← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

سفيان بن عيينة: نظرت في أمره وأمر الصحابة فما رأيتهم يفضلون عليه إلا في صحبتهم رسول الله ﷺ . وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثله، وما أعلم خصلة من الخير إلا وقد جعلها الله في. ابن المبارك، ولقد حدثني أصحابى أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم. وقد مرة الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها احتفل الناس به وازدحم الناس حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك فقالت: ما للناس؟ فقيل لها: قدم رجل من علماء خراسان يقال له عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه. فقالت المرأة: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الّذي يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة. وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت: أنا وأخى هنا ليس لنا شيء إلا هذا الازار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله: كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي. فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع. وكان إذا عزم على الحج يقول لأصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته حتى أكون أنا أنفق عليه، فكان يأخذ منهم نفقاتهم، ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجمعها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب، وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم فيقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية، فيشترى لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المكية واليمنية وغيرها، فإذا جاءوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه، فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناء الجميل. وكانت سفرته تحمل على بعير وحدها، وفيها من أنواع المأكول من اللحم والدجاج والحلوى وغير ذلك، ثم يطعم الناس وهو الدهر صائم في الحر الشديد. وسأله مرة سائل فأعطاه درهما فقال له بعض أصحابه: إن هؤلاء يأكلون الشواء والفالوذج، وقد كان يكفيه قطعة. فقال: والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز، فأما إذا كان يأكل الفالوذج والشواء فإنه لا يكفيه درهم. ثم أمر بعض غلمانه فقال: رده وادفع إليه عشرة دراهم. وفضائله ومناقبه كثيرة جدا.

стр. 3362

قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله. توفى عبد الله بن المبارك بهيت في هذه السنة في رمضانها عن ثلاث وستين سنة. ومفضل بن فضالة ولى قضاء مصر مرتين، وكان دينا ثقة، فسأل الله أن يذهب عنه الأمل فأذهبه، فكان بعد ذلك لا يهنئه العيش ولا شيء من الدنيا، فسأل الله أن يرده عليه فرده فرجع إلى حاله. ويعقوب التائب العابد الكوفي، قال على بن الموفق عن منصور بن عمار: خرجت ذات ليلة وأنا أظن أنى قد أصبحت، فإذا على ليل، فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكى وهو يقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى عليّ فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عنى؟ وا سوأتاه على ما مضى من أيامى في معصية ربى، يا ويلى كم أتوب وكم أعود، قد حان لي أن أستحى من ربى . قال منصور فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ قال: فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فذهبت لحاجتي، فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة، فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة فيها أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون ولاية العهد من بعد أخيه محمد الأمين بن زبيدة، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي وبعثه إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له، وولاه خراسان وما يتصل بها، وسماه المأمون. وفيها رجع يحيى بن خالد البرمكي من مجاورته بمكة إلى بغداد. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ مدينة أصحاب الكهف. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن اليون وملكوا عليهم أمه ريني وتلقب أغسطه. وحج بالناس موسى بن عيسى بن العباس. وفيها توفى من الأعيان إسماعيل بن عياش الحمصي أحد المشاهير من أئمة الشاميين، وفيه كلام. ومروان بن أبى حفصة الشاعر المشهور المشكور، كان يمدح الخلفاء والبرامكة. ومعن بن زائدة حصل من الأموال شيئا كثيرا جدا، وكان مع ذلك من أبخل الناس، لا يكاد يأكل اللحم. من بخلة، ولا يشعل في بيته سراجا، ولا يلبس من الثياب الا الكرباسي والفرو الغليظ، وكان رفيقه

стр. 3363

سلم الخاسر إذا ركب إلى دار الخلافة يأتى على برذون وعليه حلة تساوى ألف دينار، والطيب ينفخ من ثيابه، ويأتى هو في شر حالة وأسوئها. وخرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله: إن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا. فقال: إن أعطانى مائة ألف درهم فلك درهم. فأعطاه ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق. توفى ببغداد في هذه السنة، ودفن في مقبرة نصر بن مالك. والقاضي أبو يوسف واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حسنة، وهي أمه، وأبوه بجير بن معاوية، استصغر يوم أحد، وأبو يوسف كان أكبر أصحاب أبى حنيفة، روى الحديث عن الأعمش وهمام ابن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ويحيى ابن معين. قال على بن الجعد: سمعته يقول: توفى أبى وأنا صغير فأسلمتني أمى إلى قصار فكنت أمر على حلقة أبى حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمى تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بى إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبى حنيفة، فلما طال ذلك عليها قالت لأبى حنيفة: إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلى، وإنك قد أفسدته على. فقال لها: اسكتي يا رعناء، ها هو ذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج. فقالت له: إنك شيخ قد خرفت. قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي وهو أول من لقب قاضى القضاة، وكان يقال له: قاضى قضاة الدنيا، لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة -. قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي: كل من هذا، فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الفالوذج. قال فتبسمت فقال: ما لك تتبسم؟ فقلت: لا شيء أبقى الله أمير المؤمنين. فقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة. ثم قال: رحم الله أبا حنيفة، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه. وكان أبو حنيفة يقول عن أبى يوسف: إنه أعلم أصحابه. وقال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث. وقال ابن المديني: كان صدوقا. وقال ابن معين: كان ثقة. وقال أبو زرعة: كان سليما من التجهم. وقال بشار الخفاف: سمعت أبا يوسف يقول: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه، وفرض مباينته، ولا يجوز السلام ولا رده عليه. ومن كلامه الّذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله: من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب العلم بالكلام تزندق. ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم، وبأنه لم يكن الخضراوات يخرج فيها شيء في زمن الخلفاء الراشدين. فقال

стр. 3364

أبو يوسف: لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وهذا انصاف منه. وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا وكان يحضر مجلسه في أثناء الناس فيتناظرون ويتباحثون، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيضا. وقال: وليت هذا الحكم وأرجو الله أن لا يسألنى عن جور ولا ميل إلى أحمد، إلا يوما واحدا جاءني رجل فذكر أن له بستانا وأنه في يد أمير المؤمنين، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: البستان لي اشتراه لي المهدي. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يحضره لأسمع دعواه. فأحضره فادعى بالبستان فقلت: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: هو بستاني. فقلت للرجل: قد سمعت ما أجاب. فقال الرجل: يحلف، فقلت، أتحلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، فقلت سأعرض عليك اليمين ثلاثا فان حلفت وإلا حكمت عليك يا أمير المؤمنين. فعرضتها عليه ثلاثا فامتنع فحكمت بالبستان للمدعى. قال: فكنت في أثناء الخصومة أود أن ينفصل ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة. وبعث القاضي أبو يوسف في تسليم البستان إلى الرجل. وروى المعافى بن زكريا الجريريّ عن محمد بن أبى الأزهر عن حماد بن أبى إسحاق عن أبيه عن بشر بن الوليد عن أبى يوسف. قال: بينا أنا ذات ليلة قد نمت في الفراش، إذا رسول الخليفة يطرق الباب، فخرجت منزعجا فقال: أمير المؤمنين يدعوك، فذهبت فإذا هو جالس ومعه عيسى ابن جعفر فقال لي الرشيد: إن هذا قد طلبت منه جارية يهبن يها فلم يفعل، أو يبيعنيها، وإني أشهدك إن لم يجبني إلى ذلك قتلته. فقلت لعيسى: لم لم تفعل؟ فقال: إني حالف بالطلاق والعتاق وصدقة مالي كله أن لا أبيعها ولا أهبها. فقال لي الرشيد: فهل له من مخلص؟ فقلت: نعم يبيعك نصفها ويهبك نصفها. فوهبه النصف وباعه النصف بمائة ألف دينار، فقبل منه ذلك وأحضرت الجارية، فلما رآها الرشيد قال: هل لي من سبيل عليها الليلة؟ قلت: إنها مملوكة ولا بد من استبرائها، إلا أن تعتقها وتتزوجها فان الحرة لا تستبرأ. قال فأعتقها وتزوجها منه بعشرين ألف دينار، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختا من ثياب، وأرسلت إليّ الجارية بعشرة آلاف دينار. وقال يحيى بن معين: كنت عند أبى يوسف فجاءته هدية من ثياب ديبقي وطيب وفانيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل في إسناد حديث «من أهديت له هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه» فقال أبو يوسف: إنما ذاك في الأقط والتمر والزبيب، ولم تكن الهدايا في ذلك الوقت ما ترون، يا غلام ارفع هذا إلى الخزائن، ولم يعطهم منها شيئا. وقال بشر بن غياث المريسي: سمعت أبا يوسف يقول: صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة ثم انصبت على الدنيا سبع عشرة سنة، وما أظن أجلى إلا أن اقترب. فما مكث بعد ذلك إلا شهورا حتى مات.

стр. 3365

وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة عن سبع وستين سنة، ومكث في القضاء بعده ولده يوسف. وقد كان نائبة على الجانب الشرقي من بغداد. ومن زعم من الرواة أن الشافعيّ اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوى الكذاب في الرحلة التي ساقها الشافعيّ فقد أخطأ في ذلك، إنما ورد [الشافعيّ] بغداد في أول قدمة قدمها إليها في سنة أربع وثمانين. وإنما اجتمع الشافعيّ بمحمد بن الحسن الشيباني فأحسن إليه وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنئان كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن والله أعلم. وفيها توفى: يعقوب بن داود بن طهمان أبو عبد الله مولى عبد الله بن حازم السلمي، استوزره المهدي وحظي عنده جدا، وسلم إليه أزمة الأمور، ثم لما أمر بقتل ذلك العلويّ كما تقدم فأطلقه ونمت عليه تلك الجارية سجنه المهدي في بئر وبنيت عليه قبة، ونبت شعره حتى صار مثل شعور الأنعام، وعمى، ويقال بل غشي بصره، ومكث نحوا من خمسة عشر سنة في ذلك البئر لا يرى ضوءا ولا يسمع صوتا إلا في أوقات الصلوات يعلمونه بذلك، ويدلى إليه في كل يوم رغيف وكوز ماء، فمكث كذلك حتى انقضت أيام المهدي وأيام الهادي وصدر من أيام الرشيد، قال يعقوب: فأتانى آت في منامي فقال: عسى الكرب الّذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب فيأمن خائف ويفك عان … ويأتى أهله النائى الغريب فلما أصبحت نوديت فظننت أنى أعلم بوقت الصلاة، ودلى إليّ حبل وقيل لي: أربط هذا الحبل في وسطك، فأخرجوني، فلما نظرت إلى الضياء لم أبصر شيئا، وأوقفت بين يدي الخليفة فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين، فظننته المهدي فسلمت عليه باسمه، فقال: لست به، فقلت الهادي؟ فقال: لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الرشيد. فقال: نعم، ثم قال: والله إنه لم يشفع فيك عندي أحد، ولكنى البارحة حملت جارية لي صغيرة على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك فرحمت ما أنت فيه من الضيق فأخرجتك. ثم أنعم عليه وأحسن إليه. فغار منه يحيى بن خالد بن برمك، وخشي أن يعيده إلى منزلته التي كان عليها أيام المهدي، وفهم ذلك يعقوب فاستأذن الرشيد في الذهاب إلى مكة فأذن له، فكان بها حتى مات في هذه السنة ﵀. وقال يخشى يحيى أن أرجع إلى الولايات لا والله ما كنت لأفعل أبدا، ولو رددت إلى مكاني. وفيها توفي يزيد بن زريع أبو معاوية شيخ الامام أحمد بن حنبل في الحديث، كان ثقة عالما عابدا ورعا، توفى أبوه وكان والى البصرة وترك من المال خمسمائة درهم، فلم يأخذ منها يزيد درهما واحدا، وكان يعمل الخوص بيده ويقتات منه هو وعياله. توفى بالبصرة في هذه السنة، وقيل قبل ذلك فالله أعلم.

стр. 3366

ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائة فيها خرجت الخزر على الناس من ثلمة أرمينية فعاثوا في تلك البلاد فسادا، وسبوا من المسلمين وأهل الذمة نحوا من مائة ألف، وقتلوا بشرا كثيرا، وانهزم نائب أرمينية سعيد بن مسلم، فأرسل الرشيد إليهم خازم بن خزيمة ويزيد بن مزيد في جيوش كثيرة كثيفة، فأصلحوا ما فسد في تلك البلاد. وحج بالناس العباس بن موسى الهادي. وفيها توفى من الأعيان على بن الفضيل بن عياض في حياة أبيه. كان كثير العبادة والورع والخوف والخشية. ومحمد بن صبيح أبو العباس مولى بنى عجل المذكر. ويعرف بابن السماك. روى عن إسماعيل بن أبى خالد والأعمش والثوري وهشام بن عروة وغيرهم، ودخل يوما على الرشيد فقال: إن لك بين يدي الله موقفا فانظر أين منصرفك، إلى الجنة أم النار؟ فبكى الرشيد حتى كاد يموت. وموسى بن جعفر ابن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، أبو الحسن الهاشمي، ويقال له الكاظم، ولد سنة ثمان أو تسع وعشرين ومائة، وكان كثير العبادة والمروءة، إذا بلغه عن أحد أنه يؤذيه أرسل إليه بالذهب والتحف، ولد له من الذكور والإناث أربعون نسمة. وأهدى له مرة عبد عصيدة فاشتراه واشترى المزرعة التي هو فيها بألف دينار وأعتقه، ووهب المزرعة له. وقد استدعاه المهدي إلى بغداد فحبسه، فلما كان في بعض الليالي رأى المهدي على بن أبى طالب وهو يقول له: يا محمد ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ فاستيقظ مذعورا وأمر به فأخرج من السجن ليلا فأجلسه معه وعانقه وأقبل عليه، وأخذ عليه العهد أن لا يخرج عليه ولا على أحد من أولاده، فقال: والله ما هذا من شأن ولا حدثت فيه نفسي، فقال: صدقت. وأمر له بثلاثة آلاف دينار، وأمر به فردّ إلى المدينة، فما أصبح الصباح إلا وهو على الطريق، فلم يزل بالمدينة حتى كانت خلافة الرشيد فحج، فلما دخل ليسلم على قبر النبي ﷺ ومعه موسى بن جعفر الكاظم، فقال الرشيد: السلام عليك يا رسول الله يا ابن عم. فقال موسى: السلام عليك يا أبت. فقال الرشيد: هذا هو الفخر يا أبا الحسين. ثم لم يزل ذلك في نفسه حتى استدعاه في سنة تسع وستين وسجنه فأطال سجنه، فكتب إليه موسى رسالة يقول فيها: أما بعد يا أمير المؤمنين إنه لم ينقض عنى يوم من البلاء إلا انقضى عنك يوم من الرخاء، حتى يفضي بنا ذلك إلى يوم يخسر فيه المبطلون. توفى لخمس بقين من رجب من هذه السنة ببغداد وقبره هناك مشهور. وفيها توفى: هاشم بن بشير بن أبى حازم القاسم بن دينار أبو معاوية السلمي الواسطي، كان أبوه طباخا للحجاج بن يوسف الثقفي، ثم كان

стр. 3367

بعد ذلك يبيع الكوامخ، وكان يمنع ابنه من طلب العلم ليساعده على شغله، فأبى إلا أن يسمع الحديث. فاتفق أن هاشما مرض فجاءه أبو شيبة قاضى واسط عائدا له ومعه خلق من الناس، فلما رآه بشير فرح بذلك وقال: يا بنى أبلغ من أمرك أن جاء القاضي إلى منزلي؟ لا أمنعك بعد هذا اليوم من طلب الحديث. كان هاشم بن سادات العلماء، وحدث عنه مالك وشعبة والثوري وأحمد بن حنبل وخلق غير هؤلاء، وكان من الصلحاء العباد، ومكث يصلى الصبح بوضوء العشاء قبل أن يموت بعشر سنين. ويحيى بن زكريا ابن أبى زائدة قاضى المدائن، كان من الأئمة الثقات. ويونس بن حبيب أحد النحاة النجباء، أخذ النحو عن أبى عمرو بن العلاء وغيره، وأخذ عنه الكسائي والفراء، وقد كانت له حلقة بالبصرة ينتابها أهل العلم والأدب والفصحاء من الحاضرين والغرباء، توفى في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة. ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائة فيها رجع الرشيد من الرقة إلى بغداد فأخذ الناس بأداء بقايا الخراج الّذي عليهم، وولى رجلا يضرب الناس على ذلك ويحبسهم، وولى على أطراف البلاد، وعزل وولى وقطع ووصل. وخرج بالجزيرة أبو عمرو الشاري فبعث إليه الرشيد من قبله شهرزور. وحج بالناس فيها إبراهيم بن محمد العباسي. وفيها توفى: أحمد بن الرشيد كان زاهدا عابدا قد تنسك، وكان لا يأكل إلا من عمل يده في الطين، كان يعمل فاعلا فيه، وليس يملك إلا مروا وزنبيلا - أي مجرفة وقفة - وكان يعمل في كل جمعة بدرهم ودانق يتقوت بهما من الجمعة إلى الجمعة، وكان لا يعمل إلا في يوم السبت فقط. ثم يقبل على العبادة بقية أيام الجمعة. وكان من زبيدة في قول بعضهم، والصحيح أنه من امرأة كان الرشيد قد أحبها فتزوجها فحملت منه بهذا الغلام، ثم إن الرشيد أرسلها إلى البصرة وأعطاها خاتما من ياقوت أحمر، وأشياء نفيسة، وأمرها إذا أفضت إليه الخلافة أن تأتيه. فلما صارت الخلافة إليه لم تأتى ولا ولدها، بل اختفيا، وبلغه أنهما ماتا، ولم يكن الأمر كذلك، وفحص عنهما فلم يطلع لهما على خبر، فكان هذا الشاب يعمل بيده ويأكل من كدها، ثم رجع إلى بغداد، وكان يعمل في الطين ويأكل مدة زمانية. هذا وهو ابن أمير المؤمنين، ولا يذكر للناس من هو إلى أن اتفق مرضه في دار من كان يستعمله في الطين فمرضه عنده، فلما احتضر أخرج الخاتم وقال لصاحب المنزل: ذاهب بهذا إلى الرشيد وقل له: صاحب هذا الخاتم يقول لك: إياك أن تموت في سكرتك هذه فتندم [حيث لا ينفع نادما ندمه، واحذر انصرافك من بين يدي الله إلى الدارين، وأن يكون آخر العهد بك، فان ما أنت فيه لو دام لغيرك لم يصل إليك، وسيصير إلى غيرك، وقد بلغك أخبار من مضى] (١).

стр. 3368

قال: فلما مات دفنته وطلبت الحضور عند الخليفة، فلما أوقفت بين يديه قال: ما حاجتك؟ قلت: هذا الخاتم دفعه إليّ رجل وأمرني أن أدفعه إليك، وأوصاني بكلام أقوله لك، فلما نظر الخاتم عرفه فقال: ويحك وأين صاحب هذا الخاتم؟ قال فقلت: مات يا أمير المؤمنين. ثم ذكرت الكلام الّذي أوصاني به، وذكرت له أنه كان يعمل بالفاعل في كل جمعة يوما بدرهم وأربع دوانيق، أو بدرهم ودانق، يتقوت به سائر الجمعة، ثم يقبل على العبادة. قال: فلما سمع هذا الكلام قام فضرب بنفسه الأرض وجعل يتمرغ ويتقلب ظهرا لبطن ويقول: والله لقد نصحتني يا بني، ثم بكى، ثم رفع رأسه إلى الرجل وقال: أتعرف قبره؟ قلت: نعم أنا دفنته. قال: إذا كان العشي فائتني. قال: فأتيته فذهب الى قبره فلم يزل يبكي عنده حتى أصبح، ثم أمر لذلك الرجل بعشرة آلاف درهم. وكتب له ولعياله رزقا. وفيها مات: عبد الله بن مصعب ابن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي الأسدي، والد بكار. ألزمه الرشيد بولاية المدينة فقبلها بشروط عدل اشترطها، فأجابه إلى ذلك، ثم أضاف إليه نيابة اليمن، فكان من أعدل الولاة، وكان عمره يوم تولى نحوا من سبعين سنة. عبد الله بن عبد العزيز العمري (١) أدرك أبا طوالة، وروى عن أبيه وإبراهيم بن سعد، وكان عابدا زاهدا، وعظ الرشيد يوما فأطنب وأطيب. قال له وهو واقف على الصفا: أتنظركم حولها - يعني الكعبة - من الناس؟ فقال: كثير. فقال: كل منهم يسأل يوم القيامة عن خاصة نفسه، وأنت تسأل عنهم كلهم. فبكى الرشيد بكاء كثيرا، وجعلوا يأتونه بمنديل بعد منديل ينشف به دموعه. ثم قال له: يا هارون إن الرجل ليسرف في ماله فيستحق الحجر عليه، فكيف بمن يسرف في أموال المسلمين كلهم؟ ثم تركهم وانصرف والرشيد يبكي. وله معه مواقف محمودة غير هذه. توفي عن ست وستين سنة. ومحمد بن يوسف بن معدان أبو عبد الله الأصبهاني، أدرك التابعين، ثم اشتغل بالعبادة والزهادة. كان عبد الله بن المبارك يسميه عروس الزهاد. وقال يحيى بن سعيد القطان: ما رأيت أفضل منه، كان كأنه قد عاين. وقال ابن مهدي: ما رأيت مثله، وكان لا يشتري خبزه من خباز واحد، ولا بقلة من بقال واحد، كان لا يشتري إلا ممن لا يعرفه، يقول: أخشى أن يحابوني فأكون ممن يعيش بدينه. وكان لا يضع جنبه للنوم صيفا ولا شتاء. ومات ولم يجاوز الأربعين سنة ﵀.

стр. 3369

ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائة فيها قتل أهل طبرستان متوليهم مهرويه الرازيّ، فولى الرشيد عليهم عبد الله بن سعيد الحرشيّ. وفيها قتل عبد الرحمن الأنباري أبان بن قحطبة الخارجي بمرج القلعة. وفيها عاث حمزة الشاري ببلاد باذغيس من خراسان، فنهض عيسى بن علي بن عيسى إلى عشرة آلاف من جيش حمزة فقتلهم، وسار وراء حمزة إلى كابل وزابلستان. وفيها خرج أبو الخصيب فتغلب على أبيورد وطوس ونيسابور وحاصر مرو وقوي أمره. وفيها توفي يزيد بن يزيد ببرذعة، فولى الرشيد مكانه ابنه أسد بن يزيد. واستأذن الوزير يحيى (١) بن خالد الرشيد في أن يعتمر في رمضان فأذن له، ثم رابط بجنده إلى وقت الحج. وكان أمير الحج في هذه السنة منصور بن محمد بن عبد الله بن علي بن عبد الله بن عباس. وفيها توفي: عبد الصمد بن علي ابن عبد الله بن عباس عم السفاح والمنصور. ولد سنة أربع ومائة، وكان ضخم الخلق جدا ولم يبدل أسنانه، وكانت أصولها صفيحة واحدة، قال يوما للرشيد: يا أمير المؤمنين هذا المجلس اجتمع فيه عم أمير المؤمنين، وعم عمه، وعم عم عمه، وذلك أن سليمان بن أبي جعفر عم الرشيد، والعباس بن محمد بن علي عم سليمان، وعبد الصمد بن علي السفاح، وتلخيص ذلك أن عبد الصمد عم عم عم الرشيد لأنه عم جده. روى عبد الصمد عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «إن البر والصلة ليطيلان الأعمار، ويعمران الديار، ويثريان الأموال، ولو كان القوم فجارا». وبه أن رسول الله ﷺ قال: «إن البر والصلة ليخففان الحساب يوم القيامة» ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ﴾ [الرعد: ٢١]. وغير ذلك من الأحاديث. ومحمد بن إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، المعروف بالإمام، كان على إمارة الحاج، وإقامة سقايته في خلافة المنصور عدة سنين. توفي ببغداد فصلى عليه الأمين في شوال من هذه السنة، ودفن بالعباسية. وفيها توفى من مشايخ الحديث: ضمام (٢) بن إسماعيل، وعمرو بن عبيد (٣). والمطلب بن زياد (٤). والمعافى بن عمران (٥). في قول. ويوسف بن الماجشون. وأبو إسحاق الفزاري إمام أهل الشام بعد الأوزاعي في المغازي والعلم والعبادة.

стр. 3370

ورابعة العدوية وهي رابعة بنت إسماعيل مولاة آل عتيك، العدوية البصرية العابدة المشهورة. ذكرها أبو نعيم في الحلية والرسائل، وابن الجوزي في صفوة الصفوة، والشيخ شهاب الدين السهروردي في المعارف، والقشيري. وأثنى عليها أكثر الناس، وتكلم فيها أبو داود السجستاني، واتهمها بالزندقة، فلعله بلغه عنها أمر. وأنشد لها السهروردي في المعارف: إني جعلتك في الفؤاد محدثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي فالجسم مني للجليس مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي وقد ذكروا لها أحوالا وأعمالا صالحة، وصيام نهار وقيام ليل، ورئيت لها منامات صالحة فالله أعلم. توفيت بالقدس الشريف وقبرها شرقيه بالطور. والله أعلم. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائة فيها خرج علي بن عيسى بن ماهان من مرو لحرب أبي الخصيب إلى نسا فقاتله بها، وسبى نساءه وذراريه. واستقامت خراسان. وحج بالناس فيها الرشيد ومعه ابناه محمد الأمين، وعبد الله المأمون، فبلغ جملة ما أعطى لأهل الحرمين ألف ألف دينار وخمسين ألف دينار، وذلك أنه كان يعطي الناس فيذهبون إلى الأمين فيعطيهم، فيذهبون إلى المأمون فيعطيهم. وكان إلى الأمين ولاية الشام والعراق، وإلى المأمون من همدان إلى بلاد المشرق. ثم تابع الرشيد لولده القاسم من بعد ولديه، ولقبه المؤتمن، وولاه الجزيرة والثغور والعواصم، وكان الباعث له على ذلك أن ابنه القاسم هذا كان في حجر عبد الملك بن صالح، فلما بايع الرشيد لولديه كتب إليه: - يا أيّها الملك الّذي … لو كان نجما كان سعدا اعقد لقاسم بيعة … واقدح له في الملك زندا فالله فرد واحد … فاجعل ولاة العهد فردا ففعل الرشيد ذلك، وقد حمده قوم على ذلك، وذمه آخرون. ولم ينتظم للقاسم هذا أمر،

стр. 3371

بل اختطفته المنون والأقدار عن بلوغ الأمل والأوطار. ولما قضى الرشيد حجه أحضر من معه من الأمراء والوزراء، وأحضر وليي العهد محمدا الأمين وعبد الله المأمون. وكتب بمضمون ذلك صحيفة، وكتب فيها الأمراء والوزراء خطوطهم بالشهادة على ذلك (١)، وأراد الرشيد أن يعلقها في الكعبة فسقطت فقيل: هذا أمر سريع انتقاضه. وكذا وقع كما سيأتي. وقال إبراهيم الموصلي في عقد هذه البيعة في الكعبة: خير الأمور مغبة … وأحق أمر بالتمام أمر قضى أحكامه الر … حمن في البلد الحرام وقد أطال القول في هذا المقام أبو جعفر بن جرير وتبعه ابن الجوزي في المنتظم. وفيها توفي من الأعيان أصبغ بن عبد العزيز بن مروان بن الحكم أبو ريان في رمضان منها. وحسان بن إبراهيم قاضي كرمان عن مائة سنة. وسلم الخاسر الشاعر وهو سلم، بن عمرو بن حماد بن عطاء، وإنما قيل له الخاسر لأنه باع مصحفا واشترى به ديوان شعر لامرئ القيس، وقيل لأنه أنفق مائتي ألف في صناعة الأدب (٢). وقد كان شاعرا منطقيا له قدرة على الإنشاء على حرف واحد، كما قال في موسى الهادي: موسى المطر … غيث بكر ثم انهمر … كم اعتبر ثم فتر … وكم قدر ثم غفر … عدل السير باقي الأثر … خير البشر فرع مضر … بدر بدر لمن نظر … هو الوزر لمن حضر … والمفتخر لمن غبر. وذكر الخطيب أنه كان على طريقة غير مرضية من المجون والفسق، وأنه كان من تلاميذ بشار ابن برد، وأن نظمه أحسن من نظم بشار، فمما غلب فيه بشارا قوله: من راقب الناس لم يظفر بحاجته … وفاز بالطيبات الفاتك اللهج فقال سلم: من راقب الناس مات غما … وفاز باللذة الجسور فغضب بشار وقال: أخذ معاني كلامي فكساها ألفاظا أخف من ألفاظي. وقد حصل له من الخلفاء والبرامكة نحوا من أربعين ألف دينار، وقيل أكثر من ذلك. ولما مات ترك ستة وثلاثين ألف دينار وديعة عند أبي الشمر (٣) الغساني، فغنى إبراهيم الموصلي يوما الرشيد فأطربه فقال له: سل. فقال: يا أمير المؤمنين أسألك شيئا ليس فيه من مالك شيء، ولا أرزأوك شيئا سواه. قال: وما هو؟ فذكر له وديعة سلم الخاسر، وأنه لم يترك وارثا. فأمر له بها (٤). ويقال إنها كانت خمسين ألف دينار.

стр. 3372

والعباس بن محمد ابن علي بن عبد الله بن عباس عم الرشيد، كان من سادات قريش، ولي إمارة الجزيرة في أيام الرشيد، وقد أطلق له الرشيد في يوم خمسة آلاف درهم، وإليه تنسب العباسية، وبها دفن وعمره خمس وستون سنة، وصلى عليه الأمين. ويقطين بن موسى كان أحد الدعاة إلى دولة بني العباس، وكان داهية ذا رأي، وقد اختال مرة حيلة عظيمة لما حبس مروان الحمار إبراهيم بن محمد بحرّان، فتحيرت الشيعة العباسية فيمن يولون، ومن يكون ولي الأمر من بعده إن قتل؟ فذهب يقطين هذا إلى مروان فوقف بين يديه في صورة تاجر فقال: يا أمير المؤمنين إني قد بعت إبراهيم بن محمد بضاعة ولم أقبض ثمنها منه حتى أخذته رسلك، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجمع بيني وبينه لأطالبه بمالي فعل قال: نعم! فأرسل به إليه مع غلام، فلما رآه قال: يا عدو الله إلى من أوصيت بعدك آخذ مالي منه؟ فقال له: إلى ابن الحارثية - يعني أخاه عبد الله السفاح - فرجع يقطين إلى الدعاة إلى بني العباس فأعلمهم بما قال، فبايعوا السفاح، فكان من أمره ما ذكرناه. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائة فيها كان مهلك البرامكة على يدي الرشيد، قتل جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، ودمر ديارهم واندرست آثارهم، وذهب صغارهم وكبارهم. وقد اختلف في سبب ذلك على أقوال ذكرها ابن جرير وغيره، قيل إن الرشيد كان قد سلم يحيى بن عبد الله بن حسن إلى جعفر البرمكي ليسجنه عنده، فما زال يحيى يترفق له حتى أطلقه، فنمّ الفضل بن الربيع ذلك إلى الرشيد فقال له الرشيد: ويلك لا تدخل بيني وبين جعفر، فلعله أطلقه عن أمري وأنا لا أشعر. ثم سأل الرشيد جعفرا عن ذلك فصدقه فتغيظ عليه وحلف ليقتلنه، وكره البرامكة، ثم قتلهم وقلاهم بعد ما كانوا أحظى الناس عنده، وأحبهم إليه، وكانت أم جعفر والفضل أم الرشيد من الرضاعة، وقد جعلهم الرشيد من الرفعة في الدنيا وكثرة المال بسبب ذلك شيئا كثيرا لم يحصل لمن قبلهم من الوزراء ولا لمن بعدهم من الأكابر والرؤساء، بحيث إن جعفرا بنى دارا غرم عليها عشرين ألف ألف درهم، وكان ذلك من جملة ما نقمه عليه الرشيد. ويقال: إنما قتلهم الرشيد لأنه كان لا يمر ببلد ولا إقليم ولا قرية ولا

стр. 3373

مزرعة ولا بستان إلا قيل هذا لجعفر، ويقال إن البرامكة كانوا يريدون إبطال خلافة الرشيد وإظهار الزندقة. وقيل إنما قتلهم بسبب العباسة. ومن العلماء من أنكر ذلك وإن كان ابن جرير قد ذكره. وذكر ابن الجوزي أن الرشيد سئل عن سبب قتله البرامكة فقال: لو أعلم أن قميصي يعلم ذلك لأحرقته. وقد كان جعفر يدخل على الرشيد بغير إذن حتى كان يدخل عليه وهو في الفراش مع حظاياه - وهذه وجاهة ومنزلة عالية - وكان عنده من أحظى العشراء على الشراب المسكر - فإن الرشيد كان يستعمل في أواخر أيام خلافته المسكر - وكان أحب أهله إليه أخته العباسة بنت المهدي، وكان يحضرها معه، وجعفر البرمكي حاضر أيضا معه، فزوجه بها ليحل النظر إليها، واشترط عليه أن لا يطأها. وكان الرشيد ربما قام وتركهما وهما ثملان من الشراب فربما واقعها جعفر فحبلت منه فولدت ولدا وبعثته مع بعض جواريها إلى مكة، وكان يربى بها. وذكر ابن خلكان أن الرشيد لما زوج أخته العباسة من جعفر أحبها حبا شديدا، فراودته عن نفسه فامتنع أشد الامتناع خوفا من الرشيد، فاحتالت عليه - وكانت أمه تهدي له في كل ليلة جمعة جارية حسناء بكرا - فقالت لأمه: أدخليني عليه بصفة جارية. فهابت ذلك فتهددتها حتى فعلت ذلك. فلما دخلت عليه لم يتحقق وجهها فواقعها فقالت له: كيف رأيت خديعة بنات الملوك؟ وحملت من تلك الليلة، فدخل على أمه فقال: بعتيني والله برخيص. ثم إن والده يحيى بن خالد جعل يضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة ذلك إلى الرشيد مرات، ثم أفشت له سر العباسة، فاستشاط غيظا، ولما أخبرته أن الولد قد أرسلت به إلى مكة حج عام ذلك حتى تحقق الأمر. ويقال: إن بعض الجواري نمّت عليها إلى الرشيد وأخبرته بما وقع، وأن الولد بمكة وعنده جوار وأموال وحلى كثيرة. فلم يصدق حتى حج في السنة الخالية، ثم كشف الأمر عن الحال، فإذا هو كما ذكر. وقد حج في هذه السنة التي حج فيها الرشيد يحيى بن خالد، فجعل يدعو عند الكعبة: اللهمّ إن كان يرضيك عني سلب جميع مالي وولدي وأهلي فافعل ذلك وأبق عليّ منهم الفضل، ثم خرج. فلما كان عند باب المسجد رجع فقال: اللهمّ والفضل معهم فإنّي راض برضاك عني ولا تستثن منهم أحدا. فلما قفل الرشيد من الحج صار إلى الحيرة ثم ركب في السفن إلى العمر (١) من أرض الأنبار، فلما كانت ليلة السبت سلخ المحرم من هذه السنة أرسل مسرورا الخادم ومعه حماد بن سالم أبو عصمة في جماعة من الجند، فأطافوا بجعفر بن يحيى ليلا، فدخل عليه مسرور الخادم وعنده بختيشوع المتطبب، وأبو ركانة الأعمى المغني الكلوذاني، وهو في أمره وسروره، وأبو زكار (٢) يغنيه: فلا تبعد فكلّ فتى سيأتي … عليه الموت يطرق أو يغادي فقال الخادم له: يا أبا الفضل هذا الموت قد طرقك، أجب أمير المؤمنين. فقام إليه يقبل

стр. 3374

قدميه ويدخل عليه أن يمكنه فيدخل إلى أهله فيوصي إليهم ويودعهم، فقال: أما الدخول فلا سبيل إليه، ولكن أوص. فأوصى وأعتق جميع مماليكه أو جماعة منهم، وجاءت رسل الرشيد تستحثه فأخرج إخراجا عنيفا، فجعلوا يقودونه حتى أتوا به المنزل الّذي فيه الرشيد، فحبسه وقيده بقيد حمار، وأعلموا الرشيد بما كان يفعل، فأمر بضرب عنقه، فجاء السياف إلى جعفر فقال: إن أمير المؤمنين قد أمرني أن آتيه برأسك. فقال: يا أبا هاشم لعل أمير المؤمنين سكران، فإذا صحا عاتبك فيّ، فعاوده. فرجع إلى الرشيد فقال: إنه يقول: لعلك مشغول. فقال: يا ماص بظر أمه ائتني برأسه. فكرر عليه جعفر المقالة فقال الرشيد في الثالثة: برئت من المهدي إن لم تأتني برأسه لأبعثن من يأتيني برأسك ورأسه. فرجع إلى جعفر فحز رأسه وأتى به إلى الرشيد فألقاه بين يديه، وأرسل الرشيد من ليلته البرد بالاحتياط على البرامكة جميعهم ببغداد وغيرها،، ومن كان منهم بسبيل. فأخذوا كلهم عن آخرهم. فلم يفلت منهم أحد. وحبس يحيى بن خالد في منزله، وحبس الفضل بن يحيى في منزل آخر وأخذ جميع ما كانوا يملكونه من الدنيا، وبعث الرشيد برأس جعفر وجثته فنصب الرأس عند الجسر الأعلى، وشقت الجثة باثنتين فنصب نصفها الواحد عند الجسر الأسفل، والآخر عند الجسر الآخر، ثم أحرقت بعد ذلك. ونودي في بغداد: أن لا أمان للبرامكة ولا لمن آواهم، إلا محمد بن يحيى بن خالد فإنه مستثنى منهم لنصحه للخليفة. وأتي الرشيد بأنس بن أبي شيخ كان يتهم بالزندقة، وكان مصاحبا لجعفر، فدار بينه وبين الرشيد كلام، ثم أخرج الرشيد من تحت فراشه سيفا وأمر بضرب عنقه به (١). وجعل يتمثل ببيت قيل في قتل أنس قبل ذلك (٢): تلمظ السيف من شوق إلى أنس (٣) … فالسيف يلحظ والأقدار تنتظر فضربت عنق أنس فسبق السيف الدم فقال الرشيد: رحم الله عبد الله بن مصعب، فقال الناس: إن السيف كان للزبير بن العوام. ثم شحنت السجون بالبرامكة واستلبت أموالهم كلها، وزالت عنهم النعمة. وقد كان الرشيد في اليوم الّذي قتل جعفرا في آخره، هو وإياه راكبين في الصيد في أوله، وقد خلا به دون ولاة العهود، وطيبه في ذلك بالغالية بيده، فلما كان وقت المغرب ودعه الرشيد وضمه إليه وقال: لولا أن الليلة ليلة خلوتي بالنساء ما فارقتك، فاذهب إلى منزلك واشرب واطرب وطب عيشا حتى تكون على مثل حالي، فأكون أنا وأنت في اللذة سواء. فقال: والله يا أمير

стр. 3375

المؤمنين لا أشتهي ذلك إلا معك. فقال: لا! انصرف إلى منزلك. فانصرف عنه جعفر فما هو إلا أن ذهب الليل بعضه حتى أوقع به من البأس والنكال ما تقدم ذكره. وكان ذلك ليلة السبت آخر ليلة من المحرم، وقيل إنها أول ليلة من صفر في هذه السنة، وكان عمر جعفر إذ ذاك سبعا وثلاثين سنة، ولما جاء الخبر إلى أبيه يحيى بن خالد بقتله قال: قتل الله ابنه. ولما قيل له: قد خربت دارك قال: حرب الله دوره. ويقال: إن يحيى لما نظر إلى دوره وقد هتكت ستورها واستبيحت قصورها، وانتهب ما فيها. قال: هكذا تقوم الساعة. وقد كتب إليه بعض أصحابه يعزيه فيما جرى له، فكتب إليه جواب التعزية: أنا بقضاء الله راض، وباختياره عالم، ولا يؤاخذ الله العباد إلا بذنوبهم، وما الله بظلام للعبيد. وما يغفر الله أكثر ولله الحمد. وقد أكثر الشعراء من المراثي في البرامكة فمن ذلك قول الرقاشيّ، وقيل إنها لأبي نواس (١): الآن استرحنا واستراحت ركابنا … وأمسك من يحدي ومن كان يحتدي (٢) فقل للمطايا قد أمنت من السّرى … وطيّ الفيافي فدفدا بعد فدفد وقل للمنايا قد ظفرت بجعفر … ولن تظفري من بعده بمسوّد وقل للمطايا بعد فضل: تعطلي … وقل للرزايا كل يوم تجددي ودونك سيفا برمكيّا مهنّدا … أصيب بسيف هاشمي مهنّد وقال الرقاشيّ (٣)، وقد نظر إلى جعفر وهو على جذعه: أما والله لولا خوف واش … وعين للخليفة لا تنام لطفنا حول جذعك واستلمنا … كما للناس بالحجر استلام فما أبصرت قبلك (٤) يا بن يحيى … حساما فلّه السيف الحسام على اللذات والدنيا جميعا (٥) … ودولة آل برمك السلام قال فاستدعاه الرشيد فقال له: كم كان يعطيك جعفر كل عام؟ قال: ألف دينار. قال: فأمر له بألفي دينار. وقال الزبير بن بكار عن عمه مصعب الزبيري قال: لما قتل الرشيد جعفرا وقفت امرأة على حمار فاره فقالت بلسان فصيح: والله يا جعفر لئن صرت اليوم آية لقد كنت في المكارم غاية، ثم أنشأت تقول (٦): ولما رأيت السيف خالط (٧) جعفرا … ونادى مناد للخليفة في يحيى بكيت على الدنيا وأيقنت أنما … قصارى الفتى يوما مفارقة الدنيا

стр. 3376

وما هي إلاّ دولة بعد دولة … تخوّل ذا نعمى وتعقب ذا بلوى إذا أنزلت هذا منازل رفعة … من الملك حطت ذا إلى الغاية القصوى قال: ثم حركت حمارها فذهبت فكأنها كانت ريحا لا أثر لها، ولا يعرف أين ذهبت. وذكر ابن الجوزي أن جعفرا كان له جارية يقال لها فتينة مغنية، لم يكن لها في الدنيا نظير، كان مشتراها عليه بمن معها من الجواري مائة ألف دينار، فطلبها منه الرشيد فامتنع من ذلك، فلما قتله الرشيد اصطفى تلك الجارية فأحضرها ليلة في مجلس شرابه وعنده جماعة من جلسائه وسمّاره، فأمر من معها أن يغنين فاندفعت كل واحدة تغني، حتى انتهت النوبة إلى فتينة، فأمرها بالغناء فأسبلت دمعها وقالت: أما بعد السادة فلا. فغضب الرشيد غضبا شديدا، وأمر بعض الحاضرين أن يأخذها إليه فقد وهبها له، ثم لما أراد الانصراف قال له فيما بينه وبينه: لا تطأها. ففهم أنه إنما يريد بذلك كسرها. فلما كان بعد ذلك أحضرها وأظهر أنه قد رضي عنها وأمرها بالغناء فامتنعت وأرسلت دمعها وقالت: أما بعد السادة فلا. فغضب الرشيد أشد من غضبه في المرة الأولى وقال: النطع والسيف، وجاء السياف فوقف على رأسها فقال له الرشيد: إذا أمرتك ثلاثا وعقدت أصابعي ثلاثا فاضرب. ثم قال لها غن: فبكت وقالت: أما بعد السادة فلا. فعقد إصبعه الخنصر، ثم أمرها الثانية فامتنعت، فعقد اثنتين، فارتعد الحاضرون وأشفقوا غاية الإشفاق وأقبلوا عليها يسألونها أن تغني لئلا تقتل نفسها، وأن تجيب أمير المؤمنين إلى ما يريد. ثم أمرها الثالثة فاندفعت تغني كارهة: لما رأيت الدّنيا قد درست … أيقنت أن النعيم لم يعد قال فوثب إليها الرشيد وأخذ العود من يدها وأقبل يضرب به وجهها ورأسها حتى تكسر، وأقبلت الدماء وتطايرت الجوار من حولها، وحملت من بين يديه فماتت بعد ثلاث. وروي أن الرشيد كان يقول: لعن الله من أغراني بالبرامكة، فما وجدت بعدهم لذة ولا راحة ولا رجاء، وددت والله أني شطرت نصف عمري وملكي وأني تركتهم على حالهم. وحكى ابن أن جعفرا اشترى جارية من رجل بأربعين ألف دينار، فالتفتت إلى بائعها وقالت: اذكر العهد الّذي بيني وبينك، لا تأكل من ثمني شيئا. فبكى سيدها وقال: اشهدوا أنها حرة، وأني قد تزوجتها. فقال جعفر: أشهدوا أن الثمن له أيضا. وكتب إلى نائب له: أما بعد فقد كثر شاكوك، وقلّ شاكروك، فأما أن تعدل، وإما تعتزل. ومن أحسن ما وقع منه من التلطف في إزالة هم الرشيد، وقد دخل عليه منجم يهودي فأخبره أنه سيموت في هذه السنة، فحمل الرشيد هما عظيما، فدخل عليه جعفر فسأله: ما الخبر؟ فأخبره بقول اليهودي فاستدعى جعفر اليهودي فقال له: كم بقي لك من العمر؟ فذكر مدة طويلة. فقال: يا أمير المؤمنين اقتله حتى تعلم كذبه فيما أخبر عن عمره. فأمر الرشيد باليهودي فقتل، وسرى عن الرشيد الّذي كان فيه.

стр. 3377

وبعد مقتل البرامكة قتل الرشيد إبراهيم بن عثمان بن نهيك، وذلك أنه حزن على البرامكة، ولا سيما على جعفر، كان يكثر البكاء عليهم، ثم خرج من حيز البكاء إلى حيز الانتصار لهم والأخذ بثأرهم، وكان إذا شرب في منزله يقول لجاريته: ائتني بسيفي، فيسله ثم يقول: والله لأقتلن قاتله، فأكثر أن يقول ذلك، فخشي ابنه عثمان أن يطلع الخليفة على ذلك فيهلكهم عن آخرهم، ورأى أن أباه لا ينزع عن هذا، فذهب إلى الفضل بن الربيع فأعلمه، فأخبر الفضل الخليفة، فاستدعى به فاستخبره فأخبره، فقال: من يشهد معك عليه؟ فقال: فلان الخادم فجاء به فشهد، فقال الرشيد: لا يحل قتل أمير كبير بمجرد قول غلام وخصي، لعلهما قد تواطئا على ذلك. فأحضره الرشيد معه على الشراب ثم خلا به فقال: ويحك يا إبراهيم! إن عندي سرا أحب أن أطلعك عليه، أقلقني في الليل والنهار. قال: وما هو؟ قال: إني ندمت على قتل البرامكة ووددت أني خرجت من نصف ملكي ونصف عمري ولم أكن فعلت بهم ما فعلت، فإنّي لم أجد بعدهم لذة ولا راحة. فقال: رحمة الله على أبي الفضل - يعني جعفرا - وبكى، وقال: والله يا سيدي لقد أخطأت في قتله. فقال له: قم لعنك الله، ثم حبسه ثم قتله بعد ثلاثة أيام. وسلم أهله وولده. وفي هذه السنة غضب الرشيد على عبد الملك بن صالح بسبب أنه بلغه أنه يريد الخلافة، واشتد غضبه بسببه على البرامكة الذين هم في الحبوس، ثم سجنه فلم يزل في السجن حتى مات الرشيد فأخرجه الأمين وعقد له على نيابة الشام. وفيها ثارت العصبية بالشام بين المضرية والنزارية، فبعث إليهم الرشيد محمد بن منصور بن زياد فأصلح بينهم. وفيها كانت زلزلة عظيمة بالمصيصة فانهدم بعض سورها ونضب ماؤها ساعة من الليل. وفيها بعث الرشيد ولده القاسم على الصائفة، وجعله قربانا ووسيلة بين يديه، وولاه العواصم، فسار إلى بلاد الروم فحاصرهم حتى افتدوا بخلق من الأسارى يطلقونهم ويرجع عنهم، ففعل ذلك. وفيها نقضت الروم الصلح الّذي كان بينهم وبين المسلمين، الّذي كان عقده الرشيد بينه وبين رني ملكة الروم الملقبة أغسطه. وذلك أن الروم عزلوها عنهم وملكوا عليهم النقفور، وكان شجاعا، يقال إنه من سلالة آل جفنة، فخلعوا رني وسملوا عينيها. فكتب نقفور إلى الرشيد: من نقفور ملك الروم إلى هارون ملك العرب، أما بعد فإن الملكة التي كانت قبلي أقامتك مقام الرخ، وأقامت نفسها مقام البيدق، فحملت إليك من أموالها ما كنت حقيقا بحمل أمثاله (١) إليها، وذلك من ضعف النساء وحمقهن، فإذا قرأت كتابي هذا فاردد إليّ ما حملته إليك من الأموال وافتد نفسك به، وإلا فالسيف بيننا وبينك. فلما قرأ هارون الرشيد كتابه أخذه الغضب الشديد حتى لم يتمكن أحد أن ينظر إليه، ولا يستطيع مخاطبته، وأشفق عليه جلساؤه خوفا منه، ثم استدعى بدواة وكتب على ظهر الكتاب:

стр. 3378

بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم. قد قرأت كتابك يا بن الكافرة، والجواب ما تراه دون ما تسمعه والسلام. ثم شخص من فوره وسار حتى نزل بباب هرقلة ففتحها واصطفى ابنة ملكها، وغنم من الأموال شيئا كثيرا، وخرب وأحرق، فطلب نقفور منه الموادعة على خراج يؤديه إليه في كل سنة، فأجابه الرشيد إلى ذلك. فلما رجع من غزوته وصار بالرقة نقض الكافر العهد وخان الميثاق، وكان البرد قد اشتد جدا، فلم يقدر أحد أن يجيء فيخبر الرشيد بذلك لخوفهم على أنفسهم من البرد، حتى يخرج فصل الشتاء. وحج بالناس فيها عبد الله (١) بن عباس بن محمد بن علي. ذكر من توفي فيها من الأعيان جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أبو الفضل البرمكي الوزير ابن الوزير، ولاه الرشيد الشام وغيرها من البلاد، وبعثه إلى دمشق لما ثارت الفتنة العشيران بحوران بين قيس ويمن، وكان ذلك أول نار ظهرت بين قيس ويمن في بلاد الإسلام، كان خامدا من زمن الجاهلية فأثاروه في هذا الأوان، فلما قدم جعفر بجيشه خمدت الشرور وظهر السرور، وقيلت في ذلك أشعار حسان، قد ذكر ذلك ابن عساكر في ترجمة جعفر من تاريخه منها: - لقد أوقدت في الشام نيران فتنة … فهذا أوان الشام تخمد نارها إذا جاش موج البحر من آل برمك … عليها خبت شهبانها وشرارها رماها أمير المؤمنين بجعفر … وفيه تلاقى صدعها وانجبارها هو الملك المأمول للبر والتقى … وصولاته لا يستطاع خطارها وهي قصيدة طويلة (٢)، وكانت له فصاحة وبلاغة وذكاء وكرم زائد، كان أبوه قد ضمه إلى القاضي أبي يوسف فتفقه عليه، وصار له اختصاص بالرشيد، وقد وقّع ليلة بحضرة الرشيد زيادة على ألف توقيع، ولم يخرج في شيء منها عن موجب الفقه. وقد روى الحديث عن أبيه، عن عبد الحميد الكاتب، عن عبد الملك بن مروان كاتب عثمان، عن زيد بن ثابت كاتب الوحي. قال قال رسول الله ﷺ : «إذا كتبت بسم الله الرحمن الرحيم فبين السين فيه». رواه الخطيب وابن عساكر من طريق أبي القاسم الكعبي المتكلم، واسمه عبد الله بن أحمد البلخي - وقد كان كاتبا لأحمد بن زيد - عن أبيه عن عبد الله بن طاهر عن طاهر بن الحسين بن زريق، عن الفضل بن سهل ذي الرئاستين عن جعفر بن يحيى به. وقال عمرو بن بحر الجاحظ قال جعفر للرشيد: يا أمير المؤمنين! قال لي أبي يحيى: إذا أقبلت الدنيا عليك فأعط، وإذا أدبرت فأعط، فإنّها لا تبقى، وأنشدني أبي: لا تبخلنّ بدنيا وهي مقبلة … فليس ينقصها التبذير والسرف

стр. 3379

فان تولّت فأحرى أن تجود بها … فالحمد منها إذا ما أدبرت خلف قال الخطيب: ولقد كان جعفر من علوّ القدر ونفاذ الأمر وعظم المحل وجلالة المنزلة عند الرشيد على حالة انفرد بها، ولم يشاركه فيها أحد. وكان سمح الأخلاق طلق الوجه ظاهر البشر. أما جوده وسخاؤه وبذله وعطاؤه فأشهر من أن يذكر. وكان أيضا من ذوي الفصاحة والمذكورين بالبلاغة. وروى ابن عساكر عن مهذب حاجب العباس بن محمد صاحب قطيعة العباس والعباسية أنه أصابته فاقة وضائقة، وكان عليه ديون، فألحّ عليه المطالبون وعنده سفط فيه جواهر شراؤه عليه ألف ألف، فأتى به جعفرا فعرضه عليه وأخبره بما هو عليه من الثمن، وأخبره بإلحاح المطالبين بديونهم، وأنه لم يبق له سوى هذا السفط. فقال: قد اشتريته منك بألف ألف ثم أقبضه المال وقبض السفط منه، وكان ذلك ليلا. ثم أمر من ذهب بالمال إلى منزله وأجلسه معه في السمر تلك الليلة، فلما رجع إلى منزله إذا السفط قد سبقه إلى منزله أيضا. قال فلما أصبحت غدوت إلى جعفر لأتشكر له فوجدته مع أخيه الفضل على باب الرشيد يستأذنان عليه، فقال له جعفر: إني قد ذكرت أمرك للفضل، وقد أمر لك بألف ألف، وما أظنها إلا قد سبقتك إلى منزلك، وسأفاوض فيك أمير المؤمنين. فلما دخل ذكر له أمره وما لحقه من الديون فأمر له بثلاثمائة ألف دينار. وكان جعفر ليلة في سمره عند بعض أصحابه (١) فجاءت الخنفساء فركبت ثياب الرجل فألقاها عنه جعفر وقال: إن الناس يقولون: من قصدته الخنفساء يبشر بمال يصيبه. فأمر له جعفر بألف دينار. ثم عادت الخنفساء، فرجعت إلى الرجل فأمر له بألف دينار أخرى. وحج مرة مع الرشيد فلما كانوا بالمدينة قال لرجل من أصحابه: انظر جارية أشتريها تكون فائقة في الجمال والغناء والدعابة، ففتش الرجل فوجد جارية على النعت فطلب سيدها فيها مالا كثيرا على أن يراها جعفر، فذهب جعفر إلى منزل سيدها فلما رآها أعجب بها، فلما غنته أعجبته أكثر، فساومه صاحبها فيها، فقال له جعفر: قد أحضرنا مالا فإن أعجبك وإلا زدناك، فقال لها سيدها: إني كنت في نعمة وكنت عندي في غاية السرور، وإنه قد انقبض عليّ حالي، وإني قد أحببت أن أبيعك لهذا الملك، لكي تكوني عنده كما كنت عندي. فقالت له الجارية: والله يا سيدي لو ملكت منك كما ملكت مني لم أبعك بالدنيا وما فيها، وأين ما كنت عاهدتني أن لا تبيعني ولا تأكل من ثمني. فقال سيدها لجعفر وأصحابه: أشهدكم أنها حرة لوجه الله، وأني قد تزوجتها. فلما قال ذلك نهض جعفر وقام أصحابه وأمروا الحمال أن يحمل المال. فقال جعفر: والله لا يتبعني، وقال للرجل: قد

стр. 3380

ملكتك هذا المال فأنفقه على أهلك، وذهب وتركه. هذا وقد كان يبخل بالنسبة إلى أخيه الفضل، إلا أن الفضل كان أكثر منه مالا. وروى ابن عساكر من طريق الدارقطنيّ بسنده أنه لما أصيب جعفر وجدوا له في جرّة ألف دينار، زنة كل دينار مائة دينار، مكتوب على صفحة الدينار جعفر: وأصفر من ضرب دار الملوك … يلوح على وجهه جعفر يزيد على مائة واحدا … متى تعطه معسرا يوسر وقال أحمد بن المعلى الراوية: كتبت عنان جارية الناطفي لجعفر تطلب منه أن يقول لأبيه يحيى أن يشير على الرشيد بشرائها، وكتبت إليه هذه الأبيات من شعرها في جعفر: - يا لائمي جهلا ألا تقصر … من ذا على حر الهوى يصبر لا تلحني إذا شربت الهوى … صرفا فممزوج الهوى سكر أحاط بي الحب فخلفي له … بحر وقدّامي له أبحر تخفق رايات الهوى بالردى … فوقي وحولي للهوى عسكر سيان عندي في الهوى لائم … أقل فيه والّذي يكثر أنت المصفى من بني برمك … يا جعفر الخيرات يا جعفر لا يبلغ الواصف في وصفه … ما فيك من فضل ولا يعشر من وفر المال لأغراضه … فجعفر أغراضه أوفر ديباجة الملك على وجهه … وفي يديه العارض الممطر سحت علينا منهما ديمة … ينهل منها الذهب الأحمر لو مسحت كفاه جلمودة … نضر فيها الورق الأخضر لا يستتم المجد إلا فتى … يصبر للبذل كما يصبر يهتز تاج الملك من فوقه … فخرا ويزهى تحته المنبر أشبهه البدر إذا ما بدا … أو غرة في وجهه يزهر والله ما أدري أبدر الدجى … في وجهه أم وجهه أنور يستمطر الزوار منك الندى … وأنت بالزوار تستبشر وكتبت تحت أبياتها حاجتها، فركب من فوره إلى أبيه فأدخله على الخليفة فأشار عليه بشرائها فقال: لا والله لا أشتريها، وقد قال فيها الشعراء فأكثروا، واشتهر أمرها وهي التي يقول فيها أبو نواس: لا يشتريها إلا ابن زانية … أو قلطبان يكون من كانا

стр. 3381

وعن تمامة بن أشرس قال: بت ليلة مع جعفر بن يحيى بن خالد، فانتبه من منامه يبكي مذعورا فقلت: ما شأنك؟ قال: رأيت شيخا جاء فأخذ بعضادتي هذا الباب وقال: كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا … أنيس ولم يسمر بمكة سامر قال فأجبته: بلى نحن كنا أهلها فأبادنا … صروف الليالي والجدود العواثر قال ثمامة: فلما كانت الليلة القابلة قتله الرشيد ونصب رأسه على الجسر ثم خرج الرشيد فنظر إليه فتأمله ثم أنشأ يقول: تقاضاك دهرك ما أسلفا … وكدر عيشك بعد الصفا فلا تعجبنّ فإن الزمان … رهين بتفريق ما ألفا قال: فنظرت إلى جعفر وقلت: أما لئن أصبحت اليوم آية فلقد كنت في الكرم والجود غاية، قال: فنظر إليّ كأنه جمل صؤول ثم أنشأ يقول: - ما يعجب العالم من جعفر … ما عاينوه فبنا كانا من جعفر أو من أبوه ومن … كانت بنو برمك لولانا ثم حول وجه فرسه وانصرف (١). وقد كان مقتل جعفر ليلة السبت مستهل صفر من سنة سبع وثمانين ومائة، وكان عمره سبعا وثلاثين سنة، ومكث وزيرا سبع عشرة سنة. وقد دخلت عبادة أم جعفر على أناس في يوم عيد أضحى تستمنحهم جلد كبش تدفأ به، فسألوها عن ما كانت فيه من النعمة فقالت: لقد أصبحت في مثل هذا اليوم وإن على رأسي أربعمائة وصيفة، وأقول إن ابني جعفرا عاق لي. وروى الخطيب البغدادي باسناده أن سفيان بن عيينة لما بلغه قتل الرشيد جعفرا وما أحل بالبرامكة، استقبل القبلة وقال: اللهمّ إن جعفرا كان قد كفاني مؤنة الدنيا فاكفه مؤنة الآخرة. حكاية غريبة ذكر ابن الجوزي في المنتظم أن المأمون بلغه أن رجلا يأتي كل يوم إلى قبور البرامكة فيبكي عليهم ويندبهم، فبعث من جاء به فدخل عليه وقد يئس من الحياة، فقال له: ويحك! ما يحملك على صنيعك هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين إنهم أسدوا إليّ معروفا وخيرا كثيرا. فقال: وما الّذي أسدوه إليك؟ فقال: أنا المنذر بن المغيرة من أهل دمشق، كنت بدمشق في نعمة عظيمة واسعة، فزالت عني حتى أفضى بي الحال إلى أن بعت داري، ثم لم يبق لي شيء، فأشار بعض أصحابي عليّ بقصد البرامكة ببغداد، فأتيت أهلي وتحملت بعيالي، فأتيت بغداد ومعي نيف وعشرون امرأة

стр. 3382

فانزلتهن في مسجد مهجور ثم قصدت مسجدا مأهولا أصلي فيه. فدخلت مسجدا فيه جماعة لم أر أحسن وجوها منهم، فجلست إليهم فجعلت أدبر في نفسي كلاما أطلب به منهم قوتا للعيال الذين معي، فيمنعني من ذلك السؤال الحياء، فبينا أنا كذلك إذا بخادم قد أقبل فدعاهم فقاموا كلهم وقمت معهم، فدخلوا دارا عظيمة، فإذا الوزير يحيى بن خالد جالس فيها فجلسوا حوله، فعقد عقد ابنته عائشة على ابن عم له ونثروا فلق المسك وبنادق العنبر، ثم جاء الخدم إلى كل واحد من الجماعة بصينية من فضة فيها ألف دينار، ومعها فتات المسك، فأخذها القوم ونهضوا وبقيت أنا جالسا، وبين يدي الصينية التي وضعوها لي، وأنا أهاب أن آخذها من عظمتها في نفسي، فقال لي بعض الحاضرين: ألا تأخذها وتذهب؟ فمددت يدي فأخذتها فأفرغت ذهبها في جيبي وأخذت الصينية تحت إبطي وقمت، وأنا خائف أن تؤخذ مني، فجعلت أتلفت والوزير ينظر إليّ وأنا لا أشعر، فلما بلغت الستارة أمرهم فردوني فيئست من المال، فلما رجعت قال لي: ما شأنك خائف؟ فقصصت عليه خبري، فبكى ثم قال لأولاده: خذوا هذا فضموه إليكم. فجاءني خادم فأخذ مني الصينية والذهب وأقمت عندهم عشرة أيام من ولد إلى ولد، وخاطري كله عند عيالي، ولا يمكنني الانصراف، فلما انقضت العشرة الأيام جاءني خادم فقال: ألا تذهب إلى عيالك؟ فقلت: بلى والله، فقام يمشي أمامي ولم يعطني الذهب والصينية، فقلت: يا ليت هذا كان قبل أن يؤخذ مني الصينية والذهب، يا ليت عيالي رأوا ذلك. فسار يمشي أمامي إلى دار لم أر أحسن منها، فدخلتها فإذا عيالي يتمرغون في الذهب والحرير فيها، وقد بعثوا إلى الدار مائة ألف درهم وعشرة آلاف دينار، وكتابا فيه تمليك الدار بما فيها، وكتابا آخر فيه تمليك قريتين جليلتين، فكنت مع البرامكة في أطيب عيش، فلما أصيبوا أخذ مني عمرو بن مسعدة القريتين وألزمني بخراجهما، فكلما لحقتني فاقة قصدت دورهم وقبورهم فبكيت عليهم. فأمر المأمون برد القريتين، فبكى الشيخ بكاء شديدا فقال المأمون: ما لك؟ ألم استأنف بك جميلا؟ قال: بلى! ولكن هو من بركة البرامكة. فقال له المأمون: امض مصاحبا فإن الوفاء مبارك، ومراعاة حسن العهد والصحبة من الايمان. وفيها توفي: الفضيل بن عياض أبو علي التميمي أحد أئمة العباد الزهاد، وهو أحد العلماء والأولياء، ولد بخراسان بكورة دينور (١) وقدم الكوفة وهو كبير، فسمع بها الأعمش ومنصور بن المعتمر وعطاء بن السائب وحصين بن عبد الرحمن وغيرهم. ثم انتقل إلى مكة فتعبد بها، وكان حسن التلاوة كثير الصلاة والصيام، وكان سيدا جليلا ثقة من أئمة الرواية ﵀ ورضي عنه. وله مع الرشيد قصة طويلة. وقد روينا ذلك مطولا في كيفية دخول الرشيد عليه منزله، وما قال له الفضيل بن عياض، وعرض

стр. 3383

عليه الرشيد المال فأبى أن يقبل منه ذلك (١). توفي بمكة في المحرم من هذه السنة. وذكروا أنه كان شاطرا يقطع الطريق، وكان يتعشق جارية، فبينما هو ذات ليلة يتسور عليها جدارا إذ سمع قارئا يقرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ﴾ [الحديد: ١٦] فقال: بلى! وتاب وأقلع عما كان عليه. ورجع إلى خربة فبات بها فسمع سفارا يقولون: خذوا حذركم إن فضيلا أمامكم يقطع الطريق، فأمنهم واستمر على توبته حتى كان منه ما كان من السيادة والعبادة والزهادة، ثم صار علما يقتدى به ويهتدى بكلامه وفعاله. قال الفضيل: لو أن الدنيا كلها حلال أحاسب بها لكنت أتقذرها كما يتقذر أحدكم الجيفة إذا مر بها أن تصيب ثوبه، وقال: العمل لأجل الناس شرك، وترك العمل لأجل الناس رياء، والإخلاص أن يعافيك الله منهما. وقال له الرشيد يوما: ما أزهدك، فقال: أنت أزهد مني، لأني أنا زهدت في الدنيا التي هي أقل من جناح بعوضة، وأنت زهدت في الآخرة التي لا قيمة لها، فأنا زاهد في الفاني وأنت زاهد في الباقي. ومن زهد في درة أزهد ممن زهد في بعرة. وقد روى مثل هذا عن أبي حازم أنه قال ذلك لسليمان بن عبد الملك. وقال: لو أن لي دعوة مستجابة لجعلتها للإمام، لأن به صلاح الرعية، فإذا صلح أمنت العباد والبلاد. وقال: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق حماري وخادمي وامرأتي وفأر بيتي. وقال في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ [هود: ٧]. قال: يعني أخلصه وأصوبه، إن العمل يجب أن يكون خالصا لله، وصوابا على متابعة النبي ﷺ . وفيها توفي: بشر بن المفضل، وعبد السلام بن حرب، وعبد العزيز بن محمد الدراوَرْديّ، وعبد العزيز العمي، وعلي بن عيسى، الأمير ببلاد الروم مع القاسم بن الرشيد في الصائفة. ومعتمر بن سليمان وأبو شعيب البراثي الزاهد، وكان أول من سكن براثا في كوخ له يتعبد فيه، فهويته امرأة من بنات الرؤساء فانخلعت مما كانت فيه من الدنيا والسعادة والحشمة، وتزوجته وأقامت معه في كوخه تتعبد حتى ماتا، يقال إن اسمها جوهرة. ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة فيها غزا إبراهيم بن إسرائيل (٢) الصائفة فدخل بلاد الروم من درب الصفصاف فخرج النقفور للقائه فجرح النقفور ثلاث جراح، وانهزم وقتل من أصحابه أكثر من أربعين ألفا، وغنموا أكثر من أربعة آلاف دابة. وفيها رابط القاسم بن الرشيد بمرج دابق. وفيها حج بالناس الرشيد، وكانت آخر حجاته. وقد قال أبو بكر حين رأى الرشيد منصرفا من الحج - وقد اجتاز بالكوفة - لا يحج الرشيد بعدها، ولا يحج بعده خليفة أبدا. وقد رأى الرشيد بهلول الموله فوعظه موعظة حسنة، فروينا من طريق الفضل بن الربيع الحاجب قال: حججت مع الرشيد فمررنا بالكوفة فإذا بهلول المجنون يهذي، فقلت: اسكت فقد أقبل أمير المؤمنين، فسكت. فلما حاذاه الهودج قال: يا أمير المؤمنين حدثني أيمن بن نائل (٣)، ثنا قدامة بن عبد الله العامري قال: رأيت النبي ﷺ بمنى على جمل وتحته رحل رث، ولم يكن ثمّ طرد ولا ضرب ولا إليك إليك. قال الربيع فقلت: يا أمير المؤمنين إنه بهلول، فقال: قد عرفته، قل يا بهلول فقال:

стр. 3384

هب أن قد ملكت الأرض طرا … ودان لك العباد فكان ماذا أليس غدا مصيرك جوف قبر (١) … ويحثو عليك التراب هذا ثم هذا قال: أجدت يا بهلول، أفغيره؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين! من رزقه الله مالا وجمالا فعف في جماله، وواسى في ماله، كتب في ديوان الله من الأبرار. قال: فظن أنه يريد شيئا، فقال: إنا أمرنا بقضاء دينك. فقال: لا تفعل يا أمير المؤمنين، لا يقضى دين بدين، اردد الحق إلى أهله واقض دين نفسك من نفسك. قال: إنا أمرنا أن يجري عليك رزق تقتات به. قال: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإنه سبحانه لا يعطيك وينساني. وها أنا قد عشت عمرا لم تجر عليّ رزقا، انصرف لا حاجة لي في جرايتك. قال: هذه ألف دينار خذها. فقال: ارددها على أصحابها فهو خير لك، وما أصنع أنا بها؟ انصرف عني فقد آذيتني. قال: فانصرف عنه الرشيد وقد تصاغرت عنده الدنيا. وممن توفي فيها من الأعيان: أبو إسحاق الفزاري إبراهيم بن محمد بن الحارث بن إسماعيل بن خارجة، إمام أهل الشام في المغازي وغير ذلك. أخذ عن الثوري والأوزاعي وغيرهما، توفي في هذه السنة. وقيل قبلها. وإبراهيم الموصلي النديم، وهو إبراهيم بن ماهان بن بهمن أبو إسحاق، أحد الشعراء والمغنين والندماء للرشيد وغيره، أصله من الفرس وولد بالكوفة وصحب شبانها وأخذ عنهم الغناء، ثم سافر إلى الموصل ثم عاد إلى الكوفة فقالوا: الموصلي. ثم اتصل بالخلفاء أو لهم المهدي وحظي عند الرشيد، وكان من جملة سماره وندمائه ومغنيه، وقد أثرى وكثر ماله جدا، حتى قيل إنه ترك أربعة وعشرين ألف ألف درهم، وكانت له طرف وحكايات غريبة، وكان مولده سنة خمس عشرة (٢) ومائة في الكوفة، ونشأ في كفالة بني تميم، فتعلم منهم ونسب إليهم، وكان فاضلا بارعا في صناعة الغناء، وكان مزوجا بأخت المنصور الملقب بزلزل، الّذي كان يضرب معه، فإذا غنى هذا وضرب هذا اهتز المجلس. توفي في هذه السنة على الصحيح، وحكى ابن خلكان في الوفيات أنه توفي وأبو العتاهية وأبو عمرو الشيبانيّ ببغداد في يوم واحد من سنة ثلاث عشرة ومائتين. وصحح الأول. ومن قوله في شعره عند احتضاره قوله: ملّ والله طبيبي … من مقاساة الّذي بي سوف أنعى عن قريب … لعدو وحبيب وفيها مات جرير بن عبد الحميد (٣)، ورشد (٤) بن سعد، وعبدة بن سليمان (٥)، وعقبة بن خالد (٦)، وعمر بن أيوب العابد أحد مشايخ أحمد بن حنبل، وعيسى بن يونس (٧) في قول. ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائة فيها رجع الرشيد من الحج وسار إلى الري فولى وعزل. وفيها رد علي بن عيسى إلى ولاية خراسان، وجاءه نواب تلك البلاد بالهدايا والتحف من سائر الأشكال والألوان، ثم عاد إلى بغداد فأدركه عيد الأضحى بقصر اللصوص (٨) فضحى عنده، ودخل إلى بغداد لثلاث بقين من ذي الحجة، فلما اجتاز بالجسر أمر بجثة جعفر بن يحيى البرمكي فأحرقت ودفنت، وكانت مصلوبة من

стр. 3385

حين قتل إلى هذا اليوم، ثم ارتحل الرشيد من بغداد إلى الرقة ليسكنها وهو متأسف على بغداد وطيبها، وإنما مراده بمقامه بالرقة ردع المفسدين بها، وقد قال العباس بن الأحنف في خروجهم من بغداد مع الرشيد: ما أنخنا حتى ارتحلنا فما … نفرق بين المناخ والارتحال ساءلونا عن حالنا إذ قدمنا … فقرنّا وداعهم بالسؤال وفيها فادى الرشيد الأسارى من المسلمين الذين كانوا ببلاد الروم، حتى يقال إنه لم يترك بها أسيرا من المسلمين. فقال فيه بعض الشعراء: وفكت بك الأسرى التي شيدت لها … محابس ما فيها حميم يزورها على حين أعيا المسلمين فكاكها … وقالوا سجون المشركين قبورها وفيها رابط القاسم بن الرشيد بمرج دابق يحاصر الروم. وفيها حج بالناس العباس بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس. ذكر من توفي فيها من الأعيان علي بن حمزة بن عبد الله بن فيروز أبو الحسن الأسدي مولاهم، الكوفي المعروف بالكسائي لإحرامه في كساء، وقيل لاشتغاله على حمزة الزيات في كساء، كان نحويا لغويا أحد أئمة القراء، أصله من الكوفة ثم استوطن بغداد، فأدب الرشيد وولده الأمين، وقد قرأ على حمزة بن حبيب الزيات قراءته، وكان يقرئ بها، ثم اختار لنفسه قراءة وكان يقرأ بها. وقد روى عن أبي بكر بن عياش وسفيان بن عيينة وغيرهما، وعنه يحيى بن زياد الفراء وأبو عبيد. قال الشافعيّ: من أراد النحو فهو عيال على الكسائي. أخذ الكسائي عن الخليل صناعة النحو فسأله يوما: عن من أخذت هذا العلم؟ قال: من بوادي الحجاز. فرحل الكسائي إلى هناك فكتب عن العرب شيئا كثيرا، ثم عاد إلى الخليل فإذا هو قد مات وتصدر في موضعه يونس، فجرت بينهما مناظرات أقر له فيها يونس بالفضل، وأجلسه في موضعه. قال الكسائي: صليت يوما بالرشيد فأعجبتني قراءتي، فغلطت غلطة ما غلطها صبي، أردت أن أقول لعلهم يرجعون، فقلت لعلهم ترجعين، فما تجاسر الرشيد أن يردها. فلما سلمت قال: أي لغة هذه؟ فقلت: إن الجواد قد يعثر. فقال: أما هذا فنعم. وقال بعضهم: لقيت الكسائي فإذا هو مهموم، فقلت: ما لك؟ فقال: إن يحيى بن خالد قد وجه إليّ ليسألني عن أشياء فأخشى من الخطأ، فقلت: قل ما شئت فأنت الكسائي، فقال: قطعه الله - يعني لسانه - إن قلت ما لم أعلم. وقال الكسائي يوما قلت لنجار: بكم هذان البابان؟ فقال: بسالجيان يا مصفعان. توفي الكسائي في هذه السنة على المشهور، عن سبعين سنة. وكان في صحبة الرشيد ببلاد الري

стр. 3386

فمات بنواحيها هو ومحمد بن الحسن في يوم واحد، وكان الرشيد يقول: دفنت الفقه والعربية بالري. قال ابن خلكان: وقيل إن الكسائي توفي بطوس سنة ثنتين وثمانين ومائة، وقد رأى بعضهم الكسائي في المنام ووجهه كالبدر فقال: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي بالقرآن. فقلت: ما فعل حمزة؟ قال: ذاك في عليين، ما نراه إلا كما نرى الكوكب. وفيها توفي: محمد بن الحسن بن زفر أبو عبد الله الشيبانيّ مولاهم، صاحب أبي حنيفة. أصله من قرية (١) من قرى دمشق، قدم أبوه العراق فولد بواسط سنة ثنتين وثلاثين ومائة، ونشأ بالكوفة فسمع من أبي حنيفة ومسعر والثوري وعمر بن ذر ومالك بن مغول، وكتب عن مالك بن أنس والأوزاعي وأبي يوسف، وسكن بغداد وحدث بها، وكتب عنه الشافعيّ حين قدمها في سنة أربع وثمانين ومائة، وولاه الرشيد قضاء الرقة ثم عزله. وكان يقول لأهله: لا تسألوني حاجة من حاجات الدنيا فتشغلوا قلبي. وخذوا ما شئتم من مالي فإنه أقل لهمي وأفرغ لقلبي. وقال الشافعيّ: ما رأيت حبرا سمينا مثله، ولا رأيت أخف روحا منه، ولا أفصح منه. كنت إذا سمعته يقرأ القرآن كأنما ينزل القرآن بلغته. وقال أيضا: ما رأيت أعقل منه، كان يملأ العين والقلب، قال الطحاوي: كان الشافعيّ قد طلب من محمد بن الحسن كتاب السير فلم يجبه إلى الإعارة فكتب إليه: قل للذي لم تر عيناي مثله … حتى كأن من رآه قد رأى من قبله العلم ينهى أهله أن يمنعوه أهله … لعله ببذله لأهله لعله قال: فوجه به إليه في الحال هدية لا عارية. وقال إبراهيم الحربي: قيل لأحمد بن حنبل: هذه المسائل الدقاق من أين هي لك؟ قال: من كتب محمد بن الحسن ﵀. وقد تقدم أنه مات هو والكسائي في يوم واحد من هذه السنة. فقال الرشيد: دفنت اليوم اللغة والفقه جميعا. وكان عمره ثمانية وخمسين سنة. ثم دخلت سنة تسعين ومائة من الهجرة فيها خلع رافع بن ليث بن نصر بن سيار نائب سمرقند الطاعة ودعا إلى نفسه (٢)، وتابعه أهل بلده وطائفة كثيرة من تلك الناحية، واستفحل أمره، فسار إليه نائب خراسان علي بن عيسى فهزمه رافع وتفاقم الأمر به. وفيها سار الرشيد لغزو بلاد الروم لعشر بقين من رجب، وقد لبس على رأسه قلنسوة فقال فيها أبو المعلى الكلابي: فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر … وفي أرض الترفه فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق … من المتخلفين على الأمور فسار حتى وصل إلى الطوانة فعسكر بها وبعث إليه نقفور بالطاعة وحمل الخراج والجزية حتى عن رأس ولده ورأسه، وأهل مملكته، في كل سنة خمسة عشر ألف دينار، وبعث يطلب من الرشيد جارية قد أسروها وكانت ابنة ملك هرقلة (٣)، وكان قد خطبها على ولده، فبعث بها الرشيد مع هدايا وتحف وطيب بعث يطلبه من الرشيد، واشترط عليه الرشيد أن يحمل في كل سنة ثلاثمائة ألف دينار، وأن لا يعمر هرقلة. ثم انصرف الرشيد راجعا واستناب على الغزو عقبة بن جعفر ونقض أهل قبرص العهد فغزاهم معيوف بن يحيى، فسبى أهلها وقتل منهم خلقا كثيرا. وخرج رجل من عبد القيس فبعث إليه الرشيد من قتله. وحج بالناس فيها عيسى بن موسى الهادي.

стр. 3387

من توفي فيها من الأعيان والمشاهير أسد بن عمرو بن عامر أبو المنذر البجلي الكوفي صاحب أبي حنيفة، حكم ببغداد وبواسط، فلما انكف بصره عزل نفسه عن القضاء. قال أحمد بن حنبل: كان صدوقا. ووثقه ابن معين، وتكلم فيه علي بن المديني والبخاري. وسعدون المجنون صام ستين سنة فخف دماغه فسماه الناس مجنونا، وقف يوما على حلقة ذي النون المصري فسمع كلامه فصرخ ثم أنشأ يقول: ولا خير في شكوى إلى غير مشتكى … ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر وقال الأصمعي: مررت به وهو جالس عند رأس شيخ سكران يذب عنه، فقلت له: ما لي أراك عند رأس هذا الشيخ؟ فقال: إنه مجنون. فقلت: أنت مجنون أو هو؟ قال: لا بل هو، لأني صليت الظهر والعصر في جماعة وهو لم يصلّ جماعة ولا فرادى. وهو مع هذا قد شرب الخمر وأنا لم أشربها. قلت: فهل قلت في هذا شيئا؟ قال: نعم، ثم أنشأ يقول: تركت النبيذ لأهل النبيذ … وأصبحت أشرب ماء قراحا لأن النبيذ يذل العزيز … ويكسو السواد الوجوه الصباحا فإن كان ذا جائزا للشباب … فما العذر منه إذا الشيب لاحا قال الأصمعي: فقلت له: صدقت، أنت العاقل وهو المجنون. وعبيدة بن حميد بن صهيب، أبو عبد الرحمن التميمي الكوفي، مؤدب الأمين. روى عن الأعمش وغيره، وعنه أحمد بن حنبل. وكان يثني عليه. وفيها توفي: يحيى بن خالد بن برمك أبو علي الوزير والد جعفر البرمكي، ضم إليه المهدي ولده الرشيد فرباه، وأرضعته امرأته مع الفضل بن يحيى، فلما ولي الرشيد عرف له حقه، وكان يقول: قال أبي، قال أبي. وفوض إليه أمور الخلافة وأزمتها، ولم يزل كذلك حتى نكبت البرامكة فقتل جعفر وخلد أباه يحيى في الحبس حتى مات في هذه السنة. وكان كريما فصيحا، ذا رأي سديد، يظهر من أموره خير وصلاح. قال يوما لولده: خذوا من كل شيء طرفا، فإن من جهل شيئا عاداه. وقال لأولاده: اكتبوا أحسن ما تسمعون، واحفظوا أحسن ما تكتبون، وتحدثوا بأحسن ما تحفظون. وكان يقول لهم: إذا أقبلت الدنيا فأنفقوا منها فإنّها لا تبقى، وإذا أدبرت فأنفقوا منها فإنّها لا تبقى، وكان إذا سأله سائل في الطريق وهو راكب أقل ما يأمر له بمائتي درهم فقال رجل يوما: يا سمي الحصور (١) يحيى … أتيحت لك من فضل ربنا جنتان كل من مرّ في الطريق عليكم … فله من نوالكم مائتان مائتا درهم لمثلي قليل … هي (٢) للفارس العجلان فقال: صدقت. وأمر فسبق به إلى الدار، فلما رجع سأل عنه فإذا هو قد تزوج وهو يريد أن يدخل على أهله فأعطاه صداقها أربعة آلاف، وعن دار أربعة آلاف، وعن الأمتعة أربعة آلاف. وكلفة الدخول أربعة آلاف، وأربعة آلاف يستظهر بها. وجاء رجل يوما فسأله شيئا فقال: ويحك لقد جئتني في وقت لا أملك فيه مالا، وقد بعث إليّ صاحب لي يطلب مني أن يهدي إليّ ما أحب، وقد بلغني أنك تريد أن تبيع جارية لك، وأنك قد أعطيت فيها ثلاثة آلاف دينار، وإني سأطلبها فلا تبعها منه بأقل من ثلاثين ألف دينار. فجاءوني فبلغوا معي بالمساومة إلى عشرين ألف دينار، فلما سمعتها ضعف قلبي عن ردها، وأجبت إلى بيعها، فأخذها وأخذت العشرين ألف دينار. فأهداها إلى يحيى، فلما اجتمعت بيحيى قال: بكم بعتها؟ قلت: بعشرين ألف دينار. قال: إنك لخسيس خذ جاريتك إليك وقد بعث إلى صاحب فارس يطلب مني أن أستهديه شيئا، وإني سأطلبها منه فلا تبعها بأقل من خمسين ألف دينار. فجاءوني فوصلوا في ثمنها إلى ثلاثين ألف دينار، فبعتها منهم. فلما جئته لامني أيضا

стр. 3388

وردها عليّ، فقلت: أشهدك أنها حرة وأني قد تزوجتها، وقلت: جارية قد أفادتني خمسين ألف دينار لا أفرط فيها بعد اليوم. وذكر الخطيب أن الرشيد طلب من منصور بن زياد عشرة آلاف ألف درهم، ولم يكن عنده منها سوى ألف ألف درهم، فضاق ذرعا، وقد توعده بالقتل وخراب الديار إن لم يحملها في يومه ذلك، فدخل على يحيى بن خالد وذكر أمره فأطلق له خمسة آلاف ألف، واستطلق له من ابنه الفضل ألفي ألف، وقال لابنه: يا بني بلغني أنك تريد أن تشتري بها ضيعة. وهذه ضيعة تغل الشكر وتبقى مدى الدهر. وأخذ له من ابنه جعفر ألف ألف، ومن جاريته دنانير عقدا اشتراه بمائة ألف دينار، وعشرون ألف دينار، وقال للمترسم عليه: قد حسبناه عليك بألفي ألف. فلما عرضت الأموال على الرشيد رد العقد، وكان قد وهبه لجارية يحيى، فلم يعد فيه بعد إذ وهبه. وقال له بعض بنيه وهم في السجن والقيود: يا أبت بعد الأمر والنهي والنعمة صرنا إلى هذا الحال، فقل: يا بني دعوة مظلوم سرت بليل ونحن عنها غافلون ولم يغفل الله عنها. ثم أنشأ يقول: ربّ قوم قد غدوا في نعمة … زمنا والدهر ريان غدق سكت الدهر زمانا عنهم … ثم أبكاهم دما حين نطق وقد كان يحيى بن خالد هذا يجري على سفيان بن عيينة كل شهر ألف درهم، وكان سفيان يدعو له في سجوده يقول: اللهمّ إنه قد كفاني المؤنة وفرغني للعبادة فاكفه أمر آخرته. فلما مات يحيى رآه بعض أصحابه في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي بدعاء سفيان. وقد كان وفاة يحيى بن خالد ﵀ في الحبس في الرافقة لثلاث خلون من المحرم من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه ابنه الفضل، ودفن على شط الفرات، وقد وجد في جيبه رقعة مكتوب فيها بخطه: قد تقدم الخصم والمدعى عليه بالأثر، والحاكم الحكم العدل الّذي لا يجوز ولا يحتاج إلى بينة. فحملت إلى الرشيد فلما قرأها بكى يومه ذلك، وبقي أياما يتبين الأسى في وجهه. وقد قال بعض الشعراء في يحيى بن خالد: سألت الندا هل أنت حر فقال لا … ولكنني عبد ليحيى بن خالد فقلت شراء قال لا بل وراثة … توارث رقي والد بعد والد (١) ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائة فيها خرج رجل بسواد العراق يقال له ثروان بن سيف، وجعل يتنقل فيها من بلد إلى بلد، فوجه إليه الرشيد طوق بن مالك فهزمه وجرح ثروان وقتل عامة أصحابه، وكتب بالفتح إلى الرشيد. وفيها خرج بالشام أبو النداء فوجه إليه الرشيد يحيى بن معاذ واستنابه على الشام. وفيها وقع الثلج ببغداد. وفيها غزا بلاد الروم يزيد بن مخلد الهبيري في عشرة آلاف، فأخذت عليه الروم المضيق فقتلوه في خمسين من أصحابه على مرحلتين من طرسوس، وانهزم الباقون، وولى الرشيد غزو الصائفة لهرثمة بن أعين، وضم إليه ثلاثين ألفا فيهم مسرور الخادم، وإليه النفقات. وخرج الرشيد إلى الحدث ليكون قريبا منهم. وأمر الرشيد بهدم الكنائس والديور، وألزم أهل الذمة بتمييز لباسهم وهيئاتهم في بغداد وغيرها من البلاد. وفيها عزل الرشيد علي بن موسى عن إمرة خراسان وولاها هرثمة بن أعين. وفيها فتح الرشيد هرقلة في شوال وخرّبها وسبى أهلها وبث الجيوش والسرايا بأرض الروم إلى عين زربة، والكنيسة السوداء. وكان دخل هرقلة في كل يوم مائة ألف وخمسة وثلاثين ألف مرتزق، وولى حميد بن معيوف سواحل الشام إلى مصر، ودخل جزيرة قبرص فسبى أهلها وحملهم حتى باعهم بالرافقة، فبلغ ثمن الأسقف ألفي دينار، باعهم أبو البختري القاضي.

стр. 3389

وفيها أسلم الفضل بن سهل على يدي المأمون. وحج بالناس فيها الفضل بن عباس بن محمد بن علي العباسي، وكان والي مكة، ولم يكن للناس بعد هذه السنة صائفة إلى سنة خمس عشرة ومائتين. وفيها توفي من الأعيان: سلمة بن الفضل الأبرش (١)، وعبد الرحمن بن القاسم الفقيه الراويّ عن مالك بن يونس بن أبي إسحاق، قدم على الرشيد فأمر له بمال جزيل، نحوا من خمسين ألفا فلم يقبله. والفضل بن موسى الشيبانيّ (٢). ومحمد بن سلمة (٣)، ومحمد بن الحسين المصيصي أحد الزهاد الثقات. قال لم أتكلم بكلمة أحتاج إلى الاعتذار منها منذ خمسين سنة. وفيها توفي معمر الرقي. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائة فيها دخل هرثمة بن أعين إلى خراسان نائبا عليها، وقبض على علي بن عيسى فأخذ أمواله وحواصله وأركبه على بعير وجهه لذنبه ونادى عليه ببلاد خراسان، وكتب إلى الرشيد بذلك فشكره على ذلك، ثم أرسله إلى الرشيد بعد ذلك فحبس بداره ببغداد. وفيها ولى الرشيد ثابت بن نصر بن مالك نيابة الثغور فدخل بلاد الروم وفتح مطمورة. وفيها كان الصلح بين المسلمين والروم على يد ثابت بن نصر. وفيها خرجت الخرّمية بالجبل وبلاد أذربيجان. فوجه الرشيد إليهم عبد الله بن مالك بن الهيثم الخزاعي في عشرة آلاف فارس فقتل منهم خلقا وأسر وسبى ذراريهم، وقدم بهم بغداد فأمر له الرشيد بقتل الرجال منهم، وبالذرية فبيعوا فيها. وكان قد غزاهم قبل ذلك خزيمة بن خازم. وفي ربيع الأول منها قدم الرشيد من الرقة إلى بغداد في السفن وقد استخلف على الرقة ابنه القاسم وبين يديه خزيمة بن خازم، ومن نية الرشيد الذهاب إلى خراسان لغزو رافع بن ليث الّذي كان قد خلع الطاعة واستحوذ على بلاد كثيرة من بلاد سمرقند وغيرها، ثم خرج الرشيد في شعبان قاصدا خراسان، واستخلف على بغداد ابنه محمدا الأمين، وسأل المأمون من أبيه أن يخرج معه خوفا من غدر أخيه الأمين، فأذن له فسار معه وقد شكا الرشيد في أثناء الطريق إلى بعض أمرائه جفاء بنيه الثلاثة الذين جعلهم ولاة العهد من بعده، وأراه داء في جسده، وقال إن لكل واحد من الأمين والمأمون والقاسم عندي عينا عليّ، وهم يعدون أنفاسي ويتمنون انقضاء أيامي، وذلك شر لهم لو كانوا يعلمون. فدعا له ذلك الأمير ثم أمر له الرشيد بالانصراف إلى عمله وودعه، وكان آخر العهد به. وفيها تحرك ثروان الحروري وقتل عامل السلطان بطف البصرة. وفيها قتل الرشيد الهيصم اليماني. ومات عيسى بن جعفر وهو يريد اللحاق بالرشيد فمات في الطريق. وفيها حج بالناس العباس بن عبد الله بن جعفر بن أبي جعفر المنصور. وفيها توفي:

стр. 3390

إسماعيل بن جامع ابن إسماعيل بن عبد الله بن المطلب بن أبي وداعة (١) أبو القاسم، أحد المشاهير بالغناء، كان ممن يضرب به المثل، وقد كان أولا يحفظ القرآن ثم صار إلى صناعة الغناء وترك القرآن، وذكر عنه أبو الفرج بن علي بن الحسين صاحب الأغاني حكايات غريبة، من ذلك أنه قال كنت يوما مشرفا من غرفة (٢) بحران إذ أقبلت جارية سوداء معها قربة تستقي الماء، فجلست ووضعت قربتها واندفعت تغني: إلى الله أشكو بخلها وسماحتي … لها عسل مني وتبذل علقما فردّي مصاب القلب أنت قتلته … ولا تتركيه هائم القلب مغرما (٣) قال: فسمعت ما لا صبر لي عنه ورجوت أن تعيده فقامت وانصرفت، فنزلت وانطلقت وراءها وسألتها أن تعيده فقالت: إن عليّ خراجا كل يوم درهمين، فأعطيتها درهمين فأعادته فحفظته وسلكته يومي ذلك، فلما أصبحت أنسيته فأقبلت السوداء فسألتها أن تعيده فلم تفعل إلا بدرهمين، ثم قالت: كأنك تستكثر أربعة دراهم، كأني بك وقد أخذت عليه أربعة آلاف دينار. قال فغنيته ليلة للرشيد فأعطاني ألف دينار، ثم استعادنيه ثلاث مرات أخرى وأعطاني ثلاثة آلاف دينار، فتبسمت فقال: مم تبسمت؟ فذكرت له القصة فضحك وألقى إليّ كيسا آخر فيه ألف دينار. وقال: لا أكذب السوداء. وحكى عنه أيضا قال: أصبحت يوما بالمدينة وليس معي إلا ثلاثة دراهم، فإذا جارية على رقبتها جرة تريد الركي (٤) وهي تسعى وتترنم بصوت شجي: شكونا إلى أحبابنا طول ليلنا … فقالوا لنا ما أقصر الليل عندنا وذاك لأن النوم يغشى عيونهم … سريعا ولا يغشى (٥) لنا النوم أعينا إذا ما دنا الليل المضر بذي الهوى … جزعنا وهم يستبشرون إذا دنا فلو أنهم كانوا يلاقون مثلما … نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا قال: فاستعدته منها وأعطيتها الدراهم الثلاثة فقالت: لتأخذن بدلها ألف دينار، وألف دينار وألف دينار. فأعطاني الرشيد ثلاثة آلاف دينار في ليلة على ذلك الصوت. وفيها توفي: بكر بن النطاح أبو وائل الحنفي البصري الشاعر المشهور، نزل بغداد زمن الرشيد، وكان يخالط أبا العتاهية. قال أبو عفان: أشعر أهل العدل من المحدثين أربعة، أو لهم بكر بن النطاح. وقال المبرد: سمعت الحسن بن رجاء يقول اجتمع جماعة من الشعراء ومعهم بكر بن النطاح يتناشدون، فلما فرغوا من

стр. 3391

طوالهم أنشد بكر بن النطاح لنفسه: ما ضرها لو كتبت بالرضى … فجف جفن العين أو أغمضا شفاعة مردودة عندها … في عاشق يود لو قد قضى يا نفس صبرا واعلمي أنما … يأمل منها مثلما قد مضى لم تمرض الأجفان من قاتل … بلحظه إلاّ لأن أمرضا قال: فابتدروه يقبلون رأسه. ولما مات رثاه أبو العتاهية فقال: مات ابن نطاح أبو وائل … بكر فأمسى الشعر قد بانا وفيها توفي بهلول المجنون، كان يأوي إلى مقابر الكوفة، وكان يتكلم بكلمات حسنة، وقد وعظ الرشيد وغيره كما تقدم. وعبد الله بن إدريس الأودي الكوفي، سمع الأعمش وابن جريج وشعبة ومالكا وخلقا سواهم. وروى عنه جماعات من الأئمة، وقد استدعاه الرشيد ليوليه القضاء فقال: لا أصلح، وامتنع أشد الامتناع، وكان قد سأل قبله وكيعا فامتنع أيضا، فطلب حفص بن غياث فقبل. وأطلق لكل واحد خمسة آلاف عوضا عن كلفته التي تكلفها في السفر، فلم يقبل وكيع ولا ابن إدريس، وقبل ذلك حفص، فحلف ابن إدريس لا يكلمه أبدا. وحج الرشيد في بعض السنين فاجتاز بالكوفة ومعه القاضي أبو يوسف والأمين والمأمون، فأمر الرشيد أن يجتمع شيوخ الحديث ليسمعوا ولديه، فاجتمعوا إلا ابن إدريس هذا، وعيسى بن يونس. فركب الأمين والمأمون بعد فراغهما من سماعهما على من اجتمع من المشايخ إلى ابن إدريس فأسمعهما مائة حديث، فقال له المأمون: يا عم إن أردت أعدتها من حفظي، فأذن له فأعادها من حفظه كما سمعها، فتعجب لحفظه. ثم أمر له المأمون بعشرة آلاف فلم يقبلها، فظن أنه استقلها فأضعفها فقال: والله لو ملأت لي المسجد مالا إلى سقفه ما قبلت منه شيئا على حديث رسول الله ﷺ . ولما احتضر ابن إدريس بكت ابنته فقال: علام تبكي؟ فقد ختمت في هذا البيت أربعة آلاف ختمة. صعصعة بن سلام ويقال ابن عبد الله أبو عبد الله الدمشقيّ، ثم تحول إلى الأندلس فاستوطنها في زمن عبد الملك بن معاوية وابنه هشام، وهو أول من أدخل علم الحديث ومذهب الأوزاعي إلى بلاد الأندلس، وولي الصلاة بقرطبة، وفي أيامه غرست الأشجار بالمسجد الجامع هناك كما يراه الأوزاعي والشاميون ويكرهه مالك وأصحابه. وقد روى عن مالك والأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز. وروى عنه جماعة منهم عبد الملك بن حبيب الفقيه، وذكره في كتاب الفقهاء، وذكره ابن يونس في تاريخه - تاريخ مصر - والحميدي في تاريخ الأندلس، وحرر وفاته في هذه السنة. وحكى عن شيخه ابن حزم أن صعصعة هذا أول من أدخل مذهب الأوزاعي إلى الأندلس. وقال ابن يونس: أول من أدخل علم الحديث إليها. وذكر أنه توفي قريبا من سنة ثمانين ومائة، والّذي حرره الحميدي في هذه السنة أثبت.

стр. 3392

علي بن ظبيان أبو الحسن العبسيّ قاضي الشرقية من بغداد، ولاه الرشيد ذلك. كان ثقة عالما من أصحاب أبي حنيفة، ثم ولاه الرشيد قضاء القضاة، وكان الرشيد يخرج معه إذا خرج من عنده، مات بقوميسين في هذه السنة. العباس بن الأحنف ابن الأسود بن طلحة الشاعر المشهور، كان من عرب خراسان ونشأ ببغداد، وكان لطيفا ظريفا مقبولا حسن الشعر. قال أبو العباس قال عبد الله بن المعتز: لو قيل لي من أحسن الناس شعرا تعرفه؟ لقلت العباس: قد سحب الناس أذيال الظنون بنا … وفرّق الناس فينا قولهم فرقا فكاذب قد رمى بالظنّ (١) غيركم … وصادق ليس يدري أنه صدقا وقد طلبه الرشيد ذات ليلة في أثناء الليل فانزعج لذلك وخاف نساؤه، فلما وقف بين يدي الرشيد قال له: ويحك إنه قد عنّ لي بيت في جارية لي فأحببت أن تشفعه بمثله، فقال: يا أمير المؤمنين ما خفت أعظم من هذه الليلة، فقال: ولم؟ فذكر له دخول الحرس عليه في الليل، ثم جلس حتى سكن روعه ثم قال: ما قلت يا أمير المؤمنين؟ فقال: حنان قد رأيناها … فلم نر مثلها بشرا يزيدك وجهها حسنا … إذا ما زدته نظرا فقال الرشيد: زد. فقال: إذا ما الليل مال عليك … بالاظلام واعتكرا ودج فلم تر فجرا (٢) … فأبرزها تر قمرا فقال: إنا قد رأيناها، وقد أمرنا لك بعشرة آلاف درهم. ومن شعره الّذي أقر له فيه بشار بن برد وأثبته في سلك الشعراء بسببه قوله: أبكي الذين أذاقوني مودتهم … حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا واستنهضوني فلما قمت منتصبا … بثقل ما حملوني منهم قعدوا وله أيضا: وحدثتني يا سعد عنها فزدتني … جنونا فزدني من حديثك يا سعد هواها هوى لم يعرف القلب غيره … فليس له قبل وليس له بعد قال الأصمعي: دخلت على العباس بن الأحنف بالبصرة وهو طريح على فراشه يجود بنفسه وهو يقول:

стр. 3393

يا بعيد (١) الدار عن وطنه … مفردا يبكي على شجنه كلما جد النحيب (٢) به … زادت الأسقام في بدنه ثم أغمي عليه ثم انتبه بصوت طائر على شجرة فقال: ولقد زاد الفؤاد شجا … هاتف (٣) يبكي على فننه شاقه ما شاقني (٤) فبكى … كلنا يبكي على سكنه قال ثم أغمي عليه أخرى فحركته فإذا هو قد مات. قال الصولي: كانت وفاته في هذه السنة، وقيل بعدها، وقيل قبلها في سنة ثمان وثمانين ومائة فالله أعلم. وزعم بعض المؤرخين أنه بقي بعد الرشيد. عيسى بن جعفر بن أبي جعفر المنصور أخو زبيدة، كان نائبا على البصرة في أيام الرشيد فمات في أثناء هذه السنة. وفيها توفي: الفضل بن يحيى ابن خالد بن برمك أخو جعفر وإخوته، كان هو والرشيد يتراضعان. أرضعت الخيزران فضلا، وأرضعت أم الفضل وهي زبيدة بنت بن بريه هارون الرشيد. وكانت زبيدة هذه من مولدات بتبين البرية، وقد قال في ذلك بعض الشعراء (٥): كفى لك فضلا أن أفضل حرة (٦) … غذتك بثدي والخليفة واحد لقد زنت يحيى في المشاهد كلها … كما زان يحيى خالدا في المشاهد قالوا: وكان الفضل أكرم من أخيه جعفر، ولكن كان فيه كبر شديد، وكان عبوسا، وكان جعفر أحسن بشرا منه وأطلق وجها، وأقل عطاء. وكان الناس إليه أميل، ولكن خصلة الكرم تغطي جميع القبائح، فهي تستر تلك الخصلة التي كانت في الفضل. وقد وهب الفضل لطباخه مائة ألف درهم فعابه أبوه على ذلك، فقال: يا أبت إن هذا يصحبني في العسر واليسر والعيش الخشن، واستمر معي في هذا الحال فأحسن صحبتي، وقد قال بعض الشعراء: إنّ الكرام إذا ما أيسروا ذكروا … من كان يعتادهم في المنزل الخشن ووهب يوما لبعض الأدباء عشرة آلاف دينار فبكى الرجل فقال له: مم تبكي، استقللتها؟

стр. 3394

قال: لا والله، ولكني أبكي أن الأرض تأكل مثلك، أو تواري مثلك. وقال علي بن الجهم عن أبيه: أصبحت يوما لا أملك شيئا حتى ولا علف الدابة. فقصدت الفضل بن يحيى، فإذا هو قد أقبل من دار الخلافة في موكب من الناس، فلما رآني رحب بي وقال: هلم. فسرت معه، فلما كان ببعض الطريق سمع غلاما يدعو جارية من دار، وإذا هو يدعوها باسم جارية له يحبها، فانزعج لذلك وشكا إلي ما لقي من ذلك، فقلت: أصابك ما أصاب أخي بني عامر حيث يقول: وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى … فهيّج أحزان الفؤاد ولا يدري دعا باسم ليلى غيرها وكأنما … أطار بليلى طائرا كان في صدري فقال: اكتب لي هذين البيتين. قال: فذهبت إلى بقال فرهنت عنده خاتمي على ثمن ورقة وكتبتهما له، فأخذهما وقال: انطلق راشدا. فرجعت إلى منزلي فقال لي غلامي: هات خاتمك حتى نرهنه على طعام لنا وعلف للدابة، فقلت: إني رهنته. فما أمسينا حتى أرسل إليّ الفضل بثلاثين ألفا من الذهب، وعشرة آلاف من الورق، أجراه علي كل شهر، وأسلفني شهرا. ودخل على الفضل يوما بعض الأكابر فأكرمه الفضل وأجلسه معه على السرير، فشكا إليه الرجل دينا عليه وسأله أن يكلم في ذلك أمير المؤمنين. فقال: نعم، وكم دينك؟ قال ثلاثمائة ألف درهم. فخرج من عنده وهو مهموم لضعف رده عليه، ثم مال إلى بعض إخوانه فاستراح عنده ثم رجع إلى منزله فإذا المال قد سبقه إلى داره. وما أحسن ما قال فيه بعض الشعراء: لك الفضل يا فضل بن يحيى بن خالد … وما كل من يدعى بفضل له فضل رأى الله فضلا منك في الناس واسعا … فسماك فضلا فالتقى الاسم والفعل وقد كان الفضل أكبر رتبة عند الرشيد من جعفر، وكان جعفر أحظى عند الرشيد منه وأخص. وقد ولي الفضل أعمالا كبارا، منها نيابة خراسان وغيرها. ولما قتل الرشيد البرامكة وحبسهم جلد الفضل هذا مائة سوط وخلده في الحبس حتى مات في هذه السنة، قبل الرشيد بشهور خمسة في الرقة وصلى عليه بالقصر الّذي مات فيه أصحابه، ثم أخرجت جنازته فصلى عليها الناس، ودفن هناك وله خمس وأربعون سنة، وكان سبب موته ثقل أصابه في لسانه اشتد به يوم الخميس ويوم الجمعة، وتوفي قبل أذان الغداة من يوم السبت. قال ابن جرير: وذلك في المحرم من سنة ثلاث وتسعين ومائة، وقال ابن الجوزي: في سنة ثنتين وتسعين فالله أعلم. وقد أطال ابن خلكان ترجمته وذكر طرفا صالحا من محاسنه ومكارمه، من ذلك أنه ورد بلخ حين كان نائبا على خراسان، وكان بها بيت النار التي كانت تعبدها المجوس، وقد كان جده برمك من خدامها، فهدم بعضه ولم يتمكن من هدمه كله، لقوة إحكامه، وبنى مكانه مسجدا لله تعالى. وذكر أنه

стр. 3395

كان يتمثل في السجن بهذه الأبيات ويبكي: إلى الله فيما نالنا نرفع الشكوى … ففي يده كشف المضرة والبلوى خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها … فلا نحن في الأموات فيها ولا الأحيا إذا جاءنا السجان يوما لحاجة … عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا (١) ومحمد بن أمية الشاعر الكاتب، وهو من بيت كلهم شعراء، وقد اختلط أشعار بعضهم في بعض. ومنصور بن الزبرقان ابن سلمة أبو الفضل النميري الشاعر، امتدح الرشيد، وأصله من الجزيرة وأقام ببغداد ويقال لجده مطعم الكبش الرخم، وذلك أنه أضاف يوما فجعلت الرخم تحوم حولهم، فأمر بكبش يذبح للرخم حتى لا يتأذى بها ضيفانه، ففعل له ذلك. فقال الشاعر فيه: أبوك زعيم بني قاسط … وخالك ذو الكبش يغذي الرخم وله أشعار حسنة، وكان يروي عن كلثوم بن عمرو، وكان شيخه الّذي أخذ عنه الغناء. يوسف بن القاضي أبي يوسف سمع الحديث من السري بن يحيى، ويونس بن أبي إسحاق، ونظر في الرأي وتفقه، وولي قضاء الجانب الشرقي ببغداد في حياة أبيه أبي يوسف، وصلى بالناس الجمعة بجامع المنصور عن أمر الرشيد. توفي في رجب من هذه السنة وهو قاضي ببغداد. ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائة قال ابن جرير: في المحرم منها توفي الفضل بن يحيى، وقال ابن الجوزي توفي الفضل في سنة ثنتين وتسعين كما تقدم. وما قاله ابن جرير أقرب. قال: وفيها توفي سعيد الجوهري، قال: وفيها وافى الرشيد جرجان وانتهت إليه خزائن علي بن عيسى تحمل على ألف وخمسمائة بعير، وذلك في صفر منها، ثم تحول منها إلى طوس وهو عليل، فلم يزل بها حتى كانت وفاته فيها. وفيها تواقع هرثمة نائب العراق هو ورافع بن الليث فكسره هرثمة وافتتح بخارى وأسر أخاه بشير بن الليث، فبعثه إلى الرشيد وهو بطوس قد ثقل عن السير، فلما وقف بين يديه شرع يترقق له فلم يقبل منه، بل قال: والله لو لم يبق من عمري إلا أن أحرك شفتي بقتلك لقتلتك، ثم دعا بقصاب فجزأه بين يديه أربعة عشر عضوا، ثم رفع الرشيد يديه إلى السماء يدعو الله أن يمكنه من أخيه رافع كما مكنه من أخيه بشير.

стр. 3396

وفاة الرشيد كان قد رأى وهو بالكوفة رؤيا أفزعته وغمه ذلك، فدخل عليه جبريل بن بختيشوع فقال: ما لك يا أمير المؤمنين؟ فقال: رأيت كفا فيها تربة حمراء خرجت من تحت سريري وقائلا يقول: هذه تربة هارون. فهون عليه جبريل أمرها وقال: هذه من أضغاث الأحلام من حديث النفس، فتناسها يا أمير المؤمنين. فلما سار يريد خراسان ومر بطوس واعتقلته العلة بها، ذكر رؤياه فهاله ذلك وقال لجبريل: ويحك! أما تذكر ما قصصته عليه من الرؤيا؟ فقال: بلى. فدعا مسرورا الخادم وقال: ائتني بشيء من تربة هذه الأرض، فجاءه بتربة حمراء في يده، فلما رآها قال: والله هذه الكف التي رأيت، والتربة التي كانت فيها. قال جبريل: فو الله ما أتت عليه ثلاث حتى توفي، وقد أمر بحفر قبره قبل موته في الدار التي كان فيها، وهي دار حميد بن أبي غانم الطائي، فجعل ينظر إلى قبره وهو يقول: يا بن آدم تصير إلى هذا. ثم أمر أن يقرءوا القرآن في قبره، فقرءوه حتى ختموه وهو في محفة على شفير القبر ولما حضرته الوفاة احتبى بملاءة وجلس يقاسي سكرات الموت، فقال له بعض من حضر: لو اضطجعت كان أهون عليك. فضحك ضحكا صحيحا ثم قال: أما سمعت قول الشاعر: وإني من قوم كرام يزيدهم … شماسا وصبرا شدة الحدثان مات ليلة السبت، وقيل ليلة الأحد مستهل جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة، عن خمس، وقيل سبع وأربعين سنة. وكان ملكه ثلاثا وعشرين سنة. وهذه ترجمته هو هارون الرشيد أمير المؤمنين ابن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبد الله بن محمد بن علي ابن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب، القرشي الهاشمي، أبو محمد، ويقال أبو جعفر. وأمه الخيزران أم ولد. كان مولده في شوال سنة ست وقيل سبع، وقيل ثمان وأربعين ومائة، وقيل إنه ولد سنة خمسين ومائة، وبويع له بالخلافة بعد موت أخيه موسى الهادي في ربيع الأول سنة سبعين ومائة، بعهد من أبيه المهدي. روى الحديث عن أبيه وجده، وحدث عن المبارك بن فضالة، عن الحسن، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: «اتقوا النار ولو بشق تمرة» (١). أورده وهو على المنبر وهو يخطب الناس، وقد حدث عنه ابنه وسليمان الهاشمي والد إسحاق، ونباتة بن عمرو. وكان الرشيد أبيض طويلا سمينا جميلا، وقد غزا الصائفة في حياة أبيه مرارا، وعقد الهدنة بين المسلمين والروم بعد محاصرته القسطنطينية، وقد لقي المسلمون من ذلك جهدا جهيدا وخوفا شديدا، وكان الصلح مع امرأة ليون وهي الملقبة بأغسطه على حمل كثير تبذله للمسلمين في كل عام، ففرح المسلمون بذلك، وكان هذا هو الّذي حدا أباه على البيعة له بعد أخيه في سنة ست وستين ومائة، ثم لما أفضت إليه

стр. 3397

الخلافة في سنة سبعين كان من أحسن الناس سيرة وأكثرهم غزوا وحجا، ولهذا قال فيه أبو السعلي (١): فمن يطلب لقاءك أو يرده … فبالحرمين أو أقصى الثغور ففي أرض العدو على طمر … وفي أرض الترفه (٢) فوق كور وما حاز الثغور سواك خلق … من المتخلفين على الأمور وكان يتصدق من صلب ماله في كل يوم بألف درهم، وإذا حج أحج معه مائة من الفقهاء وأبنائهم وإذا لم يحج أحج ثلاثمائة بالنفقة السابغة والكسوة التامة، وكان يحب التشبه بجده أبي جعفر المنصور إلا في العطاء، فإنه كان سريع العطاء جزيله، وكان يحب الفقهاء والشعراء ويعطيهم، ولا يضيع لديه بر ومعروف، وكان نقش خاتمه لا إله إلا الله. وكان يصلي في كل يوم مائة ركعة تطوعا، إلى أن فارق الدنيا، إلا أن تعرض له علة، وكان ابن أبي مريم هو الّذي يضحكه، وكان عنده فضيلة بأخبار الحجاز وغيرها، وكان الرشيد قد أنزله في قصره وخلطه بأهله. نبهه الرشيد يوما إلى صلاة الصبح فقام فتوضأ ثم أدرك الرشيد وهو يقرأ ﴿وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [يس: ٢٢] فقال ابن أبي مريم: لا أدري والله. فضحك الرشيد وقطع الصلاة، ثم أقبل عليه وقال: ويحك اجتنب الصلاة والقرآن وقل فيما عدا ذلك. ودخل يوما العباس بن محمد على الرشيد ومعه برنية من فضة فيها غالية من أحسن الطيب، فجعل يمدحها ويزيد في شكرها، وسأل من الرشيد أن يقبلها منه فقبلها فاستوهبها منه ابن أبي مريم فوهبها له، فقال له العباس: ويحك! جئت بشيء منعته نفسي وأهلي وآثرت به أمير المؤمنين سيدي فأخذته. فحلف ابن أبي مريم ليطيبن به استه، ثم أخذ منها شيئا فطلى به استه ودهن جوارحه كلها منها، والرشيد لا يتمالك نفسه من الضحك. ثم قال لخادم قائم عندهم يقال له خاقان: اطلب لي غلامي. فقال الرشيد: ادع له غلامه. فقال له: خذ هذه الغالية واذهب بها إلى ستك فمرها فلتطيب منها استها حتى أرجع إليها فأنيكها. فذهب الضحك بالرشيد كل مذهب، ثم أقبل ابن أبي مريم على العباس بن محمد فقال له: جئت بهذه الغالية تمدحها عند أمير المؤمنين الّذي ما تمطر السماء شيئا ولا تنبت الأرض شيئا إلا وهو تحت تصرفه وفي يده؟ وأعجب من هذا أن قيل لملك الموت: ما أمرك به هذا فأنفذه. وأنت تمدح هذه الغالية عنده كأنه بقال أو خباز أو طباخ أو تمار، فكاد الرشيد يهلك من شدة الضحك. ثم أمر لابن أبي مريم بمائة ألف درهم.

стр. 3398

وقد شرب الرشيد يوما دواء فسأله ابن أبي مريم أن يلي الحجابة في هذا اليوم، ومهما حصل له كان بينه وبين أمير المؤمنين، فولاه الحجابة، فجاءت الرسل بالهدايا من كل جانب، من عند زبيدة والبرامكة وكبار الأمراء، وكان حاصله في هذا اليوم ستين ألف دينار، فسأله الرشيد في اليوم الثاني عما تحصل فأخبره بذلك، فقال له: فأين نصيبي؟ فقال ابن أبي مريم: قد صالحتك عليه بعشرة آلاف تفاحة. وقد استدعى إليه أبا معاوية الضرير محمد بن حازم ليسمع منه الحديث قال أبو معاوية: ما ذكرت عنده حديثا إلا قال صلى الله وسلم على سيدي، وإذا سمع فيه موعظة بكى حتى يبل الثرى، وأكلت عنده يوما ثم قمت لأغسل يدي فصب الماء عليّ وأنا لا أراه، ثم قال: يا أبا معاوية أتدري من يصب عليك الماء؟ قلت: لا. قال: يصب عليك أمير المؤمنين. قال أبو معاوية: فدعوت له، فقال: إنما أردت تعظيم العلم. وحدثه أبو معاوية يوما عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة بحديث احتجاج آدم وموسى، فقال عم الرشيد: أين التقيا يا أبا معاوية؟ فغضب الرشيد من ذلك غضبا شديدا، وقال: أتعترض على الحديث؟ عليّ بالنطع والسيف، فأحضر ذلك فقام الناس إليه يشفعون فيه فقال الرشيد: هذه زندقة. ثم أمر بسجنه وأقسم أن لا يخرج حتى يخبرني من ألقى إليه هذا، فأقسم عمه بالأيمان المغلظة ما قال هذا له أحد، وإنما كانت هذه الكلمة بادرة مني وأنا أستغفر الله وأتوب إليه منها. فأطلقه. وقال بعضهم: دخلت على الرشيد وبين يديه رجل مضروب العنق والسياف يمسح سيفه في قفا الرجل المقتول، فقال الرشيد: قتلته لأنه قال القرآن مخلوق، فقتله على ذلك قربة إلى الله . وقال بعض أهل العلم: يا أمير المؤمنين انظر هؤلاء الذين يحبون أبا بكر وعمر ويقدمونهما فأكرمهم بعز سلطانك، فقال الرشيد: أولست كذلك؟ أنا والله كذلك أحبهما وأحب من يحبهما وأعاقب من يبغضهما. وقال له ابن السماك: إن الله لم يجعل أحدا فوقك فاجتهد أن لا يكون فيهم أحد أطوع إلى الله منك. فقال: لئن كنت أقصرت في الكلام لقد أبلغت في الموعظة. وقال له الفضيل بن عياض - أو غيره - إن الله لم يجعل أحدا من هؤلاء فوقك في الدنيا، فاجهد نفسك أن لا يكون أحد منهم فوقك في الآخرة، فاكدح لنفسك وأعملها في طاعة ربك. ودخل عليه ابن السماك يوما فاستسقى الرشيد فأتي بقلة فيها ماء مبرد فقال لابن السماك: عظني. فقال: يا أمير المؤمنين! بكم كنت مشتريا هذه الشربة لو منعتها؟ فقال: بنصف ملكي. فقال: اشرب هنيئا، فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجها من بدنك بكم كنت تشتري ذلك؟ قال بنصف ملكي الآخر. فقال: إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء، وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يتنافس فيه. فبكى هارون.

стр. 3399

وقال ابن قتيبة: ثنا الرياشي سمعت الأصمعي يقول: دخلت على الرشيد وهو يقلم أظفاره يوم الجمعة فقلت له في ذلك فقال: أخذ الأظفار يوم الخميس من السنة، وبلغني أن أخذها يوم الجمعة ينفي الفقر. فقلت: يا أمير المؤمنين أو تخشى الفقر؟ فقال: يا أصمعي وهل أحد أخشى للفقر مني؟. وروى ابن عساكر عن إبراهيم المهدي قال: كنت يوما عند الرشيد فدعا طباخه فقال: أعندك في الطعام لحم جزور؟ قال: نعم، ألوان منه. فقال: أحضره مع الطعام فلما وضع بين يديه أخذ لقمة منه فوضعها في فيه فضحك جعفر البرمكي، فترك الرشيد مضغ اللقمة وأقبل عليه فقال: مم تضحك؟ قال: لا شيء يا أمير المؤمنين، ذكرت كلاما بيني وبين جاريتي البارحة. فقال له: بحقي عليك لما أخبرتني به. فقال: حتى تأكل هذه اللقمة، فألقاها من فيه وقال: والله لتخبرني. فقال: يا أمير المؤمنين بكم تقول إن هذا الطعام من لحم الجزور يقوم عليك؟ قال: بأربعة دراهم. قال: لا والله، يا أمير المؤمنين بل بأربعمائة ألف درهم. قال: وكيف ذلك؟ قال: إنك طلبت من طباخك لحم جزور قبل هذا اليوم بمدة طويلة فلم يوجد عنده، فقلت: لا يخلون المطبخ من لحم جزور، فنحن ننحر كل يوم جزور لأجل مطبخ أمير المؤمنين، لأنا لا نشتري من السوق لحم جزور. فصرف في لحم الجزور من ذلك اليوم إلى هذا اليوم أربعمائة ألف درهم، ولم يطلب أمير المؤمنين لحم جزور إلا هذا اليوم. قال جعفر: فضحكت لأن أمير المؤمنين إنما ناله من ذلك هذه اللقمة. فهي على أمير المؤمنين بأربعمائة ألف. قال: فبكى الرشيد بكاء شديدا وأمر برفع السماط من بين يديه، وأقبل على نفسه يوبخها ويقول: هلكت والله يا هارون. ولم يزل يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة الظهر، فخرج فصلى بالناس ثم رجع يبكي حتى آذنه المؤذنون بصلاة العصر، وقد أمر بألفي ألف تصرف إلى فقراء الحرمين في كل حرم ألف ألف صدقة، وأمر بألفي ألف يتصدق بها في جانبي بغداد الغربي والشرقي، وبألف ألف يتصدق بها على فقراء الكوفة والبصرة. ثم خرج إلى صلاة العصر ثم رجع يبكي حتى صلى المغرب، ثم رجع، فدخل عليه أبو يوسف القاضي فقال: ما شأنك يا أمير المؤمنين باكيا في هذا اليوم؟ فذكر أمره وما صرف من المال الجزيل لأجل شهوته، وإنما ناله منها لقمة. فقال أبو يوسف لجعفر: هل كان ما تذبحونه من الجزور يفسد، أو يأكله الناس؟ قال: بل يأكله الناس. فقال: أبشر يا أمير المؤمنين بثواب الله فيما صرفته من المال الّذي أكله المسلمون في الأيام الماضية، وبما يسره الله عليك من الصدقة، وبما رزقك الله من خشيته وخوفه في هذا اليوم، وقد قال تعالى ﴿وَلِمَنْ خافَ مَقامَ رَبِّهِ جَنَّتانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]. فأمر له الرشيد بأربعمائة ألف. ثم استدعى بطعام فأكل منه فكان غداؤه في هذا اليوم عشاء.

стр. 3400

وقال عمرو بن بحر الجاحظ: اجتمع للرشيد من الجد والهزل ما لم يجتمع لغيره من بعده، كان أبو يوسف قاضيه، والبرامكة وزراءه، وحاجبه الفضل بن الربيع أنبه الناس وأشدهم تعاظما، ونديمه عمر بن العباس بن محمد صاحب العباسية. وشاعره مروان بن أبى حفصة، ومغنيه إبراهيم الموصلي واحد عصره في صناعته، ومضحكه ابن أبى مريم، وزامره برصوما. وزوجته أم جعفر - يعنى زبيدة - وكانت أرغب الناس في كل خير وأسرعهم إلى كل بر ومعروف، أدخلت الماء الحرم بعد امتناعه من ذلك، إلى أشياء من المعروف أجراها الله على يدها. وروى الخطيب البغدادي أن الرشيد كان يقول: إنا من قوم عظمت رزيتهم، وحسنت بعثتهم، ورثنا رسول الله ﷺ وبقيت فينا خلافة الله. وبينما الرشيد يطوف يوما بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة، فقال لا ولا نعمت عين قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر منى فأمره أن يقول له قولا لينا. وعن شعيب بن حرب قال: رأيت الرشيد في طريق مكة فقلت في نفسي: قد وجب عليك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فخوفتنى فقالت: إنه الآن يضرب عنقك. فقلت: لا بد من ذلك، فناديته فقلت: يا هارون! قد أتعبت الأمة والبهائم. فقال: خذوه. فأدخلت عليه وفي يده لت من حديد يلعب به وهو جالس على كرسي، فقال: من الرجل؟ فقلت: رجل من المسلمين. فقال ثكلتك أمك ممن أنت؟ فقلت: من الأنبار. فقال: ما حملك على أن دعوتني باسمي؟ قال: فخطر ببالي شيء لم يخطر قبل ذلك، فقلت: أنا أدعو الله باسمه يا الله، أفلا أدعوك باسمك؟ وهذا الله سبحانه قد دعا أحب خلقه إليه بأسمائهم: يا آدم، يا نوح، يا هود، يا صالح، يا إبراهيم، يا موسى يا عيسى، يا محمد، وكنى أبغض خلقه إليه فقال: تبت يدا أبى لهب. فقال الرشيد: أخرجوه أخرجوه. وقال له ابن السماك يوما: إنك تموت وحدك، وتدخل القبر وحدك، وتبعث منه وحدك، فاحذر المقام بين يدي الله ، والوقوف بين الجنة والنار، حين يؤخذ بالكظم وتزل المقدم، ويقع الندم، فلا توبة تقبل، ولا عثرة تقال، ولا يقبل فداء بمال. فجعل الرشيد يبكى حتى علا صوته فقال يحيى بن خالد له: يا ابن السماك! لقد شققت على أمير المؤمنين الليلة. فقام فخرج من عنده وهو يبكى. وقال له الفضيل بن عياض - في كلام كثير ليلة وعظه بمكة -: يا صبيح الوجه إنك مسئول عن هؤلاء كلهم، وقد قال تعالى ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ﴾ قال حدثنا ليث عن مجاهد: الوصلات التي كانت بينهم في الدنيا. فبكى حتى جعل يشهق. وقال الفضيل: استدعاني الرشيد يوما وقد زخرف منازله وأكثر الطعام والشراب واللذات فيها، ثم استدعى أبا العتاهية فقال له: صف لنا ما نحن فيه من العيش والنعيم فقال: -
следующие страницы →