قحطبة وأمده بالعساكر، فسار ابن ضبارة حتى التقى مع قحطبة في عشرين ألفا، فلما تواجه الفريقان رفع قحطبة وأصحابه المصاحف ونادى المنادي: يا أهل الشام، إنا ندعوكم إلى ما في هذا المصحف، فشتموا المنادي وشتموا قحطبة، فأمر قحطبة أصحابه أن يحملوا عليهم، فلم يكن بينهم كبير قتال حتى انهزم أصحاب ابن ضبارة، واتبعهم أصحاب قحطبة فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وقتلوا ابن ضبارة في العسكر [لشجاعته فإنه لم يول] وأخذوا من عسكرهم ما لم يحد ولا يوصف.
وفيها حاصر قحطبة نهاوند حصارا شديدا حتى سأله أهل الشام الذين بها أن يمهل أهلها حتى يفتحوا له الباب، ففتحوا له الباب وأخذوا لهم منه أمانا، فقال لهم من بها من أهل خراسان: ما فعلتم؟ فقالوا: أخذنا لنا ولكم أمانا، فخرجوا ظانين أنهم في أمان، فقال قحطبة للامراء الذين معه: كل من حصل عنده أسير من الخراسانيين فليضرب عنقه وليأتنا برأسه، ففعلوا ذلك ولم يبق ممن كان هرب من أبى مسلم أحد، وأطلق الشاميين وأوفى لهم عهدهم وأخذ عليهم الميثاق أن لا يمالئوا عليه عدوا. ثم بعث قحطبة أبا عون إلى شهرزور، عن أمر أبى مسلم في ثلاثين ألفا فافتتحها، وقتل نائبها عثمان بن سفيان. وقيل لم يقتل بل تحول إلى الموصل والجزيرة وبعث إلى قحطبة بذلك، ولما بلغ مروان خبر قحطبة وأبى مسلم وما وقع من أمرهما، تحول مروان من حران فنزل بمكان يقال له الزاب الأكبر.
وفيها قصد قحطبة في جيش كثيف نائب العراق يزيد بن عمر بن هبيرة. فلما اقترب منه تقهقر ابن هبيرة إلى ورائه، وما زال يتقهقر إلى أن جاوز الفرات، وجاء قحطبة فجازها وراءه، وكان من أمرهما ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائة
في المحرم منها جاز قحطبة بن شبيب الفرات ومعه الجنود والفرسان، وابن هبيرة مخيم على فم الفرات مما يلي الفلوجة، في خلق كثير وجم غفير، وقد أمده مروان بجنود كثيرة، وانضاف إليه كل من انهزم من جيش ابن ضبارة. ثم إن قحطبة عدل إلى الكوفة ليأخذها، فاتبعه ابن هبيرة. فلما كانت ليلة الأربعاء لثمان مضين من المحرم اقتتلوا قتالا شديدا وكثر القتل في الفريقين، ثم ولى أهل الشام منهزمين واتبعهم أهل خراسان، وفقد قحطبة من الناس فأخبرهم رجل أنه قتل وأوصى أن يكون أمير الناس من بعده ولده الحسن، ولم يكن الحسن حاضرا، فبايعوا حميد بن قحطبة لأخيه الحسن وذهب البريد إلى الحسن ليحضر. وقتل في هذه الليلة جماعة من الأمراء. والّذي قتل قحطبة معن ابن زائدة، ويحيى بن حصين وقيل بل قتله رجل ممن كان معه آخذا بثأر ابني نصر بن سيار فالله أعلم. ووجد قحطبة في القتلى فدفن هنالك، وجاء الحسن بن قحطبة فسار نحو الكوفة، وقد خرج بها
стр. 3222
محمد بن خالد بن عبد الله القسري ودعا إلى بنى العباس وسوّد، وكان خروجه ليلة عاشوراء المحرم من هذه السنة، وأخرج عاملها من جهة ابن هبيرة، وهو زياد بن صالح الحارثي، وتحول محمد بن خالد إلى قصر الامارة فقصده حوثرة في عشرين ألفا من جهة ابن هبيرة، فلما اقترب من الكوفة أصحاب حوثرة يذهبون إلى محمد بن خالد فيبايعونه لبني العباس، فلما رأى حوثرة ذلك ارتحل إلى واسط، ويقال بل دخل الحسن بن قحطبة الكوفة، وكان قحطبة قد جعل في وصيته أن تكون وزارة الخلافة إلى أبى سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع الكوفي الخلال، وهو بالكوفة، فلما قدموا عليه أشار أن يذهب الحسن بن قحطبة في جماعة من الأمراء إلى قتال ابن هبيرة بواسط، وأن يذهب أخوه حميد إلى المدائن، وبعث البعوث إلى كل جانب يفتتحونها، وفتحوا البصرة، افتتحها مسلم بن قتيبة لابن هبيرة، فلما قتل ابن هبيرة جاء أبو مالك عبد الله بن أسيد الخزاعي فأخذ البصرة لأبى مسلم الخراساني.
وفي هذه السنة ليلة الجمعة لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر منها، أخذت البيعة لأبى العباس السفاح، وهو عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب. قاله أبو معشر وهشام بن الكلبي. وقال الواقدي: في جمادى الأولى من هذه السنة فالله أعلم.
ذكر مقتل إبراهيم بن محمد الامام
[أخى السفاح، وهو الّذي كانت الدعوة له، أرسل أبا مسلم إلى بلاد خراسان ليدعو الناس إلى البيعة له كما تقدم ذلك] (١).
قد ذكرنا في سنة تسع وعشرين ومائة أن مروان اطلع على كتاب من إبراهيم الامام إلى أبى مسلم الخراساني، يأمره فيه بأن لا يبقى أحدا بأرض خراسان ممن يتكلم بالعربية إلا أباده، فلما وقف مروان على ذلك سأل عن إبراهيم فقيل له هو بالبلقاء، فكتب إلى نائب دمشق أن يحضره فبعث نائب دمشق بريدا ومعه صفته ونعته، فذهب الرسول فوجده أخاه أبا العباس السفاح، فاعتقد أنه هو فأخذه فقيل له: إنه ليس به، وإنما هو أخوه، فدل على إبراهيم فأخذه وذهب معه بأم ولد له كان يحبها، وأوصى إلى أهله أن يكون الخليفة من بعده أخوه أبو العباس السفاح، وأمرهم بالمسير إلى الكوفة، فارتحلوا من يومهم إليها، منهم أعمامه الستة وهم: عبد الله، وداود، وعيسى، وصالح، وإسماعيل، وعبد الصمد، بنو على، وأخواه أبو العباس السفاح، ومحمد ابنا محمد بن على، وابناه محمد وعبد الوهاب ابنا إبراهيم الامام الممسوك، وخلق سواهم. فلما دخلوا الكوفة أنزلهم أبو سلمة الخلال دار الوليد بن سعد، مولى بنى هشام، وكتم أمرهم نحوا من أربعين ليلة من القواد
стр. 3223
والأمراء، ثم ارتحل بهم إلى موضع آخر، ثم لم يزل ينقلهم من مكان إلى مكان حتى فتحت البلاد.
ثم بويع للسفاح. وأما إبراهيم بن محمد الامام فإنه سير به إلى أمير المؤمنين في ذلك الزمان مروان ابن محمد وهو بحران فحبسه، وما زال في السجن إلى هذه السنة، فمات في صفر منها في السجن، عن ثمان وأربعين سنة. وقيل إنه غمّ بمرققة وضعت على وجهه حتى مات عن إحدى وخمسين سنة، وصلى عليه رجل يقال له بهلول بن صفوان، وقيل إنه هدم عليه بيت حتى مات، وقيل بل سقى لبنا مسموما فمات، وقيل إن إبراهيم الامام شهد الموسم عام إحدى وثلاثين، واشتهر أمره هنالك لأنه وقف في أبهة عظيمة، ونجائب كثيرة، وحرمة وافرة، فأنهى أمره إلى مروان وقيل له: إن أبا مسلم يدعو الناس إلى هذا ويسمونه الخليفة، فبعث إليه في المحرم من سنة ثنتين وثلاثين وقتله في صفر من هذه السنة، وهذا أصح مما تقدم: وقيل إنه إنما أخذه من الكوفة لا من حميمة البلقاء فالله أعلم.
وقد كان إبراهيم هذا كريما جوادا له فضائل وفواضل، وروى الحديث عن أبيه عن جده، وأبى هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، وعنه أخواه عبد الله السفاح، وأبو جعفر عبد الله المنصور، وأبو سلمة عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، ومالك بن هاشم. ومن كلامه الحسن: الكامل المروءة من أحرز دينه، ووصل رحمه، واجتنب ما يلام عليه.
خلافة أبى العباس السفاح
لما بلغ أهل الكوفة مقتل إبراهيم بن محمد، أراد أبو سلمة الخلال أن يحول الخلافة إلى آل على ابن أبى طالب، فغلبه بقية النقباء والأمراء، وأحضروا أبا العباس السفاح وسلموا عليه بالخلافة، وذلك بالكوفة، وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة. وكان أول من سلم عليه بالخلافة أبو سلمة الخلال، وذلك ليلة الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة، فلما كان وقت صلاة الجمعة خرج السفاح على برذون أبلق، والجنود ملبسة معه، حتى دخل دار الامارة، ثم خرج إلى المسجد الجامع وصلى بالناس، ثم صعد المنبر وبايعه الناس وهو على المنبر في أعلاه، وعمه داود ابن على واقف دونه بثلاث درج، وتكلم السفاح، وكان أول ما نطق به أن قال: الحمد لله الّذي اصطفى الإسلام لنفسه دينا، وكرمه وشرفه وعظمه، واختاره لنا، وأيده بنا، وجعلنا أهله وكهفه والقوام به والذابين عنه والناصرين له، وألزمنا كلمة التقوى وجعلنا أحق بها وأهلها، خصنا برحم رسول الله ﷺ وقرابته، ووضعنا بالإسلام وأهله في الموضع الرفيع، وأنزل بذلك على أهل الإسلام كتابا يتلى عليهم. فقال تعالى ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ وقال ﴿قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى﴾ وقال: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ﴾
стр. 3224
الْأَقْرَبِينَ وقال: ﴿ما أَفاءَ اللهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ﴾ الآية. فأعلمهم فضلنا وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفيء والغنيمة نصيبنا تكرمة لنا، وتفضلة علينا، والله ذو الفضل العظيم. وزعمت السبابية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا، فشاهت وجوههم. أيها الناس بنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، ونصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل، وأصلح بنا منهم ما كان فاسدا، ورفع بنا الخسيسة، وأتم النقيصة وجمع الفرقة، حتى عاد الناس بعد العداوة أهل تعاطف وبر ومواساة في دنياهم، وإخوانا على سرر متقابلين في أخراهم، فتح الله علينا ذلك منة ومنحة بمحمد ﷺ ، فلما قبضه إليه قام بذلك الأمر بعده أصحابه، وأمرهم شورى بينهم، فحووا مواريث الأمم فعدلوا فيها، ووضعوها مواضعها، وأعطوها أهلها، وخرجوا خماصا منها. ثم وثب بنو حرب ومروان فابتزوها لأنفسهم، تداولوها. فجاروا فيها واستأثروا بها، وظلموا أهلها، فأملى الله لهم حينا ﴿فَلَمّا آسَفُونا اِنْتَقَمْنا مِنْهُمْ﴾ فانتزع منهم ما بأيديهم بأيدينا، ورد الله علينا حقنا، وتدارك بنا أمتنا، وتولى أمرنا والقيام بنصرنا ليمنّ بنا على الذين استضعفوا في الأرض، وختم بنا كما افتتح بنا، وإني لأرجو [أن] لا يأتيكم الجور من حيث جاءكم الخير، ولا الفساد من حيث جاءكم الصلاح، وما توفيقنا أهل البيت إلا بالله. يا أهل الكوفة أنتم محل محبتنا ومنزل مودتنا، وأنتم أسعد الناس بنا وأكرمهم علينا، وقد زدتكم في أعطياتكم مائة درهم، فاستعدوا فانا السفاح الهائج والثائر المبير. وكان به وعك فاشتد عليه حتى جلس على المنبر ونهض عمه داود فقال: الحمد لله شكرا الّذي أهلك عدونا وأصار إلينا ميراثنا من بيتنا. أيها الناس الآن انقشعت حنادس الظلمات وانكشف غطاؤها، وأشرقت أرضها وسماؤها، فطلعت شمس الخلافة من مطلعها، ورجع الحق إلى نصابه، إلى أهل نبيكم أهل الرأفة والرحمة والعطف عليكم، أيها الناس إنا والله ما خرجنا لهذا الأمر لنكنز لجينا ولا عقيانا ولا لنحفر نهرا ولا لنبنى قصرا ولا لنجمع ذهبا ولا فضة، وإنما أخرجتنا الأنفة من انتزاع حقنا والغضب لبني عمنا، ولسوء سيرة بنى أمية فيكم، واستذلالهم لكم، واستئثارهم بفيئكم وصدقاتكم، فلم علينا ذمة الله وذمة رسوله العباس، أن نحكم فيكم بما أنزل الله، ونعمل بكتاب الله، ونسير في العمامة والخاصة بسيرة رسول الله، تباتبا لبني أمية وبنى مروان، آثروا العاجلة على الآجلة، والدار الفانية على الدار الباقية، فركبوا الآثام وظلموا الأنام، وارتكبوا المحارم، وغشوا الجرائم، وجاروا في سيرتهم في العباد، وسنتهم في البلاد التي بها استلذوا تسربل الأوزار، وتجلبب الآصار، ومرحوا في أعنة المعاصي، وركضوا في ميادين الغي، جهلا منهم باستدراج الله، وعميا عن أخذ الله، وأمنا لمكر الله، فأتاهم بأس الله بياتا وهم نائمون، فأصبحوا أحاديث ومزقوا كل ممزق،
стр. 3225
فبعدا للقوم الظالمين. وأدان الله من مروان، وقد غره بالله الغرور، وأرسل عدو الله في عنانه حتى عثر جواده في فضل خطامه، أظن عدو الله أن لن يقدر عليه أحد؟ فنادى حزبه وجمع جنده ورمى بكتائبه فوجد أمامه ووراءه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته من مكر الله وبأسه ونقمته ما أمات باطله، ومحق ضلاله، وأحل دائرة السوء به، وأحاط به خطيئته، ورد إلينا حقنا وآوانا.
أيها الناس! إن أمير المؤمنين نصره الله نصرا عزيزا، إنما عاد إلى المنبر بعد صلاة الجمعة لأنه كره أن يخلط بكلام الجمعة غيره، وإنما قطعة عن استتمام الكلام شدة الوعك، فادعوا الله لأمير المؤمنين بالعافية، فقد أبدلكم الله بمروان عدو الرحمن، وخليفة الشيطان، المتبع للسفلة الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون. المتوكل على الله المقتدى بالأبرار الأخيار الذين أصلحوا الأرض بعد فسادها بمعالم الهدى، ومناهج التقى. قال فعج الناس له بالدعاء ثم قال: واعلموا يا أهل الكوفة أنه لم يصعد منبركم هذا خليفة بعد رسول الله ﷺ إلا أمير المؤمنين على بن أبى طالب وأمير المؤمنين هذا - وأشار بيده إلى السفاح - واعلموا أن هذا الأمر فينا ليس بخارج عنا، حتى نسلمه إلى عيسى بن مريم ﵇، والحمد لله رب العالمين على ما أبلانا وأولانا. ثم نزل أبو العباس وداود حتى دخلا القصر. ثم دخل الناس يبايعون إلى العصر، ثم من بعد العصر إلى الليل.
ثم إن أبا العباس خرج فعسكر بظاهر الكوفة واستخلف عليها عمه داود، وبعث عمه عبد الله ابن على إلى أبى عون بن أبى يزيد، وبعث ابن أخيه عيسى بن موسى إلى الحسن بن قحطبة. وهو يومئذ بواسط يحاصر ابن هبيرة، وبعث يحيى بن [جعفر بن] تمام بن العباس إلى حميد بن قحطبة بالمدائن، وبعث أبا اليقظان عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر إلى بسام بن إبراهيم بن بسام بالأهواز، وبعث سلمة بن عمرو بن عثمان إلى مالك بن الطواف. وأقام هو بالعسكر أشهرا، ثم ارتحل فنزل المدينة الهاشمية في قصر الامارة، وقد تنكر لأبى سلمة الخلال، وذلك لما كان بلغه عنه من العدول بالخلافة عن ابن العباس إلى آل على بن أبى طالب والله أعلم.
ذكر مقتل مروان بن محمد بن مروان
آخر خلفاء بنى أمية، وتحول الخلافة إلى بنى العباس مأخوذ من قوله تعالى ﴿وَاللهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشاءُ﴾ وقوله ﴿قُلِ اللهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية. وقد ذكرنا أن مروان لما بلغه خبر أبى مسلم وأتباعه وما جرى بأرض خراسان، تحول من حران فنزل على نهر قريب من الموصل، يقال له الزاب من أرض الجزيرة ثم لما بلغه أن السفاح قد بويع له بالكوفة والتفت عليه الجنود، واجتمع له أمره، شق عليه جدا، وجمع جنوده فتقدم إليه أبو عون بن أبى يزيد في جيش كثيف وهو أحد أمراء السفاح، فنازله على الزاب وجاءته الأمداد من جهة السفاح، ثم ندب السفاح الناس ممن يلي القتال من أهل
стр. 3226
بيته، فانتدب له عبد الله بن على فقال: سر على بركة الله، فسار في جنود كثيرة فقدم على أبى عون فتحول له أبو عون عن سرادقه، وخلاه له وما فيه، وجعل عبد الله بن على على شرطته حياش ابن حبيب الطائي، ونصير بن المحتفز، ووجه أبو العباس موسى بن كعب في ثلاثين رجلا على البريد إلى عبد الله بن على يحثه على مناجزة مروان، والمبادرة إلى قتاله ونزاله قبل أن تحدث أمور، وتبرد نيران الحرب. فتقدم عبد الله بن على بجنوده حتى واجه جيش مروان، ونهض مروان في جنوده وتصاف الفريقان في أول النهار، ويقال إنه كان مع مروان يومئذ مائة ألف وخمسون ألفا، ويقال مائة وعشرون ألفا، وكان عبد الله بن على في عشرين ألفا. فقال مروان لعبد العزيز بن عمر ابن عبد العزيز: إن زالت الشمس يومئذ ولم يقاتلونا كنا نحن الذين ندفعها إلى عيسى بن مريم، وإن قاتلونا قبل الزوال ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ثم أرسل مروان إلى عبد الله بن على يسأله الموادعة، فقال عبد الله: كذب ابن زريق، لا تزول الشمس حتى أوطئه الخيل إن شاء الله، وكان ذلك يوم السبت لإحدى عشر ليلة خلت من جمادى الآخرة من هذه السنة، فقال مروان: قفوا لا تبتدئون بقتال، وجعل ينظر إلى الشمس فخالفه الوليد بن معاوية بن مروان - وهو ختن مروان على ابنته - فحمل، فغضب مروان فشتمه فقاتل أهل الميمنة فانحاز أبو عون إلى عبد الله بن على، فقاتل موسى بن كعب لعبد الله بن على، فأمر الناس فنزلوا ونودي الأرض الأرض، فنزلوا وأشرعوا الرماح وجثوا على الركب وقاتلوهم، وجعل أهل الشام يتأخرون كأنما يدفعون، وجعل عبد الله يمشى قدما، وجعل يقول: يا رب حتى متى نقتل فيك، ونادى: يا أهل خراسان، يا شارات إبراهيم الامام، يا محمد يا منصور، واشتد القتال جدا بين الناس، فلا تسمع إلا وقعا كالمرازب على النحاس، فأرسل مروان إلى قضاعة يأمرهم بالنزول فقالوا: قل لبني سليم فلينزلوا، وأرسل إلى السكاسك أن احملوا فقالوا: قل لبني عامر أن يحملوا، فأرسل إلى السكون أن احملوا فقالوا: قل إلى غطفان فليحملوا.
فقال لصاحب شرطته: انزل فقال لا والله لا أجعل نفسي غرضا. قال: أما والله لأسوءنك. قال:
وددت والله لو قدرت على ذلك.
ويقال: إنه قال ذلك لابن هبيرة قالوا: ثم انهزم أهل الشام واتبعتهم أهل خراسان في أدبارهم يقتلون ويأسرون، وكان من غرق من أهل الشام أكثر ممن قتل وكان في جملة من غرق إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك المخلوع، وقد أمر عبد الله بن على بعقد الجسر، واستخراج من غرق في الماء، وجعل يتلو قوله تعالى ﴿وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ وأقام عبد الله ابن على في موضع المعركة سبعة أيام، وقد قال رجل من ولد سعيد بن العاص في مروان وفراره يومئذ:
لج الفرار بمروان فقلت له … عاد الظلوم ظليما همه الهرب
стр. 3227
أين الفرار وترك الملك إذ ذهبت … عنك الهوينا فلا دين ولا حسب
فراشة الحلم فرعون العقاب وإن … تطلب نداه فكلب دونه كلب
واحتاز عبد الله ما في معسكر مروان من الأموال والأمتعة والحواصل، ولم يجد فيه امرأة سوى جارية كانت لعبد الله بن مروان، وكتب إلى أبى العباس السفاح بما فتح الله عليه من النصر، وما حصل لهم من الأموال. فصلى السفاح ركعتين شكرا لله ، وأطلق لكل من حضر الوقعة خمسمائة خمسمائة، ورفع في أرزاقهم إلى ثمانين، وجعل يتلو قوله ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ﴾ الآية
صفة مقتل مروان
لما انهزم مروان سار لا يلوى على أحد، فأقام عبد الله بن على في مقام المعركة سبعة أيام، ثم سار خلفه بمن معه من الجنود، وذلك عن أمر السفاح له بذلك، فلما مر مروان بحران اجتازها وأخرج أبا محمد السفياني من سجنه، واستخلف عليها أبان بن يزيد - وهو ابن أخته، وزوج ابنته أم عثمان - فلما قدم عبد الله على حران خرج إليه أبان بن يزيد مسودا فأمنه عبد الله بن على وأقره على عمله، وهدم الدار التي سجن فيها إبراهيم الامام، واجتاز مروان قنسرين قاصدا حمص، فلما جاءها خرج إليه أهلها بالأسواق والمعايش، فأقام بها يومين أو ثلاثة ثم شخص منها، فلما رأى أهل حمص قلة من معه اتبعوه ليقتلوه ونهبوا ما معه، وقالوا: مرعوب مهزوم، فأدركوه بواد عند حمص فأكمن لهم أميرين، فلما تلاحقوا بمروان عطف عليهم فناشدهم أن يرجعوا فأبوا إلا مقاتلته، فثار القتال بينهم وثار الكمينان من ورائهم، فانهزم الحمصيون، وجاء مروان إلى دمشق وعلى نيابتها من جهته زوج ابنته الوليد ابن معاوية بن مروان، فتركه بها واجتاز عنها قاصدا إلى الديار المصرية، وجعل عبد الله بن على لا يمر ببلد وقد سودوا فيبايعونه ويعطيهم الأمان، ولما وصل إلى قنسرين وصل إليه أخوه عبد الصمد ابن على في أربعة آلاف، قد بعثهم السفاح مددا له، ثم سار عبد الله حتى أتى حمص، ثم سار منها إلى بعلبكّ، ثم منها حتى أتى دمشق من ناحية المزة فنزل بها يومين أو ثلاثة، ثم وصل إليه أخوه صالح ابن على في ثمانية آلاف مددا من السفاح، فنزل صالح بمرج عذراء، ولما جاء عبد الله بن على دمشق نزل على الباب الشرقي، ونزل صالح أخوه على باب الجابية، ونزل أبو عون على باب كيسان، ونزل بسام على الباب الصغير، وحميد بن قحطبة على باب توما، وعبد الصمد ويحيى بن صفوان والعباس بن يزيد على باب الفراديس، فحاصرها أياما ثم افتتحها يوم الأربعاء لعشر خلون من رمضان هذه السنة، فقتل من أهلها خلقا كثيرا وأباحها ثلاث ساعات، وهدم سورها، ويقال إن أهل دمشق لما حاصرهم عبد الله اختلفوا فيما بينهم، ما بين عباسي وأموى، فاقتتلوا فقتل بعضهم بعضا، وقتلوا نائبهم ثم سلموا البلد، وكان أول من صعد السور من ناحية الباب الشرقي رجل يقال له عبد الله الطائي، ومن
стр. 3228
ناحية الباب الصغير بسام بن إبراهيم، ثم أبيحت دمشق ثلاث ساعات حتى قيل إنه قتل بها في هذه المدة نحوا من خمسين ألفا.
[وذكر ابن عساكر في ترجمة عبيد بن الحسن الأعرج من ولد جعفر بن أبى طالب، وكان أميرا على خمسة آلاف مع عبد الله بن على في حصار دمشق، أنهم أقاموا محاصريها خمسة أشهر، وقيل مائة يوم، وقيل شهرا ونصفا، وأن البلد كان قد حصنه نائب مروان تحصينا عظيما، ولكن اختلف أهلها فيما بينهم بسبب اليمانية والمضرية، وكان ذلك سبب الفتح، حتى إنهم جعلوا في كل مسجد محرابين للقبلتين حتى في المسجد الجامع منبرين، وإمامين يخطبان يوم الجمعة على المنبرين، وهذا من عجيب ما وقع، وغريب ما اتفق، وفظيع ما أحدث بسبب الفتنة والهوى والعصبية، نسأل الله السلامة والعافية. وقد بسط ذلك ابن عساكر في هذه الترجمة المذكورة، وذكر في ترجمة محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال: كنت مع عبد الله بن على أول ما دخل دمشق، دخلها بالسيف، وأباح القتل فيها ثلاث ساعات، وجعل جامعها سبعين يوما اسطبلا لدوابه وجماله، ثم نبش قبور بنى أمية فلم يجد في قبر معاوية إلا خيطا أسود مثل الهباء، ونبش قبر عبد الملك بن مروان فوجد جمجمة، وكان يجد في القبر العضو بعد العضو، إلا هشام بن عبد الملك فإنه وجده صحيحا لم يبل منه غير أرنبة أنفقه، فضربه بالسياط وهو ميت وصلبه أياما ثم أحرقه ودق رماده ثم ذره في الريح، وذلك أن هشاما كان قد ضرب أخاه محمد بن على، حين كان قد اتهم بقتل ولد له صغير، سبعمائة سوط، ثم نفاه إلى الحميمة بالبلقاء. قال: ثم تتبع عبد الله بن على بنى أمية من أولاد الخلفاء وغيرهم، فقتل منهم في يوم واحد اثنين وتسعين ألفا عند نهر بالرملة، وبسط عليهم الأنطاع ومد عليهم سماطا فأكل وهم يختلجون تحته، وهذا من الجبروت والظلم الّذي يجازيه الله عليه، وقد مضى ولم يدم له ما أراده ورجاه، كما سيأتي في ترجمته. وأرسل امرأة هشام بن عبد الملك وهي عبدة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية صاحبة الخال، مع نفر من الخراسانية إلى البرية ماشية حافية حاسرة عن وجهها وجسدها عن ثيابها ثم قتلوها. ثم أحرق ما وجده من عظم ميت منهم. وأقام بها عبد الله خمسة عشر يوما] (١) وقد استدعى بالأوزاعي فأوقف بين يديه فقال له: يا أبا عمر وما تقول في هذا الّذي صنعناه؟ قال فقلت له: لا أدرى، غير أنه
قد حدثني يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم عن علقمة عن عمر بن الخطاب قال: قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات» فذكر الحديث.
قال الأوزاعي: وانتظرت رأسي أن يسقط بين رجلي ثم أخرجت، وبعث إليّ بمائة دينار. ثم سار
стр. 3229
وراء مروان فنزل على نهر الكسوة ووجه يحيى بن جعفر الهاشمي نائبا على دمشق، ثم سار فنزل مرج الروم، ثم أتى نهر أبى فطرس فوجد مروان قد هرب فدخل مصر، وجاءه كتاب السفاح: ابعث صالح بن على في طلب مروان وأقم أنت بالشام نائبا عليها، فسار صالح يطلب مروان في ذي القعدة من هذه السنة، ومعه أبو عمر وعامر بن إسماعيل، فنزل على ساحل البحر وجمع ما هناك من السفن وبلغه أن مروان قد نزل الفرما، وقيل الفيوم، فجعل يسير على الساحل والسفن تقاد معه في البحر حتى أتى العريش، ثم سار حتى نزل على النيل ثم سار إلى الصعيد، فعبر مروان النيل وقطع الجسر وحرق ما حوله من العلف والطعام، ومضى صالح في طلبه. فالتقى بخيل لمروان فهزمهم، ثم جعل كلما التقوا مع خيل لمروان يهزمونهم حتى سألوا بعض من أسروا عن مروان فدلهم عليه، وإذا به في كنيسة أبوصير، فوافوه من آخر الليل فانهزم من معه من الجند وخرج إليهم مروان في نفر يسير معه فأحاطوا به حتى قتلوه، طعنه رجل من أهل البصرة يقال له معود، ولا يعرفه حتى قال رجل صرع أمير المؤمنين. فابتدره رجل من أهل الكوفة كان يبيع الرمان فاحتز رأسه، فبعث به عامر بن إسماعيل أمير هذه السرية إلى أبى عون، فبعث به أبو عون إلى صالح بن على، فبعث به صالح مع رجل يقال له خزيمة بن يزيد بن هانئ كان على شرطته، لأمير المؤمنين السفاح.
وكان مقتل مروان يوم الأحد لثلاث بقين من ذي الحجة، وقيل يوم الخميس لست مضين منها سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام على المشهور، واختلفوا في سنه فقيل أربعون سنة، وقيل ست وقيل ثمان وخمسون سنة، وقيل ستون وقيل اثنتان وقيل ثلاث وقيل تسع وستون سنة، وقيل ثمانون فالله أعلم.
ثم إن صالح بن على سار إلى الشام واستخلف على مصر أبا عون بن أبى يزيد والله سبحانه أعلم.
وهذا شيء من ترجمة مروان الحمار
وهو مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بن أبى العاص بن أمية، القرشي الأموي، أبو عبد الملك أمير المؤمنين آخر خلفاء بنى أمية، وأمه أمة كردية يقال لها لبابة، وكانت لإبراهيم بن الأشتر النخعي، أخذها محمد بن مروان يوم قتله فاستولدها مروان هذا، ويقال إنها كانت أولا لمصعب بن الزبير، وقد كانت دار مروان هذا في سوق الأكافين، قاله ابن عساكر. بويع له بالخلافة بعد قتل الوليد بن يزيد، وبعد موت يزيد بن الوليد، ثم قدم دمشق وخلع إبراهيم بن الوليد، واستمر له الأمر في نصف صفر سنة سبع وعشرين ومائة. قال أبو معشر: بويع له بالخلافة في ربيع الأول سنة تسع وعشرين ومائة، وكان يقال له مروان الجعديّ، نسبة إلى رأى الجعد بن درهم، وتلقب بالحمار، وهو آخر من ملك من بنى أمية، وكانت خلافته خمس سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام، وقيل
стр. 3230
خمس سنين وشهرا، وبقي بعد أن بويع للسفاح تسعة أشهر، وكان أبيض مشربا حمرة، أزرق العينين، كبير اللحية، ضخم الهامة، ربعة، ولم يكن يخضب. ولاه هشام نيابة أذربيجان وأرمينية والجزيرة، في سنة أربع عشرة ومائة، ففتح بلادا كثيرة وحصونا متعددة في سنين كثيرة، وكان لا يفارق الغزو في سبيل الله، وقاتل طوائف من الناس الكفار ومن الترك والخزر واللان وغيرهم، فكسرهم وقهرهم، وقد كان شجاعا بطلا مقداما حازم الرأى، لولا أن جنده خذلوه بتقدير الله لما له في ذلك من حكمة سلب الخلافة لشجاعته وصرامته. ولكن من يخذل الله يخذل، ومن يهن الله فما له من مكرم.
قال الزبير بن بكار عن عمه مصعب بن عبد الله: كان بنو أمية يرون أن تذهب منهم الخلافة إذا وليها من أمه أمة، فلما وليها مروان هذا أخذت منهم في سنة ثنتين وثلاثين ومائة.
وقد قال الحافظ ابن عساكر: أخبرنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبى الحسين أخبرنا سهل بن بشر أنبأ الخليل ابن هبة الله بن الخليل أنبأ عبد الوهاب الكلابي حدثنا أبو الجهم أحمد بن الحسين أنبأ العباس ابن الوليد بن صبح ثنا عباس بن يحيى أبو الحارث حدثني الهيثم بن حميد حدثني راشد بن داود عن أسماء عن ثوبان قال. قال رسول الله ﷺ : «لا تزال الخلافة في بنى أمية يتلقفونها تلقف الغلمان الكرة، فإذا خرجت من أيديهم فلا خير في عيش». هكذا أورده ابن عساكر وهو منكر جدا، وقد سأل الرشيد أبا بكر بن عياش: من خير الخلفاء نحن أو بنو أمية؟ فقال: هم كانوا أنفع للناس، وأنتم أقوم للصلاة، فأعطاه ستة آلاف. قالوا وقد كان مروان هذا كثير المروءة كثير العجب، يعجبه اللهو والطرب، ولكنه كان يشتغل عن ذلك بالحرب.
قال ابن عساكر: قرأت بخط أبى الحسين على بن مقلد بن نصر بن منقذ بن الأمير في مجموع له:
كتب مروان بن محمد إلى جارية له تركها بالرملة عند ذهابه إلى مصر منهزما:
وما زال يدعوني إلى الصبر ما أرى … فآبى ويدنيني الّذي لك في صدري
وكان عزيزا أن تبيتى وبيننا … حجاب فقد أمسيت منى على عشر
وأنكاهما والله للقلب فاعلمي … إذا زدت مثليها فصرت على شهر
وأعظم من هذين والله أننى … أخاف بان لا نلتقي آخر الدهر
سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة … ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر
وقال بعضهم: اجتاز مروان وهو هارب براهب فاطلع عليه الراهب فسلم عليه فقال له: يا راهب هل عندك علم بالزمان؟ قال: نعم! عندي من تلونه ألوان. قال: هل تبلغ الدنيا من الإنسان أن تجعله مملوكا [بعد أن كان مالكا؟ قال: نعم! قال: فكيف؟ قال: بحبه لها وحرصه على نيل شهواتها]
стр. 3231
[وتضييع الحزم وترك انتهاز الفرض. فان كنت تحبها فان عبدها من أحبها] (١) قال فما السبيل إلى العتق؟ قال: ببغضها والتجافي عنها. قال: هذا ما لا يكون. قال الراهب: أما إنه سيكون، فبادر بالهرب منها قبل أن تسلبها. قال: هل تعرفني؟ قال: نعم! أنت ملك العرب مروان، تقبل في بلاد السودان: وتدفن بلا أكفان، فلولا أن الموت في طلبك لدلتك على موضع هربك. قال بعض الناس: كان يقال في ذلك الزمان يقع ع بن ع بن ع م بن م بن م يعنون يقتل عبد الله بن على بن عباس مروان بن محمد بن مروان.
وقال بعضهم: جلس مروان يوما وقد أحيط به وعلى رأسه خادم له قائم، فقال مروان لبعض من يخاطبه: ألا ترى ما نحن فيه؟ لهفي على أيد ما ذكرت، ونعم ما شكرت، ودولة ما نصرت. فقال له الخادم: يا أمير المؤمنين من ترك القليل حتى يكثر، والصغير حتى يكبر، والخفى حتى يظهر، وأخر فعل اليوم لغد، حل به أكثر من هذا. فقال مروان: هذا القول أشد على من فقد الخلافة. وقد قيل إن مروان قتل يوم الاثنين لثلاث عشرة خلت من ذي الحجة سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وقد جاوز الستين، وبلغ الثمانين. وقيل إنما عاش أربعين سنة. والصحيح الأول. وهو آخر خلفاء بنى أمية به انقضت دولتهم.
ذكر ما ورد في انقضاء دولة بنى أمية وابتداء دولة بنى العباس من الاخبار النبويّة وغيرها
قال العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «إذا بلغ بنو العاص أربعين رجلا اتخذوا دين الله دغلا، وعباد الله خولا، ومال الله دولا». ورواه الأعمش عن عطية عن أبى سعيد مرفوعا بنحوه،
وروى ابن لهيعة عن أبى قبيل عن ابن وهب أنه كان عند معاوية فدخل عليه مروان بن الحكم فتكلم في حاجة فقال: اقض حاجتي فانى لأبو عشرة، وأخو عشرة وعم عشرة. فلما أدبر مروان قال معاوية لابن عباس وهو معه على السرير: أما تعلم أن رسول الله ﷺ قال: «إذا بلغ بنو الحكم ثلاثين رجلا اتخذوا مال الله بينهم دولا، وعباد الله خولا، وكتاب الله دغلا، فإذا بلغوا سبعة وتسعين وأربعمائة، كان هلاكهم أسرع من لوك تمرة». فقال ابن عباس:
اللهمّ نعم؟ فلما أدبر مروان قال معاوية: أنشدك بالله يا ابن عباس أما تعلم أن رسول الله ﷺ ذكر هذا فقال: «أبو الجبابرة الأربعة». فقال ابن عباس: اللهمّ نعم.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا القاسم بن الفضل ثنا يوسف بن مازن الراسبي قال: قام رجل إلى الحسين بن على فقال: يا مسود وجوه المؤمنين! فقال الحسين: لا تؤنبنى رحمك الله، فان رسول الله ﷺ رأى بنى أمية يخطبون على منبره رجلا رجلا فساءه ذلك فنزلت ﴿إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ﴾ وهو نهر في الجنة، ونزلت ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ﴾
стр. 3232
﴿فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ السورة إلى قوله ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ مملكة بنى أمية. قال: فحسبنا ذلك فإذا هو كما قال لا يزيد ولا ينقص. وقد رواه الترمذي عن محمود بن غيلان عن أبى داود الطيالسي ثم قال: غريب لا نعرفه إلا من حديث القاسم بن الفضل، وهو ثقة وثقة يحيى القطان وابن مهدي. قال: وشيخه يوسف بن سعد ويقال يوسف بن مازن، رجل مجهول، ولا يعرف هذا بهذا اللفظ إلا من هذا الوجه.
وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث القاسم بن الفضل الحدانى، وقد تكلمت على نكارة هذا الحديث في التفسير بكلام مبسوط، وإنما يكون متجها إذا قيل إن دولتهم ألف شهر بأن نسقط منها أيام ابن الزبير، وذلك أن معاوية بويع له مستقلا بالملك في سنة أربعين، وهي عام الجماعة حين سلم إليه الحسن بن على الأمر بعد ستة أشهر من قتل على، ثم زالت الخلافة عن بنى أمية في هذه السنة، وهي سنة ثنتين وثلاثين ومائة، وذلك ثنتان وتسعون سنة، وإذا أسقط منها تسع سنين خلافة ابن الزبير بقي ثلاث وثمانون سنة، وهي مباينة لما ورد في هذا الحديث، ولكن ليس هذا الحديث مرفوعا إلى النبي ﷺ ، أنه فسر هذه الآية بهذا العدد، وإنما هذا من قول بعض الرواة، وقد تكلمنا على ذلك مطولا في التفسير، وتقدم في الدلائل أيضا تقريره والله أعلم.
وقال على بن المديني عن يحيى بن سعيد عن سفيان الثوري عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت بنى أمية يصعدون منبري فشق ذلك عليّ فأنزلت:
إنا أنزلناه في ليلة القدر» فيه ضعف وإرسال. وقال أبو بكر بن أبى خيثمة: ثنا يحيى بن معين ثنا عبد الله بن نمير عن سفيان الثوري عن على بن يزيد عن سعيد بن المسيب في قوله ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ قال: رأى ناسا من بنى أمية على المنابر فساءه ذلك، فقيل له:
إنما هي دنيا يعطونها وتضمحل عن قليل فسرى عنه. وقال أبو جعفر الرازيّ عن الربيع قال: لما أسرى برسول الله ﷺ رأى فلانا وهو من بعض بنى أمية على المنبر يخطب الناس فشق ذلك عليه فأنزل الله ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتاعٌ إِلى حِينٍ﴾ وقال مالك بن دينار: سمعت أبا الجوزاء يقول والله ليعزّن الله ملك بنى أمية كما أعز ملك من كان قبلهم، ثم ليذلنّ ملكهم كما أذلّ ملك من كان قبلهم، ثم تلا قوله تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾. وقال ابن أبى الدنيا: حدثني إبراهيم بن سعيد ثنا أبو أسامة ثنا عمر بن حمزة أخبرنى عمر بن سيف مولى لعثمان بن عفان قال سمعت سعيد بن المسيب وهو يقول لأبى بكر بن سليمان بن أبى خيثمة - وذكروا بنى أمية - فقال:
لا يكون هلاكهم إلا بينهم. قالوا كيف؟ قال: يهلك خلفاؤهم ويبقى شرارهم فيتنافسونها، ثم يكثر الناس عليهم فيهلكونهم.
وقال يعقوب بن سفيان: أنبأ أحمد بن محمد الأزرقي ثنا الزنجي عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «رأيت في النوم بنى أبى»
стр. 3233
الحكم أو بنى أبى العاص ينزون على منبري كما تنزو القردة: قال فما رئي رسول الله ﷺ مستجمعا ضاحكا بعدها حتى توفى».
قال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الداريّ [لعله الدارميّ]: حدثنا مسلم بن إبراهيم ثنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - عن على بن الحكم البناني عن أبى الحسن هو الحمصي عن عمرو بن مرة - وكانت له صحبة - قال: جاء الحكم بن أبى العاص يستأذن على رسول الله ﷺ فعرف كلامه فقال: «ائذنوا له صبت عليه لعنة الله وعلى من يخرج من صلبه إلا المؤمنين وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرة، ذو ودهاء وخديعة، يعطون في الدنيا وما لهم في الآخرة من خلاق».
وقال أبو بكر الخطيب البغدادي: أنبأ أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد بن محمد أنبأ محمد بن المظفر الحافظ أنبأ أبو القاسم تمام بن خريم بن محمد بن مروان الدمشقيّ أنبأ أحمد بن إبراهيم بن هشام بن ملابس ثنا أبو النضر إسحاق بن إبراهيم بن يزيد [مولى أم الحكم بنت عبد العزيز، حدثنا يزيد] (١) بن ربيعة حدثنا أبو الأشعث الصنعاني عن ثوبان قال: «كان رسول الله ﷺ نائما واضعا رأسه على فخذ أم حبيبة بنت أبى سفيان، فنحب ثم تبسم، فقالوا: يا رسول الله رأيناك نحبت ثم تبسمت، فقال: رأيت بنى أمية يتعاورون على منبري فساءني ذلك، ثم رأيت بنى العباس يتعاورون على منبري فسرني ذلك». وقال يعقوب بن سفيان: حدثني محمد بن خالد بن العباس ثنا الوليد بن مسلم حدثني أبو عبد الله عن الوليد بن هشام المعيطي عن أبان بن الوليد عن عقبة بن أبى معيط. قال: قدم ابن عباس على معاوية وأنا حاضر فأجازه فأحسن جائزته، ثم قال: يا أبا العباس! هل يكون لكم دولة؟ فقال: اعفنى يا أمير المؤمنين، فقال: لتخبرني، قال نعم! قال فمن أنصاركم؟ قال: أهل خراسان. ولبني أمية من بنى هاشم نطحات.
وقال المنهال بن عمرو عن سعيد بن جبير: سمعت ابن عباس يقول: يكون منا ثلاثة أهل البيت السفاح، والمنصور، والمهدي. رواه البيهقي من غير وجه، ورواه الأعمش عن الضحاك عن ابن عباس مرفوعا. وروى ابن أبى خيثمة عن ابن معين عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن أبى معبد عن ابن عباس قال: كما افتتح الله بأولنا فأرجو أن يختمه بنا. وهذا إسناد صحيح إليه، وكذا وقع ويقع للمهدي إن شاء الله.
وروى البيهقي عن الحاكم عن الأصم عن أحمد بن عبد الجبار عن أبى معاوية عن الأعمش عن عطية عن أبى سعيد. قال قال رسول الله ﷺ : «يخرج رجل من أهل بيتي عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن، يقال له السفاح، يعطى المال حيثا».
وقال عبد الرزاق: حدثنا الثوري عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أبى أسماء عن ثوبان قال قال رسول
стр. 3234
الله ﷺ : «يقتتل عند حرتكم هذه ثلاثة كلهم ولد خليفة لا تصير إلى واحد منهم، ثم تقبل الرايات من خراسان فيقتلونكم مقتلة لم ير مثلها. ثم ذكر شيئا فإذا كان كذلك فأتوه ولو حبوا على الثلج، فإنه خليفة الله المهدي». ورواه بعضهم عن ثوبان فوقفه وهو أشبه والله أعلم.
وقال الامام أحمد: حدثني يحيى بن غيلان وقتيبة بن سعيد قالا: ثنا راشد بن سعد حدثني يونس ابن يزيد عن ابن شهاب عن قبيصة هو ابن ذؤيب عن أبى هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال:
«يخرج من خراسان رايات سود لا يردها شيء حتى تنصب بإيليا». وقد رواه البيهقي في الدلائل من حديث راشد بن سعد المصري، وهو ضعيف. ثم قال: قد روى قريبا من هذا عن كعب الأحبار وهو أشبه.
ثم رواه عن كعب أيضا قال: «تظهر رايات سود لبني العباس حتى ينزلوا الشام، ويقتل الله على أيديهم كل جبار وعدو لهم».
وروى إبراهيم بن الحسين عن ابن أبى أويس عن ابن أبى ذؤيب عن محمد بن عبد الرحمن العامري عن سهل عن أبيه عن أبى هريرة. أن رسول الله ﷺ قال للعباس: «فيكم النوبة وفيكم المملكة».
وروى عبد الله بن أحمد عن ابن معين عن عبيد بن أبى قرة عن الليث عن أبى قبيل عن أبى ميسرة مولى العباس قال سمعت العباس يقول: كنت عند رسول الله ﷺ ذات ليلة فقال: «انظر هل ترى في السماء من شيء؟ قلت: نعم! قال: ما تدري؟ قلت: الثريا، قال: أما إنه سيملك هذه الأمة بعددها من صلبك». قال البخاري: عبيد بن أبى قرة لا يتابع على حديثه. وروى ابن عدي من طريق سويد بن سعيد عن حجاج بن تميم عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال: «مررت برسول الله ﷺ ومعه جبريل وأنا أظنه دحية الكلبي، فقال جبريل لرسول الله ﷺ : إنه لوسخ الثياب، وسيلبس ولده من بعده السواد».
وهذا منكر من هذا الوجه، ولا شك أن بنى العباس كان السواد من شعارهم، أخذوا ذلك من دخول رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وعلى رأسه عمامة سوداء، فأخذوا بذلك وجعلوه شعارهم في الأعياد والجمع والمحافل. وكذلك كان جندهم لا بد أن يكون على أحدهم شيء من السواد، ومن ذلك الشر بوش الّذي يلبسه الأمراء إذا خلع عليهم. وكذلك دخل عبد الله بن على دمشق يوم دخلها وعليه السواد، فجعل النساء والغلمان يعجبون من لباسه، وكان دخوله من باب كيسان. وقد خطب الناس يوم الجمعة وصلى بهم وعليه السواد. وقد روى ابن عساكر عن بعض الخراسانية قال: لما صلى عبد الله بن على بالناس يوم الجمعة صلى إلى جانبي رجل فقال: الله أكبر، سبحانك اللهمّ ويحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، انظروا إلى عبد الله بن على ما أقبح وجهه وأشنع سواده؟! وشعارهم إلى يومك هذا كما تراه على الخطباء يوم الجمعة والأعياد.
стр. 3235
ذكر استقرار أبى العباس السفاح
وهو عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس واستقلاله بالخلافة وما أعتمده في أيامه من السيرة الحسنة قد تقدم أنه أول ما بويع له بالخلافة بالكوفة يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الآخر، وقيل الأول من هذه السنة، سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ثم جرد الجيوش إلى مروان فطردوه عن المملكة وأجلوه عنها، وما زالوا خلفه حتى قتلوه ببوصير من بلاد الصعيد، بأرض مصر، في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة على ما تقدم بيانه، وحينئذ استقل السفاح بالخلافة واستقرت يده على بلاد العراق وخراسان والحجاز والشام والديار المصرية، خلا بلاد الأندلس، فإنه لم يحكم عليها ولا وصل سلطانه إليها، وذلك أن بعض من دخلها من بنى أمية استحوذ عليها وملكها كما سيأتي بيانه. وقد خرج على السفاح في هذه السنة طوائف، فمنهم أهل قنسرين بعد ما بايعوه على يدي عمه عبد الله بن على وأقر عليهم أميرهم مجزأة بن الكوثر بن زفر بن الحارث الكلابي، وكان من أصحاب مروان وأمرائه، فخلع السفاح ولبس البياض، وحمل أهل البلد على ذلك فوافقوه، وكان السفاح يومئذ بالحيرة، وعبد الله بن على مشغول بالبلقاء يقاتل بها حبيب بن مرة المزي ومن وافقه من أهل البلقاء والبثنية وحوران على خلع السفاح، فلما بلغه عن أهل قنسرين ما فعلوا صالح حبيب بن مرة وسار نحو قنسرين، فلما اجتاز بدمشق - وكان بها أهله وثقله - استخلف عليها أبا غانم عبد الحميد بن ربعي الكناني في أربعة آلاف، فلما جاوز البلد وانتهى إلى حمص، نهض أهل دمشق مع رجل يقال له عثمان بن عبد الأعلى بن سراقة فخلعوا السفاح وبيضوا وقتلوا الأمير أبا غانم وقتلوا جماعة من أصحابه وانتهبوا ثقل عبد الله بن على وحواصله، ولم يتعرضوا لأهله. وتفاقم الأمر على عبد الله وذلك أن أهل قنسرين تراسلوا مع أهل حمص وتزمروا واجتمعوا على أبى محمد السفياني، وهو أبو محمد بن عبد الله بن يزيد بن معاوية بن أبى سفيان، فبايعوه بالخلافة وقام معه نحو من أربعين ألفا فقصدهم عبد الله بن على فالتقوا بمرج الأخرم، فاقتتلوا مع مقدمة السفياني وعليها أبو الورد فاقتتلوا قتالا شديدا وهزموا عبد الصمد وقتل من الفريقين ألوف، فتقدم إليهم عبد الله بن على ومعه حميد بن قحطبة فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، وجعل أصحاب عبد الله يفرون وهو ثابت وهو حميد. وما زال حتى هزم أصحاب أبى الورد، وثبت أبو الورد في خمسمائة فارس من أهل بيته وقومه، فقتلوا جميعا وهرب أبو محمد السفياني ومن معه حتى لحقوا بتدمر، وأمن عبد الله أهل قنسرين وسودوا وبايعوه ورجعوا إلى الطاعة، ثم كر عبد الله راجعا إلى دمشق وقد بلغه ما صنعوا، فلما دنا منها تفرقوا عنها ولم يكن منهم قتال فأمنهم ودخلوا في الطاعة. وأما أبو محمد السفياني فإنه ما زال مضيعا ومشتتا حتى لحق بأرض الحجاز فقاتله
стр. 3236
نائب أبى جعفر المنصور في أيام المنصور، فقتله وبعث برأسه وبابنين له أخذهما أسيرين فأطلقهما المنصور في أيامه. وقد قيل إن وقعة السفياني يوم الثلاثاء آخر يوم من ذي الحجة سنة ثنتين وثلاثين ومائة فالله أعلم.
وممن خلع السفاح أيضا أهل الجزيرة حين بلغهم أن أهل قنسرين خلعوا، فوافقوهم وبيضوا وركبوا إلى نائب حران من جهة السفاح - وهو موسى بن كعب - وكان في ثلاثة آلاف قد اعتصم بالبلد، فحاصروه قريبا من شهرين، ثم بعث السفاح أخاه أبا جعفر المنصور فيمن كان بواسط محاصري ابن هبيرة، فمر في مسيره إلى حران بقرقيسياء وقد بيضوا فغلقوا أبوابها دونه، ثم مر بالرقة وعليها بكار بن مسلم وهم كذلك، ثم بحاجر وعليها إسحاق بن مسلم فيمن معه من أهل الجزيرة يحاصرونها فرحل إسحاق عنها إلى الرّها، وخرج موسى بن كعب فيمن معه من جند حران فتلقاه المنصور ودخلوا في جيشه، وقدم بكار بن مسلم على أخيه إسحاق بن مسلم بالرها فوجهه إلى جماعة ربيعة بدارا وماردين، ورئيسهم حروري يقال له بريكة، فصارا حزبا واحدا، فقصد إليهم أبو جعفر فقاتلهم قتالا شديدا، فقتل بريكة في المعركة، وهرب بكار إلى أخيه بالرها، فاستخلفه بها ومضى بمعظم العسكر [حتى نزل] سميساط وخندق على عسكره، وأقبل أبو جعفر فحاصر بكارا بالرها، وجرت له معه وقعات. وكتب السفاح إلى عمه عبد الله بن على أن يسير إلى سميساط وقد اجتمع على إسحاق بن مسلم ستون ألفا من أهل الجزيرة، فسار إليهم عبد الله واجتمع إليه أبو جعفر المنصور، فكاتبهم إسحاق وطلب منهم الأمان فأجابوه إلى ذلك، على إذن أمير المؤمنين. وولى السفاح أخاه أبا جعفر المنصور الجزيرة وأذربيجان وأرمينية، فلم يزل عليها حتى أفضت إليه الخلافة بعد أخيه، ويقال إن إسحاق بن مسلم العقيلي إنما طلب الأمان لما تحقق أن مروان قد قتل، وذلك بعد مضى سبعة أشهر وهو محاصر، وقد كان صاحبا لأبى جعفر المنصور فآمنه.
وفي هذه السنة ذهب أبو جعفر المنصور عن أمر أخيه السفاح إلى أبى مسلم الخراساني وهو أميرها، ليستطلع رأيه في قتل أبى سلمة، لأنه كان يريد أن يصرف الخلافة عنهم، فيسأله هل ذلك كان عن ممالأة أبى مسلم لأبى سلمة في ذلك أم لا؟ فسكت القوم، فقال السفاح: لئن كان هذا عن رأيه إنا لبعر بلاء عظيم، إلا أن يدفعه الله عنا. قال أبو جعفر فقال لي أخى: ما ترى؟ فقلت: الرأى رأيك. فقال: إنه ليس أحد أخصّ بأبي مسلم منك، فاذهب إليه فاعلم لي علمه، فان كان عن رأيه احتلنا له، وإن لم يكن عن رأيه طابت أنفسنا. قال أبو جعفر: فخرجت إليه قاصدا على وجل. قال المنصور: فلما وصلت إلى الري إذا كتاب أبى ملم إلى نائبها يستحثنى إليه في المسير، فازددت وجلا، فلما انتهيت إلى نيسابور إذا كتابه يستحثنى أيضا وقال لنائبها: لا تدعه يقر ساعة
стр. 3237
واحدة، فان أرضك بها خوارج، فانشرحت لذلك، فلما صرت من مرو على فرسخين، خرج يتلقاني ومعه الناس، فلما واجهني ترجل فقبل يدي، فأمرته فركب. فلما دخلت مرو نزلت في داره فمكث ثلاثا لا يسألنى في أي شيء جئت، فلما كان في اليوم الرابع سألني ما أقدمك؟ فأخبرته بالأمر.
فقال: أفعلها أبو سلمة؟ أنا أكفيكموه. فدعا مرّار بن أنس الضبيّ فقال: اذهب إلى الكوفة فحيث لقيت أبا سلمة فأقتله، وانته في ذلك إلى رأى الامام. فقدم مرار الكوفة الهاشمية، وكان أبو سلمة يسمر عند السفاح، فلما خرج قتله مرّار وشاع أن الخوارج قتلوه، وغلقت البلد. ثم صلى عليه يحيى بن محمد بن على أخو أمير المؤمنين، ودفن بالهاشمية، وكان يقال له وزير آل محمد. ويقال لأبى مسلم أمير آل محمد. قال الشاعر:
إن الوزير وزير آل محمد … أودى فمن يشناك كان وزيرا
ويقال إن أبا جعفر إنما سار إلى أبى مسلم بعد قتل أبى سلمة وكان معه ثلاثون رجلا على البريد، منهم الحجاج بن أرطاة، وإسحاق بن الفضل الهاشمي، وجماعة من السادات. ولما رجع أبو جعفر من خراسان قال لأخيه: لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا حتى تقتله، لما رأى من طاعة العساكر له، فقال له السفاح: اكتمها فسكت. ثم إن السفاح بعث أخاه أبا جعفر إلى قتال ابن هبيرة بواسط، فلما اجتاز بالحسن بن قحطبة أخذه معه، فلما أحيط بابن هبيرة كتب إلى محمد بن عبد الله بن حسن ليبايع له بالخلافة فأبطأ عليه جوابه، فمال إلى مصالحة أبى جعفر، فاستأذن أبو جعفر أخاه السفاح في ذلك فأذن له في المصالحة، فكتب له أبو جعفر كتابا بالصلح، فمكث ابن هبيرة يشاور فيه العلماء أربعين يوما. ثم خرج يزيد بن عمر بن هبيرة إلى أبى جعفر في ألف وثلاثمائة من البخارية، فلما دنا من سرادق أبى جعفر همّ أن يدخل بفرسه فقال الحاجب سلام: انزل أبا خالد. فنزل وكان حول السرادق عشرة آلاف من أهل خراسان، ثم أذن له في الدخول فقال: أنا ومن معى؟ قال: لا بل أنت وحدك، فدخل ووضعت له وسادة فجلس عليها، فحادثه أبو جعفر ساعة ثم خرج من عنده فأتبعه أبو جعفر بصره، ثم جعل يأتيه يوما بعد يوم في خمسمائة فارس وثلاثمائة راجل، فشكوا ذلك إلى أبى جعفر فقال أبو جعفر للحاجب: مرة فليأت في حاشيته، فكان يأتى في ثلاثين نفسا، فقال الحاجب: كأنك تأتى متأهبا (١)؟ فقال: لو أمرتموني بالمشي لمشيت إليكم، ثم كان يأتى في ثلاثة أنفس.
وقد خاطب ابن هبيرة يوما لأبى جعفر فقال له في غبون كلامه: يا هناه - أو قال يا أيها المرء - ثم اعتذر إليه بأنه قد سبق لسانه إلى ذلك، فأعذره. وقد كان السفاح كتب إلى أبى مسلم يستشيره في مصالحة ابن هبيرة فنهاه عن ذلك، وكان السفاح لا يقطع أمرا دونه، فلما وقع الصلح على يدي أبى جعفر لم يحب السفاح ذلك ولم يعجبه، وكتب إلى أبى جعفر يأمره بقتله، فراجعه أبو جعفر مرارا
стр. 3238
لا يفيده ذلك شيئا، حتى جاء كتاب السفاح أن اقتله لا محالة [لا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم كيف يعطى الأمان وينكث؟ هذا فعل الجبابرة (١)] وأقسم عليه في ذلك. فأرسل إليه أبو جعفر طائفة من الخراسانية فدخلوا عليه وعنده ابنه داود وفي حجره صبي صغير، وحوله مواليه وحاجبه، فدافع عنه ابنه حتى قتل وقتل خلق من مواليه، وخلصوا إليه، فألقى الصبى من حجره وخر ساجدا فقتل وهو ساجد، واضطرب الناس، فنادى أبو جعفر في الناس بالأمان إلا عبد الملك بن بشر وخالد ابن سلمة المخزومي وعمر بن ذر. فسكن الناس ثم استؤمن لبعض هؤلاء وقتل بعضا.
وفي هذه السنة بعث أبو مسلم الخراساني محمد بن الأشعث إلى فارس وأمره أن يأخذ عمال أبى سلمة الخلال فيضرب أعناقهم، ففعل ذلك. وفيها ولى السفاح أخاه يحيى بن محمد الموصل وأعمالها، وولى عمه داود مكة والمدينة واليمن واليمامة، وعزله عن الكوفة وولى مكانه عليها عيسى بن موسى، وولى قضاءها ابن أبى ليلى، وكان على نيابة البصرة سفيان بن معاوية المهلبي، وعلى قضائها الحجاج ابن أرطاة، وعلى السند منصور بن جمهور، وعلى فارس محمد بن الأشعث. وعلى أرمينية وأذربيجان والجزيرة أبو جعفر المنصور، وعلى الشام وأعمالها عبد الله بن على عم السفاح، وعلى مصر أبو عون عبد الملك بن يزيد. وعلى خراسان وأعمالها أبو مسلم الخراساني، وعلى ديوان الخراج خالد بن برمك. وحج بالناس فيها داود بن على.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
مروان بن محمد بن مروان بن الحكم أبو عبد الملك الأموي، آخر خلفاء بنى أمية، فقتل في العشر الأخير من ذي الحجة من هذه السنة كما تقدم ذلك مبسوطا، ووزيره عبد الحميد بن يحيى بن سعد مولى بنى عامر بن لؤيّ، الكاتب البليغ الّذي يضرب به المثل، فيقال فتحت الرسائل بعبد الحميد، وختمت بابن العميد. وكان إماما في الكتابة وجميع فنونها، وهو القدوة فيها. وله رسائل في ألف ورقة، وأصله من قيسارية ثم سكن الشام، وتعلم هذا الشأن من سالم مولى هشام بن عبد الملك وكان يعقوب بن داود وزير المهدي يكتب بين يديه، وعليه تخريج، وكان ابنه إسماعيل بن عبد الحميد ماهرا في الكتابة أيضا، وقد كان أولا يعلم الصبيان ثم تقلبت به الأحوال أن صار وزيرا لمروان، وقتله السفاح ومثل به، وكان اللائق بمثله العفو عنه. ومن مستجاد كلامه: العلم شجرة ثمرتها الألفاظ، والفكر بحر لؤلؤه الحكمة. ومن كلامه وقد رأى رجلا (٢) يكتب خطا رديئا فقال: أطل جلفة قلمك وأسمنها، وحرّف قطتك وأيمنها. قال الرجل: ففعلت ذلك فجاد خطى. وسأله رجل أن يكتب له كتابا إلى بعض الأكابر يوصيه به، فكتب إليه: حقّ موصل كتابي إليك كحقّه عليّ
стр. 3239
إذ رآك موضعا لأمله، ورآني أهلا لحاجته، وقد قضيت أنا حاجته فصدق أنت أمله. وكان كثيرا ما ينشد هذا البيت: -
إذا خرج الكتاب كان دويهم … قسيا وأقلام القسي لها نبلا
وأبو سلمة حفص بن سليمان، هو أول من وزر لآل العباس، قتله أبو مسلم بالأنبار عن أمر السفاح، بعد ولايته بأربعة أشهر، في شهر رجب. وكان ذا هيئة فاضلا حسن المفاكهة، وكان السفاح يأنس به ويحب مسامرته لطيب محاضرته، ولكن توهم ميله لآل على فدس أبو مسلم عليه من قتله غيلة كما تقدم، فأنشد السفاح عند قتله:
إلى النار فليذهب ومن كان مثله … على أي شيء فاتنا منه نأسف
كان يقال له وزير آل محمد، ويعرف بالخلال، لسكناه بدرب الخلالين بالكوفة، وهو أول من سمى بالوزير، وقد حكى ابن خلكان عن ابن قتيبة أن اشتقاق الوزير من الوزر وهو الحمل، فكأن السلطان حمله أثقالا لاستناده إلى رأيه، كما يلجأ الخائف إلى جبل يعتصم به.
ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائة
فيها ولى السفاح عمه سليمان البصرة وأعمالها، وكور دجلة والبحرين وعمان. ووجه عمه إسماعيل ابن على إلى كور الأهواز. وفيها قتل داود بن على من بمكة والمدينة من بنى أمية، وفيها توفى داود ابن على بالمدينة في شهر ربيع الأول، واستخلف ابنه موسى على عمله، وكانت ولايته على الحجاز ثلاثة أشهر، فلما بلغ السفاح موته استناب على الحجاز خاله زياد بن عبيد الله بن عبد الدار الحارثي، وولى اليمن لابن خاله محمد بن يزيد بن عبيد الله بن عبد الدار، وجعل إمرة الشام لعميه عبد الله وصالح بنى على، وأقر أبا عون على الديار المصرية نائبا. وفيها توجه محمد بن الأشعث إلى إفريقية فقاتلهم قتالا شديدا حتى فتحها. وفيها خرج شريك بن شيخ المهري ببخارى على أبى مسلم وقال:
ما على هذا بايعنا آل محمد، على سفك الدماء وقتل الأنفس؟ واتبعه على ذلك نحو من ثلاثين ألفا، فبعث إليه أبو مسلم زياد بن صالح الخزاعي فقاتله فقتله.
وفيها عزل السفاح أخاه يحيى بن محمد عن الموصل، وولى عليه عمه إسماعيل. وفيها ولى الصائفة من جهته صالح بن على بن سعيد بن عبيد الله وغزا ما وراء الدروب. وحج بالناس خال السفاح زياد ابن عبيد الله بن عبد الدار الحارثي. ونواب البلاد هم الذين كانوا في التي قبلها سوى من ذكرنا أنه عزل.
ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائة
فيها خلع بسام بن إبراهيم بن بسام الطاعة وخرج على السفاح، فبعث إليه خازم بن خزيمة فقاتله فقتل عامة أصحابه، واستباح عسكره. ورجع فمر يملأ من بنى عبد الدار أخوال السفاح فسألهم
стр. 3240
عن بعض ما فيه نصرة للخليفة، فلم يردوا عليه، واستهانوا به، وأمر بضرب أعناقهم - وكانوا قريبا من عشرين رجلا ومثلهم من مواليهم - فاستعدى بنو عبد الدار على خازم بن خزيمة، إلى السفاح، وقالوا: قتل هؤلاء بلا ذنب، فهمّ السفاح بقتله فأشار عليه بعض الأمراء بأن لا يقتله ولكن ليبعثه مبعثا صعبا، فان سلم فذاك، وإن قتل كان الّذي أراد. فبعثه إلى عمان وكان بها طائفة من الخوارج قد تمردوا وجهز معه سبعمائة رجل، وكتب إلى عمه سليمان بالبصرة أن يحملهم في السفن إلى عمان ففعل، فقاتل الخوارج فكسرهم وقهرهم واستحوذ على ما هناك من البلاد، وقتل أمير الخوارج الصفرية وهو الجلندي، وقتل من أصحابه وأنصاره نحوا من عشرة آلاف، وبعث برءوسهم إلى البصرة، فبعث بها نائب البصرة إلى الخليفة. ثم بعد أشهر كتب إليه السفاح أن يرجع فرجع سالما غانما منصورا.
وفيها غزا أبو مسلم بلاد الصغد وغزا أبو داود أحد نواب أبى مسلم بلاد كش، فقتل خلقا كثيرا وغنم من الأواني الصينية المنقوشة بالذهب شيئا كثيرا جدا. وفيها بعث السفاح موسى ابن كعب إلى منصور بن جمهور وهو بالهند في اثنى عشر ألفا، فالتقاه موسى بن كعب وهو في ثلاثة آلاف فهزمه واستباح عسكره. وفيها مات عامل اليمن محمد بن يزيد بن عبد الله بن عبد الدار، فاستخلف السفاح عليها عمه، وهو خال الخليفة. وفيها تحول السفاح من الحيرة إلى الأنبار.
وحج بالناس نائب الكوفة عيسى بن موسى، ونواب الأقاليم هم هم. وفيها توفى من الأعيان أبو هارون العبديّ، وعمارة بن جوين، ويزيد بن يزيد بن جابر الدمشقيّ والله أعلم.
[ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائة
فيها خرج زياد بن صالح من وراء نهر بلخ على أبى مسلم فأظفره الله بهم فبدد شملهم واستقر أمره بتلك النواحي. وحج بالناس فيها سليمان بن على نائب البصرة. والنواب هم المذكورون قبلها.
وممن توفى فيها من الأعيان: يزيد بن سنان، وأبو عقيل زهرة بن معبد، وعطاء الخراساني] (١)
ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائة
فيها قدم أبو مسلم من خراسان على السفاح، وذلك بعد استئذانه الخليفة في القدوم عليه، فكتب إليه أن يقدم في خمسمائة من الجند، فكتب إليه: إني قد وترت الناس، وإن أخشى من قلة الخمسمائة. فكتب إليه أن يقدم في ألف، فقدم في ثمانية آلاف، فرقهم وأخذ معه من الأموال والتحف والهدايا شيئا كثيرا. ولما قدم لم يكن معه سوى ألف من الجند، فتلقاه القواد والأمراء إلى مسافة بعيدة. ولما دخل على السفاح أكرمه وعظمه واحترمه وأنزله قريبا منه، وكان يأتى إلى
стр. 3241
الخلافة كل يوم، واستأذن الخليفة في الحج فأذن له، وقال: لولا أنى عينت الحج لأخى أبى جعفر لأمرتك على الحج. وكان الّذي بين أبى جعفر وأبى مسلم خرابا وكان يبغضه، وذلك لما رأى ما هو فيه من الحرمة حين قدم عليه نيسابور في البيعة للسفاح وللمنصور بعده، فحار في أمره لذلك، فحقد عليه المنصور وأشار على السفاح بقتله، فأمره بكتم ذلك. وحين قدم أمره بقتله أيضا وحرضه على ذلك، فقال له السفاح: قد علمت بلاءه معنا وخدمته لنا فقال أبو جعفر: يا أمير المؤمنين إنما ذلك بدولتنا، والله لو أرسلت سنورا لسمعوا لها وأطاعوا، وإنك إن لم تتعش به تغدى بك هو، فقال له: كيف السبيل إلى ذلك؟ فقال: إذا دخل عليك فحادثه ثم أجيء أنا من ورائه فأضربه بالسيف.
قال: كيف بمن معه؟ قال: هم أذل وأقل. فأذن له في قتله، فلما دخل أبو مسلم على السفاح ندم على ما كان أذن لأخيه فيه، فبعث إليه الخادم يقول له: إن ذاك الّذي بينك وبينه ندم عليه فلا تفعله.
فلما جاءه الخادم وجده محتبيا بالسيف قد تهيأ لما يريد من قتل أبى مسلم. فلما نهاه عن ذلك غضب أبو جعفر غضبا شديدا. وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور عن ولاية أخيه السفاح، وسار معه إلى الحجاز أبو مسلم الخراساني عن أمر الخليفة، وأذن له في الحج، فلما رجعا من الحج وكانا بذات عرق جاء الخبر إلى أبى جعفر - وكان يسير قبل أبى مسلم بمرحلة - بموت أخيه السفاح، فكتب إلى أبى مسلم أن قد حدث أمر فالعجل العجل، فلما استعلم أبو مسلم الخبر عجل السير وراءه، فلحقه إلى الكوفة. وكانت بيعة المنصور على ما سيأتي بيانه وتفصيله قريبا والله أعلم.
وهذه ترجمة أبى العباس السفاح أول خلفاء بنى العباس وذكر وفاته
هو عبد الله السفاح - ويقال له المرتضى، والقاسم أيضا - ابن محمد ابن الامام ابن على السجاد ابن عبد الله الخبر ابن العباس بن عبد المطلب القرشي الهاشمي أمير المؤمنين، وأمه ريطة - ويقال رائطة - بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد الدار الحارثي، كان مولد السفاح بالحميمة من أرض الشراة من البلقاء بالشام، ونشأ بها حتى أخذ مروان أخاه إبراهيم الامام فانتقلوا إلى الكوفة. بويع له بالخلافة بعد مقتل أخيه في حياة مروان يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول بالكوفة كما تقدم.
وتوفى بالجدري بالأنبار يوم الأحد الحادي عشر، وقيل الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة، وكان عمره ثلاثا، وقيل ثنتين، وقيل إحدى وثلاثين سنة، وقيل ثمان وعشرين سنة. قاله غير واحد. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر، وكان أبيض جميلا طويلا، أقنى الأنف، جعد الشعر، حسن اللحية، حسن الوجه، فصيح الكلام، حسن الرأى، جيد البديهة.
دخل عليه في أول ولايته عبد الله بن حسن بن حسن بن على ومعه مصحف وعند السفاح وجوه بنى هاشم من أهل بيته وغيرهم، فقال له: يا أمير المؤمنين أعطنا حقنا الّذي جعله الله لنا في هذا
стр. 3242
المصحف. قال: فأشفق عليه الحاضرون أن يعجل السفاح عليه بشيء أو يترك جوابه فيبقى ذلك مسبة عليه وعليهم. فأقبل السفاح عليه غير مغضب ولا منزعج، فقال: إن جدك عليا كان خيرا منى وأعدل، وقد ولى هذا الأمر فأعطى جديك الحسن والحسين وكانا خيرا منك، شيئا قد أعطيتك وزدتك عليه، فما كان هذا جزائي منك. قال: فما رد عليه عبد الله بن حسن جوابا، وتعجب الناس من سرعة جوابه وجدته وجودته على البديهة.
وقد قال الإمام أحمد في مسندة: حدثنا عثمان بن أبى شيبة ثنا جرير عن الأعمش عن عطية العوفيّ عن أبى سعيد الخدريّ. قال قال رسول الله ﷺ : «يخرج عند انقطاع من الزمان وظهور من الفتن رجل يقال له السفاح، يكون إعطاؤه المال حيثا». وكذا رواه زائدة وأبو معاوية عن الأعمش به. وهذا الحديث في إسناده عطية العوفيّ وقد تكلموا فيه. وفي أن المراد بهذا الحديث هذا السفاح نظر والله أعلم. وقد ذكرنا فيما تقدم عند زوال دولة بنى أمية أخبارا وآثارا في مثل هذا المعنى. وقال الزبير بن بكار: حدثني محمد بن سلمة بن محمد بن هشام أخبرنى محمد بن عبد الرحمن المخزومي حدثني داود بن عيسى عن أبيه عن محمد بن على بن عبد الله بن عباس - وهو والد السفاح - قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز وعنده رجل من النصارى فقال له عمر: من تجدون الخليفة بعد سليمان؟ قال له: أنت. فأقبل عمر بن عبد العزيز عليه فقال له: زدني من بيانك. فقال ثم آخر، إلى أن ذكر خلافة بنى أمية إلى آخرها. قال محمد بن على: فلما كان بعد ذلك جعلت ذلك النصراني في بالي فرأيته يوما فأمرت غلامي أن يحبسه على، وذهبت إلى منزلي فسألته عما يكون في خلفاء بنى أمية فذكرهم واحدا واحدا، وتجاوز عن مروان بن محمد. قلت: ثم من؟ قال: ثم ابن الحارثية، وهو ابنك.
قال: وكان ابني ابن الحارثية إذ ذاك حملا. قال ووفد أهل المدينة على السفاح فبادروا إلى تقبيل يده غيره عمران بن إبراهيم بن عبد الله بن مطيع العدوي، فإنه لم يقبل يده، وإنما حياه بالخلافة فقط.
وقال: والله يا أمير المؤمنين لو كان تقبيلها يزيدك رفعة ويزيدني وسيلة إليك ما سبقني إليها أحد من هؤلاء، وإني لغني عمالا أجر فيه، وربما قادنا عمله إلى الوزر ثم جلس. قال: فو الله ما نقصه ذلك عنده حظا من حظ أصحابه، بل أحبه وزاده. وذكر القاضي المعافى بن زكريا أن السفاح بعث رجلا ينادى في عسكر مروان بهذين البيتين ليلا ثم رجع:
يا آل مروان إن الله مهلككم … ومبدل أمنكم خوفا وتشريدا
لا عمّر الله من أنسالكم أحدا … وبثكم في بلاد الخوف تطريدا
وروى الخطيب البغدادي أن السفاح نظر يوما في المرآة - وكان من أجمل الناس وجها - فقال:
اللهمّ لا أقول كما قال سليمان بن عبد الملك: أنا الخليفة الشاب، ولكن أقول: اللهمّ عمرني طويلا في
стр. 3243
طاعتك ممتعا بالعافية. فما استتم كلامه حتى سمع غلاما يقول لآخر: الأجل بيني وبينك شهران وخمسة أيام. فتطير من كلامه وقال: حسبي الله لا قوة إلا بالله عليه توكلت وبه أستعين. فمات بعد شهرين وخمسة أيام. وذكر محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي أن الرشيد أمر ابنه أن يسمع من إسحاق بن عيسى بن على ما يرويه عن أبيه في قصة السفاح، فأخبره عن أبيه عيسى أنه دخل على السفاح يوم عرفة بكرة فوجده صائما، فأمره أن يحادثه في يومه هذا ثم يختم ذلك بفطرة عنده. قال:
فحادثته حتى أخذه النوم فقمت عنه وقلت: أقيل في منزلي ثم أجيء بعد ذلك. فذهبت فنمت قليلا ثم قمت فأقبلت إلى داره فإذا على بابه بشير يبشر بفتح السند وبيعتهم للخليفة وتسليم الأمور إلى نوابه. قال: فحمدت الله الّذي وفقني في الدخول عليه بهذه البشارة، فدخلت الدار فإذا بشير آخر معه بشارة بفتح إفريقية، فحمدت الله فدخلت عليه فبشرته بذلك وهو يسرح لحيته بعد الوضوء، فسقط المشط من يده ثم قال: سبحان الله، كل شيء بائد سواه، نعيت والله إلى نفسي،
حدثني إبراهيم الامام عن أبى هشام عن عبد الله بن محمد بن على بن أبى طالب عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يقدم على في مدينتي هذه وافدان وافد السند والآخر وافد إفريقية بسمعهم وطاعتهم وبيعتهم، فلا يمضى بعد ذلك ثلاثة أيام حتى أموت. قال: وقد أتانى الوافدان فأعظم الله أجرك يا عم في ابن أخيك. فقلت: كلا، يا أمير المؤمنين إن شاء الله. قال بلى إن شاء الله! لئن كانت الدنيا حبيبة إلى فالآخرة أحب إلى، ولقاء ربى خير لي، وصحة الرواية عن رسول الله بذلك أحب إلى منها، والله ما كذبت ولا كذبت. ثم نهض فدخل منزله وأمرنى بالجلوس، فلما جاء المؤذن يعلمه بوقت الظهر خرج الخادم يعلمني أن أصلى عنه، وكذلك العصر والمغرب والعشاء، وبت هناك، فلما كان وقت السحر أتانى الخادم بكتاب معه يأمرني أن أصلى عنه الصبح والعيد ثم أرجع إلى داره، وفيه يقول: يا عم إذا مت فلا تعلم الناس بموتي حتى تقرأ عليهم هذا الكتاب فيبايعوا لمن فيه. قال:
فصليت بالناس ثم رجعت إليه فإذا ليس به بأس، ثم دخلت عليه من آخر النهار فإذا هو على حاله غير أنه قد خرجت في وجهه حبتان صغيرتان، ثم كبرتا، ثم صار في وجهه حب صغار بيض يقال إنه جدري، ثم بكّرت إليه في اليوم الثاني فإذا هو قد هجر وذهبت عنه معرفتي ومعرفة غيري، ثم رجعت إليه بالعشي فإذا هو انتفخ حتى صار مثل الزق، وتوفى اليوم الثالث من أيام التشريق، فسجيته كما أمرنى، وخرجت إلى الناس فقرأت عليهم كتابه فإذا فيه: من عبد الله أمير المؤمنين إلى الأولياء وجماعة المسلمين، سلام عليكم أما بعد فقد قلد أمير المؤمنين الخلافة عليكم بعد وفاته أخاه فاسمعوا وأطيعوا، وقد قلدها من بعده عيسى بن موسى إن كان. قال: فاختلف الناس في قوله «إن كان» قيل إن كان أهلا لها. وقال آخرون إن كان حيا. وهذا القول الثاني هو الصواب، ذكره الخطيب
стр. 3244
وابن عساكر مطولا. وهذا ملخص منه. وفيه ذكر الحديث المرفوع وهو منكر جدا. وذكر ابن عساكر أن الطبيب دخل عليه فأخذ بيده فأنشأ يقول عند ذلك:
انظر إلى ضعف الحراك … وذله بعد السكون
ينبيك أن بيانه … هذا مقدمة المنون
فقال له الطبيب: أنت صالح. فأنشأ يقول:
يبشرني بأني ذو صلاح … يبين له وبى داء دفين
لقد أيقنت أنى غير باق … ولا شك إذا وضح اليقين
قال بعض أهل العلم: كان آخر ما تكلم به السفاح: الملك لله الحي القيوم، ملك الملوك، وجبار الجبابرة. وكان نقش خاتمة الله ثقة عبد الله. وكان موته بالجدري في يوم الأحد الثالث عشر من ذي الحجة سنة ست وثلاثين ومائة بالأنبار العتيقة، عن ثلاث وثلاثين سنة. وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر على أشهر الأقوال. وصلى عليه عمه عيسى بن على. ودفن في قصر الامارة من الأنبار. وترك تسع جبات وأربعة أقمصة وخمس سراويلات وأربعة طيالسة وثلاثة مطارف خز. وقد ترجمه ابن عساكر فذكر بعض ما أوردناه والله أعلم.
وممن توفى فيها من الأعيان السفاح كما تقدم، وأشعث بن سوار، وجعفر بن أبى ربيعة، وحصين ابن عبد الرحمن، وربيعة الراعي، وزيد بن أسلم، وعبد الملك بن عمير، وعبد الله بن أبى جعفر، وعطاء بن السائب. وقد ذكرنا تراجمهم في التكميل ولله الحمد.
خلافة أبى جعفر المنصور
واسمه عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس قد تقدم أنه لما مات السفاح كان في الحجاز فبلغه موته وهو بذات عرق راجعا من الحج، وكان معه أبو مسلم الخراساني، فعجل السير وعزاه أبو مسلم في أخيه، فبكى المنصور عند ذلك، فقال له:
أتبكي وقد جاءتك الخلافة؟ أنا أكفيكها إن شاء الله. فسرى عنه، وأمر زياد بن عبيد الله أن يرجع إلى مكة واليا عليها، وكان السفاح قد عزلها عنها بالعباس بن عبد الله بن معبد بن عباس فأقره عليها. والنواب على أعمالهم حتى انساخت هذه السنة، وقد كان عبد الله بن على قدم على بن أخيه السفاح الأنبار فأمّره على الصائفة، فركب في جيوش عظيمة إلى بلاد الروم، فلما كان ببعض الطريق بلغه موت السفاح فكر راجعا إلى حران، ودعا إلى نفسه، وزعم أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى الشام أن يكون ولى العهد من بعده، فالتفت عليه جيوش عظيمة، وكان من أمره ما سنذكره في السنة الآتية إن شاء الله تعالى.
ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائة
ذكر خروج عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس على ابن أخيه المنصور
لما رجع أبو جعفر المنصور من الحج بعد موت أخيه السفاح، دخل الكوفة فخطب بأهلها يوم
стр. 3245
الجمعة وصلى بهم، ثم ارتحل منها إلى الأنبار. وقد أخذت له البيعة من أهل العراق وخراسان وسائر البلاد سوى الشام، وقد ضبط عيسى بن على بيوت الأموال والحواصل للمنصور حتى قدم، فسلم إليه الأمر، وكتب إلى عمه عبد الله بن على يعلمه بوفاة السفاح، فلما بلغه الخبر نادى في الناس الصلاة جامعة، فاجتمع إليه الأمراء والناس، فقرأ عليهم وفاة السفاح، ثم قام فيهم خطيبا فذكر أن السفاح كان عهد إليه حين بعثه إلى مروان أنه إن كسره كان الأمر إليه من بعده، وشهد له بذلك بعض أمراء العراق، ونهضوا إليه فبايعوه، ورجع إلى حران فتسلمها من نائب المنصور بعد محاصرة أربعين ليلة، وقتل مقاتل العتكيّ نائبها. فلما بلغ المنصور ما كان من أمر عمه بعث إليه أبا مسلم الخراساني ومعه جماعة من الأمراء وقد تحصن عبد الله بن على بحران، وأرصد عنده مما يحتاج إليه من الأطعمة والسلاح شيئا كثيرا جدا، فسار إليه أبو مسلم الخراساني وعلى مقدمته مالك بن هيثم الخزاعي، فلما تحقق عبد الله قدوم أبى مسلم إليه خشي من جيش العراق أن لا يناصحوه، فقتل منهم سبعة عشر ألفا، وأراد قتل حميد بن قحطبة فهرب منه إلى أبى مسلم، فركب عبد الله بن على فنزل نصيبين وخندق حول عسكره، وأقبل أبو مسلم فنزل ناحية وكتب إلى عبد الله: إني لم أومر بقتالك، وإنما بعثني أمير المؤمنين واليا على الشام فأنا أريدها. فخاف جنود الشام من هذا الكلام فقالوا: إنا نخاف على ذرارينا وديارنا وأموالنا، فنحن نذهب، إليها نمنعهم منه. فقال عبد الله: ويحكم! والله إنه لم يأت إلا لقتالنا. فأبوا إلا أن يرتحلوا نحو الشام، فتحول عبد الله من منزله ذلك وقصد ناحية الشام، فنهض أبو مسلم فنزل موضعه وغوّر ما حوله من المياه - وكان موضع عبد الله الّذي تحول منه موضعا جيدا جدا - فاحتاج عبد الله وأصحابه فنزلوا في موضع أبى مسلم فوجدوه منزلا رديئا، ثم أنشأ أبو مسلم القتال فحاربهم خمسة أشهر، وكان على خيل عبد الله أخوه عبد الصمد بن على، وعلى ميمنته بكار بن مسلم العقيلي، وعلى ميسرته حبيب بن سويد الأسدي.
وعلى ميمنة أبى مسلم الحسن بن قحطبة، وعلى ميسرته أبو نصر خازم بن خزيم، وقد جرت بينهم وقعات وقتل منهم جماعات في أيام نحسات، وكان أبو مسلم إذا حمل يرتجز ويقول:
من كان ينوى أهله فلا رجع … فر من الموت وفي الموت وقع
وكان يعمل له عرش فيكون فيه إذا التقى الجيشان فما رأى في جيشه من خلل أرسل فأصلحه.
فلما كان يوم الثلاثاء أو الأربعاء لسبع خلون من جمادى الآخرة التقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فمكر بهم أبو مسلم! بعث إلى الحسن بن قحطبة أمير الميمنة فأمره أن يتحول بمن معه إلا القليل إلى الميسرة، فلما رأى ذلك أهل الشام انحازوا إلى الميمنة بإزاء الميسرة التي تعمرت، فأرسل حينئذ أبو مسلم إلى القلب أن يحمل بمن بقي في الميمنة على ميسرة أهل الشام فحطموهم، فجال أهل القلب
стр. 3246
والميمنة من الشاميين فحمل الخراسانيون على أهل الشام وكانت الهزيمة، وانهزم عبد الله بن على بعد تلوم، واحتاز أبو مسلم ما كان في معسكرهم، وأمن أبو مسلم بقية الناس فلم يقتل منهم أحدا، وكتب إلى المنصور بذلك، فأرسل المنصور مولاه أبا الخصيب ليحصى ما وجدوا في معسكر عبد الله، فغضب من ذلك أبو مسلم الخراساني. واستوسقت الممالك لأبى جعفر المنصور، ومضى عبد الله بن على وأخوه عبد الصمد على وجهيهما، فلما مرا بالرصافة أقام بها عبد الصمد، فلما رجع أبو الخصيب وجده بها فأخذه معه مقيدا في الحديد فأدخله على المنصور فدفعه إلى عيسى بن موسى فاستأمن له المنصور، وقيل بل استأمن له إسماعيل بن على. وأما عبد الله بن على فإنه ذهب إلى أخيه سليمان ابن على بالبصرة فأقام عنده زمانا مختفيا، ثم علم به المنصور فبعث إليه فسجنه [في بيت بنى أسامة على الملح ثم أطلق عليه الماء فذاب الملح وسقط البيت على عبد الله فمات. وهذه من بعض دواهي المنصور والله سبحانه أعلم] (١). فلبث في السجن سبع سنين ثم سقط عليه في البيت الّذي هو فيه فمات كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء الله تعالى.
ذكر مهلك أبى مسلم الخراساني صاحب دعوة بنى العباس
في هذه السنة أيضا لما فرغ أبو مسلم من الحج سبق الناس بمرحلة فجاءه خبر السفاح في الطريق فكتب إلى أبى جعفر يعزيه في أخيه ولم يهنئه بالخلافة، ولا رجع إليه. فغضب المنصور من ذلك مع ما كان قد أضمر له من السوء إذا أفضت إليه الخلافة، وقيل إن المنصور هو الّذي كان قد تقدم بين يدي الحج بمرحلة، وأنه لما جاءه خبر موت أخيه كتب إلى أبى مسلم يستعجله في السير كما قدمنا. فقال لأبى أيوب: اكتب له كتابا غليظا، فلما بلغه الكتاب أرسل يهنئه بالخلافة وانقمع من ذلك. وقال بعض الأمراء للمنصور: إنا نرى أن لا تجامعه في الطريق فان معه من الجنود من لا يخالفه، وهم له أهيب، وعلى طاعته أحرص، وليس معك أحد، فأخذ المنصور برأيه ثم كان من أمره في مبايعته لأبى جعفر ما ذكرنا، ثم بعثه إلى عمه عبد الله فكسره كما تقدم، وقد بعث في غبون ذلك الحسن بن قحطبة لأبى أيوب كاتب رسائل المنصور يشافهه ويخبره بأن أبا مسلم متهم عند أبى جعفر، فإنه إذا جاءه كتاب منه يقرأه ثم يلوى شدقيه ويرمى بالكتاب إلى أبى نصر ويضحكان استهزاء، فقال: أبو أيوب: إن تهمة أبى مسلم عندنا أظهر من هذا. ولما بعث أبو جعفر مولاه أبا الخصيب يقطين ليحتاط على ما أصيب من معسكر عبد الله من الأموال والجواهر الثمينة وغيرها، غضب أبو مسلم فشتم أبا جعفر وهمّ بأبي الخصيب، حتى قيل له: إنه رسول فتركه ورجع. فلما قدم أخبر المنصور بما كان وبما همّ به أبو مسلم من قتله، فغضب المنصور وخشي أن يذهب أبو مسلم إلى
стр. 3247
خراسان [فيشق عليه تحصيله بعد ذلك، وأن تحدث حوادث، فكتب إليه مع يقطين إني قد وليتك الشام ومصر وهما خير من خراسان] (١)، فابعث إلى مصر من شئت وأقم أنت بالشام، لتكون أقرب إلى أمير المؤمنين، إذا أراد لقاءك كنت منه قريبا. فغضب أبو مسلم وقال: قد ولانى الشام ومصر، ولى ولاية خراسان، فإذا أذهب إليها وأستخلف على الشام ومصر. فكتب إلى المنصور بذلك فقلق المنصور من ذلك كثيرا. ورجع أبو مسلم من الشام قاصدا خراسان وهو عازم على مخالفة المنصور. فخرج المنصور من الأنبار إلى المدائن وكتب إلى أبى مسلم بالمسير إليه، فكتب إليه أبو مسلم وهو على الزاب عازم على الدخول إلى خراسان: إنه لم يبق لأمير المؤمنين عدو إلا أمكنه الله منه، وقد كنا نروى عن ملوك آل ساسان أن أخوف ما يكون الوزراء إذا سكنت الدهماء. فنحن نافرون من قربك، حريصون على الوفاء بعهدك ما وفيت، حريون بالسمع والطاعة غير أنها من بعيد حيث يقارنها السلامة. فان أرضاك ذلك فأنا كأحسن عبيدك، وإن أبيت إلا أن تعطى نفسك إرادتها نقضت ما أبرمت من عهدك ضنا بنفسي عن مقامات الذل والإهانة. فلما وصل الكتاب إلى المنصور كتب إلى أبى مسلم: قد فهمت كتابك وليست صفتك صفة أولئك الوزراء الغششة إلى ملوكهم الذين يتمنون اضطراب حبل الدولة لكثرة جرائمهم، وإنما راحتهم في تبدد نظام الجماعة، فلم سويت نفسك بهم وأنت في طاعتك ومنا صحتك واضطلاعك بما حملت من أعباء هذا الأمر على ما أنت به، وليس مع الشريطة التي أوجبت منك سمع ولا طاعة، وقد حمل أمير المؤمنين عيسى بن موسى إليك رسالة ليسكن إليها قلبك إن أصغيت إليها، وسأله أن يحول بين الشيطان ونزغاته وبينك، فإنه لم يجد بابا يفسد به نيتك أوكد عنده من هذا ولا أقرب من طبه من الباب الّذي فتحه عليك. ويقال إن أبا مسلم كتب إلى المنصور: أما بعد فانى اتخذت رجلا إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محلة العلم نازلا وفي قرابته من رسول الله ﷺ قريبا، فاستجهلنى بالقرآن فحرفه عن مواضعه طمعا في قليل قد تعافاه الله إلى خلقه، وكان كالذي دلى بغرور، وأمرنى أن أجرد السيف وأرفع المرحمة ولا أقبل المعذرة ولا أقيل العثرة، ففعلت توطيدا لسلطانكم حتى عرّفكم الله من كان يجهلكم، وأطاعكم من كان عدوكم، وأظهركم الله بى بعد الإخفاء والحقارة والذل، ثم استنقذني بالله بالتوبة. فان يعف عنى فقديما عرف به ونسب إليه، وإن يعاقبني فبما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد. ذكره المدائني عن شيوخه.
وبعث المنصور إليه جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي - وقد كان أوحد أهل زمانه - في جماعة من الأمراء، وأمره أن يكلم أبا مسلم باللين كلاما يقدر عليه، وأن يكون في جماعة ما يكلمه به
стр. 3248
أنه يريد رفع قدرك وعلو منزلتك والإطلاقات لك، فان جاء بهذا فذاك، وإن أبى فقل هو بريء من العباس إن شققت العصا وذهبت على وجهك ليدركنك بنفسه وليقاتلنك دون غيره، ولو خضت البحر الخضم لخاضه خلفك حتى يدركك فيقتلك أو يموت قبل ذلك. ولا تقل له هذا حتى تيأس من رجوعه بالتي هي أحسن. فلما قدم عليه أمراء المنصور بحلوان دخلوا عليه ولاموه فيما همّ به من منابذة أمير المؤمنين، وما هو فيه من مخالفته، ورغّبوه في الرجوع إلى الطاعة، فشاور ذوى الرأى من أمرائه فكلهم نهاه عن الرجوع إليه، وأشاروا بأن يقيم في الري فتكون خراسان تحت حكمه، وجنوده طوعا له، فان استقام له الخليفة وإلا كان في عزو منعة من الجند. فعند ذلك أرسل أبو مسلم إلى أمراء المنصور فقال لهم: ارجعوا إلى صاحبكم فلست ألقاه. فلما استيأسوا منه قالوا له ذلك الكلام الّذي كان المنصور أمرهم به. فلما سمع ذلك كسره جدا وقال قوموا عنى الساعة.
وكان أبو مسلم قد استخلف على خراسان أبا داود إبراهيم بن خالد، فكتب إليه المنصور في غيبة أبى مسلم حين اتهم: إن ولاية خراسان لك ما بقيت، فقد وليتكها وعزلت عنها أبا مسلم. فعند ذلك كتب أبو داود إلى أبى مسلم حين بلغه ما عليه من منابذة الخليفة: إنه ليس يليق بنا منابذة خلفاء أهل بيت رسول الله ﷺ ، فارجع إلى إمامك سامعا مطيعا والسلام. فزاده ذلك كسرا أيضا فبعث إليهم أبو مسلم: إني سأبعث إليه أبا إسحاق وهو ممن أثق به. فبعث أبا إسحاق إلى المنصور فأكرمه ووعده بنيابة العراق إن هو رده. فلما رجع إليه أبو إسحاق قال له: ما وراءك؟ قال:
رأيتهم معظمين لك يعرفون قدرك. فغره ذلك وعزم على الذهاب إلى الخليفة، فاستشار أميرا يقال له نيزك، فنهاه، فصمم على الذهاب، فلما رآه نيزك عازما على الذهاب تمثل بقول الشاعر:
ما للرجال مع القضاء محالة … ذهب القضاء بحيلة الأقوام
ثم قال له: احفظ عنى واحدة. قال: وما هي؟ قال: إذا دخلت عليه فأقتله ثم بايع من شئت بالخلافة فان الناس لا يخالفونك. وكتب أبو مسلم إلى المنصور يعلمه بقدومه عليه. قال أبو أيوب كاتب الرسائل: فدخلت على المنصور وهو جالس في خباء شعر جالس في مصلاه بعد العصر، وبين يديه كتاب فألقاه إليّ فإذا هو كتاب أبى مسلم يعلمه بالقدوم عليه، ثم قال الخليفة: والله لئن ملأت عيني منه لأقتلنه. قال أبو أيوب: فقلت إنا لله وإنا إليه راجعون. وبت تلك الليلة لا يأتينى نوم، أفكر في هذه الواقعة، وقلت: إن دخل أبو مسلم خائفا ربما يبدو منه شر إلى الخليفة، والمصلحة تقتضي أن يدخل آمنا ليتمكن منه الخليفة. فلما أصبحت طلبت رجلا من الأمراء وقلت له: هل لك أن تتولى مدينة كسكر فإنها مغلة في هذه السنة؟ فقال: ومن لي بذلك؟ فقلت له: فاذهب إلى أبى مسلم فتلقاه في الطريق فاطلب منه أن يوليك تلك البلد، فان أمير المؤمنين يريد أن يوليه ما وراء بابه
стр. 3249
ويستريح لنفسه. واستأذنت المنصور له أن يذهب إلى أبى مسلم فأذن له، وقال له: سلم عليه وقل له: إنا بالاشواق إليه. فسار ذلك الرجل - وهو سلمة بن فلان - (١) إلى أبى مسلم فأخبره باشتياق الخليفة إليه، فسره ذلك وانشرح، وإنما هو غرور ومكر به، فلما سمع أبو مسلم بذلك عجل السير إلى منيته، فلما قرب من المدائن أمر الخليفة القواد والأمراء أن يتلقوه، وكان دخوله على المنصور من آخر ذلك اليوم، وقد أشار أبو أيوب على المنصور أن يؤخر قتله في ساعته هذه إلى الغد، فقبل ذلك منه. فلما دخل أبو مسلم على المنصور من العشي أظهر له الكرامة والتعظيم، ثم قال: اذهب فأرح نفسك وادخل الحمام، فإذا كان الغد فأتنى. فخرج من عنده وجاءه الناس يسلمون عليه، فلما كان الغد طلب الخليفة بعض الأمراء فقال له: كيف بلائي عندك؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين لو أمرتنى أن أقتل نفسي لقتلتها. قال: فكيف بك لو أمرتك بقتل أبى مسلم؟ قال: فوجم ساعة ثم قال له أبو أيوب: مالك لا تتكلم؟ فقال قولة ضعيفة: أقتله. ثم اختار له من عيون الحرس أربعة فحرضهم على قتله، وقال لهم: كونوا من وراء الرواق فإذا صفقت بيدي فاخرجوا عليه فاقتلوه. ثم أرسل المنصور إلى أبى مسلم رسلا تترى يتبع بعضها بعضا، فأقبل أبو مسلم فدخل دار الخلافة ثم دخل على الخليفة وهو يبتسم، فلما وقف بين يديه جعل المنصور يعاتبه في الّذي صنع واحدة واحدة، فيعتذر عن ذلك كله. ثم قال: يا أمير المؤمنين أرجو أن تكون نفسك قد طابت عليّ. فقال المنصور: أما والله ما زادني هذا إلا غيظا عليك. ثم ضرب بإحدى يديه على الأخرى فخرج عثمان وأصحابه فضربوه بالسيوف حتى قتلوه ولفوه في عباءة ثم أمر بإلقائه في دجلة، وكان آخر العهد به، وكان مقتله في يوم الأربعاء لأربع بقين من شعبان سنة سبع وثلاثين ومائة.
وكان من جملة ما عاتبه به المنصور ان قال: كتبت إلى مرات تبدأ بنفسك، وأرسلت تخطب عمتي أمينة، وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس إلى غير ذلك. فقال أبو مسلم: يا أمير المؤمنين لا يقال لي هذا وقد سعيت في أمركم بما علمه كل أحد. فقال: ويلك! لو قامت في ذلك أمة سوداء لأتمه الله لجدنا وحيطتنا. ثم قال: والله لأقتلنك. فقال: استبقني يا أمير المؤمنين لأعدائك.
فقال: وأي عدو لي أعدى منك. ثم أمر بقتله كما تقدم: فقال له بعض الأمراء: يا أمير المؤمنين الآن صرت خليفة. ويقال إن المنصور أنشد عند ذلك:
فألقت عصاها واستقر بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وذكر ابن خلكان أن المنصور لما أراد قتل أبى مسلم تحير في أمره هل يستشير أحدا في ذلك أو يستبد هو به لئلا يشيع وينشر، ثم استشار واحدا من نصحاء أصحابه فقال: يا أمير المؤمنين
стр. 3250
قال الله تعالى ﴿لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلاَّ اللهُ لَفَسَدَتا﴾ فقال له: لقد أودعتها أذنا واعية. ثم عزم على ذلك
وهذه ترجمة أبى مسلم الخراساني
هو عبد الرحمن بن مسلم أبو مسلم صاحب دولة بنى العباس، ويقال له أمير آل بيت رسول الله ﷺ ، وقال الخطيب: يقال له عبد الرحمن بن شيرون بن إسفنديار أبو مسلم المروزي، صاحب الدولة العباسية، يروى عن أبى الزبير وثابت البناني وإبراهيم وعبد الله ابني محمد بن على بن عبد الله بن عباس، زاد ابن عساكر في شيوخه محمد بن على وعبد الرحمن بن حرملة وعكرمة مولى ابن عباس. قال ابن عساكر: روى عنه إبراهيم بن ميمون الصائغ، وبشر والد مصعب بن بشر، وعبد الله بن شبرمة وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن منيب المروزي وقديد بن منيع صهر أبى مسلم.
قال الخطيب: وكان أبو مسلم فاتكا ذا رأى وعقل وتدبير وحزم، قتله أبو جعفر المنصور بالمدائن. وقال أبو نعيم الأصبهاني في تاريخ أصبهان: كان اسمه عبد الرحمن بن عثمان بن يسار، قيل إنه ولد بأصبهان، وروى عن السدي وغيره، وقيل كان اسمه إبراهيم بن عثمان بن يسار بن سندوس ابن حوذون، من ولد بزرجمهر، وكان يكنى أبا إسحاق، ونشأ بالكوفة وكان أبوه أوصى به إلى عيسى ابن موسى السراج، فحمله إلى الكوفة وهو ابن سبع سنين، فلما بعثه إبراهيم بن محمد الامام إلى خراسان قال له: غير اسمك وكنيتك. فتسمى عبد الرحمن بن مسلم، واكتنى بأبي مسلم، فسار إلى خراسان وهو ابن سبع عشرة سنة راكبا على حمار باكاف، وأعطاه إبراهيم بن محمد نفقة، فدخل خراسان وهو كذلك، ثم آل به الحال حتى صارت له خراسان بأزمتها وحذافيرها، وذكر أنه في ذهابه إليها عدا رجل من بعض الحانات فقطع ذنب حماره، فلما تمكن أبو مسلم جعل ذلك المكان دكا فكان بعد ذلك خرابا. وذكر بعضهم أنه أصابه سبى في صغره وأنه اشتراه بعض دعاة بنى العباس بأربعمائة درهم، ثم إن إبراهيم بن محمد الامام استوهبه واشتراه فانتمى إليه وزوجه إبراهيم بنت أبى النجم إسماعيل الطائي، أحد دعاتهم، لما بعثه إلى خراسان، وأصدقها عنه أربعمائة درهم فولد لأبى مسلم بنتان إحداهما أسماء أعقبت، وفاطمة لم تعقب.
وقد تقدم ذكر كيفية استقلال أبى مسلم بأمور خراسان في سنة تسع وعشرين ومائة، وكيف نشر دعوة بنى العباس، وقد كان ذا هيبة وصرامة وإقدام وتسرع في الأمور. وقد روى ابن عساكر باسناده، أن رجلا قام إلى أبى مسلم وهو يخطب فقال: ما هذا السواد الّذي أرى عليك؟ فقال: حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله «أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء». وهذه ثياب الهيئة وثياب الدولة. يا غلام اضرب عنقه.
وروى من حديث عبد الله بن منيب عنه عن محمد بن على عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس. قال: قال رسول الله
стр. 3251
ﷺ : «من أراد هوان قريش أهانه الله». وقد كان إبراهيم بن ميمون الصائغ من أصحابه وجلسائه في زمن الدعوة، وكان يعده إذا ظهر أن يقيم الحدود، فلما تمكن أبو مسلم ألح عليه إبراهيم ابن ميمون في القيام بما وعده به حتى أحرجه، فأمر بضرب عنقه، وقال له: لم لا كنت تنكر على نصر بن سيار وهو يعمل أواني الخمر من الذهب فيبعثها إلى بنى أمية؟ فقال له: إن أولئك لم يقربونى من أنفسهم ويعدوني منها ما وعدتني أنت. وقد رأى بعضهم لإبراهيم بن ميمون هذا منازل عالية في الجنة بصبره على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإنه كان آمرا ناهيا قائما في ذلك، فقتله أبو مسلم ﵀.
وقد ذكرنا طاعة أبى مسلم للسفاح واعتناءه بأمره وامتثال مراسيمه، فلما صار الأمر إلى المنصور استخف به واحتقره، ومع هذا بعثه المنصور إلى عمه عبد الله إلى الشام فكسره واستنقذ منه الشام وردها إلى حكم المنصور. ثم شمخت نفسه على المنصور وهم بقتله، ففطن لذلك المنصور مع ما كان مبطنا له من البغضة، وقد سأل أخاه السفاح غير مرة أن يقتله كما تقدم ذلك فأبى عليه، فلما تولى المنصور ما زال بما كره ويخادعه حتى قدم عليه فقتله. قال بعضهم: كتب المنصور إلى أبى مسلم أما بعد فإنه يرين على القلوب ويطبع عليها المعاصي، فع أيها الطائش، وأفق أيها السكران، وانتبه أيها النائم، فإنك مغرور بأضغاث أحلام كاذبة، في برزخ دنيا قد غرت من كان قبلك وسم بها سوالف القرون (هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) وإن الله لا يعجزه من هرب، ولا يفوته من طلب، فلا تغتر بمن معك من شيعتي وأهل دعوتي، فكأنهم قد صالوا عليك بعد أن صالوا معك، إن أنت خلعت الطاعة وفارقت الجماعة وبدا لك من الله ما لم تكن تحتسب، مهلا مهلا، احذر البغي أبا مسلم فإنه من بغى واعتدى تخلى الله عنه، ونصر عليه من يصرعه لليدين والفم، واحذر أن تكون سنة في الذين قد خلوا من قبلك، ومثلة لمن يأتى بعدك، فقد قامت الحجة وأعذرت إليك وإلى أهل طاعتي فيك. قال تعالى ﴿وَاُتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكانَ مِنَ الْغاوِينَ﴾ فأجابه أبو مسلم: أما بعد فقد قرأت كتابك فرأيتك فيه للصواب مجانبا، وعن الحق حائدا إذ تضرب فيه الأمثال على غير أشكالها، وكتبت إلى فيه آيات منزلة من الله للكافرين، وما يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وإنني والله ما انسلخت من آيات الله، ولكنني يا عبد الله بن محمد كنت رجلا متأولا فيكم من القرآن آيات أوجبت لكم بها الولاية والطاعة، فأتممت بأخوين لك من قبلك ثم بك من بعدهما، فكنت لهما شيعة متديّنا أحسبنى هاديا مهتديا، وأخطأت في التأويل وقدما أخطأ المتأولون، وقد قال تعالى ﴿وَإِذا جاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى﴾
стр. 3252
(نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ وإن أخاك السفاح ظهر في صورة مهدي وكان ضالا فأمرنى أن أجرد السيف وأقتل بالظنة وأقدم بالشبهة وأرفع الرحمة ولا أقيل العثرة، فوترت أهل الدنيا في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم، حتى عرفكم الله من كان جهلكم. ثم إن الله سبحانه تداركني منه بالندم واستنقذني بالتوبة، فان يعف عنى ويصفح فإنه كان للأوابين غفورا، وإن يعاقبني فبذنوبي وما ربك بظلام للعبيد.
فكتب إليه المنصور: أما بعد أيها المجرم العاصي، فان أخى كان إمام هدى يدعوه إلى الله على بينة من ربه، فأوضح لك السبيل، وحملك على المنهج السديد، فلو بأخي اقتديت لما كنت عن الحق حائدا، وعن الشيطان وأوامره صادرا، ولكنه لم يسنح لك أمران إلا كنت لأرشدهما تاركا، ولأغواهما راكبا، تقتل قتل الفراعنة، وتبطش بطش الجبابرة، وتحكم بالجور حكم المفسدين، وتبذر المال وتضعه في غير مواضعه فعل المسرفين، ثم من خبري أيها الفاسق أنى قد وليت موسى ابن كعب خراسان، وأمرته أن يقيم بنيسابور، فان أردت خراسان لقيك بمن معه من قوادي وشيعتي، وأنا موجه للقائك أقرانك، فاجمع كيدك وأمرك غير مسدد ولا موفق، وحسب أمير المؤمنين ومن اتبعه الله ونعم الوكيل.
ولم يزل المنصور يراسله تارة بالرغبة وتارة بالرهبة، ويستخف أحلام من حوله من الأمراء والرسل الذين يبعثهم أبو مسلم إلى المنصور ويعدهم، حتى حسنوا لأبى مسلم في رأيه القدوم عليه سوى أمير معه يقال له نيزك، فإنه لم يوافق على ذلك، فلما رأى أبا مسلم وقد انطاع لهم أنشد عند ذلك البيت المتقدم، وهو:
ما للرجال مع القضاء محالة … ذهب القضاء بحيلة الأقوام.
وأشار عليه بأن يقتل المنصور ويستخلف بدله فلم يمكنه ذلك، فإنه لما قدم المدائن تلقاه الأمراء عن أمر الخليفة، فما وصل إلا آخر النهار، وقد أشار أبو أيوب كاتب الرسائل أن لا يقتله يومه هذا كما تقدم [فلما وقف بين يدي الخليفة أكرمه وعظمه وأظهر احترامه، وقال: اذهب الليلة فأذهب عنك وعثاء السفر ثم ائتني من الغد.] (١) فلما كان الغد أرصد له من الأمراء من يقتله، منهم عثمان بن نهيك، وشبيب بن واج، فقتلوه كما تقدم. ويقال بل أقام أياما يظهر له المنصور الاكرام والاحترام، ثم نشق منه الوحشة فخاف أبو مسلم واستشفع بعيسى بن موسى واستجار به، وقال: إني أخافه على نفسي. فقال: لا بأس عليك فانطلق فانى آت وراءك، أنت في ذمتي حتى آتيك، - ولم يكن مع عيسى خبر بما يريد به الخليفة - فجاء أبو مسلم يستأذن على المنصور فقالوا له: اجلس هاهنا فان أمير المؤمنين يتوضأ، فجلس وهو يودّ أن يطول مجلسه ليجيء عيسى بن موسى فأبطأ، وأذن له الخليفة
стр. 3253
فدخل عليه فجعل يعاتبه في أشياء صدرت منه فيعتذر عنها جيدا، حتى قال له: فلم قتلت سليمان بن كثير، وإبراهيم بن ميمون، وفلانا وفلانا؟ قال: لأنهم عصوني وخالفوا أمرى. فغضب عند ذلك المنصور وقال: ويحك! أنت تقتل إذا عصيت، وأنا لا أقتلك وقد عصيتني وصفق بيديه وكانت الإشارة بينه وبين المرصدين لقتله -، فتبادروا إليه ليقتلوه فضربه أحدهم فقطع حمائل سيفه، فقال: يا أمير المؤمنين استبقني لأعدائك، فقال: وأي عدوّ لي أعدى منك. ثم زجرهم المنصور فقطعوه قطعا ولفوه في عباءة، ودخل عيسى بن موسى على إثر ذلك فقال: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا أبو مسلم، فقال: ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ فقال له المنصور: احمد الله الّذي هجمت عليّ نعمة، ولم تهجم عليّ نقمة، ففي ذلك يقول أبو دلامة: -
أبا مسلم ما غير الله نعمة … على عبده حتى يغيرها العبد
أبا مسلم خوفتني القتل فانتخى … عليك بما خوفتني الأسد الورد
وذكر ابن جرير أن المنصور تقدم إلى عثمان بن نهيك وشبيب بن واج، وأبى حنيفة حرب بن قيس وآخر من الحرس أن يكونوا قريبا منه، فإذا دخل عليه أبو مسلم وخاطبه وضرب بإحدى يديه على الأخرى فليقتلوه. فلما دخل عليه أبو مسلم قال له المنصور: ما فعل السيفان اللذان أصبتهما من عبد الله بن على؟ فقال: هذا أحدهما. فقال: أرنيه، فناوله السيف فوضعه تحت ركبته ثم قال له:
ما حملك على أن تكتب لأبى عبد الله السفاح تنهاه عن الموات، أردت أن تعلمنا الدين؟ قال: إنني ظننت أن أخذه لا يحل، فلما جاءني كتاب أمير المؤمنين علمت أنه وأهل بيته معدن العلم. قال:
فلم تقدمت على في طريق الحج؟ قال: كرهت اجتماعنا على الماء فيضر ذلك بالناس، فتقدمت التماس الرّفق. قال: فلم لا رجعت إليّ حين أتاك خبر موت أبى العباس؟ قال: كرهت التضييق على الناس في طريق الحج، وعرفت أنا سنجتمع بالكوفة، وليس عليك منى خلاف. قال: فجارية عبد الله بن على أردت أن تتخذها لنفسك؟ قال: لا! ولكن خفت أن تضيع فحملتها في قبة ووكلت بها من يحفظها. ثم قال له: ألست الكاتب إليّ تبدأ بنفسك والكاتب إلى تخطب آمنة بنت على؟ وتزعم أنك ابن سليط بن عبد الله بن عباس؟ هذا كله ويد المنصور في يده يعركها ويقبلها ويعتذر، ثم قال له: فما حملك على مراغمتى ودخولك إلى خراسان؟ قال: خفت أن يكون دخلك منى شيء فأردت أن أدخل خراسان وأكتب إليك بعذري. قال: فلم قتلت سليمان بن كثير وكان من نقبائنا ودعاتنا قبلك؟ قال: أراد خلافي. فقال: ويحك وأنت أردت خلافي وعصيتني، قتلني الله إن لم أقتلك.
ثم ضربه بعمود الخيمة وخرج إليه أولئك فضربه عثمان فقطع حمائل سيفه، وضربه شبيب فقطع رجله، وحمل عليه بقيتهم بالسيوف، والمنصور يصيح: ويحكم اضربوه قطع الله أيديكم. ثم ذبحوه
стр. 3254
وقطعوه قطعا قطعا، ثم ألقى في دجلة. ويروى أن المنصور لما قتله وقف عليه فقال: رحمك الله أبا مسلم، بايعتنا فبايعناك، وعاهدتنا وعاهدناك، ووفيت لنا فوفينا لك، وإنا بايعناك على أن لا يخرج علينا أحد في هذه الأيام إلا قتلناه، فخرجت علينا فقتلناك، وحكمنا عليك حكمك على نفسك لنا. ويقال إن المنصور قال: الحمد لله الّذي أرانا يومك يا عدو الله. قال ابن جرير وقال المنصور عند ذلك: -
زعمت أن الدّين لا يقتضي … فاستوف بالكيل أبا مجرم
سقيت كأسا كنت تسقى بها … أمرّ في الحلق من العلقم
ثم إن المنصور خطب في الناس بعد قتل أبى مسلم فقال: أيها الناس، لا تنفّروا أطيار النعم بترك الشكر، فتحل بكم النقم، ولا تسروا غش الأئمة فان أحدا لا يسر منكم شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره وإنا لن نجهل حقوقكم ما عرفتم حقنا، ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا هذا القميص أوطأنا أم رأسه، حتى يستقيم رجالكم، وترتدع عمالكم. وإن هذا الغمر أبا مسلم بايع على أنه من نكث بيعتنا وأظهر غشنا فقد أباحنا دمه، فنكث وغدر وفجر وكفر، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، وإن أبا مسلم أحسن مبتديا وأساء منتهيا، وأخذ من الناس بنا لنفسه أكثر مما أعطانا. ورجح قبيح باطنه على حسن ظاهره، وعلمنا من خبث سريرته وفساد نيته ما لو علم اللائم لنا فيه لما لام، ولو اطلع على ما أطلعنا عليه منه لعذرنا في قتله، وعنفنا في إمهاله، وما زال ينقض بيعته ويخفر ذمته حتى أحل لنا عقوبته وأباحنا دمه، فحكمنا فيه حكمه في غيره ممن شق العصا، ولم يمنعنا الحق له من إمضاء الحق فيه، وما أحسن ما قال النابغة الذبيانيّ للنعمان - يعنى ابن المنذر -:
فمن أطاعك فانفعه بطاعته … كما أطاعك والله على الرشد
ومن عصاك فعاقبه معاقبة … تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد
وقد روى البيهقي عن الحاكم بسنده أن عبد الله بن المبارك سئل عن أبى مسلم أهو خير أم الحجاج؟ فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد، ولكن كان الحجاج شرا منه، قد اتهمه بعضهم على الإسلام، ورموه بالزندقة، ولم أر فيما ذكروه عن أبى مسلم ما يدل على ذلك، بل على أنه كان ممن يخاف الله من ذنوبه، وقد ادعى التوبة فيما كان منه من سفك الدماء في إقامة الدولة العباسية والله أعلم بأمره.
وقد روى الخطيب عنه أنه قال: ارتديت الصبر، وآثرت الكفاف، وحالفت الأحزان والأشجان، وشامخت المقادير والأحكام، حتى بلغت غاية همتي، وأدركت نهاية بغيتي. ثم أنشأ يقول:
стр. 3255
قد نلت بالعزم والكتمان ما عجزت … عنه ملوك بنى مروان إذ حشدوا
ما زلت أضربهم بالسيف فانتبهوا … من رقدة لم ينمها قبلهم أحد
وطفت أسعى عليهم في ديارهم … والقوم في ملكهم في الشام قد رقدوا
ومن رعى غنما في أرض مسبعة … ونام عنها تولى رعيها الأسد
وقد كان قتل أبى مسلم بالمدائن يوم الأربعاء لسبع خلون، وقيل لخمس بقين، وقيل لأربع، وقيل لليلتين بقيتا من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة سبع وثلاثين ومائة - قال بعضهم: كان ابتداء ظهوره في رمضان من سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل في شعبان سنة سبع وعشرين ومائة.
وزعم بعضهم أنه قتل ببغداد في سنة أربعين، وهذا غلط من قائله، فان بغداد لم تكن بنيت بعد كما ذكره الخطيب في تاريخ بغداد، ورد هذا القول.
ثم إن المنصور شرع في تأليف أصحاب أبى مسلم بالأعطية والرغبة والرهبة والولايات، واستدعى أبا إسحاق - وكان من أعز أصحاب أبى مسلم - وكان على شرطة أبى مسلم، وهمّ بضرب عنقه فقال: يا أمير المؤمنين والله ما أمنت قط إلا في هذا اليوم، وما من يوم كنت أدخل عليك إلا تحنطت ولبست كفني. ثم كشف عن ثيابه التي تلى جسده فإذا هو محنط وعليه أدراع أكفان، فرق له المنصور وأطلقه وذكر ابن جرير أن أبا مسلم قتل في حروبه وما كان يتعاطاه لأجل دولة بنى العباس ستمائة ألف صبرا زيادة عن من قتل بغير ذلك. وقد قال للمنصور وهو يعاتبه على ما كان يصنعه: يا أمير المؤمنين لا يقال لي هذا بعد بلائي وما كان منى. فقال له: يا ابن الخبيثة، لو كانت أمة مكانك لأجزأت ناحيتها، إنما عملت ما عملت بدولتنا وبريحنا، لو كان ذلك إليك لما وصلت إلى فتيل. ولما قتله المنصور لف في كساء وهو مقطع إربا إربا، فدخل عيسى بن موسى فقال: يا أمير المؤمنين أين أبو مسلم؟ قال: قد كان ها هاهنا آنفا. فقال: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ونصيحته ورأى إبراهيم الامام فيه. فقال له: يا أنوك والله ما أعلم في الأرض عدوا أعدى لك منه، ها هو ذاك في البساط. فقال:
﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. فقال له المنصور: خلع الله قلبك! وهل كان لكم مكان أو سلطان أو أمر أو نهى مع أبى مسلم؟ ثم استدعى المنصور برءوس الأمراء فجعل يستشيرهم في قتل أبى مسلم قبل أن يعلموا بقتله، فكلهم يشير بقتله، ومنهم من كان إذا تكلم أسر كلامه خوفا من أبى مسلم لئلا ينقل إليه، فلما أطلعهم على قتله أفزعهم ذلك وأظهروا سرورا كثيرا. ثم خطب المنصور الناس بذلك كما تقدم.
ثم كتب المنصور إلى نائب أبى مسلم على أمواله وحواصله بكتاب على لسان أبى مسلم أن يقدم بجميع ما عنده من الحواصل والذخائر والأموال والجواهر، وختم الكتاب بخاتم أبى مسلم بكماله، مطبوعا بكل فص الخاتم، فلما رآه الخازن استراب في الأمر، وقد كان أبو مسلم تقدم إلى
стр. 3256
خازنه أنه إذا جاءك كتابي فان رأيته مختوما بنصف الفص فامض لما فيه، فانى إنما أختم بنصف فصه على كتبي، وإذا جاءك الكتاب مختوما عليه بكماله فلا تقبل ولا تمض ما فيه. فامتنع عند ذلك خازنه أن يقبل ما بعث به المنصور، فأرسل المنصور بعد ذلك إليه من أخذ جميع ذلك وقتل ذلك الرجل الخازن، وكتب المنصور إلى أبى داود إبراهيم بن خالد بإمرة خراسان كما وعده قبل ذلك عوضا عن أبى مسلم.
وفي هذه السنة خرج سنباذ يطلب بدم أبى مسلم، وقد كان سنباذ هذا مجوسيا تغلب على قومس وأصبهان، ويسمى بفيروز اصبهبذ، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشا هم عشرة آلاف فارس عليهم جهور بن مرار العجليّ - فالتقوا بين همذان والري بالمفازة، فهزم جهور لسنباذ وقتل من أصحابه ستين الفا وسبى ذراريهم، ونساءهم، وقتل سنباذ بعد ذلك فكانت أيامه سبعين يوما.
وأخذ ما كان استحوذ عليه من أموال أبى مسلم التي كانت بالري. وخرج في هذه السنة أيضا رجل يقال له ملبّد [بن حرملة الشيباني] في ألف من الخوارج بالجزيرة فجهز إليه المنصور جيوشا متعددة كثيفة كلها تنفر منه وتنكسر ثم قاتله حميد بن قحطبة نائب الجزيرة، فهزمه ملبد وتحصن منه حميد في بعض الحصون ثم صالحه حميد بن قحطبة على مائة ألف فدفعها إليه وقبلها ملبد وتقلع عنه.
وحج بالناس في هذه السنة عم الخليفة إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس قاله الواقدي.
وكان نائب الموصل - يعنى عم المنصور - وعلى نيابة الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان ابن على، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة، وعلى مصر صالح بن على، وعلى خراسان أبو داود إبراهيم ابن خالد، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله. ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل الخليفة بسناباذ وغيره. ومن مشاهير من توفى فيها أبو مسلم الخراساني كما تقدم، ويزيد بن أبى زياد أحد من تكلم فيه كما ذكرناه في التكميل، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة
فيها دخلت قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فهدم سورها وعفا عمن قدر عليه من مقاتلتها.
وفيها غزا الصائفة صالح بن على نائب مصر، فبنى ما كان هدم ملك الروم من سور ملطية، وأطلق لأخيه عيسى بن على أربعين ألف دينار، وكذلك أعطى لابن أخيه العباس بن محمد بن على أربعين ألف دينار. وفيها بايع عبد الله بن على الّذي كسره أبو مسلم وانهزم إلى البصرة واستجار بأخيه سليمان بن على، حتى بايع للخليفة في هذه السنة ورجع إلى طاعته. ولكن حبس في سجن بغداد كما سيأتي. وفيها خلع جمهور بن مرار العجليّ الخليفة المنصور بعد ما كسر سنباذ واستحوذ على حواصله وعلى أموال أبى مسلم، فقويت نفسه بذلك وظن أنه لا يقدر عليه بعد. فأرسل إليه
стр. 3257
الخليفة محمد بن الأشعث الخزاعي في جيش كثيف فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم جهور وقتل عامة من معه، وأخذ ما كان معه من الأموال والحواصل والذخائر، ثم لحقوه فقتلوه. وفيها قتل الملبد الخارجي على يدي خازم بن خزيمة في ثمانية آلاف، وقتل من أصحاب الملبد ما يزيد على ألف وانهزم بقيتهم.
قال الواقدي: وحج بالناس فيها الفضل بن على، والنواب فيها هم المذكورون بالتي قبلها وممن توفى فيها من الأعيان زيد بن واقد، والعلاء بن عبد الرحمن، وليث بن أبى سليم في قول [وفيها كانت خلافة الداخل من بنى أمية إلى بلاد الأندلس وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الهاشمي. قلت: ليس هو بهاشمي إنما هو من بنى أمية ويسمى أمويا، كان قد دخل إلى بلاد المغرب فرارا من عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس، فاجتاز بمن معه من أصحابه الذين فروا معه بقوم يقتتلون على عصبية اليمانية والمضرية، فبعث مولاه بدرا إليهم فاستمالهم إليه فبايعوه ودخل بهم ففتح بلاد الأندلس واستحوذ عليها وانتزعها من نائبها يوسف بن عبد الرحمن ابن حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري وقتله. وسكن عبد الرحمن قرطبة واستمر في خلافته في تلك البلاد من هذه السنة إلى سنة ثنتين وسبعين ومائة. فتوفى فيها وله في الملك أربع وثلاثون سنة وأشهر. ثم قام من بعده ولده هشام ست سنين وأشهرا. ثم مات فولى بعده الحكم بن هشام ستا وعشرين سنة وأشهرا ثم مات. ثم ولى بعده ولده عبد الرحمن بن الحكم ثلاثا وثلاثين سنة ثم مات. ثم ولى بعده محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ستا وعشرين سنة. ثم ابنه المنذر بن محمد، ثم أخوه عبد الله بن محمد بن المنذر. وكانت أيامه بعد الثلاثمائة بدهر، ثم زالت تلك الدولة كما سنذكره من زوال تلك السنون وأهلها وما قضوا فيها من النعيم والعيش الرغيد والنساء الحسان ثم انقضت تلك السنوات وأهلها كأنهم على ميعاد، ثم أضحوا كأنهم ورق جف ألوت عليه الصبا والذبول] (١)
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
فيها أكمل صالح بن على بناء ملطية ثم غزا الطائفة على طريق الحدث، فوغل في بلاد الروم، وغزا معه أختاه أم عيسى ولبابة ابنتا على، وكانتا نذرتا إن زال ملك بنى أمية أن يجاهدا في سبيل الله . وفيها كان الفداء الّذي حصل بين المنصور وبين ملك الروم، فاستنقذ بعض أسرى المسلمين ثم لم يكن للناس صائفة في هذه السنة إلى سنة ست وأربعين، وذلك لاشتغال المنصور بأمر ابني عبد الله بن حسن كما سنذكره. ولكن ذكر بعضهم أن الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الامام سنة أربعين فالله أعلم.
وفيها وسع المنصور المسجد الحرام، وكانت هذه السنة خصبة جدا - أي كثيرة الخصب فكان
стр. 3258
يقال لها السنة الخصبة - وقيل إنما كان ذلك في سنة أربعين. وفيها عزل المنصور عمه سليمان عن إمرة البصرة، فاختفى عبد الله بن على وأصحابه خوفا على أنفسهم، فبعث المنصور إلى نائبة على البصرة، وهو سفيان بن معاوية، يستحثه في إحضار عبد الله بن على إليه، فبعثه في أصحابه فقتل بعضهم وسجن عبد الله بن على عمه، وبعث بقية أصحابه إلى أبى داود نائب خراسان فقتلهم هناك وحج بالناس فيها العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس. وفيها توفى عمرو بن مجاهد، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويونس بن عبيد، أحد العباد وصاحب الحسن البصري.
ثم دخلت سنة أربعين ومائة
فيها نار جماعة من الجند على أبى داود نائب الخراسان، وحاصروا داره، فأشرف عليهم وجعل يستغيث بجنده ليحضروا إليه، واتكأ على آجرة في الحائط فانكسرت به فسقط فانكسر ظهره فمات، فخلفه على خراسان عاصم، صاحب الشرطة حتى قدم الأمير من جهة الخليفة عليها، وهو عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، فتسلم بلاد خراسان، وقتل جماعة من الأمراء لأنه بلغه عنهم أنهم يدعون إلى خلافة آل على بن أبى طالب، وحبس آخرين، وأخذ نواب أبى داود بجباية الأموال المنكسرة عندهم.
وفيها حج بالناس الخليفة المنصور أحرم من الحيرة ورجع بعد انقضاء الحج إلى المدينة، ثم رحل إلى بيت المقدس فزاره، ثم سلك الشام إلى الرقة، ثم سار إلى الهاشمية - هاشمية الكوفة - ونواب الأقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى خراسان فإنه مات نائبها أبو داود، فخلفه مكانه عبد الجبار الأزدي. وفيها توفى داود بن أبى هند، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسهيل بن أبى صالح، وعمارة بن غزية بن قيس السكونيّ.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة
فيها خرجت طائفة يقال لها الراوندية على المنصور. ذكر ابن جرير عن المدائني أن أصلهم من خراسان، وهم على رأى أبى مسلم الخراساني، كانوا يقولون بالتناسخ، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى عثمان بن نهيك، وأن ربهم الّذي يطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور. وأن الهيثم بن معاوية جبريل، قبحهم الله.
قال ابن جرير: فأتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون: هذا قصر ربنا، فأرسل المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين، فغضبوا من ذلك وقالوا: علام تحبسهم؟ ثم عمدوا إلى نعش فحملوه على كواهلهم وليس عليه أحد، واجتمعوا حوله كأنهم يشيعون جنازة، واجتازوا بباب السجن، فألقوا النعش ودخلوا السجن قهرا واستخرجوا من فيه من أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور
стр. 3259
وهم في ستمائة، فتنادى الناس وغلقت أبواب البلد، وخرج المنصور من القصر ماشيا، لأنه لم يجد دابة يركبها، ثم جيء بدابة فركبها وقصد نحو الراوندية وجاء الناس من كل ناحية، وجاء معن من زائدة، فلما رأى المنصور ترجل وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين ارجع! نحن نكفيكهم. فأبى وقام أهل الأسواق إليهم فقاتلوهم، وجاءت الجيوش فالتفوا عليهم من كل ناحية فحصدوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم بقية. وجرحوا عثمان بن نهيك بسهم بين كتفيه، فمرض أياما ثم مات، فصلى عليه الخليفة، وقام على قبره حتى دفن ودعا له، وولى أخاه عيسى بن نهيك على الحرس، وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية من الكوفة.
ولما فرغ المنصور من قتال الراوندية ذلك اليوم صلى بالناس الظهر في آخر وقتها، ثم أتى بالطعام فقال أين معن بن زائدة؟ وأمسك عن الطعام حتى جاء معن فأجلسه إلى جنبه، ثم أخذ في شكره لمن بحضرته لما رأى من شهامته يومئذ. فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت وإني لوجل، فلما رأيت استهانتك بهم وإقدامك عليهم قوى قلبي واطمأن، وما ظننت أن أحدا يكون في الحرب هكذا، فذاك الّذي شجعني يا أمير المؤمنين. فأمر له المنصور بعشرة آلاف ورضى عنه وولاه اليمن.
وكان معن بن زائدة قبل ذلك مختفيا، لانه قاتل المسودة مع ابن هبيرة، فلم يظهر إلا في هذا اليوم.
فلما رأى الخليفة صدقة في قتاله رضى عنه. ويقال: إن المنصور قال عن نفسه: أخطأت في ثلاث:
قتلت أبا مسلم وأنا في جماعة قليلة، وحين خرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق لذهبت الخلافة، ويوم الراوندية لو أصابنى سهم غرب لذهبت ضياعا. وهذا من حزمه وصرامته.
وفي هذه السنة ولى المنصور ابنه محمدا العهد من بعده ودعاه بالمهديّ وولاه بلاد خراسان وعزل عنها عبد الجبار بن عبد الرحمن، وذلك أنه قتل خلقا من شيعة الخليفة، فشكاه المنصور إلى أبى أيوب كاتب الرسائل فقال: يا أمير المؤمنين اكتب إليه ليبعث جيشا كثيفا من خراسان إلى غزو الروم، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت فأخرجوه من بلاد خراسان ذليلا. فكتب إليه المنصور بذلك، فرد الجواب بأن بلاد خراسان قد عاثت بها الأتراك، ومتى خرج منها جيش خيف عليها وفسد أمرها. فقال المنصور لأبى أيوب: ماذا ترى؟ قال: فاكتب إليه: إن بلاد خراسان أحق بالمدد لثغور المسلمين من غيرها، وقد جهزت إليك بالجنود. فكتب إليه أيضا: إن بلاد خراسان ضيقة في هذا العام أقواتها، ومتى دخلها جيش أفسدها. فقال الخليفة لأبى أيوب: ما تقول؟ فقال:
يا أمير المؤمنين هذا رجل قد أبدى صفحته وخلع فلا تناظره. فحينئذ بعث المنصور ابنه محمدا المهدي ليقيم بالري، فبعث المهدي بين يديه خازم بن خزيمة مقدمة إلى عبد الجبار، فما زال به يخدعه ومن معه حتى هرب من معه وأخذوه هو فأركبوه بعيرا محولا وجهه إلى ناحية ذنب البعير. وسيروه كذلك
стр. 3260
في البلاد حتى أقدموه على المنصور ومعه ابنه وجماعة من أهله، فضرب المنصور عنقه وسير ابنه ومن معه إلى جزيرة في طرف اليمن، فأسرتهم الهنود بعد ذلك، ثم فودى بعضهم بعد ذلك. واستقر المهدي نائبا على خراسان، وأمره أبوه أن يغزو طبرستان، وأن يحارب الاصبهبذ بمن معه من الجنود وأمده بجيش عليهم عمر بن العلاء، وكان من أعلم الناس بحرب طبرستان، وهو الّذي يقول فيه الشاعر:
فقل للخليفة إن جئته … نصيحا ولا خير في المتهم
إذا أيقظتك حروب العدي … فنبه لها عمرا ثم نم
فتى لا ينام على دمنة … ولا يشرب الماء إلا بدم
فلما تواقفت الجيوش على طبرستان فتحوها وحصروا الأصبهبذ حتى ألجئوه إلى قلعته فصالحهم على ما فيها من الذخائر، وكتب المهدي إلى أبيه بذلك، ودخل الأصبهبذ بلاد الديلم فمات هناك. وكسروا أيضا ملك الترك الّذي يقال له المصمغان، وأسروا أمما من الذراري، فهذا فتح طبرستان الأول.
وفيها فرغ بناء المصيصة على يدي جبريل بن يحيى الخراساني، وفيها رابط محمد بن إبراهيم الامام ببلاد ملطية. وفيها عزل المنصور زياد بن عبيد الله عن إمرة الحجاز وولى المدينة محمد بن خالد القسري وقدمها في رجب. وولى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العكي. وفيها توفى موسى بن كعب وهو على شرطة المنصور. وعلى مصر من كان عليها في السنة الماضية، ثم ولى مصر محمد بن الأشعث ثم عزله عنها وولى عليها نوفل بن الفرات. وحج بالناس فيها صالح بن على وهو نائب قنسرين وحمص ودمشق، وبقية البلاد عليها من ذكرنا في التي قبلها والله أعلم.
وفيها توفى أبان بن تغلب، وموسى بن عقبة، صاحب المغازي، وأبو إسحاق الشيباني في قول والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومائة
فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب نائب السند الخليفة، فجهز إليه العساكر صحبة عمر بن حفص ابن أبى صفرة، وولاه السند والهند، فحاربه عمر بن حفص وقهره على الأرض وتسلمها منه. وفيها نكث أصبهبذ طبرستان العهد الّذي كان بينه وبين المسلمين، وقتل طائفة ممن كان بطبرستان، فجهز إليه الخليفة الجيوش صحبة خازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، ومعهم مرزوق أبو الخصيب، مولى المنصور، فحاصروه مدة طويلة، فلما أعياهم فتح الحصن الّذي هو فيه احتالوا عليه، وذلك أن أبا الخصيب قال: اضربونى واحلقوا رأسي ولحيتي، ففعلوا ذلك، فذهب إليه كأنه مغاضب للمسلمين قد ضربوه وحلقوا لحيته، فدخل الحصن ففرح به الأصبهبذ وأكرمه وقربه، وجعل أبو الخصيب يظهر له النصح والخدمة حتى خدعه، وحظي عنده جدا وجعله من جملة من يتولى فتح الحصن وغلقه، فلما تمكن من ذلك كاتب المسلمين وأعلمهم أنه في الليلة الفلانية يفتح لهم، فاقتربوا من الباب حتى