← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

فيه مثل رءوس الكثبان كافور محفوف بالرياحين، فلما رآه أعجبه فدخل عليه فاغتسل وغسل ثوبه، ثم خرج وجفف ثوبه، ثم رجع إلى الماء فاستنضح فيه إلى أن جف ثوبه، فلبسه ثم أخذ نحو الكثيب الآخر الّذي فوق الطور، فإذا هو برجلين يحفران قبرا، فقام عليهما فقال: ألا أعينكما؟ قالا: بلى فنزل فحفر، فقال لهما: لتحدثانى مثل من الرجل؟ فقالا: على طولك وهيئتك، فاضطجع فيه لينظروا فالتأمت عليه الأرض، فلم ينظر إلى قبر موسى ﵇ إلا الرخم، فأصمها الله وأبكمها. وقال: يقول الله : لولا أنى كتبت النتن على الميت لحبسه الناس في بيوتهم، ولولا أنى كتبت الفساد على اللحم لحرمة الأغنياء على الفقراء. وقال: مرّ عابد براهب فقال له: منذ كم أنت في هذه الصومعة؟ قال: منذ ستين سنة، قال: وكيف صبرت فيها ستين سنة؟ قال: مر فإن الزمان يمر، وإن الدنيا تمر، ثم قال له: يا راهب كيف ذكرك للموت؟ قال: ما أحسب عبدا يعرف الله تأتى عليه ساعة إلا يذكر الموت فيها، وما أرفع قدما إلا وأنا أظن أن لا أضعها حتى أموت، وما أضع قدما إلا وأنا أظن أن لا أرفعها حتى أموت، فجعل العابد يبكى، فقال له الراهب: هذا بكاؤك إذا خلوت؟ - أو قال: كيف أنت إذا خلوت؟ - فقال العابد: إني لأبكى عند إفطاري فأشرب شرابي بدموعى، ويصرعني النوم فأبل متاعي بدموعى، فقال له الراهب: إنك إن تضحك وأنت معترف بذنبك خير لك من أن تبكى وأنت مدل على الله بعلمك. فقال: أوصني بوصية، قال: كن في الدنيا بمنزلة النخلة، إن أكلت أكلت طيبا، وإن وضعت وضعت طيبا، وإن سقطت على شيء لم تضره، ولا تكن في الدنيا بمنزلة الحمار إنما همته أن يشبع ثم يرمى بنفسه في التراب، وأنصح لله نصح الكلب لأهله، فإنهم يجيعونه ويطردونه، وهو يأبى إلا أن يحرسهم ويحفظهم. قال أبو عبد الرحمن أشرس: وكان طاوس إذا ذكر هذا الحديث بكى وقال: عز علينا أن تكون الكلاب أنصح لأهلها منا لمولانا . وقد تقدم نحو هذا المتن. وقال وهب: تخلى راهب في صومعته في زمن المسيح: فأراد إبليس أن يكيده فلم يقدر عليه، فأتاه بكل مراد فلم يقدر عليه، فأتاه متشبها بالمسيح فناداه: أيها الراهب أشرف عليّ أكلمك فأنا المسيح، فقال: إن كنت المسيح فما لى إليك من حاجة، أليس قد أمرتنا بالعبادة؟ ووعدتنا القيامة؟ انطلق لشأنك فلا حاجة لي فيك. قال: فذهب عنه الشيطان خاسئا وهو حسير، فلم يعد إليه. ومن طريق أخرى عنه قال: أتى إبليس راهبا في صومعته فاستفتح عليه، فقال له: من أنت؟ قال: أنا المسيح، فقال الراهب: والله لئن كنت إبليس لأخلون بك، ولئن كنت المسيح فما عسى أن أصنع بك اليوم شيئا، لقد بلغتنا رسالة ربك فقبلناها عنك، وشرعت لنا الدين

стр. 3117

فنحن عليه، فاذهب فلست بفاتح لك فقال: صدقت، أنا إبليس ولا أريد إضلالك بعد اليوم أبدا فسلني عما بدا لك أخبرك به. قال: وأنت صادق؟ قال: لا تسألنى عن شيء إلا صدقتك فيه. قال: فأخبرني أي أخلاق بنى آدم أوثق في أنفسكم أن تضلوهم به؟ قال ثلاثة أشياء: الجدة، والشح، والشكر وقال وهب: قال موسى: يا رب أي عبادك (١) قال: من لا تنفعه موعظة، ولا يذكرني إذا خلا، قال: إلهي فما جزاء من ذكرك بلسانه وقلبه؟ قال: يا موسى أظله يوم القيامة بظل عرشي، وأجعله في كنفى. وقال وهب: لقي عالم عالما هو فوقه في العلم فقال له: رحمك الله ما هذا البناء الّذي لا إسراف فيه؟ قال: ما سترك من الشمس، وأكنك من الغيث. قال: فما هذا الطعام الّذي لا إسراف فيه؟ قال: فوق الجوع ودون الشبع من غير تكلف. قال: فما هذا اللباس الّذي لا إسراف فيه؟ قال: هو ما ستر العورة ومنع الحر والبرد من غير تنوع ولا تلون. قال: فما هذا الضحك الّذي لا إسراف فيه؟ قال: هو ما أسفر وجهك ولا يسمع صوتك. قال: فما هذا البكاء الّذي لا إسراف فيه؟ قال: لا تمل من البكاء من خشية الله ، ولا تبك على شيء من الدنيا. قال: كم أخفى من عملي؟ قال: ما أظن بك أنك لم تعمل حسنة. قال: ما أعلن من عملي؟ قال: الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وما يأتم بك الحريص، واحذر النظر إلى الناس. وقال: لكل شيء طرفان ووسط، فإذا أمسكت بأحد الطرفين مال الآخر، وإذا أمسكت بالوسط اعتدلا، فعليكم بالوسط من الأشياء. وقال: أربعة أحرف في التوراة: من لم يشاور يندم، ومن استغنى استأثر، والفقر الموت الأحمر، وكما تدين تدان، ومن تجر فجر. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا بكار بن عبد الله أنه سمع وهب بن منبه يقول: كان رجل من أفضل أهل زمانه، وكان يزار فيعظهم، فاجتمعوا إليه ذات يوم فقال: إنا قد خرجنا عن الدنيا وفارقنا الأهل والأموال مخافة الطغيان، وقد خفنا أن يكون قد دخل علينا في حالنا هذه من الطغيان أعظم وأكثر مما يدخل على أهل الأموال في أموالهم، وعلى الملوك في ملكهم، أرانا يحب أحدنا أن تقضى له الحاجة، وإذا اشترى شيئا أن يحابي لمكان دينه، وأن يعظم إذا لقي الناس لمكان دينه، وجعل يعدد آفات العلماء والعباد الذين يدخل عليهم في دينهم من حب الشرف والتعظيم. قال: فشاع ذلك الكلام عنه حتى بلغ ملك تلك البلاد، فعجب منه الملك وقال لرءوس دولته: ينبغي لهذا أن يزار، ثم اتعدوا لزيارته يوما، فركب إليه الملك ليسلم عليه، فأشرف العابد - وكان عالما جيد العلم بآفات العلوم والأعمال ودسائس النفوس - فرأى الأرض التي تحت مكانه قد سدت بالخيل والفرسان، فقال ما هذا؟ فقيل له: هذا الملك قاصد إليك يسلم عليك لما بلغه من حسن كلامك،

стр. 3118

فقال: إنا لله، وما أصنع به؟ هلكنا والله إن لم نلقن الحجة من عند الله مع هذا الرجل، وينصرف عنا وهو ماقت لنا، ثم سأل خادمه: هل عندك طعام؟ قال: نعم. قال: فأت به فضعه بين أيدينا، قال: هو شيء من ثمر الشجر، وهو شيء من بقل وزيتون، قال: فأت به، فأتى به، ثم أمر بجماعته فاجتمعوا حول ذلك الطعام، فقال: إذا دخل عليكم هذا الرجل فلا يلتفت أحد منكم إليه، ولا يقم له أحد، وأقبلوا على الأكل العنيف، ولا يرفع أحد منكم رأسه، لعل الله أن يصرفه عنا وهو كاره لنا فانى أخاف الفتنة والشهرة وامتلاء القلب منهما، فلا نخلص إلا بنار جهنم. قال: فبكى القوم وبكى ذلك الرجل العالم، فلما اقترب الملك من جبلهم الّذي هم فيه، ترجل الملك ومن معه من أعيان دولته وصعد في الجبل، فلما وصل إلى قرب مكانهم أخذوا في الأكل العنيف، فدخل عليهم الملك وهم يأكلون فلم يرفعوا رءوسهم إليه، وجعل ذلك العالم الفاضل يلف البقل مع الزيتون مع الكسرة الكبيرة من الخبز ويدخلها في فمه، فسلم عليهم الملك وقال: أيكم العابد؟ فأشاورا إليه، فقال له الملك: كيف أنت أيها الرجل؟ فقال له: كالناس - وهو يأكل ذلك الأكل العنيف - فقال الملك: ليس عند هذا خير، ثم أدبر الملك خارجا عنه، وقال: ما عند هذا من علم. فلما نزل الملك من الجبل نظر إليه العابد من كوة وقال: أيها الملك! الحمد لله الّذي صرفك عنى وأنت لي كاره - أو قال: الحمد لله الّذي صرفك عنى بما صرفك به - وفي رواية ذكر ابن المبارك أنه قال: الحمد لله الّذي صرفه عنى وهو لي لائم. وفي رواية أن هذا العابد كان ملكا، وكان قد زهد في الدنيا وتركها، لأنه كان قد دخل عليه رجل من بقايا أهل الجنة والعمل الصالح فوعظه، فاتعد معه أن يصحبه، وأنه يخرج عن الملك طلبا لما عنده في الدار الآخرة، وأنه وافقه جماعة من بنيه وأهله ورءوس دولته، فخرجوا برّمتهم، لا يدرى أحد أين ذهبوا، وكان هذا الملك من أهل العدل والخير والخوف من الله ، وكان متسع الملك والمملكة، كثير الأموال والرجال، فساروا حتى أتوا جبلا في أطراف مملكته، كثير الشجر والمياه، فأقاموا به حينا، فقال الملك: إن نحن طال أمرنا ومقامنا في هذا الجبل، سمع بنا الناس من أهل مملكتنا فلا يدعونا، وإني أرى أن نذهب إلى غير مملكتنا فننزل مكانا بعيدا عن الناس، لعل أن نسلم منهم ويسلموا منا، فساروا من ذلك الجبل طالبين بلادا لا يعرفون، فوجدوا بها جبلا نائيا عن الناس، كثير الأشجار والمياه، قليل الطوارق، وإذا في ذروته عين ماء جارية وأرض متسعة، تزرع لمن أراد الزرع بها، فنزلوا به وبنوا به أماكن للعبادة والسكنى، وزرعوا لهم على ماء تلك العين بعض بقول يأتدمون بها، وأشجار زيتون، وجعلوا يزرعون بأيديهم ويأكلون ثم شاع أمرهم في بعض تلك البلاد القريبة من جبلهم، فجعلوا يأتونهم ويزورونهم، إلى أن شاع

стр. 3119

ذلك الكلام المتقدم عن ذلك العالم، فبلغ ملك تلك البلاد فقصدهم للزيارة، فذكر القصة كما تقدم، والله أعلم. وقال وهب: أزهد الناس في الدنيا - وإن كان عليها حريصا - من لم يرض منها إلا بالكسب الحلال الطيب، مع حفظ الأمانات، وأرغب الناس فيها وإن كان عنها معرضا، من لم يبال من أين كسبه منها حلالا كان أو حراما، وإن أجود الناس في الدنيا من جاد بحقوق الله ، وإن رآه الناس بخيلا فيما سوى ذلك، وإن أبخل الناس في الدنيا من بخل بحقوق الله وإن رآه الناس جوادا فيما سوى ذلك. وقال الطبراني: حدثنا معاذ بن المثنى حدثنا على بن المديني حدثنا محمد بن عمرو بن مقسم قال سمعت عطاء بن مسلم يقول: سمعت وهب بن منبه يقول: إن الله تعالى كلم موسى ﵇ في ألف مقام، وكان إذا كلمه رئي النور على وجه موسى ثلاثة أيام، ولم يمس موسى امرأة منذ كلمه ربه . وقال عثمان بن أبى شيبة: حدثنا عبد الله بن عامر بن زرارة حدثنا عبد الله بن الأجلح عن محمد بن إسحاق قال: حدثني ربيعة بن أبى عبد الرحمن قال: سمعت ابن منبه اليماني يقول: إن للنبوة أثقالا ومؤنة لا يحملها إلا القوى، وإن يونس بن متى كان عبدا صالحا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فرفضها من يده وخرج هاربا، فقال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وقال: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ الآية، وقال يونس بن بكير عن أبى إسحاق بن وهب بن منبه عن أبيه قال: أمر الله الريح أن لا يتكلم أحد من الخلائق بشيء في الأرض إلا ألقته في أذن سليمان، فلذلك سمع كلام النملة. وروى سفيان عن عمرو بن دينار عن وهب قال: كان الرجل من بنى إسرائيل إذا ساح أربعين سنة أرى شيئا، كأن يرى علامة القبول، قال: فساح رجل من ولد ربيعة أربعين سنة فلم ير شيئا، فقال: يا رب إذ أحسنت وأساء والداي فما ذنبي؟ قال: فأرى ما كان يرى غيره. وفي رواية أنه قال: يا رب إذا كان والداي قد أكلا أضرس أنا؟ وفي رواية عنه أنه قال: يا رب إذا كان والداي قد أساءا أحرم أنا إحسانك وبرك؟ فأظلته غمامة. وروى عبد الله بن المبارك عن رباح بن زيد عن عبد العزيز بن مروان. قال: سمعت وهب ابن منبه يقول: مثل الدنيا والآخرة مثل ضرتين، إن أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وقال: إن أعظم الذنوب عند الله بعد الشرك بالله السحر. وروى عبد الرزاق قال: أخبرنى أبى عن وهب قال: إذا صام الإنسان زاغ بصره، فإذا أفطر على حلاوة عاد بصره. وقال ابن المبارك

стр. 3120

عن بكر بن عبد الله قال سمعت وهبا يقول: مرّ رجل عابد على رجل عابد فرآه مفكرا، فقال له: مالك؟ فقال له: أعجب من فلان، إنه كان قد بلغ من عبادته ما بلغ، ثم مالت به الدنيا. فقال: لا تعجب ممن مال كيف مال، ولكن اعجب ممن استقام كيف استقام. وقال عبد الله ابن الامام أحمد بن حنبل: حدثني أبى حدثنا عبد الرزاق حدثنا بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن بنى إسرائيل أصابتهم عقوبة وشدة، فقال النبي ﷺ : وددنا أن نعلم ما الّذي يرضى ربنا فنتبعه، فأوحى الله إليه: إن قومك يقولون: إذا أرضوهم رضيت، وإذا أسخطوهم أسخطت. وقال عبد الله بن أحمد أيضا: حدثنا أبى حدثنا إبراهيم بن خالد حدثني عمر بن عبد الرحمن قال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن عيسى ﵇ كان واقفا على قبر ومعه الحواريون - أو نفر من أصحابه - قال: وصاحب القبر يدلّى فيه، قال: فذكروا من ظلمة القبر وضيقه، فقال عيسى: قد كنتم فيما هو أضيق من ذلك، في أرحام أمهاتكم، فإذا أحب الله أن يوسع وسع، أو كما قال. وقال عبد الله بن المبارك: حدثنا بكار بن عبد الله قال: سمعت وهب بن منبه يقول: كان رجل عابد من السياح أراده الشيطان من قبل الشهوة والرغبة والغضب، فلم يستطع منه شيئا من ذلك، فتمثل له حية وهو يصلى، فمضى ولم يلتفت إليه، فالتوى على قدميه فلم يلتفت إليه، فدخل ثيابه وأخرج رأسه من عند رأسه فلم يلتفت ولم يستأخر، فلما أراد أن يسجد التوى في موضع سجوده، فلما وضع رأسه ليسجد فتح فاه ليلتقم رأسه، فوضع رأسه فجعل يعركه حتى استمكن من السجود على الأرض. ثم جاءه على صورة رجل فقال له: أنا صاحبك الّذي أخوفك، أتيتك من قبل الشهوة والغضب والرغبة، وأنا الّذي كنت أتمثل لك بالسباع والحيات فلم أستطع منك شيئا، وقد بدا لي أن أصادقك ولا آتيك في صلاتك بعد اليوم. فقال له العابد: لا يوم خوفتني خفتك، ولا اليوم بى حاجة في مصادقتك. قال: سلني عما شئت أخبرك، قال فما عسيت أن أسألك؟ قال: ألا تسألنى عن مالك ما فعل به بعدك؟ قال: لو أردت ذلك ما فارقته. قال: أفلا تسألنى عن أهلك من مات منهم ومن بقي؟ قال: أنا مت قبلهم. قال أفلا تسألنى عما أضل به الناس؟ قال: أنت أضلهم. فأخبرني عن أوثق ما في نفسك تضل به بنى آدم. قال: ثلاثة أخلاق، الشح، والحدة، والسكر. فان الرجل إذا كان شحيحا قللنا ماله في عينه ورغبناه في أموال الناس، وإذا كان حديدا تداولناه بيننا كما يتداول الصبيان الكرة، ولو كان يحيى الموتى بدعوته لم نيأس منه، وكل ما يبنيه نهدمه، لنا كلمة واحدة. وإذا سكر قدناه إلى كل شر وفضيحة وخزي وهو ان كما تقاد القط إذا أخذ بأذنها كيف شئنا.

стр. 3121

وقال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، ومسخ بخت نصّر في السباع سبع سنين. وسئل وهب عن الدنانير والدراهم فقال: هي خواتيم رب العالمين، فالأرض لمعايش بنى آدم لا تؤكل ولا تشرب، فأينما ذهبت بخاتم رب العالمين قضيت حاجتك، وهي أزمة المنافقين بها يقادون إلى الشهوات. وروى داود بن عمر الضبي عن ابن المبارك عن معمر عن سماك ابن المفضل عن وهب قال: مثل الّذي يدعو بغير عمل مثل الّذي يرمى بغير وتر. وقال ابن المبارك: أخبرنى عمر بن عبد الرحمن بن مهرب قال: سمعت وهبا يقول: قال حكيم من الحكماء: إني لأستحي من الله أن أعبده رجاء ثواب الجنة فقط، فأكون كالأجير السوء، إن أعطى عمل وإن لم يعط لم يعمل، وإني لأستحي من الله أن أعبده مخافة النار فقط، فأكون كالعبد السوء إن رهب عمل وإن ترك لم يعمل، وإني ليستخرج منى حب الله ما لا يستخرج مني غيره. وقال السري بن يحيى: كتب وهب إلى مكحول: إنك قد أصبت بما ظهر من علم الإسلام عند الناس محبة وشرفا، فاطلب بما بطن من علم الإنسان عند الله محبة وزلفى، واعلم أن إحدى المحبتين تمنع الأخرى - أو قال: سوف تمنعك الأخرى - وقال زافر بن سليمان عن أبى سنان الشيباني قال: بلغنا أن وهب بن منبه قال قال لقمان لابنه: يا بنى اتخذ طاعة الله تجارة تريد بها ربح الدنيا والآخرة، والايمان سفينتك التي تحمل عليها، والتوكل على الله شراعها، والدنيا بحرك، والأيام موجك، والأعمال الصالحة تجارتك التي ترجو ربحها، والنافلة هي هديتك التي ترجو بها كرامتك، والحرص عليها يسيرها ويزجيها، ورد النفس عن هواها مراسيها، والموت ساحلها، والله ملكها وإليه مصيرها. وأحب التجار إلى الله وأفضلهم وأقربهم منه أكثرهم بضاعة وأصفاهم نية، وأخلصهم هدية. وأبغضهم إليه أقلهم بضاعة، وأرد أهم هدية، وأخبثهم طوية، فكلما حسنت تجارتك ازداد ربحك، وكلما خلصت هديتك تكرم. وفي رواية عنه أنه قال: قال لقمان لابنه: يا بنى اتخذ طاعة الله بضاعة تأتك الأرباح من كل مكان، واجعل سفينتك تقوى الله، وحشوها التوكل على الله، وشراعها الايمان بالله، وبحرك العلم النافع والعمل الصالح لعلك أن تنجو، وما أراك بناج. وقال عبد الله بن المبارك عن رباح بن زيد عن رجل قال: إن للعلم طغيانا كطغيان المال. وقال الطبراني: حدثنا عبيد بن محمد الصنعاني حدثنا أبو قدامة همام بن مسلمة بن عقبة حدثنا غوث بن جابر حدثنا عقيل بن منبه قال: سمعت عمى وهب بن منبه يقول: الأجر من الله معروض، ولكن لا يستوجبه من لا يعمل، ولا يجده من لا يبتغيه، ولا يبصره من لا ينظر إليه، وطاعة الله قريبة ممن يرغب فيها، بعيدة ممن زهد فيها، ومن يحرص عليها يصل إليها، ومن لا يحبها لا يجدها، لا تسبق من سعى إليها، ولا يدركها من أبطأ عنها، وطاعة الله تشرف من أكرمها،

стр. 3122

وتهين من أضاعها، وكتاب الله يدل عليها، والايمان بالله يحض عليها. وقال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا عمر بن عبد الرحمن سمعت وهب بن منبه يقول قال داود ﵇: يا رب أي عبادك أحب إليك؟ قال: مؤمن حسن الصورة حسن العمل. قال: يا رب أي عبادك أبغض إليك؟ قال: كافر حسن الصورة كفر أو شكر، هذان. وفي رواية ذكرها أحمد بن حنبل: أي عبادك أبغض إليك؟ قال: عبد استخارنى في أمر فخرت له فلم يرض به. وقال إبراهيم بن الجنيد: حدثني إبراهيم بن سعيد عن عبد المنعم بن إدريس حدثنا عبد الصمد ابن معقل عن وهب بن منبه قال: كان سائح يعبد الله تعالى، فجاءه إبليس أو شيطان فتمثل بإنسان فجعل يريه أنه يعبد الله تعالى، وجعل يزيد عليه في العبادة، فأحبه ذلك السائح لما رأى من اجتهاده وعبادته، فقال له الشيطان - والسائح في مصلاه -: لو دخلنا إلى المدينة فخالطنا الناس وصبرنا على أذاهم وأمرنا ونهينا، كان أعظم لأجرنا، فأجابه السائح إلى ذلك، فلما أخرج السائح إحدى رجليه من باب مكانه لينطلق معه، هتف به هاتف فقال: إن هذا شيطان أراد أن يفتنك. فقال السائح: رجل خرجت في معصية الله وطاعة الشيطان لا تدخل معى، فما حولها من موضعها ذلك حتى فارق الدنيا، فأنزل الله تعالى ذكره في بعض كتبه فقال: وذو الرّجل. وقال وهب: أتى رجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحم الخنزير، فأعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك - سرا بينه وبينه -: أيها العالم، اذبح جديا مما يحل لك أكله ثم ادفعه إلى حتى أصنعه لك على حدته، فإذا دعا الملك بلحم الخنزير أمرت به فوضع بين يديك، فتأكل منه حلالا ويرى الملك والناس أنك إنما أكلت لحم الخنزير، فذبح ذلك العالم جديا، ثم دفعه إلى صاحب الشرطة فصنعه له، وأمر الطباخين إذا أمر الملك بأن يقدم إلى هذا العالم لحم الخنزير [أن يضعوا بين يديه لحم هذا الجدي واجتمع الناس] لينظروا أمر هذا العالم فيه أيأكل أم لا، وقالوا إن أكل أكلنا وإن امتنع امتنعنا، فجاء الملك فدعا لهم بلحوم الخنازير فوضعت بين أيديهم، ووضع بين يدي ذلك العالم لحم ذلك الجدي الحلال المذكى، فألهم الله ذلك العالم فألقى في روعه وفكره، فقال: هب أنى أكلت لحم الجدي الّذي أعلم حله أنا، فماذا أصنع بمن لا يعلم؟ والناس إنما ينتظرون أكلى ليقتدوا بى، وهم لا يعلمون إلا أنى إنما أكلت لحم الخنزير فيأكلون اقتداء بى، فأكون ممن يحمل أو زارهم يوم القيامة، لا أفعل والله وإن قتلت وحرقت بالنار، وأبى أن يأكل، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه ويومى إليه ويأمره بأكله، أي إنما هو لحم الجدي، فأبى أن يأكل، ثم أمره الملك أن يأكل فأبى، فألحوا عليه فأبى، فأمر الملك صاحب الشرطة بقتله، فلما ذهبوا به ليقتلوه، قال له صاحب الشرطة: ما منعك أن تأكل من اللحم الّذي ذكيته أنت ودفعته

стр. 3123

إلى؟ أظننت أنى أتيتك بغيره وخنتك فيما ائتمنتني عليه؟ ما كنت لأفعل والله. فقال له العالم: قد علمت أنه هو، ولكن خفت أن يتأسى الناس بى، وهم إنما ينتظرون أكلى منه، ولا يعلمون إلا أنى إنما أكلت لحم الخنزير، وكذلك كل من أريد على أكله فيما يأتى من الزمان يقول: قد أكله فلان، فأكون فتنة لهم. فقتل ﵀. فينبغي للعالم أن يحذر المعايب، ويجتنب المحذورات، فان زلته وناقصته منظورة يقتدى بها الجاهل. وقال معاذ بن جبل: اتقوا زيغة الحكيم، وقال غيره: اتقوا زلة العالم، فإنه إذا زل زل بزلته عالم كبير. ولا ينبغي له أن يستهين بالزلة وإن صغرت، ولا يفعل الرخص التي اختلف فيها العلماء، فان العالم هو عصاة كل أعمى من العوام، بها يصول على الحق ليدحضه، ويقول: رأيت فلانا العالم، وفلانا وفلانا يفعلون ويفعلون. وليجتنب العوائد النفسية، فإنه قد يفعل أشياء على حكم العادة فيظنها الجاهل جائزة أو سنة أو واجبة، كما قيل: سل العالم يصدقك ولا تقتد بفعله الغريب، ولكن سله عنه يصدقك إن كان ذا دين، وكم أفسد النظر إلى غالب علماء زمانك هذا من خلق، فما الظن بمخالطتهم ومجالستهم ولكن ﴿مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً﴾. وقال محمد بن عبد الملك بن زنجويه: حدثنا عبد الرزاق عن أبيه قال: قلت لوهب بن منبه: كنت ترى الرؤيا فتخبرنا بها، فلا نلبث أن نراها كما رأيتها، قال: ذهب ذلك عنى منذ وليت القضاء. قال عبد الرزاق: فحدثت به معمرا فقال: والحسن بعد ما ولى القضاء لم يحمدوا فهمه، فمن يأمن القراء بعدك يا شهر؟ فكيف حال من قد غرق في قاذورات الدنيا من علماء زمانك هذا، ولا سيما من بعد فتنة تمرلنك؟ فان القلوب قد امتلأت بحب الدنيا، فلا يجد العلم فيها موضعا، فجالس من شئت منهم لتنظر مبادئ مجالستهم وغاياتها، ولا تستخفك البدوات، فإنما الأمور بعواقبها وخواتيمها ونتائجها، وغاياتها. ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقال وهب: البلاء للمؤمن كالشكال للدابة. وقال أبو بلال الأشعري عن أبى شهاب الصنعاني عن عبد الصمد عن وهب قال: من أصيب بشيء من البلاء فقد سلك به طريق الأنبياء. وقال عبد الله ابن الامام أحمد بن حنبل: حدثنا عبد الرزاق قال: أنبأنا منذر قال: سمعت وهبا يقول: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك طريق - أو قال سبيل - أهل البلاء فطب نفسا، فقد سلك بك طريق الأنبياء والصالحين وقال الامام أحمد: حدثنا أحمد بن جعفر حدثنا إبراهيم بن خالد حدثني أمية بن شبل عن عثمان بن بزدويه قال: كنت مع وهب وسعيد بن جبير يوم عرفة تحت نخيل ابن عامر، فقال وهب لسعيد: يا أبا عبد الله! كم لك منذ خفت من الحجاج؟ قال: خرجت عن امرأتي وهي حامل فجاءني الّذي في بطنها وقد خرج [شعر] وجهه، فقال له وهب: إن من كان قبلكم كان إذا أصابه بلاء عده رجاء،

стр. 3124

وإذا أصابه رجاء عده بلاء. وروى عبد الله بن أحمد بسنده عن وهب قال: قرأت في بعض الكتب: ليس من عبادي من سحر أو سحر له، أو تكهن أو تكهن له، أو تطير أو تطير له، فمن كان كذلك فليدع غيري، فإنما هو أنا وخلقي كلهم لي. وقال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم بن خالد حدثنا رباح عن جعفر بن محمد عن التيمي عن وهب أنه قال: دخول الجمل في سم الخياط أيسر من دخول الأغنياء الجنة. قلت: هذا إنما هو لشدة الحساب وطول وقوف الأغنياء في الكرب، كما قد ضربت الأمثال للشدائد. والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا بكار قال سمعت وهبا يقول: ترك المكافأة من التطفيف. وقال الامام أحمد: حدثنا الحجاج وأبو النصر قالا: حدثنا محمد بن طلحة عن محمد بن جحادة عن وهب قال: من يتعبد يزدد قوة، ومن يتكسل يزدد فترة. وقد قال غيره: إن حوراء جاءته في المنام في ليلة باردة فقالت له: قم إلى صلاتك فهي خير لك من نومة توهن بدنك. ورأيت في ذلك حديثا لم يحضرني الآن. وهذا أمر مجرب أن العبادة تنشط البدن وتلينه، وأن النوم يكسل البدن فيقسيه، وقد قال بعض السلف لما تبع ضلة ابن أشيم حين دخل تلك الغيضة، وأنه قام ليلته إلى أن أصبح، قال فأصبح كأنه بات على الحشايا، وأصبحت ولى من الكسل والفتور ما لا يعلمه إلا الله . وقد قيل للحسن: ما بال المتعبدين أحسن الناس وجوها؟ قال: لأنهم خلوا بالجليل فألبسهم نورا من نوره. وقال يحيى بن أبى كثير: والله ما رجل يخلو بأهله عروسا أقر ما كانت نفسه وآنس، بأشد سرورا منهم بمناجاة ربهم تعالى إذا خلوا به. وقال عطاء الخراساني: قيام الليل محياة للبدن، ونور في القلب، وضياء في الوجه، وقوة في البصر والأعضاء كلها، وإن الرجل إذا قام بالليل أصبح فرحا مسرورا، وإذا نام عن حزبه أصبح حزينا مكسور القلب كأنه قد فقد شيئا، وقد فقد أعظم الأمور له نفعا. وقال ابن أبى الدنيا، حدثنا أبو جعفر أحمد بن منيع حدثنا هاشم بن القاسم أبو النصر حدثنا بكر بن حبيش عن محمد القرشي عن ربيعة بن يزيد عن أبى إدريس الخولانيّ عن بلال قال قال رسول الله ﷺ : «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم، وإن قيام الليل قربة إلى الله تعالى، ومنهاة عن الإثم، وتكفير عن السيئات، ومطردة للشيطان عن الجسد» وقد رواه غيره من طرق: «عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم» ويكفى في هذا الباب ما رواه أهل الصحيح والمسانيد عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «يعقد الشيطان على قافية أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد. فإذا استيقظ وذكر الله انحلت

стр. 3125

عقدة، وإذا توضأ انحلت عقدة، فان صلى انحلت عقدة فأصبح نشيطا طيب النفس، وإلا أصبح خبيث النفس كسلان». وهذا باب واسع. وقد قال هود فيما أخبر الله عنه: ﴿اُعْبُدُوا اللهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ﴾ ثم قال: ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى قُوَّتِكُمْ﴾ وهذه القوة تشمل جميع القوى، فيزيد الله عابديه قوة في إيمانهم ويقينهم ودينهم وتوكلهم، وغير ذلك مما هو من جنس ذلك، ويزدهم قوة في أسماعهم وأبصارهم وأجسادهم وأموالهم وأولادهم وغير ذلك، والله أعلم. وقال الامام أحمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثني عبد الصمد أنه سمع وهبا يقول: تصدق صدقة رجل يعلم أنه إنما قدم بين يديه ماله وما خلف مال غيره. قلت: وهذا كما في الحديث «أيكم مال وارثه أحب إليه من ماله؟ فقالوا: كلنا ماله أحب إليه من مال وارثه، فقال: إن ماله ما قدم، ومال وارثه ما أخر». قال: وسمعت وهبا على المنبر يقول: احفظوا عنى ثلاثا، إياكم وهوى متبعا، وقرين سوء، وإعجاب المرء بنفسه. وقد رويت هذه الألفاظ في حديث. وقال الإمام أحمد: حدثنا يونس بن عبد الصمد بن معقل حدثنا إبراهيم بن الحجاج قال: سمعت وهبا يقول: أحب بنى آدم إلى الشيطان النؤوم الأكول. وقال الامام أحمد: حدثنا غوث بن جابر حدثنا عمران بن عبد الرحمن أبو الهذيل أنه سمع وهبا يقول: إن الله يحفظ بالعبد الصالح القيل من الناس. وقال أحمد أيضا: حدثنا إبراهيم بن عقيل حدثنا عمران أبو الهذيل من الأنباء عن وهب بن منبه قال: ليس من الآدميين أحد إلا ومعه شيطان موكل به، فأما الكافر فيأكل معه ويشرب معه، وينام معه على فراشه. وأما المؤمن فهو مجانب له ينتظر متى يصيب منه غفلة أو غرة. وأحب الآدميين إلى الشيطان الأكول النؤوم. وقال محمد بن غالب: حدثنا أبو المعتمر ابن أخى بشر بن منصور عن داود بن أبى هند عن وهب. قال: قرأت في بعض الكتب الّذي أنزلت من السماء على بعض الأنبياء: أن الله تعالى قال لإبراهيم ﵊: أتدري لم اتخذتك خليلا؟ قال: لا يا رب، قال: لذل مقامك بين يدي في الصلاة. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا محمد بن أيوب حدثنا أبو بكر بن عياش عن إدريس ابن وهب بن منبه قال: حدثني أبى قال: كان لسليمان بن داود ألف بيت أعلاه قوارير وأسفله حديد فركب الريح يوما فمر بحراث فنظر إليه الحراث فاستعظم ما أوتى سليمان من الملك، فقال: لقد أوتى آل داود ملكا عظيما، فحملت الريح كلام الحراث فألقته في أذن سليمان، قال: فأمر الريح فوقفت، ثم نزل يمشى حتى أتى الحراث فقال له: إني قد سمعت قولك، وإنما مشيت إليك لئلا تتمنى ما لا تقدر عليه مما أقدرنى الله عليه تفضلا وإحسانا منه على، لأنه هو الّذي أقامنى لهذا وأعاننى. ثم قال: والله لتسبيحة واحدة يقبلها الله منك أو من مؤمن خير مما أوتى آل داود من الملك، لأن

стр. 3126

ما أوتى آل داود من ملك الدنيا يفنى، والتسبيحة تبقى، وما يبقى خير مما يفنى. فقال الحراث: أذهب الله همك كما أذهبت همي. وقال الامام أحمد: حدثنا إبراهيم بن عقيل بن معقل حدثني أبى عن وهب بن منبه. قال: إن الله أعطى موسى ﵇ نورا، فقال له هارون: هبه لي يا أخى، فوهبه له، فأعطاه هارون ابنه، وكان في بيت المقدس آنية تعظمها الأنبياء والملوك، فكان ابنا هارون يسقيان في تلك الآنية الخمر، فنزلت نار من السماء فاختطفت ابني هارون فصعدت بهما، ففزع هارون لذلك فقام مستغيثا متوجها بوجهه إلى السماء بالدعاء والتضرع، فأوحى الله إليه: يا هارون هكذا أفعل بمن عصاني من أهل طاعتي، فكيف فعلى بمن عصاني من أهل معصيتي؟. وقال الحكم بن أبان: نزل بى ضيف من أهل صنعاء فقال: سمعت وهب بن منبه يقول: إن لله في السماء السابعة دارا يقال لها البيضاء يجمع فيها أرواح المؤمنين، فإذا مات الميت من أهل الدنيا تلقته الأرواح فيسألونه عن أخبار الدنيا كما يسأل الغائب أهله إذا قدم عليهم. وقال: من جعل شهوته تحت قدمه فزع الشيطان من ظلمه، فمن غلب علمه هواه فذلك العالم الغلاب. وقال فضيل بن عياض: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: بعيني ما يتحمل المتحملون من أجلى، وما يكابدون في طلب مرضاتي، فكيف بهم إذا صاروا إلى داري، وتبحبحوا في رياض نعمتي؟ هنالك فليبشر المضعفون لله أعمالهم بالنظر العجيب من الحبيب القريب، أتراني أنسى لهم عملا؟ وكيف وأنا ذو الفضل العظيم أجود على المولين المعرضين عنى، فكيف بالمقبلين على؟ وما غضبت على شيء كغضبى على من أخطأ خطيئة فاستعظمها في جنب عفوي، ولو تعاجلت بالعقوبة أحدا، أو كانت العجلة من شأنى، لعاجلت القانطين من رحمتي. ولو رآني عبادي المؤمنون كيف أستوهبهم ممن اعتدوا عليه، ثم أحكم لمن وهبهم بالخلد المقيم، اتهموا فضلي وكرمي، أنا الديان الّذي لا تحل معصيتي، والّذي أطاعنى أطاعنى برحمتي، ولا حاجة لي بهوان من خاف مقامي. ولو رآني عبادي يوم القيامة كيف أرفع قصورا تحار فيها الأبصار فيسألونى: لمن ذا؟ فأقول: لمن وهب لي ذنبا ما لم يوجب على نفسه معصيتي والقنوط من رحمتي، وإني مكافئ على المدح فامدحونى. وقال سلمة بن شبيب: حدثنا سلمة بن عاصم حدثنا عبد الله بن محمد بن عقبة حدثنا عبد الرحمن أبو طالوت حدثني مهاجر الأسدي عن وهب. قال: مرّ عيسى بن مريم ومعه الحواريون بقرية قد مات أهلها، إنسها وجنها، وهوامها وأنعامها وطيورها، فقام عليها ينظر إليها ساعة ثم أقبل على أصحابه فقال: إنما مات هؤلاء بعذاب من عند الله، ولولا ذلك لماتوا متفرقين. ثم ناداهم عيسى: يا أهل القرية، فأجابه مجيب: لبيك يا روح الله، فقال: ما كانت جنايتكم وسبب هلاككم؟ قال

стр. 3127

عبادة الطاغوت وحب الدنيا، قال: وما كانت عبادتكم للطاغوت؟ قال: طاعة أهل المعاصي هي عبادة الطاغوت. قال: وما كان حبكم للدنيا؟ قال: كحب الصبىّ لأمه، كنا إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا، مع أمل بعيد، وإدبار عن طاعة الله، وإقبال على مساخطه. قال: فكيف كان هلاككم؟ قال: بتنا ليلة في عافية وأصبحنا في هاوية، قال: وما الهاوية؟ قال: سجين، قال: وما السجين؟ قال: جمرة من نار مثل أطباق الدنيا كلها دفنت أرواحنا فيها، قال: فما بال أصحابك لا يتكلمون؟ قال: لا يستطيعون أن يتكلموا. قال: وكيف ذلك؟ قال: هم ملجمون بلجم من نار. قال: وكيف كلمتنى أنت من بينهم؟ قال: كنت فيهم لما أصلبهم العذاب ولم أكن منهم ولا على أعمالهم، فلما جاء البلاء عمني معهم، وأنا معلق بشعرة في الهاوية لا أدرى أكردس فيها أم أنجو. فقال عيسى ﵇ عند ذلك لأصحابه: بحق أقول لكم: لخبز الشعير وشرب الماء القراح والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا والآخرة وروى الطبراني عنه أنه قال: لا يكون المرء حكيما حتى يطيع الله ، وما عصى الله حكيم، ولا يعصى الله إلا أحمق، وكما لا يكمل النهار إلا بالشمس، ولا يعرف الليل إلا بالظلام، كذلك لا تكمل الحكمة إلا بطاعة الله ، ولا يعصى الله حكيم، كما لا يطير الطير إلا بجناحين، ولا يستطيع من لا جناح له أن يطير، كذلك لا يطيع الله من لا يعمل له، ولا يطيق عمل الله من لا يطيعه. وكما لا مكث للنار في الماء حتى تطفأ، كذلك لا مكث لعمل الرياء حتى يبور. وكما يبدي سرّ الزانية وفضيحتها فعلها، كذلك يفتضح بالفعل السيئ من كان يقرأ لجليسه بالقول الحسن ولم يعمل به. وكما تكذب معذرة السارق بالسرقة إذا ظهر عليها عنده، كذلك تكذب معصية القارئ لله قراءته إذا كان يقرؤها لغير الله تعالى. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن النضر حدثنا على بن بحر بن بري حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل. قال سمعت وهبا يقول: في مزامير آل داود: طوبى لمن يسلك سبيل الحطابين ولا يجالس البطالين، وطوبى لمن يسلك طريق الأئمة ويستقيم على عبادة ربه، فمثله كمثل شجرة نابتة على ساقية لا تزال فيها الحياة، ولا تزال خضراء. وروى الطبراني أيضا عنه قال: إذا قامت الساعة صرخت الحجارة صراخ النساء، وقطرت العضاة دما. وروى عنه أنه قال: ما من شيء إلا يبدو صغيرا ثم يكبر، إلا المصيبة فإنها تبدو كبيرة ثم تصغر. وروى عنه أيضا أنه قال: وقف سائل على باب داود ﵇، فقال: يا أهل بيت النبوة تصدقوا علينا بشيء رزقكم الله رزق التاجر المقيم في أهله. فقال داود: أعطوه، فو الّذي نفسي بيده إنها لفي الزبور. وقال: من عرف بالكذب لم يجز صدقه، ومن عرف بالصدق ائتمن على حديثه، ومن أكثر الغيبة

стр. 3128

والبغضاء لم يوثق منه بالنصيحة، ومن عرف بالفجور والخديعة لم يؤمن إليه في المحنة، ومن انتحل فوق قدره جحد قدره، ولا تستحسن فيك ما تستقبح في غيرك. هذه الآثار رواها الطبراني عنه من طرق. وروى داود بن عمرو عن إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم. قال: قدم علينا وهب مكة فطفق لا يشرب ولا يتوضأ إلا من زمزم، فقيل له: مالك في الماء العذب؟ فقال: ما أنا بالذي أشرب وأتوضأ إلا من زمزم حتى أخرج منها، إنكم لا تدرون ما ماء زمزم، والّذي نفسي بيده إنها لفي كتاب الله طعام طعم، وشفاء سقم، ولا يعمد أحد إليها يتضلع منها ريا، ابتغاء بركتها، إلا نزعت منه داء وأحدثت له شفاء. وقال: النظر في زمزم عبادة. وقال: النظر فيها يحط الخطايا حطا. وقال وهب: مسخ بخت نصّر أسدا فكان ملك السباع، ثم مسخ نسرا فكان ملك الطيور، ثم مسخ ثورا فكان ملك الدواب، وهو في كل ذلك يعقل عقل الإنسان، وكان ملكه قائما يدبر، ثم رد الله عليه روحه إلى حالة الإنسان، فدعا إلى توحيد الله وقال: كل إله باطل إلا إله السماء. فقيل له: أمات مؤمنا؟ فقال: وجدت أهل الكتاب قد اختلفوا فيه، فقال بعضهم: آمن قبل أن يموت، وقال بعضهم: قتل الأنبياء، وحرق الكتب، وحرق بيت المقدس، فلم يقبل منه التوبة. هكذا رواه الطبراني عن محمد بن أحمد بن الفرج عن عباس بن يزيد عن عبد الرزاق عن بكار بن عبد الله. قال: سمعت وهب بن منبه يقول، فذكره. وقال وهب: كان رجل بمصر فسألهم ثلاثة أيام أن يطعموه فلم يطعموه، فمات في اليوم الرابع فكفنوه ودفنوه، فأصبحوا فوجدوا الكفن في محرابهم مكتوب عليه: قتلتموه حيا وبررتموه ميتا؟ قال يحيى: فأنا رأيت القرية التي مات فيها ذلك الرجل، وما بها أحد إلا وله بيت ضيافة، لا غنى ولا فقير هكذا رواه يحيى بن عبد الباقي عن على بن الحسن عن عبد الله بن أخى وهب، قال: حدثني عمى وهب بن منبه فذكره. قال: وأهل القرية يعترفون بذلك، فمن ثم اتخذوا بيوتا للضيفان والفقراء خوفا من ذلك. وقال عبد الرزاق عن بكار عن وهب. قال: إذا دخلت الهدية من الباب خرج الحق من الكوة. وقال إبراهيم بن الجنيد: حدثنا إبراهيم بن سعيد عن عبد المنعم بن إدريس عن عبد الصمد عن وهب بن منبه قال: مر نبي من الأنبياء على عابد في كهف جبل، فمال إليه فسلم عليه وقال له: يا عبد الله منذ كم أنت هاهنا؟ قال: منذ ثلاثمائة سنة. قال: من أين معيشتك؟ قال: من ورق الشجر، قال: فمن أين شرابك؟ قال: من ماء العيون، قال: فأين تكون في الشتاء؟ قال: تحت هذا الجبل، قال: فكيف صبرك على العبادة؟ قال: وكيف لا أصبر وإنما هو يومى إلى الليل، وأما أمس فقد مضى بما فيه، وأما غد فلم يأت بعد. قال: فعجب النبي من قوله: إنما هو

стр. 3129

يومى إلى الليل. وبهذا الاسناد أن رجلا من العباد قال لمعلمه: قطعت الهوى فلست أهوى من الدنيا شيئا. فقال له معلمه: أتفرق بين النساء والدواب إذا رأيتهن معا؟ قال: نعم، قال أتفرق بين الدنانير والدراهم والحصا؟ قال نعم، قال: يا بنى إنك لم تقطع الهوى عنك ولكنك قد أوثقته فاحذر انفلاته وانقلابه. وقال غوث بن جابر بن غيلان بن منبه: حدثني عقيل بن معقل عن وهب قال: اعمل في نواحي الدين الثلاث، فان للدين نواحي ثلاثا، هن جماع الأعمال الصالحة لمن أراد جمع الصالحات «أولاهن» تعمل شكرا لله على الأنعم الكثيرات الغاديات الرائحات، الظاهرات الباطنات، الحادثات القديمات، يعمل المؤمن شكرا لهن ورجاء تمامهن «والناحية الثانية من الدين» رغبة في الجنة التي ليس لها ثمن وليس لها مثل، ولا يزهد فيها وفي العمل لها إلا سفيه فاجر، أو منافق كافر «والناحية الثالثة من الدين» أن يعمل المؤمن فرارا من النار التي ليس لأحد عليها صبر، ولا لأحد بها طاقة ولا يدان، وليست مصيبتها كالمصيبات، ولا حزن أهلها كالأحزان، نبأها عظيم، وشأنها شديد، والآخرة وحزنها فظيع، ولا يغفل عن الفرار والتعوذ بالله منها إلا سفيه أحمق خاسر، قد خسر الدنيا ﴿ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ﴾. وقال إسحاق بن راهويه: حدثنا عبد الملك بن محمد الدمادى قال أخبرنى محمد بن سعيد بن رمانة قال أخبرنى أبى قال قيل لوهب: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى، ولكن ليس من مفتاح إلا وله أسنان، فمن أتى الباب بمفتاح بأسنانه فتح له، ومن لم يأت الباب بمفتاح بأسنانه لم يفتح له. وقال محمد: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم حدثنا عبد الصمد بن معقل أنه سمع وهبا يقول: ركب ابن ملك في جند من قومه وهو شاب، فصرع عن فرسه فدق عنقه فمات في أرض قريبة من القرى، فغضب أبوه وحلف أن يقتل أهل تلك القرية عن آخرهم، وأن يطأهم بالأفيال، فما أبقت الأفيال وطئته الخيل، فما أبقت الخيل وطئته الرجال، فتوجه إليهم بعد أن سقى الأفيال والخيل الخمر وقال: طأوهم بالأفيال، وإلا فما أبقت الأفيال فلتطأه الخيل، فما أخطأته الخيل فلتطأه الرجال فلما سمع بذلك أهل تلك القرية وعرفوا أنه قد قصدهم لذلك، خرجوا بأجمعهم فجأروا إلى الله سبحانه وعجوا إليه وابتهلوا يدعونه تعالى ليكشف عنهم شر هذا الملك الظالم، وما قصده من هلاكهم. فبينما الملك وجيشه سائرون على ذلك، وأهل القرية في الابتهال والدعاء والتضرع إلى الله تعالى، إذ نزل فارس من السماء فوقع بينهم، فنفرت الأفيال فطغت على الخيل وطغت الخيل على الرجال، فقتل الملك ومن معه وطأ بالأفيال والخيل، ونجى الله أهل تلك القرية من بأسهم وشرهم. وروى عبد الرزاق عن المنذر بن النعمان أنه سمع وهبا يقول: قال الله تعالى لصخرة بيت

стр. 3130

المقدس: لأضعنّ عليك عرشي، ولأحشرن عليك خلقي، وليأتينك داود يومئذ راكبا. وروى سماك بن المفضل عن وهب قال: إني لأتفقد أخلاقى وما فيها شيء يعجبني. وروى عبد الرزاق عن أبيه قال قال وهب: ربما صليت الصبح بوضوء العتمة. وقال بقية بن الوليد: حدثنا زيد بن خالد عن خالد بن معدان عن وهب قال: كان نوح ﵇ من أجمل أهل زمانه، وكان يلبس البرقع فأصابهم مجاعة في السفينة، فكان نوح إذا تجلى لهم شبعوا. وقال قال عيسى: الحق أقول لكم: إن أشدكم جزعا على المصيبة أشدكم حبا للدنيا. وقال جعفر بن برقان: بلغنا أن وهبا كان يقول: طوبى لمن نظر في عيبه عن عيب غيره، وطوبى لمن تواضع لله من غير مسكنة، ورحم أهل الذل والمسكنة، وتصدق من مال جمعه من غير معصية، وجالس أهل العلم والحلم والحكمة، ووسعته السنة ولم يتعدها إلى البدعة. وروى سيار عن جعفر عن عبد الصمد بن معقل عن وهب قال: وجدت في زبور داود: يا داود هل تدري من أسرع الناس مرّا على الصراط؟ الذين يرضون بحكمي، وألسنتهم رطبة بذكري. وقيل إن عابدا عبد الله تعالى خمسين سنة فأوحى الله إلى نبيهم: إني قد غفرت له، فأخبره ذلك النبي، فقال: أي رب، وأي ذنب تغفر لي؟ فأمر عرقا في عنقه فضرب عليه، فلم ينم ولم يهدأ ولم يصل ليلته، ثم سكن العرق، فشكا ذلك إلى النبي، فقال: ما لاقيت من عرق ضرب على في عنقي ثم سكن. فقال له النبي: إن الله يقول: إن عبادتك خمسين سنة ما تعدل سكون هذا العرق. وقال وهب: رءوس النعم ثلاثة «إحداها» نعمة الإسلام التي لا تتم نعمة إلا بها. «والثانية» نعمة العافية التي لا تطيب الحياة إلا بها. «والثالثة» نعمة الغنى التي لا يتم العيش إلا بها. ومر وهب بمبتلى أعمى مجذوم مقعد عريان به وضح وهو يقول: الحمد لله على نعمه، فقال له رجل كان مع وهب: أي شيء بقي عليك من النعمة تحمد الله عليه؟ فقال المبتلى: أدم بصرك إلى أهل المدينة وانظر إلى كثرة أهلها، أو لا أحمد الله أنه ليس فيها أحد يعرفه غيري؟. وقال وهب: المؤمن يخالط ليعلم، ويسكت ليسلم، ويتكلم ليفقههم، ويخلو ليقيم. وقال: المؤمن مفكر مذكر مدخر، تذكر فغلبته السكينة، سكن فتواضع فلم يتهم، رفض الشهوات فصار حرا، ألقى عنه الحسد فظهرت له المحبة، زهد في كل فان فاستكمل العقل، رغب في كل باق فعقل المعرفة، قلبه متعلق بهمه، وهمه موكل بمعاده، لا يفرح إذا فرح أهل الدنيا، بل حزنه عليه سرمد، وفرحه إذا نامت العيون يتلو كتاب الله ويردده على قلبه، فمرة يفزع قلبه ومرة تدمع عينه، يقطع عنه الليل بالتلاوة، ويقطع عنه النهار بالخلوة والعزلة، مفكرا في ذنوبه، مستصغرا لأعماله. وقال وهب: فهذا ينادى يوم القيامة في ذلك الجمع العظيم على رءوس الخلائق: قم أيها الكريم فادخل الجنة. وقال إبراهيم بن سعيد عن عبد الرحمن بن مسعود عن ثور بن يزيد. قال قال وهب بن منبه:

стр. 3131

الويل لكم إذا سماكم الناس صالحين، وأكرموكم على ذلك. وقال الطبراني: حدثنا عبيد بن محمد الكشوري حدثنا همام بن سلمة بن عقبة حدثنا غوث بن جابر حدثنا عقيل بن معقل بن منبه قال: سمعت عمى وهب بن منبه يقول: يا بنى! أخلص طاعة الله بسريرة ناصحة يصدق بها فعلك في العلانية، فان من فعل خيرا ثم أسره إلى الله فقد أصاب مواضعه، وأبلغه قراره، ووضعه عند حافظه وإن من أسر عملا صالحا لم يطلع عليه إلا الله، فقد أطلع عليه من هو حسبه، واستحفظه واستودعه حفيظا لا يضيع أجره، فلا تخافن يا بنى على من عمل صالحا أسره إلى الله ضياعا، ولا تخافن ظلمة ولا هضمة، ولا تظنن أن العلانية هي أنجح من السريرة، فان مثل العلانية مع السريرة كمثل ورق الشجرة مع عرقها، العلانية ورقها والسريرة أصلها، إن يحرق العرق هلكت الشجرة كلها، وإن صلح الأصل صلحت الشجرة، ثمرها وورقها، والورق يأتى عليه حين يجف ويصير هباء تذروه الرياح، بخلاف العرق، فإنه لا يزال ما ظهر من الشجرة في خير وعافية ما كان عرقها مستخفيا لا يرى منه شيء، كذلك الدين والعلم والعمل، لا يزال صالحا ما كان له سريرة صالحة يصدق الله بها علانية العبد، فان العلانية تنفع مع السريرة الصالحة، ولا تنفع العلانية مع السريرة الفاسدة، كما ينفع عرق الشجرة صلاح فرعها، وإن كان حياته من قبل عرقها، فان فرعها زينتها وجمالها، وإن كانت السريرة هي ملاك الدين، فان العلانية معها تزين الدين وتجمله إذا عملها مؤمن لا يريد بها إلا رضاء ربه . وقال الهيثم بن جميل: حدثنا صالح المري عن أبان عن وهب قال: قرأت في الحكمة: الكفر أربعة أركان، ركن منه الغضبة، وركن منه الشهوة، وركن منه الطمع، وركن منه الخوف. وقال: أوحى الله تعالى إلى موسى: إذا دعوتني فكن خائفا مشفقا وجلا، وعفر خدك بالتراب، واسجد لي بمكارم وجهك ويديك، وسلني حين تسألنى بخشية من قلبك ووجل، واخشنى أيام الحياة، وعلم الجهال آلائي، وقل لعبادي لا يتمادوا في غى ما هم فيه فان أخذى أليم شديد. وقال وهب: إذا هم الوالي بالجور أو عمل به دخل النقص على أهل مملكته، وقلت البركات في التجارات والزراعات والضروع والمواشي، ودخل المحق في ذلك، وأدخل الله عليه الذل في ذاته وفي ملكه. وإذا هم بالعدل والخير كان عكس ذلك، من كثرة الخير ونمو البركات. وقال وهب: كان في مصحف إبراهيم ﵇ أيها الملك المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولا لتبنى البنيان، وإنما بعثتك لترفع لي دعوة المظلوم فانى لا أردها ولو كانت من كافر. وروى ابن أبى الدنيا عن محمد بن إسحاق عن وهب بن منبه أن ذا القرنين قال لبعض الملوك: ما بال ملتكم واحدة، وطريقتكم مستقيمة؟ قال: من قبل أنا لا نخادع ولا يغتاب بعضنا بعضا. وروى

стр. 3132

ابن أبى الدنيا عنه أنه قال: ثلاث من كن فيه أصاب البر، سخاوة النفس، والصبر على الأذى، وطيب الكلام. وقال ابن أبى الدنيا: حدثني سلمة بن شبيب حدثنا سهل بن عاصم عن سلمة بن ميمون عن المعافى بن عمران عن إدريس قال: سمعت وهبا يقول: كان في بنى إسرائيل رجلان بلغت بهما عبادتهما أنهما مشيا على الماء، فبينما هما يمشيان على البحر إذا هما برجل يمشى في الهواء، فقالا له: يا عبد الله بأي شيء أدركت هذه المنزلة؟ قال: بيسير من البر فعلته، ويسير من الشر تركته، فطمت نفسي عن الشهوات، وكففت لساني عما لا يعنيني، ورغبت فيما دعاني إليه خالقي، ولزمت الصمت فان أقسمت على الله أبر قسمي، وإن سألته أعطانى. وقال: حدثني أبو العباس البصري الأزدي عن شيخ من الأزد. قال: جاء رجل إلى وهب بن منبه فقال: علمني شيئا ينفعني الله به، قال: أكثر من ذكر الموت، واقصر أملك، وخصلة ثالثة إن أنت أصبتها بلغت الغاية القصوى، وظفرت بالعبادة الكبرى قال: وما هي؟ قال: التوكل. وممن توفى فيها من الأعيان. سليمان بن سعد كان جميلا فصيحا عالما بالعربية، وكان يعلمها الناس هو وصالح بن عبد الرحمن الكاتب، وتوفى صالح بعده بقليل، وكان صالح فصيحا جميلا عارفا بكتابة الديوان، وبه يخرج أهل العراق من كتابة الديوان وقد ولاه سليمان بن عبد الملك خراج العراق. أم الهذيل لها روايات كثيرة، وقد قرأت القرآن وعمرها اثنتي عشر سنة، وكانت فقيهة عالمة، من خيار النساء، عاشت سبعين سنة. عائشة بنت طلحة بن عبد الله التميمي أمها أم كلثوم بنت أبى بكر، تزوجت بابن خالها عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر، ثم تزوجت بعده بمصعب بن الزبير، وأصدقها مائة ألف دينار، وكانت بارعة الجمال، عظيمة الحسن لم يكن في زمانها أجمل منها. توفيت بالمدينة. عبد الله بن سعيد بن جبير له روايات كثيرة، وكان من أفضل أهل زمانه، عبد الرحمن بن أبان ابن عثمان بن عفان. له روايات كثيرة عن جماعة من الصحابة] (١)

стр. 3133

ثم دخلت سنة إحدى عشرة ومائة ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى (١)، وغزا سعيد بن هشام الصائفة اليمنى (٢)، حتى بلغ قيسارية من بلاد الروم. وفيها عزل هشام بن عبد الملك أشرس بن عبد الله السلمي عن إمرة خراسان وولى عليها الجنيد بن عبد الرحمن، فلما قدم خراسان تلقته خيول الأتراك منهزمين من المسلمين، وهو في سبعة آلاف فتصافوا واقتتلوا قتالا شديدا، وطمعوا فيه وفيمن معه لقلتهم بالنسبة إليهم، ومعهم ملكهم خاقان، وكاد الجنيد أن يهلك، ثم أظفره الله بهم فهزمهم هزيمة منكرة، وأسر ابن أخى ملكهم، وبعث به إلى الخليفة. وحج بالناس فيها إبراهيم بن هشام المخزومي، وهو أمير الحرمين والطائف، وأمير العراق خالد القسري، وأمير خراسان الجنيد بن عبد الرحمن المري. ثم دخلت سنة ثنتى عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة فافتتح حصونا من ناحية ملاطية. وفيها سارت الترك من اللان فلقيهم الجراح بن عبد الله الحكمي فيمن معه من أهل الشام وأذربيجان، فاقتتلوا قبل أن يتكامل إليه جيشه، فاستشهد الجراح ﵀ وجماعة معه بمرج أردبيل، وأخذ العدو أردبيل. فلما بلغ ذلك هشام بن عبد الملك بعث سعيد بن عمرو الجرشى بجيش وأمره بالإسراع إليهم، فلحق الترك وهم يسيرون بأسارى المسلمين نحو ملكهم خاقان، فاستنقذ منهم الأسارى ومن كان معهم من نساء المسلمين، ومن أهل الذمة أيضا، وقتل من الترك مقتلة عظيمة جدا، وأسر منهم خلقا كثيرا فقتلهم صبرا، وشفى ما كان تغلث من القلوب، ولم يكتف الخليفة بذلك حتى أرسل أخاه مسلمة بن عبد الملك في أثر الترك، فسار إليهم في برد شديد وشتاء عظيم، فوصل إلى باب الأبواب واستخلف عنه أميرا وسار هو بمن معه في طلب الأتراك وملكهم خاقان، وكان من أمره معهم ما سنذكره. ونهض أمير خراسان في طلب الأتراك أيضا في جيش كثيف، فوصل إلى نهر بلخ ووجه إليهم سرية ثمانية عشر ألفا، وأخرى عشرة آلاف يمنة ويسرة، وجاشت الترك وجيشت، فأتوا سمرقند فكتب أميرها إليه يعلمه بهم، وأنه لا يقدر على صون سمرقند منهم، ومعهم ملكهم الأعظم خاقان، فالغوث الغوث. فسار الجنيد مسرعا في جيش كثيف هو نحو سمرقند حتى وصل إلى شعب سمرقند وبقي بينه وبينها أربعة فراسخ، فصبحه خاقان في جمع عظيم، فحمل خاقان على مقدمة الجنيد فانجازوا إلى العسكر والترك تتبعهم من كل جانب، فتراءى الجمعان والمسلمون يتغدون ولا يشعرون بانهزام مقدمتهم وانحيازها إليهم، فنهضوا إلى السلاح واصطفوا على منازلهم، وذلك في مجال واسع، ومكان بارز، فالتقوا وحملت الترك على ميمنة المسلمين وفيها بنو تميم والأزد، فقتل منهم ومن غيرهم خلق

стр. 3134

كثير، ممن أراد الله كرامته بالشهادة، وقد برز بعض شجعان المسلمين لجماعة من شجعان الترك فقتلهم، فناداه منادى خاقان: إن صرت إلينا جعلناك ممن يرقص الصنم الأعظم فنعبدك. فقال: ويحكم، إنما أقاتلكم على أن تعبدوا الله وحده لا شريك له، ثم قاتلهم حتى قتل ﵀. ثم تناخى المسلمون وتداعت الأبطال والشجعان من كل مكان، وصبروا وصابروا، وحملوا على الترك حملة رجل واحد، فهزمهم الله ، وقتلوا منهم خلقا كثيرا، ثم عطفت الترك عليهم فقتلوا من المسلمين خلقا حتى لم يبق سوى ألفين، فانا لله وإنا إليه راجعون، وقتل يومئذ سودة بن أبجر واستأسروا من المسلمين جماعة كثيرة فحملوهم إلى الملك خاقان فأمر بقتلهم عن آخرهم، فانا لله وإنا إليه راجعون. وهذه الوقعة يقال لها وقعة الشعب. وقد بسطها ابن جرير جدا. وممن توفى فيها من الأعيان: رجاء بن حيوة الكندي أبو المقدام، ويقال أبو نصر، وهو تابعي جليل، كبير القدر، ثقة فاضل عادل، وزير صدق لخلفاء بنى أمية، وكان مكحول إذا سئل يقول: سلوا شيخنا وسيدنا رجاء بن حيوة، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه في الرواية، وله روايات وكلام حسن ﵀. شهر بن حوشب الأشعري الحمصي ويقال إنه دمشقي، تابعي جليل، روى عن مولاته أسماء بنت يزيد بن السكن وغيرها، وحدث عنه جماعة من التابعين وغيرهم، وكان عالما عابدا ناسكا، لكن تكلم فيه جماعة بسبب أخذه خريطة من بيت المال بغير إذن ولى الأمر، فعابوه وتركوه عرضة، وتركوا حديثه وأنشدوا فيه الشعر، منهم شعبة وغيره، ويقال إنه سرق غيرها فالله أعلم. وقد وثقه جماعات آخرون وقبلوا روايته وأثنوا عليه وعلى عبادته ودينه واجتهاده، وقالوا: لا يقدح في روايته ما أخذه من بيت المال إن صح عنه، وقد كان واليا عليه متصرفا فيه فالله أعلم. قال الواقدي: توفى شهر في هذه السنة - أعنى سنة اثنتي عشرة ومائة - وقيل قبلها بسنة وقيل سنة مائة فالله أعلم. ثم دخلت سنة ثلاث عشرة ومائة ففيها غزا معاوية بن هشام أرض الروم من ناحية مرعش، وفيها صار جماعة من دعاة بنى العباس إلى خراسان وانتشروا فيها، وقد أخذ أميرهم رجلا منهم فقتله وتوعد غيره بمثل ذلك. وفيها وغل مسلمة بن عبد الملك في بلاد الترك فقتل منهم خلقا كثيرا، ودانت له تلك الممالك من ناحية بلنجر وأعمالها. وفيها حج بالناس إبراهيم بن هاشم المخزومي، فالله أعلم. ونواب البلاد هم المذكورون في التي قبلها. وممن توفى فيها من الأعيان قال ابن جرير: فيها كان مهلك الأمير عبد الوهاب بن بخت وهو مع البطال عبد الله بأرض الروم قتل شهيدا وهذه ترجمته

стр. 3135

هو عبد الوهاب بن بخت أبو عبيدة ويقال أبو بكر، مولى آل مروان مكي، سكن الشام ثم تحول إلى المدينة، روى عن ابن عمر وأنس وأبى هريرة وجماعة من التابعين. وعنه خلق منهم أيوب ومالك ابن أنس ويحيى بن سعيد الأنصاري وعبيد الله العمرى، حديثه عن أنس مرفوعا «نضر الله امرأ سمع مقالتي هذه فوعاها ثم بلغها غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهنّ صدر مؤمن، إخلاص العمل لله، ومناصحة أولى الأمر، ولزوم جماعة المسلمين، كأن دعوتهم تحيط من ورائهم». وروى عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «إذا لقي أحدكم أخاه فليسلم عليه فان حالت بينهما شجرة ثم لقيه فليسلم عليه». وقد وثق عبد الوهاب هذا جماعات من أئمة العلماء. وقال مالك: كان كثير الحج والعمرة والغزو، حتى استشهد ولم يكن أحق بما في رحله من رفقائه، وكان سمحا جوادا، استشهد ببلاد الروم مع الأمير أبى محمد عبد الله البطال، ودفن هناك ﵀. توفى في هذه السنة قاله خليفة وغيره، وذلك أنه لقي العدو ففر بعض المسلمين، فجعل ينادى ويركض فرسه نحو العدو: أن هلموا إلى الجنة، ويحكم أفرارا من الجنة؟ أتفرون من الجنة؟ إلى أين ويحكم لا مقام لكم في الدنيا ولا بقاء؟ ثم قاتل حتى قتل حتى قتل ﵀. مكحول الشامي تابعي جليل القدر، إمام أهل الشام في زمانه، وكان مولى لامرأة من هذيل، وقيل مولى امرأة من آل سعيد بن العاص، وكان نوبيا، وقيل من سبى كابل، وقيل كان من الأبناء من سلالة الأكاسرة وقد ذكرنا نسبه في كتابنا التكميل. وقال محمد بن إسحاق: سمعته يقول: طفت الأرض كلها في طلب العلم: وقال الزهري: العلماء أربعة، سعيد بن المسيب بالحجاز، والحسن البصري بالبصرة، والشعبي بالكوفة، ومكحول بالشام. وقال بعضهم: كان لا يستطيع أن يقول قل، وإنما يقول كل وكان له وجاهة عند الناس، مهما أمر به من شيء يفعل. وقال سعيد بن عبد العزيز: كان أفقه أهل الشام، وكان أفقه من الزهري. وقال غير واحد: توفى في هذه السنة، وقيل بعدها فالله أعلم: [مكحول الشامي هو ابن أبى مسلم، واسم أبى مسلم شهزاب بن شاذل. كذا نقلته من خط عبد الهادي، وروى ابن أبى الدنيا عنه أنه قال: من نظف ثوبه قل همه، ومن طاب ريحه زيد في عقله. وقال مكحول في قوله تعالى ﴿ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال: بارد الشراب، وظلال المساكن وشبع البطون، واعتدال الخلق، ولذاذة النوم. وقال: إذا وضع المجاهدون أثقالهم عن دوابهم أتتها الملائكة، فمسحت ظهورها ودعت لها بالبركة، إلا دابة في عنقها جرس] (١).

стр. 3136

ثم دخلت سنة أربع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى وعلى اليمنى سليمان بن هشام بن عبد الملك، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام: وفيها التقى عبد الله البطال وملك الروم المسمى فيهم قسطنطين، وهو ابن هرقل الأول الّذي كتب إليه النبي ﷺ فأسره البطال، فأرسله إلى سليمان بن هشام، فسار به إلى أبيه. وفيها عزل هشام عن إمرة مكة والمدينة والطائف إبراهيم بن هشام بن إسماعيل، وولى عليها أخاه محمد بن هشام فحج بالناس في هذه السنة في قول، وقال الواقدي وأبو معشر: إنما حج بالناس خالد بن عبد الملك بن مروان والله أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان: عطاء بن أبى رباح الفهري مولاهم أبو محمد المكيّ، أحد كبار التابعين الثقات الرفعاء، يقال إنه أدرك مائتي صحابى وقال ابن سعد: سمعت بعض أهل العلم يقول: كان عطاء أسود أعور أفطس أشل أعرج، ثم عمى بعد ذلك، وكان ثقة فقيها عالما كثير الحديث، وقال أبو جعفر الباقر وغير واحد: ما بقي أحد في زمانه أعلم بالمناسك منه، وزاد بعضهم، وكان قد حج سبعين حجة، وعمر مائة سنة، وكان في آخر عمره يفطر في رمضان من الكبر والضعف ويفدى عن إفطاره، ويتأول الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ وكان ينادى منادى بنى أمية في أيام منى: لا يفتى الناس في الحج إلا عطاء بن أبى رباح، وقال أبو جعفر الباقر: ما رأيت فيمن لقيت أفقه منه، وقال الأوزاعي: مات عطاء يوم مات وهو أرضى أهل الأرض عندهم. وقال ابن جريج: كان في المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس به صلاة. وقال قتادة: كان سعيد بن المسيب والحسن وإبراهيم وعطاء هؤلاء أئمة الأمصار. وقال عطاء إن الرجل ليحدثني بالحديث فأنصت له كأنى لم أكن سمعته، وقد سمعته قبل أن يولد، فأريه أنى إنما سمعته الآن منه. وفي رواية: أنا أحفظ منه له فأريه أتى لم أسمعه. الجمهور على أنه مات في هذه السنة رحمه الله تعالى والله أعلم. [فصل أسند أبو محمد عطاء بن أبى رباح - واسم أبى رباح أسلم - عن عدد كثير من الصحابة، منهم ابن عمرو ابن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وأبو هريرة، وزيد بن خالد الجهنيّ، وأبو سعيد. وسمع من ابن عباس التفسير وغيره. وروى عنه من التابعين عدة، منهم الزهري، وعمرو بن دينار، وأبو الزبير، وقتادة، ويحيى بن كثير، ومالك بن دينار، وحبيب بن أبى ثابت، والأعمش، وأيوب السختياني، وغيرهم من الأئمة والأعلام كثير. قال أبو هزان: سمعت عطاء بن أبى رباح يقول:

стр. 3137

من جلس مجلس ذكر كفر الله عنه بذلك المجلس عشر مجالس من مجالس الباطل. قال أبو هزان: قلت لعطاء: ما مجلس الذكر؟ قال: مجالس الحلال والحرام، كيف تصلى، كيف تصوم، كيف تنكح وتطلق وتبيع وتشترى. وقال الطبراني: حدثنا إسحاق بن إبراهيم أخبرنا عبد الرزاق عن يحيى بن ربيعة الصنعاني. قال: سمعت عطاء بن أبى رباح يقول في قوله تعالى: ﴿وَكانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ قال: كانوا يقرضون الدراهم، قيل كانوا يقصون منها ويقطعونها. وقال الثوري عن عبد الله بن الوليد - يعنى الوصافي - قال: قلت لعطاء: ما ترى في صاحب قلم إن هو كتب به عاش هو وعياله في سعة، وإن هو تركه افتقر؟ قال: من الرأس؟ قلت القسري لخالد. قال عطاء: قال العبد الصالح ﴿رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ﴾. وقال: أفضل ما أوتى العباد العقل عن الله وهو الدين. وقال عطاء: ما قال العبد: يا رب، يا رب، ثلاث مرات إلا نظر الله إليه، قال: فذكرت ذلك للحسن فقال: أما تقرءون القرآن ﴿رَبَّنا إِنَّنا سَمِعْنا مُنادِياً يُنادِي لِلْإِيمانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنّا، رَبَّنا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآيات. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا أبو عبد الله السلمي حدثنا ضمرة عن عمر بن الورد قال قال عطاء: إن استطعت أن تخلو بنفسك عشية عرفة فافعل. وقال سعيد بن سلام البصري: سمعت أبا حنيفة النعمان يقول: لقيت عطاء بمكة فسألته عن شيء فقال: من أين أنت؟ فقلت: من أهل الكوفة. قال: أنت من أهل القرية الذين فارقوا دينهم وكانوا شيعا؟ قلت: نعم! قال: فمن أي الأصناف أنت؟ قلت: ممن لا يسب السلف ويؤمن بالقدر، ولا يكفر أحدا من أهل القبلة بذنب: فقال عطاء: عرفت فالزم. وقال عطاء: ما اجتمعت عليه الأمة أقوى عندنا من الاسناد. وقيل لعطاء: إن هاهنا قوما يقولون: الايمان لا يزيد ولا ينقص، فقال: ﴿وَالَّذِينَ اِهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً﴾ فما هذا الهدى الّذي زادهم؟ قلت: ويزعمون أن الصلاة والزكاة ليستا من دين الله، فقال: قال تعالى: ﴿وَما أُمِرُوا إِلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكاةَ وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ فجعل ذلك دينا. وقال يعلى بن عبيد: دخلنا على محمد بن سوقة فقال: ألا أحدثكم بحديث لعله أن ينفعكم، فإنه نفعني، قال لي عطاء بن أبى رباح: يا ابن أخى إن من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام، وكانوا يعدون فضول الكلام إنما، ما عدا كتاب الله أن يقرأ، وأمر بمعروف أو نهى عن منكر، أو ينطق العبد بحاجته في معيشته التي لا بد له منها، أتنكرون: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ * كِراماً كاتِبِينَ﴾ و: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ، * ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ أما يستحى أحدكم

стр. 3138

لو نشرت عليه صحيفته التي أملاها صدر نهاره فرأى أكثر ما فيها ليس من أمر دينه ولا دنياه؟. وقال: إذا أنت خفت الحر من الليل فاقرأ: ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وروى الطبراني وغيره أن الحلقة في المسجد الحرام كانت لابن عباس، فلما مات ابن عباس كانت لعطاء بن أبى رباح. وروى عثمان بن أبى شيبة عن أبيه عن الفضل بن دكين عن سفيان عن سلمة بن كهيل قال: ما رأيت أحدا يطلب بعمله ما عند الله تعالى إلا ثلاثة، عطاء، وطاوس، ومجاهد. وقال الإمام أحمد: حدثنا ابن نمير حدثنا عمر بن ذر قال: ما رأيت مثل عطاء قط، وما رأيت على عطاء قميصا قط، ولا رأيت عليه ثوبا يساوى خمسة دراهم. وقال أبو بلال الأشعري: حدثنا قيس عن عبد الملك بن جريج عن عطاء: أن يعلى بن أمية كانت له صحبة، وكان يقعد في المسجد ساعة ينوى فيها الاعتكاف. وروى الأوزاعي عن عطاء قال: إن كانت فاطمة بنت رسول الله ﷺ لتعجن، وإن كانت قصتها لتضرب بالجفنة. وعن الأوزاعي عنه قال: ﴿وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ﴾ قال: ذلك في إقامة الحد عليهما. وقال الأوزاعي: كنت باليمامة وعليها رجل وال يمتحن الناس من أصحاب رسول الله ﷺ ، إنه منافق وما هو بمؤمن، ويأخذ عليهم بالطلاق والعتاق أن يسمى المسيء منافقا وما يسميه مؤمنا، فأطاعوه على ذلك وجعلوه له، قال: فلقيت عطاء فيما بعد فسألته عن ذلك فقال: ما أرى بذلك بأسا يقول الله تعالى: ﴿إِلاّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً﴾. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان بن عيينة حدثنا إسماعيل بن أمية قال: كان عطاء يطيل الصمت فإذا تكلم تخيل إلينا أنه يؤيد. وقال في قوله تعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ﴾ قال: لا يلهيهم بيع ولا شراء عن مواضع حقوق الله تعالى التي افترضها عليهم أن يؤدوها في أوقاتها وأوائلها. وقال ابن جرير: رأيت عطاء يطوف بالبيت فقال لقائده: أمسكوا احفظوا عنى خمسا: القدر خيره وشره، حلوه ومره من الله ، وليس للعباد فيه مشيئة ولا تفويض. وأهل قبلتنا مؤمنون حرام دماؤهم وأموالهم إلا بحقها. وقتال الفئة الباغية بالأيدي والنعال والسلاح، والشهادة على الخوارج بالضلالة. وقال ابن عمر: تجمعون لي المسائل وفيكم عطاء بن أبى رباح. وقال معاذ بن سعد: كنت جالسا عند عطاء فحدث بحديث، فعرض رجل له في حديثه فغضب عطاء وقال: ما هذه الأخلاق؟ وما هذه الطبائع؟ والله إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه أنى لا أحسن شيئا منه. وكان عطاء يقول: لأن أرى في بيتي شيطانا خير من أن أرى فيه وسادة، لأنها تدعو إلى النوم. وروى عثمان بن أبى شيبة عن على بن المديني عن يحيى بن سعيد عن ابن جرير قال: كان عطاء بعد ما كبر وضعف يقوم إلى الصلاة فيقرأ مائتي آية من سورة البقرة

стр. 3139

وهو قائم لا يزول منه شيء ولا يتحرك. وقال ابن عيينة: قلت لابن جرير: ما رأيت مصليا مثلك. فقال: لو رأيت عطاء؟. وقال عطاء: إن الله لا يحب الفتى يلبس الثوب المشهور، فيعرض الله عنه حتى يضع ذلك الثوب. وكان يقال: ينبغي للعبد أن يكون كالمريض لا بد له من قوت، وليس كل الطعام يوافقه. وكان يقال: الدعوة تعمى عين الحكيم فكيف بالجاهل؟ ولا تغبطن ذا نعمة بما هو فيه فإنك لا تدري إلى ماذا يصير بعد الموت] (١) ثم دخلت سنة خمس عشرة ومائة ففيها وقع طاعون بالشام، وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل وهو نائب الحرمين والطائف. والنواب في سائر البلاد هم المذكورون في التي قبلها والله أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان أبو جعفر الباقر وهو محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمي أبو جعفر الباقر، وأمه أم عبد الله بنت الحسن بن على، وهو تابعي جليل، كبير القدر كثيرا، أحد أعلام هذه الأمة علما وعملا وسيادة وشرفا، وهو أحد من تدعى فيه طائفة الشيعة أنه أحد الأئمة الاثني عشر، ولم يكن الرجل على طريقهم ولا على منوالهم، ولا يدين بما وقع في أذهانهم وأوهامهم وخيالهم، بل كان ممن يقدم أبا بكر وعمر، وذلك عنده صحيح في الأثر، وقال أيضا: ما أدركت أحدا من أهل بيتي إلا وهو يتولاهما ﵄. وقد روى عن غير واحد من الصحابة، وحدث عنه جماعة من كبار التابعين وغيرهم. فممن روى عنه ابنه جعفر الصادق، والحكم بن عتيبة، وربيعة، والأعمش، وأبو إسحاق السبيعي، والأوزاعي والأعرج، وهو أسن منه، وابن جريج وعطاء وعمرو بن دينار والزهري. وقال سفيان بن عيينة عن جعفر الصادق قال: حدثني أبى وكان خير محمدي يومئذ على وجه الأرض، وقال العجليّ: هو مدني تابعي ثقة، وقال محمد بن سعد: كان ثقة كثير الحديث، وكانت وفاته في هذه السنة في قول وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها أو في التي هي بعدها وبعد بعدها والله أعلم. وقد جاوز السبعين وقيل لم يجاوز الستين فالله أعلم. [فصل أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، كان أبوه على زين العابدين، وجده الحسين قتلا شهيدين بالعراق. وسمى الباقر لبقره العلوم واستنباطه الحكم، كان ذاكرا خاشعا صابرا وكان من سلالة النبوة، رفيع النسب عالى الحسب، وكان عارفا بالخطرات، كثير البكاء والعبرات معرضا عن الجدال والخصومات.

стр. 3140

قال أبو بلال الأشعري: حدثنا محمد بن مروان عن ثابت عن محمد بن على بن الحسين في قوله تعالى: ﴿أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ قال: الغرفة الجنة بما صبروا على الفقر في الدنيا. وقال عبد السلام بن حرب عن زيد بن خيثمة عن أبى جعفر قال: الصواعق تصيب المؤمن وغير المؤمن، ولا تصيب الذاكر. قلت: وقد روى نحو هذا عن ابن عباس قال: لو نزل من السماء صواعق عدد النجوم لم تصب الذاكر. وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن على: يا جابر إني لمحزون، وإني لمشتغل القلب. قلت: وما حزنك وشغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافى دين الله شغله عما سواه، يا جابر ما الدنيا؟ وما عسى أن تكون؟ هل هي إلا مركبا ركبته؟ أو ثوبا لبسته؟ أو امرأة أصبتها؟ يا جابر! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم، ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة ففازوا بثواب الأبرار. إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤنة، وأكثرهم لك معونة، إن نسيت ذكروك، وإن ذكرت أعانوك، قوالين بحق الله، قوامين بأمر الله، قطعوا لمحبة ربهم ، ونظروا إلى الله وإلى محبته بقلوبهم، وتوحشوا من الدنيا لطاعة محبوبهم، وعلموا أن ذلك من أمر خالقهم، فأنزلوا الدنيا حيث أنزلها مليكهم كمنزل نزلوه ثم ارتحلوا عنه وتركوه، وكماء أصبته في منامك فلما استيقظت إذا ليس في يدك منه شيء، فاحفظ الله فيما استرعاك من دينه وحكمته. وقال خالد بن يزيد: سمعت محمد بن على يقول: قال عمر بن الخطاب: إذا رأيتم القارئ يحب الأغنياء فهو صاحب الدنيا، وإذا رأيتموه يلزم السلطان فهو لص. وكان أبو جعفر يصلى كل يوم وليلة بالمكتوبة. وروى ابن أبى الدنيا عنه قال: سلاح اللئام قبيح الكلام. وروى أبو الأحوص عن منصور عنه قال: لكل شيء آفة، وآفة العلم النسيان. وقال لابنه: إياك والكسل والضجر فإنهما مفتاح كل خبيثة، إنك إذا كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق. وقال: أشد الأعمال ثلاثة ذكر الله على كل حال، وإنصافك من نفسك، ومواساة الأخ في المال. وقال خلف بن حوشب: قال أبو جعفر: الايمان ثابت في القلب، واليقين خطرات، فيمر اليقين بالقلب فيصير كأنه زبر الحديد، ويخرج منه فيصير كأنه خرقة بالية، وما دخل قلب عبد شيء من الكبر إلا نقص من عقله بقدره أو أكثر منه. وقال لجابر الجعفي: ما يقول فقهاء العراق في قوله تعالى: ﴿لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾؟ قال: رأى يعقوب عاضا على إبهامه. فقال: لا! حدثني أبى عن جدي على بن أبى طالب أن البرهان الّذي رآه أنها حين همت به وهم بها أي طمع فيها، قامت إلى صنم لها مكلل بالدر والياقوت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض خشية أن يراها، أو استحياء منه. فقال لها يوسف: ما هذا؟ فقالت إلهي أستحى

стр. 3141

منه أن يراني على هذه الصورة. فقال يوسف: تستحين من صنم لا ينفع ولا يضر، ولا يسمع ولا يبصر، أفلا أستحى أنا من إلهي الّذي هو قائم على كل نفس بما كسبت؟ ثم قال: والله لا تنالين منى أبدا. فهو البرهان. وقال بشر بن الحارث الحافى: سمعت سفيان الثوري يقول: سمعت منصورا يقول: سمعت محمد بن على يقول: الغنى والعز يجولان في قلب المؤمن، فإذا وصلا إلى مكان فيه التوكل أوطناه. وقال: إن الله يلقى في قلوب شيعتنا الرعب، فإذا قام قائمنا، وظهر مهديننا كان الرجل منهم أجرأ من ليث وأمضى من سيف. وقال: شيعتنا من أطاع الله واتقاه. وقال: إياكم والخصومة فإنها تفسد القلب، وتورث النفاق، وقال: الذين يخوضون في آيات الله هم أصحاب الخصومات. وقال عروة بن عبد الله: سألت أبا جعفر محمد بن على عن حلية السيف فقال: لا بأس به، قد حلى أبو بكر الصديق سيفه. قال: قلت: وتقول الصديق؟ قال: فوثب وثبة واستقبل القبلة ثم قال: نعم الصديق، نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله له قولا في الدنيا والآخرة. وقال جابر الجعفي: قال لي محمد بن على: يا جابر! بلغني أن قوما بالعراق يزعمون أنهم يحبونا ويتناولون أبا بكر وعمر ويزعمون أنى أمرتهم بذلك، فأبلغهم عنى أنى إلى الله منهم بريء، والّذي نفس محمد بيده - يعنى نفسه - لو وليت لتقربت إلى الله بدمائهم، لا نالتنى شفاعة محمد ﷺ إن لم أكن أستغفر لهما، وأترحم عليهما، إن أعداء الله لغافلون عن فضلهما وسابقتهما، فأبلغهم أنى بريء منهم وممن تبرأ من أبى بكر وعمر ﵄. وقال: من لم يعرف فضل أبى بكر وعمر فقد جهل السنة. وقال في قوله تعالى: ﴿إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، قال: هم أصحاب محمد ﷺ ، قال: قلت: يقولون: هو على قال: على من أصحاب محمد ﷺ . وقال عبد الله بن عطاء: ما رأيت العلماء عند أحد أصغر منهم عند أبى جعفر محمد بن على، قال: رأيت الحكم عنده كأنه متعلم، وقال: كان لي أخ في عيني عظيم، وكان الّذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، وقال جعفر بن محمد: ذهبت بغلة أبى فقال: لئن ردها الله علي لأحمدنه بمحامد يرضاها، فما كان بأسرع من أن أتى بها بسرجها لم يفقد منها شيء، فقام فركبها، فلما استوى عليها وجمع إليه ثيابه رفع رأسه إلى السماء وقال: الحمد لله، لم يزد على ذلك، فقيل له في ذلك، فقال: فهل تركت أو أبقيت شيئا؟ جعلت الحمد كله لله . وقال عبد الله بن المبارك: قال محمد بن على: من أعطى الخلق والرّفق فقد أعطى الخير والراحة، وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرمهما كان ذلك سبيلا إلى كل شر وبلية، إلا من عصمه الله. وقال: أيدخل أحدكم يده في كم صاحبه فيأخذ ما يريد تاما إلا قال: فلستم إخوانا كما تزعمون، وقال: اعرف مودة أخيك لك بماله في قلبك من المودة

стр. 3142

فان القلوب تتكافأ. وسمع عصافير يصحن فقال: أتدري ماذا يقلن؟ قلت: لا!! قال: يسبحن الله ويسألنه رزقهن يوما بيوم. وقال: تدعو الله بما تحب، وإذا وقع الّذي تكره لم تخالف الله فيما أحب. وقال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى الله من أن يسأل. وما يدفع القضاء إلا الدعاء. وإن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي، وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه، وأن يأمر الناس بما لا يستطيع أن يفعله، وينهى الناس بما لا يستطيع أن يتحول عنه، وأن يؤذى جليسه بما لا يعنيه. هذه كلمات جوامع موانع لا ينبغي لعاقل أن يفعلها. وقال القرآن كلام الله غير مخلوق. وقال أبو جعفر: صحب عمر بن الخطاب رجل إلى مكة فمات في الطريق، فاحتبس عليه عمر حتى صلى عليه ودفنه، فقل يوم إلا كان عمر يتمثل بهذا البيت: وبالغ أمر كان يأمل دونه … ومختلج من دون ما كان يأمل وقال أبو جعفر: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت ألف عابد. وقال: ما اغرورقت عين عبد بمائها إلا حرم الله وجه صاحبها على النار، فان سالت على الخدين لم يرهق وجهه قتر ولا ذلة، وما من شيء إلا وله جزاء إلا الدمعة فان الله يكفر بها بحور الخطايا، ولو أن باكيا بكى من خشية الله في أمة رحم الله تلك الأمة. وقال: بئس الأخ أخ يرعاك غنيا ويقطعك فقيرا. قلت: البيت الّذي كان يتمثل به قبله بيتان وهو ثالثهما، وهذه الأبيات تتضمن حكما وزهدا في الدنيا قال: لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا … بمنزلة ما بعدها متحول فساخط أمر لا يبدل غيره … وراض بأمر غيره سيبدل وبالغ أمر كان يأمل دونه … ومختلج من دون ما كان يأمل] (١) ثم دخلت سنة ست عشرة ومائة ففيها غزا معاوية بن هشام الصائفة، وفيها وقع طاعون عظيم بالشام والعراق، وكان معظم ذلك في واسط. وفي المحرم منها توفى الجنيد بن عبد الرحمن المري أمير خراسان من مرض أصابه في بطنه، وكان قد تزوج الفاضلة بنت يزيد بن المهلب فتغضب عليه أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك فعزله وولى مكانه عاصم بن عبد الله على خراسان، وقال له: إن أدركته قبل أن يموت فأزهق روحه. فما قدم عاصم بن عبد الله خراسان حتى مات الجنيد في المحرم منها بمرو، وقال فيه أبو الجرير عيسى بن عصمة يرثيه: هلك الجود والجنيد جميعا … فعلى الجود والجنيد السلام

стр. 3143

أصبحا ثاويين في بطن مرو … ما تغني على الغصون الحمام كنتما نزهة الكرام فلما … مت مات الندى ومات الكرام ولما قدم عاصم خراسان أخذ نواب الجنيد بالضرب البليغ وأنواع العقوبات، وعسفهم في المصادرات والجنايات، فخرج عن طاعته الحارث بن شريح فبارزه بالحرب، وجرت بينهما أمور يطول ذكرها، ثم آل الأمر إلى أن انكسر الحارث بن شريح وظهر عاصم عليه. قال الواقدي: وفيها حج بالناس الوليد بن يزيد وهو ولى الأمر من بعد عمه هشام بن عبد الملك أمير المؤمنين كما سيأتي إن شاء الله تعالى. ثم دخلت سنة سبع عشرة ومائة فيها غزا معاوية بن هشام الصائفة اليسرى، وسليمان بن هشام الصائفة اليمنى، وهما ابنا أمير المؤمنين هشام. وفيها بعث مروان بن محمد - وهو مروان الحمار - وهو على أرمينية بعثين ففتح حصونا من بلاد اللان، ونزل كثير منهم على الايمان: وفيها عزل هشام عاصم بن عبد الله الهلالي الّذي ولاه في السنة قبلها خراسان مكان الجنيد، فعزله عنها وضمها إلى عبد الله بن خالد القسري مع العراق معادة اليه جريا على ما سبق له من العادة، وكان ذلك عن كتاب عاصم بن عبد الله الهلالي المعزول عنها، وذلك أنه كتب إلى أمير المؤمنين هشام: إن ولاية خراسان لا تصلح إلا مع ولاية العراق، رجاء أن يضيفها إليه، فانعكس الأمر عليه فأجابه هشام إلى ذلك قبولا إلى نصيحته، وأضافها إلى خالد القسري. وفيها توفى. قتادة بن دعامة السدوسي أبو الخطاب البصري الأعمى، أحد علماء التابعين، والأئمة العاملين، روى عن أنس بن مالك وجماعة من التابعين، منهم سعيد بن المسيب، والبصري، وأبو العالية، وزرارة بن أوفى، وعطاء ومجاهد، ومحمد بن سيرين، ومسروق، وأبو مجلز وغيرهم، وحدث عنه جماعات من الكبار كأيوب وحماد بن مسلمة، وحميد الطويل، وسعيد بن أبى عروبة، والأعمش، وشعبة، والأوزاعي، ومسعر، ومعمر، وهمام. قال ابن المسيب: ما جاءني عراقي أفضل منه. وقال بكر المزني: ما رأيت أحفظ منه. وقال محمد بن سيرين: هو من أحفظ الناس، وقال مطر: كان قتادة إذا سمع الحديث يأخذه العويل والزويل حتى يحفظه، وقال الزهري: هو أعلم من مكحول. وقال معمر: ما رأيت أفقه من الزهري وحماد وقتادة. وقال قتادة: ما سمعت شيئا إلا وعاه قلبي. وقال أحمد بن حنبل: هو أحفظ أهل البصرة، لا يسمع شيئا إلا حفظه. وقرئ عليه صحيفة جابر مرة واحدة فحفظها. وذكر يوما فأثنى على علمه وفقهه ومعرفته بالاختلاف والتفسير وغير ذلك، وقال أبو حاتم: كانت وفاته بواسط

стр. 3144

في الطاعون - يعنى في هذه السنة - وعمره ست أو سبع وخمسون سنة. [قال قتادة: من وثق بالله كان الله معه، ومن يكن الله معه تكن معه الفئة التي لا تغلب، والحارس الّذي لا ينام، والهادي الّذي لا يضل، والعالم الّذي لا ينسى. وقال. في الجنة كوة إلى النار فيقولون: ما بال الأشقياء دخلوا النار، وإنما دخلنا الجنة بفضل تأديبكم، فقالوا: إنا كنا نأمركم ولا نأتمر، وننهاكم ولا ننتهي. وقال: باب من العلم يحفظه الرجل يطلب به صلاح نفسه وصلاح دينه وصلاح الناس، أفضل من عبادة حول كامل. وقال قتادة: لو كان يكتفى من العلم بشيء لا كتفي موسى ﵇ بما عنده، ولكنه طلب الزيادة] (١) وفيها توفى: أبو الحباب سعيد بن يسار والأعرج، وابن أبى مليكة، وعبد الله بن أبى زكريا الخزاعي، وميمون بن مهران بن موسى بن وردان [فصل فأما سعيد بن يسار فكان من العباد الزهاد، روى عن جماعة من الصحابة، وكذلك الأعرج وابن أبى مليكة. وأما ميمون بن مهران فهو من أجلاء علماء التابعين وزهادهم وعبادهم وأئمتهم. كان ميمون إمام أهل الجزيرة. روى الطبراني عنه أنه قيل له: مالك لا يفارقك أخ لك عن قلى؟ قال: لأني لا أماريه ولا أشاريه. قال عمر بن ميمون: ما كان أبى يكثر الصلاة ولا الصيام، ولكن كان يكره أن يعصى الله . وروى ابن أبى عدي عن يونس عنه قال: لا تمارين عالما ولا جاهلا، فإنك إن ماريت عالما خزن عنك علمه، وإن ماريت جاهلا خشن بصدرك. وقال عمر بن ميمون: خرجت بأبي أقوده في بعض سكك البصرة، فمررنا بجدول فلم يستطع الشيخ أن يتخطاه، فاضطجعت له فمر على ظهري، ثم قمت فأخذت بيده. ثم دفعنا إلى منزل الحسن فطرقت الباب فخرجت إلينا جارية سداسية، فقالت: من هذا؟ فقلت: هذا ميمون بن مهران أراد لقاء الحسن، فقالت: كاتب عمر بن عبد العزيز؟ قلت لها: نعم! قالت: يا شقي ما بقاؤك إلى هذا الزمان السوء؟: قال: فبكى الشيخ فسمع الحسن بكاءه فخرج إليه فاعتنقا ثم دخلا، فقال ميمون: يا أبا سعيد! إني قد أنست من قلبي غلظة فاستكن لي منه، فقرأ الحسن: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ * ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فسقط الشيخ مغشيا عليه، فرأيته يفحص برجليه كما تفحص الشاة إذا ذبحت، فأقام طويلا ثم جاءت الجارية فقالت: قد أتعبتم الشيخ، قوموا تفرقوا، فأخذت بيد أبى فخرجت فقلت: يا أبت أهذا هو الحسن؟ قال: نعم. قلت: قد كنت أحسب في

стр. 3145

نفسي أنه أكبر من هذا، قال: فوكز في صدري وكزة ثم قال: يا بنى لقد قرأ علينا آية لو فهمتها بقلبك لألفيت لها فيه كلوما. وروى الطبراني عنه أنه قال: ما أحب أنى أعطيت درهما في لهو وأنى لي مكانه مائة ألف، أخشى أن تصيبني هذه الآية: ﴿وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ الآية وقال جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: كنت عند عمر بن عبد العزيز فلما قمت قال عمر: إذا ذهب هذا وأضرابه لم يبق من الناس إلا مجاجة وروى الامام أحمد عن معمر بن سليمان الرقى عن فرات بن سليمان عن ميمون بن مهران قال: ثلاث لا تبلون نفسك بهن: لا تدخل على سلطان وإن قلت آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت أعلمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك إلى ذي هوى فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك من هواه. وروى عبد الله بن أحمد عنه في قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كانَتْ مِرْصاداً﴾ و ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾ فقال: التمسوا لهذين المرصادين جوازا. وفي قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلاً عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ فيها وعيد شديد للظالم، وتعزية للمظلوم. وقال: لو أن أهل القرآن صلحوا لصلح الناس. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا عيسى بن سالم الشاشي حدثنا أبو المليح قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: لا خير في الدنيا إلا رجلين، رجل تائب - أو قال: يتوب - من الخطيئات، ورجل يعمل في الدرجات، فلا خير في العيش والبقاء في الدنيا إلا لهذين الرجلين، رجل يعمل في الكفارات ورجل يعمل في الدرجات، وبقاء ما سواهما وبال عليه. وقال جعفر بن برقان: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن هذا القرآن قد خلق في صدور كثير من الناس فالتمسوا ما سواه من الأحاديث، وإن فيمن يتبع هذا العلم قوما يتخذونه بضاعة يلتمس بها الدنيا، ومنهم من يريد أن يمارى به، وخيرهم من يتعلمه ويطيع الله به. وقال: من اتبع القرآن قاده القرآن حتى يحل به الجنة، ومن ترك القرآن لم يدعه القرآن يتبعه حتى يقذفه في النار. وقال الإمام أحمد: حدثنا خالد بن حيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزا من الحلال. وقال ميمون: من كان يريد أن يعلم ما منزلته عند الله فلينظر في عمله فإنه قادم عليه كائنا ما كان. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي حدثنا أبو المليح عن ميمون بن مهران. قال: نظر رجل من المهاجرين إلى رجل يصلى فأخفى الصلاة فعاتبه، فقال: إني ذكرت ضيعة لي. فقال: أكبر الضيعة أضعته. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثنا جعفر بن محمد الدسعنى حدثنا أبو جعفر النفيلى حدثنا عثمان ابن عبد الرحمن عن طلحة بن زيد قال قال ميمون: لا تعرف الأمير ولا تعرف من يعرفه. وروى

стр. 3146

عبد الله بن أحمد عنه أيضا قال: لأن أوتمن على بيت مال أحب إلى من أن أؤتمن على امرأة. وقال أبو يعلى الموصلي: حدثنا هاشم بن الحارث حدثنا أبو المليح الرقى عن حبيب بن أبى مرزوق قال قال ميمون: وددت أن إحدى عيني ذهبت وبقيت الأخرى أتمتع بها، وأنى لم أل عملا قط. قلت: ولا لعمر بن عبد العزيز؟ قال: ولا لعمر بن عبد العزيز، لا خير في العمل لا لعمر ولا لغيره. وقال أحمد: حدثنا زيد بن الحباب حدثنا سفيان حدثنا جعفر بن برقان عن ميمون بن مهران قال: ما عرضت قولي على عملي إلا وجدت من نفسي اعتراضا. وقال الطبراني: حدثنا المقدام بن داود حدثنا على بن معبد حدثنا خالد بن حيان حدثنا جعفر عن ميمون قال: قال لي ميمون: قل لي في وجهي ما أكره، فان الرجل لا ينصح أخاه حتى يقول له في وجهه ما يكره. وروى عبد الله ابن أحمد عنه في قوله تعالى: ﴿خافِضَةٌ رافِعَةٌ﴾ قال: تخفض أقواما وترفع آخرين. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: حدثني عيسى بن سالم حدثنا أبو المليح حدثنا بعض أصحابى قال: كنت أمشى مع ميمون فنظر فرأى علي ثوب كتان فقال: أما بلغك أنه لا يلبس الكتان إلا غنى أو غاو؟ وبهذا الاسناد سمعت ميمون بن مهران يقول: أول من مشت الرجال معه وهو راكب الأشعث بن قيس الكندي، ولقد أدركت السلف وهم إذا نظروا إلى رجل راكب ورجل يحضر معه، قالوا: قاتله جبار. وقال عبد الله بن أحمد: بلغني عن عبد الله بن كريم بن حبان - وقد رأيته - حدثنا أبو المليح قال قال ميمون: ما أحب أن لي ما بين باب الرّها إلى حوران بخمسة دراهم. وقال ميمون: يقول أحدهم: اجلس في بيتك وأغلق عليك بابك وانظر هل يأتيك رزقك؟ نعم والله لو كان له مثل يقين مريم وإبراهيم ﵉، وأغلق عليه بابه، وأرخى عليه ستره، لجاءه رزقه. وقال: لو أن كل إنسان منا يتعاهد كسبه فلم يكسب إلا طيبا، فأخرج ما عليه، ما احتيج إلى الأغنياء، ولا احتاج الفقراء. وقال أبو المليح عن ميمون قال: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا كان إسقاط المكروه عنه أحب إلى من تخفيفه عليه، فان قال: لم أقل، كان قوله لم أقل أحب إلى من ثمانية يشهدون عليه، فان قال: قلت ولم يعتذر، أبغضته من حيث أحببته. وقال: سمعت ابن عباس يقول: ما بلغني عن أخ لي مكروه قط إلا أنزلته إحدى ثلاث منازل، إن كان فوقى عرفت له قدره، وإن كان نظيري تفضلت عليه، وإن كان دوني لم أحفل به. هذه سيرتي في نفسي، فمن رغب عنها فان أرض الله واسعة. وقال أبان بن أبى راشد القشيري: كنت إذا أردت الصائفة أتيت ميمون بن مهران أو دعه، فما يزيدني على كلمتين. اتّق الله ولا يغرنك طمع ولا غضب. وقال أبو المليح عن ميمون قال: العلماء هم ضالتي في كل بلدة، وهم أحبتى في كل مصر، ووجدت صلاح قلبي في مجالسة العلماء. وقال في قوله

стр. 3147

تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ قال: عزقا. وقال: لأن أتصدق بدرهم في حياتي أحب إلى من أن أتصدق بمائة درهم بعد موتى. وقال: كان يقال: الذكر ذكران، ذكر الله باللسان، وأفضل من ذلك أن تذكره عند ما أحل وحرم، وعند المعصية فتكف عنها وقد أشرفت. وقال: ثلاث الكافر والمؤمن فيهن سواء، الأمانة تؤديها إلى من ائتمنك عليها من مسلم وكافر، وبر الوالدين وإن كانا كافرين، والعهد تفي به للمؤمن والكافر. وقال صفوان عن خلف بن حوشب عن ميمون قال: أدركت من لم يكن يملأ عينيه من السماء فرقا من ربه . وقال أحمد بن بزيغ: حدثنا يعلى بن عبيد حدثنا هارون أبو محمد البربري أن عمر بن عبد العزيز استعمل ميمون بن مهران على الجزيرة وعلى قضائها وخراجها، فمكث حينا ثم كتب إلى عمر يستعفيه عن ذلك، وقال: كلفتني ما لا أطيق، أقضى بين الناس وأنا شيخ كبير ضعيف رقيق فكتب إليه عمر: أجب من الخراج الطيب، واقض بما استبان لك، فإذا التبس عليك أمر فارفعه إليّ، فان الناس لو كان إذا كبر عليهم أمر تركوه ما قام لهم دين ولا دنيا. وقال قتيبة بن سعيد: حدثنا كثير بن هشام حدثنا جعفر بن برقان قال: سمعت ميمون بن مهران يقول: إن العبد إذا أذنب ذنبا نكت في قلبه نكتة سوداء، فإذا تاب محيت من قلبه فترى قلب المؤمن مجليا مثل المرآة، ما يأتيه الشيطان من ناحية إلا أبصره، وأما الّذي يتتابع في الذنوب فإنه كلما أذنب نكتت في قلبه نكتة سوداء حتى يسود قلبه فلا يبصر الشيطان من أين يأتيه. وقال الامام أحمد: حدثنا على بن ثابت حدثنا جعفر عن ميمون قال: ما أقل أكياس الناس: ألا يبصر الرجل أمره حتى ينظر إلى الناس وإلى ما أدوا به، وإلى ما قد أكبوا عليه من الدنيا، فيقول: ما هؤلاء إلا أمثال الأباعر، لا هم لها إلا ما تجعل في أجوافها، حتى إذا أبصر غفلتهم نظر إلى نفسه فقال: والله إني لأرانى من شرهم بعيرا واحدا. وبهذا الإسناد عنه: ما من صدقة أفضل من كلمة حق عند إمام جائر. وقال: لا تعذب المملوك ولا تضربه على كل ذنب، ولكن احفظ ذلك له، فإذا عصى الله فعاقبه على معصية الله وذكره الذنوب التي أذنب بينك وبينه. وقال قتيبة: حدثنا جعفر بن برقان سمعت ميمون بن مهران يقول: لا يكون الرجل من المتقين حتى يحاسب نفسه أشد من محاسبة الشريك شريكه، حتى يعلم من أين مطعمه، ومن أين مشربه، أمن حلال ذلك أم من حرام؟. وقال أبو زرعة الدارميّ: حدثنا سعيد بن حفص النفيلى حدثنا أبو المليح عن ميمون قال: الفاسق بمنزلة السبع فإذا كلمت فيه فخليت سبيله فقد خليت سبعا على المسلمين. وقال جعفر بن برقان: قلت لميمون بن مهران: إن فلانا يستبطئ نفسه في زيارتك، قال: إذا ثبتت المودة في القلوب فلا

стр. 3148

بأس وإن طال المكث. وقال أحمد: حدثنا ميمون الرقى حدثنا الحسن أبو المليح عن ميمون قال: لا تجد غريما أهون عليك من بطنك أو ظهرك. وقال الامام أحمد أيضا: حدثنا عبد الله بن ميمون حدثنا الحسن عن حبيب بن أبى مرزوق قال: رأيت على ميمون جبة صوف تحت ثيابه فقلت له: ما هذا؟ قال: نعم! فلا تخبر به أحدا. وقال عبد الله بن أحمد: حدثني يحيى بن عثمان حدثنا أبو المليح عن ميمون قال: من أساء سرا فليتب سرا، ومن أساء علانية فليتب علانية، فان الله يغفر ولا يعير، وإن الناس يعيرون ولا يغفرون. وقال جعفر قال ميمون: في المال ثلاث آفات، إن نجا صاحبه من واحدة لم ينج من اثنتين، وإن نجا من اثنتين كان قمينا أن لا ينجو من الثالثة، ينبغي أن يكون حلالا طيبا، فأيكم الّذي يسلم كسبه فلم يدخله إلا طيبا؟ فان سلم من هذه فينبغي أن يؤدى الحقوق التي تلزمه في ماله، فان سلم من هذه فينبغي أن يكون في نفقته ليس بمسرف ولا مقتر. وقال: سمعت ميمونا يقول: أهون الصوم ترك الطعام والشراب. وقال عبد الله بن أحمد: حدثنا يحيى بن عثمان الحربي حدثنا أبو المليح عن ميمون ابن مهران قال: ما نال رجل من جسيم الخير نبي أو غيره إلا بالصبر. وبهذا الاسناد قال: الدنيا حلوة خضرة قد حفت بالشهوات، والشيطان عدو حاضر، فيظن أن أمر الآخرة آجل، وأمر الدنيا عاجل. وقال يونس بن عبيدة: كان طاعون قبل بلاد ميمون بن مهران، فكتبت إليه أسأله عن أهله، فكتب إلى: بلغني كتابك تسألنى عن أهلي، وانه مات من أهلي وخاصتي سبعة عشر إنسانا، وإني أكره البلاء إذا أقبل، فإذا أدبر لم يسرني أنه لم يكن، وأما أنت فعليك بكتاب الله، فان الناس قد بهتوا عنه - يعنى أيسوا - واختاروا الأحاديث، أحاديث الرجال، وإياك والمرائي في الدين. قال أبو عبيد في الغريب بهئوا به مهموزا، ومعناه: أنسوا به. وقال عمر بن ميمون: كنت مع أبى ونحن نطوف بالكعبة فلقى أبى شيخ فعانقه، ومع الشيخ فتى نحو منى، فقال له أبى: من هذا؟ قال: ابني. فقال: كيف رضاك عنه؟ فقال: ما بقيت خصلة يا أبا أيوب من خصال الخير إلا وقد رأيتها فيه، إلا واحدة. قال: وما هي؟ قال: أن يموت فأوجر فيه - أو قال فأحتسبه - ثم فارقه أبى، فقلت: من هذا الشيخ؟ فقال: مكحول. وقال: شر الناس العيابون، ولا يلبس الكتان إلا غنى أو غوى. وروى الامام أحمد عنه قال: يا ابن آدم خفف عن ظهرك فان ظهرك لا يطيق كل هذا الّذي يحمل، من ظلم هذا، وأكل مال هذا، وغشم هذا، وكل هذا على ظهرك تحمله، فخفف عن ظهرك. وقال: إن أعمالكم قليلة فأخلصوا هذا القليل. وقال: ما أتى قوم في ناديهم المنكر إلا حق هلاكهم. وروى عبد الله بن أحمد عنه أنه قرأ ﴿وَاِمْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ ثم فارق حتى بكى، ثم قال:

стр. 3149

ما سمع الخلائق بنعت قط أشد منه. وقال أبو عوانة: حدثنا إبراهيم بن عبد الله حدثنا محمد بن إسحاق حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا خالد عن حصين بن عبد الرحمن عن ميمون قال: أربع لا تكلم فيهم: على، وعثمان، والقدر، والنجوم. وقال: احذروا كل هوى يسمى بغير الإسلام. وروى شبابة عن فرات بن السائب قال: سألت ميمون أعلى أفضل عندك أم أبو بكر وعمر؟ فارتعد حتى سقطت عصاه من يده ثم قال: ما كنت أظن أن أبقى الى زمان يعدل بهما غيرهما، إنهما كانا رداءي الإسلام، ورأس الإسلام، ورأس الجماعة. فقلت: فأبو بكر كان أول إسلاما أم على؟ فقال: والله لقد آمن أبو بكر بالنبيّ ﷺ زمن بحيرا الراهب حين مر به، وكان أبو بكر هو الّذي يختلف بينه وبين خديجة حتى أنكحها إياه، وذلك كله قبل أن يولد على، وكان صاحبه وصديقه قبل ذلك. وروى ميمون بن مهران عن ابن عمر قال قال رسول الله ﷺ : «قل ما يوجد في آخر الزمان درهم من حلال، أو أخ يوثق به». وروى عن ابن عمر أيضا عن النبي ﷺ قال: «شر المال في آخر الزمان المماليك». وروى ابن أبى الدنيا عنه قال: من طلب مرضاة الاخوان بلا شيء فليصادق أهل القبور. وقال: من ظلم أحدا ففاته أن يخرج من مظلمته فاستغفر له دبر كل صلاة خرج من مظلمته. وهذا إن شاء الله يدخل فيه الأعراض والأموال وسائر المظالم. وقال ميمون: القاتل والآمر والمأمور والظالم والراضي بالظلم، كلهم في الوزر سواء. وقال: أفضل الصبر الصبر على ما تكره نفسك. من طاعة الله . روى ميمون عن جماعة من الصحابة، وكان يسكن الرقة، رحمه الله تعالى] (١) [نافع مولى ابن عمر أبو عبد الله المدني أصله من بلاد المغرب، وقيل من نيسابور، وقيل من كابل، وقيل غير ذلك. روى عن مولاه عبد الله بن عمر وجماعة من الصحابة، مثل رافع بن خديج، وأبى سعيد وأبى هريرة وعائشة وأم سلمة وغيرهم: وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم، وكان من الثقات النبلاء، والأئمة الأجلاء، قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، وقال غيره. كان عمر بن عبد العزيز قد بعثه إلى مصر يعلم الناس السنن، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة ووثقوه ومات في هذه السنة على المشهور] (٢) ذو الرمة الشاعر واسمه غيلان بن عتبة بن بهيس، من بنى عبد مناة بن أدّ بن طابخة بن الياس بن مضر، أبو الحارث أحد فحول الشعراء، وله ديوان مشهور، وكان يتغزل في مى بنت مقاتل بن طلبة بن قيس

стр. 3150

ابن عاصم المنقري، وكانت جميلة، وكان هو دميم الخلق أسود اللون، ولم يكن بينهما فحش ولا خنا ولم يكن رآها قط ولا رأته، وإنما كانت تسمع به ويسمع بها، ويقال: إنها كانت تنذر إن هي رأته أن تذبح جزورا، فلما رأته قالت: وا سوأتاه وا سوأتاه، ولم تبد له وجهها قط إلا مرة واحدة، فأنشأ يقول: على وجه مى لمحة من حلاوة … وتحت الثياب العار لو كان باديا قال فانسلخت من ثيابها فقال: ألم تر أن الماء يخبث طعمه … وإن كان لون الماء أبيض صافيا فقالت: تريد أن تذوق طعمه؟ فقال: إي والله، فقالت: تذوق الموت قبل أن تذوقه. فأنشأ يقول: فوا ضيعة الشعر الّذي راح وانقضى … بمى ولم أملك ضلال فؤاديا قال ابن خلكان: ومن شعره السائر بين الناس ما أنشده: إذا هبت الأرياح من نحو جانب … به أهل مى هاج شوقي هبوبها هوى تذرف العينان منه وإنما … هوى كل نفس أين حل حبيبها وأنشد عند الموت: يا قابض الأرواح في جسمي إذا احتضرت … وغافر الذنب زحزحني عن النار ثم دخلت سنة ثماني عشرة ومائة فيها غزا معاوية وسليمان ابنا أمير المؤمنين هشام بن عبد الملك بلاد الروم، وفيها قصد شخص يقال له: عمار بن يزيد، ثم سمى بخداش، إلى بلاد خراسان ودعا الناس إلى خلافة محمد بن على بن عبد الله بن عباس، فاستجاب له خلق كثير، فلما التفوا عليه دعاهم إلى مذهب الحزمية الزنادقة، وأباح لهم نساء بعضهم بعضا، وزعم لهم أن محمد بن على يقول ذلك، وقد كذب عليه فأظهر الله عليه الدولة فأخذ فجيء به إلى خالد بن عبد الله القسري أمير العراق وخراسان، فأمر به فقطعت يده وسل لسانه ثم صلب بعد ذلك. وفيها حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل أمير المدينة، وقيل إن إمرة المدينة كانت مع خالد بن عبد الملك بن مروان، والصحيح أنه كان قد عزل وولى مكانه محمد بن هشام بن إسماعيل، وكان أمير العراق القسري. وفيها كانت وفاة: على بن عبد الله بن عباس ابن عبد المطلب القرشي الهاشمي أبو الحسن، ويقال أبو محمد، وأمه زرعة بنت مسرح بن معديكرب الكندي، أحد الملوك الأربعة الأقيال المذكورين في الحديث الّذي رواه أحمد، وهم مسرح،؟ وحمل، ومخولس، وأبضعة: وأختهم العمرّدة وكان مولد على هذا يوم قتل على بن أبى

стр. 3151

طالب، فسماه أبوه باسمه، وكناه بكنيته، وقيل إنه ولد في حياة على وهو الّذي سماه وكناه ولقبه بأبي الأملاك، فلما وفد على عبد الملك بن مروان أجلسه معه على السرير وسأله عن اسمه وكنيته فأخبره فقال له: ألك ولد؟ قال: نعم ولد لي ولد سميته محمدا، فقال له: أنت أبو محمد، وأجزل عطيته، وأحسن إليه. وقد كان على هذا في غاية العبادة والزهادة والعلم والعمل وحسن الشكل والعدالة والثقة كان يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة، قال عمرو بن على الفلاس: كان من خيار الناس، وكانت وفاته بالجهمة من أرض البلقاء في هذه السنة، وقد قارب الثمانين. وقد ذكر ابن خلكان أنه تزوج لبابة بنت عبد الله بن جعفر، التي كانت تحت عبد الملك بن مروان، فطلقها، وكان سبب طلاقه إياها أنه عض تفاحة ثم رمى بها إليها فأخذت السكين فحزت من التفاحة ما مس فمه منها، فقال: ولم تفعلين هذا؟ فقالت: أزيل الأذى عنها - وذلك لأن عبد الملك كان أبخر - فطلقها عبد الملك، فلما تزوجها على بن عبد الله بن عباس هذا نقم عليه الوليد بن عبد الملك لأجل ذلك، فضربه بالسياط، وقال إنما أردت أن تذل بنيها من الخلفاء، وضربه مرة ثانية لأنه اشتهر عنه أنه قال: الخلافة صائرة إلى بيته، فوقع الأمر كذلك. وذكر المبرد أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه السفاح والمنصور وهما صغيران، فأكرمه هشام وأدنى مجلسه، وأطلق له مائة وثلاثين ألفا، وجعل على بن عبد الله يوصيه بابنيه خيرا، ويقول: إنهما سيليان الأمر، فجعل هشام يتعجب من سلامة باطنه وينسبه في ذلك إلى الحمق، فوقع الأمر كما قال. قالوا: وقد كان على في غاية الجمال وتمام القامة، كان بين الناس كأنه راكب، وكان إلى منكب أبيه عبد الله، وكان عبد الله إلى منكب أبيه العباس، وكان العباس إلى منكب أبيه عبد المطلب، وقد بايع كثير من الناس لابنه محمد بالخلافة قبل أن يموت على هذا قبل هذه السنة بسنوات، ولكن لم يظهر أمره حتى مات فقام بالأمر من بعده ولده عبد الله أبو العباس السفاح، وكان ظهوره في سنة اثنتين وثلاثين كما سيأتي إن شاء الله تعالى عمرو بن شعيب، وعبادة بن نسىّ، وأبو صخرة جامع بن شداد، وأبو عياش المعافري. ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم. وفيها قتل أسد بن عبد الله القسري ملك الترك الأعظم خاقان، وكان سبب ذلك أن أسد بن عبد الله أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق، ثم سار بجيوشه إلى مدينة ختّل فافتتحها، وتفرقت في أرضها جنوده يقتلون ويأسرون ويغنمون، فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان أن جيش أسد قد تفرق في بلاد ختّل، فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصدا إلى أسد، وتزود خاقان وأصحابه سلاحا كثيرا، وقديدا وملحا، وساروا في حنق عظيم، وجاء إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم

стр. 3152

كثيف، فتجهز لذلك وأخذ أهبته، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه، فلمها وأشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد الله فقتله وأصحابه، ليحصل بذلك خذلان لأصحابه فلا يجتمعون إليه، فردّ الله كيدهم في نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم، وذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الإسلام وازدادوا حنقا على عدوهم، وعزموا على الأخذ بالثأر، فقصدوا الموضع الّذي فيه أسد، فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب، وسار أسد نحو خافان حتى أتى جبل الملح، وأراد أن يخوض نهر بلخ، وكان معهم أغنام كثيرة، فكره أسد أن يتركها وراء ظهره، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة وعلى عنقه شاة، وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد، وحمل هو معه شاة وخاضوا النهر، فما خلصوا منه جيدا حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا وظن المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر، فتشاور الأتراك فيما بينهم، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة واحدة - وكانوا خمسين ألفا - فيقتحمون النهر، فضربوا بكؤساتهم ضربا شديدا حتى ظن المسلمون أنهم معهم في عسكرهم، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحدة، فجعلت خيولهم تنخر أشد النخير، وخرجوا منه إلى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم، وكانوا قد خندقوا حولهم خندقا لا يخلصون إليهم منه، فبات الجيشان تتراءى ناراهما، فلما أصبحا مال خاقان على بعض الجيش الّذي للمسلمين فقتل منهم خلقا وأسر أمما وإبلا موقرة، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر حتى خاف جيش أسد أن لا يصلوا صلاة العيد، فما صلوها إلا على وجل، ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ، حتى انقضى الشتاء، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس واستشارهم في الذهاب إلى مرو أو في لقاء خاقان، أو في التحصن ببلخ. فمنهم من أشار بالتحصن، ومنهم من أشار بملتقاه والتوكل على الله، فوافق ذلك رأى أسد الأسد، فقصد بجيشه نحو خاقان، وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف وهو يقول: نصرتم إن شاء الله، ثم سار بمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان، فقتل المسلمون منهم خلقا وأسروا أميرهم وسبعة أمراء معه، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستافها، فإذا هي مائة ألف وخمسون ألف شاة، ثم التقى معهم، وكان خاقان إنما معه أربعة آلاف أو نحوها، ومعه رجل من العرب قد خامر إليه، يقال له الحارث بن شريح، فهو يدلهم على عورات المسلمين، فلما أقبل الناس هربت الأتراك في كل جانب، وانهزم خاقان ومعه الحارث ابن شريح يحميه ويتبعه، فتبعهم أسد، فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه، عليهم الخز ومعهم الكئوسات، فلما أدركه المسلمون أمر بالكوسات فضربت ضربا شديدا ضرب الانصراف ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف، فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاحتازوه

стр. 3153

بما فيه من الأمتعة العظيمة، والأواني من الذهب والفضة، والنساء والصبيان، من الأتراك ومن معهم من الأسارى من المسلمات وغيرهم، مما لا يحد ولا يوصف لكثرته وعظمه وقيمته وحسنه. غير أن خاقان لما أحس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخر رمق تتحرك، ووجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم، وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن بها، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض الأمراء فغلبه الأمير فتوعده خاقان بقطع اليد، فحنق عليه ذلك الأمير ثم عمل على قتله فقتله، وتفرقت الأتراك يعدو بعضهم على بعض، وينهب بعضهم بعضا، وبعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان، وبعث إليه بطبول خاقان - وكانت كبارا لها أصوات كالرعد - وبشيء كثير من حواصله وأمتعته، فأوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحا شديدا، وأطلق للرسل أموالا جزيلة كثيرة من بيت المال. وقد قال بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك: - لو سرت في الأرض تقيس الأرضا … تقيس منها طولها والعرضا لم تلق خيرا إمرة ونقضا … من الأمير أسد وأمضى افضى إلينا الخير حتى افضا … وجمع الشمل وكان ارفضا ما فاته خاقان إلا ركضا … قد فض من جموعه ما فضا يا ابن شريح قد لقيت حمضا … حمضا به تشفى صداع المرضى وفيها قتل خالد بن عبد الله القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله، وكان هذا الرجل ساحرا فاجرا شيعيا خبيثا، قال ابن جرير: ثنا ابن حميد ثنا جرير عن الأعمش قال: سمعت المغيرة بن سعيد يقول: لو أراد أن يحيى عادا وثمودا وقرونا بين ذلك لأحياهم. قال الأعمش: وكان المغيرة هذا يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور، أو نحو هذا من الكلام. وذكر ابن جرير له غير ذلك من الأشياء التي تدل على سحره وفجوره. ولما بلغ خالدا أمره أمر بإحضاره فجيء به في ستة نفر أو سبعة نفر، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد، وأمر بإحضار أطناب القصب والنفط فصب فوقها، وأمر المغيرة أن يحتضن طنبا منها، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنبا واحدا وصب فوق رأسه النفط، ثم أضرم بالنار. وكذلك فعل ببقية أصحابه. وفي هذه السنة خرج رجل يقال له بهلول بن بشر ويلقب بكثارة، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، وقصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جدا لشجاعتهم وجلدهم، وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة والخيل المسومة، هذا وهم لم يبلغوا المائة، ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة

стр. 3154

هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالا عظيما، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي. ثم إن رجلا من جديلة يكنى أبا الموت ضرب بهلولا ضربة فصرعه وتفرقت عنه بقية أصحابه، وكانوا جميعهم سبعين رجلا، وقد رثاهم بعض أصحابهم (١) فقال: - بدلت بعد أبى بشر وصحبته … قوما عليّ مع الأحزاب أعوانا بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا … ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا يا عين أذرى دموعا منك تهتانا … وابكى لنا صحبة بانوا وجيرانا خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها … وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم فقاتلوا وقتلوا وقتلوا، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، ولم يزل حتى أباد خضراءهم ولم يبق لهم باقية. وفيها غزا أسد القسري بلاد الترك، فعرض عليه ملكهم طرخان خان ألف ألف فلم يقبل منه شيئا، وأخذه قهرا فقتله صبرا بين يديه، وأخذ مدينته وقلعته وحواصله ونساءه وأمواله. وفيها خرج الصحاري بن شبيب الخارجي واتبعه طائفة قليلة نحو من ثلاثين رجلا، فبعث إليهم خالد القسري جندا فقتلوه وجميع أصحابه، فلم يتركوا منهم رجلا واحدا. وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج، وكان أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، وأمير العراق والمشرق وخراسان خالد القسري، ونائبة على خراسان بكمالها أخوه أسد ابن عبد الله القسري، وقد قيل إنه توفى في هذه السنة، وقيل في سنة عشرين فالله أعلم. ونائب أرمينية وأذربيجان مروان الحمار والله أعلم. سنة عشرين ومائة من الهجرة فيها غزا سليمان بن هشام بلاد الروم وافتتح فيها حصونا، وفيها غزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه، وافتتحها وخرب أراضيها. وفيها غزا مروان بن محمد بلاد الترك، وفيها كانت وفاة أسد ابن عبد الله القسري أمير خراسان، وكانت وفاته بسبب أنه كانت له دبيلة في جوفه، فلما كان مهرجان هذه السنة قدمت الدهاقين - وهم أمراء المدن الكبار - من سائر البلدان بالهدايا والتحف على أسد، وكان فيمن قدم نائب هراة ودهقانها، واسم دهقانها خراسان شاه، فقدم بهدايا عظيمة وتحف عزيزة، وكان من جملة ذلك قصر من ذهب، وقصر من فضة، وأباريق من ذهب، وصحاف من ذهب وفضة، وتفاصيل من حرير تلك البلاد ألوان ملونة، فوضع ذلك كله بين يدي أسد حتى امتلأ المجلس، ثم قام الدهقان خطيبا فامتدح أسدا بخصال حسنة، على عقله ورياسته وعدله ومنعه أهله وخاصته أن يظلموا أحدا من الرعايا بشيء قل أو كثر، وأنه قهر الخان الأعظم، وكان في مائة ألف

стр. 3155

فكسره وقتله، وأنه يفرح بما يفد إليه من الأموال، وهو بما خرج من يده أفرح وأشد سرورا، فأثنى عليه أسد وأجلسه، ثم فرق أسد جميع تلك الهدايا والأموال وما هناك أجمع على الأمراء والأكابر بين يديه، حتى لم يبق منه شيء، ثم قام من مجلسه وهو عليل من تلك الدبيلة، ثم أفاق إفاقة وجيء بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة، فألقى إلى دهقان خراسان واحدة فانفجرت دبيلته وكان فيها حتفه، واستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني، فمكث أميرا أربعة أشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها، فعلى هذا تكون وفاة أسد في صفر من هذه السنة، وقد قال فيه ابن عرس العبديّ يرثيه: نعى أسد بن عبد الله ناع … فريع القلب للملك المطاع ببلخ وافق المقدار يسرى … وما لقضاء ربك من دفاع فجودي عين بالعبرات سحا … ألم يحزنك تفريق الجماع أتاه حمامه في جوف ضيع … وكم بالضيع من بطال شجاع أتاه حمامه في جوف صيغ … وكم بالصيغ من بطل شجاع كتائب قد يجيبون المنادي … على جرد مسومة سراع سقيت الغيث إنك كنت غيثا … مريعا عند مرتاد النجاع وفيها عزل هشام خالد بن عبد الله القسري عن نيابة العراق، وذلك أنه انحصر منه لما كان يبلغه من إطلاق عبارة فيه، وأنه كان يقول عنه ابن الحمقاء، وكتب إليه كتابا فيه غلظة، فرد عليه هشام ردا عنيفا، ويقال إنه حسده على سعة ما حصل له من الأموال والحواصل والغلات، حتى قيل إنه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر ألف ألف دينار، وقيل درهم، ولولده يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف، وقيل إنه وفد إليه رجل من ألزام أمير المؤمنين من قريش يقال له ابن عمرو، فلم يرحب به ولم يعبأ به، فكتب إليه هشام يعنفه ويبكته على ذلك، وأنه حال وصول هذا الكتاب إليه يقوم من فوره بمن حوله من أهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتى باب ابن عمرو صاغرا ذليلا مستأذنا عليه، متنصلا إليه مما وقع، فأن أذن لك وإلا فقف على بابه حولا غير متحلل من مكانك ولا زائل، ثم أمرك إليه إن شاء عزلك وإن شاء أبقاك، وإن شاء انتصر، وإن شاء عفا. وكتب إلى ابن عمرو يعلمه بما كتب إلى خالد، وأمره إن وقف بين يديه أن يضربه عشرين سوطا على رأسه، إن رأى ذلك مصلحة. ثم إن هشاما عزل خالدا وأخفى ذلك، وبعث البريد إلى نائبة على اليمن وهو يوسف ابن عمر فولاه إمرة العراق، وأمره بالمسير إليها والقدوم عليها في ثلاثين راكبا، فقدموا الكوفة وقت السحر، فدخلوها، فلما أذن المؤذن أمره يوسف بالإقامة: فقال: إلى أن يأتى الإمام - يعنى خالدا -
следующие страницы →