خازنه أنه إذا جاءك كتابي فان رأيته مختوما بنصف الفص فامض لما فيه، فانى إنما أختم بنصف فصه على كتبي، وإذا جاءك الكتاب مختوما عليه بكماله فلا تقبل ولا تمض ما فيه. فامتنع عند ذلك خازنه أن يقبل ما بعث به المنصور، فأرسل المنصور بعد ذلك إليه من أخذ جميع ذلك وقتل ذلك الرجل الخازن، وكتب المنصور إلى أبى داود إبراهيم بن خالد بإمرة خراسان كما وعده قبل ذلك عوضا عن أبى مسلم.
وفي هذه السنة خرج سنباذ يطلب بدم أبى مسلم، وقد كان سنباذ هذا مجوسيا تغلب على قومس وأصبهان، ويسمى بفيروز اصبهبذ، فبعث إليه أبو جعفر المنصور جيشا هم عشرة آلاف فارس عليهم جهور بن مرار العجليّ - فالتقوا بين همذان والري بالمفازة، فهزم جهور لسنباذ وقتل من أصحابه ستين الفا وسبى ذراريهم، ونساءهم، وقتل سنباذ بعد ذلك فكانت أيامه سبعين يوما.
وأخذ ما كان استحوذ عليه من أموال أبى مسلم التي كانت بالري. وخرج في هذه السنة أيضا رجل يقال له ملبّد [بن حرملة الشيباني] في ألف من الخوارج بالجزيرة فجهز إليه المنصور جيوشا متعددة كثيفة كلها تنفر منه وتنكسر ثم قاتله حميد بن قحطبة نائب الجزيرة، فهزمه ملبد وتحصن منه حميد في بعض الحصون ثم صالحه حميد بن قحطبة على مائة ألف فدفعها إليه وقبلها ملبد وتقلع عنه.
وحج بالناس في هذه السنة عم الخليفة إسماعيل بن على بن عبد الله بن عباس قاله الواقدي.
وكان نائب الموصل - يعنى عم المنصور - وعلى نيابة الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة سليمان ابن على، وعلى الجزيرة حميد بن قحطبة، وعلى مصر صالح بن على، وعلى خراسان أبو داود إبراهيم ابن خالد، وعلى الحجاز زياد بن عبد الله. ولم يكن للناس في هذه السنة صائفة لشغل الخليفة بسناباذ وغيره. ومن مشاهير من توفى فيها أبو مسلم الخراساني كما تقدم، ويزيد بن أبى زياد أحد من تكلم فيه كما ذكرناه في التكميل، والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائة
فيها دخلت قسطنطين ملك الروم ملطية عنوة فهدم سورها وعفا عمن قدر عليه من مقاتلتها.
وفيها غزا الصائفة صالح بن على نائب مصر، فبنى ما كان هدم ملك الروم من سور ملطية، وأطلق لأخيه عيسى بن على أربعين ألف دينار، وكذلك أعطى لابن أخيه العباس بن محمد بن على أربعين ألف دينار. وفيها بايع عبد الله بن على الّذي كسره أبو مسلم وانهزم إلى البصرة واستجار بأخيه سليمان بن على، حتى بايع للخليفة في هذه السنة ورجع إلى طاعته. ولكن حبس في سجن بغداد كما سيأتي. وفيها خلع جمهور بن مرار العجليّ الخليفة المنصور بعد ما كسر سنباذ واستحوذ على حواصله وعلى أموال أبى مسلم، فقويت نفسه بذلك وظن أنه لا يقدر عليه بعد. فأرسل إليه
стр. 3257
الخليفة محمد بن الأشعث الخزاعي في جيش كثيف فاقتتلوا قتالا شديدا، فهزم جهور وقتل عامة من معه، وأخذ ما كان معه من الأموال والحواصل والذخائر، ثم لحقوه فقتلوه. وفيها قتل الملبد الخارجي على يدي خازم بن خزيمة في ثمانية آلاف، وقتل من أصحاب الملبد ما يزيد على ألف وانهزم بقيتهم.
قال الواقدي: وحج بالناس فيها الفضل بن على، والنواب فيها هم المذكورون بالتي قبلها وممن توفى فيها من الأعيان زيد بن واقد، والعلاء بن عبد الرحمن، وليث بن أبى سليم في قول [وفيها كانت خلافة الداخل من بنى أمية إلى بلاد الأندلس وهو عبد الرحمن بن معاوية بن هشام ابن عبد الملك بن مروان الهاشمي. قلت: ليس هو بهاشمي إنما هو من بنى أمية ويسمى أمويا، كان قد دخل إلى بلاد المغرب فرارا من عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس، فاجتاز بمن معه من أصحابه الذين فروا معه بقوم يقتتلون على عصبية اليمانية والمضرية، فبعث مولاه بدرا إليهم فاستمالهم إليه فبايعوه ودخل بهم ففتح بلاد الأندلس واستحوذ عليها وانتزعها من نائبها يوسف بن عبد الرحمن ابن حبيب بن أبى عبيدة بن عقبة بن نافع الفهري وقتله. وسكن عبد الرحمن قرطبة واستمر في خلافته في تلك البلاد من هذه السنة إلى سنة ثنتين وسبعين ومائة. فتوفى فيها وله في الملك أربع وثلاثون سنة وأشهر. ثم قام من بعده ولده هشام ست سنين وأشهرا. ثم مات فولى بعده الحكم بن هشام ستا وعشرين سنة وأشهرا ثم مات. ثم ولى بعده ولده عبد الرحمن بن الحكم ثلاثا وثلاثين سنة ثم مات. ثم ولى بعده محمد بن عبد الرحمن بن الحكم ستا وعشرين سنة. ثم ابنه المنذر بن محمد، ثم أخوه عبد الله بن محمد بن المنذر. وكانت أيامه بعد الثلاثمائة بدهر، ثم زالت تلك الدولة كما سنذكره من زوال تلك السنون وأهلها وما قضوا فيها من النعيم والعيش الرغيد والنساء الحسان ثم انقضت تلك السنوات وأهلها كأنهم على ميعاد، ثم أضحوا كأنهم ورق جف ألوت عليه الصبا والذبول] (١)
ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائة
فيها أكمل صالح بن على بناء ملطية ثم غزا الطائفة على طريق الحدث، فوغل في بلاد الروم، وغزا معه أختاه أم عيسى ولبابة ابنتا على، وكانتا نذرتا إن زال ملك بنى أمية أن يجاهدا في سبيل الله . وفيها كان الفداء الّذي حصل بين المنصور وبين ملك الروم، فاستنقذ بعض أسرى المسلمين ثم لم يكن للناس صائفة في هذه السنة إلى سنة ست وأربعين، وذلك لاشتغال المنصور بأمر ابني عبد الله بن حسن كما سنذكره. ولكن ذكر بعضهم أن الحسن بن قحطبة غزا الصائفة مع عبد الوهاب بن إبراهيم الامام سنة أربعين فالله أعلم.
وفيها وسع المنصور المسجد الحرام، وكانت هذه السنة خصبة جدا - أي كثيرة الخصب فكان
стр. 3258
يقال لها السنة الخصبة - وقيل إنما كان ذلك في سنة أربعين. وفيها عزل المنصور عمه سليمان عن إمرة البصرة، فاختفى عبد الله بن على وأصحابه خوفا على أنفسهم، فبعث المنصور إلى نائبة على البصرة، وهو سفيان بن معاوية، يستحثه في إحضار عبد الله بن على إليه، فبعثه في أصحابه فقتل بعضهم وسجن عبد الله بن على عمه، وبعث بقية أصحابه إلى أبى داود نائب خراسان فقتلهم هناك وحج بالناس فيها العباس بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس. وفيها توفى عمرو بن مجاهد، ويزيد بن عبد الله بن الهاد، ويونس بن عبيد، أحد العباد وصاحب الحسن البصري.
ثم دخلت سنة أربعين ومائة
فيها نار جماعة من الجند على أبى داود نائب الخراسان، وحاصروا داره، فأشرف عليهم وجعل يستغيث بجنده ليحضروا إليه، واتكأ على آجرة في الحائط فانكسرت به فسقط فانكسر ظهره فمات، فخلفه على خراسان عاصم، صاحب الشرطة حتى قدم الأمير من جهة الخليفة عليها، وهو عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، فتسلم بلاد خراسان، وقتل جماعة من الأمراء لأنه بلغه عنهم أنهم يدعون إلى خلافة آل على بن أبى طالب، وحبس آخرين، وأخذ نواب أبى داود بجباية الأموال المنكسرة عندهم.
وفيها حج بالناس الخليفة المنصور أحرم من الحيرة ورجع بعد انقضاء الحج إلى المدينة، ثم رحل إلى بيت المقدس فزاره، ثم سلك الشام إلى الرقة، ثم سار إلى الهاشمية - هاشمية الكوفة - ونواب الأقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى خراسان فإنه مات نائبها أبو داود، فخلفه مكانه عبد الجبار الأزدي. وفيها توفى داود بن أبى هند، وأبو حازم سلمة بن دينار، وسهيل بن أبى صالح، وعمارة بن غزية بن قيس السكونيّ.
ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائة
فيها خرجت طائفة يقال لها الراوندية على المنصور. ذكر ابن جرير عن المدائني أن أصلهم من خراسان، وهم على رأى أبى مسلم الخراساني، كانوا يقولون بالتناسخ، ويزعمون أن روح آدم انتقلت إلى عثمان بن نهيك، وأن ربهم الّذي يطعمهم ويسقيهم أبو جعفر المنصور. وأن الهيثم بن معاوية جبريل، قبحهم الله.
قال ابن جرير: فأتوا يوما قصر المنصور فجعلوا يطوفون به ويقولون: هذا قصر ربنا، فأرسل المنصور إلى رؤسائهم فحبس منهم مائتين، فغضبوا من ذلك وقالوا: علام تحبسهم؟ ثم عمدوا إلى نعش فحملوه على كواهلهم وليس عليه أحد، واجتمعوا حوله كأنهم يشيعون جنازة، واجتازوا بباب السجن، فألقوا النعش ودخلوا السجن قهرا واستخرجوا من فيه من أصحابهم، وقصدوا نحو المنصور
стр. 3259
وهم في ستمائة، فتنادى الناس وغلقت أبواب البلد، وخرج المنصور من القصر ماشيا، لأنه لم يجد دابة يركبها، ثم جيء بدابة فركبها وقصد نحو الراوندية وجاء الناس من كل ناحية، وجاء معن من زائدة، فلما رأى المنصور ترجل وأخذ بلجام دابة المنصور، وقال: يا أمير المؤمنين ارجع! نحن نكفيكهم. فأبى وقام أهل الأسواق إليهم فقاتلوهم، وجاءت الجيوش فالتفوا عليهم من كل ناحية فحصدوهم عن آخرهم، ولم يبق منهم بقية. وجرحوا عثمان بن نهيك بسهم بين كتفيه، فمرض أياما ثم مات، فصلى عليه الخليفة، وقام على قبره حتى دفن ودعا له، وولى أخاه عيسى بن نهيك على الحرس، وكان ذلك كله بالمدينة الهاشمية من الكوفة.
ولما فرغ المنصور من قتال الراوندية ذلك اليوم صلى بالناس الظهر في آخر وقتها، ثم أتى بالطعام فقال أين معن بن زائدة؟ وأمسك عن الطعام حتى جاء معن فأجلسه إلى جنبه، ثم أخذ في شكره لمن بحضرته لما رأى من شهامته يومئذ. فقال معن: والله يا أمير المؤمنين لقد جئت وإني لوجل، فلما رأيت استهانتك بهم وإقدامك عليهم قوى قلبي واطمأن، وما ظننت أن أحدا يكون في الحرب هكذا، فذاك الّذي شجعني يا أمير المؤمنين. فأمر له المنصور بعشرة آلاف ورضى عنه وولاه اليمن.
وكان معن بن زائدة قبل ذلك مختفيا، لانه قاتل المسودة مع ابن هبيرة، فلم يظهر إلا في هذا اليوم.
فلما رأى الخليفة صدقة في قتاله رضى عنه. ويقال: إن المنصور قال عن نفسه: أخطأت في ثلاث:
قتلت أبا مسلم وأنا في جماعة قليلة، وحين خرجت إلى الشام ولو اختلف سيفان بالعراق لذهبت الخلافة، ويوم الراوندية لو أصابنى سهم غرب لذهبت ضياعا. وهذا من حزمه وصرامته.
وفي هذه السنة ولى المنصور ابنه محمدا العهد من بعده ودعاه بالمهديّ وولاه بلاد خراسان وعزل عنها عبد الجبار بن عبد الرحمن، وذلك أنه قتل خلقا من شيعة الخليفة، فشكاه المنصور إلى أبى أيوب كاتب الرسائل فقال: يا أمير المؤمنين اكتب إليه ليبعث جيشا كثيفا من خراسان إلى غزو الروم، فإذا خرجوا بعثت إليه من شئت فأخرجوه من بلاد خراسان ذليلا. فكتب إليه المنصور بذلك، فرد الجواب بأن بلاد خراسان قد عاثت بها الأتراك، ومتى خرج منها جيش خيف عليها وفسد أمرها. فقال المنصور لأبى أيوب: ماذا ترى؟ قال: فاكتب إليه: إن بلاد خراسان أحق بالمدد لثغور المسلمين من غيرها، وقد جهزت إليك بالجنود. فكتب إليه أيضا: إن بلاد خراسان ضيقة في هذا العام أقواتها، ومتى دخلها جيش أفسدها. فقال الخليفة لأبى أيوب: ما تقول؟ فقال:
يا أمير المؤمنين هذا رجل قد أبدى صفحته وخلع فلا تناظره. فحينئذ بعث المنصور ابنه محمدا المهدي ليقيم بالري، فبعث المهدي بين يديه خازم بن خزيمة مقدمة إلى عبد الجبار، فما زال به يخدعه ومن معه حتى هرب من معه وأخذوه هو فأركبوه بعيرا محولا وجهه إلى ناحية ذنب البعير. وسيروه كذلك
стр. 3260
في البلاد حتى أقدموه على المنصور ومعه ابنه وجماعة من أهله، فضرب المنصور عنقه وسير ابنه ومن معه إلى جزيرة في طرف اليمن، فأسرتهم الهنود بعد ذلك، ثم فودى بعضهم بعد ذلك. واستقر المهدي نائبا على خراسان، وأمره أبوه أن يغزو طبرستان، وأن يحارب الاصبهبذ بمن معه من الجنود وأمده بجيش عليهم عمر بن العلاء، وكان من أعلم الناس بحرب طبرستان، وهو الّذي يقول فيه الشاعر:
فقل للخليفة إن جئته … نصيحا ولا خير في المتهم
إذا أيقظتك حروب العدي … فنبه لها عمرا ثم نم
فتى لا ينام على دمنة … ولا يشرب الماء إلا بدم
فلما تواقفت الجيوش على طبرستان فتحوها وحصروا الأصبهبذ حتى ألجئوه إلى قلعته فصالحهم على ما فيها من الذخائر، وكتب المهدي إلى أبيه بذلك، ودخل الأصبهبذ بلاد الديلم فمات هناك. وكسروا أيضا ملك الترك الّذي يقال له المصمغان، وأسروا أمما من الذراري، فهذا فتح طبرستان الأول.
وفيها فرغ بناء المصيصة على يدي جبريل بن يحيى الخراساني، وفيها رابط محمد بن إبراهيم الامام ببلاد ملطية. وفيها عزل المنصور زياد بن عبيد الله عن إمرة الحجاز وولى المدينة محمد بن خالد القسري وقدمها في رجب. وولى مكة والطائف الهيثم بن معاوية العكي. وفيها توفى موسى بن كعب وهو على شرطة المنصور. وعلى مصر من كان عليها في السنة الماضية، ثم ولى مصر محمد بن الأشعث ثم عزله عنها وولى عليها نوفل بن الفرات. وحج بالناس فيها صالح بن على وهو نائب قنسرين وحمص ودمشق، وبقية البلاد عليها من ذكرنا في التي قبلها والله أعلم.
وفيها توفى أبان بن تغلب، وموسى بن عقبة، صاحب المغازي، وأبو إسحاق الشيباني في قول والله سبحانه أعلم.
ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومائة
فيها خلع عيينة بن موسى بن كعب نائب السند الخليفة، فجهز إليه العساكر صحبة عمر بن حفص ابن أبى صفرة، وولاه السند والهند، فحاربه عمر بن حفص وقهره على الأرض وتسلمها منه. وفيها نكث أصبهبذ طبرستان العهد الّذي كان بينه وبين المسلمين، وقتل طائفة ممن كان بطبرستان، فجهز إليه الخليفة الجيوش صحبة خازم بن خزيمة، وروح بن حاتم، ومعهم مرزوق أبو الخصيب، مولى المنصور، فحاصروه مدة طويلة، فلما أعياهم فتح الحصن الّذي هو فيه احتالوا عليه، وذلك أن أبا الخصيب قال: اضربونى واحلقوا رأسي ولحيتي، ففعلوا ذلك، فذهب إليه كأنه مغاضب للمسلمين قد ضربوه وحلقوا لحيته، فدخل الحصن ففرح به الأصبهبذ وأكرمه وقربه، وجعل أبو الخصيب يظهر له النصح والخدمة حتى خدعه، وحظي عنده جدا وجعله من جملة من يتولى فتح الحصن وغلقه، فلما تمكن من ذلك كاتب المسلمين وأعلمهم أنه في الليلة الفلانية يفتح لهم، فاقتربوا من الباب حتى
стр. 3261
أفتحه لكم، فلما كانت تلك الليلة فتح لهم باب الحصن فدخلوا فقتلوا من فيه من المقاتلة وسبوا الذرية وامتص الأصبهبذ خاتما مسموما فمات. وكان فيمن أسروا يومئذ أم منصور بن المهدي، وأم إبراهيم ابن المهدي، وكانتا من بنات الملوك الحسان.
وفيها بنى المنصور لأهل البصرة قبلتهم التي يصلون عندها بالجبان، وتولى بناءها سلمة بن سعيد ابن جابر نائب الفرات والأبلة. وصام المنصور شهر رمضان بالبصرة وصلى بالناس العيد في ذلك المصلى.
وفيها عزل المنصور نوفل بن الفرات عن إمرة مصر وولى عليها حميد بن قحطبة. وحج بالناس فيها إسماعيل بن على. وفيها توفى سليمان بن على بن عبد الله بن عباس عم الخليفة ونائب البصرة. كان ذلك يوم السبت لسبع بقين من جمادى الآخرة، وهو ابن تسع وخمسين سنة، وصلى عليه أخوه عبد الصمد. روى عن أبيه وعكرمة وأبى بردة بن أبى موسى. وعنه جماعة منهم بنوه جعفر، ومحمد، وزينب والأصمعي. وكان قد شاب وهو ابن عشرين سنة وخضب لحيته من الشيب في ذلك السن، وكان كريما جوادا ممدحا. كان يعتق عشية عرفة في كل سنة مائة نسمة، وبلغت صلاته لبني هاشم وسائر قريش والأنصار خمسة آلاف ألف واطلع يوما من قصره فرأى نسوة يغزلن في دار من دور البصرة، فاتفق في نظره هذا إليهن أن قالت واحدة منهن: لو أن الأمير نظر إلينا واطلع على حالنا فأغنانا عن الغزل؟ فنهض من فوره فجعل يدور في قصره ويجمع من حلى نسائه من الذهب والجواهر وغيرها ما ملأ به منديلا كبيرا، ثم دلاه إليهن ونثر عليهنّ من الدنانير والدراهم شيئا كثيرا، فماتت إحداهن من شدة الفرح، فأعطى ديتها وما تركته من ذلك لورثتها. وقد ولى الحج في أيام السفاح، وولى البصرة أيام المنصور، وكان من خيار بنى العباس، وهو أخو إسماعيل وداود وصالح وعبد الصمد وعبد الله وعيسى ومحمد، وهو عم السفاح والمنصور.
وممن توفى فيها من الأعيان خالد الحذاء، وعاصم الأحول، وعمرو بن عبيد القدري في قول.
وهو عمرو بن عبيد بن ثوبان، ويقال ابن كيسان، التيمي مولاهم أبو عثمان البصري، من أبناء فارس، شيخ القدرية والمعتزلة. روى الحديث عن الحسن البصري وعبيد الله بن أنس، وأبى العالية وأبى قلابة، وعنه الحمادان وسفيان بن عيينة والأعمش - وكان من أقرانه - وعبد الوارث ابن سعيد، وهارون بن موسى، ويحيى القطان، ويزيد بن زريع. قال الامام أحمد بن حنبل: ليس بأهل أن يحدث عنه. وقال على بن المديني ويحيى بن معين: ليس بشيء، وزاد ابن معين وكان رجل سوء وكان من الدهرية الذين يقولون إنما الناس مثل الزرع. وقال الفلاس: متروك صاحب بدعة. كان يحيى القطان يحدثنا عنه ثم تركه وكان ابن مهدي لا يحدث عنه. وقال أبو حاتم: متروك.
وقال النسائي ليس بثقة. وقال شعبة عن يونس بن عبيد: كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث.
стр. 3262
وقال حماد بن سلمة: قال لي حميد: لا تأخذ عنه فإنه كان يكذب على الحسن البصري. وكذا قال أيوب وعوف وابن عون. وقال أيوب: ما كنت أعد له عقلاء، وقال مطر الوراق: والله لا أصدقه في شيء. وقال ابن المبارك: إنما تركوا حديثه لأنه كان يدعو إلى القدر. وقد ضعفه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل، وأثنى عليه آخرون في عبادته وزهده وتقشفه. قال الحسن البصري: هذا سيد شباب القراء ما لم يحدث. قالوا: فأحدث والله أشد الحدث. وقال ابن حبان: كان من أهل الورع والعبادة إلى أن أحدث ما أحدث واعتزل مجلس الحسن هو وجماعة معه فسموا المعتزلة، وكان يشتم الصحابة ويكذب في الحديث، وهما لا تعمدا. وقد روى عنه أنه قال: إن كانت تبت يدا أبى لهب في اللوح المحفوظ فما تعد منه على ابن آدم حجة. وروى له حديث ابن مسعود: حدثنا الصادق المصدوق «ان خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يوما» حتى قال: «فيؤمر بأربع كلمات. رزقه وأجله، وعمله، وشقي أم سعيد» إلى آخره. فقال: لو سمعت الأعمش يرويه لكذبته، ولو سمعته من زيدين وهب لما أحببته، ولو سمعته من ابن مسعود لما قبلته، ولو سمعته من رسول الله ﷺ لرددته، ولو سمعت الله يقول هذا لقلت ما على هذا أخذت علينا الميثاق. وهذا من أقبح الكفر، لعنه الله إن كان قال هذا. وإذا كان مكذوبا عليه فعلى من كذبه عليه ما يستحقه وقد قال عبد الله ابن المبارك ﵀:
أيها الطالب علما … إيت حماد بن زيد
فخذ العلم بحلم … ثم قيده بقيد
وذر البدعة من … آثار عمرو بن عبيد
وقال ابن عدي: كان عمرو يغر الناس بتقشفه، وهو مذموم ضعيف الحديث جدا، معلن بالبدع. وقال الدار قطنى: ضعيف الحديث. وقال الخطيب البغدادي: جالس الحسن واشتهر بصحبته ثم أزاله [واصل بن عطاء عن مذهب أهل السنة وقال بالقدر ودعا إليه، واعتزل أصحاب الحديث، وكان له سمت وإظهار زهد. وقد قيل: إنه] (١) وواصل بن عطاء ولدا سنة ثمانين، وحكى البخاري أن عمرا مات سنة ثنتين أو ثلاث وأربعين ومائة بطريق مكة، وقد كان عمرو محظيا عند أبى جعفر المنصور، كان المنصور يحبه ويعظمه لأنه كان يفد على المنصور مع القراء فيعطيهم المنصور فيأخذون، ولا يأخذ عمرو منه شيئا، وكان يسأله أن يقبل كما يقبل أصحابه فلا يقبل منه، فكان ذلك مما يغر المنصور ويروج به عليه حاله، لأن المنصور كان بخيلا وكان يعجبه ذلك منه وينشد:
كلكم يمشي رويد … كلكم يطلب صيد … غير عمرو بن عبيد
ولو تبصر المنصور لعلم أن كل واحد من أولئك القراء خير من ملء الأرض مثل عمرو بن عبيد،
стр. 3263
والزهد لا يدل على صلاح، فان بعض الرهبان قد يكون عنده من الزهد ما لا يطيقه عمرو ولا كثير من المسلمين في زمانه. وقد روينا عن إسماعيل بن خالد القعنبي قال: رأيت الحسن بن جعفر في المنام بعد ما مات بعبادان فقال لي: أيوب ويونس وابن عون في الجنة. قلت: فعمرو بن عبيد؟ قال: في النار. ثم رآه مرة ثانية ويروى ثالثة، فيسأله فيقول له مثل ذلك. وقد رئيت له منامات قبيحة، وقد أطال شيخنا في تهذيبه في ترجمته ولخصنا حاصلها في كتابنا التكميل، وأشرنا هاهنا إلى نبذ من حاله ليعرف فلا يغتر به والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائة
فيها ندب المنصور الناس إلى غزو الديلم، لأنهم قتلوا من المسلمين خلقا، وأمر أهل الكوفة والبصرة من كان منهم يقدر على عشرة آلاف فصاعدا فليذهب مع الجيش إلى الديلم، فانتدب خلق كثير وجم غفير لذلك. وحج بالناس فيها عيسى بن موسى نائب الكوفة وأعمالها. وفيها توفى حجاج الصواف، وحميد بن رؤبة الطويل، وسليمان بن طرخان التيمي، وقد ذكرناه في التي قبلها، وعمرو بن عبيد في قول، وليث بن أبى سليم على الصحيح. ويحيى بن سعيد الأنصاري.
ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائة
فيها سار محمد بن أبى العباس السفاح عن أمر عمه المنصور إلى بلاد الديلم ومعه الجيوش من الكوفة والبصرة وواسط والموصل والجزيرة. وفيها قدم محمد بن جعفر المنصور والمهدي على أبيه من بلاد خراسان ودخل بابنة عمة رائطة بنت السفاح بالحيرة. وفيها حج بالناس أبو جعفر المنصور واستخلف على الحيرة والعسكر خازم بن خزيمة، وولى رباح بن عثمان المزني المدينة وعزل عنها محمد بن خالد القسري، وتلقى الناس أبا جعفر المنصور إلى أثناء طريق مكة في حجه في سنة أربع وأربعين ومائة. وكان في جملة من تلقاه عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب، فأجلسه المنصور معه على السماط، ثم جعل يحادثه بإقبال زائد بحيث إن المنصور اشتغل بذلك عن عامة غدائه، وسأله عن ابنيه إبراهيم ومحمد لم لا جا آنى مع الناس؟ فحلف عبد الله بن حسن أنه لا يدرى أين صارا من أرض الله. وصدق في ذلك، وما ذاك إلا أن محمد بن عبد الله بن حسن كان قد بايعه جماعة من أهل الحجاز في أواخر دولة مروان الحمار بالخلافة وخلع مروان، وكان في جملة من بايعه على ذلك أبو جعفر المنصور، وذلك قبل تحويل الدولة إلى بنى العباس، فلما صارت الخلافة إلى أبى جعفر المنصور خاف محمد بن عبد الله بن الحسن وأخوه إبراهيم منه خوفا شديدا.
وذلك لأن المنصور توهم منهما أنهما لا بدّ أن يخرجا عليه كما أرادا أن يخرجا على مروان، والّذي توهم منه المنصور وقع فيه، فذهبا هربا في البلاد الشاسعة فصارا إلى اليمن، ثم سارا إلى الهند فاختفيا
стр. 3264
بها، فدل على مكانهما الحسن بن زيد فهربا إلى موضع آخر، فاستدل عليه الحسن بن زيد ودل عليهما، ثم كذلك. وانتصب إلبا عليهما عند المنصور. والعجب منه أنه من أتباعهما. واجتهد المنصور بكل طريق على تحصيلهما فلم يتفق له ذلك، وإلى الآن. فلما سأل أباهما عنهما حلف أنه لا يدرى أين صارا من أرض الله، ثم ألح المنصور على عبد الله في طلب ولديه فغضب عبد الله من ذلك وقال: والله لو كانا تحت قدمي ما دللتك عليهما. فغضب المنصور وأمر بسجنه وأمر ببيع رقيقه وأمواله، فلبث في السجن ثلاث سنين، وأشاروا على المنصور بحبس بنى حسن عن آخرهم فحبسهم، وجد في طلب إبراهيم ومحمد جدا، وهذا وهما يحضران الحج في غالب السنين ويكمنان في المدينة في غالب الأوقات، ولا يشعر بهما من يتمّ عليهما ولله الحمد. والمنصور يعزل نائبا عن المدينة ويولى عليها غيره ويحرضه على إمساكهما والفحص عنهما، وبذل الأموال في طلبهما، وتعجزه المقادير عنهما لما يريد الله .
وقد واطأهما على أمرهما أمير من أمراء المنصور يقال له أبو العساكر خالد بن حسان، فعزموا في بعض الحجات على الفتك بالمنصور بين الصفا والمروة، فنهاهم عبد الله بن الحسن لشرف البقعة.
وقد اطلع المنصور على ذلك وعلم بما مالأهما ذلك الأمير، فعذبه حتى أقر بما كانوا تمالئوا عليه من الفتك به. فقال: وما الّذي صرفكم عن ذلك؟ فقال: عبد الله بن حسن نهانا عن ذلك، فأمر به الخليفة فغيّب في الأرض فلم يظهر حتى الآن. وقد استشار المنصور من يعلم من أمرائه ووزرائه من ذوى الرأى في أمر ابني عبد الله بن حسن، وبعث الجواسيس والقصاد في البلاد فلم يقع لهما على خبر، ولا ظهر لهما على عين ولا أثر، والله غالب على أمره. وقد جاء محمد بن عبد الله بن حسن إلى أمه فقال يا أمه! إني قد شفقت على أبى وعمومتي، ولقد هممت أن أضع يدي في يد هؤلاء لأريح أهلي. فذهبت أمه إلى السجن فعرضت عليهم ما قال ابنها، فقالوا: لا ولا كرامة، بل نصبر على أمره فلعل الله أن يفتح على يديه خيرا، ونحن نصبر وفرجنا بيد الله إن شاء فرج عنا، وإن شاء ضيق. وتمالئوا كلهم على ذلك ﵏.
وفيها نقل آل حسن من حبس المدينة إلى حبس بالعراق وفي أرجلهم القيود، وفي أعناقهم الأغلال. وكان ابتداء تقييدهم من الرَّبَذَة بأمر أبى جعفر المنصور، وقد أشخص معهم محمد بن عبد الله العثماني، وكان أخا عبد الله بن حسن لأمه، وكانت ابنته تحت إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وقد حملت قريبا، فاستحضره الخليفة وقال: قد حلفت بالعتاق والطلاق إنك لم تغشني، وهذه ابنتك حامل، فان كان من زوجها فقد حبلت منه وأنت تعلم به، وإن كان من غيره فأنت ديوث. فأجابه العثماني بجواب أحفظه به، فأمر به فجردت عنه ثيابه فإذا جسمه مثل الفضة النقية، ثم
стр. 3265
ضربه بين يديه مائة وخمسين سوطا، منها ثلاثون فوق رأسه، أصاب أحدها عينه فسالت، ثم رده إلى السجن وقد بقي كأنه عبد أسود من زرقة الضرب، وتراكم الدماء فوق جلده، فأجلس إلى جانب أخيه لأمه عبد الله بن حسن، فاستسقى ماء فما جسر أحد أن يسقيه حتى سقاه خراسانى من جملة الجلاوزة الموكلين بهم. ثم ركب المنصور هودجه وأركبوا أولئك في محامل ضيقة، وعليهم القيود والأغلال، فاجتاز بهم المنصور وهو في هودجه، فناداه عبد الله بن حسن: والله يا أبا جعفر ما هكذا صنعنا بأسرائكم يوم بدر، فأخسا ذلك المنصور وثقل عليه ونفر عنهم. ولما انتهوا إلى العراق حبسوا بالهاشمية، وكان فيهم محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وكان جميلا فتيا، فكان الناس يذهبون لينظروا إلى حسنه وجماله. وكان يقال له: الديباج الأصفر، فأحضره المنصور بين يديه وقال له:
أما لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا. ثم ألقاه بين أسطوانتين وسد عليه حتى مات. فعلى المنصور ما يستحقه من عذاب الله ولعنته. وقد هلك كثير منهم في السجن حتى فرج عنهم بعد هلاك المنصور على ما سنذكره. فكان فيمن هلك في السجن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب، وقد قيل والأظهر أنه قتل صبرا، وأخوه إبراهيم بن الحسن وغيرهما، وقل من خرج منهم من الحبس، وقد جعلهم المنصور في سجن لا يسمعون فيه أذانا، ولا يعرفون فيه وقت صلاة إلا بالتلاوة، ثم بعث أهل خراسان يشفعون في محمد بن عبد الله العثماني، فأمر به فضربت عنقه وأرسل برأسه إلى أهل خراسان، لا جزاه الله خيرا، ورحم الله محمد بن عبد الله العثماني.
وهو محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الأموي ﵀، أبو عبد الله المدني المعروف بالديباج، لحسن وجهه. وأمه فاطمة بنت الحسين بن على، روى الحديث عن أبيه وأمه وخارجة بن زيد وطاوس وأبى الزناد والزهري ونافع وغيرهم، وحدث عنه جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان، وكان أخا عبد الله بن حسن لأمه، وكانت ابنته رقية زوجة ابن أخيه إبراهيم بن عبد الله، وكانت من أحسن النساء، وبسببها قتله أبو جعفر المنصور في هذه السنة. وكان كريما جوادا ممدحا. قال الزبير بن بكار: أنشدنى سليمان بن عباس السعدي لأبى وجرة السعدي يمدحه.
وجدنا المحض الاّ بيض من قريش … فتى بين الخليفة والرسول
أتاك المجد من هنا وهناك … وكنت له بمعتلج السيول
فما للمجد دونك من مبيت … وما للمجد دونك من مقيل
ولا يمضى وراءك يبتغيه … ولا هو قابل بك من بديل
ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائة
فمما كان فيها من الأحداث مخرج محمد بن عبد الله بن حسن بالمدينة وأخيه إبراهيم بالبصرة،
стр. 3266
على ما سنبينه إن شاء الله. أما محمد فإنه خرج على أثر ذهاب أبى جعفر المنصور بأهله بنى حسن من المدينة إلى العراق على الصفة والنعت الّذي تقدم ذكره، وسجنهم في مكان ساء مستقرا ومقاما، لا يسمعون فيه أذانا ولا يعرفون فيه دخول أوقات صلوات إلا بالأذكار والتلاوة. وقد مات أكثر أكابرهم هنالك ﵏. هذا كله ومحمد الّذي يطلبه مختف بالمدينة، حتى أنه في بعض الأحيان اختفى في بئر نزل في مائة كله إلا رأسه، وباقيه مغمور بالماء، وقد تواعد هو وأخوه وقتا معينا يظهران فيه، هو بالمدينة وإبراهيم بالبصرة، ولم يزل الناس - أهل المدينة وغيرهم - يؤنبون محمد بن عبد الله في اختفائه وعدم ظهوره حتى عزم على الخروج، وذلك لما أضرّ به شدة الاختفاء وكثرة إلحاح رياح نائب المدينة في طلبه ليلا ونهارا، فلما اشتد به الأمر وضاق الحال واعد أصحابه على الظهور في الليلة الفلانية، فلما كانت تلك الليلة جاء بعض الوشاة إلى متولى المدينة فأعلمه بذلك، فضاق ذرعا وانزعج لذلك انزعاجا شديدا، وركب في جحافلة فطاف بالمدينة وحول دار مروان، وهم مجتمعون بها، فلم يشعر بهم. فلما رجع إلى منزله بعث إلى بنى حسين بن على فجمعهم ومعهم رءوس من سادات قريش وغيرهم، فوعظهم وأنّبهم وقال: يا معشر أهل المدينة، أمير المؤمنين يتطلب هذا الرجل في المشارق والمغارب وهو بين أظهركم، ثم ما كفاكم حتى بايعتموه على السمع والطاعة؟ والله لا يبلغني عن أحد منكم خرج معه إلا ضربت عنقه. فأنكر الذين هم هنالك حاضرون أن يكون عندهم علم أو شعور بشيء من هذا، وقالوا: نحن نأتيك برجال مسلحين يقاتلون دونك إن وقع شيء من ذلك.
فنهضوا فجاءوه بجماعة مسلحين فاستأذنوه في دخولهم عليه، فقال: لا إذن لهم، إني أخشى أن يكون ذلك خديعة. فجلس أولئك على الباب ومكث الناس جلوسا حول الأمير وهو واجم لا يتكلم إلا قليلا حتى ذهبت طائفة من الليل، ثم ما فجئ الناس إلا وأصحاب محمد بن عبد الله قد ظهروا وأعلنوا بالتكبير، فانزعج الناس في جوف الليل، وأشار بعض الناس على الأمير أن يضرب أعناق بنى حسين، فقال أحدهم: علام ونحن مقرون بالطاعة؟ واشتغل الأمير عنهم بما فجأه من الأمر، فاغتنموا الغفلة ونهضوا سراعا فتسوروا جدار الدار وألقوا أنفسهم على كناسة هنالك.
وأقبل محمد بن عبد الله بن حسن في مائتين وخمسين، فمر بالسجن فأخرج من فيه، وجاء دار الامارة فحاصرها فافتتحها ومسك الأمير رياح بن عثمان نائب المدينة فسجنه في دار مروان، وسجن معه ابن مسلم بن عقبة، وهو الّذي أشار بقتل بنى حسين في أول هذه الليلة فنجوا وأحيط به. وأصبح محمد بن عبد الله بن حسن وقد استظهر على المدينة ودان له أهلها، فصلى بالناس الصبح وقرأ فيها سورة إنا فتحنا لك فتحا مبينا. وأسفرت هذه الليلة عن مستهل رجب من هذه السنة. وقد خطب محمد بن عبد الله أهل المدينة في هذا اليوم، فتكلم في بنى العباس وذكر عنهم أشياء ذمهم
стр. 3267
بها، وأخبرهم أنه لم ينزل بلدا من البلدان إلا وقد بايعوه على السمع والطاعة، فبايعه أهل المدينة كلهم إلا القليل.
وقد روى ابن جرير عن الامام مالك أنه أفتى الناس بمبايعته، فقيل له فان في أعناقنا بيعة للمنصور، فقال: إنما كنتم مكرهين وليس لمكره بيعة. فبايعه الناس عند ذلك عن قول مالك، ولزم مالك بيته. وقد قال له إسماعيل بن عبد الله بن جعفر حين دعاه إلى بيعته: يا ابن أخى إنك مقتول. فارتدع بعض الناس عنه واستمر جمهورهم معه، فاستناب عليهم عثمان بن محمد بن خالد بن الزبير، وعلى قضائها عبد العزيز بن المطلب بن عبد الله المخزومي، وعلى شرطتها عثمان بن عبد الله ابن عمر بن الخطاب، وعلى ديوان العطاء عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن مسور بن مخرمة، وتلقب بالمهديّ طمعا أن يكون هو المذكور في الأحاديث فلم يكن به، ولا تم له ما رجاه ولا ما تمناه، فانا لله.
وقد ارتحل بعض أهل المدينة عنها ليلة دخلها، فطوى المراحل البعيدة إلى المنصور في سبع ليال، فورد عليه فوجده نائما في الليل، فقال للربيع الحاجب: استأذن على الخليفة، فقال: إنه لا يوقظ في هذه الساعة. فقال: إنه لا بدّ من ذلك فأخبر الخليفة فخرج فقال: ويحك! ما وراءك؟ فقال:
إنه خرج ابن حسن بالمدينة. فلم يظهر المنصور لذلك اكتراثا وانزعاجا، بل قال: أنت رأيته؟ قال:
نعم! فقال: هلك والله وأهلك معه من اتبعه. ثم أمر بالرجل فسجن، ثم جاءت الأخبار بذلك فتواترت، فأطلقه المنصور وأطلق له عن كل ليلة ألف درهم فأعطاه سبعة آلاف درهم.
ولما تحقق المنصور الأمر من خروجه ضاق ذرعا، فقال له بعض المنجمين: يا أمير المؤمنين لا عليك منه، فو الله لو ملك الأرض بحذافيرها فإنه لا يقيم أكثر من سبعين يوما. ثم أمر المنصور جميع رءوس الأمراء أن يذهبوا إلى السجن فيجتمعوا بعبد الله بن حسن - والد محمد - فيخبروه بما وقع من خروج ولده ويسمعوا ما يقول لهم. فلما دخلوا عليه أخبروه بذلك فقال: ما ترون ابن سلامة فاعلا؟ - يعنى المنصور - فقالوا: لا ندري. فقال: والله لقد قتل صاحبكم البخل ينبغي له أن ينفق الأموال ويستخدم الرجال، فان ظهر فاسترجاع ما أنفق سهل، وإلا لم يكن لصاحبكم شيء في الخزائن وكان ما خزن لغيره. فرجعوا إلى الخليفة فأخبروه بذلك، وأشار الناس على الخليفة بمناجزته، فاستدعى عيسى بن موسى فندبه إلى ذلك، ثم قال: إني سأكتب إليه كتابا أنذره به قبل قتاله فكتب إليه:
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾! من عبد الله بن عبد الله أمير المؤمنين، إلى محمد بن عبد الله: ﴿إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً﴾ الآية، إلى قوله ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم قال: فلك عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله، إن أنت رجعت إلى الطاعة لأؤمننك
стр. 3268
ومن اتبعك، ولأعطينك ألف ألف درهم، ولأدعنك تقيم في أحب البلاد إليك، ولأقضين لك جميع حوائجك، في كلام طويل. فكتب إليه محمد جواب كتابه:
من عبد الله المهدي محمد بن عبد الله بن حسن. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * طسم * تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ، * نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ، * إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ، * وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ﴾ ثم قال: وإني أعرض عليك من الأمان مثل ما عرضت عليّ، فأنا أحق بهذا الأمر منكم، وأنتم إنما وصلتم إليه بنا، فان عليا كان الوصىّ وكان الامام، فكيف ورثتم ولايته وولده أحياء؟ ونحن أشرف أهل الأرض نسبا، فرسول الله خير الناس وهو جدنا، وجدتنا خديجة وهي أفضل زوجاته، وفاطمة ابنته أمنّا وهي أكرم بناته، وإن هاشما ولد عليا مرتين، وإن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، وهو وأخوه سيدا شباب أهل الجنة، وإن رسول الله ﷺ ولد أبى مرتين، وإني أوسط بنى هاشم نسبا، [وأصرحهم أبا، لم تعرّق فىّ العجم. ولم تنازع فىّ أمهات الأولاد] (١) فانا ابن أرفع الناس درجة في الجنة، وأخفهم عذابا في النار. فانا أولى بالأمر منك، وأولى بالعهد وأو في به منك، فإنك تعطى العهد ثم تنكث ولا تفي، كما فعلت بابن هبيرة فإنك أعطيته العهد ثم غدرت به، ولا أشد عذابا من إمام غادر، وكذلك فعلت بعمك عبد الله بن على، وأبى مسلم الخراساني. [ولو أعلم أنك تصدق لأجبتك لما دعوتني إليه، ولكن الوفاء بالعهد من مثلك لمثلي بعيد والسلام] (٢).
فكتب إليه أبو جعفر جواب ذلك في كتاب طويل حاصله: أما بعد فقد قرأت كتابك فإذا جل فخرك وإدلالك قرابة النساء لتضل به الجفاة والغوغاء، ولم يجعل الله النساء كالعمومة والآباء، ولا كالعصبية والأولياء، وقد أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ وكان له حينئذ أربعة أعمام، فاستجاب له اثنان أحدهما جدنا، وكفر اثنان أحدهما أبوك - يعنى جده أبا طالب - فقطع الله ولايتهما منه، ولم يجعل بينهما إلاّ ولا ذمة، وقد أنزل الله في عدم إسلام أبى طالب ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ وقد فخرت به وأنه أخف أهل النار عذابا، وليس في الشر خيار، ولا ينبغي لمؤمن أن يفخر بأهل النار، وفخرت بأن عليا ولده هاشم مرتين. وأن حسنا ولده عبد المطلب مرتين، فهذا رسول الله ﷺ إنما ولده عبد الله مرة واحدة، وقولك إنك لم تلدك أمهات أولاد، فهذا إبراهيم ابن رسول الله ﷺ من مارية، وهو خير منك، وعلى بن الحسن من أم ولد وهو خير منك، وكذلك ابنه محمد بن على، وابنه جعفر بن محمد، جداتهما أمهات أولاد وهما خير منك،
стр. 3269
وأما قولك بنو رسول الله ﷺ فقد قال تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ﴾ وقد جاءت السنة التي لا خلاف فيها بين المسلمين أن الجد أبا الأم والخال والخالة لا يورثون، ولم يكن لفاطمة ميراث من رسول الله ﷺ بنص الحديث، وقد مرض رسول الله ﷺ وأبوك حاضر فلم يأمره بالصلاة بالناس، بل أمر غيره. ولما توفى لم يعدل الناس بأبي بكر وعمر أحدا، ثم قدموا عليه عثمان في الشورى والخلافة، ثم لما قتل عثمان اتهمه بعضهم به، وقاتله طلحة والزبير على ذلك، وامتنع سعد من مبايعته ثم بعد ذلك معاوية، ثم طلبها أبوك وقاتل عليها الرجال، ثم اتفق على التحكيم فلم يف به، ثم صارت إلى الحسن فباعها بخرق ودراهم، وأقام بالحجاز يأخذ مالا من غير حله، وسلم الأمر إلى غير أهله، وترك شيعته في أيدي بنى أمية ومعاوية. فان كانت لكم فقد تركتموها وبعتموها بثمنها. ثم خرج عمك حسين على ابن مرجانة وكان الناس معه عليه حتى قتلوه وأتوا برأسه إليه، ثم خرجتم على بنى أمية فقتلوكم وصلبوكم على جذوع النخل، وحرقوكم بالنار، وحملوا نساءكم على الإبل كالسبايا إلى الشام، حتى خرجنا عليهم نحن فأخذنا بثأركم، وأدركنا بدمائكم، وأورثناكم أرضهم وديارهم، وذكرنا فضل سلفكم، فجعلت ذلك حجة علينا، وظننت أنا إنما ذكرنا فضله على أمثاله على حمزة والعباس وجعفر، وليس الأمر كما زعمت، فان هؤلاء مضوا ولم يدخلوا في الفتن، وسلموا من الدنيا فلم تنقصهم شيئا، فاستوفوا ثوابهم كاملا، وابتلى بذلك أبوك. وكانت بنو أمية تلعنه كما تلعن الكفرة في الصلوات المكتوبات، فأحيينا ذكره وذكرنا فضله وعنفناهم بما نالوا منه، وقد علمت أن مكرمتنا في الجاهلية بسقاية الحجيج الأعظم، وخدمة زمزم، وحكم رسول الله ﷺ لنا بها.
ولما قحط الناس زمن عمر استسقى بأبينا العباس، وتوسل به إلى ربه وأبوك حاضر، وقد علمت أنه لم يبق أحد من بنى عبد المطلب بعد رسول الله ﷺ إلا العباس، فالسقاية سقايته، والوراثة وراثته، والخلافة في ولده، فلم يبق شرف في الجاهلية والإسلام إلا والعباس وارثه ومورثه، في كلام طويل فيه بحث ومناظرة وفصاحة. وقد استقصاه ابن جرير بطوله والله سبحانه أعلم.
فصل
في ذكر مقتل محمد بن عبد الله بن حسن
بعث محمد بن عبد الله بن حسن في غبون ذلك رسولا إلى أهل الشام يدعوهم إلى بيعته وخلافته فأبوا قبول ذلك منه، وقالوا: قد ضجرنا من الحروب ومللنا من القتال. وجعل يستميل رءوس أهل المدينة، فمنهم من أجابه ومنهم من امتنع عليه، وقال له بعضهم: كيف أبايعك وقد ظهرت في بلد ليس فيه مال تستعين به على استخدام الرجال؟ ولزم بعضهم منزله فلم يخرج حتى قتل محمد. وبعث محمد هذا الحسين بن معاوية في سبعين رجلا ونحوا من عشرة فوارس إلى مكة نائبا إن هو دخلها
стр. 3270
فساروا إليها، فلما بلغ أهلها قدومهم خرجوا إليهم في ألوف من المقاتلة، فقال لهم الحسين بن معاوية:
علام تقاتلون وقد مات أبو جعفر؟ فقال السري بن عبد الله زعيم أهل مكة: إن بردة جاءتنا من أربع ليال وقد أرسلت إليه كتابا فأنا أنتظر جوابه إلى أربع، فان كان ما تقولون حقا سلمتكم البلد وعليّ مؤنة رجالكم وخيلكم. فامتنع الحسن بن معاوية من الانتظار وأبى إلا المناجزة، وحلف لا يبيت الليلة إلا بمكة، إلا أن يموت. وأرسل إلى السري أن ابرز من الحرم إلى الحل حتى لا تراق الدماء في الحرم. فلم يخرج، فتقدموا إليهم فصافّوهم فحمل عليه الحسن وأصحابه حملة واحدة فهزموهم وقتلوا منهم نحو سبعة، ودخلوا مكة. فلما أصبحوا خطب الحسن بن معاوية الناس وأغراهم بأبي جعفر، ودعاهم إلى محمد بن عبد الله بن حسن المهدي.
ذكر خروج أخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن
وظهر بالبصرة أيضا إبراهيم بن عبد الله بن حسن، وجاء البريد إلى أخيه محمد فانتهى إليه ليلا فاستؤذن له عليه وهو بدار مروان فطرق بابها. فقال: اللهمّ إني أعوذ بك من شر طوارق الليل والنهار إلا طارقا يطرق بخير يا رحمان. ثم خرج فأخبر أصحابه عن أخيه فاستبشروا جدا وفرحوا كثيرا، وكان يقول للناس بعد صلاة الصبح والمغرب: ادعوا الله لإخوانكم أهل البصرة، وللحسين ابن معاوية بمكة، واستنصروه على أعدائكم.
وأما ما كان من المنصور فأنه جهز الجيوش إلى محمد بن عبد الله بن حسن، صحبة عيسى بن موسى عشرة آلاف فارس من الشجعان المنتخبين، منهم محمد بن أبى العباس السفاح وجعفر بن حنظلة البهراني، وحميد بن قحطبة، وكان المنصور قد استشاره فيه فقال: يا أمير المؤمنين ادع بمن شئت ممن تثق به من مواليك فابعث بهم إلى وادي القرى يمنعونهم من ميرة الشام، فيموت هو ومن معه جوعا، فإنه ببلد ليس فيه مال ولا رجال ولا كراع ولا سلاح. وقدم بين يديه كثير بن الحصين العبديّ وقد قال المنصور لعيسى بن موسى حين ودعه: يا عيسى! إني أبعثك إلى جنبي هذين، فان ظفرت بالرجل فشم سيفك وناد في الناس بالأمان. وإن تغيب فضمنهم إياه حتى يأتوك به، فإنهم أعلم بمذاهبه. وكتب معه كتبا إلى رؤساء قريش والأنصار من أهل المدينة يدفعها إليهم خفية يدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة. فلما اقترب عيسى بن موسى من المدينة بعث الكتب مع رجل فأخذه حرس محمد بن عبد الله بن حسن فوجدوا معه تلك الكتب فدفعوها إلى محمد فاستحضر جماعة من أولئك فعاقبهم وضربهم ضربا شديدا وقيدهم قيودا ثقالا، وأودعهم السجن. ثم إن محمدا استشار أصحابه بالقيام بالمدينة حتى يأتى عيسى بن موسى فيحاصرهم بها، أو أنه يخرج بمن معه فيقاتل أهل العراق؟ فمنهم من أشار بهذا، ومنهم من أشار بذاك، ثم اتفق الرأى على المقام بالمدينة، لأن رسول
стр. 3271
الله ﷺ ندم يوم أحد على الخروج منها، ثم اتفقوا على حفر خندق حول المدينة كما فعل رسول الله ﷺ يوم الأحزاب، فأجاب إلى ذلك كله، وحفر مع الناس في الخندق بيده اقتداء برسول الله ﷺ ، وقد ظهر لهم لبنة من الخندق الّذي حفره رسول الله ﷺ ، ففرحوا بذلك وكبروا وبشروه بالنصر. وكان محمد حاضرا عليه قباء أبيض وفي وسطه منطقة، وكان شكلا ضخما أسمر عظيم الهامة.
ولما نزل عيسى بن موسى الأعوص واقترب من المدينة، صعد محمد بن عبد الله المنبر فخطب الناس وحثهم على الجهاد - وكانوا قريبا من مائة ألف - فقال لهم في جملة ما قال: إني جعلتكم في حل من بيعتي، فمن أحب منتكم أن يقيم عليها فعل. ومن أحب أن يتركها فعل. فتسلل كثير منهم أو أكثرهم عنه، ولم يبق إلا شرذمة قليلة معه، وخرج أكثر أهل المدينة بأهليهم منها لئلا يشهدوا القتال بها، فنزلوا الأعراض ورءوس الجبال. وقد بعث محمد أبا الليث ليردهم عن الخروج فلم يمكنه ذلك في أكثرهم، واستمروا ذاهبين. وقال محمد لرجل أتأخذ سيفا ورمحا وترد هؤلاء الذين خرجوا من المدينة؟ فقال: نعم إن أعطيتنى رمحا أطعنهم وهم بالأعراض، وسيفا أضربهم وهم في رءوس الجبال فعلت. فسكت محمد ثم قال لي: ويحك؟ إن أهل الشام والعراق وخراسان قد بيضوا يعنى لبسوا البياض - موافقة لي وخلعوا السواد فقال: وماذا ينفعني أن لو بقيت الدنيا زبدة بيضاء - وأنا في مثل صوفة الدواة، وهذا عيسى بن موسى نازل بالأعوص. ثم جاء عيسى بن موسى فنزل قريبا من المدينة، على ميل منها، فقال له دليله ابن الأصم: إني أخشى إذا كشفتموهم أن يرجعوا إلى معسكرهم سريعا قبل أن تدركهم الخيل. ثم ارتحل به فأنزله الجرف على سقاية سليمان بن عبد الملك على أربعة أميال من المدينة، وذلك يوم السبت لصبح اثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان من هذه السنة. وقال: إن الراجل إذا هرب لا يقدر على الهرولة أكثر من ميلين أو ثلاثة فتدركه الخيل.
وأرسل عيسى بن موسى خمسمائة فارس فنزلوا عند الشجرة في طريق مكة، وقال لهم هذا الرجل إن هرب فليس له ملجأ إلا مكة، فحولوا بينه وبينها. ثم أرسل عيسى إلى محمد يدعوه إلى السمع والطاعة لأمير المؤمنين المنصور، وأنه قد أعطاه الأمان له ولا هل بيته إن هو أجابه. فقال محمد للرسول: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتك. ثم بعث إلى عيسى بن موسى يقول له: إني أدعوك إلى كتاب الله وسنة رسوله، فاحذر أن تمتنع فأقتلك فتكون شر قتيل، أو تقتلني فتكون قتلت من دعاك إلى الله ورسوله. ثم جعلت الرسل تتردد بينهما ثلاثة أيام، هذا يدعو هذا، وهذا يدعو هذا.
وجعل عيسى بن موسى يقف في كل يوم من هذه الأيام الثلاثة على الثنية عند سلع فينادي: يا أهل المدينة إن دماءكم علينا حرام فمن جاءنا فوقف تحت رايتنا فهو آمن، ومن خرج من المدينة فهو آمن، ومن دخل داره فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، فليس لنا في قتالكم أرب، وإنما نريد محمدا
стр. 3272
وحده لنذهب به إلى الخليفة. فجعلوا يسبونه وينالون من أمه، ويكلمونه بكلام شنيع، ويخاطبونه مخاطبة فظيعة. وقالوا له: هذا ابن رسول الله ﷺ معنا ونحن معه، نقاتل دونه.
فلما كان اليوم الثالث أتاهم في خيل ورجال وسلاح ورماح لم ير مثلها، فناداه يا محمد! إن أمير المؤمنين أمرنى أن لا أقاتلك حتى أدعوك إلى الطاعة، فان فعلت أمنك وقضى دينك وأعطاك أموالا وأراضى، وإن أبيت قاتلتك فقد دعوتك غير مرة. فناداه محمد: إنه ليس لكم عندي إلا القتال. فنشبت الحرب حينئذ بينهم، وكان جيش عيسى بن موسى فوق أربعة آلاف، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة، وعلى ميمنته محمد بن السفاح، وعلى ميسرته داود بن كرار، وعلى الساقة الهيثم بن شعبة، ومعهم عدد لم ير مثلها. وفرق عيسى أصحابه في كل قطر طائفة. وكان محمد وأصحابه على عدة أصحاب أهل بدر، واقتتل الفريقان قتالا شديدا جدا، وترجل محمد إلى الأرض فيقال إنه قتل بيده من جيش عيسى بن موسى سبعين رجلا من أبطالهم، وأحاط بهم أهل العراق فقتلوا طائفة من أصحاب محمد بن عبد الله بن حسن، فاقتحموا عليهم الخندق الّذي كانوا حفروه وعملوا أبوابا على قدره، وقيل إنهم ردموه بحدائج الجمال حتى أمكنهم أن يجوزوه، وقد يكونون فعلوا هذا موضع منه، وهذا في موضع آخر والله أعلم.
ولم تزل الحرب ناشبة بينهم حتى صليت العصر. فلما صلى محمد العصر نزلوا إلى مسيل الوادي بسلع فكسر جفن سيفه وعقر فرسه وفعل أصحابه مثله وصبروا أنفسهم للقتال وحميت الحرب حينئذ جدا، فاستظهر أهل العراق ورفعوا راية سوداء فوق سلع، ثم دنوا إلى المدينة فدخلوها ونصبوا راية سوداء فوق مسجد رسول الله ﷺ .
فلما رأى ذلك أصحاب محمد تنادوا: أخذت المدينة، وهربوا وبقي محمد في شرذمة قليلة جدا.
ثم بقي وحده وليس معه أحد، وفي يده سيف صلت يضرب به من تقدم إليه، فكان لا يقوم له شيء إلا أنامه، حتى قتل خلقا من أهل العراق من الشجعان، ويقال إنه كان في يده يومئذ ذو الفقار ثم تكاثر عليه الناس فتقدم إليه رجل فضربه بسيفه تحت شحمة أذنه اليمنى فسقط لركبتيه وجعل يحمى نفسه ويقول: ويحكم ابن نبيكم مجروح مظلوم. وجعل حميد بن قحطبة يقول: ويحكم! دعوه لا تقتلوه، فأحجم عنه الناس وتقدم إليه حميد بن قحطبة فحز رأسه وذهب به إلى عيسى بن موسى فوضعه بين يديه. وكان حميد قد حلف أن يقتله متى رآه، فما أدركه إلا كذلك. ولو كان على حاله وقوته لما استطاعة حميد ولا غيره من الجيش.
وكان مقتل محمد بن عبد الله بن حسن عند أحجاز الزيت يوم الاثنين بعد العصر، لأربع عشرة ليلة خلت من رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وقال عيسى بن موسى لأصحابه حين وضع
стр. 3273
رأسه بين يديه: ما تقولون فيه؟ فنال منه أقوام وتكلموا فيه، فقال رجل: كذبتم والله! لقد كان صواما قواما، ولكنه خالف أمير المؤمنين وشق عصى المسلمين فقتلناه على ذلك. فسكتوا حينئذ.
وأما سيفه ذو الفقار فإنه صار إلى بنى العباس يتوارثونه حتى جربه بعضهم فضرب به كلبا فانقطع.
ذكره ابن جرير وغيره. وقد بلغ المنصور في غبون هذا الأمر أن محمدا فر من الحرب فقال: هذا لا يكون، فانا أهل بيت لا نفر.
وقال ابن جرير: حدثني عبد الله بن راشد حدثني أبو الحجاج قال: إني لقائم على رأس المنصور وهو يسألنى عن مخرج محمد، إذ بلغه أن عيسى بن موسى قد انهزم وكان متكئا فجلس فضرب بقضيب معه مصلاه وقال: كلا وأين لعب صبياننا بها على المنابر ومشورة النساء؟ ما أنى لذلك بعد.
وبعث عيسى بن موسى بالبشارة إلى المنصور مع القاسم بن الحسن وبالرأس مع ابن أبى الكرام، وأمر بدفن الجثة فدفن بالبقيع، وأمر بأصحابه الذين قتلوا معه فصلبوا صفين ظاهر المدينة ثلاثة أيام ثم طرحوا على مقبرة اليهود عند سلع. ثم نقلوا إلى خندق هناك. وأخذ أموال بنى حسن كلها فسوغها له المنصور، ويقال إنه ردها بعد ذلك إليهم، حكاه ابن جرير. ونودي في أهل المدينة بالأمان فأصبح الناس في أسواقهم، وترفع عيسى بن موسى في الجيش إلى الجرف من مطر أصاب الناس يوم قتل محمد، وجعل ينتاب المسجد من الجرف، وأقام بالمدينة إلى اليوم التاسع عشر من رمضان، ثم خرج منها قاصدا مكة وكان بها الحسن بن معاوية من جهة محمد، وكان محمد قد كتب إليه يقدم عليه، فلما خرج من مكة وكان ببعض الطريق تلقته الأخبار بقتل محمد، فاستمر فارا إلى البصرة إلى أخى محمد إبراهيم بن عبد الله، الّذي كان قد خرج بها ثم قتل بعد أخيه في هذه السنة على ما سنذكره.
ولما جيء المنصور برأس محمد بن عبد الله بن حسن فوضع بين يديه أمر به فطيف به في طبق أبيض ثم طيف به في الأقاليم بعد ذلك، ثم شرع المنصور في استدعاء من خرج مع محمد من أشراف أهل المدينة، فمنهم من قتله ومنهم من ضربه ضربا مبرحا، ومنهم من عفا عنه. ولما توجه عيسى إلى مكة استناب على المدينة كثير بن حصين، فاستمر بها شهرا حتى بعث المنصور على نيابتها عبد الله بن الربيع، فعاث جنده في المدينة فصاروا إذا اشتروا من الناس شيئا لا يعطونهم ثمنه، وإن طولبوا بذاك ضربوا المطالب وخوفوه بالقتل، فثار عليهم طائفة من السودان واجتمعوا ونفخوا في بوق لهم فاجتمع على صوته كل أسود في المدينة، وحملوا عليهم حملة واحدة وهم ذاهبون إلى الجمعة، لسبع بقين من ذي الحجة من هذه السنة، وقيل لخمس بقين من شوال منها، فقتلوا من الجند طائفة كثيرة بالمزاريق وغيرها، وهرب الأمير عبد الله بن الربيع وترك صلاة الجمعة. وكان رءوس السودان: وثيق ويعقل ورمقة وحديا وعنقود، ومسعر، وأبو النار. فلما رجع عبد الله بن الربيع ركب في جنوده
стр. 3274
والتقى مع السودان فهزموه أيضا فلحقوه بالبقيع فألقى لهم رداءه يشغلهم فيه حتى نجا بنفسه ومن اتبعه، فلحق ببطن نخل على ليلتين من المدينة، ووقع السودان على طعام للمنصور كان مخزونا في دار مروان قد قدم به في البحر فنهبوه ونهبوا ما للجند الذين بالمدينة من دقيق وسويق وغيره، وباعوا ذلك بأرخص ثمن. وذهب الخبر إلى المنصور بما كان من أمر السودان، وخاف أهل المدينة من معرة ذلك، فاجتمعوا وخطبهم ابن أبى سبرة - وكان مسجونا - فصعد المنبر وفي رجليه القيود، فحثهم على السمع والطاعة للمنصور، وخوفهم شر ما صنعه مواليهم، فاتفق رأيهم على أن يكفوا مواليهم ويفرقوهم ويذهبوا إلى أميرهم فيردوه إلى عمله، ففعلوا ذلك، فسكن الأمر وهدأ الناس وانطفأت الشرور، ورجع عبد الله بن الربيع إلى المدينة فقطع يد وثيق وأبى النار ويعقل ومسعر.
ذكر خروج إبراهيم بن عبد الله بن حسن بالبصرة وكيفية مقتله
كان إبراهيم قد هرب إلى البصرة فنزل في بنى ضبيعة من أهل البصرة، في دار الحارث بن عيسى، وكان لا يرى بالنهار، وكان قدومه إليها بعد أن طاف بلادا كثيرة جدا، وجرت عليه وعلى أخيه خطوب شديدة هائلة، وانعقد أسباب هلاكهما في أوقات متعددة، ثم كان آخر ما استقر أمره بالبصرة في سنة ثلاث وأربعين ومائة، بعد منصرف الحجيج. وقيل إن قدومه إليها كان في مستهل رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، بعثه أخوه إليها بعد ظهوره بالمدينة، قاله الواقدي. قال: وكان يدعو في السر إلى أخيه، فلما قتل أخوه أظهر الدعوة إلى نفسه في شوال من هذه السنة، والمشهور أنه قدمها في حياة أخيه ودعا إلى نفسه كما تقدم والله أعلم.
ولما قدم البصرة نزل عند يحيى بن زياد بن حسان النبطي، فاختفى عنده هذه المدة كلها، حتى ظهر في هذه السنة في دار أبى فروة، وكان أول من بايعه نميلة بن مرة، وعبد الله بن سفيان، وعبد الواحد بن زياد، وعمر بن سلمة الهجيمي، وعبيد الله بن يحيى بن حصين الرقاشيّ. وندبوا الناس إليه فاستجاب له خلق كثير فتحول إلى دار أبى مروان في وسط البصرة، واستفحل أمره، وبايعه فئام من الناس، وتفاقم الخطب به، وبلغ خبره إلى المنصور فازداد غما إلى غمه بأخيه محمد، وذلك لأنه ظهر قبل مقتل أخيه، وإنما كان سبب تعجيله الظهور كتاب أخيه إليه فامتثل أمره ودعا إلى نفسه، فانتظم أمره بالبصرة، وكان نائبها من جهة المنصور سفيان بن معاوية وكان ممالئا لإبراهيم هذا في الباطن، ويبلغه أخباره فلا يكترث بها، ويكذب من أخبره ويود أن يتضح أمر إبراهيم، وقد أمده المنصور بأميرين من أهل خراسان معهما ألفا فارس وراجل، فأنزلهما عنده ليتقوى بهما على محاربة إبراهيم، وتحول المنصور من بغداد - وكان قد شرع في عمارتها - إلى الكوفة، وجعل كلما اتهم رجلا من أهل الكوفة في أمر إبراهيم بعث إليه من يقتله في الليل في منزله، وكان الفرافصة
стр. 3275
العجليّ قد هم بالوثوب بالكوفة فلم يمكنه ذلك لمكان المنصور بها، وجعل الناس يقصدون البصرة من كل فج لمبايعة إبراهيم، ويفدون إليها جماعات وفرادى، وجعل المنصور يرصد لهم المسالح فيقتلونهم في الطريق ويأتونه برءوسهم فيصلبها بالكوفة ليتعظ بها الناس. وأرسل المنصور إلى حرب الراونديّ وكان مرابطا بالجزيرة في ألفى فارس لقتال الخوارج - يستدعيه إليه إلى الكوفة، فأقبل بمن معه فاجتاز ببلدة بها أنصار لإبراهيم فقالوا له: لا ندعك تجتاز، لأن المنصور إنما دعاك لقتال إبراهيم.
فقال: ويحكم! دعوني، فأبوا فقاتلهم فقتل منهم خمسمائة وأرسل برءوسهم إلى المنصور. فقال: هذا أول الفتح. ولما كانت ليلة الاثنين مستهل رمضان من هذه السنة، خرج إبراهيم في الليل إلى مقبرة بنى يشكر في بضعة عشر فارسا، وقدم في هذه الليلة أبو حماد الأبرص في ألفى فارس مددا لسفيان ابن معاوية، فأنزلهم الأمير في القصر، ومال إبراهيم وأصحابه على دواب أولئك الجيش وأسلحتهم فأخذوها جميعا، فتقوّوا بها، فكان هذا أول ما أصاب. وما أصبح الصباح إلا وقد استظهر جدا، فصلى بالناس صلاة الصبح في المسجد الجامع، والتف الخلائق عليه ما بين ناظر وناصر، وتحصن سفيان بن معاوية نائب الخليفة بقصر الامارة وحبس عنده الجنود فحاصرهم إبراهيم، فطلب سفيان ابن معاوية من إبراهيم الأمان فأعطاه الأمان، ودخل إبراهيم قصر الامارة فبسطت له حصير ليجلس عليها في مقدم إيوان القصر، فهبت الريح فقلبت الحصير ظهرا لبطن، فتطير الناس بذلك، فقال إبراهيم: إنا لا نتطير. وجلس على ظهر الحصير، وأمر يحبس سفيان بن معاوية مقيدا وأراد بذلك براءة ساحته عند المنصور، واستحوذ على ما كان في بيت المال فإذا فيه ستمائة ألف، وقيل ألفا ألف. فقوى بذلك جدا.
وكان في البصرة جعفر ومحمد ابنا سليمان بن على، وهما ابنا عم الخليفة المنصور، فركبا في ستمائة فارس إليه فهزمهما، وأركب إبراهيم المضاء بن القاسم في ثمانية عشر فارسا وثلاثين راجلا فهزم ستمائة فارس كانت لهما. وآمن من بقي منهم، وبعث إبراهيم إلى أهل الأهواز فبايعوه وأطاعوه، وأرسل إلى نائبها مائتي فارس عليهم المغيرة فخرج إليه محمد بن الحصين نائب البلاد في أربعة آلاف فارس فهزمه المغيرة واستحوذ على البلاد، وبعث إبراهيم إلى بلاد فارس فأخذها، وكذلك واسط والمدائن والسواد، واستفحل أمره جدا، ولكن لما جاءه نعى أخيه محمد انكسر جدا، وصلى بالناس يوم العيد وهو مكسور. قال بعضهم: والله لقد رأيت الموت في وجهه وهو يخطب الناس فنعى إلى الناس أخاه محمدا، فازداد الناس حنقا على المنصور وأصبح فعسكر بالناس واستناب على البصرة نميلة وخلف ابنه حسنا معه.
ولما بلغ المنصور خبره تحير في أمره وجعل يتأسف على ما فرق من جنده في الممالك، وكان قد
стр. 3276
بعث مع ابنه المهدي ثلاثين ألفا إلى الري، وبعث مع محمد بن الأشعث إلى إفريقية أربعين ألفا والباقون مع عيسى بن موسى بالحجاز، ولم يبق مع المنصور سوى ألفى فارس. وكان يأمر بالنيران الكثيرة فتوقد ليلا، فيحسب الناظر إليها أن ثم جندا كثيرا. ثم كتب المنصور إلى عيسى بن موسى: إذا قرأت كتابي هذا فأقبل من فورك ودع كل ما أنت فيه. فلم ينشب أن أقبل إليه فقال له: اذهب إلى إبراهيم بالبصرة ولا يهولنك كثرة من معه، فإنهم جملا بنى هاشم المقتولان جميعا، فابسط يدك وثق بما عندك وستذكر ما أقول لك فكان الأمر كما قال المنصور. وكتب المنصور إلى ابنه المهدي أن يوجه خازم بن خزيمة في أربعة آلاف إلى الأهواز، فذهب إليها فأخرج منها نائب إبراهيم - وهو المغيرة - وأباحها ثلاثة أيام، ورجع المغيرة إلى البصرة، وكذلك بعث إلى كل كورة من هذه الكور التي نقضت بيعته جندا يردون أهلها إلى الطاعة. قالوا: ولزم المنصور موضع مصلاه فلا يبرح منه ليلا ونهارا في ثياب بذلة قد اتسخت، فلم يزل مقيما هناك بضعا وخمسين يوما حتى فتح الله عليه. وقد قيل له في غبون ذلك: إن نساءك قد خبثت نفسهن لغيبتك عنهن. فانتهر القائل وقال: ويحك ليست هذه أيام نساء، حتى أرى رأس إبراهيم بين يدي، أو يحمل رأسي إليه.
وقال بعضهم: دخلت على المنصور وهو مهموم من كثرة ما وقع من الشرور، وهو لا يستطيع أن يتابع الكلام من كثرة همه، وما تفتق عليه من الفتوق والخروق، وهو مع ذلك قد أعد لكل أمر ما يسد خلله به، وقد خرجت عن يده البصرة والأهواز وأرض فارس والمدائن وأرض السواد، وفي الكوفة عنده مائة ألف مغمدة سيوفها تنتظر به صيحة واحدة، فيثبون مع إبراهيم، وهو مع ذلك يعرك النوائب ويمرسها ولم تقعد به نفسه وهو كما قال الشاعر:
نفس عصام سودت عصاما … وعلمته الكر والاقداما … فصيرته ملكا هماما
وأقبل إبراهيم بعساكر من البصرة إلى الكوفة في مائة ألف مقاتل فأرسل إليه المنصور عيسى ابن موسى في خمسة عشر ألفا، وعلى مقدمته حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف. وجاء إبراهيم فنزل في باخمرى في جحافل عظيمة، فقال له بعض الأمراء: إنك قد اقتربت من المنصور فلو أنك سرت إليه بطائفة من جيشك لأخذت بقفاه فإنه ليس عنده من الجيوش ما يردون عنه. وقال آخرون:
إن الأولى أن نناجز هؤلاء الذين بإزائنا، ثم هو في قبضتنا. فثناهم ذلك عن الرأى الأول. ولو فعله لتم فلهم الأمر. ثم قال بعضهم: خندق حول الجيش. وقال آخرون: إن هذا الجيش لا يحتاج إلى خندق حوله، فترك ذلك. ثم أشار بعضهم أن يبيت جيش عيسى بن موسى فقال إبراهيم: أنا لا أرى ذلك، فتركه. ثم أشار آخرون بأن يجعل جيشه كراديس فان غلب كردوس ثبت الآخر، وقال آخرون: الأولى أن نقاتل صفوفا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾
стр. 3277
كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ. [والأمر لله وما شاء فعل ولو ساروا إلى الكوفة وبيتوا الجيش أو جعل جيشه كراديس لتم له الأمر مع تقدير الله تعالى] (١).
وأقبل الجيشان فتصافوا في باخمرى وهي على ستة عشر فرسخا من الكوفة فاقتتلوا بها قتالا شديدا فانهزم حميد بن قحطبة بمن معه من المقدمة، فجعل عيسى يناشدهم الله في الرجوع والكرة فلا يلوى عليه أحد، وثبت عيسى بن موسى في مائة رجل من أهله، فقيل له: لو تنحيت من مكانك هذا لئلا يحطمك جيش إبراهيم فقال: والله لا أزول منه حتى يفتح الله لي أو أقبل هاهنا. وكان المنصور قد تقدم إليه بما أخبره به بعض المنجمين أن الناس يكون لهم جولة عن عيسى بن موسى ثم يقومون إليه وتكون العاقبة له، فاستمر المنهزمون ذاهبين فانتهوا إلى نهر بين جبلين فلم يمكنهم خوضه فكروا راجعين بأجمعهم، وكان أول راجع حميد بن قحطبة الّذي كان أول من انهزم. ثم اجتلدوا هم وأصحاب إبراهيم فاقتتلوا قتالا شديدا، وقتل من كلا الفريقين خلق كثير، ثم انهزم أصحاب إبراهيم وثبت هو في خمسمائة، وقيل في أربعمائة، وقيل في تسعين رجلا، واستظهر عيسى بن موسى وأصحابه، وقتل إبراهيم في جملة من قتل واختلط رأسه مع رءوس أصحابه، فجعل حميد يأتى بالرءوس إلى عيسى بن موسى حتى عرفوا رأس إبراهيم فبعثوه مع البشير إلى المنصور، وكان نيبخت المنجم قد دخل على المنصور قبل مجيء الرأس فأخبره أن إبراهيم مقتول فلم يصدقه، فقال:
يا أمير المؤمنين إن لم تصدقني فاحبسنى فان لم يكن الأمر كما ذكرت فاقتلني. فبينا هو عنده إذ جاء البشير بهزيمة جيش إبراهيم، ولما جيء بالرأس تمثل المنصور ببيت معقر بن أوس بن حمار الباقي:
فألقت عصاها واستقر بها النوى … كما قرّ عينا بالإياب المسافر
وقيل إن المنصور لما رأى الرأس بكى حتى جعلت دموعه تسقط على الرأس وقال: والله لقد كنت لهذا كارها، ولكنك ابتليت بى وابتليت بك. ثم أمر بالرأس فنصب بالسوق. وأقطع نيبخت المنجم الكذاب ألفى جريب.
[فهذا المنجم إن كان قد أصاب في قضية واحدة فقد أخطأ في أشياء كثيرة، فهم كذبه كفره وقد كان المنصور في ضلال مع منجمه هذا، وقد ورث الملوك اعتقاد أقوال المنجمين وذلك ضلال لا يجوز] (٢).
وذكر صالح مولى المنصور قال: لما جيء برأس إبراهيم جلس المنصور مجلسا عاما وجعل الناس يدخلون عليه فيهنئونه وينالون من إبراهيم ويقبحون الكلام فيه ابتغاء مرضاة المنصور، والمنصور ساكت متغير اللون لا يتكلم، حتى دخل جعفر بن حنظلة البهراني فوقف فسلم ثم قال: أعظم الله
стр. 3278
أجرك يا أمير المؤمنين في ابن عمك وغفر له ما فرّط فيه من حقك. قال فاصفر لون المنصور وأقبل عليه وقال له: يا أبا خالد مرحبا وأهلا، هاهنا فاجلس. فعلم الناس أن ذلك وقع منه موقعا جيدا.
فجعل كل من جاء يقول كما قال جعفر بن حنظلة. قال أبو نعيم الفضل بن دكين: كان مقتل إبراهيم في يوم الخميس لخمس بقين من ذي الحجة من هذه السنة.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
فمن أعيان أهل البيت عبد الله بن حسن وابناه محمد وإبراهيم، وأخوه حسن بن حسن، وأخوه لأمه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان الملقب بالديباج. وقد تقدمت ترجمته.
وأما أخوه عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب القرشي الهاشمي فتابعي، روى عن أبيه وأمه فاطمة بنت الحسين وعبد الله بن جعفر بن أبى طالب، وهو صحابى جليل، وغيرهم.
وروى عنه جماعة منهم سفيان الثوري والدراوَرْديّ ومالك، وكان معظما عند العلماء، وكان عابدا كبير القدر. قال يحيى بن معين: كان ثقة صدوقا، وفد على عمر بن عبد العزيز فأكرمه، ووفد على السفاح فعظمه وأعطاه ألف ألف درهم، فلما ولى المنصور عامله بعكس ذلك، وكذلك أولاده وأهله، وقد مضوا جميعا والتقوا عند الله ، وأخذه المنصور وأهل بيته مقيدين مغلولين مهانين من المدينة إلى الهاشمية، فأودعهم السجن الضيق كما قدمنا، فمات أكثرهم فيه، فكان عبد الله بن حسن هد أول من مات فيه بعد خروج ولده محمد بالمدينة، وقد قيل إنه قتل في السجن عمدا.
وكان عمره يوم مات خمسا وسبعين سنة، وصلى عليه أخوه لأمه الحسن بن الحسن بن على. ثم مات بعده أخوه حسن فصلى عليه أخوه لأمه محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان. ثم قتل بعدهما وحمل رأسه إلى خراسان كما تقدم.
وأما ابنه محمد الّذي خرج بالمدينة فروى عن أبيه ونافع، وعن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة في كيفية الهوىّ إلى السجود، وحدث عنه جماعة، ووثقه النسائي وابن حبان وقال البخاري: لا يتابع على حديثه. وقد ذكر أن أمه حملت به أربع سنين، وكان طويلا سمينا أسمر ضخما ذا همة سامية، وسطوة عالية وشجاعة باهرة، قتل بالمدينة في منتصف رمضان سنة خمس وأربعين ومائة، وله خمس وأربعون سنة. وقد حملوا برأسه إلى المنصور، وطيف به طيف به في الأقاليم.
وأما أخوه إبراهيم فكان ظهوره بالبصرة بعد ظهور أخيه بالمدينة وكان مقتله بعد مقتل أخيه في ذي الحجة ممن هذه السنة وليس له شيء في الكتب الستة، وحكى أبو داود السجستاني عن أبى عوانة أنه قال: كان إبراهيم وأخوه محمد خارجين. قال داود: ليس كما قال، هذا رأى الزيدية. قلت:
وقد حكى عن جماعة من العلماء والأئمة أنهم مالوا إلى ظهورهما.
стр. 3279
وفيها توفى من المشاهير والأعيان
الأجلح بن عبد الله، وإسماعيل بن أبى خالد في قول، وحبيب بن الشهيد، وعبد الملك بن أبى سليمان، وعمرو مولى عفرة، ويحيى بن الحارث الذمارى، ويحيى بن سعيد أبو حيان التيمي، ورؤبة بن العجاج والعجاج لقب واسمه أبو الشعثاء عبد الله بن رؤبة، وأبو محمد التميمي البصري، الراجز بن الراجز، ولكل منهما ديوان رجز، وكل منهما بارع في فنه لا يجارى ولا يمارى، عالم باللغة. وعبد الله بن المقفع الكاتب المفوه، أسلم على يد عيسى بن على عم السفاح والمنصور، وكتب له، وله رسائل وألفاظ صحيحة، وكان متهما بالزندقة، وهو الّذي صنف كتاب كليلة ودمنة، ويقال:
بل هو الّذي عربها من المجوسية إلى العربية. قال المهدي: ما وجد كتاب زندقة إلا وأصله من ابن المقفع، ومطيع بن إياس، ويحيى بن زياد. قالوا ونسي الجاحظ وهو رابعهم. وكان مع هذا فاضلا بارعا فصيحا. قال الأصمعي: قيل لابن المقفع من أدبك؟ قال: نفسي، إذا رأيت من غيري قبيحا أبيته، وإذا رأيت حسنا أتيته. ومن كلامه: شربت من الخطب ريا، ولم أضبط لها رويا، فغاضت ثم فاضت، فلا هي نظاما، ولا نسيت غيرها كلاما، وكان قتل ابن المقفع على يد سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن أبى صفرة نائب البصرة، وذلك أنه كان يعبث به ويسب أمه، وإنما كان يسميه ابن المعلم، وكان كبير الأنف، وكان إذا دخل عليه يقول: السلام عليكما - على سبيل التهكم - وقال لسفيان بن معاوية مرة: ما ندمت على سكوت قط. فقال: صدقت، الخرس لك خير من كلامك. ثم اتفق أن المنصور غضب على ابن المقفع فكتب إلى نائبة سفيان بن معاوية هذا أن يقتله، فأخذه فأحمى له تنورا وجعل يقطعه إربا إربا ويلقيه في ذلك التنور حتى حرقة كله وهو ينظر إلى أطرافه كيف تقطع ثم تحرق، وقيل غير ذلك في صفة قتله. قال ابن خلكان: ومنهم من يقول إن ابن المقفع نسب إلى بيع القفاع وهي من الجريد كالزنبيل بلا آذان، والصحيح أنه ابن المقفع وهو أبو دارويه كان الحجاج قد استعمله على الخراج فخان فعاقبه حتى تقفعت يداه والله أعلم.
وفيها خرج الترك والخزر بباب الأبواب فقتلوا من المسلمين بأرمينية جماعة كثيرة. وحج بالناس في هذه السنة نائب المدينة عبد الله بن الربيع الحارثي. وعلى الكوفة عيسى بن موسى، وعلى البصرة مسلم بن قتيبة، وعلى مصر يزيد بن حاتم.
ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائة
فيها تكامل بناء مدينة السلام بغداد، وسكنها المنصور في صفر من هذه السنة، وكان مقيما قبل
стр. 3280
ذلك بالهاشمية المتاخمة للكوفة، وكان قد شرع في بنائها في السنة الخارجة، وقيل في سنة أربع وأربعين ومائة فالله أعلم.
وقد كان السبب الباعث له على بنائها أن الراوندية لما وثبوا عليه بالكوفة ووقاه الله شرهم، بقيت منهم بقية فخشي على جنده منهم، فخرج من الكوفة يرتاد لهم موضعا لبناء مدينة، فسار في الأرض حتى بلغ الجزيرة فلم ير موضعا أحسن لوضع المدينة من موضع بغداد الّذي هي فيه الآن، وذلك بأنه موضع يغدا إليه ويراح بخيرات ما حوله في البر والبحر، وهو محصن بدجلة والفرات من هاهنا وهاهنا، لا يقدر أحد أن يتوصل إلى موضع الخليفة إلا على جسر، وقد بات به المنصور قبل بنائه ليالي فرأى الرياح تهب به ليلا ونهارا من غير انجعار ولا غبار، ورأى طيب تلك البقعة وطيب هوائها، وقد كان في موضعها قرى وديور لعباد النصارى وغيرهم - ذكر ذلك مفصلا بأسمائه وتعداده أبو جعفر ابن جرير - فحينئذ أمر المنصور باختطاطها فرسموها له بالرماد فمشى في طرقها ومسالكها فأعجبه ذلك، ثم سلم كل ربع منها لأمير يقوم على بنائه، وأحضر من كل البلاد فعالا وصناعا ومهندسين، فاجتمع عنده ألوف منهم، ثم كان هو أول من وضع لبنة فيها بيده وقال: بسم الله والحمد لله، والأرض لله يورثها من يشاء من عبادة والعاقبة للمتقين. ثم قال: ابنوا على بركة الله. وأمر ببنائها مدورة سمك سورها من أسفله خمسون ذراعا، ومن أعلاه عشرون ذراعا، وجعل لها ثمانية أبواب في السور البراني، ومثلها في الجواني، وليس كل واحد تجاه الآخر، ولكن جعله أزور عن الّذي يليه، ولهذا سميت بغداد الزوراء، لازورار أبوابها بعضها عن بعض، وقيل سميت بذلك لانحراف دجلة عندها.
وبنى قصر الامارة في وسط البلد ليكون الناس منه على حد سواء، واختط المسجد الجامع إلى جانب القصر، وكان الّذي وضع قبلته الحجاج بن أرطاة. وقال ابن جرير: ويقال إن في قبلته انحرافا يحتاج المصلى فيه أن ينحرف إلى ناحية باب البصرة، وذكر أن مسجد الرصافة أقرب إلى الصواب منه لأنه بنى قبل القصر، وجامع المدينة بنى على القصر، فاختلت قبلته بسبب ذلك. وذكر ابن جرير عن سليمان بن مجالد أن المنصور أراد أبا حنيفة النعمان بن ثابت على القضاء بها فأبى وامتنع فحلف المنصور أن يتولى له، وحلف أبو حنيفة أن لا يتولى له، فولاه القيام بأمر المدينة وضرب اللبن، وأخذ الرجال بالعمل، فتولى ذلك حتى فرغوا من استتمام حائط المدينة مما يلي الخندق، وكان استتمامه في سنة أربع وأربعين ومائة. قال ابن جرير: وذكر عن الهيثم بن عدي أن المنصور عرض على أبى حنيفة القضاء والمظالم فامتنع، فحلف أن لا يقلع عنه حتى يعمل له، فأخبر بذلك أبو حنيفة فدعا بقصبة فعد اللبن ليبر بذلك يمين أبى جعفر، ومات أبو حنيفة ببغداد بعد ذلك. وذكر أن خالد ابن برمك هو الّذي أشار على المنصور ببنائها، وأنه كان مستحثا فيها للصناع، وقد شاور المنصور
стр. 3281
الأمراء في نقل القصر الأبيض من المدائن إلى بغداد لأجل قصر الامارة بها، فقالوا: لا تفعل فإنه آية في العالم، وفيه مصلى أمير المؤمنين على بن أبى طالب. فخالفهم ونقل منه شيئا كثيرا فلم يف ما تحصل منه بأجرة ما يصرف في حمله فتركه، ونقل أبواب قصر واسط إلى أبواب قصر الامارة ببغداد. وقد كان الحجاج نقل حجارته من مدينة هناك كانت من بناء سليمان بن داود، وكانت الجن قد عملت تلك الأبواب، وهي حجارة هائلة. وقد كانت الأسواق وضجيجها تسمع من قصر الامارة، فكانت أصوات الباعة وهوسات الأسواق تسمع منه، فعاب ذلك بعض بطارقة النصارى ممن قدم في بعض الرسائل من الروم، فأمر المنصور بنقل الأسواق من هناك إلى موضع آخر، وأمر بتوسعة الطرقات أربعين ذراعا في أربعين ذراعا، ومن بنى في شيء من ذلك هدم.
قال ابن جرير: وذكر عن عيسى بن المنصور أنه قال: وجدت في خزائن المنصور في الكتب أنه أنفق على بناء مدينة السلام ومسجدها الجامع وقصر الذهب بها والأسواق وغير ذلك، أربعة آلاف ألف وثمانمائة ألف وثلاثة وثمانين ألف درهم، وكان أجرة الأستاذ من البناءين كل يوم قيراط فضة، وأجرة الصانع من الحبتين إلى الثلاثة. قال الخطيب البغدادي: وقد رأيت ذلك في بعض الكتب، وحكى عن بعضهم أنه قال: أنفق عليه ثمانية عشر ألف ألف فالله أعلم.
وذكر ابن جرير أن المنصور ناقص أحد المهندسين الّذي بنى له بيتا حسنا في قصر الامارة فنقصه درهما عما ساومه، وأنه حاسب بعض المستحثين على الّذي كان عنده ففضل عنده خمسة عشر درهما فحبسه حتى جاء بها وأحضرها وكان شحيحا. قال الخطيب: وبناها مدورة، ولا يعرف في أقطار الأرض مدينة مدورة سواها، ووضع أساسها في وقت اختاره له نوبخت المنجم. ثم ذكر عن بعض المنجمين قال قال لي المنصور لما فرغ من بناء بغداد: خذ الطالع لها، فنظرت في طالعها - وكان المشترى في القوس - فأخبرته بما تدل عليه النجوم، من طول زمانها، وكثرة عمارتها، وانصباب الدنيا إليها وفقر الناس إلى ما فيها. قال: ثم قلت له: وأبشرك يا أمير المؤمنين أنه لا يموت فيها أحد من الخلفاء أبدا. قال: فرأيته يبتسم ثم قال: الحمد لله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم. وذكر عن بعض الشعراء أنه قال في ذلك شعرا منه:
قضى ربها أن لا يموت خليفة … بها إنه ما شاء في خلقه يقضى
وقد قرره على هذا الخطأ الخطيب وسلم ذلك ولم ينقضه بشيء بل قرره مع اطلاعه ومعرفته.
قال: وزعم بعض الناس أن الأمين قتل بدرب الأنبار منها فذكرت ذلك للقاضي أبى القاسم على بن حسن التنوخي فقال: محمد الأمين لم يقتل بالمدينة، وإنما كان قد نزل في سفينة إلى دجلة ليتنزه فقبض عليه في وسط دجلة وقتل هناك. ذكر ذلك الصولي وغيره.
стр. 3282
وذكر عن بعض مشايخ بغداد أنه قال: اتساع بغداد مائة وثلاثون جريبا، وذلك بقدر ميلين في ميلين، قال الامام أحمد: بغداد من الصراة إلى باب التبن. وذكر الخطيب أن بين كل بابين من أبوابها الثمانية ميلا، وقيل أقل من ذلك. وذكر الخطيب صفة قصر الامارة وأن فيه القبة الخضراء طولها ثمانون ذراعا، على رأسها تمثال فرس عليه فارس في يده رمح يدور به فأى جهة استقبلها واستمر مستقبلها، علم السلطان أن في تلك الجهة قد وقع حدث فلم يلبث أن يأتى الخليفة خبره.
[وهذه القبة وهي على مجلس في صدر إيوان المحكمة وطوله ثلاثون ذراعا وعرضه عشرون ذراعا.
وقد سقطت هذه القبة في ليلة برد ومطر ورعد وبرق، ليلة الثلاثاء لسبع خلون من شهر جمادى الآخرة سنة تسع وعشرين وثلاثمائة]. (١) وذكر الخطيب البغدادي أنه كان يباع في بغداد في أيام المنصور الكبش الغنم بدرهم والحمل بأربعة دوانق، وينادى على لحم الغنم كل ستين طلا بدرهم، ولحم البقر كل تسعين رطلا بدرهم، والتمر كل ستين رطلا بدرهم، والزيت ستة عشر رطلا بدرهم، والسمن ثمانية أرطال بدرهم، والعسل عشرة أرطال بدرهم. ولهذا الأمن والرخص كثر ساكنوها وعظم أهلوها وكثر الدارج في أسواقها وأزقتها، حتى كان المار لا يستطيع أن يجتاز في أسواقها لكثرة زحام أهلها. قال بعض الأمراء وقد رجع من السوق: طال والله ما طردت خلف الأرانب في هذا المكان.
وذكر الخطيب أن المنصور جلس يوما في قصره فسمع ضجة عظيمة ثم أخرى ثم أخرى فقال للربيع الحاجب: ما هذا؟ فكشف فإذا بقرة قد نفرت من جازرها هاربة في الأسواق، فقال الرومي:
يا أمير المؤمنين إنك بنيت بناء لم يبنه أحد قبلك، وفيه ثلاثة عيوب، بعده من الماء، وقرب الأسواق منه، وليس عنده خضرة، والعين خضرة تحب الخضرة. فلم يرفع بها المنصور رأسا ثم أمر بتغيير ذلك، ثم بعد ذلك ساق إليها الماء وبنى عنده البساتين، وحول الأسواق من ثم إلى الكرخ.
قال يعقوب بن سفيان: كمل بناء بغداد في سنة ست وأربعين ومائة، وفي سنة سبع وخمسين حول الأسواق إلى باب الكرخ وباب الشعير وباب المحول وأمر بتوسعة الأسواق أربعين ألفا، وبعد شهرين من ذلك شرع في بناء قصره المسمى بالخلد، فكمل سنة ثمان وخمسين ومائة.
وجعل أمر ذلك إلى رجل يقال له الوضاح، وبنى للعامة جامعا للصلاة والجمعة لئلا يدخلوا إلى جامع المنصور، فأما دار الخلافة التي كانت ببغداد بعد ذلك فإنها كانت للحسن بن سهل، فانتقلت من بعده إلى بوران زوجة المأمون، فطلبها منها المعتضد - وقيل المعتمد - فأنعمت له بها، ثم استنظرته أياما حتى تنتقل منها فأنظرها، فشرعت في تلك الأيام في ترميمها وتبييضها وتحسينها، ثم فرشتها
стр. 3283
بأنواع الفرش والبسط، وعلقت فيها أنواع الستور، وأرصدت فيها ما ينبغي للخلافة من الجواري والخدم، وألبستهم أنواع الملابس، وجعلت في الخزائن ما ينبغي من أنواع الأطعمة والمأكل، وجعلت في بعض بيوتها من أنواع الأموال والذخائر، ثم أرسلت بمفاتيحها إليه، ثم دخلها فوجد فيها ما أرصدته بها، فهاله ذلك واستعظمه جدا، وكان أول خليفة سكنها وبنى عليها سورا. ذكره الخطيب.
وأما التاج فبناه المكتفي على دجلة وحوله القباب والمجالس والميدان والثريا وحير الوحوش. وذكر الخطيب صفة دار الشجرة التي كانت في زمن المقتدر بالله، وما فيها من الفرش والستور والخدم والمماليك والحشمة الباهرة، والدنيا الظاهرة، وأنها كان بها أحد عشر ألف طواشى، وسبعمائة حاجب. وأما المماليك فألوف لا يحصون كثرة، وسيأتي ذكر ذلك مفصلا في أيامهم ودولتهم التي ذهبت كأنها أحلام نوم، بعد سنة ثلاثمائة. وذكر الخطيب دار الملك التي بالمخرم، وذكر الجوامع التي تقام فيها الجمعات، وذكر الأنهار والجسور التي بها، وما كان في ذلك في زمن المنصور، وما أحدث بعده إلى زمانه، وأنشد لبعض الشعراء في جسور بغداد التي على دجلة:
يوم سرقنا العيش فيه خلسة … في مجلس بفناء دجلة مفرد
رق الهواء برقة وقدامة … فغدوت رقا للزمان المسعد
فكأن دجلة طيلسان أبيض … والجسر فيها كالطراز الأسود
وقال آخر:
يا حبذا جسر على متن دجلة … بإتقان تأسيس وحسن ورونق
جمال وحسن للعراق ونزهة … وسلوة من أضناه فرط التشوق
تراه إذا ما جئته متأملا … كسطر عبير خط في وسط مهرق
أو العاج فيه الأبنوس مرقش … مثال فيول تحتها أرض زئبق
وذكر الصولي قال: ذكر أحمد بن أبى طاهر في كتاب بغداد أن ذرع بغداد من الجانبين ثلاثة وخمسون ألف جريب، وأن الجانب الشرقي ستة وعشرون ألف جريب وسبعمائة وخمسون جريبا وأن عدة حماماتها ستون ألف حمام، وأقل ما في كل حمام منها خمسة نفر حمامي وقيم وزبال ووقاد وسقاء، وأن بإزاء كل حمام خمسة مساجد، فذلك ثلاثمائة ألف مسجد، وأقل ما يكون في كل مسجد خمسة نفر - يعنى إماما وقيما ومأذونا ومأمومين - ثم تناقضت بعد ذلك، ثم دثرت بعد ذلك حتى صارت كأنها خربة صورة ومعنى. على ما سيأتي بيانه في موضعه.
وقال الحافظ أبو بكر البغدادي: لم يكن لبغداد نظير في الدنيا في جلالة قدرها، وفخامة أمرها، وكثرة علمائها وأعلامها، وتمييز خواصها وعوامها، وعظم أقطارها، وسعة أطرارها،
стр. 3284
وكثرة دورها ودروبها ومنازلها وشوارعها ومساجدها وحماماتها وخاناتها، وطيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها واعتدال صيفها وشتائها، وصحة ربيعها وخريفها، وأكثر ما كانت عمارة وأهلا في أيام الرشيد، ثم ذكر تناقص أحوالها وهلم جرا إلى زمانه. قلت: وكذا من بعده إلى زماننا هذا، ولا سيما في أيام هولاكو بن تولى بن جنكز بن خان التركي الّذي وضع معالمها وقتل خليفتها وعالمها وخرب دورها وهدم قصورها وأباد الخواص والعوام من أهلها في ذلك العام، وأخذ الأموال والحواصل، ونهب الذراري والأصائل، وأورث بها حزنا يعدد به في المبكرات والأصائل، وصيرها مثلة في الأقاليم، وعبرة لكل معتبر عليم، وتذكرة لكل ذي عقل مستقيم، وبدلت بعد تلاوة القرآن بالنغمات والألحان، وإنشاد الأشعار، وكان، وكان. وبعد سماع الأحاديث النبويّة بدرس الفلسفة اليونانية، والمناهج الكلامية والتأويلات القرمطية، وبعد العلماء بالأطباء، وبعد الخليفة العباسي بشر الولاة من الأناسي، وبعد الرئاسة والنباهة بالخساسة والسفاهة، وبعد الطلبة المشتغلين بالظلمة والعيارين، وبعد العلم بالفقه والحديث وتعبير الرؤيا، بالموشح ودو بيت ومواليا.
وما أصابهم ذلك إلا ببعض ذنوبهم ﴿وَما رَبُّكَ بِظَلاّمٍ لِلْعَبِيدِ﴾ والتحول منها في هذه الأزمان لكثرة ما فيها من المنكرات الحسية والمعنوية، وأكل الحشيشة، والانتقال عنها إلى بلاد الشام الّذي تكفل الله بأهلها أفضل وأكمل وأجمل.
وقد روى الامام أحمد عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تقوم الساعة حتى يتحول خيار أهل العراق إلى الشام، وشرار أهل الشام إلى العراق».
ذكر ما ورد في مدينة بغداد من الآثار والتنبيه على ضعف ما روى فيها من الأخبار
فيها أربع لغات بغداد وبغداذ بإهمال الدال الثانية وإعجامها، وبغدان بالنون آخره وبالميم مع ذلك أولا مغدان، وهي كلمة أعجمية قيل إنها مركبة من بغ وداد فقيل بغ بستان وداد اسم رجل، وقيل بغ اسم صنم وقيل شيطان وداد عطية أي عطية الصنم، ولهذا كره عبد الله بن المبارك والأصمعي وغيرهما تسميتها بغداد وإنما يقال لها مدينة السلام، وكذا أسماها بانيها أبو جعفر المنصور، لأن دجلة كان يقال لها وادي السلام، ومنهم من يسميها الزوراء.
فروى الخطيب البغدادي من طريق عمار بن سيف - وهو متهم - قال: سمعت عاصم الأحول يحدث عن سفيان الثوري عن أبى عثمان عن جرير بن عبد الله قال قال رسول الله ﷺ : «تبنى مدينة بين دجلة ودجيل وقطر بل والصراة تجبى إليها خزائن الأرض، وملوكها جبابرة، فلهى أسرع ذهابا في الأرض من الوتد الحديد في الأرض الرخوة». قال الخطيب: وقد رواه عن عاصم الأحول سيف ابن أخت سفيان الثوري، وهو أخو عمار بن سيف. قلت: وكلاهما ضعيف متهم يرمى بالكذب، ومحمد بن جابر اليماني ضعيف، وأبو شهاب الحناطى ضعيف. وروى عن سفيان الثوري
стр. 3285
عن عاصم من طرق ثم أسند ذلك كله. وأورد من طريق يحيى بن معين عن يحيى بن أبى كثير عن عمار بن سيف عن الثوري عن عاصم عن أبى عثمان عن جرير عن النبي ﷺ . وقال أحمد ويحيى:
ليس لهذا الحديث أصل. وقال أحمد: ما حدّث به إنسان ثقة، وقد علله الخطيب من جميع طرقه وساقه أيضا من طريق عمار بن سيف عن الثوري عن أبى عبيدة حميد الطويل، عن أنس بن مالك، ولا يصح أيضا. ومن طريق عمر بن يحيى عن سفيان عن قيس بن مسلم عن ربعي عن حذيفة مرفوعا بنحوه، ولا يصح. ومن غير وجه عن على بن أبى طالب وابن مسعود وثوبان وابن عباس، وفي بعضها ذكر السفياني «وأنه يخربها» ولا يصح إسناد شيء من هذه الأحاديث. وقد أوردها الخطيب بأسانيدها وألفاظها، وفي كل منها نكارة، وأقرب ما فيها عن كعب الأحبار وقد جاء في آثار عن كتب متقدمة أن بانيها يقال له مقلاص وذو الدوانيق لبخله.
فصل
في ذكر محاسن بغداد ومساويها وما روى في ذلك عن الأئمة قال يونس بن عبد الأعلى الصدفي: قال لي الشافعيّ: هل رأيت بغداد؟ قلت لا! فقال: ما رأيت الدنيا. وقال الشافعيّ: ما دخلت بلدا قط إلا عددته سفرا، إلا بغداد فانى حين دخلتها عددتها وطنا. وقال بعضهم: الدنيا بادية وبغداد حاضرتها. وقال ابن علية: ما رأيت أعقل في طلب الحديث من أهل بغداد، ولا أحسن دعة منهم. وقال ابن مجاهد: رأيت أبا عمرو بن العلاء في النوم فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال لي: دعني من هذا، من أقام ببغداد على السنة والجماعة ومات نقل من جنة إلى جنة. وقال أبو بكر بن عياش: الإسلام ببغداد، وإنها لصيادة تصيد الرجال، ومن لم يرها لم ير الدنيا. وقال أبو معاوية: بغداد دار دنيا وآخرة. وقال بعضهم: من محاسن الإسلام يوم الجمعة ببغداد، وصلاة التراويح بمكة، ويوم العيد بطرسوس. قال الخطيب: من شهد يوم الجمعة بمدينة السلام عظم الله في قلبه محل الإسلام، لأن مشايخنا كانوا يقولون يوم الجمعة ببغداد كيوم العيد في غيرها من البلاد. وقال بعضهم: كنت أواظب على الجمعة بجامع المنصور فعرض لي شغل فصليت في غيره فرأيت في المنام كأن قائلا يقول: تركت الصلاة في جامع المدينة وإنه ليصلي فيه كل جمعة سبعون وليا. وقال آخر: أردت الانتقال من بغداد فرأيت كأن قائلا يقول في المنام:
أتنتقل من بلد فيه عشرة آلاف ولى لله ؟ وقال بعضهم: رأيت كأن ملكين أتيا بغداد فقال أحدهما لصاحبه: اقلبها. فقد حق القول عليها: فقال الآخرة كيف أقلب ببلد يختم فيها القرآن كل ليلة خمسة آلاف ختمة؟ وقال أبو مسهر عن سعيد بن عبد العزيز بن سليمان بن موسى قال: إذا كان علم الرجل حجازيا وخلقه عراقيا وصلاته شامية فقد كمل. وقالت زبيدة لمنصور
стр. 3286
النمري قل شعرا تحبب فيه بغداد إلى. فقد اختار عليها الرافقة فقال:
ماذا ببغداد من طيب الأفانين … ومن منازه للدنيا وللدين
تحيى الرياح بها المرضى إذا نسمت … وجوشت بين أغصان الرياحين
قال: فأعطته ألفى دينار. وقال الخطيب: وقرأت في كتاب طاهر بن مظفر بن طاهر الخازن بخطه من شعره:
سقى الله صوب الغاديات محلة … ببغداد بين الكرخ فالخلد فالجسر
هي البلدة الحسناء خصت لأهلها … بأشياء لم يجمعن مذ كن في مصر
هواء رقيق في اعتدال وصحة … وماء له طعم ألذ من الخمر
ودجلتها شطان قد نظما لنا … بتاج إلى تاج وقصر إلى قصر
ثراها كمسك والمياه كفضة … وحصباؤها مثل اليواقيت والدر
وقد أورد الخطيب في هذا أشعارا كثيرة وفيما ذكرنا كفاية. وقد كان الفراغ من بناء بغداد في هذه السنة - أعنى سنة ست وأربعين ومائة - وقيل في سنة ثمان وأربعين، وقيل إن خندقها وسورها كملا في سنة سبع وأربعين، ولم يزل المنصور يزيد فيها ويتأنق في بنائها حتى كان آخر ما بنى فيها قصر الخلد، فظن أنه يخلد فيها، أو أنها تخلد فلا تخرب، فعند كماله مات. وقد خربت بغداد مرات كما سيأتي بيانه.
قال ابن جرير: وفي هذه السنة عزل المنصور سلم بن قتيبة عن البصرة وولى عليها محمد بن سليمان بن على، وذلك لأنه كتب إلى سلم يأمره بهدم بيوت الذين بايعوا إبراهيم بن عبد الله بن حسن فتوانى في ذلك فعزله، وبعث ابن عمه محمد بن سليمان فعاث بها فسادا، وهدم دورا كثيرة. وعزل عبد الله بن الربيع عن إمرة المدينة وولى عليها جعفر بن سليمان، وعزل عن مكة السري بن عبد الله وولى عليها عبد الصمد بن على. قال: وحج بالناس في هذه السنة عبد الوهاب بن إبراهيم ابن محمد بن على قاله الواقدي وغيره. قال: وفيها غزا الصائفة من بلاد الروم جعفر بن حنظلة البهراني. وفيها توفى من الأعيان أشعث بن عبد الملك، وهشام بن السائب الكلبي، وهشام بن عروة. ويزيد بن أبى عبيد في قول.
ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائة
فيها أغار اشترخان الخوارزمي في جيش من الأتراك على ناحية أرمينية فدخلوا تفليس وقتلوا خلقا كثيرا وأسروا كثيرا من المسلمين وأهل الذمة، وممن قتل يومئذ حرب بن عبد الله الراونديّ الّذي تنسب إليه الحربية ببغداد، وكان مقيما بالموصل في ألفين لمقابلة الخوارج، فأرسله المنصور
стр. 3287
لمساعدة المسلمين ببلاد أرمينية، وكان في جيش جبريل بن يحيى، فهزم جبريل وقتل حرب ﵀. وفي هذه السنة كان مهلك عبد الله بن على رغم المنصور.
[وهو الّذي أخذ الشام من أيدي بنى أمية، كان عليها واليا حتى مات السفاح، فلما مات دعا إلى نفسه فبعث إليه المنصور أبا مسلم الخراساني فهزمه أبو مسلم وهرب عبد الله إلى عند أخيه سليمان ابن على والى البصرة فاختفى عنده مدة ثم ظهر المنصور على أمره فاستدعى به وسجنه، فلما كان في هذه السنة عزم المنصور] (١) على الحج فطلب عمه عيسى بن موسى - وكان ولى العهد من بعد المنصور عن وصية السفاح - وسلم إليه عمه عبد الله بن على وقال له: إن هذا عدوى وعدوك، فأقتله في غيبتي عنك ولا تتوانى. وسار المنصور إلى الحج وجعل يكتب إليه من الطريق يستحثه في ذلك ويقول له: ماذا صنعت فيما أودعت إليك فيه؟ مرة بعد مرة. وأما عيسى بن موسى فإنه لما تسلم عمه حار في أمره وشاور بعض أهله فأشار بعضهم ممن له رأى أن المصلحة تقتضي أن لا تقتله وابقه عندك وأظهر قتله فانا نخشى أن يطالبك به جهرة فتقول: قتلته، فيأمر بالقود فتدعى أنه أمرك بقتله بالسر بينك وبينه فتعجز عن إثبات ذلك فيقتلك به، وإنما يريد المنصور قتله وقتلك ليستريح منكما معا. فتغير عيسى بن موسى عند ذلك وأخفى عمه وأظهر أنه قتله. فلما رجع المنصور من الحج أمر أهله أن يدخلوا عليه ويشفعوا في عمه عبد الله بن على، وألحوا في ذلك فأجابهم إلى ذلك، واستدعى عيسى بن موسى وقال له: إن هؤلاء شفعوا في عبد الله بن على وقد أجبتهم إلى ذلك فسلمه إليهم. فقال عيسى: وأين عبد الله؟ ذاك قتلته منذ أمرتنى. فقال المنصور: لم آمرك بذلك، وجحد ذلك وأن يكون تقدم إليه منه أمره في ذلك، فأحضر عيسى الكتب التي كتبها إليه المنصور مرة بعد مرة في ذلك فأنكر أن يكون أراد ذلك، وصمم على الإنكار، وصمم عيسى ابن موسى أنه قد قتله، فأمر المنصور عند ذلك بقتل عيسى بن موسى قصاصا بعبد الله، فخرج به بنو هاشم ليقتلوه، فلما جاءوا بالسيف قال: ردوني إلى الخليفة، فردوه إليه فقال له: إن عمك حاضر ولم أقتله، فقال: هلم به. فأحضره فسقط في يد الخليفة وأمر بسجنه بدار جدرانها مبنية على ملح، فلما كان من الليل أرسل على جدرانها الماء فسقط عليه البناء فهلك. ثم إن المنصور خلع عيسى بن موسى عن ولاية العهد وقدم عليه ابنه المهدي، وكان يجلسه فوق عيسى بن موسى عن يمينه، ثم كان لا يلتفت إلى عيسى بن موسى ويهينه في الاذن والمشورة والدخول عليه والخروج من عنده، ثم ما زال يقصيه ويبعده ويتهدده ويتوعده حتى خلع نفسه بنفسه، وبايع لمحمد بن منصور وأعطاه المنصور على ذلك نحوا من اثنى عشر ألف ألف درهم، وانصلح أمر عيسى بن موسى وبنيه عند
стр. 3288
المنصور، وأقبل عليه بعد ما كان قد أعرض عنه. وكان قد جرت بينهما قبل ذلك مكاتبات في ذلك كثيرة جدا، ومراودات في تمهيد البيعة لابنه المهدي وخلع عيسى نفسه، وأن العامة لا يعدلون بالمهديّ أحدا. وكذلك الأمراء والخواص. ولم يزل به حتى أجاب إلى ذلك مكرها، فعوضه عن ذلك ما ذكرنا، وسارت بيعة المهدي في الآفاق شرقا وغربا، وبعدا وقربا، وفرح المنصور بذلك فرحا شديدا، واستقرت الخلافة في ذريته إلى زماننا هذا، فلم يكن خليفة من بنى العباس إلا من سلالته ﴿ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾.
وفيها توفى عبيد الله بن عمر العمرى، وهاشم بن هاشم، وهشام بن حسان صاحب الحسن البصري.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائة
فيها بعث المنصور حميد بن قحطبة لغزو الترك الذين عاثوا في السنة الماضية ببلاد تفليس، فلم يجد منهم أحدا فإنهم انشمروا إلى بلادهم. وحج بالناس فيها جعفر بن أبى جعفر، وثواب البلاد فيها هم المذكورون في التي قبلها. وفيها توفى جعفر بن محمد الصادق المنسوب إليه كتاب اختلاج الأعضاء وهو مكذوب عليه. [وفيها توفى سليمان بن مهران الأعمش أحد مشايخ الحديث في ربيع الأول منها (١)] وعمرو بن الحارث، والعوام بن حوشب، والزبيدي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى. ومحمد بن عجلان.
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائة
فيها فرغ من بناء سور بغداد وخندقها. وفيها غزا الصائفة العباس بن محمد فدخل بلاد الروم ومعه الحسين بن قحطبة ومحمد بن الأشعث. ومات محمد بن الأشعث في الطريق. وفيها حج بالناس محمد بن إبراهيم بن على وولاه المنصور على مكة والحجاز عوضا عن عمه عبد الصمد بن على. وعمال الأمصار فيها هم الذين كانوا في السنة قبلها. وفيها توفى زكريا بن أبى زائدة، وكهمس بن الحسن، والمثنى بن الصباح. وعيسى بن عمر أبو عمرو الثقفي البصري النحويّ شيخ سيبويه. يقال إنه من موالي خالد بن الوليد، وإنما نزل في ثقيف فنسب إليهم. كان إماما كبيرا جليلا في اللغة والنحو والقراءات، أخذ ذلك عن عبيد الله بن كثير وابن المحيصن وعبد الله بن أبى إسحاق، وسمع الحسن البصري وغيرهم. وعنه الخليل بن أحمد والأصمعي وسيبويه، ولزمه وعرف به وانتفع به، وأخذ كتابه الّذي سماه بالجامع فزاد عليه وبسطه، فهو كتاب سيبويه اليوم، وإنما هو كتاب شيخه، وكان سيبويه يسأل شيخه الخليل بن أحمد عما أشكل عليه فيه، فسأله الخليل أيضا عما صنف عيسى بن عمر فقال: جمع بضعا وسبعين كتابا ذهبت كلها إلا كتاب الإكمال،
стр. 3289
وهو بأرض فارس. وهو الّذي أشتغل فيه وأسألك عن غوامضه، فأطرق الخليل ساعة ثم أنشد:
ذهب النحو جميعا كله … غير ما أحدث عيسى بن عمر
ذاك إكمال وهذا جامع … وهما للناس شمس وقمر
وقد كان عيسى يغرب ويتقعّر في عبارته جدا. وقد حكى الجوهري عنه في الصحاح أنه سقط يوما عن حماره فاجتمع عليه الناس فقال: ما لكم تكأكأتم عليّ تكأكؤكم على ذي مرّة؟ افرنقعوا عنى.
معناه: ما لكم تجمعتم على تجمعكم على مجنون؟ انكشفوا عنى. وقال غيره: كان به ضيق النفس فسقط بسببه فاعتقد الناس أنه مصروع. فجعلوا يعودونه ويقرءون عليه، فلما أفاق من غشيته قال، ما قال. فقال بعضهم: إني حسبته - يتكلم بالفارسية - وذكر ابن خلكان أنه كان صاحبا لأبى عمرو بن العلاء، وأن عيسى بن عمر قال يوما لأبى عمرو بن العلاء: أنا أفصح من معدّ بن عدنان.
فقال له أبو عمرو كيف تقرأ هذا البيت.
قد كن يخبأن الوجوه تسترا … فاليوم حين بدأن للنظار
أو بدين؟ فقال بدين. فقال أبو عمرو: أخطأت، ولو قال: بدأن لأخطأ أيضا. وإنما أراد أبو عمرو تغليطه، وإنما الصواب بدون من بدا يبدو إذا ظهر، وبدأ يبدأ إذا شرع في الشيء.
ثم دخلت سنة خمسين ومائة من الهجرة
فيها خرج رجل من الكفرة يقال له استاذسيس في بلاد خراسان فاستحوذ على أكثرها، والتف معه نحو من ثلاثمائة ألف، وقتلوا من المسلمين هنالك خلقا كثيرا، وهزموا الجيوش التي في تلك البلاد، وسبوا خلقا كثيرا، وتحكم الفساد بسببهم، وتفاقم أمرهم، فوجه المنصور خازم بن خزيمة إلى ابنه المهدي ليوليه حرب تلك البلاد، ويضم إليه من الأجناد ما يقاوم أولئك. فنهض المهدي في ذلك نهضه هاشمية، وجمع لخازم بن خزيمة الامرة على تلك البلاد والجيوش، وبعثه في نحو من أربعين ألفا، فسار إليهم وما زال يراوغهم ويماكرهم ويعمل الخديعة فيهم حتى فاجأهم بالحرب، وواجههم بالطعن والضرب، فقتل منهم نحوا من سبعين ألفا، وأسر منهم أربعة عشر ألفا، وهرب ملكهم استأذسيس فتحرز في جبل، فجاء خازم إلى تحت الجبل وقتل أولئك الأسرى كلهم، ولم يزل يحاصره حتى نزل على حكم بعض الأمراء، فحكم أن يقيد بالحديد هو وأهل بيته، وأن يعتق من معه من الأجناد - وكانوا ثلاثين ألفا - ففعل خازم ذلك كله وأطلق لكل واحد ممن كان مع استاذسيس ثوبين، وكتب بما وقع من الفتح إلى المهدي، فكتب المهدي بذلك إلى أبيه المنصور. وفيها عزل الخليفة عن إمرة المدينة جعفر بن سليمان وولاها الحسن بن زيد بن الحسن ابن الحسن بن على بن أبى طالب. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن على عم الخليفة. وتوفى فيها
стр. 3290
جعفر ابن أمير المؤمنين المنصور ودفن أولا بمقابر بنى هاشم من بغداد، ثم نقل منها إلى موضع آخر.
وفيها توفى عبد الملك بن عبد العزيز بن جريح أحد أئمة أهل الحجاز، ويقال إنه أول من جمع السنن. وعثمان بن الأسود، وعمر بن محمد بن زيد. وفيها توفى الامام أبو حنيفة.
ذكر ترجمته
هو الامام أبو حنيفة واسمه النعمان بن ثابت التيمي مولاهم الكوفي، فقيه العراق، وأحد أئمة الإسلام، والسادة الأعلام، وأحد أركان العلماء، وأحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتنوعة، وهو أقدمهم وفاة، لأنه أدرك عصر الصحابة، ورأى أنس بن مالك، قيل وغيره. وذكر بعضهم أنه روى عن سبعة من الصحابة فالله أعلم.
وروى عن جماعة من التابعين منهم الحكم وحماد بن أبى سليمان، وسلمة بن كهيل، وعامر الشعبي، وعكرمة، وعطاء، وقتادة، والزهري، ونافع مولى ابن عمر، ويحيى بن سعيد الأنصاري وأبو إسحاق السبيعي. وروى عنه جماعة منهم ابنه حماد وإبراهيم بن طهمان، وإسحاق بن يوسف الأزرق، وأسد بن عمرو القاضي، والحسن بن زياد اللؤلؤي، وحمزة الزيات، وداود الطائي، وزفر، وعبد الرزاق، وأبو نعيم، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهشيم، ووكيع، وأبو يوسف القاضي. قال يحيى بن معين: كان ثقة، وكان من أهل الصدق ولم يتهم بالكذب، ولقد ضربه ابن هبيرة على القضاء فأبى أن يكون قاضيا. وقد كان يحيى بن سعيد يختار قوله في الفتوى، وكان يحيى يقول:
لا نكذب الله! ما سمعنا أحسن من رأى أبى حنيفة، وقد أخذنا بأكثر أقواله. وقال عبد الله بن المبارك: لولا أن الله أعاننى بأبي حنيفة وسفيان الثوري لكنت كسائر الناس. وقال في الشافعيّ:
رأيت رجلا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبا لقام بحجته: وقال الشافعيّ: من أراد الفقه فهو عيال على أبى حنيفة، ومن أراد السير فهو عيال على محمد بن إسحاق، ومن أراد الحديث فهو عيال على مالك، ومن أراد التفسير فهو عيال على مقاتل بن سليمان. وقال عبد الله بن داود الحريبى:
ينبغي للناس أن يدعوا في صلاتهم لأبى حنيفة، لحفظه الفقه والسنن عليهم. وقال سفيان الثوري وابن المبارك: كان أبو حنيفة أفقه أهل الأرض في زمانه. وقال أبو نعيم: كان صاحب غوص في المسائل. وقال مكي بن إبراهيم: كان أعلم أهل الأرض. وروى الخطيب بسنده عن أسد بن عمرو أن أبا حنيفة كان يصلى بالليل ويقرأ القرآن في كل ليلة، ويبكى حتى يرحمه جيرانه. ومكث أربعين سنة يصلى الصبح بوضوء العشاء، وختم القرآن في الموضع الّذي توفى فيه سبعين ألف مرة، وكانت وفاته في رجب من هذه السنة - أعنى سنة خمسين ومائة - وعن ابن معين سنة إحدى وخمسين.
وقال غيره: سنة ثلاث وخمسين. والصحيح الأول.
стр. 3291
وكان مولده في سنة ثمانين فتم له من العمر سبعون سنة، وصلى عليه ببغداد ست مرات لكثرة الزحام، وقبره هناك ﵀.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائة
فيها عزل المنصور عمر بن حفص عن السند وولى عليها هشام بن عمرو التغلبي، وكان سبب عزله عنها أن محمد بن عبد الله بن حسن لما ظهر بعث ابنه عبد الله الملقب بالأشتر ومعه جماعة بهدية وخيول عتاق إلى عمر بن حفص هذا إلى السند فقبلها، فدعوه إلى دعوة أبيه محمد بن عبد الله بن حسن في السر فأجابهم إلى ذلك ولبسوا البياض. ولما جاء خبر مقتل محمد بن عبد الله بالمدينة سقط في أيديهم وأخذوا في الاعتذار إلى عبد الله بن محمد، فقال له عبد الله: إني أخشى على نفسي. فقال: إني سأبعثك إلى ملك من المشركين في جوار أرضنا، وإنه من أشد الناس تعظيما لرسول الله ﷺ ، وإنه متى عرفك أنك من سلالته أحبك. فأجابه إلى ذلك، وسار عبد الله ابن محمد إلى ذلك الملك وكان عنده آمنا، وصار عبد الله يركب في موكب من الزيدية ويتصيد في جحفل من الجنود، وانضم إليه خلق وقدم عليه طوائف من الزيدية.
وأما المنصور فإنه بعث يعتب على عمر بن حفص نائب السند، فقال رجل من الأمراء ابعثني إليه واجعل القضية مسندة إلى، فانى سأعتذر إليه من ذلك، فان سلمت وإلا كنت فداءك وفداء من عندك من الأمراء. فأرسله سفيرا في القضية إلى المنصور، فلما وقف بين يدي المنصور أمر بضرب عنقه، وكتب إلى عمر بن حفص بعزله عن السند وولاه بلاد إفريقية عوضا عن أميرها، ولما وجه المنصور هشام بن عمرو إلى السند أمره أن يجتهد في تحصيل عبد الله بن محمد، فجعل يتوانى في ذلك، فبعث إليه المنصور يستحثه في ذلك، ثم اتفق الحال أن سيفا أخا هشام بن عمرو لقي عبد الله بن محمد في بعض الأماكن فاقتتلوا فقتل عبد الله وأصحابه جميعا واشتبه عليهم مكانه في القتلى فلم يقدروا عليه. فكتب هشام بن عمرو إلى المنصور يعلمه بقتله، [فبعث يشكره على ذلك ويأمره بقتال الملك الّذي آواه، ويعلمه أن عبد الله كان قد تسرى بجارية هنالك وأولدها ولدا أسماه محمدا، فإذا ظفرت بالملك فاحتفظ بالغلام فنهض] هشام بن عمرو إلى ذلك الملك فقاتله فغلبه وقهره على بلاده وأمواله وحواصله، وبعث بالفتح والأخماس وبذلك الغلام والملك إلى المنصور، ففرح المنصور بذلك وبعث بذلك الغلام إلى المدينة، وكتب المنصور إلى نائبها يعلمه بصحة نسبه، ويأمره أن يلحقه بأهله يكون عندهم لئلا يضيع نسبه، فهو الّذي يقال له أبو الحسن بن الأشتر.
وفي هذه السنة قدم المهدي بن المنصور على أبيه من خراسان فتلقاه أبوه والأمراء والأكابر.
стр. 3292
إلى أثناء الطريق، وقدم بعد ذلك نواب البلاد والشام وغيرها للسلام عليه وتهنئته بالسلامة والنصر.
وحمل إليه من الهدايا والتحف ما لا يحد ولا يوصف.
بناء الرصافة
قال ابن جرير: وفي هذه السنة شرع المنصور في بناء الرصافة لابنه المهدي بعد مقدمه من خراسان، وهي في الجانب الشرقي من بغداد، وجعل لها سورا وخندقا، وعمل عندها ميدانا وبستانا، وأجرى إليها الماء من نهر المهدي. قال ابن جرير:
وفيها جدد المنصور البيعة لنفسه ثم لولده المهدي من بعده، ولعيسى بن موسى من بعدهما، وجاء الأمراء والخواص فبايعوا وجعلوا يقبّلون يد المنصور ويد ابنه ويلمسون يد عيسى بن موسى ولا يقبلونها. قال الواقدي: وولى المنصور معن بن زائدة سجستان.
وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن على، وهو نائب مكة والطائف، وعلى المدينة الحسن بن زيد، وعلى الكوفة محمد بن سليمان، وعلى البصرة جابر بن زيد الكلابي، وعلى مصر يزيد بن حاتم. ونائب خراسان حميد بن قحطبة، ونائب سجستان معن بن زائدة. وغزا الصائفة فيها عبد الوهاب بن إبراهيم بن محمد.
وفيها توفى حنظلة ابن أبى سفيان، وعبد الله بن عون، ومحمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة النبويّة التي جمعها وجعلها علما يهتدى به، وفخرا يستجلى به، والناس كلهم عيال عليه في ذلك، كما قال الشافعيّ وغيره من الأئمة.
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومائة
فيها عزل المنصور عن إمرة مصر يزيد بن حاتم وولاها محمد بن سعيد، وبعث إلى نائب إفريقية وكان قد بلغه أنه عصى وخالف، فلما جيء به أمر بضرب عنقه. وعزل عن البصرة جابر ابن زيد الكلابي وولاها يزيد بن منصور. وفيها قتلت الخوارج معن بن زائدة بسجستان. وفيها توفى عباد بن منصور، ويونس بن يزيد الأيلي.
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائة
وفيها غضب المنصور على كاتبه أبى أيوب المورياني وسجنه وسجن أخاه خالدا وبنى أخيه الأربعة سعيدا ومسعودا ومخلدا ومحمدا، وطالبهم بالأموال الكثيرة. وكان سبب ذلك ما ذكره ابن عساكر في ترجمة أبى جعفر المنصور، وهو أنه كان في زمن شبيبته قد ورد الموصل وهو فقير لا شيء له ولا معه شيء، فأجر نفسه من بعض الملاحين حتى اكتسب شيئا تزوج به امرأة، ثم جعل يعدها ويمنيها أنه من بيت سيصير الملك إليهم سريعا، فاتفق حبلها منه، ثم تطلبه بنو أمية فهرب عنها
стр. 3293
وتركها حاملا، ووضع عندها رقعة فيها نسبته، وأنه عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، وأمرها إذا بلغها أمره أن تأتيه، وإذا ولدت غلاما أن تسميه جعفرا. فولدت غلاما فسمته جعفرا.
ونشأ الغلام فتعلم الكتابة وغوى العربية والأدب، وأتقن ذلك إتقانا جيدا، ثم آل الأمر إلى بنى العباس، فسألت عن السفاح فإذا هو ليس صاحبها، ثم قام المنصور وصار الولد إلى بغداد فاختلط بكتّاب الرسائل فأعجب به أبو أيوب المورياني صاحب ديوان الإنشاء للمنصور، وحظي عنده وقدمه على غيره، فاتفق حضوره معه بين يدي الخليفة فجعل الخليفة يلاحظه، ثم بعث يوما الخادم ليأتيه بكاتب فدخل ومعه ذلك الغلام، فكتب بين يدي المنصور كتابا وجعل الخليفة ينظر إليه ويتأمله، ثم سأله عن اسمه فأخبره أنه جعفر، فقال: ابن من؟ فسكت الغلام، فقال: مالك لا تتكلم؟ فقال:
يا أمير المؤمنين إن من خبري كيت وكيت، فتغير وجه الخليفة ثم سأله عن أمه فأخبره، وسأله عن أحوال بلد الموصل فجعل يخبره والغلام يتعجب. ثم قام إليه الخليفة فاحتضنه وقال: أنت ابني. ثم بعثه بعقد ثمين ومال جزيل وكتاب إلى أمه يعلمها بحقيقة الأمر وحال الولد. وخرج الغلام ومعه ذلك من باب سر الخليفة فأحرز ذلك ثم جاء إلى أبى أيوب فقال: ما بطأ بك عند الخليفة؟ فقال:
إنه استكتبنى في رسائل كثيرة، ثم تقاولا، ثم فارقه الغلام مغضبا ونهض من فوره فاستأجر إلى الموصل ليعلم أمه ويحملها وأهلها إلى بغداد، إلى أبيه الخليفة. فسار مراحل، ثم سأل عنه أبو أيوب فقيل سافر فظن أبو أيوب أنه قد أفشى شيئا من أسراره إلى الخليفة وفر منه، فبعث في طلبه رسولا وقال: حيث وجدته فرده على. فسار الرسول في طلبه فوجده في بعض المنازل فخنقه وألقاه في بئر وأخذ ما كان معه فرجع به إلى أبى أيوب. فلما وقف أبو أيوب على الكتاب أسقط في يديه وندم على بعثه خلفه. وانتظر الخليفة عود ولده إليه واستبطأه وكشف عن خبره فإذا رسول أبى أيوب قد لحقه وقتله. فحينئذ استحضر أبا أيوب وألزمه بأموال عظيمة، وما زال في العقوبة حتى أخذ جميع أمواله وحواصله ثم قتله، وجعل يقول: هذا قتل حبيبي. وكان المنصور كلما ذكر ولده حزن عليه حزنا شديدا.
وفيها خرجت الخوارج من الصفرية وغيرهم ببلاد إفريقية. فاجتمع منهم ثلاثمائة ألف وخمسون ألفا، ما بين فارس وراحل، وعليهم أبو حاتم الأنماطي، وأبو عباد. وانضم إليهم أبو قرة الصفرى في أربعين ألفا، فقاتلوا نائب إفريقية فهزموا جيشه وقتلوه، وهو عمر بن عثمان بن أبى صفرة الّذي كان نائب السند كما تقدم، قتله هؤلاء الخوارج ﵀. وأكثرت الخوارج الفساد في البلاد، وقتلوا الحريم والأولاد. وفيها ألزم المنصور الناس بلبس قلانس سود طوال جدا، وحتى كانوا يستعينون على رفعها من داخلها بالقصب، فقال أبو دلامة الشاعر في ذلك:
стр. 3294
وكنا نرجى من إمام زيادة … فزاد الامام المرتجى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها … دنا يهود جللت بالبرانس
وفيها غزا الصائفة معيوب بن يحيى الحجورى فأسر خلقا كثيرا من الروم ينيف على ستة آلاف أسير، وغنم أموالا جزيلة. وحج بالناس المهدي بن المنصور [وهو ولى العهد الملقب بالمهديّ.
وكان على نيابة مكة والطائف محمد بن إبراهيم، وعلى المدينة الحسن بن زيد وعلى الكوفة محمد بن سليمان وعلى البصرة يزيد بن منصور، وعلى مصر محمد بن سعيد. وذكر الواقدي أن يزيد بن منصور كان ولاه المنصور في هذه السنة اليمن. فالله أعلم] (١).
وفيها توفى أبان بن صمعة، وأسامة بن زيد الليثي، وثور بن يزيد الحمصي، والحسن بن عمارة، وقطر بن خليفة، ومعمر وهشام بن الغازي والله أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائة
فيها دخل المنصور بلاد الشام وزار بيت المقدس وجهز يزيد بن حاتم في خمسين ألفا وولاه بلاد إفريقية، وأمره بقتال الخوارج، وأنفق على هذا الجيش نحوا من ثلاث وستين ألف درهم، وغزا الصائفة زفر بن عاصم الهلالي. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم. ونواب البلاد والأقاليم هم المذكورون في التي قبلها، سوى البصرة فعليها عبد الملك بن أيوب بن ظبيان. وفيها توفى أبو أيوب الكاتب وأخوه خالد، وأمر المنصور ببني أخيه أن تقطع أيديهم وأرجلهم ثم تضرب بعد ذلك أعناقهم ففعل ذلك بهم. وفيها توفى:
أشعب الطامع
وهو أشعب بن جبير أبو العلاء، ويقال أبو إسحاق المديني، ويقال له أبو حميدة. وكان أبوه مولى لآل الزبير، قتله المختار، وهو خال الواقدي. روى عن عبد الله بن جعفر «أن رسول الله ﷺ كان يتختم في اليمين». وأبان بن عثمان، وسالم وعكرمة، وكان ظريفا ماجنا يحبه أهل زمانه لخلاعته وطمعه، وكان حميد الغناء، وقد وفد على الوليد بن يزيد دمشق فترجمه ابن عساكر ترجمة ذكر عنه فيها أشياء مضحكة، وأسند عنه حديثين. وروى عنه أنه سئل يوما أن يحدث فقال:
حدثني عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ . قال: «خصلتان من عمل بهما دخل الجنة» ثم سكت فقيل له: وما هما؟ فقال: نسي عكرمة الواحدة ونسيت أنا الأخرى. وكان سالم بن عبد الله ابن عمر يستخفه ويستحليه ويضحك منه ويأخذه معه إلى الغابة، وكذلك كان غيره من أكابر الناس. وقال الشافعيّ: عبث الولدان يوما بأشعب فقال لهم: إن هاهنا أناسا يفرقون الجوز - ليطردهم
стр. 3295
عنه - فتسارع الصبيان إلى ذلك، فلما رآهم مسرعين قال: لعله حق فتبعهم. وقال له رجل: ما بلغ من طمعك؟ فقال: ما زفت عروس بالمدينة إلا رجوت أن تزف إلى فأكسح داري وأنظف بابي وأكنس بيتي. واجتاز يوما برجل يصنع طبقا من قش فقال له: زد فيه طورا أو طورين لعله أن يهدى يوما لنا فيه هدية. وروى ابن عساكر أن أشعب غنى يوما لسالم بن عبد الله بن عمر قول بعض الشعراء:
مضين بها والبدر يشبه وجهها … مطهرة الأثواب والدين وافر
لها حسب زاك وعرض مهذب … وعن كل مكروه من الأمر زاجر
من الخفرات البيض لم تلق ريبة … ولم يستملها عن تقى الله شاعر
فقال له سالم: أحسنت فزدنا. فغناه:
ألمت بنا والليل داج كأنه … جناح غراب عنه قد نفض القطرا
فقلت أعطار ثوى في رحالنا … وما علمت ليلى سوى ريحها عطرا
فقال له: أحسنت ولولا أن يتحدث الناس لأجزلت لك الجائزة، وإنك من الأمر لبمكان.
وفيها توفى جعفر بن برقان، والحكم بن أبان، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقرة بن خالد، وأبو عمرو بن العلاء أحد أئمة القراء، واسمه كنيته، وقيل اسمه ريان والصحيح الأول.
وهو أبو عمرو بن العلاء بن عمار بن العريان بن عبد الله بن الحصين التميمي المازني البصري، وقيل غير ذلك في نسبه، كان علامة زمانه في الفقه والنحو وعلم القراءات، وكان من كبار العلماء العاملين، يقال إنه كتب ملء بيت من كلام العرب، ثم تزهد فأحرق ذلك كله، ثم راجع الأمر الأول فلم يكن عنده إلا ما كان يحفظه من كلام العرب، وكان قد لقي خلقا كثيرا من أعراب الجاهلية، كان مقدما أيام الحسن البصري ومن بعده. ومن اختياراته في العربية قوله في تفسيره الغرة في الجنين: إنها لا يقبل فيها إلا أبيض غلاما كان أو جارية. فهم ذلك من قوله ﵇:
«غرة عبد أو أمة» ولو أريد أي عبد كان أو جارية لما قيده بالغرة، وإنما الغرة البياض. قال ابن خلكان: وهذا غريب ولا أعلم هل يوافقه قول أحد من الأئمة المجتهدين أم لا. وذكر عنه أنه كان إذا دخل شهر رمضان لا ينشد بيتا من الشعر حتى ينسلخ، وإنما كان يقرأ القرآن وأنه كان يشترى له كل يوم كوزا جديدا وريحانا طريا، وقد صحبه الأصمعي نحوا من عشر سنين.
كانت وفاته في هذه السنة، وقيل في سنة ست وخمسين، وقيل تسع وخمسين فالله أعلم. وقد قارب التسعين، وقيل إنه جاوزها فالله أعلم، وقبره بالشام وقيل بالكوفة فالله أعلم.
[وقد روى ابن عساكر في ترجمة صالح بن على بن عبد الله بن العباس عن أبيه عن جده عبد الله]