إن دهرا أظلنى … قد أرانى العجائبا
قلب الناس كيف شئت … تجدهم عقاربا
قال بشر فقلت لإبراهيم: هذه موعظة الراهب لك، فعظني أنت. فأنشأ يقول:
توحش من الاخوان لا تبغ مونسا … ولا تتخذ خلا ولا تبغ صاحبا
وكن سامرى الفعل من نسل آدم … وكن أوحديا ما قدرت مجانبا
فقد فسد الاخوان والحب والاخا … فلست ترى إلا مذوقا وكاذبا
فقلت ولولا أن يقال مدهده … وتنكر حالاتي لقد صرت راهبا
قال سرى: فقلت لبشر: هذه موعظة إبراهيم لك فعظني أنت، فقال: عليك بالخمول ولزوم بيتك. فقلت بلغني عن الحسن أنه قال: لولا الليل وملاقاة الاخوان ما باليت متى مت. فأنشأ بشر يقول:
يا من يسر برؤية الاخوان … مهلا أمنت مكايد الشيطان
خلت القلوب من المعاد وذكره … وتشاغلوا بالحرص والخسران
صارت مجالس من ترى وحديثهم … في هتك مستور وموت جنان
قال الحلبي فقلت لسرى: هذه موعظة بشر فعظني أنت. فقال: عليك بالاخمال فقلت أحب ذاك، فأنشأ يقول:
يا من يروم بزعمه إخمالا … إن كان حقا فاستعد خصالا
ترك المجالس والتذاكر يا أخى … واجعل خروجك للصلاة خيالا
بل كن بها حيا كأنك ميت … ملا يرتجى منه القريب وصالا
قال على بن محمد القصري: قلت للحلبى هذه موعظة سرى لك فعظني أنت. فقال: يا أخى أحب الأعمال إلى الله ما صعد إليه من قلب زاهد من الدنيا، فازهد في الدنيا يحبك الله. ثم أنشأ يقول:
أنت في دار شتات … فتأهب لشتاتك
واجعل الدنيا كيوم … صمته عن شهواتك
واجعل الفطر إذا … ما صمته يوم وفاتك
قال ابن خرزاد فقلت لعلى: هذه موعظة الحلبي لك فعظني أنت. فقال لي: احفظ وقتك واسخ بنفسك لله ، وانزع قيمة الأشياء من قلبك يصفو لك بذلك سرك ويذكو به ذكرك. ثم أنشدنى.
حياتك أنفاس تعد فكلما … مضى نفس منها انتقصت به جزءا
فتصبح في نقص وتمسى بمثله … ومالك معقول تحس به رزءا
يميتك ما يحييك في كل ساعة … ويحدوك حاد ما يزيد بك الهزءا
стр. 3327
قال أبو محمد قلت لأحمد: هذه موعظة على لك فعظني. فقال: يا أخى عليك بلزوم الطاعة وإياك أن تفارق باب القناعة، وأصلح مثواك، ولا تؤثر هواك، ولا تبع آخرتك بدنياك، واشتغل بما يعنيك بترك ما لا يعنيك. ثم أنشدنى: -
ندمت على ما كان منى ندامة … ومن يتبع ما تشتهي النفس يندم
فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم … ستلقون ربا عادلا ليس يظلم
فليس لمغرور بدنياه زاجر … سيندم إن زلت به النعل فاعلموا
قال ابن زامين فقلت لأبى محمد: هذه موعظة أحمد لك فعظني أنت. فقال: اعلم رحمك الله أن الله ينزل العبيد حيث نزلت قلوبهم بهمومها، فانظر أين ينزل قلبك، واعلم أن الله سبحانه يقرب من القلوب على حسب ما تقرب منه، وتقرب منه على حسب ما قرب إليها. فانظر من القريب من قلبك. وأنشدنى.
قلوب رجال في الحجاب نزول … وأرواحهم فيما هناك حلول
تروح نعيم الأنس في عز قربه … بافراد توحيد الجليل تحول
لهم بفناء القرب من محض بره … عوائد بذل خطبهن جليل
قال الخطيب: فقلت لابن زامين: هذه موعظة الحميدي لك فعظني أنت. فقال: اتّق الله وثق به ولا تتهمه فان اختياره لك خير من اختيارك لنفسك وأنشدنى:
اتخذ الله صاحبا … ودع الناس جانبا
جرب الناس كيف شئت … تجدهم عقاربا
قال أبو الفرج غيث الصوري: فقلت للخطيب: هذه موعظة ابن زامين لك فعظني أنت.
فقال: احذر نفسك التي هي أعدى أعدائك أن تتابعها على هواها، فذاك أعضل دائك، واستشرف الخوف من الله تعالى بخلافها، وكرر على قلبك ذكر نعوتها وأوصافها، فإنها الأمارة بالسوء والفحشاء، والموردة من أطاعها موارد العطب والبلاء، واعمد في جميع أمورك إلى تحرى الصدق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله. وقد ضمن الله لمن خالف هواه أن يجعل جنة الخلد قراره ومأواه ثم أنشد لنفسه:
إن كنت تبغي الرشاد محضا … في أمر دنياك والمعاد
فخالف النفس في هواها … إن الهوى جامع الفساد
قال ابن عساكر: المحفوظ أن إبراهيم بن أدهم توفى سنة ثنتين وستين ومائة. وقال غيره: إحدى وستين وقيل سنة ثلاث. والصحيح ما قاله ابن عساكر والله أعلم. وذكروا أنه توفى في جزيرة من
стр. 3328
جزائر بحر الروم وهو مرابط، وأنه ذهب إلى الخلاء ليلة مات نحوا من عشرين مرة، وفي كل مرة يجدد الوضوء بعد هذا، وكان به البطن، فلما كانت غشية الموت قال: أوتروا لي قوسى، فأوتروه فقبض عليه فمات وهو قابض عليه يريد الرمي به إلى العدو ﵀ وأكرم مثواه.
وقد قال أبو سعيد بن الأعرابي: حدثنا محمد بن على بن يزيد الصائغ قال سمعت الشافعيّ يقول: كان سفيان معجبا به:
[أجاعتهم الدنيا فخافوا ولم يزل … كذلك ذو التقوى عن العيش ملجما
أخو طيِّئ داود منهم ومسعر … ومنهم وهيب والعريب ابن أدهما
وفي ابن سعيد قدوة البر والنهى … وفي الوارث الفاروق صدقا مقدما
وحسبك منهم بالفضيل مع ابنه … ويوسف ان لم يأل أن يتسلما
أولئك أصحابى وأهل مودتي … فصلى عليهم ذو الجلال وسلما
فما ضر ذا التقوى نصال أسنة … وما زال ذو التقوى أعز وأكرما
وما زالت التقوى تريك على الفتى … إذا محّض التقوى من العز ميسما
وروى البخاري في كتاب الأدب عن إبراهيم بن أدهم وأخرج الترمذي في جامعه حدثنا معلقا في المسح على الخفين. والله سبحانه أعلم.] (١) وفيها توفى أبو سليمان داود بن نصير الطائي الكوفي الفقيه الزاهد، أخذ الفقه عن أبى حنيفة. قال سفيان بن عيينة: ثم ترك داود الفقه وأقبل على العبادة ودفن كتبه. قال عبد الله بن المبارك: وهل الأمر إلا ما كان عليه داود الطائي. وقال ابن معين: كان ثقة، وفد على المهدي ببغداد ثم عاد إلى الكوفة. ذكره الخطيب البغدادي. وقال: مات في سنة ستين ومائة، وقيل في سنة ست وخمسين ومائة. وقد ذكر شيخنا الذهبي في تاريخه أنه توفى في هذه السنة - أعنى سنة ثنتين وستين ومائة - فالله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائة
فيها حصر المقنع الزنديق الّذي كان قد نبغ بخراسان وقال بالتناسخ، واتبعه على جهالته وضلالته خلق من الطغام وسفهاء الأنام، والسفلة من العوام، فلما كان في هذا العام لجأ إلى قلعة كش فحاصره سعيد الحريثى فألح عليه في الحصار، فلما أحس بالغلبة تحسى سما وسم نساءه فماتوا جميعا، عليهم لعائن الله. ودخل الجيش الإسلامي قلعته فاحتزوا رأسه وبعثوا به إلى المهدي، وكان المهدي بحلب.
قال ابن خلكان: كان اسم المقنع عطاء، وقيل حكيم، والأول أشهر. وكان أولا قصارا ثم ادعى الربوبية، مع أنه كان أعور قبيح المنظر، وكان يتخذ له وجها من ذهب، وتابعه على جهالته خلق
стр. 3329
كثير، وكان يرى الناس قمرا يرى من مسيرة شهرين ثم يغيب، فعظم اعتقادهم له ومنعوه بالسلاح، وكان يزعم لعنه الله وتعالى عما يقولون علوا كبيرا أن الله ظهر في صورة آدم، ولهذا سجدت له الملائكة، ثم في نوح، ثم في الأنبياء واحدا واحدا، ثم تحول إلى أبى مسلم الخراساني، ثم تحول إليه. ولما حاصره المسلمون في قلعته التي كان جددها بناحية كش مما وراء النهر ويقال لها سنام، تحسى هو ونساؤه سما فماتوا واستحوذ المسلمون على حواصله وأمواله.
وفيها جهز المهدي البعوث من خراسان وغيرها من البلاد لغزو الروم، وأمرّ على الجميع ولده هارون الرشيد، وخرج من بغداد مشيعا له، فسار معه مراحل واستخلف على بغداد ولده موسى الهادي، وكان في هذا الجيش الحسين بن قحطبة والربيع الحاجب وخالد بن برمك - وهو مثل الوزير للرشيد ولى العهد - ويحيى بن خالد - وهو كاتبه وإليه النفقات - وما زال المهدي مع ولده مشيعا له حتى بلغ الرشيد إلى بلاد الروم، وارتاد هناك المدينة المسماة بالمهدية في بلاد الروم، ثم رجع إلى الشام وزار بيت المقدس، فسار الرشيد إلى بلاد الروم في جحافل عظيمة، وفتح الله عليهم فتوحات كثيرة، وغنموا أموالا جزيلة جدا، وكان لخالد بن برمك في ذلك أثر جميل لم يكن لغيره، وبعثوا بالبشارة مع سليمان بن برمك إلى المهدي فأكرمه المهدي وأجزل عطاءه.
وفيها عزل المهدي عمه عبد الصمد بن على عن الجزيرة وولى عليها زفر بن عاصم الهلالي، ثم عزله وولى عبد الله بن صالح بن على. وفيها ولى المهدي ولده هارون الرشيد بلاد المغرب وأذربيجان وأرمينية، وجعل على رسائله يحيى بن خالد بن برمك، وولى وعزل جماعة من النواب. وحج بالناس فيها على بن المهدي.
وفيها توفى إبراهيم بن طهمان، وحريز بن عثمان الحمصي الرحبيّ، وموسى بن على اللخمي المصري وشعيب بن أبى حمزة، وعيسى بن على بن عبد الله بن عباس عم السفاح، وإليه ينسب قصر عيسى، ونهر عيسى ببغداد، قال يحيى بن معين: كان له مذهب جميل، وكان معتزلا للسلطان. توفى في هذه السنة عن ثمان وسبعين سنة. وهمام بن يحيى، ويحيى بن أبى أيوب المصري، وعبيدة بنت أبى كلاب العابدة، بكت من خشية الله أربعين سنة حتى عميت. وكانت تقول: أشتهى الموت فانى أخشى أن أجنى على نفسي جناية تكون سبب هلاكي يوم القيامة.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائة
فيها غزا عبد الكبير بن عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب بلاد الروم، فأقبل إليه ميخائيل البطريق في نحو من تسعين ألفا، فيهم طازاذ الأرمني البطريق ففشل عنه عبد الكبير ومنع المسلمين من القتال وانصرف راجعا - فأراد المهدي ضرب عنقه فكلم فيه فحبسه في المطبق.
стр. 3330
وفي يوم الأربعاء في أواخر ذي القعدة أسس المهدي قصرا من لبن بعيساباذ، ثم عزم على الذهاب إلى الحج فأصابه حمى فرجع من أثناء الطريق، فعطش الناس في الرجعة حتى كاد بعضهم يهلك، فغضب المهدي على يقطين صاحب المصانع، وبعث من حيث رجع المهلب بن صالح بن أبى جعفر ليحج بالناس فحج بهم عامئذ. وفيها توفى شيبان بن عبد الرحمن النحويّ، وعبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون، ومبارك بن فضالة صاحب الحسن البصري.
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائة
فيها جهز المهدي ولده الرشيد لغزو الصائفة، وأنفذ معه من الجيوش خمسة وتسعين ألفا وسبعمائة وثلاثة وتسعين رجلا، وكان معه من النفقة مائة ألف دينار، وأربعة وتسعون ألف دينار، وأربعمائة وخمسون دينارا، ومن الفضة إحدى وعشرون ألف ألف وأربعمائة ألف، وأربعة عشر ألفا وثمانمائة درهم. قاله ابن جرير. فبلغ بجنوده خليج البحر الّذي على القسطنطينية، وصاحب الرم يومئذ أغسطة امرأة أليون، ومعها ابنها في حجرها من الملك الّذي توفى عنها، فطلبت الصلح من الرشيد على أن تدفع له سبعين ألف دينار في كل سنة، فقبل ذلك منها، وذلك بعد ما قتل من الروم في الوقائع أربعة وخمسين ألفا وأسر من الذراري خمسة آلاف رأس وستمائة وأربعة وأربعين رأسا، وقتل من الأسرى ألفى قتيل صبرا، وغنم من الدواب أدواتها عشرين ألف فرس، وذبح من البقر والغنم مائة ألف رأس. وبيع البرذون بدرهم والبغل بأقل من عشرة دراهم، والدرع بأقل من درهم وعشرون سيفا بدرهم. فقال في ذلك مروان بن أبى حفصة:
أطفت بقسطنطينية الروم مسندا … إليها القنا حتى اكتسى الذل سورها
وما رمتها حتى أتتك ملوكها … بجزيتها والحرب تغلي قدورها
وحج بالناس صالح بن أبى جعفر المنصور، وفيها توفى سليمان بن المغيرة، وعبد الله بن العلاء ابن دبر، وعبد الرحمن بن نائب بن ثوبان. ووهب بن خالد.
ثم دخلت سنة ست وستين ومائة
في المحرم منها قدم الرشيد من بلاد الروم فدخل بغداد في أبهة عظيمة ومعه الروم يحملون الجزية من الذهب وغيره. وفيها أخذ المهدي البيعة لولده هارون من بعد موسى الهادي، ولقب بالرشيد.
وفيها سخط المهدي على يعقوب بن داود وكان قد حظي عنده حتى استوزره وارتفعت منزلته في الوزارة حتى فوض إليه جميع أمر الخلافة، وفي ذلك يقول بشار بن برد: -
بنى أمية هبوا طال نومكم … إن الخليفة يعقوب بن داود
ضاعت خلافتكم يا قوم فاطلبوا … خليفة الله بين الخمر (١) والعود
стр. 3331
فلم تزل السعاة والوشاة بينه وبين الخليفة حتى أخرجوه عليه، وكلما سعوا به إليه دخل إليه فأصلح أمره معه، حتى وقع من أمره ما سأذكره، وهو أنه دخل ذات يوم على المهدي في مجلس عظيم قد فرش بأنواع الفرش وألوان الحرير، وحول ذلك المكان أصحان مزهرة بأنواع الأزاهير، فقال:
يا يعقوب كيف رأيت مجلسنا هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين ما رأيت أحسن منه. فقال: هو لك بما فيه، وهذه الجارية ليتم بها سرورك، ولى إليك حاجة أحب أن تقضبها. قلت: وما هي يا أمير المؤمنين؟ فقال: حتى تقول نعم. فقلت: نعم! وعلى السمع والطاعة. فقال! الله؟ فقلت: الله.
قال: وحياة رأسي قلت وحياة رأسك. فقال: ضع يدك على رأسي وقل ذلك، ففعلت. فقال: إن هاهنا رجلا من العلويين أحب أن تكفينيه، والظاهر أنه الحسن بن إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب. فقلت: نعم، فقال: وعجل على، ثم أمر بتحويل ما في ذلك المجلس إلى منزلي وأمر لي بمائة ألف درهم وتلك الجارية، فما فرحت بشيء فرحي بها. فلما صارت بمنزلي حجبتها في جانب الدار في خدر، فأمرت بذلك العلويّ فجيء به فجلس إلى فتكلم، فما رأيت أعقل منه ولا أفهم. ثم قال لي: يا يعقوب تلقى الله بدمى وأنا رجل من ولد فاطمة بنت رسول الله ﷺ ؟ فقلت: لا والله ولكن اذهب حيث شئت وأين شئت. فقال: إني أختار بلاد كذا وكذا. فقلت:
اذهب كيف شئت، ولا يظهرن عليك المهدي فتهلك وأهلك. فخرج من عندي وجهزت معه رجلين يسفرانه ويوصلانه بعض البلاد، ولم أشعر بأن الجارية قد أحاطت علما بما جرى، وأنها كالجاسوس على، فبعثت بخادمها إلى المهدي فأعلمته بما جرى، فبعث المهدي إلى تلك الطريق فردوا ذلك العلويّ فحبسه عنده في بيت من دار الخلافة، وأرسل إليّ من اليوم الثاني فذهبت إليه ولم أشعر من أمر العلويّ بشيء، فلما دخلت عليه قال: ما فعل العلويّ؟ قلت: مات. قال: الله! قلت الله.
قال: فضع يدك على رأسي واحلف بحياته، ففعلت. فقال: يا غلام أخرج ما في هذا البيت، فخرج العلويّ فأسقط في يدي، فقال المهدي: دمك لي حلال. ثم أمر به فألقى في بئر في المطبق. قال يعقوب: فكنت في مكان لا أسمع فيه ولا أبصر، فذهب بصرى وطال شعرى حتى صرت مثل البهائم، ثم مضت على مدد متطاولة، فبينما أنا ذات يوم إذ دعيت فخرجت من البئر فقيل لي: سلم على أمير المؤمنين. فسلمت وأنا أظنه المهدي، فلما ذكرت المهدي قال: رحم الله المهدي. فقلت:
الهادي؟ فقال: رحم الله الهادي. فقلت: الرشيد؟ قال نعم. فقلت: يا أمير المؤمنين قد رأيت ما حل بى من الضعف والعلة، فان رأيت أن تطلقني. فقال: أين تريد؟ قلت: مكة، فقال: اذهب راشدا، فسار إلى مكة فما لبث بها إلا قليلا حتى مات رحمه الله تعالى.
وقد كان يعقوب هذا يعظ المهدي في تعاطيه شرب النبيذ بين يديه، وكثرة سماع الغناء فكان
стр. 3332
يلومه على ذلك ويقول: ما على هذا استوزرتنى، ولا على هذا صحبتك، أبعد الصلوات الخمس في المسجد الحرام يشرب الخمر ويغنى بين يديك؟ فيقول له المهدي: فقد سمع عبد الله بن جعفر، فقال له يعقوب: إن ذلك لم يكن له من حسناته، ولو كان هذا قربة لكان كلما داوم عليه العبد أفضل. وفي ذلك يقول بعض الشعراء حثا للمهدي على ذلك:
فدع عنك يعقوب بن داود جانبا … وأقبل على صهباء طيبة النشر
وفيها ذهب المهدي إلى قصره المسمى بعيساباذ - بنى له بالآجر بعد القصر الأول الّذي بناه باللبن - فسكنه وضرب هناك الدراهم والدنانير. وفيها أمر المهدي بإقامة البريد بين مكة والمدينة واليمن ولم يفعل أحد هذا قبل هذه السنة. وفيها خرج موسى الهادي إلى جرجان. وفيها ولى القضاء أبا يوسف صاحب أبى حنيفة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن يحيى بن محمد عامل الكوفة. ولم يكن في هذه السنة صائفة للهدنة التي كانت بين الرشيد وبين الروم. وفيها توفى صدقة بن عبد الله السمن، وأبو الأشهب العطاردي، وأبو بكر النهشلي، وعفير بن معدان.
ثم دخلت سنة سبع وستين ومائة
فيها وجه المهدي ابنه موسى الهادي إلى جرجان في جيش كثيف لم ير مثله، وجعل على رسائله أبان بن صدقة. وفيها توفى عيسى بن موسى الّذي كان ولى العهد من بعد المهدي: مات بالكوفة فأشهد نائبها روح بن حاتم على وفاته القاضي وجماعة من الأعيان. ثم دفن. وكان قد امتنع من الصلاة عليه فكتب إليه المهدي يعنفه أشد التعنيف، وأمر بمحاسبته على عمله. وفيها عزل المهدي أبا عبيد الله معاوية بن عبيد الله عن ديوان الرسائل وولاه الربيع بن يونس الحاجب، فاستخلف فيه سعيد بن واقد وكان أبو عبيد الله يدخل على مرتبته. وفيها وقع وباء شديد وسعال كثير ببغداد والبصرة، وأظلمت الدنيا حتى كانت كالليل حتى تعالى النهار، وكان ذلك لليال بقين من ذي الحجة من هذه السنة. وفيها تتبع المهدي جماعة من الزنادقة في سائر الآفاق فاستحضرهم وقتلهم صبرا بين يديه، وكان المتولي أمر الزنادقة عمر الكلواذي. وفيها أمر المهدي بزيادة كثيرة في المسجد الحرام، فدخل في ذلك دور كثيرة، وولى ذلك ليقطين بن موسى الموكل بأمر الحرمين، فلم يزل في عمارة ذلك حتى مات المهدي كما سيأتي. ولم يكن للناس صائفة للهدنة. وحج بالناس نائب المدينة إبراهيم بن محمد.
وتوفى بعد فراغه من الحج بأيام. وولى مكانه إسحاق بن عيسى بن على بن عبد الله بن عباس.
وممن توفى فيها من الأعيان.
بشار بن برد أبو معاذ الشاعر مولى عقيل، ولد أعمى، وقال الشعر وهو دون عشر سنين، وله التشبيهات التي لم يهتد إليها البصراء. وقد أثنى عليه الأصمعي والجاحظ وأبو تمام وأبو عبيدة، وقال
стр. 3333
له ثلاثة عشر ألف بيت من الشعر. فلما بلغ المهدي أنه هجاه وشهد عليه قوم أنه زنديق أمر به فضرب حتى مات عن بضع وسبعين سنة. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات، فقال: بشار بن برد بن يرجوخ العقيلي مولاهم، وقد نسبه صاحب الأغاني فأطال نسبه. وهو بصرى قدم بغداد أصله من طخارستان، وكان ضخما عظيم الخلق، وشعره في أول طبقات المولدين، ومن شعره البيت المشهور:
هل تعلمين وراء الحب منزلة … تدنى إليك فان الحب أقصانى
وقوله:
أنا والله أشتهى سحر عينيك … وأخشى مصارع العشاق
وله:
يا قوم أذنى لبعض الحي عاشقة … والأذن تعشق قبل العين أحيانا
قالوا لم لا نرى عينيك قلت لهم … الأذن كالعين تروى القلب مكانا (١)
وله:
إذا بلغ الرأى التشاور فاستعن … بحزم نصيح أو نصيحة حازم
ولا تجعل الشورى عليك غضاضة … فريش الخوافي قوة للقوادم
وما خير كف أمسك الغلّ أختها … وما خير سيف لم يؤيد بقائم
كان بشار يمدح المهدي حتى وشى إليه الوزير (٢) أنه هجاه وقذفه ونسبه إلى شيء من الزندقة، وأنه يقول بتفضيل النار على التراب، وعذر إبليس في السجود لآدم، وأنه أنشد: -
الأرض مظلمة والنار مشرقة … والنار معبودة مد كانت النار
فأمر المهدي بضربه فضرب حتى مات. ويقال: إنه غرق ثم نقل إلى البصرة في هذه السنة.
وفيها توفى الحسن بن صالح بن حيي، وحماد بن سلمة، والربيع بن مسلم، وسعيد بن عبد العزيز ابن مسلم، وعتبة الغلام: وهو عتبة بن أبان بن صمعة أحد العباد المشهورين البكاءين المذكورين، كان يأكل من عمل يده في الخوص، ويصوم الدهر ويفطر على الخبز والملح. والقاسم الحذاء، وأبو هلال محمد بن سليم، ومحمد بن طلحة، وأبو حمزة اليشكري محمد بن ميمون.
ثم دخلت سنة ثمان وستين ومائة
فيها في رمضان منها نقضت الروم ما بينهم وبين المسلمين من الصلح الّذي عقده هارون الرشيد عن أمر أبيه المهدي، ولم يستمروا على الصلح إلا ثنتين وثلاثين شهرا، فبعث نائب الجزيرة خيلا إلى الروم فقتلوا وأسروا وغنموا وسلموا. وفيها اتخذ المهدي دواوين الأزمّة (٣) ولم يكن بنو أمية يعرفون ذلك. وفيها حج بالناس على بن محمد المهدي الّذي يقال له ابن ريطة. وفيها توفى الحسن
стр. 3334
ابن يزيد بن حسن بن على بن أبى طالب، ولاه المنصور المدينة خمس سنين، ثم غضب عليه فضربه وحبسه وأخذ جميع ماله. [وحماد عجرد. كان ظريفا ماجنا شاعرا، وكان ممن يعاشر الوليد ابن يزيد ويهاجى بشار بن برد. وقدم على المهدي ونزل الكوفة واتهم بالزندقة. قال ابن قتيبة في طبقات الشعراء: ثلاثة حمادون بالكوفة يرمون بالزندقة. حماد الراوية، وحماد عجرد، وحماد بن الزبرقان النحويّ. وكانوا يتشاعرون ويتماجنون.] (١) وخارجة بن مصعب، وعبد الله بن الحسن ابن الحصين بن أبى الحسن البصري، قاضى البصرة بعد سوار. سمع خالدا الحذاء وداود بن أبى هند، وسعيدا الجريريّ. وروى عنه ابن مهدي. وكان ثقة فقيها له اختيارات تعزى إليه غريبة في الأصول والفروع، وقد سئل عن مسألة فأخطأ في الجواب فقال له قائل: الحكم فيها كذا وكذا.
فأطرق ساعة ثم قال: إذا أرجع وأنا صاغر، لأن أكون ذنبا في الحق أحب إلى من أن أكون رأسا في الباطل. توفى في ذي القعدة من هذه السنة، وقيل بعد ذلك بعشر سنين فالله أعلم. غوث ابن سليمان بن زياد بن ربيعة أبو يحيى الجرمي، قاضى مصر، كان من خيار الحكام، ولى الديار المصرية ثلاث مرات في أيام المنصور والمهدي. [وفليح بن سليمان، وقيس بن الربيع في قول، ومحمد بن عبد الله بن علاثة بن علقمة بن مالك، أبو اليسر العقيلي، قاضى الجانب الشرقي من بغداد للمهدي، هو وعافية بن يزيد. وكان يقال لابن علاثة قاضى الجن، لأنه كانت بئر يصاب من أخذ منها شيئا فقال: أيها الجن! إنا حكمنا أن لكم الليل ولنا النهار. فكان من أخذ منها شيئا في النهار لم يصبه شيء. قال ابن معين: كان ثقة. وقال البخاري: في حفظه شيء.] (٢).
ثم دخلت سنة تسع وستين ومائة
فيها في المحرم منها توفى المهدي بن المنصور بمكان يقال له ماسبذان، بالحمى، وقيل مسموما وقيل عضه فرس فمات.
وهذه ترجمته
هو محمد بن عبد الله بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس، أبو عبد الله المهدي، أمير المؤمنين وإنما لقب بالمهديّ رجاء أن يكون الموعود به في الأحاديث فلم يكن به، وإن اشتركا في الاسم فقد افترقا في الفعل، ذاك يأتى في آخر الزمان عند فساد الدنيا فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا وظلما. وقد قيل إن في أيامه ينزل عيسى بن مريم بدمشق كما سيأتي ذلك في أحاديث الفتن والملاحم.
وقد جاء في حديث من طريق عثمان بن عفان أن المهدي من بنى العباس، وجاء موقوفا على ابن عباس وكعب الأحبار ولا يصح، وبتقدير صحة ذلك لا يلزم أن يكون على التعيين، وقد ورد في حديث آخر أن المهدي من ولد فاطمة فهو يعارض هذا والله أعلم. وأم المهدي بن المنصور أم موسى
стр. 3335
بنت منصور بن عبد الله الحميري.
روى عن أبيه عن جده عبد الله بن عباس «أن رسول الله ﷺ جهر ببسم الله الرحمن الرحيم». رواه عنه يحيى بن حمزة النهشلي قاضى دمشق، وذكر أنه صلى خلف المهدي حين قدم دمشق فجهر في السورتين بالبسملة، وأسند ذلك عن رسول الله ﷺ ورواه غير واحد عن يحيى بن حمزة، ورواه المهدي عن المبارك بن فضالة، ورواه عنه أيضا جعفر ابن سليمان الضبعي، ومحمد بن عبد الله الرقاشيّ، وأبو سفيان سعيد بن يحيى بن مهدي.
وكان مولد المهدي في سنة ست أو سبع وعشرين ومائة، أو في سنة إحدى وعشرين ومائة، ولى الخلافة بعد موت أبيه في ذي الحجة سنة ثمان وخمسين ومائة، وعمره إذ ذاك ثلاث وثلاثون سنة، ولد بالحمية من أرض البلقاء، وتوفى في المحرم من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين ومائة - عن ثلاث أو ثمان وأربعين سنة، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وبعض شهر، وكان أسمر طويلا جعد الشعر، على إحدى عينية نكتة بيضاء، قيل على عينه اليمنى، وقيل اليسرى. قال الربيع الحاجب: رأيت المهدي يصلى في ليلة مقمرة في بهو له عليه ثياب حسنة، فما أدرى هو أحسن أم القمر، أم بهوه، أم ثيابه. فقرأ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ﴾ الآية. ثم أمرنى فأحضرت رجلا من أقاربه كان مسجونا فأطلقه. ولما جاء خبر موت أبيه بمكة كما تقدم، كتم الأمر يومين ثم نودي في الناس يوم الخميس الصلاة جامعة، فقام فيهم خطيبا فأعلمهم بموت أبيه وقال: إن أمير المؤمنين دعي فأجاب فعند الله أحتسب أمير المؤمنين وأستعينه على خلافة المسلمين. ثم بايعه الناس بالخلافة يومئذ. وقد عزاه أبو دلامة وهنأه في قصيدة له يقول فيها: -
عيناي واحدة ترى مسرورة … بأميرها جذلا وأخرى تذرف
تبكى وتضحك تارة ويسوءها … ما أنكرت ويسرها ما تعرف
فيسوؤها موت الخليفة محرما … ويسرها أن قام هذا الأرأف
ما إن رأيت كما رأيت ولا أرى … شعرا أرجله وآخر ينتف
هلك الخليفة يال أمة أحمد … وأتاكم من بعده من يخلف
أهدى لهذا الله فضل خلافة … ولذاك جنات النعيم تزخرف
وقد قال المهدي يوما في خطبة: أيها الناس أسروا مثلما تعلنون من طاعتنا تهنكم العافية، وتحمدوا العاقبة، واخفضوا جناح الطاعة لمن ينشر معدلته فيكم، ويطوى ثوب الإصر عنكم، وأهال عليكم السلامة ولين المعيشة من حيث أراه الله، مقدما ذلك على فعل من تقدمه، والله لأعفين عمري من عقوبتكم، ولأحملن نفسي على الإحسان إليكم. قال: فأشرقت وجوه الناس من حسن كلامه. ثم استخرج حواصل أبيه من الذهب والفضة التي كانت لا تحد ولا توصف كثرة، ففرقها
стр. 3336
في الناس، ولم يعط أهله ومواليه منها شيئا، بل أجرى لهم أرزاقا بحسب كفايتهم من بيت المال، لكل واحد خمسمائة في الشهر غير الأعطيات وقد كان أبوه حريصا على توفير بيت المال، وإنما كان ينفق في السنة ألفى درهم من مال السراة، وأمر المهدي ببناء مسجد الرصافة وعمل خندق وسور حولها، وبنى مدنا ذكرناها فيما تقدم.
وذكر له عن شريك بن عبد الله القاضي أنه لا يرى الصلاة خلفه، فأحضره فتكلم معه ثم قال له الهدى في جملة كلامه: يا ابن الزانية! فقال له شريك: معه مه يا أمير المؤمنين. فلقد كانت صوامة قوامة. فقال له: يا زنديق لأقتلنك. فضحك شريك، فقال: يا أمير المؤمنين إن للزنادقة علامات يعرفون بها، شربهم القهوات، واتخاذهم القينات. فأطرق المهدي وخرج شريك من بين يديه. وذكروا أنه هاجت ريح شديدة، فدخل المهدي بيتا في داره فألزق خده بالتراب وقال: اللهمّ إن كنت أنا المطلوب بهذه العقوبة دون الناس فها أنا ذا بين يديك، اللهمّ لا تشمت بى الأعداء من أهل الأديان. فلم يزل كذلك حتى انجلت. ودخل عليه رجل يوما ومعه نعل فقال: هذه نعل رسول الله ﷺ قد أهديتها لك. فقال: هاتها، فناوله إياها، فقبلها ووضعها على عينيه وأمر له بعشرة آلاف درهم. فلما انصرف الرجل قال المهدي: والله إني لأعلم أن رسول الله ﷺ لم ير هذه النعل، فضلا عن أن يلبسها، ولكن لو رددته لذهب يقول للناس: أهديت إليه نعل رسول الله ﷺ فردها على، فتصدقه الناس، لأن العامة تميل إلى أمثالها، ومن شأنهم نصر الضعيف على القوى وإن كان ظالما، فاشترينا لسانه بعشرة آلاف درهم، ورأينا هذا أرجح وأصلح.
واشتهر عنه أنه كان يحب اللعب بالحمام والسباق بينها، فدخل عليه جماعة من المحدثين فيهم
عتاب بن إبراهيم فحدثه بحديث أبى هريرة: «لا سبق إلا في خف أو نعل أو حافر». وزاد في الحديث «أو جناح» فأمر له بعشرة آلاف. ولما خرج قال: والله إني لأعلم أن عتابا كذب على رسول الله ﷺ . ثم أمر بالحمام فذبح ولم يذكر عتابا بعدها. وقال الواقدي: دخلت على المهدي يوما فحدثته بأحاديث فكتبها عنى ثم قام فدخل بيوت نسائه ثم خرج وهو ممتلئ غيظا فقلت: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: دخلت على الخيزران فقامت إلى ومزقت ثوبي وقالت: ما رأيت منك خيرا، وإني والله يا واقدى إنما اشتريتها من نخاس، وقد نالت عندي ما نالت، وقد بايعت لولديها بإمرة المؤمنين من بعدي. فقلت: يا أمير المؤمنين
إن رسول الله ﷺ قال: «إنهن يغلبن الكرام ويغلبهنّ اللئام».
وقال: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهله، وقد خلقت المرأة من ضلع أعوج إن قومته كسرته».
وحدثته في هذا الباب بكلام حضرني. فأمر لي بألفي دينار، فلما وافيت المنزل إذا رسول الخيزران قد لحقني بألفي دينار إلى عشرة دنانير، وإذا معه أثواب أخر، وبعثت تشكرني وتثنى على معروفا.
стр. 3337
وذكروا أن المهدي كان قد أهدر دم رجل من أهل الكوفة وجعل لمن جاء به مائة ألف، فدخل الرجل بغداد متنكرا فلقيه رجل فأخذ بمجامع ثوبه ونادى: هذا طلبة أمير المؤمنين. وجعل الرجل يريد أن ينفلت منه فلا يقدر، فبينا هما، يتجاذبان وقد اجتمع الناس عليهما، إذ مر أمير في موكبه - وهو معن بن زائدة - فقال الرجل! يا أبا الوليد خائف مستجير. فقال معن: ويلك مالك وله؟ فقال هذا طلبة أمير المؤمنين، جعل لمن جاء به مائة ألف. قال معن: أما علمت أنى قد أجرته؟ أرسله من يدك. ثم أمر بعض غلمانه فترجل وأركبه وذهب به إلى منزله، وانطلق ذلك الرجل إلى باب الخليفة وأنهى إليهم الخبر، فبلغ المهدي فأرسل إلى معن فدخل عليه فسلم فلم يرد عليه¬ السلام وقال:
يا معن أبلغ من أمرك أن تجير على؟ قال: نعم قال: ونعم أيضا قال: نعم! قد قتلت في دولتكم أربعة آلاف مصلى فلا يجار لي رجل واحد؟ فأطرق المهدي ثم رفع رأسه إليه وقال: قد أجرنا من أجرت يا معن. فقال: يا أمير المؤمنين إن الرجل ضعيف، فأمر له بثلاثين ألفا. فقال: إن جريمته عظيمة وإن جوائز الخلفاء على قدر جرائم الرعية. فأمر له بمائة ألف، فحملت بين يدي معن إلى ذلك الرجل، فقال له معن: خذ المال وادع لأمير المؤمنين وأصلح نيتك في المستقبل.
وقدم المهدي مرة البصرة فخرج ليصلي بالناس فجاء أعرابى فقال: يا أمير المؤمنين مر هؤلاء فلينتظرونى حتى أتوضأ - يعنى المؤذنين - فأمرهم بانتظاره، ووقف المهدي في المحراب لم يكبر حتى قيل له هذا لأعرابى قد جاء. فكبر، فتعجب الناس من سماحة أخلاقه وقدم أعرابى ومعه كتاب مختوم فجعل يقول: هذا كتاب أمير المؤمنين إلى، أين الرجل الّذي يقال له الربيع الحاجب؟ فأخذ الكتاب وجاء به إلى الخليفة وأوقف الأعرابي وفتح الكتاب فإذا هو قطعة أديم فيها كتابة ضعيفة، والأعرابي يزعم أن هذا خط الخليفة، فتبسم المهدي وقال: صدق الأعرابي، هذا خطى، إني خرجت يوما إلى الصيد فضعت عن الجيش وأقبل الليل فتعوذت بتعويذ رسول الله ﷺ فرفع لي نار من بعيد فقصدتها فإذا هذا الشيخ وامرأته في خباء يوقدان نارا، فسلمت عليها فردا السلام وفرش لي كساء وسقاني مذقة من لبن مشوب بماء، فما شربت شيئا إلا وهي أطيب منه، ونمت نومة على تلك العباءة ما أذكر أنى نمت أحلى منها. فقام إلى شويهة له فذبحها فسمعت امرأته تقول له:
عمدت إلى مكسبك ومعيشة أولادك فذبحتها، هلكت نفسك وعيالك. فما التفت إليها، واستيقظت فاشتويت من لحم تلك الشويهة وقلت له: أعندك شيء أكتب لك في كتابا؟ فأتانى بهذه القطعة فكتبت له بعود من ذلك الرماد خمسمائة ألف، وإنما أردت خمسين ألفا، والله لأنفذنها له كلها ولو لم يكن في بيت المال سواها. فأمر له بخمسمائة ألف فقبضها الأعرابي واستمر مقيما في ذلك الموضع في طريق الحاج من ناحية الأنبار، فجعل يقرى الضيف ومن مرّ به من الناس، فعرف منزله بمنزل مضيف أمير المؤمنين المهدي.
стр. 3338
وعن سوار - صاحب رحبة سوار - قال: انصرفت يوما من عند المهدي فجئت منزلي فوضع لي الغداء فلم تقبل نفسي عليه، فدخلت خلوتي لأنام في القائلة فلم يأخذنى نوم، فاستدعيت بعض حظاياي لأتلهى بها فلم تنبسط نفسي إليها، فنهضت فخرجت من المنزل وركبت بغلتي فما جاوزت الدار إلا قليلا حتى لقيني رجل ومعه ألفا درهم، فقلت: من أين هذه؟ فقال: من ملكك الجديد.
فاستصحبته معى وسرت في أزقة بغداد لأتشاغل عما أنا فيه من الضجر، فحانت صلاة العصر عند مسجد في بعض الحارات، فنزلت لأصلى فيه، فلما قضيت الصلاة إذا برجل أعمى قد أخذ بثيابى فقال: إن لي إليك حاجة، فقلت: وما حاجتك؟ فقال: إني رجل ضرير ولكنني لما شممت رائحة طيبك ظننت أنك من أهل النعمة والثروة، فأحببت أن أفضى إليك بحاجتي. فقلت: وما هي؟ فقال: إن هذا القصر الّذي تجاه المسجد كان لأبى فسافر منه إلى خراسان فباعه وأخذنى معه وأنا صغير، فافترقنا هناك وأصابنى أنا الضرر، فرجعنا إلى بغداد بعد أن مات أبى، فجئت إلى صاحب هذا القصر أطلب منه شيئا أتبلغ به لعلى أجتمع بسوار، فإنه كان صاحبا لأبى، فلعله أن يكون عنده سعة يجود منها على. فقلت: ومن أبوك؟ فذكر رجلا كان أصحب الناس إلى، فقلت: إني أنا سوار صاحب أبيك، وقد منعني الله يومك هذا النوم والقرار والأكل والراحة حتى أخرجني من منزلي لأجتمع بك، وأجلسنى بين يديك، وأمرت وكيلي فدفع له الألفي الدرهم التي معه، وقلت له: إذا كان الغد فأت منزلي في مكان كذا وكذا. وركبت فجئت دار الخلافة وقلت: ما أنحف المهدي الليلة في السمر بأغرب من هذا. فلما قصصت عليه القصة تعجب من ذلك جدا وأمر لذلك الأعمى بألفي دينار، وقال لي: هل عليك دين؟ قلت نعم! قال: كم؟ قلت: خمسون ألف دينار.
فسكت وحادثني ساعة ثم لما قمت من بين يديه فوصلت إلى المنزل إذا الحمالون قد سبقوني بخمسين ألف دينار وألفى دينار أخرى. فلما كان اليوم الثالث جاءني الأعمى فقلت: قد رزقني الله بسببك خيرا كثيرا، ودفعت له الألفي الدينار التي من عند الخليفة وزدته ألفى دينار من عندي أيضا.
ووقفت امرأة للمهدي فقالت: يا عصبة رسول الله اقض حاجتي. فقال المهدي: ما سمعتها من أحد غيرها، اقضوا حاجتها وأعطوها عشرة آلاف درهم. ودخل ابن الخياط على المهدي فامتدحه فأمر له بخمسين ألف درهم ففرقها ابن الخياط وأنشأ يقول: -
أخذت بكفى كفه أبتغي الغنى … ولم أدر أن الجود من كفه يعدى
فلا أنا منه ما أفاد ذوو الغنى … أفدت وأعدانى فبددت ما عندي
стр. 3339
قال: فبلغ ذلك المهدي فأعطاه بدل كل درهم دينارا. وبالجملة فان للمهدي مآثر ومحاسن كثيرة، وقد كانت وفاته بماسبذان، كان قد خرج إليها ليبعث إلى ابنه الهادي ليحضر إليه من جرجان حتى يخلعه من ولاية العهد ويجعله بعد هارون الرشيد، فامتنع الهادي من ذلك، فركب المهدي إليه قاصدا إحضاره، فلما كان بماسبذان مات بها. وكان قد رأى في النوم وهو بقصره ببغداد - المسمى بقصر السلامة - كأن شيخا وقف بباب القصر، ويقال إنه سمع هاتفا يقول: -
كأنى بهذا القصر قد باد أهله … وأوحش منه ربعه ومنازله
وصار عميد القوم من بعد بهجة … وملك إلى قبر عليه جنادله
ولم يبق إلا ذكره وحديثه … تنادى عليه معولات حلائله
فما عاش بعدها إلا عشرا حتى مات. وروى أنه لما قال له الهاتف: -
كأنى بهذا القصر قد باد أهله … وقد درست أعلامه ومنازله
فأجابه المهدي:
كذاك أمور الناس يبلى جديدها … وكل فتى يوما ستبلى فعائله
فقال الهاتف:
تزود من الدنيا فإنك ميت … وإنك مسئول فما أنت قائله
فأجابه المهدي:
أقول بأن الله حق شهدته … وذلك قول ليس تحصى فضائله
فقال الهاتف:
تزود من الدنيا فإنك راحل … وقد أزف الأمر الّذي بك نازل
فأجابه المهدي:
متى ذاك خبرني هديت فاننى … سأفعل ما قد قلت لي وأعاجله
فقال الهاتف:
تلبث ثلاثا بعد عشرين ليلة … إلى منتهى شهر وما أنت كامله
قالوا: فلم يعش بعدها إلا تسعا وعشرين يوما حتى مات رحمه الله تعالى.
وقد ذكر ابن جرير اختلافا في سبب موته، فقيل إنه ساق خلف ظبى والكلاب بين يديه فدخل الظبي إلى خربة فدخلت الكلاب وراءه وجاء الفرس فحمل بمشواره فدخل الخربة فكسر ظهره، وكانت وفاته بسبب ذلك. وقيل إن بعض حظاياه بعثت إلى أخرى لبنا مسموما فمر الرسول بالمهديّ فأكل منه فمات. وقيل بل بعثت إليها بصينية فيها الكمثرى وفي أعلاها واحدة كبيرة مسمومة، وكان المهدي يعجبه الكمثرى، فمرت به الجارية ومعها تلك الصينية فأخذ التي في أعلاها فأكلها فمات من ساعته، فجعلت الحظية تندبه وتقول: وأمير المؤمنيناه، أردت أن يكون لي وحدي فقتلته بيدي. وكانت وفاته في المحرم من هذه السنة - أعنى سنة تسع وستين ومائة - وله من العمر ثلاث وأربعون سنة على المشهور، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا وكسورا، ورثاه الشعراء بمراثي كثيرة قد ذكرها ابن جرير وابن عساكر.
وفيها توفى عبيد الله بن زياد، ونافع بن عمر الجمحيّ، ونافع بن أبى نعيم القاري.
стр. 3340
خلافة موسى الهادي بن المهدي
توفى أبوه في المحرم من أول سنة تسع وستين ومائة وكان ولى العهد من بعد أبيه، وكان أبوه قد عزم قبل موته على تقديم أخيه الرشيد عليه في ولاية العهد، فلم يتفق ذلك حتى مات المهدي بماسبذان. وكان الهادي إذ ذاك بجرجان، فهم بعض الدولة منهم الربيع الحاجب وطائفة من القواد على تقديم الرشيد عليه والمبايعة له، وكان الرشيد حاضرا ببغداد، وعزموا على النفقة على الجند لذلك تنفيذا لما رآه المهدي من ذلك. فأسرع الهادي السير من جرجان إلى بغداد حين بلغه الخبر، فساق منها إليها في عشرين يوما، فدخل بغداد وقام في الناس خطيبا، وأخذ البيعة منهم فبايعوه، وتغيب الربيع الحاجب فتطلبه الهادي حتى حضر بين يديه، فعفا عنه وأحسن إليه وأقرّه على حجو بيته، وزاده الوزارة وولايات أخر. وشرع الهادي في تطلب الزنادقة من الآفاق فقتل منهم طائفة كثيرة، واقتدى في ذلك بأبيه، وقد كان موسى الهادي من أفكه الناس مع أصحابه في الخلوة، فإذا جلس في مقام الخلافة كانوا لا يستطيعون النظر إليه، لما يعلوه من المهابة والرئاسة، وكان شابا حسنا وقورا مهيبا.
وفيها - أعنى سنة تسع وستين ومائة - خرج بالمدينة الحسين بن على بن الحسن بن الحسن بن الحسن بن على بن أبى طالب، وذلك أنه أصبح يوما وقد لبس البياض وجلس في المسجد النبوي، وجاء الناس إلى الصلاة فلما رأوه ولوا راجعين، والتف عليه جماعة فبايعوه على الكتاب والسنة والرضى من أهل البيت. وكان سبب خروجه أن متوليها خرج منها إلى بغداد ليهنئ الخليفة بالولاية ويعزيه في أبيه. ثم جرت أمور اقتضت خروجه، والتف عليه جماعة وجعلوا مأواهم المسجد النبوي، ومنعوا الناس من الصلاة فيه، ولم يجبه أهل المدينة إلى ما أراده، بل جعلوا يدعون عليه لانتهاكه المسجد، حتى ذكر أنهم كانوا يقذرون في جنبات المسجد، وقد اقتتلوا مع المسودة مرات فقتل من هؤلاء وهؤلاء. ثم ارتحل إلى مكة فأقام بها إلى زمن الحج، فبعث إليه الهادي جيشا فقاتلوه بعد فراغ الناس من الموسم فقتلوه وقتلوا طائفة من أصحابه، وهرب بقيتهم وتفرقوا شذر مذر. فكان مدة خروجه إلى أن قتل تسعة أشهر وثمانية عشر يوما، وقد كان كريما من أجود الناس، دخل يوما على المهدي فأطلق له أربعين ألف دينار ففرقها في أهله وأصدقائه من أهل بغداد والكوفة، ثم خرج من الكوفة وما عليه قميص، إنما كان عليه فروة وليس تحتها قميص.
وفيها حج بالناس سليمان بن أبى جعفر عم الخليفة. وغزا الصائفة من طريق درب الراهب معتوق بن يحيى في جحفل كثيف، وقد أقبلت الروم مع بطريقها فبلغوا الحدث. وفيها توفى الحسين بن على بن حسن بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب قتل في أيام التشريق كما تقدم.
стр. 3341
والربيع بن يونس الحاجب مولى المنصور، وكان حاجبه ووزيره، وقد وزر للمهدي والهادي، وكان بعضهم يطعن في نسبه. وقد أورد الخطيب في ترجمته حديثا من طريقه ولكنه منكر، وفي صحته عنه نظر. وقد ولى الحجوبية بعده ولده الفضل بن الربيع، ولاه إياها الهادي.
ثم دخلت سنة سبعين ومائة من الهجرة النبويّة
وفيها عزم الهادي على خلع أخيه هارون الرشيد من الخلافة وولاية العهد لابنه جعفر بن الهادي فانقاد هارون لذلك ولم يظهر منازعة بل أجاب، واستدعى الهادي جماعة من الأمراء فأجابوه إلى ذلك، وأبت ذلك أمهما الخيزران، وكانت تميل إلى ابنها هارون أكثر من موسى، وكان الهادي قد منعها من التصرف في شيء من المملكة لذلك، بعد ما كانت قد استحوذت عليه في أول ولايته، وانقلبت الدول إلى بابها والأمراء إلى جنابها، فحلف الهادي لئن عاد أمير إلى بابها ليضربن عنقه ولا يقبل منه شفاعة، فامتنعت من الكلام في ذلك، وحلفت لا تكلمه أبدا، وانتقلت عنه إلى منزل آخر. وألح هو على أخيه هارون في الخلع وبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك - وكان من أكابر الأمراء الذين هم في صف الرشيد - فقال له: ماذا ترى فيما أريد من خلع هارون وتولية ابني جعفر؟ فقال له خالد: إني أخشى أن تهون الايمان على الناس، ولكن المصلحة تقتضي أن تجعل جعفرا ولى العهد من بعد هارون، وأيضا فانى أخشى أن لا يجيب أكثر الناس إلى البيعة لجعفر، لأنه دون البلوغ، فيتفاهم الأمر ويختلف الناس. فأطرق مليا - وكان ذلك ليلا - ثم أمر بسجنه ثم أطلقه. وجاء يوما إليه أخوه هارون الرشيد فجلس عن يمينه بعيدا، فجعل الهادي ينظر إليه مليا ثم قال: يا هارون! تطمع أن تكون وليا للعهد حقا؟ فقال: إي والله، ولئن كان ذلك لأصلن من قطعت، ولأنصفن من ظلمت، ولأزوجن بنيك من بناتي. فقال ذاك الظن بك. فقام إليه هارون ليقبل يده فحلف الهادي ليجلس معه على السرير فجلس معه، ثم أمر له بألف ألف دينار، وأن يدخل الخزائن فيأخذ منها ما أراد، وإذا جاء الخراج دفع إليه نصفه. ففعل ذلك كله ورضى الهادي عن الرشيد. ثم سافر الهادي إلى حديثه الموصل بعد الصلح، ثم عاد منها فمات بعيساباذ ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول، وقيل لآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافته ستة أشهر (١) وثلاثة وعشرون يوما. وكان طويلا جميلا، أبيض، بشفته العليا تقلص.
وقد توفى هذه الليلة خليفة وهو الهادي، وولى خليفة وهو الرشيد، وولد خليفة وهو المأمون بن الرشيد. وقد قالت الخيزران أمهما في أول الليل: إنه بلغني أن يولد خليفة ويموت خليفة ويولى خليفة. يقال إنها سمعت ذلك من الأوزاعي قبل ذلك بمدة، وقد سرها ذلك جدا. ويقال: إنها
стр. 3342
سمت ولدها الهادي خوفا منه على ابنها الرشيد، ولأنه كان قد أبعدها وأقصاها وقرب حظيته خالصة وأدناها فالله أعلم.
وهذا ذكر شيء من ترجمة الهادي
هو موسى بن محمد المهدي بن عبد الله المنصور بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس أبو محمد الهادي. ولى الخلافة في محرم سنة تسع وستين ومائة. ومات في النصف من ربيع الأول أو الآخر سنة سبعين ومائة، وله من العمر ثلاث، وقيل أربع، وقيل ست وعشرون سنة، والصحيح الأول، ويقال إنه لم يل الخلافة أحد قبله في سنه، وكان حسنا جميلا طويلا، أبيض، وكان قوى البأس يثب على الدابة وعليه درعان، وكان أبوه يسميه ريحانتي. ذكر عيسى بن دأب قال:
كنت يوما عند الهادي إذ جيء بطست فيه رأس جاريتين قد ذبحا وقطعا، لم أر أحسن صورا منهما، ولا مثل شعورهما، وفي شعورهما اللآلئ والجواهر منضدة، ولا رأيت مثل طيب ريحهما.
فقال لنا الخليفة: أتدرون ما شأن هاتين؟ قلت: لا. فقال: إنه ذكر أنه تركب إحداهما الأخرى يفعلان الفاحشة، فأمرت الخادم فرصدهما ثم جاءني فقال: إنهما مجتمعتان، فجئت فوجدتهما في لحاف واحد وهما على الفاحشة، فأمرت بحز رقابتهما. ثم أمر برفع رءوسهما من بين يديه ورجع إلى حديثه الأول كأنه لم يصنع شيئا. وكان شهما خبيرا بالملك كريما، ومن كلامه: ما أصلح الملك بمثل تعجيل العقوبة للجاني، والعفو عن الزلات، ليقل الطمع عن الملك. وغضب يوما على رجل فاسترضى عنه فرضى، فشرع الرجل يعتذر فقال الهادي: إن الرضا كفاك مؤنة الاعتذار. وعزى رجلا في ولده فقال له: سرّك وهو عدو وفتنة، وساءك وهو صلاة ورحمة. وروى الزبير بن بكار أن مروان بن أبى حفصة أنشد الهادي قصيدة له منها قوله: -
تشابه يوما بأسه ونواله … فما أحد يدرى لأيهما الفضل
فقال له الهادي: أيما أحب إليك؟ ثلاثون ألفا معجلة أو مائة ألف تدور في الدواوين؟ فقال:
يا أمير المؤمنين أو أحسن من ذلك؟ قال: وما هو؟ قال: تكون ألفا معجلة ومائة ألف تدور بالدواوين. فقال الهادي: أو أحسن من ذلك، نعجل الجميع لك. فأمر له بمائة ألف وثلاثين ألفا معجلة.
قال الخطيب البغدادي: حدثني الأزهري ثنا سهل بن أحمد الديباجي ثنا الصولي ثنا الغلابي حدثني محمد بن عبد الرحمن التيمي المكيّ حدثني المطلب بن عكاشة المزني قال: قدمنا على أبى محمد الهادي شهودا على رجل منا أنه شتم قريشا وتخطي إلى رسول الله ﷺ ، فجلس لنا مجلسا أحضر فيه فقهاء أهل زمانه ومن كان بالحضرة على بابه، وأحضر الرجل وأحضرنا فشهدنا عليه بما سمعنا منه. فتغير وجه الهادي ثم نكس رأسه ثم رفعه ثم قال: إني سمعت أبى المهدي يحدث عن أبيه المنصور
стр. 3343
عن أبيه على بن عبد الله بن عباس قال: من أهان قريشا أهانه الله، وأنت يا عدو الله لم ترض بأن آذيت قريشا حتى تخطيت إلى ذكر رسول الله ﷺ ؟ اضربوا عنقه. فما برحنا حتى قتل.
توفى الهادي في ربيع الأول من هذه السنة، وصلى عليه أخوه هارون، ودفن في قصر بناه وسماه الأبيض بعيساباذ من الجانب الشرقي من بغداد، وكان له من الولد تسعة، سبعة ذكور وابنتان، فالذكور جعفر، وعباس، وعبد الله، وإسحاق، وإسماعيل، وسليمان، وموسى الأعمى، الّذي ولد بعد وفاته فسمى باسم أبيه. والبنتان هما أم عيسى التي تزوجها المأمون، وأم العباس تلقب توبة.
خلافة هارون الرشيد بن المهدي
بويع له بالخلافة ليلة مات أخوه، وذلك ليلة الجمعة للنصف من ربيع الأول سنة سبعين ومائة وكان عمر الرشيد يومئذ ثنتان وعشرين سنة، فبعث إلى يحيى بن خالد بن برمك فأخرجه من السجن، وقد كان الهادي عزم تلك الليلة على قتله وقتل هارون الرشيد، وكان الرشيد ابنه من الرضاعة، فولاه حينئذ الوزارة، وولى يوسف بن القاسم بن صبيح كتابة الإنشاء. وكان هو الّذي قام خطيبا بين يديه حتى أخذت البيعة له على المنبر بعيساباذ، ويقال إنه لما مات الهادي في الليل جاء يحيى ابن خالد بن برمك إلى الرشيد فوجده نائما فقال: قم يا أمير المؤمنين. فقال له الرشيد: كم تروعنى، لو سمعك هذا الرجل لكان ذلك أكبر ذنوبي عنده؟ فقال: قد مات الرجل. فجلس هارون فقال:
أشر على في الولايات. فجعل يذكر ولايات الأقاليم لرجال يسميهم فيوليهم الرشيد، فبينما هما كذلك إذ جاء آخر فقال: أبشر يا أمير المؤمنين فقد ولد لك الساعة غلام. فقال: هو عبد الله وهو المأمون. ثم أصبح فصلى على أخيه الهادي، ودفنه بعيساباذ، وحلف لا يصلى الظهر إلا ببغداد. فلما فرغ من الجنازة أمر بضرب عنقه أبى عصمة القائد لأنه كان مع جعفر بن الهادي، فزاحموا الرشيد على جسر فقال أبو عصمة: اصبر وقف حتى يجوز ولى العهد. فقال الرشيد: السمع والطاعة للأمير. فجاز جعفر و. أبو عصمة ووقف الرشيد مكسورا ذليلا. فلما ولى أمر بضرب عنق أبى عصمة، ثم سار إلى بغداد. فلما انتهى إلى جسر بغداد استدعى بالغواصين فقال إني سقط منى هاهنا خاتم كان والدي المهدي قد اشتراه لي بمائة ألف، فلما كان من أيام بعث إلى الهادي يطلبه فألقيته إلى الرسول فسقط هاهنا. فغاص الغواصون وراءه فوجدوه فسر به الرشيد سرورا كثيرا. ولما ولى الرشيد يحيى بن خالد الوزارة قال له: قد فوضت إليك امر الريعة وخلعت ذلك من عنقي وجعلته في عنقك، فول من رأيت واعزل من رأيت. ففي ذلك يقول إبراهيم بن الموصلي: -
ألم تر أن الشمس كانت سقيمة … فلما ولى هارون أشرق نورها
بيمن أمين الله هارون ذي الندى … فهارون واليها ويحيى وزيرها
стр. 3344
ثم إن هارون أمر يحيى بن خالد أن لا يقطع أمرا إلا بمشاورة والدته الخيزران. فكانت هي المشاورة في الأمور كلها، فتبرم وتحل وتمضى وتحكم.
وفيها أمر الرشيد بسهم ذوى القربى أن يقسم بين بنى هاشم على السواء. وفيها تتبع الرشيد خلقا من الزنادقة فقتل منهم طائفة كثيرة. وفيها خرج عليه بعض أهل البيت. وفيها ولد الأمين محمد بن الرشيد ابن زبيدة. وذلك يوم الجمعة لست عشرة ليلة خلت من شوال من هذه السنة. وفيها كمل بناء مدينة طرسوس على يدي فرج الخادم التركي ونزلها الناس. وفيها حج بالناس أمير المؤمنين الرشيد، وأعطى أهل الحرمين أموالا كثيرة، ويقال إنه غزا في هذه السنة أيضا. وفي ذلك يقول داود بن رزين الشاعر: -
بهارون لاح النور في كل بلدة … وقام به في عدل سيرته النهج
إمام بذات الله أصبح شغله … وأكثر ما يعنى به الغزو والحج
تضيق عيون الناس عن نور وجهه … إذا ما بدا للناس منظره البلج
وإن أمين الله هارون ذا الندا … ينيل الّذي يرجوه أضعاف ما يرجو
وغزا الصائفة فيها سليمان بن عبد الله البكائي.
ذكر من توفى فيها من الأعيان
الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم أبو عبد الرحمن الفراهيدى، ويقال الفرهودى الأزدي، شيخ النحاة، وعنه أخذ سيبويه والنضر بن شميل، وغير واحد من أكابرهم، وهو الّذي اخترع علم العروض. قسمه إلى خمس دوائر وفرعه إلى خمسة عشر بحرا، وزاد الأخفش فيه بحرا آخر وهو الخبب، وقد قال بعض الشعراء: -
قد كان شعر الورى صحيحا … من قبل أن يخلق الخليل
وقد كان له معرفة بعلم النغم، وله فيه تصنيف أيضا، وله كتاب العين في اللغة، ابتدأه وأكمله النضر بن شميل وأضرابه من أصحاب الخليل، كمؤرج السدوسي، ونصر بن على الجهضمي. فلم يناسبوا ما وضعه الخليل. وقد وضع ابن درستويه كتابا وصف فيه ما وقع لهم من الخلل فأفاد. وقد كان الخليل رجلا صالحا عاقلا وقورا كاملا، وكان متقللا من الدنيا جدا، صبورا على خشونة العيش وضيقه، وكان يقول: لا يجاوز همي ما وراء بابي، وكان ظريفا حسن الخلق، وذكر أنه اشتغل رجل عليه في العروض وكان بعيد الذهن فيه، قال فقلت له يوما: كيف تقطع هذا البيت؟
إذا لم تستطع شيئا فدعه … وجاوزه إلى ما تستطيع
فشرع معى في تقطيعه على قدر معرفته، ثم إنه نهض من عندي فلم يعد إلى، وكأنه فهم ما أشرت
стр. 3345
إليه. ويقال إنه لم يسم أحد بعد النبي ﷺ بأحمد سوى أبيه، روى ذلك عن أحمد بن أبى خيثمة والله أعلم. ولد الخليل سنة مائة من الهجرة، ومات بالبصرة سنة سبعين ومائة على المشهور، وقيل سنة ستين، وزعم ابن الجوزي في كتابه شذور العقود أنه توفى سنة ثلاثين ومائة، وهذا غريب جدا. والمشهور الأول.
وفيها توفى الربيع بن سليمان بن عبد الجبار بن كامل المرادي مولاهم، المصري المؤدب راوية الشافعيّ، وآخر من روى عنه. وكان رجلا صالحا تفرس فيه الشافعيّ وفي البويطي والمزني وابن عبد الحكم العلم فوافق ذلك ما وقع في نفس الأمر. ومن شعر الربيع هذا:
صبرا جميلا ما أسرع الفرجا … من صدق الله في الأمور نجا
من خشي الله لم ينله أذى … ومن رجا الله كان حيث رجا
فأما الربيع بن سليمان بن داود الجيزى فإنه روى عن الشافعيّ أيضا. وقد مات في سنة ست وخمسين ومائتين والله أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومائة
فيها أضاف الرشيد الخاتم إلى يحيى بن خالد مع الوزارة. وفيها قتل الرشيد أبا هريرة محمد بن فروخ نائب الجزيرة صبرا في قصر الخلد بين يديه. وفيها خرج الفضل بن سعيد الحروري فقتل.
وفيها قدم روح بن حاتم نائب إفريقية. وفيها خرجت الخيزران إلى مكة فأقامت بها إلى أن شهدت الحج، وكان الّذي حج بالناس فيها عبد الصمد بن على عم الخلفاء.
ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين ومائة
فيها وضع الرشيد عن أهل العراق العشر الّذي كان يؤخذ منهم بعد النصف. وفيها خرج الرشيد من بغداد يرتاد له موضعا يسكنه غير بغداد فتشوش فرجع. وفيها حج بالناس يعقوب بن أبى جعفر المنصور عم الرشيد. وفيها غزا الصائفة إسحاق بن سليمان بن على.
ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومائة
فيها توفى بالبصرة محمد بن سليمان فأمر الرشيد بالاحتياط على حواصله التي تصلح للخلفاء، فوجدوا من ذلك شيئا كثيرا من الذهب والفضة والأمتعة وغير ذلك، فنضدوه ليستعان به على الحرب وعلى مصالح المسلمين. وهو محمد بن سليمان بن على بن عبد الله بن عباس، وأمه أم حسن بنت جعفر بن حسن بن حسن بن على، وكان من رجالات قريش وشجعانهم. جمع له المنصور بين البصرة والكوفة، وزوجه المهدي ابنته العباسة، وكان له من الأموال شيء كثير، كان دخله في كل يوم مائة ألف. وكان له خاتم من ياقوت أحمر لم ير مثله. وروى الحديث عن أبيه عن جده الأكبر،
стр. 3346
وهو حديث مرفوع في مسح رأس اليتيم إلى مقدم رأسه، ومسح رأس من له أب إلى مؤخر رأسه.
وقد وفد على الرشيد فهنأه بالخلافة فأكرمه وعظمه وزاده في عمله شيئا كثيرا. ولما أراد الخروج خرج معه الرشيد يشيعه إلى كلواذا. توفى في جمادى الآخرة من هذه السنة عن إحدى وخمسين سنة، وقد أرسل الرشيد من اصطفى من ماله الصامت فوجد له من الذهب ثلاثة آلاف ألف دينار، ومن الدراهم ستة آلاف ألف، خارجا عن الأملاك.
وقد ذكر ابن جرير أن وفاته ووفاة الخيزران في يوم واحد، وقد وقفت جارية من جواريه على قبره فأنشأت تقول:
أمسى التراب لمن هويت مبيتا … الق التراب فقل له حييتا
إنا نحبك يا تراب وما بنا … إلا كرامة من عليه حثيتا
وفيها توفيت الخيزران جارية المهدي وأم أمير المؤمنين الهادي والرشيد، اشتراها المهدي وحظيت عنده جدا ثم أعتقها وتزوجها وولدت له خليفتين: موسى الهادي والرشيد. ولم يتفق هذا لغيرها من النساء إلا الولادة بنت العباس العبسية، زوجة عبد الملك بن مروان، وهي أم الوليد وسليمان. وكذلك لشاه فرند بنت فيروز بن يزدجرد، ولدت لمولاها الوليد بن عبد الملك: مروان وإبراهيم. وكلاهما ولى الخلافة.
وقد روى من طريق الخيزران عن مولاها المهدي عن أبيه عن جده عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: «من اتقى الله وقاه كل شيء». ولما عرضت الخيزران على المهدي ليشتريها أعجبته إلا دقة في ساقيها، فقال لها: يا جارية إنك لعلى غاية المنى والجمال لولا دقة ساقيك وخموشهما. فقالت: يا أمير المؤمنين إنك أحوج ما تكون اليهما لا تراهما. فاستحسن جوابها واشتراها وحظيت عنده جدا. وقد حجت الخيزران مرة في حياة المهدي فكتب: إليها وهي بمكة يستوحش لها ويتشوق إليها بهذا الشعر: -
نحن في غاية السرور ولكن … ليس إلا بكم يتم السرور
عيب ما نحن فيه يا أهل ودى … أنكم غيّب ونحن حضور
فأجدّوا في السير بل إن قدرتم … أن تطيروا مع الرياح فطيروا
فأجابته أو أمرت من أجابه:
قد أتانا الّذي وصفت من الشوق … فكدنا وما قدرنا نطير
ليت أن الرياح كن يؤدين … إليكم ما قد يكنّ الضمير
لم أزل صبة فان كنت بعدي … في سرور فدام ذاك السرور
وذكروا أنه أهدى إليها محمد بن سليمان نائب البصرة الّذي مات في اليوم الّذي ماتت فيه مائة
стр. 3347
وصيفة، مع كل وصيفة جام من فضة مملوء مسكا. فكتبت إليه: إن كان ما بعثته ثمنا عن ظننا فيك فظننا فيك أكثر مما بعثت، وقد بخستنا في الثمن، وإن كنت تريد به زيادة المودة فقد اتهمتنى في المودة. وردت ذلك عليه. وقد اشترت الدار المشهورة بها بمكة المعروفة بدار الخيزران، فزادتها في المسجد الحرام.
وكان مغلّ ضياعها في كل سنة ألف ألف وستين ألفا. واتفق موتها ببغداد ليلة الجمعة لثلاث بقين من جمادى الآخرة من هذه السنة. وخرج ابنها الرشيد في جنازتها وهو حامل سريرها يخب في الطين. فلما انتهى إلى المقبرة أتى بماء فغسل رجليه ولبس خفا وصلى عليها، ونزل لحدها. فلما خرج من القبر أتى بسرير فجلس عليه واستدعى بالفضل بن الربيع فولاه الخاتم والنفقات. وأنشد الرشيد قول ابن نويرة حين دفن أمه الخيزران:
وكنا كندمانى جذيمة برهة … من الدهر حتى قيل له يتصدعا
فلما تفرقنا كأنى ومالكا … لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
وفيها توفيت:
غادر
جارية كانت لموسى الهادي، كان يحبها حبا شديدا جدا، وكانت تحسن الغناء جدا، فبينما هي يوما تغنيه إذ أخذته فكرة غيبته عنها وتغير لونه، فسأله بعض الحاضرين: ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: أخذتني فكرة أنى أموت وأخى هارون يتولى الخلافة بعدي ويتزوج جاريتي هذه. ففدّاه الحاضرون ودعوا له بطول العمر. ثم استدعى أخاه هارون فأخبره بما وقع فعوذه الرشيد من ذلك، فاستحلفه الهادي بالأيمان المغلظة من الطلاق والعتاقو والحج ماشيا حافيا أن لا يتزوجها، فحلف له واستحلف الجارية كذلك فحلفت له، فلم يكن إلا أقل من شهرين حتى مات، ثم خطبها الرشيد فقالت: كيف بالايمان التي حلفناها أنا وأنت؟ فقال: إني أكفر عنى وعنك. فتزوجها وحظيت عنده جدا، حتى كانت تنام في حجره فلا يتحرك خشية أن يزعجها. فبينما هي ذات ليلة نائمة إذ انتبهت مذعورة تبكى، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين رأيت الهادي في منامي هذا وهو يقول:
أخلفت عهدي بعد ما … جاورت سكان المقابر
ونسيتنى وحنثت في … أيمانك الكذب الفواجر
ونكحت غادرة أخى … صدق الّذي سماك غادر
أمسيت في أهل البلى … وعددت في الموتى الغوابر
لا يهنك الألف الجدي … د ولا تدر عنك الدوائر
ولحقت بى قبل الصبا … ح وصرت حيث غدوت صائر
стр. 3348
فقال لها الرشيد: أضغاث أحلام. فقالت: كلا والله يا أمير المؤمنين، فكأنما كتبت هذه الأبيات في قلبي. ثم ما زالت ترتعد وتضطرب حتى ماتت قبل الصباح. وفيها ماتت:
هيلانة
جارية الرشيد، وهو الّذي سماها هيلانة لكثرة قولها هي لانه. قال الأصمعي: وكان لها محبا، وكانت قبله لخالد بن يحيى بن برمك، فدخل الرشيد يوما منزله قبل الخلافة فاعترضته في طريقه وقالت: أما لنا منك نصيب؟ فقال: وكيف السبيل إلى ذلك؟ فقالت: استوهبني من هذا الشيخ. فاستوهبها من يحيى بن خالد فوهبها له وحظيت عنده، ومكثت عنده ثلاث سنين ثم توفيت فحزن عليها حزنا شديدا ورثاها وكان من قوله فيها: -
قد قلت لما ضمنوك الثرى … وجالت الحسرة في صدري
اذهب فلاق الله لا سرني … بعدك شيء آخر الدهر
وقال العباس بن الأحنف في موتها:
يا من تباشرت القبور بموتها … قصد الزمان مساءتى فرماك
أبغى الأنيس فما أرى لي مؤنسا … إلا التردد حيث كنت أراك
قال: فأمر له الرشيد بأربعين ألفا، لكل بيت عشرة آلاف، فالله أعلم.
ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومائة من الهجرة النبويّة
فيها وقعت عصبية بالشام وتخبيط من أهلها. وفيها استقضى الرشيد يوسف ابن القاضي أبى يوسف وأبوه حي. وفيها غزا الصائفة عبد الملك بن صالح فدخل بلاد الروم. وفيها حج بالناس الرشيد، فلما اقترب من مكة بلغه أن فيها وباء فلم يدخل مكة حتى كان وقت الوقوف وقف ثم جاء المزدلفة ثم منى ثم دخل مكة فطاف وسعى ثم ارتحل ولم ينزل بها.
ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومائة
فيها أخذ الرشيد بولاية العهد من بعده لولده محمد بن زبيدة وسماه الأمين، وعمره إذ ذاك خمس سنين، فقال في ذلك سلم الخاسر:
قد وفق الله الخليفة إذ بنى … بيت الخلافة للهجان الأزهر
فهو الخليفة عن أبيه وجده … شهدا عليه بمنظر وبمخبر
قد بايع الثقلان في مهد الهدى … لمحمد بن زبيدة ابنة جعفر
وقد كان الرشيد يتوسم النجابة والرجاحة في عبد الله المأمون، ويقول: والله إن فيه حزم المنصور، ونسك المهدي، وعزة نفس الهادي. ولو شئت أن أقول الرابعة منى لقلت، وإني لأقدم محمد بن زبيدة وإني لأعلم أنه متبع هواه ولكن لا أستطيع غير ذلك. ثم أنشأ يقول:
стр. 3349
لقد بان وجه الرأى لي غير أننى … غلبت على الأمر الّذي كان أحزما
وكيف يرد الدرّ في الضرع بعد ما … نوزع حتى صار نهبا مقسما
أخاف التواء الأمر بعد استوائه … وأن ينقض الأمر الّذي كان أبرما
وغزا الصائفة عبد الملك بن صالح، في قول الواقدي. وحج بالناس الرشيد. وفيها سار يحيى ابن عبد الله بن حسن إلى الديلم وتحرك هناك.
وفيها توفى من الأعيان.
شعوانة العابدة الزاهدة
كانت أمة سوداء كثيرة العبادة، روى عنها كلمات حسان، وقد سألها الفضيل بن عياض الدعاء فقالت: أما بينك وبينه ما إن دعوته استجاب لك؟ فشهق الفضيل ووقع مغشيا عليه.
وفيها توفى الليث بن سعد بن عبد الرحمن
الفهميّ مولاهم. قال ابن خلكان: كان مولى قيس بن رفاعة وهو مولى عبد الرحمن بن مسافر الفهميّ، كان الليث إمام الديار المصرية بلا مدافعة، وولد بقرقشندة من بلاد مصر سنة أربع وتسعين. وكانت وفاته في شعبان من هذه السنة، ونشأ بالديار المصرية. وقال ابن خلكان: أصله من قلقشندة وضبطه بلامين الثانية متحركة. وحكى عن بعضهم أنه كان جيد الذهن، وأنه ولى القضاء بمصر فلم يحمدوا ذهنه بعد ذلك، ولد سنة أربع وعشرين ومائة، وذلك غريب جدا. وذكروا أنه كان يدخله من ملكه في كل سنة خمسة آلاف دينار.
وقال آخرون: كان يدخله من الغلة في كل سنة ثمانون ألف دينار، وما وجبت عليه زكاة، وكان إماما في الفقه والحديث والعربية. قال الشافعيّ: كان الليث أفقه من مالك إلا أنه ضيعه أصحابه.
وبعث إليه مالك يستهديه شيئا من العصفر لأجل جهاز ابنته، فبعث إليه بثلاثين حملا، فاستعمل منه مالك حاجته وباع منه بخمسمائة دينار، وبقيت عنده منه بقية. وحج مرة فأهدى له مالك طبقا فيه رطب فرد الطبق وفيه ألف دينار. وكان يهب للرجل من أصحابه من العلماء الألف دينار وما يقارب ذلك. وكان يخرج إلى الاسكندرية في البحر هو وأصحابه في مركب ومطبخه في مركب.
ومناقبه كثيرة جدا. وحكى ابن خلكان أنه سمع قائلا يقول يوم مات الليث:
ذهب الليث فلا ليث لكم ومضى العلم غريبا وقبر فالتفتوا فلم يروا أحدا. وفيها توفى:
المنذر بن عبد الله بن المنذر
القرشي، عرض عليه المهدي أن يلي القضاء ويعطيه من بيت المال مائة ألف درهم، فقال: إني عاهدت الله أن لا ألي شيئا، وأعيذ أمير المؤمنين بالله أن أخيس بعهدي. فقال له المهدي: الله؟ قال: الله. قال: انطلق فقد أعفيتك
стр. 3350
ثم دخلت سنة ست وسبعين ومائة
فيها كان ظهور يحيى بن عبد الله بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب ببلاد الديلم، واتبعه خلق كثير وجم غفير، وقويت شوكته، وارتحل إليه الناس من الكور والأمصار، فانزعج لذلك الرشيد وقلق من أمره، فندب إليه الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك في خمسين ألفا، وولاه كور الجبل والري وجرجان وطبرستان وقومس وغير ذلك. فسار الفضل بن يحيى إلى تلك الناحية في أبهة عظيمة، وكتب الرشيد تلحقه مع البرد في كل منزلة، وأنواع التحف والبر، وكاتب الرشيد صاحب الديلم ووعده بألف ألف درهم إن هو سهل خروج يحيى إليهم، وكتب الفضل إلى يحيى بن عبد الله يعده ويمنيه ويؤمله ويرجيه، وأنه إن خرج إليه أن يقيم له العذر عند الرشيد. فامتنع يحيى أن يخرج إليهم حتى يكتب له الرشيد كتاب أمان بيده. فكتب الفضل إلى الرشيد بذلك ففرح الرشيد ووقع منه موقعا عظيما. وكتب الأمان بيده وأشهد عليه القضاة والفقهاء ومشيخة بنى هاشم، منهم عبد الصمد بن على، وبعث الأمان وأرسل معه جوائز وتحفا كثيرة إليهم، ليدفعوا ذلك جميعه إليه. ففعلوا وسلمه إليه فدخلوا به بغداد، وتلقاه الرشيد وأكرمه وأجزل له في العطاء، وخدمه آل برمك خدمة عظيمة، بحيث إن يحيى بن خالد كان يقول: خدمته بنفسي وولدى: وعظم الفضل عند الرشيد جدا بهذه الفعلة حيث سعى بالصلح بين العباسيين والفاطميين، ففي ذلك يقول مروان ابن أبى حفصة يمدح الفضل بن يحيى ويشكره على صنيعه هذا:
ظفرت فلا شلت يد برمكية … رتقت بها الفتق الّذي بين هاشم
على حين أعيا الراتقين التئامه … فكفوا وقالوا ليس بالمتلائم
فأصبحت قد فازت يداك بخطة … من المجد باق ذكرها في المواسم
وما زال قدح الملك يخرج فائزا … لكم كلما ضمّت قداح المساهم
قالوا: ثم إن الرشيد تنكر ليحيى بن عبد الله بن حسن وتغير عليه، ويقال: إنه سجنه ثم استحضروه وعنده جماعات من الهاشميين، وأحضر الأمان الّذي بعث به إليه فسأل الرشيد محمد بن الحسن عن هذا الأمان أصحيح هو؟ قال: نعم! فتغيظ الرشيد عليه. وقال أبو البختري: ليس هذا الأمان بشيء فاحكم فيه بما شئت، ومزق الأمان. وبصق فيه أبو البختري، وأقبل الرشيد على يحيى بن عبد الله فقال: هيه هيه، وهو يبسم تبسم الغضب، وقال: إن الناس يزعمون أنا سممناك. فقال يحيى: يا أمير المؤمنين إن لنا قرابة ورحما وحقا، فعلام تعذبني وتحبسني؟ فرق له الرشيد، فاعترض بكار بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير فقال: يا أمير المؤمنين لا يغرنك هذا الكلام من هذا، فإنه عاص شاق، وإنما هذا منه مكر وخبث. وقد أفسد علينا مدينتنا وأظهر
стр. 3351
فيها العصيان. فقال له يحيى: ومن أنتم عافاكم الله؟ وإنما هاجر أبوك إلى المدينة بآبائي وآباء هذا.
ثم قال يحيى: يا أمير المؤمنين لقد جاءني هذا حين قتل أخى محمد بن عبد الله فقال: لعن الله قاتله، وأنشدنى فيه نحوا من عشرين بيتا، وقال لي، إن تحركت إلى هذا الأمر فأنا أول من يبايعك، وما يمنعك أن تلحق بالبصرة وأيدينا معك؟ قال: فتغير وجه الرشيد ووجه الزبيري وأنكر وشرع يحلف بالأيمان المغلظة إنه لكاذب في ذلك، وتحير الرشيد. ثم قال ليحيى: أتحفظ شيئا من المرثية؟ قال: نعم. وأنشده منها جانبا. فازداد الزبيري في الإنكار، فقال له يحيى بن عبد الله:
فقل: إن كنت كاذبا فقد برئت من حول الله وقوته، ووكلني الله إلى حولي وقوتي. فامتنع من الحلف بذلك، فعزم عليه الرشيد وتغيظ عليه، فحلف بذلك فما كان إلا أن خرج من عند الرشيد فرماه الله بالفالج فمات من ساعته. ويقال إن امرأته غمت وجهه بمخدة فقتله الله.
ثم إن الرشيد أطلق يحيى بن عبد الله وأطلق له مائة ألف دينار، ويقال إنما حبسه بعض يوم وقيل ثلاثة أيام. وكان جملة ما وصله من المال من الرشيد أربعمائة ألف دينار من بيت المال، وعاش بعد ذلك كله شهرا واحدا ثم مات ﵀.
وفيها وقعت فتنة عظيمة بالشام بين النزارية، وهم قيس، واليمانية وهم يمن، وهذا كان أول بدو أمر العشيرتين بحوران، وهم قيس ويمن، أعادوا ما كانوا عليه في الجاهلية في هذا الآن. وقتل منهم في هذه السنة بشر كثير. وكان على نيابة الشام كلها من جهة الرشيد ابن عمه موسى بن عيسى، وقيل عبد الصمد بن على فالله أعلم. [وكان على نيابة دمشق بخصوصها سندي بن سهل أحد موالي جعفر المنصور، وقد هدم سور دمشق حين ثارت الفتنة خوفا من أن يتغلب عليها أبو الهيذام المزي رأس القيسية، وقد كان مزى هذا دميم الخلق. قال الجاحظ: وكان لا يحلف المكاري ولا الملاح ولا الحائك، ويقول: القول قولهم، ويستخير الله في الحمال ومعلم الكتاب. وقد توفى سنة أربع ومائتين] (١) فلما تفاقم الأمر بعث الرشيد من جهته موسى بن يحيى بن خالد ومعه جماعة من القواد ورءوس الكتاب، فأصلحوا بين الناس وهدأت الفتنة واستقام أمر الرعية، وحملوا جماعات من رءوس الفتنة إلى الرشيد فرد أمرهم إلى يحيى بن خالد فعفا عنهم وأطلقهم، وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
قد هاجت الشام هيجا … يشيب رأس وليده
فصب موسى عليها … بخيله وجنوده
فدانت الشام لما … أتى بسنح وحيده
هذا الجواد الّذي بذّ … كل جود بجوده
стр. 3352
أعداه جود أبيه … يحيى وجود جدوده
فجاد موسى بن يحيى … بطارف وتليده
ونال موسى ذرى المجد … وهو حشو مهودة
خصصته بمديحي … منثوره وقصيده
من البرامك عودا … له فأكرم بعوده
حووا على الشعر طرا … خفيفة ومديده
وفيها عزل الرشيد الغطريف بن عطاء عن خراسان وولاها حمزة بن مالك بن الهيثم الخزاعي الملقب بالعروس. وفيها ولى الرشيد جعفر بن يحيى بن خالد نيابة مصر، فاستناب عليها جعفر عمر بن مهران، وكان رديء الخلق رديء الشكل زمن الكف أحول، وكان سبب ولايته إياها أن نائبها موسى ابن عيسى كان قد عزم على خلع الرشيد. فقال الرشيد: والله لأعزلنه ولأولين عليها أحسن الناس.
فاستدعى عمر بن مهران هذا فولاه عليها عن نائبة جعفر بن يحيى البرمكي. فسار إليها على بغل وغلامه أبو درة على بغل آخر، فدخلها كذلك فانتهى إلى مجلس نائبها موسى بن عيسى فجلس في أخريات الناس، فلما انفض الناس أقبل عليه موسى بن عيسى وهو لا يعرف من هو، فقال: ألك حاجة يا شيخ؟ قال: نعم أصلح الله الأمير. ثم دفع الكتب إليه فلما قرأها قال: أنت عمر بن مهران؟ قال: نعم! قال: لعن الله فرعون حين قال: أليس لي ملك مصر؟ ثم سلم إليه العمل وارتحل منها، وأقبل عمر بن مهران على عمله، وكان لا يقبل شيئا من الهدايا إلا ما كان ذهبا أو فضة أو قماشا، ثم يكتب على كل هدية اسم مهديها، ثم يطالب بالخراج ويلح في طلبه عليهم، وكان بعضهم يماطله به، فأقسم لا يماطله أحد إلا فعل به وفعل. فجمع من ذلك شيئا كثيرا، وكان يبعث ما جمعه إلى بغداد، ومن ماطله بعثه إلى بغداد. فتأدب الناس معه. ثم جاءهم القسط الثاني فعجز كثير منهم عن الأداء فجعل يستحضر ما كانوا أدوه إليه من الهدايا، فان كان نقدا أداه عنهم، وإن كان برا باعه وأداه عنهم، وقال لهم: إني إنما ادخرت هذا لكم إلى وقت حاجتكم. ثم أكمل استخراج جميع الخراج بديار مصر ولم يفعل ذلك أحد قبله، ثم انصرف عنها لأنه كان قد شرط على الرشيد أنه إذا مهد البلاد وجبى الخراج، فذاك إذنه في الانصراف. ولم يكن معه بالديار المصرية جيش ولا غيره سوى مولاه أبو درة وحاجبه، وهو منفذ أموره. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك ففتح حصنا. وفيها حجت زبيدة زوجة الرشيد ومعها أخوها، وكان أمير الحج سليمان بن أبى جعفر المنصور عم الرشيد.
وفيها توفى:
إبراهيم بن صالح
ابن على بن عبد الله بن عباس، كان أميرا على مصر، توفى في شعبان.
وإبراهيم بن هرمة
стр. 3353
كان شاعرا. وهو إبراهيم بن على بن سلمة بن عامر بن هرمة أبو إسحاق الفهري المدني، وفد على المنصور في وفد أهل المدينة حين استوفدهم عليه، فجلسوا إلى ستر دون المنصور، يرى الناس من ورائه ولا يرونه، وأبو الخصيب الحاجب واقف يقول: يا أمير المؤمنين هذا فلان الخطيب، فيأمره فيخطب، ويقول: هذا فلان الشاعر فيأمره فينشد. حتى كان من آخرهم ابن هرمة هذا، فسمعته يقول: لا مرحبا ولا أهلا ولا أنعم الله بك عينا. قال: فقلت: هلكت، ثم استنشدنى فأنشدته قصيدتي التي أقول فيها:
سرى ثوبه عند الصبا المتخايل (١) … وقرب للبين الخليط المزايل
حتى انتهيت إلى قولي:
فأما الّذي أمنته يأمن الردى … وأما الّذي حاولت بالثكل ثاكل
قال: فأمر برفع الحجاب فإذا وجهه كأنه فلقة قمر، فاستنشدنى بقية القصيدة وأمر لي بالقرب بين يديه، والجلوس إليه، ثم قال: ويحك يا إبراهيم! لولا ذنوب بلغتني عنك لفضلتك على أصحابك، فقلت: يا أمير المؤمنين كل ذنب بلغك عنى لم تعف عنه فأنا مقر به. قال: فتناول المخصرة فضربني بها ضربتين وأمر لي بعشرة آلاف وخلعة وعفا عنى وألحقنى بنظرائى. وكان من جملة ما نقم المنصور عليه قوله:
ومهما ألام على حبهم … فانى أحب بنى فاطمة
بنى بنت من جاء بالمحكما … ت وبالدين وبالسنة القائمة
فلست أبالى بحبي لهم … سواهم من النعم السائمة
قال الأخفش. قال لنا ثعلب قال الأصمعي: ختمت الشعراء بابن هرمة. ذكر وفاته في هذه السنة أبو الفرج ابن الجوزي. وفيها توفى الجراح بن مليح والد وكيع بن الجراح، وسعيد بن عبد الرحمن ابن عبد الله بن جميل أبو عبد الله المديني، ولى قضاء بغداد سبعة عشر سنة لعسكر المهدي، وثقه ابن معين وغيره. وفيها توفى:
صالح بن بشير المرّي
أحد العباد الزهاد، كان كثير البكاء وكان يعظ فيحضر مجلسه سفيان الثوري وغيره من العلماء، ويقول: سفيان هذا نذير قوم، وقد استدعاه المهدي ليحضر عنده فجاء إليه راكبا على حمار فدنا من بساط الخليفة وهو راكب فأمر الخليفة ابنيه - وليي العهد من بعده موسى الهادي وهارون الرشيد - أن يقوما إليه لينزلاه عن دابته، فابتدراه فأنزلاه، فأقبل صالح على نفسه فقال: لقد خبت وخسرت إن أنا داهنت ولم أصدع بالحق في هذا اليوم، وفي هذا المقام. ثم جلس إلى المهدي فوعظه موعظة بليغة حتى أبكاه، ثم قال له: اعلم أن رسول الله ﷺ خصم من خالفه في أمته، ومن كان محمد خصمه كان الله خصمه، فأعد لمخاصمة الله ومخاصمة رسوله حججا تضمن لك النجاة، وإلا فاستسلم للهلكة، واعلم أن أبطأ الصرعى نهضة صريع هوى بدعته، واعلم أن الله قاهر فوق عباده، وأن أثبت الناس قدما
стр. 3354
آخذهم بكتاب الله وسنة رسوله، وكلام طويل. فبكى المهدي وأمر بكتابة ذلك الكلام في دواوينه.
وفيها توفى عبد الملك بن محمد بن محمد بن أبى بكر عمرو بن حزم قدم قاضيا بالعراق. وفرج بن فضالة التنوخي الحمصي، كان على بيت المال ببغداد في خلافة الرشيد، فتوفى في هذه السنة، وكان مولده سنة ثمان وثمانين فمات وله ثمان وثمانون سنة. ومن مناقبه أن المنصور دخل يوما إلى قصر الذهب فقام الناس إلا فرج بن فضالة فقال له وقد غضب عليه: لم لم تقم؟ قال: خفت أن يسألنى الله عن ذلك ويسألك لم رضيت بذلك، وقد كره رسول الله ﷺ القيام للناس. قال: فبكى المنصور وقربه وقضى حوائجه. والمسيب بن زهير بن عمر وأبو سلمة الضبيّ، كان والى الشرطة ببغداد في أيام المنصور والمهدي والرشيد، وولى خراسان مرة للمهدي. عاش ستا وتسعين سنة. والوضاح بن عبد الله أبو عوانة السري مولاهم، كان من أئمة المشايخ في الرواية. توفى في هذه السنة وقد جاوز الثمانين.
ثم دخلت سنة سبع وسبعين ومائة
فيها عزل الرشيد جعفر البرمكي بعن مصر وولى عليها إسحاق بن سليمان، وعزل حمزة بن مالك عن خراسان وولى عليها الفضل بن يحيى البرمكي مضافا إلى ما كان بيده من الأعمال بالري وسجستان وغير ذلك. وذكر الواقدي أنه أصاب الناس ريح شديدة وظلمة في أواخر المحرم من هذه السنة، وكذلك في أواخر صفر منها. وفيها حج بالناس الرشيد.
وفيها توفى شريك بن عبد الله
القاضي الكوفي النخعي، سمع أبا إسحاق وغير واحد، وكان مشكورا في حكمه وتنفيذ الأحكام، وكان لا يجلس للحكم حتى يتغدى ثم يخرج ورقة من خفه فينظر فيها ثم يأمر بتقديم الخصومة إليه، فحرص بعض أصحابه على قراءة ما في تلك الورقة فإذا فيها يا شريك بن عبد الله اذكر الصراط وحدته يا شريك بن عبد الله اذكر الموقف بين يدي الله . كانت وفاته يوم السبت مستهل ذي القعدة منها.
وفيها توفى عبد الواحد بن زيد، ومحمد بن مسلم وموسى بن أعين.
ثم دخلت سنة ثمان وسبعين ومائة
فيها وثبت طائفة من الحوفية من قيس وقضاعة على عامل مصر إسحاق بن سليمان فقاتلوه وجرت فتنة عظيمة. فبعث الرشيد هرثمة بن أعين نائب فلسطين في خلق من الأمراء مددا لإسحاق، فقاتلوهم حتى أذعنوا بالطاعة وأدّوا ما عليهم من الخراج والوظائف، واستمر هرثمة نائبا على مصر نحوا من شهر عوضا عن إسحاق بن سليمان، ثم عزله الرشيد عنها وولى عليها عبد الملك بن صالح. وفيها وثبت طائفة من أهل إفريقية فقتلوا الفضل بن روح بن حاتم وأخرجوا من كان بها من آل المهلب، فبعث إليهم الرشيد هرثمة فرجعوا إلى الطاعة على يديه. وفيها فوض الرشيد أمور الخلافة كلها إلى يحيى بن خالد بن برمك. وفيها خرج الوليد بن طريف بالجزيرة وحكم بها وقتل خلقا من أهلها. ثم
стр. 3355
مضى منها إلى أرمينية فكان من أمره ما سنذكره. وفيها سار الفضل بن يحيى إلى خراسان فأحسن السيرة فيها وبنى فيها الربط والمساجد، وغزا ما وراء النهر، واتخذ بها جندا من العجم سماهم العباسية، وجعل ولاءهم له، وكانوا نحوا من خمسمائة ألف، وبعث منهم نحوا من عشرين ألفا إلى بغداد، فكانوا يعرفون بها بالكرمينية، وفي ذلك يقول مروان بن أبى حفصة:
ما الفضل إلا شهاب لا أفول له … عند الحروب إذا ما تأفل الشهب
حام على ملك قوم غرّ سهمهم … من الوراثة في أيديهم سبب
أمست يد لبني ساقى الحجيج بها … كتائب ما لها في غيرهم أرب
كتائب لبني العباس قد عرفت … ما ألّف الفضل منها العجم والعرب
أثبت خمس مئين في عدادهم … من الألوف التي أحصت لها الكتب
يقارعون عن القوم الذين هم … أولى بأحمد في الفرقان إن نسبوا
إن الجواد ابن يحيى الفضل لاورق … يبقى على جود كفيه ولا ذهب
ما مر يوم له مذ شد مئزره … إلا تمول أقوام بما يهب
كم غاية في الندى والبأس أحرزها … للطالبين مداها دونها تعب
يعطى النهى حين لا يعطى الجواد ولا … ينبو إذا سلت الهندية القضب
ولا الرضى والرضى لله غايته … إلى سوى الحق يدعوه ولا الغضب
قد فاض عرفك حتى ما يعادله … غيث مغيث ولا بحر له حدب
وكان قد أنشده قبل خروجه إلى خراسان:
ألم تر أن الجود من يد آدم … تحدر حتى صار في راحة الفضل
إذا ما أبو العباس سحت سماؤه … فيا لك من هطل ويا لك من وبل
وقال فيه أيضا:
إذا أم طفل راعها جوع طفلها … دعته باسم الفضل فاعتصم الطفل
ليحيى بك الإسلام إنك عزه … وإنك من قوم صغيرهم كهل
قال فأمر له بمائة ألف درهم. ذكره ابن جرير. وقال سلم الخاسر فيهم أيضا:
وكيف تخاف من بؤس بدار … يجاورها (١) البرامكة البحور
وقوم منهم الفضل بن يحيى … نفير ما يوازنه نفير
له يومان يوم ندي وبأس … كأن الدهر بينهما أسير
стр. 3356
إذا ما البرمكي غدا ابن عشر … فهمته أمير أو وزير
وقد اتفق للفضل في هذه السفرة إلى خراسان أشياء غريبة، وفتح بلادا كثيرة، منها كابل وما وراء النهر، وقهر ملك الترك وكان ممتنعا، وأطلق أموالا جزيلة جدا، ثم قفل راجعا إلى بغداد، فلما اقترب منها خرج الرشيد ووجوه الناس إليه، وقدم عليه الشعراء والخطباء وأكابر الناس، فجعل يطلق الألف ألف، والخمسمائة ألف ونحوها، وأنفذ في ذلك من الأموال شيئا كثيرا لا يمكن حصره إلا بتعب وكلفة، وقد دخل عليه بعض الشعراء والبدر موضوعة بين يديه وهي تفرق على الناس فقال:
كفى الله بالفضل بن يحيى بن خالد … وجود يديه بخل كل بخيل
فأمر له بمال جزيل. وغزا الصائفة في هذه السنة معاوية بن زفر بن عاصم. وغزا الشاتية سليمان ابن راشد. وحج بالناس فيها محمد بن إبراهيم بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس نائب مكة.
وفيها توفى جعفر بن سليمان، وعنتر بن القاسم، وعبد الملك بن محمد بن أبى بكر بن عمرو بن حزم القاضي ببغداد، وصلى عليه الرشيد ودفن بها، وقد قيل إنه مات في التي قبلها فالله أعلم.
ثم دخلت سنة تسع وسبعين ومائة
فيها كان قدوم الفضل بن يحيى من خراسان وقد استخلف عليها عمر بن جميل، فولى الرشيد عليها منصور بن يزيد بن منصور الحميري. وفيها عزل الرشيد خالد بن برمك عن الحجوبة وردها إلى الفضل بن الربيع. وفيها خرج بخراسان حمزة بن أترك السجستاني، وكان من أمره ما سيأتي طرف منه. وفيها رجع الوليد بن طريف الشاري إلى الجزيرة واشتدت شوكته وكثر أتباعه، فبعث إليه الرشيد يزيد بن مزيد الشيباني فراوغه حتى قتله وتفرق أصحابه، فقالت الفارعة في أخيها الوليد ابن طريف ترثيه:
أيا شجر الخابور مالك مورقا … كأنك لم تجزع على ابن طريف
فتى لا يحب الزاد إلا من التقى … ولا المال إلا من قنا وسيوف
وفيها خرج الرشيد معتمرا من بغداد شكرا لله ، فلما قضى عمرته أقام بالمدينة حتى حج بالناس في هذه السنة، فمشى من مكة إلى منى ثم إلى عرفات، وشهد المشاهد والمشاعر كلها ماشيا، ثم انصرف إلى بغداد على طريق البصرة.
وفيها توفى:
إسماعيل بن محمد
ابن يزيد بن ربيعة أبو هاشم الحميري الملقب بالسيد، كان من الشعراء المشهورين المبرزين فيه، ولكنه كان رافضيا خبيثا، وشيعيا غثيثا، وكان ممن يشرب الخمر ويقول بالرجعة - أي بالدور - قال يوما لرجل: أقرضنى دينارا ولك عندي مائة دينار إذا رجعنا إلى الدنيا. فقال له
стр. 3357
الرجل: إني أخشى أن تعود كلبا أو خنزيرا فيذهب ديناري.
وكان قبحه الله يسب الصحابة في شعره. قال الأصمعي: ولولا ذلك ما قدمت عليه أحدا في طبقته، ولا سيما الشيخين وابنيهما. وقد أورد ابن الجوزي شيئا من شعره في ذلك كرهت أن أذكره لبشاعته وشناعته، وقد اسود وجهه عند الموت وأصابه كرب شديد جدا. ولما مات لم يدفنوه لسبه الصحابة ﵃. وفيها توفى.
حماد بن زيد
أحد أئمة الحديث. وخالد بن عبد الله أحد الصلحاء، كان من سادات المسلمين، اشترى نفسه من الله أربع مرات. ومالك بن أنس الامام، والهقل بن زياد صاحب الأوزاعي، وأبو الأحوص.
وكلهم قد ذكرناهم في التكميل.
والامام مالك
هو أشهرهم وهو أحد الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، فهو مالك بن أنس بن مالك بن عامر بن أبى عامر بن عمرو بن الحارث بن غيلان بن حشد بن عمرو بن الحارث، وهو ذو أصبح الحميري، أبو عبد الله المدني إمام دار الهجرة في زمانه، روى مالك عن غير واحد من التابعين، وحدث عنه خلق من الأئمة، منهم السفيانا، وشعبة، وابن المبارك، والأوزاعي، وابن مهدي وابن جريح والليث والشافعيّ والزهري شيخه، ويحيى بن سعيد الأنصاري وهو شيخه، ويحيى بن سعيد القطان، ويحيى بن يحيى الأندلسى، ويحيى بن يحيى النيسابورىّ. قال البخاري: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وقال سفيان بن عيينة: ما كان أشد انتقاده للرجال. وقال يحيى بن معين: كل من روى عنه مالك فهو ثقة، إلا أبا أمية. وقال غير واحد: هو أثبت أصحاب نافع والزهري. وقال الشافعيّ: إذا جاء الحديث فمالك النجم. وقال: من أراد الحديث فهو عيال على مالك. ومناقبه كثيرة جدا، وثناء الأئمة عليه أكثر من أن يحصر في هذا المكان. قال أبو مصعب:
سمعت مالكا يقول: ما أفتيت حتى شهد لي سبعون أنى أهل لذلك. وكان إذا أراد أن يحدث تنظف وتطيب وسرح لحيته ولبس أحسن ثيابه، وكان يلبس حسنا. وكان نقش خاتمه حسبي الله ونعم الوكيل، وكان إذا دخل منزله قال: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. وكان منزله مبسوطا بأنواع المفارش. ومن وقت خروج محمد بن عبد الله بن حسن لزم مالك بيته فلم يكن يأتى أحدا لا لعزاء ولا لهناء، ولا يخرج لجمعه ولا لجماعة، ويقول: ما كان ما يعلم يقال، وليس كل أحد يقدر على الاعتذار ولما احتضر قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم جعل يقول: لله الأمر من قبل ومن بعد، ثم قبض في ليلة أربعة عشر من صفر، وقيل من ربيع الأول من هذه السنة، وله خمس وثمانون سنة.
قال الواقدي: بلغ سبعين سنة ودفن بالبقيع. وقد روى الترمذي عن سفيان بن عيينة عن ابن جريح عن أبى الزبير عن أبى صالح عن أبى هريرة: «يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل
стр. 3358
يطلبون العلم فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة». ثم قال: هذا حديث حسن. وقد روى عن ابن عيينة أنه قال: هو مالك بن أنس. وكذا قال عبد الرزاق. وعن ابن عيينة رواية أنه عبد العزيز بن عبد الله العمرى. وقد ترجمه ابن خلكان في الوفيات فأطنب وأتى بفوائد جمة.
ثم دخلت سنة ثمانين ومائة
فيها هاجت الفتنة بالشام بين النزارية واليمنية، فانزعج الرشيد لذلك فندب جعفر البرمكي إلى الشام في جماعة من الأمراء والجنود، فدخل الشام فانقاد الناس له ولم يدع جعفر بالشام فرسا ولا سيفا ولا رمحا إلا استلبه من الناس، وأطفأ الله به نار تلك الفتنة. وفي ذلك يقول بعض الشعراء:
لقد أوقدت بالشام نيران فتنة … فهذا أوان الشام تخمد نارها
إذا جاش موج البحر من آل برمك … عليها خبت شهبانها وشرارها
رماها أمير المؤمنين بجعفر … وفيه تلافى صدعها وانكسارها
رماها بميمون النقيبة ماجد … تراضى به قحطانها ونزارها
ثم كر جعفر راجعا إلى بغداد بعد ما استخلف على الشام عيسى العكي، ولما قدم على الرشيد أكرمه وقربه وأدناه، وشرع جعفر يذكر كثرة وحشته له في الشام، ويحمد الله الّذي من عليه برجوعه إلى أمير المؤمنين ورؤيته وجهه. وفيها ولى الرشيد جعفرا خراسان وسجستان فاستعمل على ذلك محمد بن الحسن بن قحطبة، ثم عزل الرشيد جعفرا عن خراسان بعد عشرين ليلة. وفيها هدم الرشيد سور الموصل بسبب كثرة الخوارج، وجعل الرشيد جعفرا على الحرس، ونزل الرشيد الرقة واستوطنها واستناب على بغداد ابنه الأمين محمدا وولاه العراقين، وعزل هرثمة عن إفريقية واستدعاه إلى بغداد فاستنابه جعفر على الحرس. وفيها كانت بمصر زلزلة شديدة سقط منها رأس منارة الاسكندرية. وفيها خرج بالجزيرة خراشة الشيباني فقتله مسلم بن بكار بن مسلم العقيلي. وفيها ظهرت طائفة بجرجان يقال لها المحمرة لبسوا الحمرة واتبعوا رجلا يقال له عمرو بن محمد العمركي، وكان ينسب إلى الزندقة، فبعث الرشيد يأمر بقتله فقتل وأطفأ الله نارهم في ذلك الوقت. وفيها غزا الصائفة زفر بن عاصم. وحج بالناس موسى بن محمد بن على بن عبد الله بن عباس.
وفيها كانت وفاة جماعة من الأعيان:
إسماعيل بن جعفر بن أبى كثير الأنصاري
قارئ أهل المدينة ومؤدب على بن المهدي ببغداد. وقد مات على بن المهدي في هذه السنة أيضا. وقد ولى إمارة الحج غير مرة، وكان أسن من الرشيد بشهور.
حسان بن أبى سنان
ابن أبى أوفى بن عوف التنوخي الأنباري، ولد سنة ستين، ورأى أنس بن مالك ودعا له فجاء من
стр. 3359
نسله قضاة ووزراء وصلحاء، وأدرك الدولتين الأموية والعباسية. وكان نصرانيا فأسلم وحسن إسلامه وكان يكتب بالعربية والفارسية والسريانية، وكان يعرب الكتب بين يدي ربيعة لما ولاه السفاح الأنبار. وفيها توفى:
عبد الوارث بن سعيد البيروتي أحد الثقات وعافية بن يزيد
ابن قيس القاضي للمهدي على جانب بغداد الشرقي، هو وابن علاثة، وكانا يحكمان بجامع الرصافة، وكان عافية عابدا زاهدا، ورعا، دخل يوما على المهدي في وقت الظهيرة فقال: يا أمير المؤمنين اعفنى، فقال له المهدي: ولم أعفيك؟ هل اعترض عليك أحد من الأمراء؟ فقال له: لا ولكن كان بين اثنين خصومة عندي فعمد أحدهما إلى رطب السكر - وكأنه سمع أنى أحبه - فأهدى إلى منه طبقا لا يصلح إلا لأمير المؤمنين، فرددته عليه، فلما أصبحنا: وجلسنا إلى الحكومة لم يستويا عندي في قلبي ولا نظري، بل مال قلبي إلى المهدي منهما، هذا مع أنى لم أقبل منه ما أهداه فكيف لو قبلت منه؟ فاعفنى عفا الله عنك فأعفاه. وقال الأصمعي: كنت عند الرشيد يوما وعنده عافية وقد أحضره لأن قوما استعدوا عليه إلى الرشيد، فجعل الرشيد يوقفه على ما قيل عنه وهو يجيب عما يسأله.
وطال المجلس فعطس الخليفة فشمته الناس ولم يشمته عافية، فقال له الرشيد: لم لم تشمتنى مع الناس؟ فقال: لأنك لم تحمد الله، واحتج بالحديث في ذلك. فقال له الرشيد: ارجع لعملك فو الله ما كنت لتفعل ما قيل عنك، وأنت لم تسامحني في عطسة لم أحمد الله فيها. ثم رده ردا جميلا إلى ولايته.
وفيها توفى:
سيبويه
إمام النحاة، واسمه عمرو بن عثمان بن قنبر أبو بشر، المعروف بسيبويه، مولى بنى الحارث بن كعب، وقيل مولى آل الربيع بن زياد، وإنما سمى سيبويه لأن أمه كانت ترقصه وتقول له ذلك، ومعنى سيبويه رائحة التفاح، وقد كان في ابتداء أمره يصحب أهل الحديث والفقهاء، وكان يستملى على حماد بن سلمة، فلحن يوما فرد عليه قوله فأنف من ذلك، فلزم الخليل بن أحمد فبرع في النحو، ودخل بغداد وناظر الكسائي. وكان سيبويه شابا حسنا جميلا نظيفا، وقد تعلق من كل علم بسبب، وضرب مع كل أهل أدب بسهم، مع حداثة سنه. وقد صنف في النحو كتابا لا يلحق شأوه، وشرحه أئمة النحاة بعده فانغمروا في لجج بحرة، واستخرجوا من درره، ولم يبلغوا إلى قعره. وقد زعم ثعلب أنه لم ينفرد بتصنيفه، بل ساعده جماعة في تصنيفه نحوا من أربعين نفسا هو أحدهم، وهو أصول الخليل، فادعاه سيبويه إلى نفسه. وقد استبعد ذلك السيرافي في كتاب طبقات النحاة.
قال: وقد أخذ سيبويه اللغات عن أبى الخطاب والأخفش وغيرهما، وكان سيبويه يقول: سعيد بن أبى العروبة، والعروبة يوم الجمعة، وكان يقول: من قال عروبة فقد أخطأ. فذكر ذلك ليونس فقال
стр. 3360
أصاب لله دره، وقد ارتحل إلى خراسان ليحظى عند طلحة بن طاهر فإنه كان يحب النحو فمرض هناك مرضه الّذي توفى فيه فتمثل عند الموت:
يؤمل دنيا لتبقى له … فمات المؤمل قبل الأمل
يربى فسيلا ليبقى له … فعاش الفسيل ومات الرجل
ويقال: إنه لما احتضر وضع رأسه في حجر أخيه فدمعت عين أخيه فاستفاق فرآه يبكى فقال:
وكنا جميعا فرق الدهر بيننا … إلى الأمد الأقصى فمن يأمن الدهرا
قال الخطيب البغدادي: يقال إنه توفى وعمره ثنتان وثلاثون سنة. وفيها توفيت:
عفيرة العابدة
كانت طويلة الحزن كثيرة البكاء. قدم قريب لها من سفر فجعلت تبكى، فقيل لها في ذلك فقالت: لقد ذكرني قدوم هذا الفتى يوم القدوم على الله، فمسرور ومثبور. وفيها مات مسلم بن خالد الزنجي شيخ الشافعيّ، كان من أهل مكة، ولقد تكلموا فيه لسوء حفظه.
ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائة
فيها غزا الرشيد بلاد الروم فافتتح حصنا يقال له الصفصاف، فقال في ذلك مروان بن أبى حفصة:
إن أمير المؤمنين المنصفا … قد ترك الصفصاف قاعا صفصفا
وفيها غزا عبد الملك بن صالح بلاد الروم فبلغ أنقرة وافتتح مطمورة. وفيها تغلبت المحمرة على جرجان. وفيها أمر الرشيد أن يكتب في صدور الرسائل الصلاة على رسول الله ﷺ بعد الثناء على الله . وفيها حج بالناس الرشيد وتعجل بالنفر، وسأله يحيى بن خالد أن يعفيه من الولاية فأعفاه وأقام يحيى بمكة.
وفيها توفى:
الحسن بن قحطبة
أحد أكابر الأمراء، وحمزة بن مالك، ولى إمرة خراسان في أيام الرشيد، وخلف بن خليفة شيخ الحسن بن عرفة عن مائة سنة:
وعبد الله بن المبارك
أبو عبد الرحمن المروزي، كان أبوه تركيا مولى لرجل من التجار من بنى حنظلة من أهل همذان، وكان ابن المبارك إذا قدمها أحسن إلى ولد مولاهم، وكانت أمه خوارزمية، ولد لثمان عشرة ومائة، وسمع إسماعيل بن خالد، والأعمش، وهشام بن عروة، وحميد الطويل، وغيرهم من أئمة التابعين.
وحدث عنه خلائق من الناس، وكان موصوفا بالحفظ والفقه والعربية والزهد والكرم والشجاعة والشعر، له التصانيف الحسان، والشعر الحسن المتضمن حكما جمة، وكان كثير الغزو والحج، وكان له رأس مال نحو أربعمائة ألف يدور يتجر به في البلدان، فحيث اجتمع بعالم أحسن إليه، وكان يربو كسبه في كل سنة على مائة ألف ينفقها كلها في أهل العبادة والزهد والعلم، وربما أنفق من رأس ماله. قال
стр. 3361
سفيان بن عيينة: نظرت في أمره وأمر الصحابة فما رأيتهم يفضلون عليه إلا في صحبتهم رسول الله ﷺ . وقال إسماعيل بن عياش: ما على وجه الأرض مثله، وما أعلم خصلة من الخير إلا وقد جعلها الله في. ابن المبارك، ولقد حدثني أصحابى أنهم صحبوه من مصر إلى مكة فكان يطعمهم الخبيص وهو الدهر صائم. وقد مرة الرقة وبها هارون الرشيد، فلما دخلها احتفل الناس به وازدحم الناس حوله، فأشرفت أم ولد للرشيد من قصر هناك فقالت: ما للناس؟ فقيل لها: قدم رجل من علماء خراسان يقال له عبد الله بن المبارك فانجفل الناس إليه. فقالت المرأة: هذا هو الملك، لا ملك هارون الرشيد الّذي يجمع الناس عليه بالسوط والعصا والرغبة والرهبة.
وخرج مرة إلى الحج فاجتاز ببعض البلاد فمات طائر معهم فأمر بإلقائه على مزبلة هناك، وسار أصحابه أمامه وتخلف هو وراءهم، فلما مر بالمزبلة إذا جارية قد خرجت من دار قريبة منها فأخذت ذلك الطائر الميت ثم لفته ثم أسرعت به إلى الدار، فجاء فسألها عن أمرها وأخذها الميتة، فقالت:
أنا وأخى هنا ليس لنا شيء إلا هذا الازار، وليس لنا قوت إلا ما يلقى على هذه المزبلة، وقد حلت لنا الميتة منذ أيام، وكان أبونا له مال فظلم وأخذ ماله وقتل. فأمر ابن المبارك برد الأحمال وقال لوكيله:
كم معك من النفقة؟ قال: ألف دينار. فقال: عد منها عشرين دينارا تكفينا إلى مرو وأعطها الباقي. فهذا أفضل من حجنا في هذا العام، ثم رجع.
وكان إذا عزم على الحج يقول لأصحابه: من عزم منكم في هذا العام على الحج فليأتني بنفقته حتى أكون أنا أنفق عليه، فكان يأخذ منهم نفقاتهم، ويكتب على كل صرة اسم صاحبها ويجمعها في صندوق، ثم يخرج بهم في أوسع ما يكون من النفقات والركوب، وحسن الخلق والتيسير عليهم، فإذا قضوا حجتهم فيقول لهم: هل أوصاكم أهلوكم بهدية، فيشترى لكل واحد منهم ما وصاه أهله من الهدايا المكية واليمنية وغيرها، فإذا جاءوا إلى المدينة اشترى لهم منها الهدايا المدنية، فإذا رجعوا إلى بلادهم بعث من أثناء الطريق إلى بيوتهم فأصلحت وبيضت أبوابها ورمم شعثها، فإذا وصلوا إلى البلد عمل وليمة بعد قدومهم ودعاهم فأكلوا وكساهم، ثم دعا بذلك الصندوق ففتحه وأخرج منه تلك الصرر ثم يقسم عليهم أن يأخذ كل واحد نفقته التي عليها اسمه، فيأخذونها وينصرفون إلى منازلهم وهم شاكرون ناشرون لواء الثناء الجميل. وكانت سفرته تحمل على بعير وحدها، وفيها من أنواع المأكول من اللحم والدجاج والحلوى وغير ذلك، ثم يطعم الناس وهو الدهر صائم في الحر الشديد.
وسأله مرة سائل فأعطاه درهما فقال له بعض أصحابه: إن هؤلاء يأكلون الشواء والفالوذج، وقد كان يكفيه قطعة. فقال: والله ما ظننت أنه يأكل إلا البقل والخبز، فأما إذا كان يأكل الفالوذج والشواء فإنه لا يكفيه درهم. ثم أمر بعض غلمانه فقال: رده وادفع إليه عشرة دراهم. وفضائله ومناقبه كثيرة جدا.
стр. 3362
قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على قبوله وجلالته وإمامته وعدله. توفى عبد الله بن المبارك بهيت في هذه السنة في رمضانها عن ثلاث وستين سنة.
ومفضل بن فضالة
ولى قضاء مصر مرتين، وكان دينا ثقة، فسأل الله أن يذهب عنه الأمل فأذهبه، فكان بعد ذلك لا يهنئه العيش ولا شيء من الدنيا، فسأل الله أن يرده عليه فرده فرجع إلى حاله.
ويعقوب التائب
العابد الكوفي، قال على بن الموفق عن منصور بن عمار: خرجت ذات ليلة وأنا أظن أنى قد أصبحت، فإذا على ليل، فجلست إلى باب صغير وإذا شاب يبكى وهو يقول: وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتك مخالفتك ولكن سولت لي نفسي، وغلبتني شقوتي، وغرني سترك المرخى عليّ فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك عنى؟ وا سوأتاه على ما مضى من أيامى في معصية ربى، يا ويلى كم أتوب وكم أعود، قد حان لي أن أستحى من ربى .
قال منصور فقلت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً وَقُودُهَا النّاسُ وَالْحِجارَةُ عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ قال: فسمعت صوتا واضطرابا شديدا فذهبت لحاجتي، فلما رجعت مررت بذلك الباب فإذا جنازة موضوعة، فسألت عنه فإذا ذاك الفتى قد مات من هذه الآية.
ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائة
فيها أخذ الرشيد لولده عبد الله المأمون ولاية العهد من بعد أخيه محمد الأمين بن زبيدة، وذلك بالرقة بعد مرجعه من الحج، وضم ابنه المأمون إلى جعفر بن يحيى البرمكي وبعثه إلى بغداد ومعه جماعة من أهل الرشيد خدمة له، وولاه خراسان وما يتصل بها، وسماه المأمون. وفيها رجع يحيى بن خالد البرمكي من مجاورته بمكة إلى بغداد. وفيها غزا الصائفة عبد الرحمن بن عبد الملك بن صالح فبلغ مدينة أصحاب الكهف. وفيها سملت الروم عيني ملكهم قسطنطين بن اليون وملكوا عليهم أمه ريني وتلقب أغسطه. وحج بالناس موسى بن عيسى بن العباس.
وفيها توفى من الأعيان
إسماعيل بن عياش الحمصي أحد المشاهير من أئمة الشاميين، وفيه كلام.
ومروان بن أبى حفصة الشاعر المشهور المشكور، كان يمدح الخلفاء والبرامكة.
ومعن بن زائدة
حصل من الأموال شيئا كثيرا جدا، وكان مع ذلك من أبخل الناس، لا يكاد يأكل اللحم.
من بخلة، ولا يشعل في بيته سراجا، ولا يلبس من الثياب الا الكرباسي والفرو الغليظ، وكان رفيقه
стр. 3363
سلم الخاسر إذا ركب إلى دار الخلافة يأتى على برذون وعليه حلة تساوى ألف دينار، والطيب ينفخ من ثيابه، ويأتى هو في شر حالة وأسوئها. وخرج يوما إلى المهدي فقالت امرأة من أهله: إن أطلق لك الخليفة شيئا فاجعل لي منه شيئا. فقال: إن أعطانى مائة ألف درهم فلك درهم. فأعطاه ستين ألفا فأعطاها أربعة دوانيق. توفى ببغداد في هذه السنة، ودفن في مقبرة نصر بن مالك.
والقاضي أبو يوسف
واسمه يعقوب بن إبراهيم بن حبيب بن سعد بن حسنة، وهي أمه، وأبوه بجير بن معاوية، استصغر يوم أحد، وأبو يوسف كان أكبر أصحاب أبى حنيفة، روى الحديث عن الأعمش وهمام ابن عروة ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد وغيرهم. وعنه محمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ويحيى ابن معين. قال على بن الجعد: سمعته يقول: توفى أبى وأنا صغير فأسلمتني أمى إلى قصار فكنت أمر على حلقة أبى حنيفة فأجلس فيها، فكانت أمى تتبعني فتأخذ بيدي من الحلقة وتذهب بى إلى القصار، ثم كنت أخالفها في ذلك وأذهب إلى أبى حنيفة، فلما طال ذلك عليها قالت لأبى حنيفة:
إن هذا صبي يتيم ليس له شيء إلا ما أطعمه من مغزلى، وإنك قد أفسدته على. فقال لها: اسكتي يا رعناء، ها هو ذا يتعلم العلم وسيأكل الفالوذج بدهن الفستق في صحون الفيروزج. فقالت له: إنك شيخ قد خرفت. قال أبو يوسف: فلما وليت القضاء - وكان أول من ولاه القضاء الهادي وهو أول من لقب قاضى القضاة، وكان يقال له: قاضى قضاة الدنيا، لأنه كان يستنيب في سائر الأقاليم التي يحكم فيها الخليفة -. قال أبو يوسف: فبينا أنا ذات يوم عند الرشيد إذ أتي بفالوذج في صحن فيروزج فقال لي: كل من هذا، فإنه لا يصنع لنا في كل وقت. وقلت: وما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الفالوذج. قال فتبسمت فقال: ما لك تتبسم؟ فقلت: لا شيء أبقى الله أمير المؤمنين.
فقال: لتخبرني. فقصصت عليه القصة فقال: إن العلم ينفع ويرفع في الدنيا والآخرة. ثم قال:
رحم الله أبا حنيفة، فلقد كان ينظر بعين عقله ما لا ينظر بعين رأسه. وكان أبو حنيفة يقول عن أبى يوسف: إنه أعلم أصحابه. وقال المزني: كان أبو يوسف أتبعهم للحديث. وقال ابن المديني: كان صدوقا. وقال ابن معين: كان ثقة. وقال أبو زرعة: كان سليما من التجهم. وقال بشار الخفاف: سمعت أبا يوسف يقول: من قال القرآن مخلوق فحرام كلامه، وفرض مباينته، ولا يجوز السلام ولا رده عليه. ومن كلامه الّذي ينبغي كتابته بماء الذهب قوله: من طلب المال بالكيمياء أفلس، ومن تتبع غرائب الحديث كذب، ومن طلب العلم بالكلام تزندق. ولما تناظر هو ومالك بالمدينة بحضرة الرشيد في مسألة الصاع وزكاة الخضراوات احتج مالك بما استدعى به من تلك الصيعان المنقولة عن آبائهم وأسلافهم، وبأنه لم يكن الخضراوات يخرج فيها شيء في زمن الخلفاء الراشدين. فقال
стр. 3364
أبو يوسف: لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. وهذا انصاف منه.
وقد كان يحضر في مجلس حكمه العلماء على طبقاتهم، حتى إن أحمد بن حنبل كان شابا وكان يحضر مجلسه في أثناء الناس فيتناظرون ويتباحثون، وهو مع ذلك يحكم ويصنف أيضا. وقال:
وليت هذا الحكم وأرجو الله أن لا يسألنى عن جور ولا ميل إلى أحمد، إلا يوما واحدا جاءني رجل فذكر أن له بستانا وأنه في يد أمير المؤمنين، فدخلت إلى أمير المؤمنين فأعلمته فقال: البستان لي اشتراه لي المهدي. فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يحضره لأسمع دعواه. فأحضره فادعى بالبستان فقلت: ما تقول يا أمير المؤمنين؟ فقال: هو بستاني. فقلت للرجل: قد سمعت ما أجاب.
فقال الرجل: يحلف، فقلت، أتحلف يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا، فقلت سأعرض عليك اليمين ثلاثا فان حلفت وإلا حكمت عليك يا أمير المؤمنين. فعرضتها عليه ثلاثا فامتنع فحكمت بالبستان للمدعى. قال: فكنت في أثناء الخصومة أود أن ينفصل ولم يمكني أن أجلس الرجل مع الخليفة.
وبعث القاضي أبو يوسف في تسليم البستان إلى الرجل.
وروى المعافى بن زكريا الجريريّ عن محمد بن أبى الأزهر عن حماد بن أبى إسحاق عن أبيه عن بشر بن الوليد عن أبى يوسف. قال: بينا أنا ذات ليلة قد نمت في الفراش، إذا رسول الخليفة يطرق الباب، فخرجت منزعجا فقال: أمير المؤمنين يدعوك، فذهبت فإذا هو جالس ومعه عيسى ابن جعفر فقال لي الرشيد: إن هذا قد طلبت منه جارية يهبن يها فلم يفعل، أو يبيعنيها، وإني أشهدك إن لم يجبني إلى ذلك قتلته. فقلت لعيسى: لم لم تفعل؟ فقال: إني حالف بالطلاق والعتاق وصدقة مالي كله أن لا أبيعها ولا أهبها. فقال لي الرشيد: فهل له من مخلص؟ فقلت: نعم يبيعك نصفها ويهبك نصفها. فوهبه النصف وباعه النصف بمائة ألف دينار، فقبل منه ذلك وأحضرت الجارية، فلما رآها الرشيد قال: هل لي من سبيل عليها الليلة؟ قلت: إنها مملوكة ولا بد من استبرائها، إلا أن تعتقها وتتزوجها فان الحرة لا تستبرأ. قال فأعتقها وتزوجها منه بعشرين ألف دينار، وأمر لي بمائتي ألف درهم وعشرين تختا من ثياب، وأرسلت إليّ الجارية بعشرة آلاف دينار.
وقال يحيى بن معين: كنت عند أبى يوسف فجاءته هدية من ثياب ديبقي وطيب وفانيل ند وغير ذلك، فذاكرني رجل في إسناد حديث
«من أهديت له هدية وعنده قوم جلوس فهم شركاؤه» فقال أبو يوسف: إنما ذاك في الأقط والتمر والزبيب، ولم تكن الهدايا في ذلك الوقت ما ترون، يا غلام ارفع هذا إلى الخزائن، ولم يعطهم منها شيئا. وقال بشر بن غياث المريسي: سمعت أبا يوسف يقول:
صحبت أبا حنيفة سبع عشرة سنة ثم انصبت على الدنيا سبع عشرة سنة، وما أظن أجلى إلا أن اقترب. فما مكث بعد ذلك إلا شهورا حتى مات.
стр. 3365
وقد مات أبو يوسف في ربيع الأول من هذه السنة عن سبع وستين سنة، ومكث في القضاء بعده ولده يوسف. وقد كان نائبة على الجانب الشرقي من بغداد. ومن زعم من الرواة أن الشافعيّ اجتمع بأبي يوسف كما يقوله عبد الله بن محمد البلوى الكذاب في الرحلة التي ساقها الشافعيّ فقد أخطأ في ذلك، إنما ورد [الشافعيّ] بغداد في أول قدمة قدمها إليها في سنة أربع وثمانين. وإنما اجتمع الشافعيّ بمحمد بن الحسن الشيباني فأحسن إليه وأقبل عليه، ولم يكن بينهما شنئان كما يذكره بعض من لا خبرة له في هذا الشأن والله أعلم. وفيها توفى:
يعقوب بن داود بن طهمان
أبو عبد الله مولى عبد الله بن حازم السلمي، استوزره المهدي وحظي عنده جدا، وسلم إليه أزمة الأمور، ثم لما أمر بقتل ذلك العلويّ كما تقدم فأطلقه ونمت عليه تلك الجارية سجنه المهدي في بئر وبنيت عليه قبة، ونبت شعره حتى صار مثل شعور الأنعام، وعمى، ويقال بل غشي بصره، ومكث نحوا من خمسة عشر سنة في ذلك البئر لا يرى ضوءا ولا يسمع صوتا إلا في أوقات الصلوات يعلمونه بذلك، ويدلى إليه في كل يوم رغيف وكوز ماء، فمكث كذلك حتى انقضت أيام المهدي وأيام الهادي وصدر من أيام الرشيد، قال يعقوب: فأتانى آت في منامي فقال:
عسى الكرب الّذي أمسيت فيه … يكون وراءه فرج قريب
فيأمن خائف ويفك عان … ويأتى أهله النائى الغريب
فلما أصبحت نوديت فظننت أنى أعلم بوقت الصلاة، ودلى إليّ حبل وقيل لي: أربط هذا الحبل في وسطك، فأخرجوني، فلما نظرت إلى الضياء لم أبصر شيئا، وأوقفت بين يدي الخليفة فقيل لي:
سلم على أمير المؤمنين، فظننته المهدي فسلمت عليه باسمه، فقال: لست به، فقلت الهادي؟ فقال:
لست به. فقلت: السلام عليك يا أمير المؤمنين الرشيد. فقال: نعم، ثم قال: والله إنه لم يشفع فيك عندي أحد، ولكنى البارحة حملت جارية لي صغيرة على عنقي فذكرت حملك إياي على عنقك فرحمت ما أنت فيه من الضيق فأخرجتك. ثم أنعم عليه وأحسن إليه. فغار منه يحيى بن خالد بن برمك، وخشي أن يعيده إلى منزلته التي كان عليها أيام المهدي، وفهم ذلك يعقوب فاستأذن الرشيد في الذهاب إلى مكة فأذن له، فكان بها حتى مات في هذه السنة ﵀. وقال يخشى يحيى أن أرجع إلى الولايات لا والله ما كنت لأفعل أبدا، ولو رددت إلى مكاني.
وفيها توفي يزيد بن زريع
أبو معاوية شيخ الامام أحمد بن حنبل في الحديث، كان ثقة عالما عابدا ورعا، توفى أبوه وكان والى البصرة وترك من المال خمسمائة درهم، فلم يأخذ منها يزيد درهما واحدا، وكان يعمل الخوص بيده ويقتات منه هو وعياله. توفى بالبصرة في هذه السنة، وقيل قبل ذلك فالله أعلم.