهو يدلهم على عورات المسلمين، فلما أقبل الناس هربت الأتراك في كل جانب، وانهزم خاقان ومعه الحارث ابن شريح يحميه ويتبعه، فتبعهم أسد، فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه، عليهم الخز ومعهم الكئوسات، فلما أدركه المسلمون أمر بالكوسات فضربت ضربا شديدا ضرب الانصراف ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف، فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاحتازوه

стр. 3153

بما فيه من الأمتعة العظيمة، والأواني من الذهب والفضة، والنساء والصبيان، من الأتراك ومن معهم من الأسارى من المسلمات وغيرهم، مما لا يحد ولا يوصف لكثرته وعظمه وقيمته وحسنه. غير أن خاقان لما أحس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخر رمق تتحرك، ووجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم، وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن بها، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض الأمراء فغلبه الأمير فتوعده خاقان بقطع اليد، فحنق عليه ذلك الأمير ثم عمل على قتله فقتله، وتفرقت الأتراك يعدو بعضهم على بعض، وينهب بعضهم بعضا، وبعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان، وبعث إليه بطبول خاقان - وكانت كبارا لها أصوات كالرعد - وبشيء كثير من حواصله وأمتعته، فأوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا، وأطلق للرسل أموالا جزيلة كثيرة من بيت المال. وقد قال بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك: - لو سرت في الأرض تقيس الأرضا … تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيرا إمرة ونقضا … من الأمير أسد وأمضى افضى إلينا الخير حتى افضا … وجمع الشمل وكان ارفضا ما فاته خاقان إلا ركضا … قد فض من جموعه ما فضا يا ابن شريح قد لقيت حمضا … حمضا به تشفى صداع المرضى وفيها قتل خالد بن عبد الله القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله، وكان هذا الرجل ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا، قال ابن جرير: ثنا ابن حميد ثنا جرير عن الأعمش قال: سمعت المغيرة بن سعيد يقول: لو أراد أن يحيى عادا وثمودا وقرونا بين ذلك لأحياهم. قال الأعمش: وكان المغيرة هذا يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور، أو نحو هذا من الكلام. وذكر ابن جرير له غير ذلك من الأشياء التي تدل على سحره وفجوره. ولما بلغ خالدا أمره أمر بإحضاره فجيء به في ستة نفر أو سبعة نفر، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد، وأمر بإحضار أطناب القصب والنفط فصب فوقها، وأمر المغيرة أن يحتضن طنبا منها، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنبا واحدا وصب فوق رأسه النفط، ثم أضرم بالنار. وكذلك فعل ببقية أصحابه. وفي هذه السنة خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، وقصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جدا لشجاعتهم وجلدهم، وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة والخيل المسومة، هذا وهم لم يبلغوا المائة، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة

стр. 3154

هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي. ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه وتفرقت عنه بقية أصحابه، وكانوا جميعهم سبعين رجلا، وقد رثاهم بعض أصحابهم (١) فقال: - بدلت بعد أبى بشر وصحبته … قوما عليّ مع الأحزاب أعوانا بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا … ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا يا عين أذرى دموعا منك تهتانا … وابكى لنا صحبة بانوا وجيرانا خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها … وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم فقاتلوا وقتلوا وقتلوا، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، ولم يزل حتى أباد خضراءهم ولم يبق لهم باقية. وفيها غزا أسد القسري بلاد الترك، فعرض عليه ملكهم طرخان خان ألف ألف فلم يقبل منه شيئا، وأخذه قهرا فقتله صبرا بين يديه، وأخذ مدينته وقلعته وحواصله ونساءه وأمواله. وفيها خرج الصحاري بن شبيب الخارجي واتبعه طائفة قليلة نحو من ثلاثين رجلا، فبعث إليهم خالد القسري جندا فقتلوه وجميع أصحابه، فلم يتركوا منهم رجلا واحدا. وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج، وكان أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، وأمير العراق والمشرق وخراسان خالد القسري، ونائبة على خراسان بكمالها أخوه أسد ابن عبد الله القسري، وقد قيل إنه توفى في هذه السنة، وقيل في سنة عشرين فالله أعلم. ونائب أرمينية وأذربيجان مروان الحمار والله أعلم. سنة عشرين ومائة من الهجرة فيها غزا سليمان بن هشام بلاد الروم وافتتح فيها حصونا، وفيها غزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه، وافتتحها وخرب أراضيها. وفيها غزا مروان بن محمد بلاد الترك، وفيها كانت وفاة أسد ابن عبد الله القسري أمير خراسان، وكانت وفاته بسبب أنه كانت له دبيلة في جوفه، فلما كان مهرجان هذه السنة قدمت الدهاقين - وهم أمراء المدن الكبار - من سائر البلدان بالهدايا والتحف على أسد، وكان فيمن قدم نائب هراة ودهقانها، واسم دهقانها خراسان شاه، فقدم بهدايا عظيمة وتحف عزيزة، وكان من جملة ذلك قصر من ذهب، وقصر من فضة، وأباريق من ذهب، وصحاف من ذهب وفضة، وتفاصيل من حرير تلك البلاد ألوان ملونة، فوضع ذلك كله بين يدي أسد حتى امتلأ المجلس، ثم قام الدهقان خطيبا فامتدح أسدا بخصال حسنة، على عقله ورياسته وعدله ومنعه أهله وخاصته أن يظلموا أحدا من الرعايا بشيء قل أو كثر، وأنه قهر الخان الأعظم، وكان في مائة ألف

стр. 3155

فكسره وقتله، وأنه يفرح بما يفد إليه من الأموال، وهو بما خرج من يده أفرح وأشد سرورا، فأثنى عليه أسد وأجلسه، ثم فرق أسد جميع تلك الهدايا والأموال وما هناك أجمع على الأمراء والأكابر بين يديه، حتى لم يبق منه شيء، ثم قام من مجلسه وهو عليل من تلك الدبيلة، ثم أفاق إفاقة وجيء بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة، فألقى إلى دهقان خراسان واحدة فانفجرت دبيلته وكان فيها حتفه، واستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني، فمكث أميرا أربعة أشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها، فعلى هذا تكون وفاة أسد في صفر من هذه السنة، وقد قال فيه ابن عرس العبديّ يرثيه: نعى أسد بن عبد الله ناع … فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسرى … وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحا … ألم يحزنك تفريق الجماع أتاه حمامه في جوف ضيع … وكم بالضيع من بطال شجاع أتاه حمامه في جوف صيغ … وكم بالصيغ من بطل شجاع كتائب قد يجيبون المنادي … على جرد مسومة سراع سقيت الغيث إنك كنت غيثا … مريعا عند مرتاد النجاع وفيها عزل هشام خالد بن عبد الله القسري عن نيابة العراق، وذلك أنه انحصر منه لما كان يبلغه من إطلاق عبارة فيه، وأنه كان يقول عنه ابن الحمقاء، وكتب إليه كتابا فيه غلظة، فرد عليه هشام ردا عنيفا، ويقال إنه حسده على سعة ما حصل له من الأموال والحواصل والغلات، حتى قيل إنه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر ألف ألف دينار، وقيل درهم، ولولده يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف، وقيل إنه وفد إليه رجل من ألزام أمير المؤمنين من قريش يقال له ابن عمرو، فلم يرحب به ولم يعبأ به، فكتب إليه هشام يعنفه ويبكته على ذلك، وأنه حال وصول هذا الكتاب إليه يقوم من فوره بمن حوله من أهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتى باب ابن عمرو صاغرا ذليلا مستأذنا عليه، متنصلا إليه مما وقع، فأن أذن لك وإلا فقف على بابه حولا غير متحلل من مكانك ولا زائل، ثم أمرك إليه إن شاء عزلك وإن شاء أبقاك، وإن شاء انتصر، وإن شاء عفا. وكتب إلى ابن عمرو يعلمه بما كتب إلى خالد، وأمره إن وقف بين يديه أن يضربه عشرين سوطا على رأسه، إن رأى ذلك مصلحة. ثم إن هشاما عزل خالدا وأخفى ذلك، وبعث البريد إلى نائبة على اليمن وهو يوسف ابن عمر فولاه إمرة العراق، وأمره بالمسير إليها والقدوم عليها في ثلاثين راكبا، فقدموا الكوفة وقت السحر، فدخلوها، فلما أذن المؤذن أمره يوسف بالإقامة: فقال: إلى أن يأتى الإمام - يعنى خالدا -

стр. 3156

فانتهره وأمره بالإقامة وتقدم يوسف فصلى وقرأ ﴿إِذا وَقَعَتِ الْواقِعَةُ﴾ و ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ ثم انصرف فبعث إلى خالد وطارق وأصحابهما، فاحضروا فأخذ منهم أموالا كثيرة، صادر خالدا بمائة ألف ألف درهم، وكانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومائة، وعزل عنها في جمادى الأولى من هذه السنة - أعنى سنة عشرين ومائة - وفي هذا الشهر قدم يوسف بن عمر على ولاية العراق مكان خالد بن عبد الله القسري، واستناب على خراسان جديع بن على الكرماني، وعزل جعفر بن حنظلة الّذي كان استنابه أسد، ثم إن يوسف بن عمر عزل جديعا في هذه السنة عن خراسان، وولى عليها نصر ابن سيار، وذهب جميع ما كان اقتناه وحصله خالد من العقار والأملاك وهلة واحدة، وقد كان أشار عليه بعض أصحابه لما بلغهم عتب هشام عليه أن يبعث إليه يعرض عليه بعض أملاكه، فما أحب منها أخذه وما شاء ترك، وقالوا له: لأن يذهب البعض خير من أن يذهب الجميع مع العزل والاخراق فامتنع من ذلك واغتر بالدنيا وعزت نفسه عليه أن يذل، ففجأه العزل، وذهب ما كان حصله وجمعه ومنعه، واستقرت ولاية يوسف بن عمر على العراق وخراسان، واستقرت نيابة نصر بن سيار على خراسان، فتمهدت البلاد وأمن العباد ولله الحمد والمنة. وقد قال سوار بن الأشعري في ذلك: أضحت خراسان بعد الخوف آمنة … من ظلم كل غشوم الحكم جبار لما أتى يوسفا اخبار ما لقيت … اختار نصرا لها نصر بن سيار وفي هذه السنة استبطأت شيعة آل العباس كتاب محمد بن على إليهم، وقد كان عتب عليهم في اتباعهم ذلك الزنديق الملقب بخداش، وكان خرّميا. وهو الّذي أحل لهم المنكرات ودنّس المحارم والمصاهرات، فقتله خالد القسري كما تقدم، فعتب عليهم محمد بن على في تصديقهم له واتباعهم إياه على الباطل، فلما استبطئوا كتابه إليهم بعث إليهم رسولا يخبر لهم أمره، وبعثوا هم أيضا رسولا، فلما جاء رسولهم أعلمه محمد بماذا عتب عليهم بسبب الخرّمى، ثم أرسل مع الرسول كتابا مختوما، فلما فتحوه لم يجدوا فيه سوى: بسم الله الرحمن الرحيم، تعلموا أنه إنما عتبنا عليكم بسبب الخرمى. ثم أرسل رسولا إليهم فلم يصدقه كثير منهم وهموا به، ثم جاءت من جهته عصى ملويا عليها حديد ونحاس، فعلموا أن هذا إشارة لهم إلى أنهم عصاة، وأنهم مختلفون كاختلاف ألوان النحاس والحديد. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها محمد بن هشام المخزومي فيما قاله أبو معشر، قال: وقد قيل إن الّذي حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك، وقيل ابنه يزيد بن هشام فالله أعلم، ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة ففيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح مطامير وهو حصن، وافتتح مروان بن محمد بلاد صاحب الذهب، وأخذ قلاعه وخرب أرضه، فأذعن له بالجزية في كل سنة بألف رأس يؤديها إليه، وأعطاه

стр. 3157

رهنا على ذلك. وفيها في صفر قتل زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، الّذي تنسب إليه الطائفة الزيدية، في قول الواقدي، وقال هشام الكلبي: إنما قتل في صفر من سنة ثنتين وعشرين فالله أعلم. وقد ساق محمد بن جرير سبب مقتله في هذه السنة تبعا للواقدي، وهو أن زيدا هذا وفد على يوسف بن عمر فسأله هل أودع خالد القسري عندك مالا؟ فقال له زيد بن على: كيف يودعنى مالا وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة؟ فأحلفه أنه ما أودع عنده شيئا، فأمر يوسف بن عمر بإحضار خالد من السجن فجيء به في عباءة، فقال: أنت أودعت هذا شيئا نستخلصه منه؟ قال: لا، وكيف وأنا أشتم أباه كل جمعة؟ فتركه عمر وأعلم أمير المؤمنين بذلك فعفا عن ذلك، ويقال بل استحضرهم فحلفوا بما حلفوا. ثم إن طائفة من الشيعة التفت على زيد بن على، وكانوا نحوا من أربعين ألفا، فنهاه بعض النصحاء عن الخروج، وهو محمد بن عمر بن على بن أبى طالب، وقال له: إن جدك خير منك، وقد التفت على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفا، ثم خانوه أحوج ما كان إليهم، وإني أحذرك من أهل العراق. فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة، على كتاب الله وسنة رسوله حتى استفحل أمره بها في الباطن، وهو يتحول من منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة، فكان فيها مقتله كما سنذكره قريبا. وفيها غزا نصر بن سيار أمير خراسان غزوات متعددة في الترك، وأسر ملكهم كور صول في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفه، فلما تيقنه وتحققه، سأل منه كورصول أن يطلقه على أن يرسل له ألف بعير من إبل الترك - وهي البخاتي - وألف برذون، وهو مع ذلك شيخ كبير جدا، فشاور نصر من بحضرته من الأمراء في ذلك، فمنهم من أشار بإطلاقه، ومنهم من أشار بقتله. ثم سأله نصر بن سيار كم غزوت من غزوة؟ فقال: ثنتين وسبعين غزوة، فقال له نصر: ما مثلك يطلق، وقد شهدت هذا كله، ثم أمر به فضربت عنقه وصلبه، فلما بلغ ذلك جيشه من قتله باتوا تلك الليلة يجعرون ويبكون عليه، وجذوا لحاهم وشعورهم وقطعوا آذانهم وحرقوا خياما كثيرة، وقتلوا أنعاما كثيرة، فلما أصبح أمر نصر بإحراقه لئلا يأخذوا جثته، فكان حريقه أشد عليهم من قتله، وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين، ثم كر نصر على بلادهم فقتل منهم خلقا وأسر أمما لا يحصون كثرة، وكان فيمن حضر بين يديه عجوز كبيرة جدا من الأعاجم أو الأتراك، وهي من بيت مملكة، فقالت لنصر بن سيار: كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فهو ليس بملك، وزير صادق يفصل خصومات الناس ويشاوره ويناصحه، وطباخ يصنع له ما يشتهيه، وزوجة حسناء إذا دخل عليها مغتما فنظر إليها سرته وذهب غمه، وحصن منيع إذا فزع رعاياه لجئوا إليه فيه، وسيف إذا قارع به الأقران لم يخش خيانته، وذخيرة إذا حملها فأين ما وقع من الأرض عاش بها.

стр. 3158

وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائب مكة والمدينة والطائف، ونائب العراق يوسف بن عمر، ونائب خراسان نصر بن سيار، وعلى أرمينية مروان بن محمد. ذكر من توفى فيها من الأعيان: زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب والمشهور أنه قتل في التي بعدها كما سيأتي بيانه إن شاء الله مسلمة بن عبد الملك ابن مروان القرشي الأموي، أبو سعيد وأبو الأصبغ الدمشقيّ، قال ابن عساكر: وداره بدمشق في حجلة القباب عند باب الجامع القبلي، ولى الموسم أيام أخيه الوليد، وغزا الروم غزوات وحاصر القسطنطينية، وولاه أخوه يزيد إمرة العراقين، ثم عزله وتولى أرمينية. روى الحديث عن عمر بن عبد العزيز، وعنه عبد الملك بن أبى عثمان، وعبيد الله بن قزعة، وعيينة والد سفيان بن عيينة وابن أبى عمران، ومعاوية بن خديج، ويحيى بن يحيى الغساني. قال الزبير بن بكار: كان مسلمة من رجال بنى أمية، وكان يلقب بالجرادة الصفراء، وله آثار كثيرة، وحروب ونكاية في العدو من الروم وغيرهم. قلت: وقد فتح حصونا كثيرة من بلاد الروم. ولما ولى أرمينية غزا الترك فبلغ باب الأبواب فهدم المدينة التي عنده، ثم أعاد بناءها بعد تسع سنين. وفي سنة ثمان وتسعين غزا القسطنطينية فحاصرها وافتتح مدينة الصقالبة، وكسر ملكهم البرجان، ثم عاد إلى محاصرة القسطنطينية. قال الأوزاعي: فأخذه وهو يغازيهم صداع عظيم في رأسه، فبعث ملك الروم اليه بقلنسوة وقال: ضعها على رأسك يذهب صداعك، فخشي أن تكون مكيدة فوضعها على رأس بهيمة فلم ير إلا خيرا، ثم وضعها على رأس بعض أصحابه فلم ير إلا خيرا، فوضعها على رأسه فذهب صداعه، ففتقها فإذا فيها سبعون سطرا هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا﴾ الآية مكررة لا غير، رواه ابن عساكر. وقد لقي مسلمة في حصاره القسطنطينية شدة عظيمة، وجاع المسلمون عندها جوعا شديدا، فلما ولى عمر بن عبد العزيز أرسل إليهم البريد يأمرهم بالرجوع إلى الشام، فحلف مسلمة أن لا يقلع عنهم حتى يبنوا له جامعا كبيرا بالقسطنطينية، فبنوا له جامعا ومنارة، فهو بها إلى الآن يصلى فيه المسلمون الجمعة والجماعة، قلت: وهي آخر ما يفتحه المسلمون قبل خروج الدجال في آخر الزمان، كما سنورده في الملاحم والفتن من كتابنا هذا إن شاء الله. ونذكر الأحاديث الواردة في ذلك هناك، وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، ومساعى مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصونا وقلاعا، وأحيا بعزمه قصورا وبقاعا، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد

стр. 3159

في أيامه، في كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، وهذا مع الكرم والفصاحة، وقال يوما لنصيب الشاعر: سلني، قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأن كفك بالجزيل أكثر من مسألتى باللسان. فأعطاه ألف دينار. وقال أيضا: الأنبياء لا يتنابون كما يتناب الناس ما ناب نبي قط وقد أوصى بثلث ماله لأهل الأدب، وقال: إنها صنعة جحف أهلها. وقال الوليد بن مسلم وغيره: توفى يوم الأربعاء لسبع مضين من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل في سنة عشرين ومائة، وكانت وفاته بموضع يقال له الحانوت، وقد رثاه بعضهم، وهو ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال: أقول وما البعد إلا الردى … أمسلم لا تبعدن مسلمه فقد كنت نورا لنا في البلاد … مضيئا فقد أصبحت مظلمة ونكتم موتك نخشى اليقين … فأبدى اليقين لنا الجمجمة نمير بن قيس الأشعري قاضى دمشق، تابعي جليل، روى عن حذيفة مرسلا وأبى موسى مرسلا وأبى الدرداء وعن معاوية مرسلا وغير واحد من التابعين، وحدث عنه جماعة كثيرون، منهم الأوزاعي وسعيد ابن عبد العزيز ويحيى بن الحارث الذمارى. ولاه هشام بن عبد الملك القضاء بدمشق بعد عبد الرحمن ابن الخشخاش العذري، ثم استعفى هشاما فعفاه وولى مكانه بزيد بن عبد الرحمن بن أبى ملك. وكان نمير هذا لا يحكم باليمين مع الشاهد، وكان يقول: الأدب من الآباء، والصلاح من الله. قال غير واحد: توفى سنة إحدى وعشرين ومائة، وقيل سنة ثنتين وعشرين ومائة، وقيل سنة خمس عشرة ومائة، وهو غريب والله سبحانه أعلم ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائة ففيها كان مقتل زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، وكان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة، أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك. فانطلق رجل يقال له سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره - وهو بالحيرة يومئذ - خبر زيد بن على هذا ومن معه من أهل الكوفة، فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه، فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن على فقالوا له: ما قولك يرحمك الله في أبى بكر وعمر؟ فقال: غفر الله لهما، ما سمعت أحدا من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيرا، قالوا: فلم تطلب إذا بدم أهل البيت؟ فقال: إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفرا، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب

стр. 3160

والسنة. قالوا: فلم تقاتل هؤلاء إذا؟ قال: إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وإحياء السنن وإماتة البدع، فان تسمعوا يكن خيرا لكم ولى، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل. فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا الزيدية، وغالب أهل الكوفة منهم رافضة، وغالب أهل مكة إلى اليوم على مذهب الزيدية، وفي مذهبهم حق، وهو تعديل الشيخين، وباطل وهو اعتقاد تقديم على عليهما، وليس على مقدما عليهما، بل ولا عثمان على أصح قولي أهل السنة الثابتة، والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة، وقد ذكرنا ذلك في سيرة أبى بكر وعمر فيما تقدم. ثم إن زيدا عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه، فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من هذه السنة، فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فكتب إلى نائبة على الكوفة وهو الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم، وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، ورفع أصحابه النيران، وجعلوا ينادون يا منصور يا منصور، فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلا، فجعل زيد يقول: سبحان الله!! أين الناس؟ فقيل: هم في المسجد محصورون. وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن على، فبعث إليه سرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضا في طائفة كبيرة من الناس، فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهن خمسمائة فارس، ثم أتى الكناسة فحمل على جمع من أهل الشام فهزمهم، ثم اجتاز بيوسف بن عمر وهو واقف فوق تل، وزيد في مائتي فارس ولو قصد يوسف بن عمر لقتله، ولكن أخذ ذات اليمين، وكلما لقي طائفة هزمهم، وجعل أصحابه ينادون: يا أهل الكوفة اخرجوا إلى الدين والعز والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا، ثم لما أمسوا انضاف إليه جماعة من أهل الكوفة، وقد قتل بعض أصحابه في أول يوم، فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وطائفة من أهل الشام فقتل منهم سبعين رجلا، وانصرفوا عنه بشر حال، وأمسوا فعبأ يوسف بن عمر جيشه جدا، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بنى سليم، ثم تبعهم في خيله ورجله حتى أخذوا على الساه، ثم اقتتلوا هناك قتالا شديدا جدا، حتى كان جنح الليل رمى زيد بسهم فأصاب جانب جبهته اليسرى، فوصل إلى دماغه، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا لأجل المساء والليل، وأدخل زيد في دار في سكة البريد، وجيء بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته، فما عدا أن انتزعه حتى مات من ساعته ﵀. فاختلف أصحابه أين يدفنونه، فقال بعضهم: ألبسوه درعه وألقوه في الماء، وقال بعضهم:

стр. 3161

احتزوا رأسه واتركوا جثته في القتلى، فقال ابنه: لا والله لا تأكل أبى الكلاب. وقال بعضهم: ادفنوه في العباسية، وقال بعضهم: ادفنوه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين، ففعلوا ذلك وأجروا على قبره الماء لئلا يعرف، وانفتل أصحابه حيث لم يبق لهم رأس يقاتلون به، فما أصبح الفجر ولهم قائمة ينهضون بها، وتتبع يوسف بن عمر الجرحى هل يجد زيدا بينهم، وجاء مولى لزيد سندي قد شهد دفنه فدل على قبره فأخذ من قبره، فأمر يوسف بن عمر بصلبه على خشبة بالكناسة، ومعه نصر بن خزيمة ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وزياد النهدي، ويقال إن زيدا مكث مصلوبا أربع سنين، ثم أنزل بعد ذلك وأحرق فالله أعلم. وقد ذكر أبو جعفر ابن جرير الطبري أن يوسف بن عمر لم يعلم بشيء من ذلك حتى كتب له هشام بن عبد الملك: إنك لغافل، وإن زيد ابن على غارز ذنبه بالكوفة يبايع له، فألح في طلبه وأعطه الأمان، وإن لم يقبل فقاتله، فتطلبه يوسف حتى كان من أمره ما تقدم، فلما ظهر على قبره حز رأسه وبعثه إلى هشام، وقام من بعده الوليد ابن يزيد فأمر به فأنزل وحرق في أيامه قبح الله الوليد بن يزيد. فأما ابنه يحيى بن زيد بن على فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان، فبعث إليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره، فقال له عبد الملك ابن بشر: ما كنت لآوى مثل هذا الرجل وهو عدونا وابن عدونا. فصدقه يوسف بن عمر في ذلك، ولما هدأ الطلب عنه سيره إلى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية إلى خراسان فأقاموا بها هذه المدة. قال أبو مخنف: ولما قتل زيد خطب يوسف بن عمر أهل الكوفة فنهددهم وتوعدهم وشتمهم وقال لهم فيما قال: والله لقد استأذنت أمير المؤمنين في قتل خلق منكم، ولو أذن لي لقتلت مقاتلتكم وسبيت ذراريكم، وما صعدت لهذا المنبر إلا لأسمعكم ما تكرهون. قال ابن جرير: وفي هذه السنة قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم، ولم يزد ابن جرير على هذا، وقد ذكر هذا الرجل الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير فقال: عبد الله أبو يحيى المعروف بالبطال كان ينزل أنطاكية، حكى عنه أبو مروان الأنطاكي، ثم روى باسناده أن عبد الملك بن مروان حين عقد لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم، ولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطال، وقال لابنه: سيره على طلائعك، وامره فليعس بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع. وخرج معهم عبد الملك يشيعهم إلى باب دمشق. قال: فقدم مسلمة البطال على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترسا من الروم أن يصلوا إلى جيش المسلمين. قال محمد بن عائذ الدمشقيّ: ثنا الوليد بن مسلمة حدثني أبو مروان - شيخ من أهل أنطاكية - قال: كنت أغازى مع البطال وقد أوطأ الروم ذلا،

стр. 3162

قال البطال فسألني بعض ولاة بنى أمية عن أعجب ما كان من أمرى في مغازي فيهم، فقلت له: خرجت في سرية ليلا فدفعنا إلى قرية فقلت لأصحابى: ارخوا لجم خيلكم ولا تحركوا أحدا بقتل ولا بشيء حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها، ففعلوا وافترقوا في أزقتها، فدفعت في أناس من أصحابى إلى بيت يزهر سراجه، وإذا امرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول له: لتسكتن أو لأدفعنك إلى البطال يذهب بك، وانتشلته من سريره وقالت: خذه يا بطال، قال: فأخذته. وروى محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن أبى مروان الأنطاكي عن البطال قال: انفردت مرة ليس معى أحد من الجند، وقد سمطت خلفي مخلاة فيها شعير، ومعى منديل فيه خبز وشواء، فبينا أنا أسير لعلى ألقى أحدا منفردا، أو أطلع على خبر، إذا أنا ببستان فيه بقول حسنة، فنزلت وأكلت من ذلك البقل بالخبز والشواء مع النقل، فأخذني إسهال عظيم قمت منه مرارا، فخفت أن أضعف من كثرة الاسهال، فركبت فرسي والاسهال مستمر على حاله، وجعلت أخشى إن أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب، وأفرط بى الاسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف، فأخذت بعنان الفرس ونمت على وجهي لا أدرى أين يسير الفرس بى، فلم أشعر إلا بقرع نعاله على بلاط، فأرفع رأسي فإذا دير، وإذا قد خرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جدا، فجعلت تقول بلسانها: أنزلنه، فأنزلننى فغسلن عنى ثيابي وسرجي وفرسي، ووضعننى على سرير وعملن لي طعاما وشرابا، فمكثت يوما وليلة مستويا، ثم أقمت بقية ثلاثة أيام حتى ترد إلى حالي، فبينا أنا كذلك إذ أقبل البطريق وهو يريد أن يتزوجها، فأمرت بفرسي فحول وعلق على الباب الّذي أنا فيه، وإذا هو بطريق كبير فيهم، وهو إنما جاء لخطبتها، فأخبره من كان هنالك بأن هذا البيت فيه رجل وله فرس، فهم بالهجوم على فمنعته المرأة من ذلك، وأرسلت تقول له: إن فتح عليه الباب لم أقض حاجته، فثناه ذلك عن الهجوم على، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم، ثم ركب فرسه وركب معه أصحابه وانطلق. قال البطال: فنهضت في أثرهم فهمت أن تمنعني خوفا على منهم فلم أقبل، وسقت حتى لحقتهم، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه، وأراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه واستلبته وأخذت رأسه مسمطا على فرسي، ورجعت إلى الدير، فخرجن إلى ووقفن بين يدي، فقلت: اركبن، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه، فنفلنى ما شئت منهن، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها، فهي أم أولادي. والبطريق في لغة الروم عبارة عن الأمير الكبير فيهم، وكان أبوها بطريقا كبيرا فيهم - يعنى تلك المرأة - وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه. وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم، فغاب عنه خبرها فلم يدر ما صنعوا، فركب بنفسه وحده على فرس له وسار حتى وصل عمّورية، فطرق بابها ليلا

стр. 3163

فقال له البواب: من هذا؟ قال البطال: فقلت أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق، فأخذ لي طريقا إليه، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه، ثم قلت له: إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا، فأمر من عنده فذهبوا، قال: ثم قام فأغلق باب الكنيسة على وعليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحا وقلت له: أنا البطال فأصدقنى عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة، فأخبرني ما خبرها، فقال: هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم، وهذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في وادي كذا وكذا، والله لقد صدقتك. فقلت: هات الأمان، فأعطانى الأمان، فقلت: ايتني بطعام، فأمر أصحابه فجاءوا بطعام فوضع لي، فأكلت فقمت لأنصرف فقال لأصحابه: اخرجوا بين يدي رسول الملك، فانطلقوا يتعادون بين يدي، وانطلقت إلى ذلك الوادي الّذي ذكر فإذا أصحابى هنالك، فأخذتهم ورجعت إلى المصيصة. فهذا أغرب ما جرى قال الوليد: وأخبرنى بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته، وكان قد شغل بالجهاد عن الحج، وكان يسأل الله دائما الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الإسلام إلا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى، وكان سبب شهادته أن ليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فبعث البطريق - الّذي البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها - إلى البطال يخبره بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب، وقال له: المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفا عليه من الروم، فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطا منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها، وأصبح اليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق فقال له ليون: ما هذا يا أبا يحيى؟ فقال: هكذا تقتل الأبطال، فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحة قد وصلت إلى مقاتله، فقال له ليون: هل من حاجة يا أبا يحيى؟ قال: نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة على ودفنى، ففعل الملك ذلك وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى، وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جاءتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هاربا راجعا إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها.

стр. 3164

قال خليفة بن خياط: كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة، وقال ابن جرير: في سنة ثنتين وعشرين ومائة، وقال ابن حسان الزيادي: قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة، قيل وقد قاله غيره وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشرة ومائة كما ذكرنا ذلك فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة فالله أعلم. قلت: فهذا ملخص ابن عساكر في ترجمة البطال مع تفصيله للاخبار واطلاعه عليها، وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة الى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة، فكذب وافتراء ووضع بارد، وجهل وتخبط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردى. كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسيّ المكذوبة، وكذلك سيرة البكري والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثما وأعظم جرما من غيرها، لأن واضعها يدخل في قول النبي ﷺ : «من كذب على متعمدا فليتبوَّأ مقعده من النار». وممن توفى في هذه السنة من الأعيان: إياس الذكي وهو إياس بن معاوية بن مرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن دريد بن أوس بن سواه ابن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن ذبيان بن ثعلبة بن أوس بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هكذا نسبه خليفة بن خياط، وقيل غير ذلك في نسبه، وهو أبو واثلة المزني قاضى البصرة، وهو تابعي ولجده صحبة، وكان يضرب المثل بذكائه، روى عن أبيه عن جده مرفوعا في الحياء عن أنس وسعيد بن جبير وسعيد بن المسبب ونافع وأبى مجلز، وعنه الحمادان وشعبة والأصمعي وغيرهم. قال عنه محمد بن سيرين: إنه لفهم إنه لفهم، وقال محمد بن سعد والعجليّ وابن معين والنسائي: ثقة. زاد ابن سعد وكان عاقلا من الرجال فطنا، وزاد العجليّ وكان فقيها عفيفا. وقدم دمشق في أيام عبد الملك بن مروان، ووفد على عمر بن عبد العزيز، ومرة أخرى حين عزله عدي بن أرطاة عن قضاء البصرة. قال أبو عبيدة وغيره: تحاكم إياس وهو صبي شاب وشيخ إلى قاضى عبد الملك بن مروان بدمشق، فقال له القاضي: إنه شيخ وأنت شاب فلا تساوه في الكلام، فقال إياس: إن كان كبيرا فالحق أكبر منه، فقال له القاضي: اسكت، فقال: ومن يتكلم بحجتي إذا سكت؟ فقال القاضي: ما أحسبك تنطق بحق في مجلسى هذا حتى تقوم، فقال إياس: أشهد أن لا إله إلا الله، زاد غيره فقال القاضي: ما أظنك إلا ظالما له، فقال: ما على ظن القاضي خرجت من منزلي، فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره خبره فقال: اقض حاجته وأخرجه الساعة من دمشق لا يفسد على الناس. وقال بعضهم: لما عزله عدي بن أرطاة عن قضاء البصرة فرّ منه إلى عمر بن عبد العزيز فوجده

стр. 3165

قد مات، فكان يجلس في حلقة في جامع دمشق، فتكلم رجل من بنى أمية فرد عليه إياس، فأغلظ له الأموي فقام إياس، فقيل للأموى: هذا إياس بن معاوية المزني، فلما عاد من الغد اعتذر له الأموي وقال: لم أعرفك، وقد جلست إلينا بثياب السوقة وكلمتنا بكلام الاشراف فلم تحتمل ذلك. وقال يعقوب بن سفيان: حدثنا نعيم بن حماد ثنا ضمرة عن أبى شوذب قال: كان يقال يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، فكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم. وقال العجليّ: دخل على إياس ثلاث نسوة فلما رآهن قال: أما إحداهن فمرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيب، فقيل له بم علمت هذا؟ فقال: أما المرضع فكلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فكلما دخلت لم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب فكلما دخلت نظرت ورمت بعينها. وقال يونس بن صعلب (١): ثنا الأحنف بن حكيم بأصبهان ثنا حماد بن سلمة سمعت إياس بن معاوية يقول: أعرف الليلة التي ولدت فيها، وضعت أمى على رأسي جفنة. وقال المدائني قال إياس بن معاوية لأمه: ما شيء سمعتيه وأنت حامل بى وله جلبة شديدة؟ قالت: ذاك طست من نحاس سقط من فوق الدار إلى أسفل، ففزعت فوضعتك تلك الساعة. وقال أبو بكر الخرائطى عن عمر بن شيبة النميري قال: بلغني أن إياسا قال: ما يسرني أن أكذب كذبة يطلع عليها أبى معاوية. وقال: ما خاصمت أحدا من أهل الاهواء بعقلي كله إلا القدرية، قلت لهم أخبرونى عن الظلم ما هو؟ قالوا: أخذ الإنسان ما ليس له، قلت: فان الله له كل شيء. قال بعضهم عن إياس قال: كنت في الكتاب وأنا صبي فجعل أولاد النصارى يضحكون من المسلمين ويقولون: إنهم يزعمون أنه لا فضلة لطعام أهل الجنة، فقلت للفقيه - وكان نصرانيا -: ألست تزعم أن في الطعام ما ينصرف في غذاء البدن؟ قال: بلى، قلت فما ينكر أن يجعل الله طعام أهل الجنة كله غذاء لأبدانهم؟ فقال له معلمه: ما أنت إلا شيطان. وهذا الّذي قاله إياس وهو صغير بعقله قد ورد به الحديث الصحيح كما سنذكره إن شاء الله في أهل الجنة أن طعامهم ينصرف جشاء وعرقا كالمسك، فإذا البطن ضامر. وقال سفيان: وحين قدم إياس واسط فجاءه ابن شبرمة بمسائل قد أعدها، فقال له: أتأذن لي أن أسألك؟ قال: سل وقد ارتبت حين استأذنت، فسأله عن سبعين مسألة يجيبه فيها، ولم يختلفا إلا في أربع مسائل، رده إياس إلى قوله، ثم قال له إياس: أتقرأ القرآن؟ قال: نعم! قال أتحفظ قوله ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾؟ قال: نعم! قال: وما قبلها وما بعدها؟ قال: نعم! قال: فهل أبقت هذه الآية لآل شبرمة رأيا؟ وقال عباس عن يحيى بن معين: حدثنا سعيد بن عامر بن عمر بن على قال قال رجل لا ياس ابن معاوية: يا أبا واثلة حتى متى يبقى الناس؟ وحتى متى يتوالد الناس ويموتون؟ فقال لجلسائه: أجيبوه فلم يكن عندهم جواب، فقال إياس: حتى تتكامل العدنان، عدة أهل الجنة، وعدة أهل النار.

стр. 3166

وقال بعضهم: اكترى إياس بن معاوية من الشام قاصدا الحج، فركب معه في المحارة غيلان القدري، ولا يعرف أحدهما صاحبه، فمكثا ثلاثا لا يكلم أحدهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا وتعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه، لمباينة ما بينهما في الاعتقاد في القدر، فقال له إياس: هؤلاء أهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة: ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدانَا اللهُ﴾ ويقول أهل النار ﴿رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا﴾ وتقول الملائكة ﴿سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلاّ ما عَلَّمْتَنا﴾ ثم ذكر له من أشعار العرب وأمثال العجم ما فيه إثبات القدر ثم اجتمع مرة أخرى إياس وغيلان عند عمر بن عبد العزيز فناظر بينهما فقهره إياس، وما زال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز وأظهر التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إن كان كاذبا، فاستجاب الله منه فأمكن من غيلان فقتل وصلب بعد ذلك ولله الحمد والمنة. ومن كلام إياس الحسن: لأن يكون في فعال الرجل فضل عن مقاله خير من أن يكون في مقاله فضل عن فعاله. وقال سفيان بن حسين: ذكرت رجلا بسوء عند إياس بن معاوية فنظر في وجهي وقال: أغزوت الروم؟ قلت: لا! قال: السند والهند والترك؟ قلت: لا. قال: أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم؟ قال: فلم أعد بعدها. وقال الأصمعي عن أبيه: رأيت إياس بن معاوية في بيت ثابت البناني، وإذا هو أحمر طويل الذراع غليظ الثياب، يلون عمامته، وهو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه أحد إلا علاه، وقد قال له بعضهم: ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك، فقال: بحق أتكلم أم بباطل؟ فقيل بل بحق، فقال: كلما كثر الحق فهو خير، ولامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظة فقال: إنما ألبس ثوبا يخدمني ولا ألبس ثوبا أخدمه، وقال الأصمعي قال إياس بن معاوية: إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه. وقال بعضهم: سأل رجل إياسا عن النبيذ فقال: هو حرام، فقال الرجل: فأخبرني عن الماء فقال: حلال، قال: فالكسور، قال: حلال، قال فالتمر قال حلال، قال فما باله إذا اجتمع حرم؟ فقال إياس: أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أتوجعك؟ قال: لا، قال: فهذه الحفنة من التبن؟ قال لا توجعني، قال: فهذه الغرفة من الماء؟ قال لا توجعني شيئا، قال: أفرأيت إن خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طينا ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك أيوجعك؟ قال: إي والله وتقتلني، قال: فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت. وقال المدائني: بعث عمر بن عبد العزيز عدي ابن أرطاة على البصرة نائبا وأمره أن يجمع بين إياس والقاسم بن ربيعة الجوشنى، فأيهما كان أفقه فليوله القضاء، فقال إياس وهو يريد أن لا يتولى: أيها الرجل سل فقيهي البصرة، الحسن وابن سيرين، وكان إياس لا يأتيهما، فعرف القاسم أنه إن سألهما أشارا به - يعنى بالقاسم - لأنه كان

стр. 3167

يأتيهما، فقال القاسم لعدي: والله الّذي لا إله إلا هو إن إياسا أفضل منى وأفقه منى، وأعلم بالقضاء، فان كنت صادقا فوله، وإن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولى كاذبا القضاء. فقال إياس: هذا رجل أوقف على شفير جهنم فافتدى منها بيمين كاذبة يستغفر الله، فقال عدي: أما إذا فطنت إلى هذا فقد وليتك القضاء. فمكث سنة يفصل بين الناس ويصلح بينهم، وإذا تبين له الحق حكم به، ثم هرب إلى عمر بن عبد العزيز بدمشق فاستعفاه القضاء، فولى عدي بعده الحسن البصري. قالوا: لما تولى إياس القضاء بالبصرة فرح به العلماء حتى قال أيوب: لقد رموها بحجرها، وجاءه الحسن وابن سيرين فسلما عليه، فبكى إياس وذكر الحديث «القضاة ثلاثة، قاضيان في النار وواحد في الجنة». فقال الحسن ﴿وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ﴾ إلى قوله ﴿وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً﴾ قالوا: ثم جلس للناس في المسجد واجتمع عليه الناس للخصومات، فما قام حتى فصل سبعين قضية، حتى كان يشبه بشريح القاضي. وروى أنه كان إذا أشكل عليه شيء بعث إلى محمد بن سيرين فسأله منه. وقال إياس: إني لأكلم الناس بنصف عقلي، فإذا اختصم إلى اثنان جمعت لهما عقلي كله. وقال له رجل: إنك لتعجب برأيك، فقال: لولا ذلك لم أقض به، وقال له آخر: إن فيك خصالا لا تعجبني، فقال: ما هي؟ فقال: تحكم قبل أن تفهم، ولا تجالس كل أحد، وتلبس الثياب الغليظة. فقال له: أيها أكثر الثلاثة أو الاثنان؟ قال: الثلاثة. فقال: ما أسرع ما فهمت وأجبت، فقال أو يجهل هذا أحد؟ فقال: وكذلك ما أحكم أنا به، وأما مجالستي لكل أحد فلأن أجلس مع من يعرف لي قدري أحب إلى من أن أجلس مع من لا يعرف لي قدري، وأما الثياب الغلاظ فأنا ألبس منها ما يقيني لا ما أقيه أنا. قالوا، وتحاكم إليه اثنان فادعى أحدهما عند الآخر مالا، وجحده الآخر، فقال إياس للمودع: أين أودعته؟ قال: عند شجرة في بستان. فقال: انطلق إليها فقف عندها لعلك تتذكر، وفي رواية أنه قال له: هل تستطيع أن تذهب إليها فتأتى بورق منها؟ قال: نعم! قال فانطلق، وجلس الآخر فجعل إياس يحكم بين الناس ويلاحظه، ثم استدعاه فقال له: أوصل صاحبك بعد إلى المكان؟ فقال: لا بعد أصلحك الله. فقال له: قم يا عدو الله فأد إليه حقه، وإلا جعلتك نكالا. وجاء ذلك الرجل فقام معه فدفع إليه وديعته بكمالها. وجاء آخر فقال له: إني أودعت عند فلان مالا وقد جحدنى، فقال له: اذهب الآن وائتني غدا. وبعث من فوره إلى ذلك الرجل الجاحد فقال له: إنه قد اجتمع عندنا هاهنا مال فلم نر له أمينا نضعه عنده إلا أنت، فضعه عندك في مكان حريز. فقال له سمعا وطاعة، فقال له اذهب الآن وائتني غدا، وأصبح ذلك الرجل صاحب الحق فجاء فقال له: اذهب الآن إليه فقل له أعطني حقي وإلا رفعتك إلى القاضي، فقال له ذلك فخاف أن لا يودع إذا سمع الحاكم خبره، فدفع إليه ماله بكماله، فجاء إلى

стр. 3168

إياس فأعلمه، ثم جاء ذلك الرجل من الغد رجاء أن يودع فانتهره إياس وطرده وقال له: أنت خائن. وتحاكم إليه اثنان في جارية فادعى المشترى أنها ضعيفة العقل، فقال لها إياس: أي رجليك أطول؟ فقالت: هذه. فقال لها: أتذكرين ليلة ولدت؟ فقالت نعم. فقال للبائع رد رد. وروى ابن عساكر أن إياسا سمع صوت امرأة من بيتها فقال: هذه امرأة حامل بصبي، فلما ولدت ولدت كما قال، فسئل بم عرفت ذلك؟ قال: سمعت صوتها ونفسها معه فعلمت أنها حامل، وفي صوتها ضحل فعلمت أنه غلام. قالوا ثم مر يوما ببعض المكاتب فإذا صبي هنالك فقال: إن كنت أدرى شيئا فهذا الصبى ابن تلك المرأة، فإذا هو ابنها. وقال مالك عن الزهري عن أبى بكر قال شهد رجل عند إياس فقال له: ما اسمك؟ فقال أبو العنفر فلم يقبل شهادته. وقال الثوري عن الأعمش: دعوني إلى إياس فإذا رجل كلما فرغ من حديث أخذ في آخر. وقال إياس: كل رجل لا يعرف عيب نفسه فهو أحمق، فقيل له: ما عيبك؟ فقال كثرة الكلام. قالوا: ولما ماتت أمه بكى عليها فقيل له في ذلك فقال: كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما. وقال له أبوه: إن الناس يلدون أبناء وولدت أنا أبا. وكان أصحابه يجلسون حوله ويكتبون عنه الفراسة، فبينما هم حوله جلوس إذ نظر إلى رجل قد جاء فجلس على دكة حانوت، وجعل كلما مر أحد ينظر إليه، ثم قام فنظر في وجه رجل ثم عاد، فقال لأصحابه: هذا فقيه كتاب قد أبق له غلام أعور فهو يتطلبه، فقاموا إلى ذلك الرجل فسألوه فوجدوه كما قال إياس، فقالوا لا ياس: من أين عرفت ذلك؟ فقال: لما جلس على دكة الحانوت علمت أنه ذو ولاية، ثم نظرت فإذا هو لا يصلح إلا لفقهاء المكتب، ثم جعل ينظر إلى كل من مر به فعرفت أنه قد فقد غلاما، ثم لما قام فنظر إلى وجه ذلك الرجل من الجانب الآخر، عرفت أن غلامه أعور. وقد أورد ابن خلكان أشياء كثيرة في ترجمته، من ذلك أنه شهد عنده رجل في بستان فقال له: كم عدد أشجاره؟ فقال له: كم عدد جذوع هذا المجلس الّذي أنت فيه من مدة سنين؟ فقلت: لا أدرى وأقررت شهادته. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائة ذكر المدائني عن شيوخه أن خاقان ملك الترك لما قتل في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان، تفرق شمل الأتراك، وجعل بعضهم يغير على بعض، وبعضهم يقتل بعضا، حتى كادت أن تخرب بلادهم، واشتغلوا عن المسلمين. وفيها سأل أهل الصغد من أمير خراسان نصر بن سيار أن يردهم إلى بلادهم، وسألوه شروطا أنكرها العلماء، منها أن لا يعاقب من ارتد منهم عن الإسلام، ولا يؤخذ أسير المسلمين منهم، وغير ذلك، فأراد أن يوافقهم على ذلك لشدة نكايتهم في المسلمين، فعاب عليه الناس ذلك، فكتب إلى هشام في ذلك فتوقف، ثم لما رأى أن هؤلاء إذا استمروا على

стр. 3169

معاندتهم للمسلمين كان ضررهم أشد، أجابهم إلى ذلك، وقد بعث يوسف بن عمر أمير العراق وفدا إلى أمير المؤمنين يسأل منه أن يضم إليه نيابة خراسان، وتكلموا في نصر بن سيار بأنه وإن كان شهما شجاعا، إلا أنه قد كبر وضعف بصره فلا يعرف الرجل إلا من قريب بصوته، وتكلموا فيه كلاما كثيرا، فلم يلتفت إلى ذلك هشام، واستمر به على إمرة خراسان وولايتها. قال ابن جرير: وحج بالناس فيها يزيد بن هشام بن عبد الملك، والعمال فيها من تقدم ذكرهم في التي قبلها. وتوفى في هذه السنة ربيعة بن يزيد القصير من أهل دمشق، وأبو يونس سليمان بن جبير، وسماك بن حرب، ومحمد ابن واسع بن حيان، وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل ولله الحمد. [قال محمد بن واسع: أول من يدعى يوم القيامة إلى الحساب القضاة. وقال: خمس خصال تميت القلب: الذنب على الذنب، ومجالسة الموتى، قيل له: ومن الموتى؟ قال: كل غنى مترف، وسلطان جائر. وكثرة مشاقة النساء، وحديثهن، ومخالطة أهله. وقال مالك بن دينار: إني لأغبط الرجل يكون عيشه كفافا فيقنع به. فقال محمد بن واسع: أغبط منه والله عندي من يصبح جائعا وهو عن الله راض. وقال: ما آسى عن الدنيا إلا على ثلاث: صاحب إذا اعوججت قومنى، وصلاة في جماعة يحمل عنى سهوها وأفوز بفضلها، وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة، ولا لله على فيه تبعة. وروى رواد بن الربيع قال: رأيت محمد بن واسع بسوق بزور وهو يعرض حمارا له للبيع، فقال له رجل: أترضاه لي؟ فقال لو رضيته لم أبعه. ولما ثقل محمد بن واسع كثر عليه الناس في العيادة، قال بعض أصحابه: فدخلت عليه فإذا قوم قعود وقوم قيام، فقال: ماذا يغنى هؤلاء عنى إذا أخذ بناصيتي وقدمي غدا وألقيت في النار؟! وبعث بعض الخلفاء مالا مستكثرا إلى البصرة ليفرق في فقراء أهلها، وأمر أن يدفع إلى محمد بن واسع منه فلم يقبله ولم يلتمس منه شيئا، وأما مالك بن دينار فإنه قبل ما أمر له به، واشترى به أرقاء وأعتقهم ولم يأخذ لنفسه منه شيئا، فجاءه محمد بن واسع يلومه على قبوله جوائز السلطان. فقال له: يا مالك قبلت جوائز السلطان؟ فقال له مالك: يا أبا عبد الله! سل أصحابى ماذا فعلت منه، فقالوا له: إنه اشترى به أرقاء وأعتقهم، فقال له: سألتك بالله أقلبك الآن لهم مثل ما كان قبل أن يصلوك. فقام مالك وحثا على رأسه التراب وقال: إنما يعرف الله محمد بن واسع، إنما مالك حمار إنما مالك حمار، وكلام محمد بن واسع كثير جدا ﵀] (١) ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة فيها غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك بلاد الروم فلقى ملك الروم اليون فقاتله فسلم سليمان وغنم.

стр. 3170

وفيها قدم جماعة من دعاة بنى العباس من بلاد خراسان قاصدين إلى مكة فمروا بالكوفة فبلغهم أن في السجن جماعة من الأمراء من نواب خالد القسري، قد حبسهم يوسف بن عمر، فاجتمعوا بهم في السجن فدعوهم إلى البيعة لبني العباس، وإذا عندهم من ذلك جانب كبير، فقبلوا منهم ووجدوا عندهم في السجن أبا مسلم الخراساني، وهو إذ ذاك غلام يخدم عيسى بن مقبل العجليّ، وكان محبوسا فأعجبهم شهامته وقوته واستجابته مع مولاه إلى هذا الأمر، فاشتراه بكر بن ماهان منه بأربعمائة درهم وخرجوا به معهم فاستندبوه لهذا الأمر، فكانوا لا يوجهونه إلى مكان إلا ذهب ونتج ما يوجهونه إليه، ثم كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى فيما بعد. قال الواقدي: ومات في هذه السنة محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وهو الّذي يدعو إليه دعاة بنى العباس، فقام مقامه ولده أبو العباس السفاح، والصحيح أنه إنما توفى في التي بعدها. قال الواقدي وأبو معشر: وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ومعه امرأته أم مسلم بن هشام بن عبد الملك، وقيل إنما حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل قاله الواقدي، والأول ذكره ابن جرير والله أعلم. وكان نائب الحجاز محمد بن هشام بن إسماعيل يقف على باب أم مسلم ويهدى إليها الألطاف والتحف ويعتذر إليها من التقصير، وهي لا تلتفت إلى ذلك، ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفى: القاسم بن أبى بزّة (١) أبو عبد الله المكيّ القارئ، مولى عبد الله بن السائب، تابعي جليل، روى عن أبى الطفيل عامر بن واثلة، وعنه جماعة، ووثقه الأئمة. توفى في هذه السنة في الصحيح، وقيل بعدها بسنة، وقيل سنة أربع عشرة، وقيل سنة خمس عشرة فالله أعلم. الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو بكر القرشي الزهري أحد الأعلام من أئمة الإسلام، تابعي جليل، سمع غير واحد من التابعين وغيرهم. روى الحافظ ابن عساكر عن الزهري قال: أصاب أهل المدينة جهد شديد فارتحلت إلى دمشق، وكان عندي عيال كثيرة، فجئت جامعها فجلست في أعظم حلقة، فإذا رجل قد خرج من عند أمير المؤمنين عبد الملك، فقال: إنه قد نزل بأمير المؤمنين مسألة - وكان قد سمع من سعيد بن المسيب فيها شيئا وقد شذ عنه في أمهات الأولاد يرويه عن عمر بن الخطاب - فقلت: إني أحفظ عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب،: فأخذني فأدخلنى على عبد الملك: فسألني ممن أنت؟ فانتسبت له، وذكرت له حاجتي وعيالي، فسألني هل تحفظ القرآن؟ قلت: نعم والفرائض والسنن،

стр. 3171

فسألني عن ذلك كله فأجبته، فقضى ديني وأمر لي بجائزة، وقال لي: اطلب العلم فانى أرى لك عينا حافظة وقلبا ذكيا، قال: فرجعت إلى المدينة أطلب العلم وأتتبعه، فبلغني أن امرأة بقباء رأت رؤيا عجيبة، فأتيتها فسألتها عن ذلك، فقالت: إن بعلي غاب وترك لنا خادما وداجنا ونخيلات، نشرب من لبنها، ونأكل من ثمرها، فبينما أنا بين النائمة واليقظى رأيت كأن ابني الكبير - وكان مشتدا - قد أقبل فأخذ الشفرة فذبح ولد الداجن، وقال: إن هذا يضيق علينا اللبن، ثم نصب القدر وقطعها ووضعها فيه، ثم أخذ الشفرة فذبح بها أخاه، وأخوه صغير كما قد جاء، ثم استيقظت مذعورة، فدخل ولدى الكبير فقال: أين اللبن؟ فقلت: يا بنى شربه ولد الداجن، فقال: إنه قد ضيق علينا اللبن، ثم أخذ الشفرة فذبحه وقطعه في القدر، فبقيت مشفقة خائفة مما رأيت، فأخذت ولدى الصغير فغيبته في بعض بيوت الجيران، ثم أقبلت إلى المنزل وأنا مشفقة جدا مما رأيت، فأخذتني عيني فنمت فرأيت في المنام قائلا يقول: ما لك مغتمة؟ فقلت: إني رأيت مناما فأنا أحذر منه فقال: يا رؤيا يا رؤيا، فأقبلت امرأة حسناء جميلة، فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ قالت: ما أردت إلا خيرا، ثم قال يا أحلام يا أحلام، فأقبلت امرأة دونها في الحسن والجمال، فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت: ما أردت إلا خيرا، ثم قال: يا أضغاث يا أضغاث، فأقبلت امرأة سوداء شنيعة فقال: ما أردت إلى هذه المرأة الصالحة؟ فقالت إنها امرأة صالحة فأحببت أن أعلمها ساعة، ثم استيقظت فجاء ابني فوضع الطعام وقال: أين أخى؟ فقلت: درج إلى بيوت الجيران، فذهب وراءه فكأنما هدى إليه، فأقبل به يقبله، ثم جاء فوضعه وجلسنا جميعا فأكلنا من ذلك الطعام. ولد الزهري في سنة ثمان وخمسين في آخر خلافة معاوية، وكان قصيرا قليل اللحية، له شعرات طوال خفيف العارضين. قالوا: وقد قرأ القرآن في نحو من ثمان وثمانين يوما، وجالس سعيد بن المسيب ثمان سنين، تمس ركبته ركبته، وكان يخدم عبيد الله بن عبد الله يستسقى له الماء المالح، ويدور على مشايخ الحديث، ومعه ألواح يكتب عنهم فيها الحديث، ويكتب عنهم كل ما سمع منهم، حتى صار من أعلم الناس وأعلمهم في زمانه، وقد احتاج أهل عصره إليه. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري قال: كنا نكره كتاب العلم حتى أكرهنا عليه هؤلاء الأمراء، فرأينا أن لا نمنعه أحدا من المسلمين. وقال أبو إسحاق: كان الزهري يرجع من عند عروة فيقول لجارية عنده فيها لكنة: ثنا عروة ثنا فلان، ويسرد عليها ما سمعه منه، فتقول له الجارية: والله ما أدرى ما تقول، فيقول لها: اسكتي لكاع، فانى لا أريدك، إنما أريد نفسي. ثم وفد على عبد الملك بدمشق كما تقدم فأكرمه وقضى دينه وفرض له في بيت المال، ثم كان بعد من أصحابه وجلسائه، ثم كان كذلك عند أولاده من بعده، الوليد وسليمان، وكذا عند عمر

стр. 3172

ابن عبد العزيز، وعند يزيد بن عبد الملك، واستقضاه يزيد مع سليمان بن حبيب، ثم كان حظيا عند هشام، وحج معه وجعله معلم أولاده إلى أن توفى في هذه السنة، قبل هشام بسنة. وقال ابن وهب: سمعت الليث يقول: قال ابن شهاب: ما استودعت قلبي شيئا قط فنسيته، قال: وكان يكره أكل التفاح وسؤر الفأرة، ويقول: إنه ينسى، وكان يشرب العسل ويقول إنه يذكى، وفيه يقول فايد بن أقرم. زر ذا وأثن على الكريم محمد … واذكر فواضله على الأصحاب وإذا يقال من الجواد بماله … قيل الجواد محمد بن شهاب أهل المدائن يعرفون مكانه … وربيع ناديه على الأعراب يشرى وفاء جفانه ويمدها … بكسور انتاج وفتق لباب وقال ابن مهدي: سمعت مالكا يقول: حدث الزهري يوما بحديث فلما قام أخذت بلجام دابته فاستفهمته فقال: أتستفهمني؟ ما استفهمت عالما قط، ولا رددت على عالم قط، ثم جعل ابن مهدي يقول فتلك الطوال وتلك المغازي. وروى يعقوب بن سفيان عن هشام بن خالد السلامي عن الوليد بن مسلم عن سعيد - يعنى ابن عبد العزيز - أن هشام بن عبد الملك سأل الزهري أن يكتب لبنيه شيئا من حديثه، فأملى على كاتبه أربعمائة حديث ثم خرج على أهل الحديث فحدثهم بها، ثم إن هشاما قال للزهري: إن ذلك الكتاب ضاع، فقال: لا عليك، فأملى عليهم تلك الأحاديث فأخرج هشام الكتاب الأول فإذا هو لم يغادر حرفا واحدا، وإنما أراد هشام امتحان حفظه. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت أحدا أحسن سوقا للحديث إذا حدث من الزهري. وقال سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار: ما رأيت أحدا أنص للحديث من الزهري، ولا أهون من الدينار والدرهم عنده، وما الدراهم والدنانير عند الزهري إلا بمنزلة البعر. قال عمرو بن دينار: ولقد جالست جابرا وابن عباس وابن عمر وابن الزبير فما رأيت أحدا أسيق للحديث من الزهري. وقال الامام أحمد: أحسن الناس حديثا وأجودهم إسنادا الزهري، وقال النسائي: أحسن الأسانيد الزهري عن على بن الحسين عن أبيه عن جده على عن رسول الله ﷺ . وقال سعيد عن الزهري: مكثت خمسا وأربعين سنة أختلف من الحجاز إلى الشام، ومن الشام إلى الحجاز، فما كنت أسمع حديثا أستطرفه. وقال الليث: ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب، ولو سمعته يحدث في الترغيب والترهيب لقلت: ما يحسن غير هذا، وإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب قلت لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن الأعراب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه بدعا جامعا، وكان يقول: اللهمّ إني أسألك من كل خير أحاط به علمك

стр. 3173

وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة. قال الليث: وكان الزهري أسخى من رأيت، يعطى كل من جاء وسأله، حتى إذا لم يبق عنده شيء استسلف. وكان يطعم الناس الثريد ويسقيهم العسل، وكان يستمر على شراب العسل كما يستمر أهل الشراب على شرابهم، ويقول اسقونا وحدثونا، فإذا نعس أحدهم يقول له: ما أنت من سمار قريش، وكانت له قبة معصفرة، وعليه ملحفة معصفرة، وتحته بساط معصفر، وقال الليث قال يحيى بن سعيد: ما بقي عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب. وقال عبد الرزاق: أنبأ معمر قال عمر بن عبد العزيز: عليكم بابن شهاب فإنه ما بقي أحد أعلم بسنة ماضية منه، وكذا قال مكحول. وقال أيوب: ما رأيت أحدا أعلم من الزهري، فقيل له: ولا الحسن؟ فقال: ما رأيت أعلم من الزهري، وقيل لمكحول: من أعلم من لقيت؟ قال: الزهري، قيل: ثم من؟ قال الزهري، قيل ثم من؟ قال الزهري. وقال مالك: كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدث بها أحدا حتى يخرج. وقال عبد الرزاق عن ابن عيينة: محدثو أهل الحجاز ثلاثة، الزهري ويحيى بن سعيد وابن جريج. وقال على بن المديني: الذين أفتوا أربعة، الزهري، والحكم، وحماد وقتادة، والزهري أفقههم عندي. وقال الزهري: ثلاثة إذا كن في القاضي فليس بقاض، إذا كره الملاوم وأحب المحامد، وكره العزل. وقال أحمد بن صالح: كان يقال فصحاء زمانهم الزهري وعمر بن عبد العزيز وموسى بن طلحة وعبيد الله، ﵏. وقال مالك عن الزهري: أنه قال: إن هذا العلم الّذي أدب الله به رسول الله ﷺ ، وأدب رسول الله به أمته أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أدى إليه، فمن سمع علما فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله . وقال محمد بن الحسين عن يونس عن الزهري قال: الاعتصام بالستة نجاة، وقال الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال: أمرّوا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وقال محمد بن إسحاق عن الزهري: إن من غوائل العلم أن يترك العالم حتى يذهب علمه، وفي رواية أن يترك العالم العمل بالعلم حتى يذهب، فان من غوائله قلة انتفاع العالم بعلمه، ومن غوائله النسيان والكذب، وهو أشد الغوائل. وقال أبو زرعة عن نعيم بن حماد عن محمد بن ثور عن معمر عن الزهري قال: القراءة على العالم والسماع عليه سواء إن شاء الله تعالى. وقال عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: إذا طال المجلس كان للشيطان فيه حظ ونصيب، وقد قضى عنه هشام مرة ثمانين ألف درهم، وفي رواية سبعة عشر ألفا، وفي رواية عشرين ألفا. وقال الشافعيّ: عتب رجاء بن حيوة على الزهري في الاسراف وكان يستدين، فقال له: لا آمن أن يحبس هؤلاء القوم ما بأيديهم عنك فتكون قد حملت على أمانيك، قال: فوعده الزهري أن يقصر،

стр. 3174

فمر به بعد ذلك وقد وضع الطعام ونصب موائد العسل، فوقف به رجاء وقال: يا أبا بكر ما هذا بالذي فارقتنا عليه، فقال له الزهري: انزل فان السخي لا تؤدبه التجارب. وقد أنشد بعضهم في هذا المعنى له سحائب جود في أنامله … أمطارها الفضة البيضاء والذهب يقول في العسر إن أيسرت ثانية … أقصرت عن بعض ما أعطى وما أهب حتى إذا عاد أيام اليسار له … رأيت أمواله في الناس تنتهب وقال الواقدي: ولد الزهري سنة ثمان وخمسين، وقدم في سنة أربع وعشرين ومائة إلى أمواله بثلاث بشعب زبدا، فأقام بها فمرض هناك ومات وأوصى أن يدفن على قارعة الطريق، وكانت وفاته لسبع عشرة من رمضان في هذه السنة، وهو ابن خمس وسبعين سنة، قالوا: وكان ثقة كثير الحديث والعلم والرواية، فقيها جامعا، وقال الحسين بن المتوكل العسقلاني: رأيت قبر الزهري بشعب زبدا من فلسطين مسنما مجصصا، وقد وقف الأوزاعي يوما على قبره فقال: يا قبركم فيك من علم ومن حلم * يا قبركم فيك من علم ومن كرم * وكم جمعت روايات وأحكاما. وقال الزبير بن بكار: توفى الزهري بأمواله بشعب ثنين، ليلة الثلاثاء لسبع عشر ليلة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة، عن ثنتين وسبعين سنة، ودفن على قارعة الطريق ليدعو له المارة، وقيل إنه توفى سنة ثلاث وعشرين ومائة، وقال أبو معشر: سنة خمس وعشرين ومائة، والصحيح الأول والله أعلم. [فصل وروى الطبراني عن إسحاق بن إبراهيم حدثنا عبد الرزاق عن معمر قال: أخبرنى صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن نطلب العلم فقلنا: نحن نكتب السنن، فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ، ثم قال لي: هلم فلنكتب ما جاء عن أصحابه فإنه سنة، فقلت: إنه ليس بسنة فلا نكتب، قال: فكتب ما جاء عنهم ولم أكتب، فأنحج وضيعت. وروى الامام أحمد عن معمر قال: كنا نرى أنا قد أكثرنا عن الزهري حتى قتل الوليد، فإذا الدفاتر قد حملت على الدواب من خزانته يقول: من علم الزهري. وروى عن الليث بن سعد قال: وضع الطست بين يدي ابن شهاب فتذكر حديثا فلم تزل يده في الطست حتى طلع الفجر وصححه. وروى أصبغ بن الفرح عن ابن وهب عن يونس عن الزهري قال: للعلم واد فإذا هبطت واديه فعليك بالتؤدة حتى تخرج منه، فإنك لا تقطعه حتى يقطع بك. وقال الطبراني: حدثنا أحمد بن يحيى تغلب حدثنا الزبير بن بكار حدثني محمد بن الحسن بن زبالة عن مالك بن أنس عن الزهري قال: خدمت عبيد الله بن عتبة، حتى أن كان خادمه ليخرج فيقول: من بالباب؟ فتقول الجارية: غلامك الأعيمش، فتظن أنى غلامه، وإن كنت لأخدمه

стр. 3175

حتى أستقى له وضوءه. وروى عبد الله بن أحمد عن محمد بن عباد عن الثوري عن مالك بن أنس أراه عن الزهري. قال: تبعت سعيد بن المسيب ثلاثة أيام في طلب حديث. وروى الأوزاعي عن الزهري قال: كنا نأتي العالم فما نتعلم من أدبه أحب إلينا من علمه. وقال سفيان: كان الزهري يقول حدثني فلان، وكان من أوعية العلم، ولا يقول كان عالما. وقال مالك: أول من دون العلم ابن شهاب. وقال أبو المليح: كان هشام هو الّذي أكره الزهري على كتابة الحديث، فكان الناس يكتبون بعد ذلك. وقال رشيد بن سعد قال الزهري: العلم خزائن وتفتحها المسائل. وقال الزهري: كان يصطاد العلم بالمسألة كما يصاد الوحش. وكان ابن شهاب ينزل بالأعراب يعلمهم لئلا ينسى العلم، وقال: إنما يذهب العلم النسيان وترك المذاكرة. وقال: إن هذا العلم إن أخذته بالمكابرة غلبك ولم تظفر منه بشيء، ولكن خذه مع الأيام والليالي أخذا رفيقا تظفر به. وقال: ما أحدث الناس مروءة أعجب إلى من الفصاحة. وقال: العلم ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال ويكرهه مؤنثوهم. ومر الزهري على أبى حازم وهو يقول: قال رسول الله ﷺ ، فقال: ما لي أرى أحاديث ليس لها خطم ولا أزمة؟. وقال: ما عبد الله بشيء أفضل من العلم. وقال ابن مسلم أبى عاصم: حدثنا دحيم حدثنا الوليد بن مسلم عن القاسم بن هزان أنه سمع الزهري يقول: لا يوثق الناس علم عالم لا يعمل به، ولا يؤمن بقول عالم لا يرضى. وقال ضمرة عن يونس عن الزهري قال: إياك وغلول الكتب، قلت: وما غلولها؟ قال: حبسها عن أهلها. وروى الشافعيّ عن الزهري قال: حضور المجلس بلا نسخة ذل. وروى الأصمعي عن مالك بن أنس عن ابن شهاب قال: جلست إلى ثعلبة بن أبى معين فقال: أراك تحب العلم؟ قلت: نعم! قال: فعليك بذاك الشيخ - يعنى سعيد بن المسيب - قال: فلزمت سعيدا سبع سنين ثم تحولت عنه إلى عروة ففجرت ثبج بحرة. وقال الليث: قال ابن شهاب: ما صبر أحد على العلم صبري، وما نشره أحد قط نشرى، فأما عروة بن الزبير فبئر لا تكدره الدلاء، وأما ابن المسيب فانتصب للناس فذهب اسمه كل مذهب. وقال مكي بن عبدان: حدثنا محمد بن عبد العزيز بن عبد الله الأوسي حدثنا مالك بن أنس أن ابن شهاب سأله بعض بنى أمية عن سعيد بن المسيب فذكر علمه بخير وأخبره بحاله، فبلغ ذلك سعيدا فلما قدم ابن شهاب المدينة جاء فسلم على سعيد فلم يرد عليه ولم يكلمه، فلما انصرف سعيد مشى الزهري معه فقال: ما لي سلمت عليك فلم تكلمني؟ ماذا بلغك عنى وما قلت إلا خيرا؟. قال له: ذكرتني لبني مروان؟. وقال أبو حاتم: حدثنا مكي بن عبدان حدثنا محمد بن يحيى حدثني عطاف ابن خالد المخزومي عن عبد الأعلى بن عبد الله بن أبى فروة عن ابن شهاب قال: أصاب أهل المدينة حاجة زمان فتنة عبد الملك بن مروان، فعمت أهل البلد، وقد خيل إلى أنه قد أصابنا أهل

стр. 3176

البيت من ذلك ما لم يصب أحدا من أهل البلد، وذلك لخبرتى بأهلى، فتذكرت: هل من أحد أمت إليه برحم أو مودة أرجو إن خرجت إليه أن أصيب عنده شيئا؟ فما علمت من أحد أخرج إليه، ثم قلت: إن الرزق بيد الله ، ثم خرجت حتى قدمت دمشق فوضعت رجلي ثم أتيت المسجد فنظرت إلى أعظم حلقة رأيتها وأكبرها فجلست فيها، فبينا نحن على ذلك إذ خرج رجل من عند أمير المؤمنين عبد الملك، كأجسم الرجال وأجملهم وأحسنهم هيئة، فجاء إلى المجلس الّذي أنا فيه فتحثحثوا له - أي أوسعوا - فجلس فقال: لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه مثله منذ استخلفه الله، قالوا: ما هو؟ قال: كتب إليه عامله على المدينة هشام بن إسماعيل يذكر أن ابنا لمصعب بن الزبير من أم ولد مات، فأرادت أمه أن تأخذ ميراثا منه فمنعها عروة بن الزبير، وزعم أنه لا ميراث لها، فتوهم أمير المؤمنين حديثا في ذلك سمعه من سعيد بن المسيب يذكر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في أمهات الأولاد، ولا يحفظه الآن، وقد شذ عنه ذلك الحديث. قال ابن شهاب فقلت: أنا أحدثه به، فقام إلى قبيصة حتى أخذ بيدي ثم خرج حتى دخل الدار على عبد الملك فقال السلام عليك، فقال له عبد الملك مجيبا: وعليك السلام. فقال قبيصة: أندخل؟ فقال عبد الملك ادخل، فدخل قبيصة على عبد الملك وهو آخذ بيدي وقال: هذا يا أمير المؤمنين يحدثك بالحديث الّذي سمعته من ابن المسيب في أمهات الأولاد. فقال عبد الملك: إيه، قال الزهري فقلت: سمعت سعيد بن المسيب يذكر أن عمر بن الخطاب ﵁ أمر بأمهات الأولاد أن يقوّمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل ثم يعتقن، فكتب عمر بذلك صدرا من خلافته، ثم توفى رجل من قريش كان له ابن من أم ولد، وقد كان عمر يعجب بذلك الغلام، فمرّ ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليال، فقال له عمر: ما فعلت يا ابن أخى في أمك؟ قال: فعلت يا أمير المؤمنين خيرا، خيروني بين أن يسترقوا أمى (١) فقال عمر: أولست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدل؟ ما أرى رأيا وما أمرت بأمر إلا قلتم فيه، ثم قام فجلس على المنبر فاجتمع الناس إليه حتى إذا رضى من جماعتهم قال: أيها الناس! إني قد كنت أمرت في أمهات الأولاد بأمر قد علمتموه. ثم حدث رأى غير ذلك، فأيما امرئ كان عنده أم ولد فملكها بيمينه ما عاش، فإذا مات فهي حرة لا سبيل له عليها. فقال لي عبد الملك: من أنت؟ قلت أنا محمد بن مسلم بن عبيد بن شهاب، فقال: أما والله إن كان أبوك لأبا نعارا في الفتنة مؤذيا لنا فيها. قال الزهري فقلت: يا أمير المؤمنين قل كما قال العبد الصالح: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ فقال: أجل! ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ﴾ قال فقلت: يا أمير المؤمنين افرض لي فانى منقطع من الديوان، فقال: إن بلدك ما فرضنا فيه

стр. 3177

لأحد منذ كان هذا الأمر. ثم نظر إلى قبيصة وأنا وهو قائمان بين يديه، فكأنه أومأ إليه أن افرض له، فقال: قد فرض إليك أمير المؤمنين، فقلت: إني والله ما خرجت من عند أهلي إلا وهم في شدة وحاجة ما يعلمها إلا الله، وقد عمت الحاجة أهل البلد. قال: قد وصلك أمير المؤمنين. قال قلت: يا أمير المؤمنين وخادم يخدمنا، فان أهلي ليس لهم خادم إلا أختى، فإنها الآن تعجن وتخبز وتطحن قال: قد أخدمك أمير المؤمنين. وروى الأوزاعي عن الزهري أنه روى أن رسول الله ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن». فقلت للزهري: ما هذا؟ فقال: من الله العلم، وعلى رسوله البلاغ، وعلينا التسليم، أمرّوا أحاديث رسول الله ﷺ كما جاءت. وعن ابن أخى ابن شهاب عن عمه قال: كان عمر بن الخطاب يأمر برواية قصيدة لبيد بن ربيعة التي يقول فيها: إن تقوى ربنا خير نفل … وباذن الله ريثي والعجل أحمد الله فلا ند له … بيديه الخير ما شاء فعل من هداه سبل الخير اهتدى … ناعم البال ومن شاء أضل وقال الزهري: دخلت على عبيد الله بن عبد الله بن عتبة منزله فإذا هو مغتاظ ينفخ، فقلت: ما لي أراك هكذا؟ فقال: دخلت على أميركم آنفا - يعنى عمر بن عبد العزيز - ومعه عبد الله بن عمرو بن عثمان فسلمت عليهما فلم يردا على السلام، فقلت: لا تعجبا أن تؤتيا فتكلما … فما حشى الأقوام شرا من الكبر ومسا تراب الأرض منه خلقتما … وفيها المعاد والمصير إلى الحشر فقلت: يرحمك الله!! مثلك في فقهك وفضلك وسنك تقول الشعر؟! فقال: إن المصدور إذا نفث برأ. وجاء شيخ إلى الزهري فقال: حدثني، فقال: إنك لا تعرف اللغة، فقال الشيخ: لعلى أعرفها، فقال: فما تقول في قول الشاعر: صريع ندامى يرفع الشرب رأسه … وقد مات منه كل عضو ومفصل؟ ما المفصل؟ قال: اللسان، قال: عد على أحدثك. وكان الزهري يتمثل كثيرا بهذا: ذهب الشباب فلا يعود جمانا … وكأن ما قد كان لم يك كانا فطويت كفى يا جمان على العصا … وكفى جمان بطيها حدثانا وكان نقش خاتم الزهري: محمد يسأل الله العافية. وقيل لابن أخى الزهري: هل كان عمك يتطيب؟ قال: كنت أشم ريح المسك من سوط دابة الزهري. وقال: استكثروا من شيء لا تمسه النار، قيل: وما هو؟ قال: المعروف. وامتدحه رجل مرة فأعطاه قميصه، فقيل له: أتعطي على كلام

стр. 3178

الشيطان؟ فقال: إن من ابتغاء الخير اتقاء الشر. وقال سفيان: سئل الزهري عن الزاهد فقال: من لم يمنع الحلال شكره، ولم يغلب الحرام صبره. وقال سفيان: قالوا للزهري: لو أنك الآن في آخر عمرك أقمت بالمدينة، فقعدت إلى مسجد رسول الله ﷺ ، ودرجت وجلسنا إلى عمود من أعمدته فذكرت الناس وعلمتهم؟ فقال: لو أنى فعلت ذلك لوطئ عقبى، ولا ينبغي لي أن أفعل ذلك حتى أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة. وكان الزهري يحدث أنه هلك في جبال بيت المقدس بضعة وعشرون نبيا، ماتوا من الجوع والعمل. كانوا لا يأكلون إلا ما عرفوا، ولا يلبسون إلا ما عرفوا وكان يقول: العبادة هي الورع والزهد، والعلم هو الحسنة، والصبر هو احتمال المكاره، والدعوة إلى الله على العمل الصالح] (١) وممن توفى في خلافة هشام بن عبد الملك كما أورده ابن عساكر بلال بن سعد ابن تميم السكونيّ أبو عمرو، وكان من الزهاد الكبار، والعباد الصوام القوام، روى عن أبيه وكان أبوه له صحبة، وعن جابر وابن عمر وأبى الدرداء وغيرهم، وعنه جماعات منهم أبو عمرو الأوزاعي وكان الأوزاعي يكتب عنه ما يقوله من الفوائد العظيمة في قصصه ووعظه، وقال: ما رأيت واعظا قط مثله. وقال أيضا: ما بلغني عن أحد من العبادة ما بلغني عنه، كان يصلى في اليوم والليلة ألف ركعة. وقال غيره وهو الأصمعي: كان إذا نعس في ليل الشتاء ألقى نفسه في ثيابه في البركة، فعاتبه بعض أصحابه في ذلك فقال: إن ماء البركة أهون من عذاب جهنم. وقال الوليد بن مسلم: كان إذا كبر في المحراب سمعوا تكبيره من الأوزاع. قلت: وهي خارج باب الفراديس. وقال أحمد بن عبد الله العجليّ: هو شامي تابعي ثقة. وقال أبو زرعة الدمشقيّ: كان أحد العلماء قاصا حسن القصص، وقد اتهمه رجاء بن حيوة بالقدر حتى قال بلال يوما في وعظه: رب مسرور مغرور، ورب مغرور لا يشعر، فويل لمن له الويل وهو لا يشعر، يأكل ويشرب، ويضحك، وقد حق عليه في قضاء الله أنه من أهل النار، فيا ويل لك روحا، يا ويل لك جسدا، فلتبك ولتبك عليك البواكي لطول الأبد. وقد ساق ابن عساكر شيئا حسنا من كلامه في مواعظه البليغة، فمن ذلك قوله: والله لكفى به ذنبا أن الله يزهدنا في الدنيا ونحن نرغب فيها، زاهدكم راغب، وعالمكم جاهل، ومجتهدكم مقصر. وقال أيضا: أخ لك كلما لقيك ذكرك بنصيبك من الله، وأخبرك بعيب فيك، أحب إليك، وخير لك من أخ كلما لقيك وضع في كفك دينارا. وقال أيضا: لا تكن وليا لله في العلانية وعدوه في السر ولا تكن عدو إبليس والنفس والشهوات في العلانية وصديقهم في السر، ولا تكن ذا وجهين وذا لسانين

стр. 3179

فتظهر للناس أنك تخشى الله ليحمدوك وقلبك فاجر. وقال أيضا: أيها الناس إنكم لم تخلقوا للفناء وإنما خلقتم للبقاء، ولكنكم تنتقلون من دار إلى دار، كما نقلتم من الأصلاب إلى الأرحام، ومن الأرحام إلى الدنيا، ومن الدنيا إلى القبور، ومن القبور إلى الموقف، ومن الموقف إلى الجنة أو النار. وقال أيضا: عباد الرحمن إنكم تعملون في أيام قصار لأيام طوال، وفي دار زوال إلى دار مقام، وفي دار حزن ونصب لدار نعيم وخلود، فمن لم يعمل على يقين فلا تنفعن، عباد الرحمن لو قد غفرت خطاياكم الماضية لكان فيما تستقبلون لكم شغلا، ولو عملتم بما تعلمون لكان لكم مقتدا وملتجا، عباد الرحمن إماما وكلتم به فتضيعونه، وأما ما تكفل الله لكم به فتطلبونه، ما هكذا نعت الله عباده الموقنين، أذوو عقول في الدنيا وبله في الآخرة، وعمى عما خلقتم له بصراء في أمر الدنيا؟ فكما ترجون رحمة الله بما تؤدون من طاعته، فكذلك أشفقوا من عذابه بما تنتهكون من معاصيه، عباد الرحمن! هل جاءكم مخبر يخبركم أن شيئا من أعمالكم قد تقبل منكم؟ أو شيئا من خطاياكم قد غفر لكم؟ ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ﴾ والله لو عجل لكم الثواب في الدنيا لاستقللتم ما فرض عليكم. أترغبون في طاعة الله لدار معمورة بالآفات؟ ولا ترغبون وتنافسون في جنة أكلها دائم وظلها، وعرضها عرض الأرض والسموات ﴿تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اِتَّقَوْا وَعُقْبَى الْكافِرِينَ النّارُ﴾ وقال أيضا: الذكر ذكران ذكر الله باللسان حسن جميل، وذكر الله عند ما أحل وحرم أفضل. عباد الرحمن يقال لأحدنا: تحب أن تموت؟ فيقول: لا! فيقال له: لم؟ فيقول: حتى أعمل، فيقال له: اعمل، فيقول سوف أعمل، فلا تحب أن تموت، ولا تحب أن تعمل، وأحب شيء إليه يحب أن يؤخر عمل الله، ولا يحب أن يؤخر الله عنه عرض دنياه. عباد الرحمن إن العبد ليعمل الفريضة الواحدة من فرائض الله وقد أضاع ما سواها، فما يزال يمنيه الشيطان ويزين له حتى ما يرى شيئا دون الجنة، مع إقامته على معاصي الله. عباد الرحمن قبل أن تعملوا أعمالكم فانظروا ماذا تريدون بها، فان كانت خالصة فامضوها وإن كانت لغير الله فلا تشقوا على أنفسكم، فان الله لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، فإنه قال ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وقال أيضا: إن الله ليس إلى عذابكم بالسريع، يقبل المقبل ويدعو المدبر، وقال أيضا: إذا رأيت الرجل متحرجا لحوحا مماريا معجبا برأيه فقد تمت خسارته. وقال الأوزاعي: خرج الناس بدمشق يستسقون فقام بهم بلال بن سعد فقال: يا معشر من حضر! ألستم مقرين بالإساءة؟ قالوا: نعم، فقال: اللهمّ إنك قلت ﴿ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ وقد أقررنا بالإساءة فاعف عنا واغفر لنا. قال: فسقوا يومهم ذلك: وقال أيضا: سمعته يقول: لقد أدركت أقواما يشتدون بين الأغراض، ويضحك بعضهم إلى بعض، فإذا جثّهم الليل كانوا رهبانا. وسمعته أيضا يقول: لا تنظر إلى صغر الذنب وانظر إلى من عصيت. وسمعته يقول: من بادأك بالود فقد استرقك بالشكر.

стр. 3180

وكان من دعاته: اللهمّ إني أعوذ بك من زيغ القلوب، ومن تبعات الذنوب، ومن مرديات الأعمال ومضلات العين. وقال الأوزاعي عنه أنه قال: عباد الرحمن لو أنتم لم تدعوا إلى الله طاعة إلا عملتموها ولا معصية إلا اجتنبتموها، إلا أنكم تحبون الدنيا لكفاكم ذلك عقوبة عند الله . وقال: إن الله يغفر الذنوب لمن تاب منها، ولكن لا يمحوها من الصحيفة حتى يوقف العبد عليها يوم القيامة. ترجمة الجعد بن درهم هو أول من قال بخلق القرآن، وهو الّذي ينسب إليه مروان الجعديّ، وهو مروان الحمار، آخر خلفاء بنى أمية. كان شيخه الجعد بن درهم، أصله من خراسان، ويقال إنه من موالي بنى مروان، سكن الجعد دمشق، وكانت له بها دار بالقرب من القلاسيين إلى جانب الكنيسة، ذكره ابن عساكر. قلت: وهي محلة من الخواصين اليوم غربيها عند حمام القطانين الّذي يقال له حمام قلينس. قال ابن عساكر وغيره: وقد أخذ الجعد بدعته عن بيان بن سمعان، وأخذها بيان عن طالوت ابن أخت لبيد بن أعصم، زوج ابنته، وأخذها لبيد بن أعصم الساحر الّذي سحر رسول الله ﷺ عن يهودي باليمن، وأخذ عن الجعد الجهم بن صفوان الخزري، وقيل الترمذي، وقد أقام ببلخ، وكان يصلى مع مقاتل بن سليمان في مسجده ويتناظران، حتى نفى إلى ترمذ، ثم قتل الجهم بأصبهان، وقيل بمرو، قتله نائبها سلم بن أحوز ﵀ وجزاه عن المسلمين خيرا، وأخذ بشر المريسي عن الجهم، وأخذ أحمد بن أبى داود عن بشر، وأما الجعد فإنه أقام بدمشق حتى أظهر القول بخلق القرآن، فتطلبه بنو أمية فهرب منهم فسكن الكوفة، فلقيه فيها الجهم بن صفوان فتقلد هذا القول عنه، ثم إن خالد بن عبد الله القسري قتل الجعد يوم عيد الأضحى بالكوفة، وذلك أن خالدا خطب الناس فقال في خطبته تلك: أيها الناس ضحوا يقبل الله ضحاياكم، فانى مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا. ولم يكلم موسى تكليما، تعالى الله عما يقول الجعد علوا كبيرا. ثم نزل فذبحه في أصل المنبر. وقد ذكر هذا غير واحد من الحفاظ منهم البخاري وابن أبى حاتم والبيهقي وعبد الله بن أحمد وذكره ابن عساكر في التاريخ، وذكر أنه كان يتردد إلى وهب بن منبه، وأنه كان كلما راح إلى وهب يغتسل ويقول: أجمع للعقل، وكان يسأل وهبا عن صفات الله فقال له وهب يوما: ويلك يا جعد، اقصر المسألة عن ذلك، إني لأظنك من الهالكين، لو لم يخبرنا الله في كتابه أن له يدا ما قلنا ذلك، وأن له عينا ما قلنا ذلك، وأن له نفسا ما قلنا ذلك، وأن له سمعا ما قلنا ذلك، وذكر الصفات من العلم والكلام وغير ذلك، ثم لم يلبث الجعد أن صلب ثم قتل. ذكره ابن عساكر، وذكر في ترجمته أنه قال للحجاج بن يوسف ويروى لعمران بن حطان:

стр. 3181

ليث على وفي الحروب نعامة … فتخاء تجفل من صفير الصافر هلا برزت إلى غزالة في الوغى … بل كان قلبك في جناحي طائر ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائة قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا رزق الله بن موسى ثنا محمد بن إسماعيل بن أبى فديك ثنا عبد الملك بن زيد عن مصعب بن مصعب عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة، وكذا رواه أبو يعلى في مسندة عن أبى كريب عن ابن أبى فديك عن عبد الملك بن سعيد بن زيد بن نفيل عن مصعب بن مصعب عن الزهري به. قلت: وهذا حديث غريب منكر، ومصعب بن مصعب بن عبد الرحمن ابن عوف الزهري تكلم فيه وضعفه على بن الحسين بن الجنيد: وكذا تكلم في الراويّ عنه أيضا والله أعلم. وفيها غزا النعمان بن يزيد بن عبد الملك الصائفة من بلاد الروم، وفي ربيع الآخر منها توفى أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بن مروان. ذكر وفاته وترجمته ﵀ هو هشام بن عبد الملك بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، أبو الوليد القرشي الأموي الدمشقيّ، أمير المؤمنين. وأمه أم هشام بنت هشام بن إسماعيل المخزومي، وكانت داره بدمشق عند باب الخواصين، وبعضها اليوم مدرسة نور الدين الشهيد التي يقال لها النورية الكبيرة، وتعرف بدار القبابين - يعنى الذين يبيعون القباب وهي الخيام - فكانت تلك المحلة داره والله أعلم. وقد بويع له بالخلافة بعد أخيه يزيد بن عبد الملك بعهد منه إليه، وذلك يوم الجمعة لأربع بقين من شعبان سنة خمس ومائة، وكان له من العمر يومئذ أربع وثلاثون سنة، وكان جميلا أبيض أحول يخضب بالسواد، وهو الرابع من ولد عبد الملك الذين ولوا الخلافة، وقد كان عبد الملك رأى في المنام كأنه بال في المحراب أربع مرات، فدس إلى سعيد بن المسبب من سأله عنها ففسرها له بأنه يلي الخلافة من ولده أربعة، فوقع ذلك، فكان هشام آخرهم، وكان في خلافته حازم الرأى جماعا للأموال يبخل، وكان ذكيا مدبرا له بصر بالأمور جليلها وحقيرها، وكان فيه حلم وأناة، شتم مرة رجلا من الأشراف فقال: أتشتمني وأنت خليفة الله في الأرض؟ فاستحيا وقال: اقتص منى بدلها أو قال بمثلها، فقال: إذا أكون سفيها مثلك، قال فخذ عوضا قال: لا أفعل، قال: فأتركها لله، قال: هي لله ثم لك، فقال هشام عند ذلك: والله لا أعود إلى مثلها. وقال الأصمعي: أسمع رجل هشاما كلاما فقال له: أتقول لي مثل هذا وأنا خليفتك؟ وغضب مرة على رجل فقال له: اسكت وإلا ضربتك سوطا، وكان على بن الحسين قد اقترض من مروان

стр. 3182

ابن الحكم مالا أربعة آلاف دينار، فلم يتعرض له أحد من بنى مروان، حتى استخلف هشام فقال: ما فعل حقنا قبلك؟ قال: موفور مشكور، فقال! هو لك. [قلت: هذا الكلام فيه نظر، وذلك أن على بن الحسين مات سنة الفقهاء، وهي سنة أربع وتسعين، قبل أن يلي هشام الخلافة بإحدى عشرة سنة، فإنه إنما ولى الخلافة سنة خمس ومائة، فقول المؤلف: إن أحدا من خلفاء بنى مروان لم يتعرض لمطالبة على بن الحسين حتى ولى هشام فطالبه بالمال المذكور، فيه نظر ولا يصح، لتقدم موت على على خلافة هشام، والله أعلم] (١) وكان هشام من أكره الناس لسفك الدماء، ولقد دخل عليه من مقتل زيد بن على وابنه يحيى أمر شديد وقال: وددت أنى افتديتهما بجميع ما أملك. وقال المدائني عن رجل من حيي عن بشر مولى هشام قال: أتى هشام برجل عنده قيان وخمر وبربط، فقال: اكسروا الطنبور على رأسه وقرنه، فبكى الشيخ، قال بشر: فضربه، قال أتراني أبكى للضرب، إنما أبكى لاحتقارك البربط حتى سميته طنبورا، وأغلظ لهشام رجل يوما في الكلام فقال: ليس لك أن تقول هذا لامامك. وتفقد أحد ولده يوم الجمعة فبعث إليه مالك لم تشهد الجمعة؟ فقال: إن بغلتي عجزت عنى، فبعث إليه أما كان يمكنك المشي، ومنعه أن يركب سنة، وأن يشهد الجمعة ماشيا وذكر المدائني أن رجلا أهدى إلى هشام طيرين فأوردهما السفير إلى هشام، وهو جالس على سرير في وسط داره، فقال له: أرسلهما في الدار، فأرسلهما، ثم قال: جائزتي يا أمير المؤمنين فقال: ويحك وما جائزتك على هدية طيرين؟ خذ أحدهما، فجعل الرجل يسعى خلف أحدهما، فقال: ويحك ما بالك؟ فقال أختار أجودهما: قال: وتختار أيضا الجيد وتترك الرديء؟ ثم أمر له بأربعين أو خمسين درهما. وذكر المدائني عن محرم (٢) كاتب يوسف بن عمر، قال: بعثني يوسف إلى هشام بياقوتة حمراء ولؤلؤة كانتا لرابعة، جارية خالد بن عبد الله القسري، مشتري الياقوتة ثلاثة وسبعون ألف دينار، قال: فدخلت عليه وهو على سرير فوقه فرش لم أر رأس هشام من علو تلك الفرش، فأوريتها له، فقال: كم زنتها؟ فقلت: إن مثل هذه لا مثل لها، فسكت. قالوا: ورأى قوما يفرطون الزيتون فقال القطوه لقطا ولا تنفضوه نفضا، فتفقأ عيونه وتكسر غصونه، وكان يقول: ثلاثة لا يضعن الشريف: تعاهد الصنيعة، وإصلاح المعيشة، وطلب الحق وإن قل. وقال أبو بكر الخرائطى: يقال إن هشاما لم يقل من الشعر سوى هذا البيت: إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى … إلى كل ما فيه عليك مقال وقد روى له شعر غير هذا، وقال المدائني عن ابن يسار الأعرجي حدثني ابن أبى بجيلة عن عقال بن

стр. 3183

شبة قال: دخلت على هشام وعليه قباء فتك أخضر، فوجهني إلى خراسان، ثم جعل يوصيني وأنا انظر إلى القباء، ففطن فقال: ما لك؟ قلت: عليك قباء فتك أخضر، [وكنت رأيت عليك مثله] قبل أن تلى الخلافة، فجعلت أتأمل هذا هو ذاك أم غيره، قال: والله الّذي لا إله غيره هو ذاك، ما لي قباء غيره، وما ترون من جمعى لهذا المال وصونه إلا لكم. قال عقال: وكان هشام محشوا بخلا. وقال عبد الله بن عليّ عم السفاح: جمعت دواوين بنى أمية فلم أر أصلح للعامة والسلطان من ديوان هشام. وقال المدائني عن هشام بن عبد الحميد: لم يكن أحد من بنى مروان أشد نظرا في أصحابه ودواوينه، ولا أشد مبالغة في الفحص عنهم من هشام، وهو الّذي قتل غيلان القدري، ولما أحضر بنى يديه قال له: ويحك قل ما عندك، إن كان حقا اتبعناه، وإن كان باطلا رجعت عنه، فناظره ميمون بن مهران فقال لميمون أشياء فقال له: أيعصى الله كارها؟ فسكت غيلان فقيده حينئذ هشام وقتله. وقال الأصمعي عن أبى الزناد عن منذر بن أبى ثور قال: أصبنا في خزائن هشام اثنى عشر ألف قميص كلها قد أثر بها. وشكى هشام إلى أبيه ثلاثا إحداهن أنه يهاب الصعود إلى المنبر، والثانية قلة تناول الطعام، والثالثة أن عنده في القصر مائة جارية من حسان النساء لا يكاد يصل إلى واحدة منهن. فكتب إليه أبوه: أما صعودك إلى المنبر فإذا علوت فوقه فارم ببصرك إلى مؤخر الناس فإنه أهون عليك، وأما قلة الطعام فمر الطباخ فليكثر الألوان فعلك أن تتناول من كل لون لقمة، وعليك بكل بيضاء بضة، ذات جمال وحسن. وقال أبو عبد الله الشافعيّ: لما بنى هشام بن عبد الملك الرصافة قال: أحب أن أخلو بها يوما لا يأتينى فيه خبر غم، فما انتصف النهار حتى أتته ريشة دم من بعض الثغور، فقال: ولا يوما واحدا؟! وقال سفيان بن عيينة: كان هشام لا يكتب إليه بكتاب فيه ذكر الموت. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي ثنا حسين ابن زيد عن شهاب بن عبد ربه عن عمر بن على قال: مشيت مع محمد بن على - يعنى ابن الحسين ابن على بن أبى طالب - إلى داره عند الحمام فقلت له: إنه قد طال ملك هشام وسلطانه، وقد قرب من العشرين سنة، وقد زعم الناس أن سليمان سأل ربه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، فزعم الناس أنها العشرون، فقال: ما أدرى ما أحاديث الناس، ولكن أبى حدثني عن أبيه عن على عن النبي ﷺ قال: «لن يعمر الله ملكا في أمة نبي مضى قبله ما بلغ ذلك النبي من العمر في أمته، فان الله عمر نبيه ﷺ ثلاث عشرة سنة بمكة وعشرا بالمدينة». وقال ابن أبى خيثمة: ليس حديث فيه توقيت غير هذا، قرأه يحيى بن معين على كتابي فقال: من حدثك به؟ فقلت: إبراهيم، فتلهف أن لا يكون سمعه، وقد رواه ابن جرير في تاريخه عن أحمد بن زهير عن إبراهيم بن المنذر الحزامي. وروى مسلم بن إبراهيم ثنا القاسم بن الفضل حدثني عباد بن المعرا الفتكى (١) عن عاصم بن

стр. 3184

المنذر بن الزبير عن عبد الله بن الزبير أنه سمع عليا يقول: هلاك ملك بنى أمية على رجل أحول يعنى هشاما -. وروى أبو بكر بن أبى الدنيا عن عمر بن أبى معاذ النميري عن أبيه عن عمرو بن كليع عن سالم كاتب هشام بن عبد الملك: قال خرج علينا يوما هشام وعليه كآبة وقد ظهر [عليه] الحزن، فاستدعى الأبرش بن الوليد فجاءه فقال: يا أمير المؤمنين ما لي أراك هكذا؟ فقال: ما لي لا أكون وقد زعم أهل العلم بالنجوم أنى أموت إلى ثلاث وثلاثين من يومى هذا. قال: فكتبنا ذلك، فلما كان آخر ليلة من ذلك جاءني رسوله في الليل يقول: احضر معك دواء للذبحة، وكان قد أصابته قبل ذلك، فاستعمل منه فعوفي، فذهبت إليه ومعى ذلك الدواء فتناوله وهو في وجع شديد، واستمر فيه عامة الليل، ثم قال: يا سالم اذهب إلى منزلك فقد وجدت خفة وذر الدواء عندي، فذهبت فما هو إلا أن وصلت إلى منزلي حتى سمعت الصياح عليه، فجئت فإذا هو قد مات. وذكر غيره أن هشاما نظر إلى أولاده وهم يبكون حوله فقال: جاد لكم هشام بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع، وتركتم له ما كسب، ما أسوأ منقلب هشام إن لم يغفر الله له. ولما مات جاءت الخزنة فختموا على حواصله وأرادوا تسخين الماء فلم يقدروا له على فحم حتى استعاروا له، وكان نقش خاتمه الحكم للحكم الحكيم. وكانت وفاته بالرصافة يوم الأربعاء لست بقين من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة، وهو ابن بضع وخمسين سنة، وقيل إنه جاوز الستين، وصلى عليه الوليد بن يزيد بن عبد الملك، الّذي ولى الخلافة بعده، وكانت خلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر وأحد عشر يوما، وقيل وثمانية أشهر وأيام فالله أعلم. وقال ابن أبى فديك: ثنا عبد الملك بن زيد عن مصعب عن الزهري عن أبى سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: «ترفع زينة الدنيا سنة خمس وعشرين ومائة». قال ابن أبى فديك: زينتها نور الإسلام وبهجته، وقال غيره - يعنى الرجال - والله أعلم. قلت: لما مات هشام بن عبد الملك مات ملك بنى أمية، وتولى وأدبر أمر الجهاد في سبيل الله واضطرب أمرهم جدا، وإن كانت قد تأخرت أيامهم بعده نحوا من سبع سنين، ولكن في اختلاف وهيج، وما زالوا كذلك حتى خرجت عليهم بنو العباس فاستلبوهم نعمتهم وملكهم، وقتلوا منهم خلقا وسلبوهم الخلافة كما سيأتي إن شاء الله تعالى ذلك مبسوطا مقدرا في مواضع، والله أعلم. *** بحمد الله قد تم الجزء التاسع من البداية والنهاية ويليه الجزء العاشر وأوله خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك.

стр. 3185

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خلافة الوليد بن يزيد بن عبد الملك الفاسق قال الواقدي: بويع له بالخلافة يوم مات عمه هشام بن عبد الملك يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة. وقال هشام بن الكلبي: بويع له يوم السبت في ربيع الآخر، وكان عمره إذ ذاك أربعا وثلاثين سنة. وكان سبب ولايته أن أباه يزيد بن عبد الملك كان قد جعل الأمر من بعده لأخيه هشام ثم من بعده لولده الوليد هذا، فلما ولى هشام أكرم ابن أخيه الوليد حتى ظهر عليه أمر الشراب وخلطاء السوء ومجالس اللهو، فأراد هشام أن يقطع ذلك عنه فأمّره على الحج سنة ست عشرة ومائة، فأخذ معه كلاب الصيد خفية من عمه، حتى يقال إنه جعلها في صناديق فسقط منها صندوق فيه كلب فسمع صوته فأحالوا ذلك على الجمال فضرب على ذلك. قالوا: واصطنع الوليد قبة على قدر الكعبة، ومن عزمه أن ينصب تلك القبة فوق سطح الكعبة ويجلس هو وأصحابه هنالك، واستصحب معه الخمور وآلات الملاهي وغير ذلك من المنكرات، فلما وصل إلى مكة هاب أن يفعل ما كان قد عزم عليه، من الجلوس فوق ظهر الكعبة خوفا من الناس ومن إنكارهم عليه ذلك، فلما تحقق عمه ذلك منه نهاه مرارا فلم ينته، واستمر على حاله القبيح، وعلى فعله الرديء، فعزم عمه على خلعه من الخلافة - وليته فعل - وأن يولى بعده مسلمة بن هشام، وأجابه إلى ذلك جماعة من الأمراء، ومن أخواله، ومن أهل المدينة ومن غيرهم، وليت ذلك تم. ولكن لم ينتظم حتى قال هشام يوما للوليد: ويحك! والله ما أدرى أعلى الإسلام أنت أم لا، فإنك لم تدع شيئا من

стр. 3186

المنكرات إلا أتيته غير متحاش ولا مستتر. فكتب إليه الوليد: يا أيها السائل عن ديننا … ديني على دين أبى شاكر نشربها صرفا وممزوجة … بالسخن أحيانا وبالفاتر فغضب هشام على ابنه مسلمة، وكان يسمى أبا شاكر، وقال له: تشبه الوليد بن يزيد وأنا أريد أن أرقيك إلى الخلافة، وبعثه على الموسم سنة تسع عشرة ومائة فأظهر النسك والوقار، وقسم بمكة والمدينة أموالا، فقال مولى لأهل المدينة: يا أيها السائل عن ديننا … نحن على دين أبى شاكر الواهب الجرد بأرسانها … ليس بزنديق ولا كافر ووقعت بين هشام وبين الوليد بن يزيد وحشة عظيمة بسبب تعاطى الوليد ما كان يتعاطاه من الفواحش والمنكرات، فتنكر له هشام وعزم على خلعه وتولية ولده مسلمة ولاية العهد، ففر منه الوليد إلى الصحراء، وجعلا يتراسلان بأقبح المراسلات، وجعل هشام يتوعده وعيدا شديدا، ويتهدده، ولم يزل كذلك حتى مات هشام والوليد في البرية، فلما كانت الليلة التي قدم في صبيحتها عليه البرد بالخلافة، قلق الوليد تلك الليلة قلقا شديدا، وقال لبعض أصحابه: ويحك قد أخذنى الليلة قلق عظيم فاركب لعلنا نبسط، فسارا ميلين يتكلمان في هشام وما يتعلق به، من كتبه إليه بالتهديد والوعيد، ثم رأيا من بعد رهجا وأصواتا وغبارا، ثم انكشف ذلك عن برد يقصدونه بالولاية، فقال لصاحبه: ويحك! إن هذه رسل هشام، اللهمّ أعطنا خيرها، فلما اقتربت البرد منه وتبينوه ترجلوا إلى الأرض وجاءوا فسلموا عليه بالخلافة، فبهت وقال: ويحك أمات هشام؟ قالوا: نعم، قال: فمن بعثكم؟ قالوا: سالم بن عبد الرحمن صاحب ديوان الرسائل، وأعطوه الكتاب فقرأه ثم سألهم عن أحوال الناس وكيف مات عمه هشام، فأخبروه. فكتب من فوره بالاحتياط على أموال هشام وحواصله بالرصافة وقال: ليت هشاما عاش حتى يرى … مكياله الأوفر قد طبّعا كلتاه بالصاع الّذي كاله … وما ظلمناه به إصبعا وما أتينا ذاك عن بدعة … أحله الفرقان لي أجمعا وقد كان الزهري يحث هشاما على خلع الوليد هذا ويستنهضه في ذلك، فيحجم هشام عن ذلك خوف الفضيحة من الناس، ولئلا تتنكر قلوب الأجناد من أجل ذلك، وكان الوليد يفهم ذلك من الزهري ويبغضه ويتوعده ويتهدده، فيقول له الزهري: ما كان الله ليسلطك عليّ يا فاسق، ثم مات الزهري قبل ولاية الوليد، ثم فر الوليد من عمه إلى البرية فلم يزل بها حتى مات، فاحتاط على أموال

стр. 3187

عمه ثم ركب من فوره من البرية وقصد دمشق، واستعمل العمال وجاءته البيعة من الآفاق، وجاءته الوفود، وكتب إليه مروان بن محمد - وهو إذ ذاك نائب أرمينية - يبارك له في خلافة الله له على عباده والتمكين في بلاده، ويهنئه بموت هشام وظفره به، والتحكم في أمواله وحواصله، ويذكر له أنه جدد البيعة له في بلاده، وأنهم فرحوا واستبشروا بذلك، ولولا خوفه من الثغر لاستناب عليه وركب بنفسه شوقا إلى رؤيته، ورغبة في مشافهته، ثم إن الوليد سار في الناس سيرة حسنة بادى الرأى وأمر بإعطاء الزمنى والمجذومين والعميان لكل إنسان خادما، وأخرج من بيت المال الطيب والتحف لعيالات المسلمين، وزاد في أعطيات الناس، ولا سيما أهل الشام والوفود، وكان كريما ممدحا شاعرا مجيدا، لا يسأل شيئا قط فيقول لا، ومن شعره قوله يمدح نفسه بالكرم: ضمنت لكم إن لم تعقنى عوائق … بأن سماء الضر عنكم ستقلع سيوشك الحاق معا وزيادة … وأعطية منى إليكم تبرّع محرّمكم ديوانكم وعطاؤكم … به يكتب الكتّاب شهرا وتطبع وفي هذه السنة عقد الوليد البيعة لابنه الحكم ثم عثمان، على أن يكونا وليي العهد من بعده، وبعث البيعة إلى يوسف بن عمر أمير العراق وخراسان، فأرسلها إلى نائب خراسان نصر بن سيار، فخطب بذلك نصر خطبة عظيمة بليغة طويلة، ساقها ابن جرير بكمالها، واستوثق للوليد الممالك في المشارق والمغارب، وأخذت البيعة لولديه من بعده في الآفاق، وكتب الوليد إلى نصر بن سيار بالاستقلال بولاية خراسان، ثم وفد يوسف بن عمر على الوليد فسأله أن يرد إليه ولاية خراسان فردها إليه كما كانت في أيام هشام، وأن يكون نصر بن سيار ونوابه من تحت يده، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يستوفده إلى أمير المؤمنين بأهله وعياله، وأن يكثر من استصحاب الهدايا والتحف. فحمل نصر بن سيار ألف مملوك على الخيل، وألف وصيفة وشيئا كثيرا من أباريق الفضة والذهب، وغير ذلك من التحف، وكتب إليه الوليد يستحثه سريعا ويطلب منه أن يحمل معه طنابير وبرابط ومغنيات وبازات وبراذين فره، وغير ذلك من آلات الطرب والفسق، فكره الناس ذلك منه وكرهوه. وقال المنجمون لنصر بن سيار: إن الفتنة قريبا ستقع بالشام، فجعل يتثاقل في سيره، فلما أن كان ببعض الطريق جاءته البرد فأخبروه بأن الخليفة الوليد قد قتل وهاجت الفتنة العظيمة في الناس بالشام، فعدل بما معه إلى بعض المدن فأقام بها، وبلغه أن يوسف بن عمر قد هرب من العراق واضطربت الأمور، وذلك بسبب قتل الخليفة على ما سنذكره، وبالله المستعان. وفي هذه السنة ولى الوليد يوسف بن محمد بن يوسف الثقفي ولاية المدينة ومكة والطائف، وأمره أن يقيم إبراهيم ومحمدا ابني هشام بن إسماعيل المخزومي بالمدينة مهانين لكونهما خالي هشام، ثم يبعث

стр. 3188

بهما إلى يوسف بن عمر نائب العراق فبعثهما إليه. فما زال يعذبهما حتى ماتا وأخذ منهما أموالا كثيرة. وفي هذه السنة ولى يوسف بن محمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري قضاء المدينة، وفيها بعث الوليد بن يزيد إلى أهل قبرص جيشا مع أخيه وقال: خيّرهم فمن شاء أن يتحول إلى الشام، ومن شاء أن يتحول إلى الروم، فكان منهم من اختار جوار المسلمين بالشام، ومنهم من انتقل إلى بلاد الروم. قال ابن جرير: وفيها قدم سليمان بن كثير ومالك بن الهيثم ولاهز بن قريظ وقحطبة بن شبيب فلقوا - في قول بعض أهل السير - محمد بن على فأخبروه بقصة أبى مسلم فقال: أحر هو أم لا؟ فقالوا: أما هو فيزعم أنه حر، وأما مولاه فيزعم أنه عبده، فاشتروه فأعتقوه، ودفعوا إلى محمد بن على مائتي ألف درهم وكسوة بثلاثين ألفا، وقال لهم: لعلكم لا تلقوني بعد عامكم هذا، فان مت فان صاحبكم إبراهيم بن محمد - يعنى ابنه - فإنه ابني، فأوصيكم به. ومات محمد بن على في مستهل ذي القعدة في هذه السنة بعد أبيه بسبع سنين. وفيها قتل يحيى بن زيد بن على بخراسان. وحج بالناس فيها يوسف ابن محمد الثقفي أمير مكة والمدينة والطائف. وأمير العراق يوسف بن عمر، وأمير خراسان نصر بن سيار، وهو في همة الوفود إلى الوليد بن يزيد أمير المؤمنين بما معه من الهدايا والتحف، فقتل الوليد قبل أن يجتمع به. وممن توفى فيها من الأعيان: محمد بن على ابن عبد الله بن عباس أبو عبد الله المدني، وهو أبو السفاح والمنصور، روى عن أبيه وجده وسعيد بن جبير وجماعة، وحدث عنه جماعة منهم ابناه الخليفتان، أبو العباس عبد الله السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، وقد كان عبد الله بن محمد بن الحنفية أوصى إليه بالأمر من بعده، وكان عنده علم بالأخبار، فبشره بأن الخلافة ستكون في ولدك، فدعا إلى نفسه في سنة سبع وثمانين، ولم يزل أمره يتزايد حتى توفى في هذه السنة، وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها، عن ثلاث وستين سنة، وكان من أحسن الناس شكلا، فأوصى بالأمر من بعده لولده إبراهيم، فما أبرم الأمر إلا لولده السفاح، فاستلب من بنى أمية الأمر في سنة ثنتين وثلاثين كما سيأتي. وأما يحيى بن زيد ابن على بن الحسين بن على بن أبى طالب فإنه لما قتل أبوه زيد في سنة إحدى وعشرين ومائة، لم يزل يحيى مختفيا في خراسان عند الحريش بن عمرو بن داود ببلخ، حتى مات هشام، فكتب عند ذلك يوسف بن عمر إلى نصر بن سيار يخبره بأمر يحيى بن زيد، فكتب نصر بن سيار إلى نائب بلخ مع عقيل بن معقل العجليّ، فأحضر الحريش فعاقبه ستمائة سوط فلم يدل عليه، وجاء ولد الحريش فدلهم عليه فحبس، فكتب نصر بن سيار إلى يوسف بذلك، فبعث إلى الوليد بن يزيد

стр. 3189

يخبره بذلك، فكتب الوليد إلى نصر بن سيار يأمره بإطلاقه من السجن وإرساله إليه صحبة أصحابه، فأطلقهم وأطلق لهم وجهزهم إلى دمشق، فلما كانوا ببعض الطريق توسم نصر منه غدرا، فبعث إليه جيشا عشرة آلاف فكسرهم يحيى بن زيد، وإنما معه سبعون رجلا، وقتل أميرهم واستلب منهم أموالا كثيرة، ثم جاءه جيش آخر فقتلوه واحترزوا رأسه وقتلوا جميع أصحابه ﵏ ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائة فيها كان مقتل الوليد بن يزيد بن عبد الملك وهذه ترجمته هو الوليد بن يزيد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم، أبو العباس الأموي الدمشقيّ، بويع له بالخلافة بعد عمه هشام في السنة الخالية بعهد من أبيه كما قدمنا. وأمه أم الحجاج بنت محمد بن يوسف الثقفي، وكان مولده سنة تسعين، وقيل ثنتين وتسعين، وقيل سبع وثمانين، وقتل يوم الخميس لليلتين بقيتا في جمادى الآخرة سنة ست وعشرين ومائة، ووقعت بسبب ذلك فتنة عظيمة بين الناس بسبب قتله، ومع ذلك إنما قتل لفسقه، وقيل وزندقته. وقد قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا بن عياش حدثني الأوزاعي وغيره عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن عمر بن الخطاب قال: ولد لأخي أم سلمة زوج النبي ﷺ غلام فسموه الوليد، فقال النبي ﷺ : «سميتموه باسم فراعينكم، ليكونن: في هذه الأمة رجل يقال له الوليد، لهو أشد فسادا لهذه الأمة من فرعون لقومه». قال الحافظ ابن عساكر: وقد رواه الوليد بن مسلم ومعقل بن زياد ومحمد بن كثير وبشر بن بكر عن الأوزاعي فلم يذكروا عمر في إسناده وأرسلوه، ولم يذكر ابن كثير سعيد بن المسيب، ثم ساق طرقه هذه كلها بأسانيدها وألفاظها. وحكى عن البيهقي أنه قال: هو مرسل حسن، ثم ساق من طريق محمد عن محمد بن عمر بن عطاء عن زينب بنت أم سلمة عن أمها قالت: «دخل النبي ﷺ وعندي غلام من آل المغيرة اسمه الوليد، فقال: من هذا يا أم سلمة؟ قالت: هذا الوليد، فقال النبي ﷺ : قد اتخذتم الوليد حنانا (حسانا) غيروا اسمه، فإنه سيكون في هذه الأمة فرعون يقال له الوليد». وروى ابن عساكر من حديث عبد الله بن محمد بن مسلم ثنا محمد بن غالب الأنطاكي ثنا محمد بن سليمان بن أبى داود ثنا صدقة عن هشام بن الغاز عن مكحول عن أبى ثعلبة الخشنيّ عن أبى عبيدة ابن الجراح عن النبي ﷺ قال: «لا يزال هذا الأمر قائما بالقسط حتى يثلمه رجل من بنى أمية». صفة مقتله وزوال دولته كان هذا الرجل مجاهرا بالفواحش مصرا عليها، منتهكا محارم الله ، لا يتحاشى من معصية. وربما اتهمه بعضهم بالزندقة والانحلال من الدين، فالله أعلم، لكن الّذي يظهر أنه كان عاصيا شاعرا ما جنا متعاطيا للمعاصي، لا يتحاشاها من أحد، ولا يستحى من أحد، قبل أن يلي

стр. 3190

الخلافة وبعد أن ولى، وقد روى أن أخاه سليمان كان من جملة من سعى في قتله، قال: اشهد أنه كان شروبا للخمر ما جنا فاسقا، ولقد أرادنى على نفسي الفاسق. وحكى المعافى بن زكريا عن ابن دريد عن أبى حاتم عن العتبى ان الوليد بن يزيد نظر إلى نصرانية من حسان نساء النصارى اسمها سفري فأحبها، فبعث يراودها عن نفسها فأبت عليه، فألح عليها وعشقها فلم تطاوعه، فاتفق اجتماع النصارى في بعض كنائسهم، لعيد لهم، فذهب الوليد إلى بستان هناك فتنكر وأظهر أنه مصاب، فخرج النساء من الكنيسة إلى ذلك البستان، فرأيناه فأحدقن به، فجعل يكلم سفيرى ويحادثها وتضاحكه ولا تعرفه، حتى اشتفى من النظر إليها، فلما انصرفت قيل لها: ويحك أتدرين من هذا الرجل؟ فقالت: لا! فقيل لها هو الوليد. فلما تحققت ذلك حنت عليه بعد ذلك وكانت عليه أحرص منه عليها قبل أن تحن عليه. فقال الوليد في ذلك أبياتا: أضحك فؤادك يا وليد عميدا … صبا قديما للحسان صيودا في حب واضحة العوارض طفلة … برزت لنا نحو الكنيسة عيدا ما زلت أرمقها بعيني وامق … حتى بصرت بها تقبل عودا عود الصليب فويح نفسي من رأى … منكم صليبا مثله معبودا فسألت ربى أن أكون مكانه … وأكون في لهب الجحيم وقودا وقال فيها أيضا لما ظهر أمره وعلم بحاله الناس. وقيل إن هذا وقع قبل أن يلي الخلافة: ألا حبذا سفري وإن قيل إنني … كلفت بنصرانية تشرب الخمرا يهون علينا أن نظل نهارنا … الى الليل لا ظهرا نصلي ولا عصرا قال القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا الجريريّ المعروف بابن طرار النهرواني بعد إيراده هذه الأشياء: للوليد في نحو هذا من الخلاعة والمجون وسخافة الدين ما يطول ذكره، وقد ناقضناه في أشياء من منظوم شعره المتضمن ركيك ضلاله وكفره. وروى ابن عساكر بسنده أن الوليد سمع بخمار صلف بالحيرة فقصده حتى شرب منه ثلاثة أرطال من الخمر، وهو راكب على فرسه، ومعه اثنان من أصحابه، فلما انصرف أمر للخمار بخمسمائة دينار. وقال القاضي أبو الفرج: أخبار الوليد كثيرة قد جمعها الأخباريون مجموعة ومفردة، وقد جمعت شيئا من سيرته وأخباره، ومن شعره الّذي ضمنه ما فجر به من جرأته وسفاهته وحمقه وهزله ومجونه وسخافة دينه، وما صرح به من الإلحاد في القرآن العزيز، والكفر بمن أنزله وأنزل عليه، وقد عارضت شعره السخيف بشعر حصيف، وباطله بحق نبيه شريف، وترجيت رضاء الله واستيجاب مغفرته. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا سليمان بن أبى شيخ ثنا صالح بن سليمان، قال: أراد الوليد
следующие страницы →