← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

الجند والأتباع، فالتقى هو وبابك فاقتتلا قتالا شديدا، فقتل الأفشين من أصحاب بابك خلقا كثيرا أزيد من مائة ألف، وهرب هو إلى مدينته فأوى فيها مكسورا، فكان هذا أول ما تضعضع من أمر بابك، وجرت بينهما حروب يطول ذكرها، وقد استقصاها ابن جرير. وفيها خرج المعتصم من بغداد فنزل القاطول فأقام بها. وفيها غضب المعتصم على الفضل بن مروان بعد المكانة العظيمة، وعزله عن الوزارة وحبسه وأخذ أمواله وجعل مكانه محمد بن عبد الملك ابن الزيات. وحج بالناس فيها صالح بن على بن محمد أمير السنة الماضية في الحج. وفيها توفى آدم بن أبى إياس. وعبد الله بن رجاء. وعفان بن مسلمة. وقالوا أحد مشاهير القراء. وأبو حذيفة الهندي. ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائتين فيها كانت وقعة هائلة بين بغا الكبير وبابك فهزم بابك بغا وقتل خلقا من أصحابه. ثم اقتتل الأفشين وبابك فهزمه افشين وقتل خلقا من أصحابه بعد حروب طويلة قد استقصاها ابن جرير. وحج بالناس فيها نائب مكة محمد بن داود بن عيسى بن موسى العباسي. وفيها توفى عاصم بن على. وعبد الله بن مسلم القعنبي. وعبدان. وهشام بن عبيد الله الرازيّ. ثم دخلت سنة ثنتين وعشرين ومائتين فيها جهز المعتصم جيشا كثيرا مددا للأفشين على محاربة بابك وبعث إليه ثلاثين ألف ألف درهم نفقة للجند، فاقتتلوا قتالا عظيما، وافتتح الافشين البذ مدينة بابك واستباح ما فيها، وذلك يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان. وذلك بعد محاصرة وحروب هائلة وقتال شديد وجهد جهيد. وقد أطال ابن جرير بسط ذلك جدا. وحاصل الأمر أنه افتتح البلد وأخذ جميع ما فيه من الأموال مما قدر عليه. ذكر مسك بابك لما احتوى المسلمون على بلده المسمى بالبذ وهي دار ملكه ومقر سلطته هرب بمن معه من أهله وولده ومعه أمه وامرأته، فانفرد في شرذمة قليلة ولم يبق معهم طعام، فاجتازوا بحراث فبعث غلامه إليه وأعطاه ذهبا فقال: أعطه الذهب وخذ ما معه من الخبز، فنظر شريك الحراث إليه من بعيد وهو يأخذ منه الخبز، فظن أنه قد اعتصبه منه، فذهب إلى حصن هناك فيه نائب للخليفة يقال له سهل بن سنباط ليستعدى على ذلك الغلام، فركب بنفسه وجاء فوجد الغلام فقال: ما خبرك؟ فقال: لا شيء، إنما أعطيته دنانير وأخذت منه الخبز. فقال: ومن أنت؟ فأراد أن يعمّى عليه الخبر فألح عليه فقال: من غلمان بابك، فقال: وأين هو؟ فقال: ها هو ذا جالس يريد الغداء. فسار إليه سهل بن سنباط فلما رآه ترجل وقبل يده وقال: يا سيدي أين تريد؟ قال: أريد أن أدخل بلاد

стр. 3467

الروم، فقال: إلى عند من تذهب أحرز من حصني وأنا غلامك وفي خدمتك؟ وما زال به حتى خدعه وأخذه معه إلى الحصن فأنزله عنده وأجرى عليه النفقات الكثيرة والتحف وغير ذلك، وكتب إلى الأفشين يعلمه، فأرسل إليه أميرين لقبضه، فنزلا قريبا من الحصن وكتبا إلى ابن سنباط فقال: أقيما مكانكما حتى يأتيكما أمرى. ثم قال لبابك: إنه قد حصل لك هم وضيق من هذا الحصن وقد عزمت على الخروج اليوم إلى الصيد ومعنا بزاة وكلاب، فان أحببت أن تخرج معنا لتشرح صدرك وتذهب همك فافعل. قال: نعم! فخرجوا وبعث ابن سنباط إلى الأميرين أن كونوا مكان كذا وكذا في وقت كذا وكذا من النهار، فلما كانا بذلك الموضع أقبل الأميران بمن معهما من الجنود فأحاطوا ببابك وهرب ابن سنباط، فلما رأوه جاءوا إليه فقالوا: ترجل عن دابتك، فقال: ومن أنتما؟ فذكرا أنهما من عند الأفشين، فترجل حينئذ عن دابته وعليه دراعة بيضاء وخف قصير وفي يده باز، فنظر إلى ابن سنباط فقال: قبحك الله فهلا طلبت منى من المال ما شئت كنت أعطيتك أكثر مما يعطيك هؤلاء! ثم أركبوه وأخذوه معهما إلى الأفشين، فلما اقتربوا منه خرج فتلقاه وأمر الناس أن يصطفوا صفين، وأمر بابك أن يترجل فيدخل بين الناس وهو ماش، ففعل ذلك، وكان يوما مشهودا جدا. وكان ذلك في شوال من هذه السنة. ثم احتفظ به وسجنه عنده. ثم كتب الأفشين إلى المعتصم بذلك فأمره أن يقدم به وبأخيه، وكان قد مسكه أيضا، وكان اسم أخى بابك عبد الله، فتجهز الأفشين بهما إلى بغداد في تمام هذه السنة ففرغت ولم يصل بهما إلى بغداد. وحج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره في التي قبلها. وفيها توفى أبو اليمان الحكم بن نافع. وعمر بن حفص بن عياش. ومسلم بن إبراهيم. ويحيى بن صالح الوحاظي. ثم دخلت سنة ثلاث وعشرين ومائتين في يوم الخميس ثالث صفر منها دخل الأفشين وصحبته بابك على المعتصم سامرا، ومعه أيضا أخو بابك في تجمل عظيم، وقد أمر المعتصم ابنه هارون الواثق أن يتلقى الأفشين وكانت أخباره تفد إلى المعتصم في كل يوم من شدة اعتناء المعتصم بأمر بابك، وقد ركب المعتصم قبل وصول بابك بيومين على البريد حتى دخل إلى بابك وهو لا يعرفه، فنظر إليه ثم رجع، فلما كان يوم دخوله عليه تأهب المعتصم واصطف الناس سماطين وأمر بابك أن يركب على فيل ليشهر أمره ويعرفوه، وعليه قباء ديباج وقلنسوة سمور مدورة، وقد هيئوا الفيل وخضبوا أطرافه ولبسوه من الحرير والأمتعة التي تليق به شيئا كثيرا، وقد قال فيه بعضهم: قد خضب الفيل كعاداته … يحمل شيطان خراسان والفيل لا تخضب أعضاؤه … الا لذي شأن من الشان

стр. 3468

ولما أحضر بين يدي المعتصم أمر بقطع يديه ورجليه وجز رأسه وشق بطنه، ثم أمر بحمل رأسه إلى خراسان وصلب جثته على خشبة بسامرّا، وكان بابك قد شرب الخمر ليلة قتله وهي ليلة الخميس لثلاث عشرة خلت من ربيع الآخر من هذه السنة. وكان هذا الملعون قد قتل من المسلمين في مدة ظهوره - وهي عشرون سنة - مائتي ألف وخمسة وخمسين ألفا وخمسمائة إنسان - قاله ابن جرير - وأسر خلقا لا يحصون، وكان جملة من استنقذه الأفشين من أسره نحوا من سبعة آلاف وستمائة إنسان، وأسر من أولاده سبعة عشر رجلا، ومن حلائله وحلائل أولاده ثلاثة وعشرين امرأة من الخواتين، وقد كان أصل بابك من جارية زرية الشكل جدا، فآل به الحال إلى ما آل به إليه، ثم أراح الله المسلمين من شره بعد ما افتتن به خلق كثير وجم غفير من العوام الطغام. ولما قتله المعتصم توج الأفشين وقلده وشاحين من جوهر، وأطلق له عشرين ألف ألف درهم، وكتب له بولاية السند، وأمر الشعراء أن يدخلوا عليه فيمدحوه على ما فعل من الخير إلى المسلمين، وعلى تخريبه بلاد بابك التي يقال لها البذ وتركه إياها قيعانا خرابا. فقالوا في ذلك فأحسنوا، وكان من جملتهم أبو تمام الطائي وقد أورد قصيدته بتمامها ابن جرير وهي قوله: بذ الجلاد البذّ فهو دفين … ما إن بها إلا الوحوش قطين لم يقر هذا السيف هذا الصبر في … هيجاء إلا عز هذا الدين قد كان عذرة سودد فافتضها … بالسيف فحل المشرق الأفشين فأعادها تعوى الثعالب وسطها … ولقد ترى بالأمس وهي عرين هطلت عليها من جماجم أهلها … ديم إمارتها طلى وشئون كانت من المهجات قبل مفازة … عسرا فأضحت وهي منه معين وفي هذه السنة - أعنى سنة ثلاث وعشرين ومائتين - أوقع ملك الروم توفى بن ميخائيل بأهل ملطية من المسلمين وما والاها ملحمة عظيمة، قتل فيها خلقا كثيرا من المسلمين، وأسر ما لا يحصون كثرة، وكان من جملة من أسر ألف امرأة من المسلمات. ومثل بمن وقع في أسره من المسلمين فقطع آذانهم وأنوفهم وسمل أعينهم قبحه الله. وكان سبب ذلك أن بابك لما أحيط به في مدينة البذ استوسقت الجيوش حوله وكتب إلى ملك الروم يقول له: إن ملك العرب قد جهز إلى جمهور جيشه ولم يبق في أطراف بلاده من يحفظها، فان كنت تريد الغنيمة فانهض سريعا إلى ما حولك من بلاده فخذها فإنك لا تجد أحدا يمانعك عنها. فركب توفيل بمائة ألف وانضاف إليه المحمرة الذين كانوا قد خرجوا في الجبال وقاتلهم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فلم يقدر عليهم لأنهم تحصنوا بتلك الجبال فلما قدم ملك الروم صاروا معه على المسلمين فوصلوا إلى ملطية فقتلوا من أهلها خلقا كثيرا

стр. 3469

وأسروا نساءهم، فلما بلغ ذلك المعتصم انزعج لذلك جدا وصرخ في قصره بالنفير، ثم نهض من فوره وأمر بتعبئة الجيوش واستدعى القاضي والشهود فأشهدهم أن ما يملكه من الضياع ثلاثة صدقة وثلاثة لولده وثلاثة لمواليه. وخرج من بغداد فعسكر غربي دجلة يوم الاثنين لليلتين خلتا من جمادى الأولى ووجه بين يديه عجيفا وطائفة من الأمراء ومعهم خلق من الجيش إعانة لأهل زيطرة، فأسرعوا السير فوجدوا ملك الروم قد فعل ما فعل وانشمر راجعا إلى بلاده، وتفارط الحال ولم يمكن الاستدراك فيه، فرجعوا إلى الخليفة لا علامة بما وقع من الأمر، فقال للأمراء: أي بلاد الروم أمنع؟ قالوا: عمّورية لم يعرض لها أحد منذ كان الإسلام، وهي أشرف عندهم من القسطنطينية. ذكر فتح عمّورية على يد المعتصم لما تفرغ المعتصم من بابك وقتله وأخذ بلاده استدعى بالجيوش إلى بين يديه وتجهز جهازا لم يجهزه أحد كان قبله من الخلفاء، وأخذ معه من آلات الحرب والأحمال والجمال والقرب والدواب والنفط والخيل والبغال شيئا لم يسمع بمثله، وسار إلى عمّورية في جحافل أمثال الجبال، وبعث الأفشين حيدر بن كاوس من ناحية سروج، وعبى جيوشه تعبئة لم يسمع بمثلها، وقدم بين يديه الأمراء المعروفين بالحرب، فانتهى في سيره إلى نهر اللسى وهو قريب من طرسوس، وذلك في رجب من هذه السنة. وقد ركب ملك الروم في جيشه فقصد نحو المعتصم فتقاربا حتى كان بين الجيشين نحو من أربعة فراسخ، ودخل الأفشين بلاد الروم من ناحية أخرى، فجاءوا في أثره وضاق ذرعه بسبب ذلك إن هو ناجز الخليفة جاءه الأفشين من خلفه فالتقيا عليه فيهلك، وإن اشتغل بأحدهما وترك الآخر أخذه من خلفه. ثم اقترب منه الأفشين فسار إليه ملك الروم في شرذمة من جيشه واستخلف على بقية جيشه قريبا له فالتقيا هو والأفشين في يوم الخميس لخمس بقين من شعبان منها، فثبت الأفشين في ثانى الحال وقتل من الروم خلقا وجرح آخرين، وتغلب على ملك الروم وبلغه أن بقية الجيش قد شردوا عن قرابته وذهبوا عنه وتفرقوا عليه فأسرع الأوبة فإذا نظام الجيش قد انحل، فغضب على قرابته وضرب عنقه وجاءت الأخبار بذلك كله إلى المعتصم فسره ذلك وركب من فوره وجاء إلى أنقره ووافاه الأفشين بمن معه إلى هناك، فوجدوا أهلها قد هربوا منه فتقووا منها بما وجدوا من طعام وغيره، ثم فرق المعتصم جيشه ثلاث فرق فالميمنة عليها الأفشين، والميسرة عليها أشناس، والمعتصم في القلب، وبين كل عسكرين فرسخان، وأمر كل أمير من الأفشين وأشناس أن يجعل لجيشه ميمنة وميسرة وقلبا ومقدمة وساقة، وأنهم مهما مروا عليه من القرى حرقوه وخربوه وأسروا وغنموا، وسار بهم كذلك قاصدا إلى عمّورية، وكان بينهما وبين مدينة أنقره سبع مراحل، فأول من وصل إليها من الجيش أشناس أمير الميسرة ضحوة يوم الخميس لخمس خلون من رمضان

стр. 3470

من هذه السنة، فدار حولها دورة ثم نزل على ميلين منها، ثم قدم المعتصم صبيحة يوم الجمعة بعده، فدار حولها دورة ثم نزل قريبا منها، وقد تحصن أهلها تحصنا شديدا وملئوا أبراجها بالرجال والسلاح، وهي مدينة عظيمة كبيرة جدا ذات سور منيع وأبراج عالية كبار كثيرة. وقسم المعتصم الأبراج على الأمراء فنزل كل أمير تجاه الموضع الّذي أقطعه وعينه له، ونزل المعتصم قبالة مكان هناك قد أرشد إليه، أرشده إليه بعض من كان فيها من المسلمين، وكان قد تنصر عنده وتزوج منهم، فلما رأى أمير المؤمنين والمسلمين رجع إلى الإسلام وخرج إلى الخليفة فأسلم وأعلمه بمكان في السور كان قد هدمه السيل وبنى بناء ضعيفا بلا أساس، فنصب المعتصم المجانيق حول عمّورية فكان أول موضع انهدم من سورها ذلك الموضع الّذي دلهم عليه ذلك الأسير، فبادر أهل البلد فسدوه بالخشب الكبار المتلاصقة فألح عليها المنجنيق فجعلوا فوقها البرادع ليردوا حدة الحجر فلم تغن شيئا، وانهدم السور من ذلك الجانب وتفسخ. فكتب نائب البلد إلى ملك الروم يعلمه بذلك، وبعث ذلك مع غلامين من قومهم فلما اجتازوا بالجيش في طريقهما أنكر المسلمون أمرهما فسألوهما ممن أنتما؟ فقالا: من أصحاب فلان - لأمير سموه من أمراء المسلمين - فحملا إلى المعتصم فقررهما فإذا معهما كتاب مناطس نائب عمّورية إلى ملك الروم يعلمه بما حصل لهم من الحصار، وأنه عازم على الخروج من أبواب البلد بمن معه بغتة على المسلمين ومناجزهم القتال كائنا في ذلك ما كان. فلما وقف المعتصم على ذلك أمر بالغلامين فخلع عليهما، وأن يعطى كل غلام منهما بدرة، فأسلما من فورهما فأمر الخليفة أن يطاف بهما حول البلد وعليهما الخلع، وأن يوقفا تحت حصن مناطس فينثر عليهما الدراهم والخلع، ومعهما الكتاب الّذي كتب به مناطس إلى ملك الروم فجعلت الروم تلعنهما وتسبهما. وثم أمر المعتصم عند ذلك بتجديد الحرس والاحتياط والاحتفاظ من خروج الروم بغتة، فضاقت الروم ذرعا بذلك، وألح عليهم المسلمون في الحصار، وقد زاد المعتصم في المجانيق والد بابات وغير ذلك من آلات الحرب. ولما رأى المعتصم عمق خندقها وارتفاع سورها، أعمل المجانيق في مقاومة السور، وكان قد غنم في الطريق غنما كثيرا جدا ففرقها في الناس وأمر أن يأكل كل رجل رأسا ويجيء بملء جلده ترابا فيطرحه في الخندق، ففعل الناس ذلك فتساوى الخندق بوجه الأرض من كثرة ما طرح فيه من الأغنام ثم أمر بالتراب فوضع فوق ذلك حتى صار طريقا ممهدا، وأمر بالدبابات أن توضع فوقه فلم يحوج الله إلى ذلك. وبينما الناس في الجسر المردوم إذ هدم المنجنيق ذلك الموضع المعيب، فلما سقط ما بين البرجين سمع الناس هدة عظيمة فظنها من لم يرها أن الروم قد خرجوا على المسلمين بغتة، فبعث المعتصم من نادى في الناس: إنما ذلك سقوط السور. ففرح المسلمون بذلك فرحا شديدا، لكن لم يكن ما هدم يسع الخيل والرجال إذا دخلوا. وقوى الحصار وقد وكلت الروم بكل برج من أبراج السور أميرا يحفظه،

стр. 3471

فضعف ذلك الأمير الّذي هدمت ناحيته من السور عن مقاومة ما يلقاه من الحصار، فذهب إلى مناطس فسأله نجدة فامتنع أحد من الروم أن ينجده وقالوا: لا نترك ما نحن موكلون في حفظه. فلما يئس منهم خرج إلى المعتصم ليجتمع به، فلما وصل إليه أمير المعتصم المسلمين أن يدخلوا البلد من تلك الثغرة التي قد خلت من المقاتلة، فركب المسلمون نحوها فجعلت الروم يشيرون إليهم ولا يقدرون على دفاعهم، فلم يلتفت إليهم المسلمون، ثم تكاثروا عليهم ودخلوا البلد قهرا وتتابع المسلمون إليها يكبرون، وتفرقت الروم عن أماكنها فجعل المسلمون يقتلونهم في كل مكان حيث وجدوهم، وقد حشروهم في كنيسة لهم هائلة ففتحوها قسرا وقتلوا من فيها وأحرقوا عليهم باب الكنيسة فاحترقت فأحرقوا عن آخرهم، ولم يبق فيها موضع محصن سوى المكان الّذي فيه النائب، وهو مناطس في حصن منيع، فركب المعتصم فرسه وجاء حتى وقف بحذاء الحصن الّذي فيه مناطس فناداه المنادي ويحك يا مناطس! هذا أمير المؤمنين واقف تجاهك. فقالوا: ليس بمناطس هاهنا مرتين. فغضب المعتصم من ذلك وولى فنادى مناطس هذا مناطس هذا مناطس. فرجع الخليفة ونصب السلالم على الحصن وطلعت الرسل إليه فقالوا له: ويحك انزل على حكم أمير المؤمنين. فتمنع ثم نزل متقلدا سيفا فوضع السيف في عنقه ثم جيء به حتى أوقف بين يدي المعتصم فضربه بالسوط على رأسه ثم أمر به أن يمشى إلى مضرب الخليفة مهانا إلى الوطاق الّذي فيه الخليفة نازل، فأوثق هناك. وأخذ المسلمون من عمّورية أموالا لا تحد ولا توصف فحملوا منها ما أمكن حمله، وأمر المعتصم بإحراق ما بقي من ذلك، وبإحراق ما هنالك من المجانيق والدبابات وآلات الحرب لئلا يتقوى بها الروم على شيء من حرب المسلمين، ثم انصرف المعتصم راجعا إلى ناحية طرسوس في آخر شوال من هذه السنة. وكانت إقامته على عمّورية خمسة وعشرين يوما. ذكر مقتل العباس بن المأمون كان العباس مع عمه المعتصم في غزوة عمّورية، وكان عجيف بن عنبسة قد ندّمه إذ لم يأخذ الخلافة بعد أبيه المأمون بطرسوس حين مات بها، ولامه على مبايعته عمه المعتصم، ولم يزل به حتى أجابه إلى الفتك بعمه وأخذ البيعة من الأمراء له، وجهز رجلا يقال له الحارث السمرقندي وكان نديما للعباس، فأخذ له البيعة من جماعة من الأمراء في الباطن، واستوثق منهم وتقدم إليهم أنه يلي الفتك بعمه، فلما كانوا بدرب الروم وهم قاصدون إلى أنقره ومنها إلى عمّورية، أشار عجيف على العباس أن يقتل عمه في هذا المضيق ويأخذ له البيعة ويرجع إلى بغداد، فقال العباس: إني أكره أن أعطل على الناس هذه الغزوة، فلما فتحوا عمّورية واشتغل الناس بالمغانم أشار عليه أن يقتله فوعده مضيق الدرب إذا رجعوا، فلما رجعوا فطن المعتصم بالخبر فأمر بالاحتفاظ وقوة الحرس وأخذ بالحزم

стр. 3472

واجتهد بالعزم، واستدعى بالحارث السمرقندي فاستقره فأقرّ له بجملة الأمر، وأخذ البيعة للعباس بن المأمون من جماعة من الأمراء أسماهم له، فاستكثرهم المعتصم واستدعى بابن أخيه العباس فقيده وغضب عليه وأهانه، ثم أظهر له أنه قد رضى عنه وعفا عنه، فأرسله من القيد وأطلق سراحه، فلما كان من الليل استدعاه إلى حضرته في مجلس شرابه واستخلى به حتى سقاه واستحكاه عن الّذي كان قد دبره من الأمر، فشرح له القضية، وذكر له القصة، فإذا الأمر كما ذكر الحارث السمرقندي. فلما أصبح استدعى بالحارث فأخلاه وسأله عن القضية ثانيا فذكرها له كما ذكرها أول مرة، فقال: ويحك إني كنت حريصا على ذلك فلم أجد إلى ذلك سبيلا بصدقك إياي في هذه الفصة. ثم أمر المعتصم حينئذ بابن أخيه العباس فقيد وسلم إلى الأفشين، وأمر بعجيف وبقية الأمراء الذين ذكرهم فاحتفظ عليهم، ثم أخذهم بأنواع النقمات التي اقترحها لهم، فقتل كل واحد منهم بنوع لم يقتل به الآخر، ومات العباس بن المأمون بمنبج فدفن هناك، وكان سبب موته أنه أجاعه جوعا شديدا، ثم جيء بأكل كثير فأكل منه وطلب الماء فمنع منه حتى مات، وأمر المعتصم بلعنه على المنبر وسماه اللعين. وقتل جماعة من ولد المأمون أيضا. وحج بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفى من الأعيان. بابك الخرّمى قتل وصلب كما قدمنا. وخالد بن خراش. وعبد الله بن صالح كاتب الليث بن سعد. ومحمد بن سنان العوفيّ. وموسى ابن إسماعيل. ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل بآمل طبرستان يقال له مازيار بن قارن بن يزدا هرمز، وكان لا يرضى أن يدفع الخراج إلى نائب خراسان عبد الله بن طاهر بن الحسين، بل يبعثه إلى الخليفة ليقبضه منه، فيبعث الخليفة من يتلقى الحمل إلى بعض البلاد ليقبضه منه ثم يدفعه إلى ابن طاهر، ثم آل أمره إلى أن وثب على تلك البلاد وأظهر المخالفة للمعتصم. وقد كان المازيار هذا ممن يكاتب بابك الخرمى ويعده بالنصر. ويقال إن الّذي قوى رأس مازيار على ذلك الأفشين ليعجز عبد الله بن طاهر عن مقاومته فيوليه المعتصم بلاد خراسان مكانه، فبعث إليه المعتصم محمد بن إبراهيم بن مصعب - أخا إسحاق بن إبراهيم - في جيش كثيف فجرت بينهم حروب طويلة استقصاها ابن جرير، وكان آخر ذلك أسر المازيار وحمله إلى ابن طاهر، فاستقره عن الكتب التي بعثها إليه الأفشين فأقر بها، فأرسله إلى المعتصم وما معه من أمواله التي احتفظت للخليفة، وهي أشياء كثيرة جدا، من الجواهر والذهب والثياب. فلما أوقف بين يدي الخليفة سأله عن كتب الأفشين إليه فأنكرها، فأمر به فضرب بالسياط حتى مات وصلب إلى جانب بابك الخرمى على جسر بغداد، وقتل عيون أصحابه وأتباعه. وفيها تزوج الحسن بن الأفشين بأترجة بنت أشناس ودخل بها في قصر المعتصم بسامراء في جمادى،

стр. 3473

وكان عرسا حافلا، وليه المعتصم بنفسه، حتى قيل إنهم كانوا يخضبون لحا العامة بالغالية. وفيها خرج منكجور الأشر وسنى قرابة الأفشين بأرض أذربيجان وخلع الطاعة، وذلك أن الأفشين كان قد استنابه على بلاد أذربيجان حين فرغ من أمر بابك، فظفر منكجور بمال عظيم مخزون لبابك في بعض البلدان، فأخذه لنفسه وأخفاه عن المعتصم، وظهر على ذلك رجل يقال له عبد الله بن عبد الرحمن، فكتب إلى الخليفة في ذلك فكتب منكجور يكذبه في ذلك، وهم به ليقتله فامتنع منه بأهل أردبيل. فلما تحقق الخليفة كذب منكجور بعث إليه بغا الكبير فحاربه وأخذه بالأمان وجاء به إلى الخليفة. وفيها مات مناطس الرومي نائب عمّورية، وذلك أن المعتصم أخذه معه أسيرا فاعتقله بسامراء حتى مات في هذه السنة. وفي رمضان منها مات إبراهيم بن المهدي بن المنصور عم المعتصم ويعرف بابن شكله، وكان أسود اللون ضخما فصيحا فاضلا، قال ابن ماكولا: وكان يقال له الصيني - يعنى لسواده - وقد كان ترجمه ابن عساكر ترجمة حافلة، وذكر أنه ولى إمرة دمشق نيابة عن الرشيد أخيه مدة سنتين ثم عزله عنها ثم أعاده إليها الثانية فأقام بها أربع سنين. وذكر من عدله وصرامته أشياء حسنة، وأنه أقام للناس الحج سنة أربع وثمانين، ثم عاد إلى دمشق، ولما بويع بالخلافة في أول خلافة المأمون سنة ثنتين ومائتين قاتله الحسن بن سهل نائب بغداد، فهزمه إبراهيم هذا، فقصده حميد الطوسي فهزم إبراهيم واختفى إبراهيم ببغداد حين قدمها المأمون، ثم ظفر به المأمون فعفا عنه وأكرمه. وكانت مدة ولايته الخلافة سنة وأحد عشر شهرا واثنا عشر يوما، وكان بدء اختفائه في أواخر ذي الحجة سنة ثلاث ومائتين، فمكث مختفيا ست سنين وأربعة أشهر وعشرا. قال الخطيب: كان إبراهيم بن المهدي هذا وافر الفضل غزير الأدب واسع النفس سخى الكف، وكان معروفا بصناعة الغناء، حاذقا فيها وقد قل المال عليه في أيام خلافته ببغداد فألح الأعراب عليه في أعطياتهم فجعل يسوف بهم. ثم خرج إليهم رسوله يقول: إنه لا مال عنده اليوم، فقال بعضهم: فليخرج الخليفة إلينا فليغن لأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات، ولأهل هذا الجانب ثلاثة أصوات. فقال في ذلك دعبل شاعر المأمون يذم إبراهيم بن المهدي: يا معشر الأعراب لا تغلطوا … خذوا عطاياكم ولا تسخطوا فسوف يعطيكم حنينية … لا تدخل الكيس ولا تربط والمعبديات لقوادكم … وما بهذا أحد يغبط فهكذا يرزق أصحابه … خليفة مصحفة البربط وكتب إلى ابن أخيه المأمون حين طال عليه الاختفاء: ولىّ الثأر محكم في القصاص والعفو أقرب للتقوى، وقد جعل الله أمير المؤمنين فوق كل عفو، كما جعل كل ذي نسب دونه، فان عفا

стр. 3474

فبفضله وإن عاقب فبحقه. فوقع المأمون في جواب ذلك: القدرة تذهب الحفيظة وكفى بالندم إنابة وعفو الله أوسع من كل شيء. ولما دخل عليه أنشأ يقول: إن أكن مذنبا فحظي أخطأت … فدع عنك كثيرة التأنيب قل كما قال يوسف لبني يعقوب … لما أتوه لا تثريب فقال المأمون: لا تثريب. وروى الخطيب أن إبراهيم لما وقف بين يدي المأمون شرع يؤنبه على ما فعل فقال: يا أمير المؤمنين حضرت أبى وهو جدك وقد أتى برجل ذنبه أعظم من ذنبي فأمر بقتله فقال مبارك بن فضالة: يا أمير المؤمنين إن رأيت أن تؤخر قتل هذا الرجل حتى أحدثك حديثا، فقال: قل. فقال: حدثني الحسن البصري عن عمران بن حصين أن رسول الله ﷺ قال؟ «إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: ليقم العافون عن الناس من الخلفاء إلى أكرم الجزاء، فلا يقوم إلى من عفا. فقال المأمون: قد قبلت هذا الحديث بقبوله وعفوت عنك يا عم. وقد ذكرنا في سنة أربع ومائتين زيادة على هذا. وكانت أشعاره جيدة بليغة سامحه الله. وقد ساق من ذلك ابن عساكر جانبا جيدا. كان مولد إبراهيم هذا في مستهل ذي القعدة سنة ثنتين وستين ومائة، وتوفى يوم الجمعة لسبع خلون من هذه السنة عن ثنتين وستين سنة. وفيها توفى سعيد بن أبى مريم المصري. وسليمان بن حرب. وأبو معمر المقعد. وعلى بن محمد المدائني الأخبار أحد أئمة هذا الشأن في زمانه. وعمرو بن مرزوق شيخ البخاري. وقد تزوج هذا الرجل ألف امرأة. (وأبو عبيد القاسم بن سلام البغدادي) أحد أئمة اللغة والفقه والحديث والقرآن والأخبار وأيام الناس، له المصنفات المشهورة المنتشرة بين الناس، حتى يقال إن الامام أحمد كتب كتابه في الغريب بيده، ولما وقف عليه عبد الله بن طاهر رتب له في كل شهر خمسمائة درهم، وأجراها على ذريته من بعده. وذكر ابن خلكان أن ابن طاهر استحسن كتابه وقال: ما ينبغي لعقل بعث صاحبه على تصنيف هذا الكتاب أن نحوج صاحبه إلى طلب المعاش. وأجرى له عشرة آلاف درهم في كل شهر. وقال محمد بن وهب المسعودي: سمعت أبا عبيد يقول: مكثت في تصنيف هذا الكتاب أربعين سنة. وقال هلال بن المعلى الرقى: من الله على المسلمين بهؤلاء الأربعة: الشافعيّ تفقه في الفقه والحديث، وأحمد بن حنبل في المحنة. ويحيى بن معين في نفى الكذب. وأبو عبيد في تفسير غريب الحديث. ولولا ذلك لاقتحم الناس المهالك. وذكر ابن خلكان أن أبا عبيد ولى القضاء بطرسوس ثماني عشرة سنة، وذكر له من العبادة والاجتهاد في العبادة شيئا كثيرا. وقد روى الغريب عن أبى زيد الأنصاري والأصمعي وأبى

стр. 3475

عبيدة معمر بن المثنى، وابن الأعرابي، والفراء والكسائي وغيرهم. وقال إسحاق بن راهويه: نحن نحتاج إليه وهو لا يحتاج إلينا. وقدم بغداد وسمع الناس منه ومن تصانيفه. وقال إبراهيم الحربي: كان كأنه جبل نفخ فيه روح، يحسن كل شيء. وقال أحمد بن كامل القاضي: كان أبو عبيد فاضلا دينار بانيا عالما متقنا في أصناف علوم أهل الايمان والإتقان والإسلام: من القرآن والفقه والعربية والأحاديث، حسن الرواية صحيح النقل، لا أعلم أحدا طعن عليه في شيء من علمه وكتبه، وله كتاب الأموال وكتاب فضائل القرآن ومعانيه، وغير ذلك من الكتب المنتفع بها ﵀. توفى في هذه السنة قاله البخاري. وقيل في التي قبلها بمكة، وقيل بالمدينة. وله سبع وستون سنة. وقيل جاوز السبعين فالله أعلم. ومحمد بن عثمان أبو الجماهر الدمشقيّ الكفرتوثي أحد مشايخ الحديث. ومحمد بن الفضل أبو النعمان السدوسي الملقب بعارم شيخ البخاري. ومحمد بن عيسى بن الطباع. ويزيد بن عبد ربه الجرجسى الحمصي شيخها في زمانه. ثم دخلت سنة خمس وعشرين ومائتين فيها دخل بغا الكبير ومعه منكجور قد أعطى الطاعة بالأمان. وفيها عزل المعتصم جعفر بن دينار عن نيابة اليمن وغضب عليه وولى اليمن ايتاخ. وفيها وجه عبد الله بن طاهر بالمازيار فدخل بغداد على بغل بإكاف فضربه المعتصم بين يديه أربعمائة وخمسين سوطا ثم سقى الماء حتى مات، وأمر بصلبه إلى جنب بابك، وأقر في ضربه أن الأفشين كان يكاتبه ويحسن له خلع الطاعة، فغضب المعتصم على الأفشين وأمر بسجنه، فبنى له مكان كالمنارة من دار الخلافة تسمى الكوة، إنما تسعة فقط، وذلك لما تحقق أنه يريد مخالفته والخروج عليه، وأنه قد عزم على الذهاب لبلاد الخزر ليستجيش بهم على المسلمين فعاجله الخليفة بالقبض عليه قبل ذلك كله، وعقد له المعتصم مجلسا فيه قاضيه أحمد ابن أبى دؤاد المعتزلي، ووزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات، ونائبة إسحاق بن إبراهيم بن مصعب، فاتهم الأفشين في هذا المجلس بأشياء تدل على أنه باق على دين أجداده من الفرس. منها أنه غير مختتن فاعتذر أنه يخاف ألم ذلك، فقال له الوزير - وهو الّذي كان يناظره من بين القوم - فأنت تطاعن بالرماح في الحروب ولا تخاف من طعنها وتخاف من قطع قلفة ببدنك؟ ومنها أنه ضرب رجلين إماما ومؤذنا كل واحد ألف سوط لأنهما هدما بيت أصنام فاتخذاه مسجدا. ومنها أنه عنده كتاب كليله ودمنه مصورا فيه الكفر وهو محلى بالجواهر والذهب، فاعتذر أنه ورثه من آبائهم. واتهم بأن الأعاجم يكاتبونه وتكتب إليه في كتبها: أنت إله الآلهة من العبيد، وأنه يقرهم على ذلك. فجعل يعتذر بأنه أجراهم على ما كانوا يكاتبون به أباه وأجداده، وخاف أن يأمرهم بترك ذلك فيتضع عندهم.

стр. 3476

فقال له الوزير: ويحك فماذا أبقيت لفرعون حين قال: أنا ربكم الأعلى؟ وأنه كان يكاتب المازيار بأن يخرج عن الطاعة وأنه في ضيق حتى ينصر دين المجوس الّذي كان قديما ويظهره على دين العرب، وأنه كان يستطيب المنخنقة على المذبوحة، وأنه كان في كل يوم أربعاء يستدعى بشاة سوداء فيضربها بالسيف نصفين ويمشى بينهما ثم يأكلها، فعند ذلك أمر المعتصم بغا الكبير أن يسجنه مهانا ذليلا فجعل يقول: إني كنت أتوقع منكم ذلك. وفي هذه السنة حمل عبد الله بن طاهر الحسن بن الأفشين وزوجته أترجة بنت أشناس إلى سامرا. وحج بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفى من الأعيان أصبغ بن الفرج، وسعدويه، ومحمد بن سلام البيكندي شيخ البخاري، وأبو عمر الجرمي. وأبو دلف العجليّ التميمي الأمير أحد الأجواد. وسعيد بن مسعدة أبو الحسن الأخفش الأوسط البلخي ثم البصري النحويّ، أخذ النحو عن سيبويه وصنف كتبا كثيرة منها كتاب في معاني القرآن، وكتاب الأوسط في النحو وغير ذلك، وله كتاب في العروض زاد فيه بحر الخبب على الخيل، وسمى الأخفش لصغر عينيه وضعف بصره، وكان أيضا أدلغ، وهو الّذي لا يضم شفتيه على أسنانه، كان أولا يقال له الأخفش الصغير بالنسبة إلى الأخفش الكبير، أبى الخطاب عبد الحميد بن عبد المجيد الهجريّ، شيخ سيبويه وأبى عبيدة، فلما ظهر على بن سليمان ولقب بالأخفش أيضا صار سعيد بن مسعدة هو الأوسط، والهجريّ الأكبر، وعلى ابن سليمان الأصغر. وكانت وفاته في هذه السنة، وقيل سنة إحدى وعشرين ومائتين. الجرمي النحويّ وهو صالح بن إسحاق البصري، قدم بغداد وناظر بها الفراء، وكان قد أخذ النحو عن أبى عبيدة وأبى زيد والأصمعي وصنف كتابا منها الفرخ - يعنى فرخ كتاب سيبويه - وكان فقيها فاضلا نحويا بارعا عالما باللغة حافظا لها، دينا ورعا حسن المذهب، صحيح الاعتقاد وروى الحديث. ذكره ابن خلكان وروى عنه المبرد، وذكره أبو نعيم في تاريخ أصبهان. ثم دخلت سنة ست وعشرين ومائتين في شعبان منها توفى الأفشين في الحبس فأمر به المعتصم فصلب ثم أحرق وذرى رماده في دجلة واحتيط على أمواله وحواصله فوجدوا فيها أصناما مكللة بذهب وجواهر، وكتبا في فضل دين المجوس وأشياء كثيرة كان يتهم بها، تدل على كفره وزندقته، وتحقق بسببها ما ذكر عنه من الانتماء إلى

стр. 3477

دين آبائه المجوس. وحج بالناس فيها محمد بن داود. وفيها توفى إسحاق القروي. وإسماعيل بن أبى أوس. ومحمد بن داود صاحب التفسير. وغسان ابن الربيع. ويحيى بن يحيى التميمي شيخ مسلم بن الحجاج. ومحمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين وأبو دلف العجليّ عيسى بن إدريس بن معقل بن عمير بن شيخ بن معاوية بن خزاعيّ بن عبد العزيز بن دلف ابن جشم بن قيس بن سعد بن عجل بن لحيم الأمير وأبو دلف العجليّ أحد قواد المأمون والمعتصم وإليه ينسب الأمير أبو نصر بن ماكولا، صاحب كتاب الإكمال. وكان القاضي جلال الدين خطيب دمشق القزويني يزعم أنه من سلالته، ويذكر نسبه إليه، وكان أبو دلف هذا كريما جوادا ممدحا، قد قصده الشعراء من كل أوب، وكان أبو تمام الطائي من جملة من يغشاه ويستمنح نداه، وكانت لديه فضيلة في الأدب والغناء، وصنف كتبا منها سياسة الملوك، ومنها في الصيد والبزاة. وفي السلاح وغير ذلك. وما أحسن ما قال فيه بكر بن النطاع الشاعر: يا طالبا للكيمياء وعلمه … مدح ابن عيسى الكيمياء الأعظم لو لم يكن في الأرض إلا درهم … ومدحته لآتاك ذاك الدرهم فيقال: إنه أعطاه على ذلك عشرة آلاف درهم، وكان شجاعا فاتكا، وكان يستدين ويعطى، وكان أبوه قد شرع في بناء مدينة الكرخ فمات ولم يتمها فأتمها أبو دلف، وكان فيه تشييع، وكان يقول: من لم يكن متغاليا في التشيع فهو ولد زنا. فقال له ابنه دلف: لست على مذهبك يا أبة. فقال: والله لقد وطئت أمّك قبل أن أشتريها، فهذا من ذاك. وقد ذكر ابن خلكان أن ولده رأى في المنام بعد وفاة أبيه أن آتيا أتاه فقال: أجب الأمير! قال فقمت معه فأدخلنى دارا وحشة وعرة سوداء الحيطان مغلقة السقوف والأبواب. ثم أصعدنى في درج منها ثم أدخلنى غرفة، وإذا في حيطانها أثر النيران، وفي أرضها أثر الرماد، وإذا بأبي فيها وهو عريان واضع رأسه بين ركبتيه فقال لي كالمستفهم: أدلف؟ فقلت دلف. فأنشأ يقول: أبلغن أهلنا ولا تخف عنهم … ما لقينا في البرزخ الخناق قد سئلنا عن كل ما قد فعلنا … فارحموا وحشتي وما قد ألاقى ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم! ثم أنشأ يقول: فلو أنا إذا متنا تركنا … لكان الموت راحة كل حي ولكنا إذا متنا بعثنا … ونسأل بعده عن كل شيء ثم قال: أفهمت؟ قلت: نعم. وانتبهت.

стр. 3478

ثم دخلت سنة سبع وعشرين ومائتين فيها خرج رجل من أهل الثغور بالشام يقال له أبو حرب المبرقع اليماني، فخلع الطاعة ودعا إلى نفسه. وكان سبب خروجه أن رجلا من الجند أراد أن ينزل في منزله عند امرأته في غيبته فما نعته المرأة فضربها الجندي في يدها فأثرت الضربة في معصمها. فلما جاء بعلها أبو حرب أخبرته فذهب إلى الجندي وهو غافل فقتله ثم تحصن في رءوس الجبال وهو مبرقع، فإذا جاء أحد دعاه إلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويذم من السلطان، فاتبعه على ذلك خلق كثير من الحراثين وغيرهم، وقالوا: هذا هو السفياني المذكور أنه يملك الشام، فاستفحل أمره جدا، واتبعه نحو من مائة ألف مقاتل، فبعث إليه المعتصم وهو في مرض موته جيشا نحوا من مائة ألف مقاتل، فلما قدم أمير المعتصم بمن معه وجدهم أمة كثيرة وطائفة كبيرة، قد اجتمعوا حول أبى حرب، فخشي أن يواقعه والحالة هذه، فانتظر إلى أيام حرث الأراضي فتفرق عنه الناس إلى أراضيهم، وبقي في شرذمة قليلة فناهضه فأسره وتفرق عنه أصحابه، وحمله أمير السرية وهو رجاء بن أيوب حتى قدم به على المعتصم، فلامه المعتصم في تأخره عن مناجزته أول ما قدم الشام، فقال: كان معه مائة ألف أو يزيدون، فلم أزل أطاوله حتى أمكن الله منه، فشكره على ذلك. وفيها في يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الأول من هذه السنة كانت وفاة أبى إسحاق محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور. وهذه ترجمته هو أمير المؤمنين أبو إسحاق محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي يقال له المثمن لأنه ثامن ولد العباس، وأنه ثامن الخلفاء من ذريته، ومنها أنه فتح ثمان فتوحات، ومنها أنه أقام في الخلافة ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وقيل ويومين، وأنه ولد سنة ثمانين ومائة في شعبان وهو الشهر الثامن من السنة، وأنه توفى وله من العمر ثمانية وأربعون سنة، ومنها أنه خلف ثمانية بنين وثماني بنات، ومنها أنه دخل بغداد من الشام في مستهل رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين بعد استكمال ثمانية أشهر من السنة بعد موت أخيه المأمون، قالوا: وكان أميالا يحسن الكتابة، وكان سبب ذلك أنه كان يتردد معه إلى الكتاب غلام فمات الغلام فقال له أبوه الرشيد: ما فعل غلامك؟ قال: مات فاستراح من الكتاب، فقال الرشيد: وقد بلغ منك كراهة الكتاب إلى أن تجعل الموت راحة منه؟ والله يا بنى لا تذهب بعد اليوم إلى الكتاب. فتركوه فكان أميا، وقيل بل كان يكتب كتابة ضعيفة. وقد أسند الخطيب من طريقه عن آبائه حديثين منكرين أحدهما في ذم بنى أمية ومدح بنى العباس من الخلفاء. والثاني في النهى عن الحجامة يوم الخميس. وذكر بسنده

стр. 3479

عن المعتصم أن ملك الروم كتب إليه كتابا يتهدده فيه فقال للكاتب اكتب: قد قرأت كتابك وفهمت خطابك والجواب ما ترى لا ما تسمع، وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار. قال الخطيب: غزا المعتصم بلاد الروم في سنة ثلاث وعشرين ومائتين، فأنكى نكاية عظيمة في العدو، وفتح عمّورية وقتل من أهلها ثلاثين ألفا وسبى مثلهم، وكان في سبيه ستون بطريقا، وطرح النار في عمّورية في سائر نواحيها فأحرقها وجاء بنائبها إلى العراق وجاء ببابها أيضا معه وهو منصوب حتى الآن على أحد أبواب دار الخلافة مما يلي المسجد الجامع في القصر. وروى عن أحمد بن أبى دؤاد القاضي أنه قال: ربما أخرج المعتصم ساعده إلى وقال لي: عض يا أبا عبد الله بكل ما تقدر عليه، فأقول إنه لا تطيب نفسي يا أمير المؤمنين أن أعض ساعدك، فيقول: إنه لا يضرني. فأكدم بكل ما أقدر عليه فلا يؤثر ذلك في يده. ومر يوما في خلافة أخيه بمخيم الجند فإذا امرأة تقول: ابني ابني، فقال لها: ما شأنك؟ فقالت: ابني أخذه صاحب هذه الخيمة. فجاء إليه المعتصم فقال له: أطلق هذا الصبى، فامتنع عليه فقبض على جسده بيده فسمع صوت عظامه من تحت يده، ثم أرسله فسقط ميتا وأمر بإخراج الصبى إلى أمه. ولما ولى الخلافة كان شهما وله همة عالية في الحرب ومهابة عظيمة في القلوب، وإنما كانت نهمته في الإنفاق في الحرب لا في البناء ولا في غيره. وقال أحمد بن أبى دؤاد: تصدق المعتصم على يدي ووهب ما قيمته مائة ألف ألف درهم. وقال غيره: كان المعتصم إذا غضب لا يبالي من قتل ولا ما فعل. وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: دخلت يوما على المعتصم وعنده قينة له تغنيه فقال لي: كيف تراها؟ فقلت له: أراها تقهره بحذق، وتجتله برفق، ولا تخرج من شيء إلا إلى أحسن منه، وفي صوتها قطع شذور، أحسن من نظم الدر على النحور. فقال: والله لصفتك لها أحسن منها ومن غنائها. ثم قال لابنه هارون الواثق ولى عهده من بعده: اسمع هذا الكلام. وقد استخدم المعتصم من الأتراك خلقا عظيما كان له من المماليك الترك قريب من عشرين ألفا، وملك من آلات الحرب والدواب ما لم يتفق لغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يقول ﴿حَتّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ وقال: لو علمت ان عمري قصير ما فعلت. وقال: إني أحدث هذا الخلق، وجعل يقول: ذهبت الحيل فلا حيلة، وروى عنه انه قال في مرض موته: اللهمّ إني أخافك من قبلي ولا أخافك من قبلك، وأرجوك من قبلك ولا أرجوك من قبلي. كانت وفاته بسر من رأى في يوم الخميس ضحى لسبعة عشرة ليلة خلت من ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة سبع وعشرين ومائتين - وكان مولده يوم الاثنين لعشر خلون من شعبان سنة ثمانين ومائة، وولى الخلافة في رجب سنة ثمان عشرة ومائتين، وكان أبيض أصهب اللحية

стр. 3480

طويلها مربوعا مشرب اللون، أمه أم ولد اسمها ماردة، وهو أحد أولاد ستة من أولاد الرشيد، كل منهم اسمه محمد، وهم ابو إسحاق محمد المعتصم، وأبو العباس محمد الأمين، وأبو عيسى محمد، وأبو احمد، وأبو يعقوب، وأبو أيوب. قاله هشام بن الكلبي. وقد ولى الخلافة بعده ولده هارون الواثق. وقد ذكر ابن جرير أن وزيره محمد بن عبد الملك بن الزيات رثاه فقال: قد قلت إذ غيبوك واصطفقت … عليك أيدي التراب والطين اذهب فنعم الحفيظ كنت على … الدنيا ونعم الظهير للدين لا جبر الله أمة فقدت … مثلك إلا بمثل هارون وقال مروان بن أبى الجنوب - وهو ابن أخى حفصة -: أبو إسحاق مات ضحى فمتنا … وأمسينا بهارون حيينا لئن جاء الخميس بما كرهنا … لقد جاء الخميس بما هوينا خلافة هارون الواثق بن المعتصم بويع له بالخلافة قبل موت أبيه يوم الأربعاء لثمان خلون من ربيع الأول من هذه السنة - أعنى سنة سبع وعشرين ومائتين - ويكنى أبا جعفر، وأمه أم ولد رومية يقال لها قراطيس، وقد خرجت في هذه السنة قاصدة الحج فماتت بالحيرة ودفنت بالكوفة في دار داود بن عيسى، وذلك لأربع خلون من ذي القعدة من هذه السنة، وكان الّذي أقام للناس الحج فيها جعفر بن المعتصم وفيها توفى ملك الروم توفيل بن ميخائيل، وكانت مدة ملكه ثنتى عشرة سنة، فملكت الروم بعده امرأته تدورة. وكان ابنها ميخائيل بن توفيل صغيرا. وفيها توفى: بشر الحافى الزاهد المشهور وهو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن بن عطاء بن هلال بن ماهان بن عبد الله المروزي أبو نصر الزاهد المعروف بالحافي، نزيل بغداد. قال ابن خلكان: وكان اسم جده عبد الله الغيور، أسلم على يدي على بن أبى طالب. قلت: وكان مولده ببغداد سنة خمسين ومائة، وسمع بها شيئا كثيرا من حماد بن زيد، وعبد الله بن المبارك، وابن مهدي، ومالك، وأبى بكر بن عياش، وغيرهم. وعنه جماعة منهم أبو خيثمة، وزهير بن حرب، وسرى السقطي، والعباس بن عبد العظيم، ومحمد بن حاتم. قال محمد بن سعيد: سمع بشر كثيرا ثم اشتغل بالعبادة واعتزل الناس ولم يحدث، وقد أثنى عليه غير واحد من الأئمة في عبادته وزهادته وورعه ونسكه وتقشفه. قال الإمام أحمد يوم بلغه موته: لم يكن له نظير إلا عامر بن عبد قيس، ولو تزوج لتم أمره. وفي رواية عنه أنه قال: ما ترك بعده مثله. وقال إبراهيم الحربي: ما أخرجت بغداد أتم عقلا منه، ولا أحفظ للسانه منه، ما عرف له غيبة

стр. 3481

لمسلم، وكان في كل شعرة منه عقل. ولو قسم عقله على أهل بغداد لصاروا عقلاء وما نقص من عقله شيء. وذكر غير واحد أن بشرا كان شاطرا في بدء أمره، وأن سبب توبته أنه وجد رقعة فيها اسم الله في أتون حمام فرفعها ورفع طرفه إلى السماء وقال: سيدي اسمك هاهنا ملقى يداس! ثم ذهب إلى عطار فاشترى بدرهم غالية وضمخ تلك الرقعة منها ووضعها حيث لا تنال، فأحيا الله قلبه وألهمه رشده وصار إلى ما صار إليه من العبادة والزهادة. ومن كلامه: من أحب الدنيا فليتهيأ الذل. وكان بشر يأكل الخبز وحده فقيل له: أما لك أدم؟ فقال: بلى أذكر العافية فأجعلها أدما. وكان لا يلبس نعلا بل يمشى حافيا، فجاء يوما إلى باب فطرقه فقيل من ذا؟ فقال: بشر الحافى. فقالت له جارية صغيرة لو اشترى نعلا بدرهم لذهب عنه اسم الحافى (١). قالوا: وكان سبب تركه النعل أنه جاء مرة إلى حذّاء، فطلب منه شراكا لنعله فقال: ما أكثر كلفتكم يا فقراء على الناس؟! فطرح النعل من يده وخلع الأخرى من رجله وحلف لا يلبس نعلا أبدا. قال ابن خلكان: وكانت وفاته يوم عاشوراء، وقيل في رمضان ببغداد، وقيل بمرو. قلت: الصحيح ببغداد في هذه السنة، وقيل في سنة ست وعشرين والأول أصح والله أعلم. وحين مات اجتمع في جنازته أهل بغداد عن بكرة أبيهم، فأخرج بعد صلاة الفجر فلم يستقر في قبره إلا بعد العتمة. وكان على المدائني وغيره من أئمة الحديث يصيح بأعلى صوته في الجنازة: هذا والله شرف الدنيا قبل شرف الآخرة. وقد روى أن الجن كانت تنوح عليه في بيته الّذي كان يسكنه. وقد رآه بعضهم في المنام فقال: ما فعل الله بك؟ فقال غفر لي ولكل من أحبنى إلى يوم القيامة. وذكر الخطيب أنه كان له أخوات ثلاث وهن: مخة. ومضغة، وزبدة. وكلهن عابدات زاهدات مثله وأشد ورعا أيضا. ذهبت إحداهن إلى الإمام أحمد بن حنبل فقالت: إني ربما طفئ السراج وأنا أغزل على ضوء القمر فهل على عند البيع أن أميز هذا من هذا؟ فقال: إن كان بينهما فرق فميزى للمشتري. وقالت له مرة إحداهن: ربما تمر بنا مشاعل بنى طاهر في الليل ونحن نغزل فنغزل الطاق والطاقين والطاقات فخلصني من ذلك. فأمرها أن تتصدق بذلك الغزل كله لما اشتبه عليها من معرفة ذلك المقدار. وسألته عن أنين المريض أفيه شكوى؟ قال لا! إنما هو شكوى إلى الله . ثم خرجت فقال لابنه عبد الله: يا بنى اذهب خلفها فاعلم لي من هذه المرأة؟ قال عبد الله: فذهبت وراءها فإذا هي قد دخلت دار بشر، وإذا هي أخته مخة. وروى الخطيب أيضا عن زبدة قالت: جاء ليلة أخى بشر فدخل برجله في الدار وبقيت

стр. 3482

الأخرى خارج الدار، فاستمر كذلك ليلته حتى أصبح، فقيل له فيم تفكرت ليلتك؟ فقال: تفكرت في بشر النصراني وبشر اليهودي وبشر المجوسي وفي نفسي لأن اسمى بشر، فقلت في نفسي: ما الّذي سبق لي من الله حتى خصنى بالإسلام من بينهم؟ فتفكرت في فضل الله على وحمدته أن هداني للإسلام، وجعلني ممن خصه به، وألبسنى لباس أحبابه. وقد ترجمه ابن عساكر فأطنب وأطيب وأطال من غير ملال، وقد ذكر له أشعارا حسنة، وذكر أنه كان يتمثل بهذه الأبيات: تعاف القذى في الماء لا تستطيعه … وتكرع من حوض الذنوب فتشرب وتؤثر من أكل الطعام ألذه … ولا تذكر المختار من أين يكسب وترقد يا مسكين فوق نمارق … وفي حشوها نار عليك تلهب فحتى متى لا تستفيق جهالة … وأنت ابن سبعين بدينك تلعب وممن توفى فيها أحمد بن يونس. وإسماعيل بن عمرو البجلي. وسعيد بن منصور صاحب السنن المشهورة التي لا يشاركه فيها إلا القليل. ومحمد بن الصباح الدولابي. وله سنن أيضا. وأبو الوليد الطيالسي. وأبو الهذيل العلاف المتكلم المعتزلي. والله أعلم. ثم دخلت سنة ثمان وعشرين ومائتين في رمضان منها خلع الواثق على أشناس الأمير، وتوجه وألبسه وشاحين من جوهر وحج بالناس فيها محمد بن داود الأمير. وغلا السعر على الناس في طريق مكة جدا، وأصابهم حر شديد وهم بعرفة، ثم أعقبه برد شديد ومطر عظيم، كل ذلك في ساعة واحدة، ونزل عليهم وهم بمنى مطر لم ير مثله، وسقطت قطعة من الجبل عند جمرة العقبة فقتلت جماعة من الحجاج. قال ابن جرير: وفيها مات أبو الحسن المدائني أحد أئمة هذا الشأن في منزل إسحاق بن إبراهيم الموصلي. وحبيب بن أوس الطائي أبو تمام الشاعر. قلت أما أبو الحسن المدائني فاسمه على بن المدائني أحد أئمة هذا الشأن، وإمام الأخباريين في زمانه، وقد قدمنا ذكر وفاته قبل هذه السنة. وأما أبو تمام الطائي الشاعر صاحب الحماسة التي جمعها في فضل النساء بهمدان في دار وزيرها. فهو حبيب بن أوس بن الحارث بن قيس بن الأشج بن يحيى أبو تمام الطائي الشاعر الأديب. ونقل الخطيب عن محمد بن يحيى الصولي أنه حكى عن بعض الناس أنهم قالوا: أبو تمام حبيب بن تدرس النصراني، فسماه أبوه حبيب أوس بدل تدرس. قال ابن خلكان: وأصله من قرية جاسم من عمل الجيدور بالقرب من طبرية، وكان بدمشق يعمل عند حائك، ثم سار به إلى مصر في شبيبته. وابن خلكان أخذ ذلك

стр. 3483

من تاريخ ابن عساكر، وقد ترجم له أبو تمام ترجمة حسنة. قال الخطيب: وهو شامي الأصل، وكان بمصر في حداثته يسقى الماء في المسجد الجامع، ثم جالس بعض الأدباء فاخذ عنهم وكان فطنا فهما، وكان يحب الشعر فلم يزل يعانيه حتى قال الشعر فأجاد، وشاع ذكره وبلغ المعتصم خبره فحمله إليه وهو بسر من رأى، فعمل فيه قصائد فأجازه وقدمه على شعراء وقته، مقدم بغداد فجالس الأدباء وعاشر العلماء، وكان موصوفا بالظرف وحسن الأخلاق. وقد روى عنه أحمد بن أبى طاهر أخبارا بسنده. قال ابن خلكان: كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة للعرب غير القصائد والمقاطيع وغير ذلك، وكان يقال: في طيِّئ ثلاثة: حاتم في كرمه، وداود الطائي في زهده، وأبو تمام في شعره. وقد كان الشعراء في زمانه جماعة فمن مشاهيرهم أبو الشيص، ودعبل، وابن أبى قيس، وكان أبو تمام من خيارهم دينا وأدبا وأخلاقا. ومن رقيق شعره قوله: - يا حليف الندى ويا معدن الجود … ويا خير من حويت القريضا ليت حماك بى وكان لك الأجر … فلا تشتكي وكنت المريضا وقد ذكر الخطيب عن إبراهيم بن محمد بن عرفة أن أبا تمام توفى في سنة إحدى وثلاثين ومائتين وكذا قال ابن جرير. وحكى عن بعضهم أنه توفى في سنة إحدى وثلاثين، وقيل سنة ثنتين وثلاثين فالله أعلم. وكانت وفاته بالموصل، وبنيت على قبره قبة، وقد رثاه الوزير محمد بن عبد الملك الزيات فقال: نبأ أتى من أعظم الأنباء … لما ألم مقلقل الأحشاء قالوا حبيب قد ثوى فأجبتهم … ناشدتكم لا تجعلوه الطائي وقال غيره: فجع القريض بخاتم الشعراء … وغدير روضتها حبيب الطائي ماتا معا فتجاورا في حفرة … وكذلك كانا قبل في الأحياء وقد جمع الصولي شعر أبى تمام على حروف المعجم. قال ابن خلكان: وقد امتدح أحمد بن المعتصم ويقال ابن المأمون بقصيدته التي يقول فيها: إقدام عمرو في سماحة حاتم … في حلم أحنف في ذكاء إياس فقال له بعض الحاضرين: أتقول هذا لأمير المؤمنين وهو أكبر قدرا من هؤلاء؟ فإنك ما زدت على أن شبهته بأجلاف من العرب البوادي. فأطرق إطراقة ثم رفع رأسه فقال: لا تنكروا ضربي له من دونه … مثلا شرودا به في الندى والباس فالله قد ضرب الأقل لنوره … مثلا من المشكاة والنبراس قال: فلما أخذوا القصيدة لم يجدوا فيها هذين البيتين، وإنما قالهما ارتجالا. قال: ولم يعش بعد هذا إلا قليلا حتى مات. وقيل إن الخليفة أعطاه الموصل لما مدحه بهذه القصيدة، فأقام بها أربعين

стр. 3484

يوما ثم مات. وليس هذا بصحيح، ولا أصل له، وإن كان قد لهج به بعض الناس كالزمخشري وغيره. وقد أورد له ابن عساكر أشياء من شعره مثل قوله: - ولو كانت الأرزاق تجرى على الحجا … هلكن إذا من جهلهن البهائم ولم يجتمع شرق وغرب لقاصد … ولا المجد في كف امرئ والدراهم ومنه قوله: وما أنا بالغيران من دون غرسه … إذا أنا لم أصبح غيورا على العلم طبيب فؤادي مذ ثلاثين حجة … ومذهب همي والمفرج للغم وفيها توفى أبو نصر الفار أبى. والعبسيّ. وأبو الجهم. ومسدّد. وداود بن عمرو الضبيّ. ويحيى بن عبد الحميد الحماني. ثم دخلت سنة تسع وعشرين ومائتين فيها أمر الواثق بعقوبة الدواوين وضربهم واستخلاص الأموال منهم، لظهور خياناتهم وإسرافهم في أمورهم، فمنهم من ضرب ألف سوط وأكثر من ذلك وأقل، ومنهم من أخذ منه ألف ألف دينار، ودون ذلك، وجاهر الوزير محمد بن عبد الملك لسائر ولاة الشرط بالعداوة فعسفوا وحبسوا ولقوا شرا عظيما، وجهدا جهيدا، وجلس إسحاق بن إبراهيم للنظر في أمرهم، وأقيموا للناس وافتضحوا هم والدواوين فضيحة بليغة، وكان سبب ذلك أن الواثق جلس ليلة في دار الخلافة وجلسوا يسمرون عنده، فقال: هل منكم أحد يعرف سبب عقوبة جدي الرشيد للبرامكة؟ فقال بعض الحاضرين: نعم يا أمير المؤمنين! سبب ذلك أن الرشيد عرضت له جارية فأعجبه جمالها فساوم سيدها فيها فقال: يا أمير المؤمنين إني أقسمت بكل يمين أن لا أبيعها بأقل من مائة ألف دينار، فاشتراها منه بها وبعث إلى يحيى بن خالد الوزير ليبعث إليه بالمال من بيت المال، فاعتل بأنها ليست عنده، فأرسل الرشيد إليه يؤنبه ويقول: أما في بيت مالي مائة ألف دينار؟ وألح في طلبها فقال يحيى بن خالد: أرسلوها إليه دراهم ليستكثرها، ولعله يرد الجارية. فبعثوا بمائة ألف دينار دراهم ووضعوها في طريق الرشيد وهو خارج إلى الصلاة، فلما اجتاز به رأى كوما من دراهم، فقال: ما هذا قالوا: ثمن الجارية، فاستكثر ذلك وأمر بخزنها عند بعض خدمه في دار الخلافة، وأعجبه جمع المال في حواصله، ثم شرع في تتبع أموال بيت المال فإذا البرامكة قد استهلكوها، فجعل يهم بهم تارة يريد أخذهم وهلاكهم، وتارة يحجم عنهم، حتى إذا كان في بعض الليالي سمر عنده رجل يقال له أبو العود فأطلق له ثلاثين ألفا من الدراهم، فذهب إلى الوزير يحيى بن خالد بن برمك فطلبها منه فماطله مدة طويلة، فلما كان في بعض الليالي في السمر عرض أبو العود بذلك للرشيد في قول عمر بن أبى ربيعة: وعدت هند وما كادت تعد … ليت هندا أنجزتنا ما تعد واستبدت مرة واحدة … إنما العاجز من لا يستبد

стр. 3485

فجعل الرشيد يكرر قوله: إنما العاجز من لا يستبد، ويعجبه ذلك. فلما كان الصباح دخل عليه يحيى بن خالد فأنشده الرشيد هذين البيتين وهو يستحسنهما، ففهم ذلك يحيى بن خالد وخاف وسأل عن من أنشد ذلك للرشيد؟ فقيل له أبو العود. فبعث إليه وأعطاه الثلاثين ألفا وأعطاه من عنده عشرين ألفا، وكذلك ولده الفضل وجعفر، فما كان عن قريب حتى أخذ الرشيد البرامكة، وكان من أمرهم ما كان. فلما سمع ذلك الواثق أعجبه ذلك وجعل يكرر قول الشاعر: إنما العاجز من لا يستبد. ثم بطش بالكتاب وهم الدواوين على إثر ذلك، وأخذ منهم أموالا عظيمة جدا. وفيها حج بالناس أمير السنة الماضية وهو أمير الحجيج في السنتين الماضيتين. وفيها توفى خلف بن هشام البزار أحد مشاهير القراء، وعبد الله بن محمد السندي، ونعيم بن حماد الخزاعي أحد أئمة السنة بعد أن كان من أكابر الجهمية، وله المصنفات في السنن وغيرها، وبشار بن عبد الله المنسوب إليه النسخة المكذوبة عنه أو منه، ولكنها عالية الاسناد إليه، ولكنها موضوعة. ثم دخلت سنة ثلاثين ومائتين في جمادى منها خرجت بنو سليم حول المدينة النبويّة فعاثوا في الأرض فسادا، وأخافوا السبيل، وقاتلهم أهل المدينة فهزموا أهلها واستحوذوا على ما بين المدينة ومكة من المناهل والقرى، فبعث إليهم الواثق بغا الكبير أبا موسى التركي في جيش فقاتلهم في شعبان فقتل منهم خمسين فارسا وأسر منهم وانهزم بقيتهم، فدعاهم إلى الأمان وأن يكونوا على حكم أمير المؤمنين، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فدخل بهم المدينة وسجن رءوسهم في دار يزيد بن معاوية وخرج إلى الحج في هذه السنة، وشهد معه الموسم إسحاق بن إبراهيم بن مصعب نائب العراق. وفيها حج بالناس محمد بن داود المتقدم. وفيها توفى: عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب خراسان وما والاها. وكان خراج ما تحت يده في كل سنة ثمانية وأربعين ألف ألف درهم، فولى الواثق مكانه ابنه طاهر. وتوفى قبله أشناس التركي بتسعة أيام، يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول من هذه السنة. وقال ابن خلكان: توفى سنة ثمان وعشرين بمرو، وقيل بنيسابور. وكان كريما جوادا، وله شعر حسن، وقد ولى نيابة مصر بعد العشرين ومائتين. وذكر الوزير أبو القاسم بن المعزى أن البطيخ العبدلاوى الّذي بمصر منسوب إلى عبد الله بن طاهر هذا. قال ابن خلكان: لأنه كان يستطيبه، وقيل لأنه أول من زرعه هناك والله أعلم. ومن جيد شعره: اغتفر زلتي لتحرز فضل الشكر … منى ولا يفوتك أجرى

стр. 3486

لا تكلني إلى التوسل بالعذر … لعلى ان لا أقوم بعذري ومن شعره قوله: نحن قوم يليننا الخد والنحر … على اننا نلين الحديدا طوع أيدي الصبا تصيدنا العين … ومن شأننا نصيد الأسودا نملك الصيد ثم تملكنا البيض … المضيئات عينا وخدودا تتقى سخطنا الأسود ونخشى … سقط الخشف حين تبدي القعودا فترانا يوم الكريهة أحرارا … وفي السلم للغوانى عبيدا قال ابن خلكان: وكان خزاعيا من موالي طلحة الطلحات الخزاعي، وقد كان أبو تمام يمدحه، فدخل إليه مرة فأضافه الملح بهمدان فصنف له كتاب الحماسة عند بعض نسائه [ولما ولاه المأمون نيابة الشام ومصر صار إليها وقد رسم له بما في ديار مصر من الحواصل، فحمل إليه وهو في أثناء الطريق ثلاثة آلاف ألف دينار، ففرقها كلها في مجلس واحد، وأنه لما واجه مصر نظر إليها فاحتقرها وقال: قبح الله فرعون، ما كان أخسه وأضعف همته حين تبجح وتعاظم بملك هذه القرية، وقال: أنا ربكم الأعلى. وقال: أليس لي ملك مصر. فكيف لو رأى بغداد وغيرها (١)]. وفيها توفى على بن جعد الجوهري. ومحمد بن سعد كاتب الواقدي مصنف كتاب الطبقات وغيره. وسعيد بن محمد الجرمي. ثم دخلت سنة إحدى وثلاثين ومائتين فيها وقعت مفاداة الأسارى المسلمين الذين كانوا في أيدي الروم على يدي الأمير خاقان الخادم وذلك في المحرم من هذه السنة، وكان عدة الأسارى أربعة آلاف وثلاثمائة واثنين وستين أسيرا. وفيها كان مقتل أحمد بن نصر الخزاعي ﵀ وأكرم مثواه. وكان سبب ذلك أن هذا الرجل وهو أحمد بن نصر بن مالك بن الهيثم الخزاعي وكان جده مالك ابن الهيثم من أكبر الدعاة إلى دولة بنى العباس الذين قتلوا ولده هذا، وكان أحمد بن نصر هذا له وجاهة ورياسة، وكان أبو نصر بن مالك يغشاه أهل الحديث، وقد بايعه العامة في سنة إحدى ومائتين على القيام بالأمر والنهى حين كثرت الشطار والدعار في غيبة المأمون عن بغداد كما تقدم ذلك، وبه تعرف سويقة نصر ببغداد، وكان أحمد بن نصر هذا من أهل العلم والديانة والعمل الصالح والاجتهاد في الخير، وكان من أئمة السنة الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وكان ممن يدعو إلى القول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، وكان الواثق من أشد الناس في القول بخلق القرآن، يدعو إليه ليلا ونهارا، سرا وجهارا، اعتمادا على ما كان عليه أبوه قبله وعمه المأمون، من

стр. 3487

غير دليل ولا برهان، ولا حجة ولا بيان، ولا سنة ولا قرآن. فقام أحمد بن نصر هذا يدعو إلى الله وإلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والقول بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، في أشياء كثيرة دعا الناس إليها. فاجتمع عليه جماعة من أهل بغداد، والتف عليه من الألوف أعداد، وانتصب للدعوة إلى أحمد بن نصر هذا رجلان وهما أبو هارون السراج يدعو أهل الجانب الشرقي، وآخر يقال له طالب يدعو أهل الجانب الغربي فاجتمع عليه من الخلائق ألوف كثيرة، وجماعات غزيرة، فلما كان شهر شعبان من هذه السنة انتظمت البيعة لأحمد بن نصر الخزاعي في السر على القيام بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والخروج على السلطان لبدعته ودعوته إلى القول بخلق القرآن، ولما هو عليه وأمراؤه وحاشيته من المعاصي والفواحش وغيرها. فتواعدوا على أنهم في الليلة الثالثة من شعبان - وهي ليلة الجمعة - يضرب طبل في الليل فيجتمع الذين بايعوا في مكان اتفقوا عليه، وأنفق طالب وأبو هارون في أصحابه دينارا دينارا، وكان من جملة من أعطوه رجلان من بنى أشرس، وكانا يتعاطيان الشراب، فلما كانت ليلة الخميس شربا في قوم من أصحابهم واعتقدوا أن تلك الليلة هي ليلة الوعد، وكان ذلك قبله بليلة، فقاما يضربان على طبل في الليل ليجتمع إليهما الناس، فلم يجئ أحد وانخرم النظام وسمع الحرس في الليل فأعلموا نائب السلطنة، وهو محمد بن إبراهيم بن مصعب، وكان نائبا لأخيه إسحاق بن إبراهيم، لغيبته عن بغداد، فأصبح الناس متخبطين، واجتهد نائب السلطنة على إحضار دينك الرجلين فاحضرا فعاقبهما فأقرا على أحمد بن نصر، فطلبه وأخذ خادما له فاستقره فأقر بما أقر به الرجلان، فجمع جماعة من رءوس أصحاب أحمد بن نصر معه وأرسل بهم إلى الخليفة بسر من رأى، وذلك في آخر شعبان، فأحضر له جماعة من الأعيان وحضر القاضي أحمد بن أبى دؤاد المعتزلي، وأحضر أحمد بن نصر ولم يظهر منه على أحمد ابن نصر عتب، فلما أوقف أحمد بن نصر بين يدي الواثق لم يعاتبه على شيء مما كان منه في مبايعته العوام على الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وغيره، بل أعرض عن ذلك كله وقال له: ما تقول في القرآن؟ فقال: هو كلام الله. قال: أمخلوق هو؟ قال هو كلام الله. وكان أحمد بن نصر قد استقتل وباع نفسه وحضر وقد تحنط وتنور وشد على عورته ما يسترها فقال له. فما تقول في ربك، أتراه يوم القيامة؟ فقال: يا أمير المؤمنين قد جاء القرآن والأخبار بذلك، قال الله تعالى ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ﴾ وقال رسول الله ﷺ : «إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر لا تضامون في رؤيته». فنحن على الخبر. زاد الخطيب قال الواثق: ويحك! أيرى كما يرى المحدود المتجسم؟ ويحويه مكان ويحضره الناظر؟ أنا أكفر برب هذه صفته. قلت: وما قاله الواثق لا يجوز ولا يلزم ولا يرد به هذا الخبر الصحيح والله أعلم. ثم قال أحمد بن

стр. 3488

نصر للواثق: وحدثني سفيان بحديث يرفعه «إن قلب ابن آدم بإصبعين من أصابع الله يقلبه كيف شاء» وكان النبي ﷺ يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك». فقال له إسحاق بن إبراهيم: ويحك، انظر ما تقول. فقال: أنت أمرتنى بذلك. فأشفق إسحاق من ذلك وقال: أنا أمرتك؟ قال: نعم، أنت أمرتنى أن أنصح له. فقال الواثق لمن حوله: ما تقولون في هذا الرجل؟ فأكثروا القول فيه. فقال عبد الرحمن بن إسحاق - وكان قاضيا على الجانب الغربي فعزل وكان موادا لأحمد بن نصر قبل ذلك - يا أمير المؤمنين هو حلال الدم. وقال أبو عبد الله الأرمني صاحب أحمد بن أبى دؤاد: اسقني دمه يا أمير المؤمنين. فقال الواثق: لا بد أن يأتى ما تريد. وقال ابن أبى دؤاد: هو كافر يستتاب لعل به عاهة أو نقص عقل. فقال الواثق: إذا رأيتموني قمت إليه فلا يقومن أحد معى، فانى أحتسب خطاى. ثم نهض إليه بالصمصامة - وقد كانت سيفا لعمرو بن معديكرب الزبيدي أهديت لموسى الهادي في أيام خلافته وكانت صفيحة مسحورة في أسفلها مسمورة بمسامير - فلما انتهى إليه ضربه بها على عاتقه وهو مربوط بحبل قد أوقف على نطع، ثم ضربه أخرى على رأسه ثم طعنه بالصمصامة في بطنه فسقط صريعا ﵀ على النطع ميتا، فانا لله وإنا إليه راجعون. ﵀ وعفا عنه. ثم انتضى سيما الدمشقيّ سيفه فضرب عنقه وحرز رأسه وحمل معترضا حتى أتى به الحظيرة التي فيها بابك الخرمى فصلب فيها، وفي رجليه زوج قيود وعليه سراويل وقميص، وحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياما، وفي الغربي أياما، وعنده الحرس في الليل والنهار، وفي أذنه رقعة مكتوب فيها: هذا رأس الكافر المشرك الضال أحمد بن نصر الخزاعي، ممن قتل على يدي عبد الله هارون الامام الواثق بالله أمير المؤمنين بعد أن أقام عليه الحجة في خلق القرآن، ونفى التشبيه وعرض عليه التوبة ومكنه من الرجوع إلى الحق فأبى إلا المعاندة والتصريح، فالحمد لله الّذي عجله إلى ناره وأليم عقابه بالكفر، فاستحل بذلك أمير المؤمنين دمه ولعنه. ثم أمر الواثق بتتبع رءوس أصحابه فأخذ منهم نحوا من تسع وعشرين رجلا فأودعوا في السجون وسموا الظلمة، ومنعوا أن يزورهم أحد وقيدوا بالحديد، ولم يجر عليهم شيء من الأرزاق التي كانت تجرى على المحبوسين، وهذا ظلم عظيم. وقد كان أحمد بن نصر هذا من أكابر العلماء العاملين القائمين بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وسمع الحديث من حماد بن زيد، وسفيان بن عيينة، وهاشم بن بشير، وكانت عنده مصنفاته كلها، وسمع من الامام مالك بن أنس أحاديث جيدة، ولم يحدث بكثير من حديثه، وحدث عنه أحمد بن إبراهيم الدورقي، وأخوه يعقوب بن إبراهيم ويحيى بن معين، وذكره يوما فترحم عليه وقال: قد ختم الله له بالشهادة، وكان لا يحدث ويقول إني لست أهلا لذلك. وأحسن يحيى بن معين الثناء

стр. 3489

عليه جدا. وذكره الامام أحمد بن حنبل يوما فقال: ﵀ ما كان أسخاه بنفسه لله، لقد جاد بنفسه له. وقال جعفر بن محمد الصائغ: بصرت عيناي وإلا فقئتا وسمعت أذناى وإلا فصمتا أحمد ابن نصر الخزاعي حين ضربت عنقه يقول رأسه: لا إله إلا الله. وقد سمعه بعض الناس وهو مصلوب على الجذع ورأسه يقرأ ﴿الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾ قال: فاقشعر جلدي. ورآه بعضهم في النوم فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: ما كانت إلا غفوة حتى لقيت الله فضحك إلى. ورأى بعضهم رسول الله ﷺ في المنام ومعه أبو بكر وعمر، قد مروا على الجذع الّذي عليه رأس أحمد بن نصر، فلما جاوزوه أعرض رسول الله ﷺ بوجهه الكريم عنه فقيل له: يا رسول الله مالك أعرضت عن أحمد بن نصر فقال: «أعرضت عنه استحياء منه حين قتله رجل يزعم أنه من أهل بيتي». ولم يزل رأسه منصوبا من يوم الخميس الثامن والعشرين من شعبان من هذه السنة - أعنى سنة إحدى وثلاثين ومائتين - إلى بعد عيد الفطر بيوم أو يومين من سنة سبع وثلاثين ومائتين، فجمع بين رأسه وجثته ودفن بالجانب الشرقي من بغداد بالمقبرة المعروفة بالمالكية ﵀. وذلك بأمر المتوكل على الله الّذي ولى الخلافة بعد أخيه الواثق، وقد دخل عبد العزيز بن يحيى الكتاني - صاحب كتاب الحيدة - على المتوكل وكان من خيار الخلفاء لأنه أحسن الصنيع لأهل السنة، بخلاف أخيه الواثق وأبيه المعتصم وعمه المأمون، فإنهم أساءوا إلى أهل السنة وقربوا أهل البدع والضلال من المعتزلة وغيرهم، فأمره أن ينزل جثة محمد بن نصر ويدفنه ففعل، وقد كان المتوكل يكرم الإمام أحمد بن حنبل إكراما زائدا جدا كما سيأتي بيانه في موضعه. والمقصود أن عبد العزيز صاحب كتاب الحيدة قال للمتوكل: يا أمير المؤمنين ما رأيت أو ما رئي أعجب من أمر الواثق، قتل أحمد بن نصر وكان لسانه يقرأ القرآن إلى أن دفن. فوجل المتوكل من كلامه وساءه ما سمع في أخيه الواثق، فلما دخل عليه الوزير محمد بن عبد الملك بن الزيات قال له المتوكل: في قلبي شيء من قتل أحمد بن نصر. فقال: يا أمير المؤمنين أحرقني الله بالنار إن قتله أمير المؤمنين الواثق إلا كافرا ودخل عليه هرثمة فقال له في ذلك فقال: قطعني الله إربا إربا إن قتله إلا كافرا. ودخل عليه القاضي أحمد بن أبى داود فقال له مثل ذلك فقال: ضربني الله بالفالج إن قتله الواثق إلا كافرا. قال المتوكل: فأما ابن الزيات فأنا أحرقته بالنار. وأما هرثمة فإنه هرب فاجتاز بقبيلة خزاعة فعرفه رجل من الحي فقال: يا معشر خزاعة هذا الّذي قتل ابن عمكم أحمد بن نصر فقطعوه. فقطعوه إربا إربا. وأما ابن أبى دؤاد فقد سجنه الله في جلده - يعنى بالفالج - ضربه الله قبل موته بأربع سنين، وصودر من صلب ما له بمال جزيل جدا كما سيأتي بيانه في موضعه.

стр. 3490

وروى أبو داود في كتاب المسائل عن أحمد بن إبراهيم الدورقي عن أحمد بن نصر قال: سألت سفيان بن عيينة «القلوب بين إصبعين من أصابع الله، وإن الله يضحك ممن يذكره في الأسواق». فقال: اروها كما جاءت بلا كيف. وفيها أراد الواثق أن يحج واستعد لذلك فذكر له أن الماء بالطريق قليل فترك الحج عامئذ. وفيها تولى جعفر بن (١) دينار نائب اليمن فسار إليها في أربعة آلاف فارس. وفيها عدا قوم من العامة على بيت المال فأخذوا منه شيئا من الذهب والفضة، فأخذوا وسجنوا. وفيها ظهر خارجي ببلاد ربيعة فقاتله نائب الموصل فكسره وانهزم أصحابه. وفيها قدم وصيف الخادم بجماعة من الأكراد نحو من خمسمائة في القيود، كانوا قد أفسدوا في الطرقات وقطعوها، فأطلق الخليفة لوصيف الخادم خمسة وسبعين ألف دينار، وخلع عليه، وفيها قدم خاقان الخادم من بلاد الروم وقد تم الصلح والمفاداة بينه وبين الروم، وقدم معه جماعة من رءوس الثغور، فأمر الواثق بامتحانهم بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فأجابوا إلا أربعة فأمر بضرب أعناقهم إن لم يجيبوا بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة. وأمر الواثق أيضا بامتحان الأسارى الذين فودوا من أسر الفرنج بالقول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فمن أجاب [إلى القول بخلق القرآن وأن الله لا يرى في الآخرة فودى وإلا ترك في أيدي الكفار، وهذه بدعة صلعاء شنعاء عمياء صماء لا مستند لها من كتاب ولا سنة ولا عقل صحيح، بل الكتاب والسنة والعقل الصحيح بخلافها كما هو مقرر في موضعه. وبالله المستعان] (٢) وكان وقوع المفاداة عند نهر يقال له اللامس، عند سلوقية بالقرب من طرسوس، بدل كل مسلم أو مسلمة في أيدي الروم أو ذمي أو ذمية كان تحت عقد المسلمين أسير من الروم كان بأيدي المسلمين ممن لم يسلم، فنصبوا جسرين على النهر فإذا أرسل الروم مسلما أو مسلمة في جسرهم فانتهى إلى المسلمين كبر وكبر المسلمون، ثم يرسل المسلمون أسيرا من الروم على جسرهم فإذا انتهى إليهم تكلم بكلام يشبه التكبير أيضا. ولم يزالوا كذلك مدة أربعة أيام بدل كل نفس نفس، ثم بقي مع خاقان جماعة من الروم الأسارى فأطلقهم للروم حتى يكون له الفضل عليهم. قال ابن جرير: وفيها مات الحسن بن الحسين أخو طاهر بطبرستان في شهر رمضان. وفيها مات الخطاب بن وجه الفلس وفيها مات أبو عبد الله بن الأعرابي الراوية يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من شعبان، وهو ابن ثمانين سنة. وفيها ماتت أم أبيها بنت موسى أخت على بن موسى الرضا. وفيها مات مخارق المغنى. وأبو نصر أحمد بن حاتم راوية الأصمعي. وعمرو بن أبى عمرو الشيباني. ومحمد بن سعدان النحويّ. قلت: وممن توفى فيها أيضا أحمد بن نصر الخزاعي كما تقدم. وإبراهيم

стр. 3491

ابن محمد بن عرعرة. وأمية بن بسطام. وأبو تمام الطائي في قول. والمشهور ما تقدم. وكامل بن طلحة. ومحمد بن سلام الجمحيّ. وأخوه عبد الرحمن. ومحمد بن منهال الضرير. ومحمد بن منهال أخو حجاج. وهارون بن معروف. والبويطي صاحب الشافعيّ مات في السجن مقيدا على القول بخلق القرآن فامتنع من ذلك. ويحيى بن بكير راوي الموطأ عن مالك. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثين ومائتين فيها عاثت قبيلة يقال لها بنو نمير باليمامة فسادا فكتب الواثق إلى بغا الكبير وهو مقيم بأرض الحجاز فحاربهم فقتل منهم جماعة وأسر منهم آخرين، وهزم بقيتهم، ثم التقى مع بنى تميم وهو في ألفى فارس وهم ثلاثة آلاف، فجرت بينهم حروب ثم كان الظفر له عليهم آخرا، وذلك في النصف من جمادى الآخرة. ثم عاد بعد ذلك إلى بغداد ومعهم من أعيان رءوسهم في القيود والأسر جماعة، وقد فقد من أعيانهم في الوقائع ما ينيف على ألفى رجل من بنى سليم ونمير ومرة وكلاب وفزارة وثعلبة وطى وتميم وغيرهم. وفي هذه السنة أصاب الحجيج في رجوعهم عطش شديد حتى بيعت الشربة بالدنانير الكثيرة، ومات خلق كثير من العطش. وفيها أمر الواثق بترك جباية أعشار سفن البحر. وفيها كانت وفاة الخليفة الواثق بن محمد المعتصم ابن هارون الرشيد أبى جعفر هارون الواثق. كان هلاكه في ذي الحجة من هذه السنة بعلة الاستسقاء، فلم يقدر على حضور العيد عامئذ، فاستناب في الصلاة بالناس قاضيه أحمد بن أبى دؤاد الأيادي المعتزلي. توفى لست بقين من ذي الحجة، وذلك أنه قوى بالاستسقاء فأقعد في تنور قد أحمى له بحيث يمكنه الجلوس فيه ليسكن وجعه، فلان عليه بعض الشيء اليسير، فلما كان من الغد أمر بأن يحمى أكثر من العادة فأجلس فيه ثم أخرج فوضع في محفة فحمل فيها وحوله أمراؤه ووزراؤه وقاضيه، فمات وهو محمول فيها، فما شعروا حتى سقط جبينه على المحفة وهو ميت، فغمض القاضي عينيه بعد سقوط جبينه، وولى غسله والصلاة عليه ودفنه في قصر الهادي، عليهما من الله ما يستحقانه. وكان أبيض اللون مشربا حمرة جميل المنظر خبيث القلب حسن الجسم سيئ الطويلة، قاتم العين اليسرى، فيها نكتة بيضاء، وكان مولده سنة ست وتسعين ومائة بطريق مكة، فمات وهو ابن ست وثلاثين سنة، ومدة خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل سبعة أيام وثنتى عشرة ساعة. فهكذا أيام أهل الظلم والفساد والبدع قليلة قصيرة. وقد جمع الواثق أصحاب النجوم في زمانه حين اشتدت علته، وإنما اشتدت بعد قتله أحمد بن نصر الخزاعي ليلحقه إلى بين يدي الله، فلما جمعهم أمرهم أن ينظروا في مولده وما تقتضيه صناعة النجوم كم تدوم أيام دولته * فاجتمع عنده من رءوسهم جماعة منهم الحسن بن سهل والفضل ابن إسحاق الهاشمي، وإسماعيل بن نوبخت. ومحمد بن موسى الخوارزمي المجوسي القطر بلى وسند

стр. 3492

صاحب محمد بن الهيثم، وعامة من ينظر في النجوم، فنظروا في مولده وما يقتضيه الحال عندهم فأجمعوا على أنه يعيش في الخلافة دهرا طويلا، وقدروا له خمسين سنة مستقبلة من يوم نظروا نظر من لم يبصر، فإنه لم يعش بعد قولهم وتقديرهم إلا عشرة أيام حتى هلك. ذكره الامام أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀. قال ابن جرير: وذكر الحسين بن الضحاك أنه شهد الواثق بعد أن مات المعتصم بأيام وقد قعد مجلسا كان أول مجلس قعده، وكان أول ما غنى به في ذلك المجلس أن غنته شارية جارية إبراهيم بن المهدي: ما دري الحاملون يوم استقلوا … نعشه للثواء أم للقاء فليقل فيك باكياتك ما شئن … صياحا في وقت كل مساء قال: فبكى وبكينا حتى شغلنا البكاء عن جميع ما كنا فيه. ثم اندفع بعضهم يغنى: ودع هريرة إن الركب مرتحل … وهل تطيق وداعا أيها الرجل فازداد بكاؤه وقال: ما سمعت كاليوم قط تعزية بأب وبغى نفس، ثم ارفض ذلك المجلس. وروى الخطيب أن دعبل بن على الشاعر لما تولى الواثق عمد إلى طومار فكتب فيه أبيات شعر ثم جاء إلى الحاجب فدفعه إليه وقال: اقرأ أمير المؤمنين السلام وقل: هذه أبيات امتدحك بها دعبل فلما فضها الواثق إذا فيها: الحمد لله لا صبر ولا جلد … ولا عزاء إذا أهل الهوى رقدوا خليفة مات لم يحزن له أحد … وآخر قام لم يفرح به أحد فمرّ هذا ومرّ الشؤم يتبعه … وقام هذا فقام الويل والنكد قال: فتطلبه الواثق بكل ما يقدر عليه من الطلب فلم يقدر عليه حتى مات الواثق. وروى أيضا أنه لما استخلف الواثق ابن أبى دؤاد على الصلاة في يوم العيد ورجع إليه بعد أن قضاها قال له: كيف كان عيدكم يا أبا عبد الله؟ قال: كنا في نهار لا شمس فيه. فضحك وقال: يا أبا عبد الله أنا مؤيد بك. قال الخطيب: وكان ابن أبى دؤاد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن. قال ويقال: إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته فأخبرني عبد الله ابن أبى الفتح أنبأ أحمد بن إبراهيم بن الحسن ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة حدثني حامد بن العباس عن رجل عن المهدي أن الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن. وروى أن الواثق دخل عليه يوما مؤدبه فأكرمه إكراما كثيرا فقيل له فيء ذلك فقال: هذا أول من فتق لساني بذكر الله وأدنانى برحمة الله. وكتب إليه بعض الشعراء: - جذبت دواعي النفس عن طلب الغنى … وقلت لها عفى عن الطلب النزر

стр. 3493

فان أمير المؤمنين بكفه … مدار رحى الأرزاق دائبة تجرى فوقع له في رقعته جذبتك نفسك عن امتهانها، ودعتك إلى صونها فخذ ما طلبته هينا. وأجزل له العطاء. ومن شعره قوله: - هي المقادير تجرى في أعنتها … فاصبر فليس لها صبر على حال ومن شعر الواثق قوله: تنح عن القبيح ولا ترده … ومن أوليته حسنا فزده ستكفى من عدوك كل كيد … إذا كاد العدو ولم تكده وقال القاضي يحيى بن أكثم: ما أحسن أحد من خلفاء بنى العباس إلى آل أبى طالب ما أحسن إليهم الواثق: ما مات وفيهم فقير. ولما احتضر جعل يردد هذين البيتين: الموت فيه جميع الخلق مشترك … لا سوقة منهم يبقى ولا ملك ما ضر أهل قليل في تفاقرهم … وليس يغنى عن الأملاك ما ملكوا ثم أمر بالبسط فطويت ثم ألصق خده بالأرض وجعل يقول: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه. وقال بعضهم: لما احتضر الواثق ونحن حوله غشي عليه فقال بعضنا لبعض: انظروا هل قضى؟ قال: فدنوت من بينهم إليه لأنظر هل هدأ نفسه، فأفاق فلحظ إلى بعينه فرجعت القهقرى خوفا منه، فتعلقت قائمة سيفي بشيء فكدت أن أهلك، فما كان عن قريب حتى مات وأغلق عليه الباب الّذي هو فيه وبقي فيه وحده واشتغلوا عن تجهيزه بالبيعة لأخيه جعفر المتوكل، وجلست أنا أحرس الباب فسمعت حركة من داخل البيت فدخلت فإذا جرذ قد أكل عينه التي لحظ إلى بها، وما كان حولها من الخدين. وكانت وفاته بسر من رأى التي كان يسكنها في القصر الهاروني، في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة من هذه السنة - أعنى سنة ثنتين وثلاثين ومائتين - عن ست وثلاثين سنة، وقيل ثنتين وثلاثين سنة، وكانت خلافته خمس سنين وتسعة أشهر وخمسة أيام، وقيل خمس سنين وشهران وأحد وعشرين يوما، وصلى عليه أخوه جعفر المتوكل على الله والله أعلم. خلافة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق وقت الزوال من يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة، وكانت الأتراك قد عزموا على تولية محمد بن الواثق فاستصغروه فتركوه وعدلوا إلى جعفر هذا، وكان عمره إذ ذاك ستا وعشرين سنة، وكان الّذي ألبسه خلعة الخلافة أحمد بن أبى دؤاد القاضي، وكان هو أول من سلم عليه بالخلافة وبايعه الخاصة والعامة، وكانوا قد اتفقوا على تسميته بالمنتصر بالله،

стр. 3494

إلى صبيحة يوم الجمعة فقال ابن أبى دؤاد رأيت أن يلقب بالمتوكل على الله، فاتفقوا على ذلك، وكتب إلى الآفاق وأمر بإعطاء الشاكرية من الجند ثمانية شهور، وللمغاربة أربعة شهور، ولغيرهم ثلاثة شهور، واستبشر الناس به. وقد كان المتوكل رأى في منامه في حياة أخيه هارون الواثق كأن شيئا نزل عليه من السماء مكتوب فيه جعفر المتوكل على الله، فعبره فقيل له هي الخلافة، فبلغ ذلك أخاه الواثق فسجنه حينا ثم أرسله. وفيها حج بالناس أمير الحجيج محمد بن داود. وفيها توفى الحكم بن موسى. وعمرو بن محمد. الناقد. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثين ومائتين في يوم الأربعاء سابع صفر منها أمر الخليفة المتوكل على الله بالقبض على محمد بن عبد الملك ابن الزيات وزير الواثق، وكان المتوكل يبغضه لأمور، منها أن أخاه الواثق غضب على المتوكل في بعض الأوقات وكان ابن الزيات يزيده غضبا عليه، فبقي ذلك في نفسه، ثم كان الّذي استرضى الواثق عليه أحمد بن أبى دؤاد فحظي بذلك عنده في أيام ملكه، ومنها أن ابن الزيات كان قد أشار بخلافة محمد بن الواثق بعد أبيه، ولفّ عليه الناس، وجعفر المتوكل في جنب دار الخلافة لم يلتفت إليه ولم يتم الأمر إلا لجعفر المتوكل على الله، رغم أنف ابن الزيات. فلهذا أمر بالقبض عليه سريعا فطلبه فركب بعد غدائه وهو يظن أن الخليفة بعث إليه، فانتهى به الرسول إلى دار إيتاخ أمير الشرطة فاحتيط به وقيد وبعثوا في الحال إلى داره فأخذ جميع ما فيها من الأموال واللآلي والجواهر والحواصل والجواري والإناث، ووجدوا في مجلسه الخاص به آلات الشرب، وبعث المتوكل في الحال أيضا إلى حواصله بسامراء وضياعه وما فيها فاحتاط عليها، وأمر به أن يعذب ومنعوه من الكلام، وجعلوا يساهرونه كلما أراد الرقاد نخس بالحديد، ثم وضعه بعد ذلك كله في تنور من خشب فيه مسامير قائمة في أسفله فأقيم عليها ووكل به من يمنعه من القيود والرقاد، فمكث كذلك أياما حتى مات وهو كذلك. ويقال إنه أخرج من التنور وفيها رمق فضرب على بطنه ثم على ظهره حتى مات وهو تحت الضرب، ويقال إنه أحرق ثم دفعت جثته إلى أولاده فدفنوه، فنبشت عليه الكلاب فأكلت ما بقي من لحمه وجلده. وكانت وفاته لإحدى عشرة من ربيع الأول منها. وكان قيمة ما وجد له من الحواصل نحوا من تسعين ألف دينار. وقد قدمنا أن المتوكل سأله عن قتل أحمد بن نصر الخزاعي فقال: يا أمير المؤمنين أحرقنى الله بالنار إن قتله الواثق إلا كافرا. قال المتوكل: فأنا أحرقته بالنار. وفيها في جمادى الأولى منها بعد مهلك ابن الزيات فلج أحمد بن أبى دؤاد القاضي المعتزلي. فلم يزل مفلوجا حتى مات بعد أربع سنين وهو كذلك، كما دعا على نفسه حين سأله المتوكل عن

стр. 3495

قتل أحمد بن نصر كما تقدم. ثم غضب المتوكل على جماعة من الدواوين والعمال، وأخذ منهم أموال جزيلة جدا. وفيها ولى المتوكل ابنه محمد المنتصر الحجاز واليمن وعقد له على ذلك كله في رمضان منها. وفيها عمد ملك الروم ميخائيل بن توفيل إلى أمه تدورة فأقامها بالشمس وألزمها الدير وقتل الرجل الّذي اتهمها به، وكان ملكها ست سنين. وفيها حج بالناس محمد بن داود أمير مكة. وفيها توفى إبراهيم بن الحجاج الشامي. وحيان بن موسى العربيّ. وسليمان بن عبد الرحمن الدمشقيّ. وسهل بن عثمان العسكري. ومحمد بن سماعة القاضي. ومحمد بن عائذ الدمشقيّ صاحب المغازي. ويحيى المقابري. ويحيى بن معين أحد أئمة الجرح والتعديل، وأستاذ أهل هذه الصناعة في زمانه. ثم دخلت سنة أربع وثلاثين ومائتين فيها خرج محمد بن البعيث بن حلبس عن الطاعة في بلاده أذربيجان، وأظهر أن المتوكل قد مات والتف عليه جماعة من أهل تلك الرساتيق، ولجأ إلى مدينة فمرند فحصنها، وجاءته البعوث من كل جانب، وأرسل إليه المتوكل جيوشا يتبع بعضها بعضا، فنصبوا على بلده المجانيق من كل جانب، وحاصروه محاصرة عظيمة جدا، وقاتلهم مقاتلة هائلة، وصبر هو وأصحابه صبرا بليغا، وقدم بغا الشرابي لمحاصرته، فلم يزل به حتى أسره واستباح أمواله وحريمه وقتل خلقا من رءوس أصحابه، وأسر سائرهم وانحسمت مادة ابن البعيث. وفي جمادى الأولى منها خرج المتوكل إلى المدائن. وفيها حج ايتاخ أحد الأمراء الكبار وهو والى مكة، ودعي له على المنابر، وقد كان ايتاخ هذا غلاما خزريا طباخا، وكان لرجل يقال له سلام الأبرش، فاشتراه منه المعتصم في سنة تسع وتسعين ومائة، فرفع منزلته وحظي عنده، وكذلك الواثق من بعده، ضم إليه أعمالا كثيرة، وكذلك عامله المتوكل وذلك لفروسيته، ورجلته وشهامته، ولما كان في هذه السنة شرب ليلة مع المتوكل فعربد عليه المتوكل فهم ايتاخ بقتله، فلما كان الصباح اعتذر المتوكل إليه وقال له: أنت أبى وأنت ربيتني، ثم دس إليه من يشير إليه بأن يستأذن للحج فاستأذن فأذن له، وأمره على كل بلدة يحل بها، وخرج القواد في خدمته إلى طريق الحج حين خرج، ووكل المتوكل الحجابة لوصيف الخادم عوضا عن إيتاخ. وحج بالناس فيها محمد بن داود أمير مكة وهو أمير الحجيج من سنين متقدمة. وفيها توفى أبو خيثمة زهير بن حرب. وسليمان بن داود الشاذكوني أحد الحفاظ. وعبد الله ابن محمد النفيلى. وأبو ربيع الزهراني. وعلى بن عبد الله بن جعفر المديني شيخ البخاري في صناعة الحديث. ومحمد بن عبد الله بن نمير. ومحمد بن أبى بكر المقدمي. والمعافى الرسعيني. ويحيى بن يحيى الليثي راوي الموطأ عن مالك.

стр. 3496

ثم دخلت سنة خمس وثلاثين ومائتين في جمادى الآخرة منها كان هلاك إيتاخ في السجن، وذلك أنه رجع من الحج فتلقته هدايا الخليفة، فلما اقترب يريد دخول سامرا التي فيها المتوكل بعث إليه إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد عن أمر الخليفة يستدعيه إليها ليتلقاه وجوه الناس وبنى هاشم، فدخلها في أبهة عظيمة، فقبض عليه إسحاق بن إبراهيم وعلى ابنيه مظفر ومنصور وكاتبيه سليمان بن وهب وقدامة بن زياد النصراني فأسلم تحت العقوبة، وكان هلاك إيتاخ بالعطش، وذلك أنه أكل أكلا كثيرا بعد جوع شديد ثم استسقى الماء فلم يسقى حتى مات ليلة الأربعاء لخمس خلون من جمادى الآخرة منها. ومكث ولداه في السجن مدة خلافة المتوكل، فلما ولى المنتصر ولد المتوكل أخرجهما. وفي شوال منها قدم بغا سامرا ومعه محمد بن البعيث وأخواه صقر وخالد، ونائبة العلاء ومعهم من رءوس أصحابه نحو من مائة وثمانين إنسانا فأدخلوا على الجمال ليراهم الناس، فلما أوقف ابن البعيث بين يدي المتوكل أمر بضرب عنقه، فأحضر السيف والنطع فجاء السيافون فوقفوا حوله، فقال له المتوكل: وليك ما دعاك إلى ما فعلت؟ فقال: الشقوة يا أمير المؤمنين، وأنت الحبل الممدود بين الله وبين خلقه، وإن لي فيك لظنين، أسبقهما إلى قلبي أولاهما بك، وهو العفو. ثم اندفع يقول بديهة: أبى الناس إلا أنك اليوم قاتلي … إمام الهدى والصفح بالمرء أجمل وهل أنا إلا جبلة من خطيئة … وعفوك من نور النبوة يجبل فإنك خير السابقين إلى العلى … ولا شك أن خير الفعالين تفعل فقال المتوكل: إن معه لأدبا. ثم عفا عنه. ويقال بل شفع فيه المعتز بن المتوكل فشفعه، ويقال بل أودع في السجن في قيوده فلم يزل فيه حتى هرب بعد ذلك، وقد قال حين هرب: - كم قد قضيت أمورا كان أهملها … غيري وقد أخذ الإفلاس بالكظم لا تعذلينى فيما ليس ينفعني … إليك عنى جرى المقدور بالقلم سأتلف المال في عسر وفي يسر … إن الجواد الّذي يعطى على العدم وفيها أمر المتوكل أهل الذمة أن يتميزوا عن المسلمين في لباسهم وعمائمهم وثيابهم، وأن يتطيلسوا بالمصبوغ بالقلى وأن يكون على عمائمهم رقاع مخالفة للون ثيابهم من خلفهم ومن بين أيديهم، وأن يلزموا بالزنانير الخاصرة لثيابهم كزنانير الفلاحين اليوم، وأن يحملوا في رقابهم كرات من خشب كثيرة، وأن لا يركبوا خيلا، ولتكن ركبهم من خشب، إلى غير ذلك من الأمور المذلة لهم المهينة لنفوسهم، وأن لا يستعملوا في شيء من الدواوين التي يكون لهم فيها حكم على مسلم، وأمر بتخريب كنائسهم المحدثة، وبتضييق منازلهم التسعة، فيؤخذ منها العشر، وأن يعمل مما كان متسعا من منازلهم

стр. 3497

مسجد، وأمر بتسوية قبورهم بالأرض، وكتب بذلك إلى سائر الأقاليم والآفاق، وإلى كل بلد ورستاق. وفيها خرج رجل يقال له محمود بن الفرج النيسابورىّ، وهو ممن كان يتردد إلى خشبة بابك وهو مصلوب فيقعد قريبا منه، وذلك بقرب دار الخلافة بسر من رأى، فادعى أنه نبي، وأنه ذو القرنين وقد اتبعه على هذه الضلالة ووافقه على هذه الجهالة جماعة قليلون، وهم تسعة وعشرون رجلا، وقد نظم لهم كلاما في مصحف له قبّحه الله، زعم أن جبريل جاءه به من الله، فأخذ فرفع أمره إلى المتوكل فأمر فضرب بين يديه بالسياط، فاعترف بما نسب إليه وما هو معول عليه، وأظهر التوبة من ذلك والرجوع عنه، فأمر الخليفة كل واحد من أتباعه التسعة والعشرين أن يصفعه فصفعوه عشر صفعات فعليه وعليهم لعنة رب الأرض والسموات. ثم اتفق موته في يوم الأربعاء لثلاث خلون من ذي الحجة من هذه السنة. وفي يوم السبت لثلاث بقين من ذي الحجة أخذ المتوكل على الله العهد من بعده لأولاده الثلاثة وهم: محمد المنتصر، ثم أبو عبد الله المعتز، واسمه محمد، وقيل الزبير، ثم لإبراهيم وسماه المؤيد بالله، ولم يل الخلافة هذا. وأعطى كل واحد منهم طائفة من البلاد يكون نائبا عليها ويستنيب فيها ويضرب له السكة بها، وقد عين ابن جرير ما لكل واحد منهم من البلدان والأقاليم، وعقد لكل واحد منهم لواءين لواء أسود للعهد، ولواء للعمالة، وكتب بينهم كتابا بالرضى منهم ومبايعته لأكثر الأمراء على ذلك وكان يوما مشهودا. وفيها في شهر ذي الحجة منها تغير ماء دجلة إلى الصفرة ثلاثة أيام ثم صار في لون ماء الدردي ففزع الناس لذلك. وفيها أتى المتوكل بيحيى بن عمر بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب من بعض النواحي، وكان قد اجتمع إليه قوم من الشيعة فأمر بضربه فضرب ثماني عشرة مقرعة ثم حبس في المطبق. وحج بالناس محمد بن داود. قال ابن جرير: وفيها توفى إسحاق بن إبراهيم صاحب الجسر - يعنى نائب بغداد - يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة وجعل ابنه محمد مكانه، وخلع عليه خمس خلع وقلده سيفا. قلت: وقد كان نائبا في العراق من زمن المأمون، وهو من الدعاة تبعا لسادته وكبرائه إلى القول بخلق القرآن الّذي قال الله تعالى فيهم ﴿رَبَّنا إِنّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ الآية. وهو الّذي كان يمتحن الناس ويرسلهم إلى المأمون. وفيها توفى: إسحاق بن ماهان الموصلي النديم الأديب ابن الأديب النادر الشكل في وقته، المجموع من كل فن يعرفه أبناء عصره، في الفقه والحديث والجدل والكلام واللغة والشعر، ولكن اشتهر بالغناء لانه لم يكن له في الدنيا

стр. 3498

نظير فيه. قال المعتصم: إن إسحاق إذا غنى يخيل لي أنه قد زيد في ملكي. وقال المأمون: لولا اشتهاره بالغناء لوليته القضاء لما أعلمه من عفته ونزاهته وأمانته. وله شعر حسن وديوان كبير، وكانت عنده كتب كثيرة من كل فن. توفى في هذه السنة وقيل في التي قبلها، وقيل في التي بعدها. وقد ترجمه ابن عساكر ترجمة حافلة وذكر عنه أشياء حسنة وأشعارا رائقة وحكايات مدهشة يطول استقصاؤها. فمن غريب ذلك أنه غنى يوما يحيى بن خالد بن برمك فوقع له بألف ألف ووقع له ابنه جعفر بمثلها، وابنه الفضل بمثلها، في حكايات طويلة. وفيها توفى شريح بن يونس. وشيبان بن فروخ. وعبيد الله بن عمر القواريري. وأبو بكر بن أبى شيبة أحد الأعلام وأئمة الإسلام وصاحب المصنف الّذي لم يصنف أحد مثله قط لا قبله ولا بعده. ثم دخلت سنة ست وثلاثين ومائتين فيها أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن على بن أبى طالب وما حوله من المنازل والدور، ونودي في الناس من وجد هنا بعد ثلاثة أيام ذهبت به إلى المطبق. فلم يبق هناك بشر، واتخذ ذلك الموضع مزرعة تحرث وتستغل. وفيها حج بالناس محمد بن المنتصر بن المتوكل. وفيها توفى محمد بن إبراهيم ابن مصعب سمه ابن أخيه محمد بن إسحاق بن إبراهيم، وكان محمد بن إبراهيم هذا من الأمراء الكبار. وفيها توفى الحسن بن سهل الوزير والد بوران زوجة المأمون التي تتقدم ذكرها، وكان من سادات الناس، ويقال إن إسحاق بن إبراهيم المغنى توفى في هذه السنة فالله أعلم. وفيها توفى أبو سعيد محمد بن يوسف المروزي فجأة، فولى ابنه يوسف مكانه على نيابة أرمينية. وفيها توفى إبراهيم بن المنذر الحرابى. ومصعب بن عبد الله الزبيري. وهدبة بن خالد القيسي. وأبو الصلت الهروي أحد الضعفاء. ثم دخلت سنة سبع وثلاثين ومائتين فيها قبض يوسف بن محمد بن يوسف نائب أرمينية على البطريق الكبير بها وبعثه إلى نائب الخليفة، واتفق بعد بعثه إياه أن سقط ثلج عظيم على تلك البلاد، فتحزب أهل تلك الطريق وجاءوا فحاصروا البلد التي بها يوسف فخرج إليهم ليقاتلهم فقتلوه وطائفة كبيرة من المسلمين الذين معه وهلك كثير من الناس من شدة البرد، ولما بلغ المتوكل ما وقع من هذا الأمر الفظيع أرسل إلى أهل تلك الناحية بغا الكبير في جيش كثيف جدا فقتل من أهل تلك الناحية ممن حاصر المدينة نحوا من ثلاثين ألفا وأسر منهم طائفة كبيرة، ثم سار إلى بلاد ألباق من كور البسفرّجان وسلك إلى مدن كثيرة كبار ومهد الممالك ووطد البلاد والنواحي. وفي صفر منها غضب المتوكل على ابن أبى دؤاد القاضي المعتزلي وكان على المظالم، فعزله عنها واستدعى بيحيى بن أكثم فولاه قضاء القضاة والمظالم أيضا. وفي ربيع الأول أمر الخليفة بالاحتياط على ضياع ابن أبى دؤاد وأخذ ابنه أبا الوليد محمد

стр. 3499

فحبسه في يوم السبت لثلاث خلون من ربيع الآخر، وأمر بمصادرته فحمل مائة ألف وعشرين ألف دينار، ومن الجواهر النفيسة ما يقوّم بعشرين ألف دينار، ثم صولح على ستة عشر ألف ألف درهم. وكان ابن أبى دؤاد قد أصابه الفالج كما ذكرنا، ثم نفى أهله من سامرا إلى بغداد مهانين قال ابن جرير فقال في ذلك أبو العتاهية: لو كنت في الرأى منسوبا إلى رشد … وكان عزمك عزما فيه توفيق لكان في الفقه شغل لو قنعت به … عن أن تقول كتاب الله مخلوق ماذا عليك وأصل الدين يجمعهم … ما كان في الفرع لولا الجهل والموق وفي عيد الفطر منها أمر المتوكل بإنزال جثة أحمد بن نصر الخزاعي والجمع بين رأسه وجسده وأن يسلم إلى أوليائه، ففرح الناس بذلك فرحا شديدا، واجتمع في جنازته خلق كثير جدا، وجعلوا يتمسحون بها وبأعواد نعشه، وكان يوما مشهودا. ثم أتوا إلى الجذع الّذي صلب عليه فجعلوا يتمسحون به، وأرهج العامة بذلك فرحا وسرورا، فكتب المتوكل إلى نائبة يأمره بردعهم عن تعاطى مثل هذا وعن المغالاة في البشر، ثم كتب المتوكل إلى الآفاق بالمنع من الكلام في مسألة الكلام والكف عن القول بخلق القرآن، وأن من تعلم علم الكلام لو تكلم فيه فالمطبق مأواه إلى أن يموت. وأمر الناس أن لا يشتغل أحد إلا بالكتاب والسنة لا غير، ثم أظهر إكرام الامام أحمد بن حنبل واستدعاه من بغداد إليه، فاجتمع به فأكرمه وأمر له بجائزة سنية فلم يقبلها، وخلع عليه خلعة سنية من ملابسه فاستحيا منه أحمد كثيرا فلبسها إلى الموضع الّذي كان نازلا فيه ثم نزعها نزعا عنيفا وهو يبكى رحمه الله تعالى. وجعل المتوكل في كل يوم يرسل إليه من طعامه الخاص ويظن أنه يأكل منه، وكان أحمد لا يأكل لهم طعاما بل كان صائما مواصلا طاويا تلك الأيام، لأنه لم يتيسر له شيء يرضى أكله، ولكن كان ابنه صالح وعبد الله يقبلان تلك الجوائز وهو لا يشعر بشيء من ذلك، ولولا أنهم أسرعوا الأوبة إلى بغداد لخشى على أحمد أن يموت جوعا، وارتفعت السنة جدا في أيام المتوكل عفا الله عنه، وكان لا يولى أحدا إلا بعد مشورة الامام أحمد، وكان ولاية يحيى بن أكثم قضاء القضاة موضع ابن أبى دؤاد عن مشورته، وقد كان يحيى بن أكثم هذا من أئمة السنة، وعلماء الناس، ومن المعظمين للفقه والحديث واتباع الأثر، وكان قد ولى من جهته حبان بن بشر قضاء الشرقية، وسوار ابن عبد الله قضاء الجانب الغربي، وكان كلاهما أعورا. فقال في ذلك بعض أصحاب ابن أبى دؤاد: رأيت من العجائب قاضيين … هما أحدوثة في الخافقين هما اقتسما العمى نصفين قدّا … كما اقتسما قضاء الجانبين ويحسب منهما من هز رأسا … لينظر في مواريث ودين

стр. 3500

كأنك قد وضعت عليه دنا … فتحت بزاله من فرد عين هما فأل الزمان بهلك يحيى … إذا افتتح القضاء بأعورين وغزا الصائفة في هذه السنة على بن يحيى الأرمني. وحج بالناس على بن عيسى بن جعفر بن أبى جعفر المنصور أمير الحجاز. وفيها توفى حاتم الأصم. وممن توفى فيها عبد الأعلى بن حماد. وعبيد الله ابن معاذ العنبري. وأبو كامل الفضيل بن الحسن الجحدري. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثين ومائتين في ربيع الأول منها حاصر بغا مدينة تفليس وعلى مقدمته زيرك التركي، فخرج إليه صاحب تفليس إسحاق بن إسماعيل فقاتله فأسر بغا إسحاق فأمر بغا بضرب عنقه وصلبه، وأمر بإلقاء النار في النفط إلى نحو المدينة، وكان أكثر بنائها من خشب الصنوبر، فأحرق أكثرها وأحرق من أهلها نحوا من خمسين ألفا، وطفئت النار بعد يومين، لأن نار الصنوبر لا بقاء لها. ودخل الجند فأسروا من بقي من أهلها واستلبوهم حتى استلبوا المواشي. ثم سار بغا إلى مدن أخرى ممن كان يمالئ أهلها مع من قتل نائب أرمينية يوسف بن محمد بن يوسف، فأخذ بثأره وعاقب من تجرأ عليه. وفيها جاءت الفرنج في نحو من ثلاثمائة مركب قاصدين مصر من جهة دمياط، فدخلوها فجأة فقتلوا من أهلها خلقا وحرقوا المسجد الجامع والمنبر، وأسروا من النساء نحوا من ستمائة امرأة، من المسلمات مائة وخمسة وعشرين امرأة، وسائرهن من نساء القبط، وأخذوا من الأمتعة والمال والأسلحة شيئا كثيرا جدا، وفر الناس منهم في كل جهة، وكان من غرق في بحيرة تنيس أكثر ممن أسروه، ثم رجعوا على حمية ولم يعرض لهم أحد حتى رجعوا بلادهم لعنهم الله. وفي هذه السنة غزا الصائفة على ابن يحيى الأرمني. وفيها حج بالناس الأمير الّذي حج بهم قبلها. وفيها توفى إسحاق بن راهويه أحد الأعلام وعلماء الإسلام، والمجتهدين من الأنام. وبشر بن الوليد الفقيه الحنفي. وطالون بن عباد. ومحمد بن بكار بن الزيات. ومحمد بن البرجانى. ومحمد بن أبى السري العسقلاني. ثم دخلت سنة تسع وثلاثين ومائتين في المحرم منها زاد المتوكل في التغليظ على أهل الذمة في التميز في اللباس وأكد الأمر بتخريب الكنائس المحدثة في الإسلام. وفيها نفى المتوكل على بن الجهم إلى خراسان. وفيها اتفق شعانين النصارى ويوم النيروز في يوم واحد وهو يوم الأحد لعشرين ليلة خلت من ذي القعدة. وزعمت النصارى أن هذا لم يتفق مثله في الإسلام إلا في هذا العام. وغزا الصائفة على بن يحيى المذكور. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد بن داود والى مكة. قال ابن جرير: وفيها توفى أبو الوليد محمد بن القاضي أحمد بن أبى دؤاد الأيادي المعتزلي.

стр. 3501

قلت. وممن توفى فيها داود بن رشيد. وصفوان بن صالح مؤذن أهل دمشق. وعبد الملك بن حبيب الفقيه المالكي، أحد المشاهير. وعثمان بن أبى شيبة صاحب التفسير والمسند المشهور. ومحمد بن مهران الرازيّ. ومحمود بن غيلان. ووهب بن نفيه. وفيها توفى: أحمد بن عاصم الأنطاكي أبو على الواعظ الزاهد أحد العباد والزهاد، له كلام حسن في الزهد ومعاملات القلوب، قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان من طبقة الحارث المحاسبي، وبشر الحافى. وكان أبو سليمان الدارانيّ يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته. روى عن أبى معاوية الضرير وطبقته، وعنه أحمد بن الحواري، ومحمود بن خالد، وأبو زرعة الدمشقيّ. وغيرهم. روى عنه أحمد بن الحواري عن مخلد ابن الحسين عن هشام بن حسان قال: مررت بالحسن البصري وهو جالس وقت السحر فقلت: يا أبا سعيد مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني توضأت وأردت نفسي على الصلاة فأبت على، وأرادتنى على أن تنام فأبيت عليها. ومن مستجاد كلامه قوله: إذا أردت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ جوارحك. وقال: من الغنيمة الباردة أن تصلح ما بقي من عمرك فيغفر لك ما مضى منه. وقال: يسير اليقين يخرج الشك كله من قلبك، ويسير الشك يخرج اليقين كله منه. وقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. وقال: خير صاحب لك في دنياك الهم، يقطعك عن الدنيا ويوصلك إلى الآخرة. ومن شعره. هممت ولم أعزم ولو كنت صادقا … عزمت ولكن الفطام شديد ولو كان لي عقل وإيقان موقن … لما كنت عن قصد الطريق أحيد ولو كان في غير السلوك مطامعى … ولكن عن الأقدار كيف أميد ومن شعره أيضا: قد بقينا مذبذبين حيارى … نطلب الصدق ما إليه سبيل فدواعي الهوى تخف علينا … وخلاف الهوى علينا ثقيل فقد الصدق في الأماكن حتى … وصفه اليوم ما عليه دليل لا نرى خائفا فيلزمنا الخوف … ولسنا نرى صادقا على ما يقول ومن شعره أيضا: هون عليك فكل الأمر ينقطع … وخل عنك ضباب الهم يندفع فكل هم له من بعده فرج … وكل كرب إذا ما ضاق يتسع إن البلاء وإن طال الزمان به … الموت يقطعه أو سوف ينقطع

стр. 3502

وقد أطال الحافظ ابن عساكر ترجمته ولم يؤرخ وفاته، وإنما ذكرته هاهنا تقريبا والله أعلم. ثم دخلت سنة أربعين ومائتين فيها عدا أهل حمص على عاملهم أبى الغيث موسى بن إبراهيم الرافقي لأنه قتل رجلا من أشرافهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المتوكل أميرا عليهم وقال للسفير معه: إن قبلوه وإلا فأعلمني. فقبلوه فعمل فيهم الأعاجيب وأهانهم غاية الإهانة. وفيها عزل المتوكل يحيى بن أكثم القاضي عن قضاء القضاة وصادره بما مبلغه ثمانون ألف دينار، وأخذ منه أراضى كثيرة في أرض البصرة، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن على على قضاء القضاة. قال ابن جرير: وفي المحرم منها توفى أحمد بن أبى دؤاد بعد ابنه بعشرين يوما. وهذه ترجمته هو أحمد بن أبى دؤاد واسمه الفرج - وقيل دعمي، والصحيح أن اسمه كنيته - الأيادي المعتزلي. قال ابن خلكان في نسبه: هو أبو عبد الله أحمد بن أبى دؤاد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد بن سلام بن عبد هند بن عبد نجم بن مالك بن فيض بن منعة بن برجان بن دوس الهذلي بن أمية بن حذيفة بن زهير بن إياد بن أدبن معد بن عدنان. قال الخطيب: ولى ابن أبى دؤاد قضاء القضاة للمعتصم، ثم للواثق. وكان موصوفا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة. قال الصولي: لم يكن بعد البرامكة أكرم منه، ولولا ما وضع من نفسه من محبة المحنة لاجتمعت عليه الانس. قالوا: وكان مولده في سنة ستين ومائة، وكان أسن من يحيى بن أكثم بعشرين سنة. قال ابن خلكان: وأصله من بلاد قنسرين، وكان أبوه تاجرا يفد إلى الشام ثم وفد إلى العراق وأخذ ولده هذا معه إلى العراق، فاشتغل بالعلم وصحب هياج بن العلاء السلمي أحد أصحاب واصل بن عطاء فأخذ عنه الاعتزال، وذكر أنه كان يصحب يحيى بن أكثم القاضي ويأخذ عنه العلم. ثم سرد له ترجمة طويلة في كتاب الوفيات، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال: - رسول الله والخلفاء منا … ومنا أحمد بن أبى دؤاد فرد عليه بعض الشعراء فقال: فقل للفاخرين على نزار … وهم في الأرض سادات العباد رسول الله والخلفاء منا … ونبرأ من دعي بنى إياد وما منا إياد إذا أقرت … بدعوة أحمد بن أبى دؤاد قال: فلما بلغ ذلك أحمد بن أبى دؤاد قال: لولا أنى أكره العقوبة لعاقبت هذا الشاعر عقوبة

стр. 3503

ما فعلها أحد. وعفا عنه. قال الخطيب: حدثني الأزهري ثنا أحمد بن عمر الواعظ حدثنا عمر بن الحسن بن على بن مالك حدثني جرير بن أحمد أبو مالك قال: كان أبى يعنى أحمد بن أبى دؤاد - إذا صلى رفع يديه إلى السماء وخاطب ربه وأنشأ يقول: ما أنت بالسبب الضعيف وإنما … نجح الأمور بقوة الأسباب واليوم حاجتنا إليك وإنما … يدعى الطبيب لساعة الأوصاب ثم روى الخطيب أن أبا تمام دخل على ابن أبى دؤاد يوما فقال له: أحسبك عاتبا، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا. فقال له: أنى لك هذا؟ فقال: من قول أبى نواس: وليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد وامتدحه أبو تمام يوما فقال: لقد ألست مساوى كل دهر … محاسن أحمد بن أبى دؤاد وما سافرت في الآفاق إلا … ومن جدواك راحلتي وزادي نعم الظن عندك والأماني … وإن قتلت ركابي في البلاد فقال له: هذا المعنى تفردت به أو أخذته من غيرك؟ فقال: هو لي، غير أنى ألمحت بقول أبى نواس: وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة … لغيرك إنسانا فأنت الّذي نعنى وقال محمد بن الصولي: ومن مختار مديح أبى تمام لأحمد بن أبى دؤاد قوله: أحمد إن الحاسدين كثير … ومالك إن عد الكرام نظير حللت محلا فاضلا متقادما … من المجد والفخر القديم فخور فكل غنى أو فقير فإنه … إليك وإن نال السماء فقير إليك تناهى المجد من كل وجهة … يصير فما يعدوك حيث يصير وبدر إياد أنت لا ينكرونه … كذاك إياد للأنام بدور تجنبت أن تدعى الأمير تواضعا … وأنت لمن يدعى الأمير أمير فما من يد إلا إليك ممدّة … وما رفعة إلا إليك تشير قلت: قد أخطأ الشاعر في هذه الأبيات خطأ كبيرا، وأفحش في المبالغة فحشا كثيرا، ولعله إن اعتقد هذا في مخلوق ضعيف مسكين ضال مضل، أن يكون له جهنم وساءت مصيرا. وقال ابن أبى دؤاد يوما لبعضهم: لما لم لا تسألنى؟ فقال له: لأني لو سألتك أعطيتك ثمن صلتك. فقال له: صدقت. وأرسل إليه بخمسة آلاف درهم. وقال ابن الأعرابي: سأل رجل ابن أبى دؤاد أن يحمله على عير فقال: يا غلام أعطه عيرا وبغلا

стр. 3504

وبرذونا وفرسا وجارية. وقال له: لو أعلم مركوبا غير هذا لأعطيتك. ثم أورد الخطيب بأسانيده عن جماعة أخبارا تدل على كرمه وفصاحته وأدبه وحلمه ومبادرته إلى القضاء الحاجات، وعظيم منزلته عند الخلفاء. وذكر عن محمد المهدي بن الواثق أن شيخا دخل يوما على الواثق فسلم فلم يرد عليه الواثق بل قال: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين بئس ما أدّبك معلمك. قال الله تعالى ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ فلا حييتنى بأحسن منها ولا رددتها. فقال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين الرجل متكلم. فقال: ناظره. فقال ابن أبى دؤاد: ما تقول يا شيخ في القرآن أمخلوق هو؟ فقال الشيخ: لم تنصفني، المسألة لي. فقال: قل. فقال: هذا الّذي تقوله علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أو ما علموه؟ فقال ابن أبى دؤاد: لم يعلموه. قال: فأنت علمت ما لم يعلموا؟ فخجل وسكت. ثم قال أقلنى بل علموه، قال: فلم لا دعوا الناس إليه كما دعوتهم أنت، أما يسعك ما وسعهم؟ فخجل وسكت وأمر الواثق له بجائزة نحو أربعمائة دينار فلم يقبلها. قال المهدي: فدخل أبى المنزل فاستلقى على ظهره وجعل يكرر قول الشيخ على نفسه ويقول: أما وسعك ما وسعهم؟ ثم أطلق الشيخ وأعطاه أربعمائة دينار ورده إلى بلاده، وسقط من عينيه ابن أبى دؤاد ولم يمتحن بعده أحدا. ذكره الخطيب في تاريخه باسناد فيه بعض من لا يعرف، وساق قصته مطولة. وقد أنشد ثعلب عن أبى حجاج الأعرابي أنه قال في ابن أبى دؤاد: نكست الدين يا ابن أبى دؤاد … فأصبح من أطاعك في ارتداد زعمت كلام ربك كان خلقا … أما لك عند ربك من معاد كلام الله أنزله بعلم … على جبريل إلى خير العباد (١) ومن أمسى ببابك مستضيفا … كمن حلّ الفلاة بغير زاد لقد أطرفت يا ابن أبى دؤاد … بقولك إنني رجل إيادي ثم قال الخطيب: أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أنشدنا المعافى بن زكريا الجريريّ عن محمد بن يحيى الصولي لبعضهم يهجو ابن أبى دؤاد: لو كنت في الرأى منسوبا إلى رشد … وكان عزمك عزما فيه توفيق وقد تقدمت هذه الأبيات. وروى الخطيب عن أحمد بن الموفق أو يحيى الجلاء أنه قال: ناظرنى رجل من الواقفية في خلق القرآن فنالني منه ما أكره، فلما أمسيت أتيت امرأتي فوضعت لي العشاء فلم أقدر أن أنال منه شيئا، فنمت فرأيت رسول الله ﷺ في المسجد الجامع وهناك حلقة فيها أحمد بن حنبل وأصحابه، فجعل رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ ويشير إلى حلقة ابن أبى دؤاد (فقد وكلنا)

стр. 3505

(بها قوما ليسوا بها بكافرين) ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه. وقال بعضهم: رأيت في المنام كأن قائلا يقول: هلك الليلة أحمد بن أبى دؤاد. فقلت له: وما سبب هلاكه؟ فقال: إنه أغضب الله عليه فغضب عليه من فوق سبع سماوات. وقال غيره: رأيت ليلة مات ابن أبى دؤاد كأن النار زفرت زفرة عظيمة فخرج منها لهب فقلت: ما هذا؟ فقيل هذا أنجزت لابن أبى دؤاد. وقد كان هلاكه في يوم السبت لسبع بقين من المحرم من هذه السنة، وصلى عليه ابنه العباس ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة، وابتلاه الله بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى بقي طريحا في فراشه لا يستطيع أن يحرك شيئا من جسده، وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك. وقد دخل عليه بعضهم فقال: والله ما جئتك عائدا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك وأحمد الله الّذي سجنك في جسدك الّذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن، ثم خرج عنه داعيا عليه بأن يزيده الله ولا ينقصه مما هو فيه، فازداد مرضا إلى مرضه. وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جدا، ولو كان يحمل العقوبة لوضعها عليه المتوكل. قال ابن خلكان: كان مولده في سنة ستين ومائة. قلت: فعلى هذا يكون أسن من أحمد بن حنبل ومن يحيى بن أكثم الّذي ذكر ابن خلكان أن ابن أكثم كان سبب اتصال ابن أبى دؤاد بالخليفة المأمون، فحظي عنده بحيث إنه أوصى به إلى أخيه المعتصم، فولاه المعتصم القضاء والمظالم، وكان ابن الزيات الوزير يبغضه، وجرت بينهما منافسات وهجو، وقد كان لا يقطع أمرا بدونه. وعزل ابن أكثم عن القضاء وولاه مكانه، وهذه المحنة التي هي أس ما بعدها من المحن، والفتنة التي فتحت على الناس باب الفتن. ثم ذكر ابن خلكان ما ضرب به الفالج وما صودر به من المال، وأن ابنه أبا الوليد محمد صودر بألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، وأنه مات قبل أبيه بشهر. وأما ابن عساكر فإنه بسط القول في ترجمته وشرحها شرحا جيدا. وقد كان الرجل أديبا فصيحا كريما جوادا ممدحا يؤثر العطاء على المنع، والتفرقة على الجمع. وقد روى ابن عساكر باسناده أنه جلس يوما مع أصحابه ينتظرون خروج الواثق فقال ابن أبى دؤاد إنه ليعجبني هذان البيتان: ولى نظرة لو كان يحبل ناظر … بنظرته أنثى لقد حبلت منى فان ولدت ما بين تسعة أشهر … إلى نظر ابنا فان ابنها منى وممن توفى فيها من الأعيان أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء المشاهير. قال الامام أحمد: هو عندنا في مسلاخ الثوري. وخليفة بن خياط أحد أئمة التاريخ وسويد بن سعد الحدثانى وسيد بن نصر. وعبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون أحد فقهاء المالكية المشهورين. وعبد الواحد ابن غياث. وقتيبة بن سعيد شيخ الأئمة والسنة. وأبو العميثل عبد الله بن خالد كاتب عبد الله بن
следующие страницы →