← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

قلت. وممن توفى فيها داود بن رشيد. وصفوان بن صالح مؤذن أهل دمشق. وعبد الملك بن حبيب الفقيه المالكي، أحد المشاهير. وعثمان بن أبى شيبة صاحب التفسير والمسند المشهور. ومحمد بن مهران الرازيّ. ومحمود بن غيلان. ووهب بن نفيه. وفيها توفى: أحمد بن عاصم الأنطاكي أبو على الواعظ الزاهد أحد العباد والزهاد، له كلام حسن في الزهد ومعاملات القلوب، قال أبو عبد الرحمن السلمي: كان من طبقة الحارث المحاسبي، وبشر الحافى. وكان أبو سليمان الدارانيّ يسميه جاسوس القلوب لحدة فراسته. روى عن أبى معاوية الضرير وطبقته، وعنه أحمد بن الحواري، ومحمود بن خالد، وأبو زرعة الدمشقيّ. وغيرهم. روى عنه أحمد بن الحواري عن مخلد ابن الحسين عن هشام بن حسان قال: مررت بالحسن البصري وهو جالس وقت السحر فقلت: يا أبا سعيد مثلك يجلس في هذا الوقت؟ قال: إني توضأت وأردت نفسي على الصلاة فأبت على، وأرادتنى على أن تنام فأبيت عليها. ومن مستجاد كلامه قوله: إذا أردت صلاح قلبك فاستعن عليه بحفظ جوارحك. وقال: من الغنيمة الباردة أن تصلح ما بقي من عمرك فيغفر لك ما مضى منه. وقال: يسير اليقين يخرج الشك كله من قلبك، ويسير الشك يخرج اليقين كله منه. وقال: من كان بالله أعرف كان منه أخوف. وقال: خير صاحب لك في دنياك الهم، يقطعك عن الدنيا ويوصلك إلى الآخرة. ومن شعره. هممت ولم أعزم ولو كنت صادقا … عزمت ولكن الفطام شديد ولو كان لي عقل وإيقان موقن … لما كنت عن قصد الطريق أحيد ولو كان في غير السلوك مطامعى … ولكن عن الأقدار كيف أميد ومن شعره أيضا: قد بقينا مذبذبين حيارى … نطلب الصدق ما إليه سبيل فدواعي الهوى تخف علينا … وخلاف الهوى علينا ثقيل فقد الصدق في الأماكن حتى … وصفه اليوم ما عليه دليل لا نرى خائفا فيلزمنا الخوف … ولسنا نرى صادقا على ما يقول ومن شعره أيضا: هون عليك فكل الأمر ينقطع … وخل عنك ضباب الهم يندفع فكل هم له من بعده فرج … وكل كرب إذا ما ضاق يتسع إن البلاء وإن طال الزمان به … الموت يقطعه أو سوف ينقطع

стр. 3502

وقد أطال الحافظ ابن عساكر ترجمته ولم يؤرخ وفاته، وإنما ذكرته هاهنا تقريبا والله أعلم. ثم دخلت سنة أربعين ومائتين فيها عدا أهل حمص على عاملهم أبى الغيث موسى بن إبراهيم الرافقي لأنه قتل رجلا من أشرافهم فقتلوا جماعة من أصحابه وأخرجوه من بين أظهرهم، فبعث إليهم المتوكل أميرا عليهم وقال للسفير معه: إن قبلوه وإلا فأعلمني. فقبلوه فعمل فيهم الأعاجيب وأهانهم غاية الإهانة. وفيها عزل المتوكل يحيى بن أكثم القاضي عن قضاء القضاة وصادره بما مبلغه ثمانون ألف دينار، وأخذ منه أراضى كثيرة في أرض البصرة، وولى مكانه جعفر بن عبد الواحد بن جعفر بن سليمان بن على على قضاء القضاة. قال ابن جرير: وفي المحرم منها توفى أحمد بن أبى دؤاد بعد ابنه بعشرين يوما. وهذه ترجمته هو أحمد بن أبى دؤاد واسمه الفرج - وقيل دعمي، والصحيح أن اسمه كنيته - الأيادي المعتزلي. قال ابن خلكان في نسبه: هو أبو عبد الله أحمد بن أبى دؤاد فرج بن جرير بن مالك بن عبد الله بن عباد بن سلام بن عبد هند بن عبد نجم بن مالك بن فيض بن منعة بن برجان بن دوس الهذلي بن أمية بن حذيفة بن زهير بن إياد بن أدبن معد بن عدنان. قال الخطيب: ولى ابن أبى دؤاد قضاء القضاة للمعتصم، ثم للواثق. وكان موصوفا بالجود والسخاء وحسن الخلق ووفور الأدب، غير أنه أعلن بمذهب الجهمية وحمل السلطان على امتحان الناس بخلق القرآن، وأن الله لا يرى في الآخرة. قال الصولي: لم يكن بعد البرامكة أكرم منه، ولولا ما وضع من نفسه من محبة المحنة لاجتمعت عليه الانس. قالوا: وكان مولده في سنة ستين ومائة، وكان أسن من يحيى بن أكثم بعشرين سنة. قال ابن خلكان: وأصله من بلاد قنسرين، وكان أبوه تاجرا يفد إلى الشام ثم وفد إلى العراق وأخذ ولده هذا معه إلى العراق، فاشتغل بالعلم وصحب هياج بن العلاء السلمي أحد أصحاب واصل بن عطاء فأخذ عنه الاعتزال، وذكر أنه كان يصحب يحيى بن أكثم القاضي ويأخذ عنه العلم. ثم سرد له ترجمة طويلة في كتاب الوفيات، وقد امتدحه بعض الشعراء فقال: - رسول الله والخلفاء منا … ومنا أحمد بن أبى دؤاد فرد عليه بعض الشعراء فقال: فقل للفاخرين على نزار … وهم في الأرض سادات العباد رسول الله والخلفاء منا … ونبرأ من دعي بنى إياد وما منا إياد إذا أقرت … بدعوة أحمد بن أبى دؤاد قال: فلما بلغ ذلك أحمد بن أبى دؤاد قال: لولا أنى أكره العقوبة لعاقبت هذا الشاعر عقوبة

стр. 3503

ما فعلها أحد. وعفا عنه. قال الخطيب: حدثني الأزهري ثنا أحمد بن عمر الواعظ حدثنا عمر بن الحسن بن على بن مالك حدثني جرير بن أحمد أبو مالك قال: كان أبى يعنى أحمد بن أبى دؤاد - إذا صلى رفع يديه إلى السماء وخاطب ربه وأنشأ يقول: ما أنت بالسبب الضعيف وإنما … نجح الأمور بقوة الأسباب واليوم حاجتنا إليك وإنما … يدعى الطبيب لساعة الأوصاب ثم روى الخطيب أن أبا تمام دخل على ابن أبى دؤاد يوما فقال له: أحسبك عاتبا، فقال: إنما يعتب على واحد وأنت الناس جميعا. فقال له: أنى لك هذا؟ فقال: من قول أبى نواس: وليس على الله بمستنكر … أن يجمع العالم في واحد وامتدحه أبو تمام يوما فقال: لقد ألست مساوى كل دهر … محاسن أحمد بن أبى دؤاد وما سافرت في الآفاق إلا … ومن جدواك راحلتي وزادي نعم الظن عندك والأماني … وإن قتلت ركابي في البلاد فقال له: هذا المعنى تفردت به أو أخذته من غيرك؟ فقال: هو لي، غير أنى ألمحت بقول أبى نواس: وإن جرت الألفاظ يوما بمدحة … لغيرك إنسانا فأنت الّذي نعنى وقال محمد بن الصولي: ومن مختار مديح أبى تمام لأحمد بن أبى دؤاد قوله: أحمد إن الحاسدين كثير … ومالك إن عد الكرام نظير حللت محلا فاضلا متقادما … من المجد والفخر القديم فخور فكل غنى أو فقير فإنه … إليك وإن نال السماء فقير إليك تناهى المجد من كل وجهة … يصير فما يعدوك حيث يصير وبدر إياد أنت لا ينكرونه … كذاك إياد للأنام بدور تجنبت أن تدعى الأمير تواضعا … وأنت لمن يدعى الأمير أمير فما من يد إلا إليك ممدّة … وما رفعة إلا إليك تشير قلت: قد أخطأ الشاعر في هذه الأبيات خطأ كبيرا، وأفحش في المبالغة فحشا كثيرا، ولعله إن اعتقد هذا في مخلوق ضعيف مسكين ضال مضل، أن يكون له جهنم وساءت مصيرا. وقال ابن أبى دؤاد يوما لبعضهم: لما لم لا تسألنى؟ فقال له: لأني لو سألتك أعطيتك ثمن صلتك. فقال له: صدقت. وأرسل إليه بخمسة آلاف درهم. وقال ابن الأعرابي: سأل رجل ابن أبى دؤاد أن يحمله على عير فقال: يا غلام أعطه عيرا وبغلا

стр. 3504

وبرذونا وفرسا وجارية. وقال له: لو أعلم مركوبا غير هذا لأعطيتك. ثم أورد الخطيب بأسانيده عن جماعة أخبارا تدل على كرمه وفصاحته وأدبه وحلمه ومبادرته إلى القضاء الحاجات، وعظيم منزلته عند الخلفاء. وذكر عن محمد المهدي بن الواثق أن شيخا دخل يوما على الواثق فسلم فلم يرد عليه الواثق بل قال: لا سلم الله عليك. فقال: يا أمير المؤمنين بئس ما أدّبك معلمك. قال الله تعالى ﴿وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها﴾ فلا حييتنى بأحسن منها ولا رددتها. فقال ابن أبى دؤاد يا أمير المؤمنين الرجل متكلم. فقال: ناظره. فقال ابن أبى دؤاد: ما تقول يا شيخ في القرآن أمخلوق هو؟ فقال الشيخ: لم تنصفني، المسألة لي. فقال: قل. فقال: هذا الّذي تقوله علمه رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان وعليّ أو ما علموه؟ فقال ابن أبى دؤاد: لم يعلموه. قال: فأنت علمت ما لم يعلموا؟ فخجل وسكت. ثم قال أقلنى بل علموه، قال: فلم لا دعوا الناس إليه كما دعوتهم أنت، أما يسعك ما وسعهم؟ فخجل وسكت وأمر الواثق له بجائزة نحو أربعمائة دينار فلم يقبلها. قال المهدي: فدخل أبى المنزل فاستلقى على ظهره وجعل يكرر قول الشيخ على نفسه ويقول: أما وسعك ما وسعهم؟ ثم أطلق الشيخ وأعطاه أربعمائة دينار ورده إلى بلاده، وسقط من عينيه ابن أبى دؤاد ولم يمتحن بعده أحدا. ذكره الخطيب في تاريخه باسناد فيه بعض من لا يعرف، وساق قصته مطولة. وقد أنشد ثعلب عن أبى حجاج الأعرابي أنه قال في ابن أبى دؤاد: نكست الدين يا ابن أبى دؤاد … فأصبح من أطاعك في ارتداد زعمت كلام ربك كان خلقا … أما لك عند ربك من معاد كلام الله أنزله بعلم … على جبريل إلى خير العباد (١) ومن أمسى ببابك مستضيفا … كمن حلّ الفلاة بغير زاد لقد أطرفت يا ابن أبى دؤاد … بقولك إنني رجل إيادي ثم قال الخطيب: أنبأ القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبري قال: أنشدنا المعافى بن زكريا الجريريّ عن محمد بن يحيى الصولي لبعضهم يهجو ابن أبى دؤاد: لو كنت في الرأى منسوبا إلى رشد … وكان عزمك عزما فيه توفيق وقد تقدمت هذه الأبيات. وروى الخطيب عن أحمد بن الموفق أو يحيى الجلاء أنه قال: ناظرنى رجل من الواقفية في خلق القرآن فنالني منه ما أكره، فلما أمسيت أتيت امرأتي فوضعت لي العشاء فلم أقدر أن أنال منه شيئا، فنمت فرأيت رسول الله ﷺ في المسجد الجامع وهناك حلقة فيها أحمد بن حنبل وأصحابه، فجعل رسول الله ﷺ يقرأ هذه الآية ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ ويشير إلى حلقة ابن أبى دؤاد (فقد وكلنا)

стр. 3505

(بها قوما ليسوا بها بكافرين) ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه. وقال بعضهم: رأيت في المنام كأن قائلا يقول: هلك الليلة أحمد بن أبى دؤاد. فقلت له: وما سبب هلاكه؟ فقال: إنه أغضب الله عليه فغضب عليه من فوق سبع سماوات. وقال غيره: رأيت ليلة مات ابن أبى دؤاد كأن النار زفرت زفرة عظيمة فخرج منها لهب فقلت: ما هذا؟ فقيل هذا أنجزت لابن أبى دؤاد. وقد كان هلاكه في يوم السبت لسبع بقين من المحرم من هذه السنة، وصلى عليه ابنه العباس ودفن في داره ببغداد وعمره يومئذ ثمانون سنة، وابتلاه الله بالفالج قبل موته بأربع سنين حتى بقي طريحا في فراشه لا يستطيع أن يحرك شيئا من جسده، وحرم لذة الطعام والشراب والنكاح وغير ذلك. وقد دخل عليه بعضهم فقال: والله ما جئتك عائدا وإنما جئتك لأعزيك في نفسك وأحمد الله الّذي سجنك في جسدك الّذي هو أشد عليك عقوبة من كل سجن، ثم خرج عنه داعيا عليه بأن يزيده الله ولا ينقصه مما هو فيه، فازداد مرضا إلى مرضه. وقد صودر في العام الماضي بأموال جزيلة جدا، ولو كان يحمل العقوبة لوضعها عليه المتوكل. قال ابن خلكان: كان مولده في سنة ستين ومائة. قلت: فعلى هذا يكون أسن من أحمد بن حنبل ومن يحيى بن أكثم الّذي ذكر ابن خلكان أن ابن أكثم كان سبب اتصال ابن أبى دؤاد بالخليفة المأمون، فحظي عنده بحيث إنه أوصى به إلى أخيه المعتصم، فولاه المعتصم القضاء والمظالم، وكان ابن الزيات الوزير يبغضه، وجرت بينهما منافسات وهجو، وقد كان لا يقطع أمرا بدونه. وعزل ابن أكثم عن القضاء وولاه مكانه، وهذه المحنة التي هي أس ما بعدها من المحن، والفتنة التي فتحت على الناس باب الفتن. ثم ذكر ابن خلكان ما ضرب به الفالج وما صودر به من المال، وأن ابنه أبا الوليد محمد صودر بألف ألف دينار، ومائتي ألف دينار، وأنه مات قبل أبيه بشهر. وأما ابن عساكر فإنه بسط القول في ترجمته وشرحها شرحا جيدا. وقد كان الرجل أديبا فصيحا كريما جوادا ممدحا يؤثر العطاء على المنع، والتفرقة على الجمع. وقد روى ابن عساكر باسناده أنه جلس يوما مع أصحابه ينتظرون خروج الواثق فقال ابن أبى دؤاد إنه ليعجبني هذان البيتان: ولى نظرة لو كان يحبل ناظر … بنظرته أنثى لقد حبلت منى فان ولدت ما بين تسعة أشهر … إلى نظر ابنا فان ابنها منى وممن توفى فيها من الأعيان أبو ثور إبراهيم بن خالد الكلبي أحد الفقهاء المشاهير. قال الامام أحمد: هو عندنا في مسلاخ الثوري. وخليفة بن خياط أحد أئمة التاريخ وسويد بن سعد الحدثانى وسيد بن نصر. وعبد السلام بن سعيد الملقب بسحنون أحد فقهاء المالكية المشهورين. وعبد الواحد ابن غياث. وقتيبة بن سعيد شيخ الأئمة والسنة. وأبو العميثل عبد الله بن خالد كاتب عبد الله بن

стр. 3506

طاهر وشاعره، كان عالما باللغة وله فيها مصنفات عديدة أورد منها ابن خلكان جملة، ومن شعره يمدح عبد الله بن طاهر: يا من يحاول أن تكون صفاته … كصفات عبد الله أنصت واسمع فلأنصحنك في خصال والّذي … حج الحجيج إليه فاسمع أودع أصدق وعفّ وبرّ واصبر واحتمل … واصفح وكافئ دار وأحلم وأشجع والطف ولن وتأن وارفق واتئد … واحزم وجد وحام واحمل وادفع فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي … وهديت للنهج الأسد المهيع وأما سحنون المالكي صاحب المدونة فهو أبو سعيد عبد السلام بن سعيد بن جندب بن حسان بن هلال بن بكار بن ربيعة التنوخي، أصله من مدينة حمص، فدخل به أبوه مع جندها بلاد المغرب فأقام بها، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك هنالك، وكان قد تفقه على ابن القاسم، وسببه أنه قدم أسد بن الفرات صاحب الامام مالك من بلاد العرب إلى بلاد مصر فسأل عبد الرحمن بن القاسم صاحب مالك عن أسئلة كثيرة فأجابه عنها، فعقلها عنه ودخل بها بلاد المغرب فانتسخها منه سحنون، ثم قدم على ابن القاسم مصر فأعاد أسئلته عليه فزاد فيها ونقص، ورجع عن أشياء منها، فرتبها سحنون ورجع بها إلى بلاد المغرب، وكتب معه ابن القاسم إلى أسد بن الفرات أن يعرض نسخته على نسخة سحنون ويصلحها بها فلم يقبل، فدعى عليه ابن القاسم فلم ينتفع به ولا بكتابه، وصارت الرحلة إلى سحنون، وانتشرت عنه المدونة، وساد أهل ذلك الزمان، وتولى القضاء بالقيروان إلى أن توفى في هذه السنة عن ثمانين سنة ﵀ وإيانا. ثم دخلت سنة إحدى وأربعين ومائتين في جمادى الأولى أو الآخرة من هذه السنة وثب أهل حمص أيضا على عاملهم محمد بن عبدويه فأرادوا قتله، وساعدهم نصارى أهلها أيضا عليه، فكتب إلى الخليفة يعلمه بذلك، فكتب إليه يأمره بمناهضتهم، وكتب إلى متولى دمشق أن يمده بجيش من عنده ليساعده على أهل حمص، وكتب إليه أن يضرب ثلاثة منهم معروفين بالشر بالسياط حتى يموتوا، ثم يصلبهم على أبواب البلد، وأن يضرب عشرين آخرين منهم كل واحد ثلاثمائة، وأن يرسلهم إلى سامرا مقيدين في الحديد، وأن يخرج كل نصراني بها ويهدم كنيستها العظمى التي إلى جانب المسجد الجامع، وأن يضيفها إليه، وأمر له بخمسين ألف درهم، وللأمراء الذين ساعدوه بصلاة سنية. فامتثل ما أمره به الخليفة فيهم. وفيها أمر الخليفة المتوكل على الله بضرب رجل من أعيان أهل بغداد يقال له عيسى بن

стр. 3507

جعفر بن محمد بن عاصم، فضرب ضربا شديدا مبرحا، يقال إنه ضرب ألف سوط حتى مات. وذلك أنه شهد عليه سبعة عشر رجلا عند قاضى الشرقية أبى حسان الزيادي أنه يشتم أبا بكر وعمر وعائشة وحفصة ﵃. فرفع أمره إلى الخليفة فجاء كتاب الخليفة إلى محمد بن عبد الله بن طاهر بن الحسين نائب بغداد يأمره أن يضربه بين الناس حد السب، ثم يضرب بالسياط حتى يموت ويلقى في دجلة ولا يصلى عليه، ليرتدع بذلك أهل الإلحاد والمعاندة. ففعل معه ذلك قبحه الله ولعنه. ومثل هذا يكفر إن كان قد قذف عائشة بالإجماع، وفيمن قذف سواها من أمهات المؤمنين قولان، والصحيح أنه يكفر أيضا، لأنهن أزواج رسول الله ﷺ ورضى عنهن. قال ابن جرير: وفي هذه السنة انقضت الكواكب ببغداد وتناثرت، وذلك ليلة الخميس لليلة خلت من جمادى الآخرة. قال: وفيها مطر الناس في آب مطرا شديدا جدا. قال: وفيها مات من الدواب شيء كثير ولا سيما البقر. قال: وفيها أغارت الروم على عين زربة فأسروا من بها من الزط وأخذوا نساءهم وذراريهم ودوابهم. قال: وفيها كان الفداء بين المسلمين والروم في بلاد طرسوس بحضرة قاضى القضاة جعفر بن عبد الواحد، عن إذن الخليفة له في ذلك، واستنابته ابن أبى الشوارب. وكانت عدة الأسرى من المسلمين سبعمائة وخمسة وثمانين رجلا، ومن النساء مائة وخمسا وعشرين امرأة، وقد كانت أم الملك تدورة لعنها الله عرضت النصرانية على من كان في يدها من الأسارى، وكانوا نحوا من عشرين ألفا فمن أجابها إلى النصرانية وإلا قتلته، فقتلت اثنى عشر ألفا وتنصر بعضهم، وبقي منهم هؤلاء الذين فودوا وهم قريب من التسعمائة رجالا ونساء. وفيها أغارت البجة على جيش من أرض مصر، وقد كانت البجة لا يغزون المسلمين قبل ذلك، لهدنة كانت لهم من المسلمين، فنقضوا الهدنة وصرحوا بالخلاف. والبجة طائفة من سودان بلاد المغرب، وكذا النوبة وشنون وزغرير ويكسوم وأمم كثيرة لا يعلمهم إلا الله. وفي بلاد هؤلاء معادن الذهب والجوهر، وكان عليهم حمل في كل سنة إلى ديار مصر من هذه المعادن، فلما كانت دولة المتوكل امتنعوا من أداء ما عليهم سنين متعددة، فكتب نائب مصر - وهو يعقوب بن إبراهيم الباذغيسي مولى الهادي وهو المعروف بقوصرة - بذلك كله إلى المتوكل، فغضب المتوكل من ذلك غضبا شديدا، وشاور في أمر البجة فقيل له: يا أمير المؤمنين إنهم قوم أهل إبل وبادية، وإن بلادهم بعيدة ومعطشة، ويحتاج الجيش الذاهبون إليها أن يتزودوا لمقامهم بها طعاما وماء، فصده ذلك عن البعث إليهم، ثم بلغه أنهم يغيرون على أطراف الصعيد، ويخشى أهل مصر على أولادهم منهم، فجهز لحربهم محمد بن عبد الله القمي، وجعل إليه نيابة تلك البلاد كلها المتاخمة لأرضهم، وكتب إلى عمال مصر أن يعينوه بكل ما يحتاج إليه من الطعام وغير ذلك، فتخلص وتخلص معه من الجيوش

стр. 3508

الذين انضافوا إليه من تلك البلاد حتى دخل بلادهم في عشرين ألف فارس وراجل، وحمل معه الطعام والإدام في مراكب سبعة، وأمر الذين هم بها أن يلجوا بها في البحر فيوافوه بها إذا توسط بلاد البجة، ثم سار حتى دخل بلادهم وجاوز معادنهم وأقبل إليه ملك البجة - واسمه على بابا - في جمع عظيم أضعاف من معه محمد بن عبد الله القمي، وهم قوم مشركون يعبدون الأصنام، فجعل الملك يطاول المسلمين لعله تنفد أزوارهم فيأخذونهم بالأيدي، فلما نفد ما عند المسلمين طمع فيهم السودان فيسر الله وله الحمد بوصول تلك المراكب وفيها من الطعام، والتمر والزيت وغير ذلك مما يحتاجون إليه شيء كثير جدا فقسمه الأمير بين المسلمين بحسب حاجاتهم، فيئس السودان من هلاك المسلمين جوعا فشرعوا في التأهب لقتال المسلمين، ومركبهم الإبل شبيهة بالهجن زعرة جدا كثيرة النفار، لا تكاد ترى شيئا ولا تسمع شيئا إلا جفلت منه. فلما كان يوم الحرب عمد أمير المسلمين إلى جميع الأجراس التي معهم في الجيش فجعلها في رقاب الخيول، فلما كانت الوقعة حمل المسلمون حملة رجل واحد، فنفرت بهم إبلهم من أصوات تلك الاجراس في كل وجه، وتفرقوا شذر مذر، واتبعهم المسلمون يقتلون من شاءوا، لا يمتنع منهم أحد، فلا يعلم عدد من قتلوا منهم إلا الله . ثم أصبحوا وقد اجتمعوا رجالة فكبسهم القمي من حيث لا يشعرون فقتل عامة من بقي منهم وأخذ ملكهم بالأمان، وأدى ما كان عليه من الحمل، وأخذه معه أسيرا إلى الخليفة. وكانت هذه الوقعة في أول يوم من هذه السنة، فولاه الخليفة على بلاده كما كان، وجعل إلى ابن القمي أمر تلك الناحية والنظر في أمرها ولله الحمد والمنة. قال ابن جرير: ومات في هذه السنة يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة في جمادى الآخرة. قلت: وهذا الرجل كان نائبا على الديار المصرية من جهة المتوكل. وفيها حج بالناس عبد الله بن محمد ابن داود، وحج جعفر بن دينار وهو والى طريق مكة وأحداث الموسم، ولم يتعرض ابن جرير لوفاة أحد من المحدثين في هذه السنة، وقد توفى من الأعيان الإمام أحمد بن حنبل، وجبارة بن المغسل الحماني، وأبو ثوبة الحلبي. وعيسى بن حماد سجادة. ويعقوب بن حميد بن كاسب. ولنذكر شيئا من ترجمة الإمام أحمد بن حنبل فنقول وبالله المستعان: هو أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان بن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمي بن جديلة بن أسد بن ربيعة ابن نزار بن معد بن عدنان بن أد بن أدد بن الهميسع بن حمل بن النبت بن قيدار بن إسماعيل بن إبراهيم الخليل ﵉ أبو عبد الله الشيباني ثم المروزي ثم البغدادي، هكذا ساق نسبه

стр. 3509

الحافظ الكبير أبو بكر البيهقي في الكتاب الّذي جمعه في مناقب أحمد عن شيخه الحافظ أبى عبد الله الحاكم صاحب المستدرك، وروى عن صالح بن الامام أحمد قال: رأى أبى هذا النسب في كتاب لي فقال: وما تصنع به؟ ولم ينكر النسب. قالوا: وقدم به أبوه من مرو وهو حمل فوضعته أمه ببغداد في ربيع الأول من سنة أربع وستين ومائة، وتوفى أبوه وهو ابن ثلاث سنين فكفلته أمه. قال صالح عن أبيه: فثقبت أذنى وجعلت فيها لؤلؤتين فلما كبرت دفعتهما إلى فبعتهما بثلاثين درهما. وتوفى أبو عبد الله أحمد بن حنبل يوم الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، وله من العمر سبع وسبعون سنة ﵀. وقد كان في حداثته يختلف إلى مجلس القاضي أبى يوسف، ثم ترك ذلك وأقبل على سماع الحديث، فكان أول طلبه للحديث وأول سماعه من مشايخه في سنة سبع وثمانين ومائة، وقد بلغ من العمر ست عشرة سنة، وأول حجة حجها في سنة سبع وثمانين ومائة، ثم سنة إحدى وتسعين. وفيها حج الوليد بن مسلم، ثم سنة ست وتسعين، وجاور في سنة سبع وتسعين، ثم حج في سنة ثمان وتسعين، وجاور إلى سنة تسع وتسعين سافر إلى عند عبد الرزاق إلى اليمن، فكتب عنه هو ويحيى بن معين وإسحاق بن راهويه. قال الامام أحمد: حججت خمس حجج منها ثلاث راجلا، أنفقت في إحدى هذه الحجج ثلاثين درهما. قال: وقد ضللت في بعضها عن الطريق وأنا ماش فجعلت أقول: يا عباد الله دلوني على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقفت على الطريق. قال: وخرجت إلى الكوفة فكنت في بيت تحت رأسي لبنة، ولو كان عندي تسعون درهما كنت رحلت إلى جرير بن عبد الحميد إلى الري وخرج بعض أصحابنا ولم يمكني الخروج لأنه لم يمكن عندي شيء. وقال ابن أبى حاتم عن أبيه عن حرملة: سمعت الشافعيّ قال: وعدني أحمد بن حنبل أن يقدم على مصر فلم يقدم. قال ابن أبى حاتم: يشبه أن تكون خفة ذات اليد منعته أن يفى بالعدة. وقد طاف أحمد بن حنبل في البلاد والآفاق، وسمع من مشايخ العصر، وكانوا يجلونه ويحترمونه في حال سماعه منهم، وقد سرد شيخنا في تهذيبه أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم، وكذلك الرواة عنه. قال البيهقي بعد أن ذكر جماعة من شيوخ الإمام أحمد: وقد ذكر أحمد بن حنبل في المسند وغيره الرواية عن الشافعيّ، وأخذ عنه جملة من كلامه في أنساب قريش، وأخذ عنه من الفقه ما هو مشهور، وحين توفى أحمد وجدوا في تركته رسالتي الشافعيّ القديمة والجديدة. قلت: قد أفرد ما رواه أحمد عن الشافعيّ وهي أحاديث لا تبلغ عشرين حديثا، ومن أحسن ما رويناه عن الإمام أحمد عن الشافعيّ عن مالك بن أنس عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب ابن مالك عن أبيه قال قال رسول الله ﷺ : «نسمة المؤمن طائر تعلق في شجر الجنة حتى يرجعه»

стр. 3510

«إلى جسده يوم بعث». وقد قال الشافعيّ لأحمد لما اجتمع به في الرحلة الثانية إلى بغداد سنة تسعين (١) ومائة وعمر أحمد إذ ذاك نيف وثلاثون سنة. قال له: يا أبا عبد الله إذا صح عندكم الحديث فأعلمني به أذهب إليه حجازيا كان أو شاميا أو عراقيا أو يمنيا - يعنى لا يقول بقول فقهاء الحجاز الذين لا يقبلون إلا رواية الحجازيين وينزلون أحاديث من سواهم منزلة أحاديث أهل الكتاب - وقول الشافعيّ له هذه المقالة تعظيم لأحمد وإجلال له وانه عنده بهذه المثابة إذا صحح أو ضعف يرجع إليه. وقد كان الامام أحمد بهذه المثابة عند الأئمة والعلماء كما سيأتي ثناء الأئمة عليه واعترافهم له بعلو المكانة في العلم والحديث، وقد بعد صيته في زمانه واشتهر اسمه في شبيبته في الآفاق. ثم حكى البيهقي كلام أحمد في الايمان وأنه قول وعمل ويزيد وينقص، وكلامه في القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنكاره على من يقول: إن لفظه بالقرآن مخلوق يريد به القرآن. قال: وفيها حكى أبو عمارة وأبو جعفر أخبرنا أحمد شيخنا السراج عن أحمد بن حنبل أنه قال: اللفظ محدث. واستدل بقوله (ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد) قال: فاللفظ كلام الآدميين. وروى غيرهما عن أحمد أنه قال: القرآن كيف ما تصرف فيه غير مخلوق، وأما أفعالنا فهي مخلوقة. قلت: وقد قرر البخاري في هذا المعنى في أفعال العباد وذكره أيضا في الصحيح، واستدل بقوله ﵇: «زينوا القرآن بأصواتكم». ولهذا قال غير واحد من الأئمة: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القاري. وقد قرر البيهقي ذلك أيضا. [وروى البيهقي من طريق إسماعيل بن محمد بن إسماعيل السلمي عن أحمد أنه قال: من قال: القرآن محدث فهو كافر. ومن طريق أبى الحسن الميموني عن أحمد أنه أجاب الجهمية حين احتجوا عليه بقوله تعالى: ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اِسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾. قال: يحتمل أن يكون تنزيله إلينا هو المحدث، لا الذكر نفسه هو المحدث. وعن حنبل عن أحمد أنه قال: يحتمل أن يكون ذكر آخر غير القرآن، وهو ذكر رسول الله ﷺ أو وعظه إياهم. ثم ذكر البيهقي كلام الإمام أحمد] (٢) في رؤية الله في الدار الآخرة، واحتج بحديث صهيب في الرؤية وهي زيادة، وكلامه في نفى التشبيه وترك الخوض في الكلام والتمسك بما ورد في الكتاب والسنة عن النبي ﷺ وعن أصحابه [وروى البيهقي عن الحاكم عن أبى عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى: ﴿وَجاءَ رَبُّكَ﴾ أنه جاء ثوابه. ثم قال البيهقي: وهذا إسناد لا غبار عليه.] (٣) وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو بكر بن عياش ثنا عاصم عن زر عن عبد الله - هو ابن مسعود -

стр. 3511

قال: ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئا فهو عند الله سيئ. وقد رأى الصحابة جميعا أن يستخلفوا أبا بكر ﵁ إسناد صحيح. قلت: وهذا الأثر فيه حكاية إجماع عن الصحابة في تقديم الصديق. والأمر كما قاله ابن مسعود، وقد نص على ذلك غير واحد من الأئمة. وقد قال أحمد حين اجتاز بحمص وقد حمل إلى المأمون في زمن المحنة ودخل عليه عمرو بن عثمان الحمصي فقال له: ما تقول في الخلافة؟ فقال: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على، ومن قدم عليا على عثمان فقد أزرى بأصحاب الشورى لأنهم قدموا عثمان ﵁. فصل في ورعه وتقشفه وزهده ﵀ ورضى عنه روى البيهقي من طريق المزني عن الشافعيّ أنه قال للرشيد: إن اليمن يحتاج إلى قاض، فقال له: اختر رجلا نوله إياها. فقال الشافعيّ لأحمد بن حنبل وهو يتردد إليه في جملة من يأخذ عنه: ألا تقبل قضاء اليمن؟ فامتنع من ذلك امتناعا شديدا وقال للشافعي: إني إنما أختلف إليك لأجل العلم المزهد في الدنيا، فتأمرني أن ألي القضاء؟ ولولا العلم لما أكلمك بعد اليوم. فاستحى الشافعيّ منه. وروى أنه كان لا يصلى خلف عمه إسحاق بن حنبل، ولا خلف بنيه ولا يكلمهم أيضا، لأنهم أخذوا جائزة السلطان. ومكث مرة ثلاثة أيام لا يجد ما يأكله حتى بعث إلى بعض أصحابه فاستقرض منه دقيقا فعرف أهله حاجته إلى الطعام فعجلوا وعجنوا وخبزوا له سريعا فقال: ما هذه العجلة! كيف خبزتم؟ فقالوا: وجدنا تنور بيت صالح مسجورا فخبزنا لك فيه. فقال: ارفعوا، ولم يأكل وأمر بسد بابه إلى دار صالح. قال البيهقي: لأن صالحا أخذه جائزة السلطان، وهو المتوكل على الله. وقال عبد الله ابنه: مكث أبى بالعسكر عند الخليفة ستة عشر يوما لم يأكل فيها إلا ربع مد سويقا، يفطر بعد كل ثلاث ليال على سفة منه حتى رجع إلى بيته، ولم ترجع إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر. وقد رأيت موقيه دخلا في حدقتيه. قال البيهقي: وقد كان الخليفة يبعث إليه المائدة فيها أشياء كثيرة من الأنواع وكان أحمد لا يتناول منها شيئا. قال: وبعث المأمون مرة ذهبا يقسم على أصحاب الحديث فما بقي منهم أحد إلا أخذ إلا أحمد بن حنبل فإنه أبى. وقال سليمان الشاذكوني: حضرت أحمد وقد رهن سطلا له عند فامي باليمن، فلما جاءه بفكاكه أخرج له سطلين فقال: خذ متاعك منهما. فاشتبه عليه أيهما له فقال: أنت في حل منه ومن الفكاك، وتركه وذهب. وحكى ابنه عبد الله قال: كنا في زمن الواثق في ضيق شديد، فكتب رجل إلى أبى: إن عندي أربعة آلاف درهم ورثتها من أبى وليست صدقة ولا زكاة، فان رأيت أن تقبلها. فامتنع من ذلك، وكرر عليه فأبى، فلما كان بعد حين ذكرنا ذلك فقال أبى: لو كنا قبلناها كانت ذهبت وأكلناها، وعرض عليه بعض التجار عشرة آلاف درهم ربحها من بضاعة جعلها

стр. 3512

باسمه فأبى أن يقبلها وقال: نحن في كفاية وجزاك الله عن قصدك خيرا. وعرض عليه تاجر آخر ثلاثة آلاف دينار فامتنع من قبولها وقام وتركه. ونفدت نفقة أحمد وهو في اليمن فعرض عليه شيخه عبد الرزاق ملء كفه دنانير فقال: نحن في كفاية ولم يقبلها. وسرقت ثيابه وهو باليمن فجلس في بيته ورد عليه الباب وفقده أصحابه فجاءوا إليه فسألوه فأخبرهم فعرضوا عليه ذهبا فلم يقبله ولم يأخذه منهم إلا دينارا واحدا ليكتب لهم به فكتب لهم بالأجر ﵀. وقال أبو داود: كانت مجالس أحمد مجالس الآخرة لا يذكر فيها شيء من أمر الدنيا، وما رأيت أحمد بن حنبل ذكر الدنيا قط. وروى البيهقي أن أحمد سئل عن التوكل فقال: هو قطع الاستشراف باليأس من الناس، فقيل له: هل من حجة على هذا؟ قال: نعم! إن إبراهيم لما رمى به في النار في المنجنيق عرض له جبريل فقال: هل لك من حاجة؟ قال: أما إليك فلا، قال: فسل من لك إليه حاجة. فقال: أحب الأمرين إليّ أحبهما إليه. وعن أبى جعفر محمد بن يعقوب الصفار قال: كنا مع أحمد بن حنبل بسر من رأى فقلنا: ادع الله لنا فقال: اللهمّ إنك تعلم أنك على أكثر مما نحب فاجعلنا على ما تحب دائما. ثم سكت. فقلنا: زدنا فقال: اللهمّ إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسماوات والأرض (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) اللهمّ وفقنا لمرضاتك، اللهمّ إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهمّ لا تكثر لنا فنطغى ولا تقل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك وسعة رزقك ما يكون بلاغا لنا في دنيانا، وغنى من فضلك. قال البيهقي: وفي حكاية أبى الفضل التميمي عن أحمد: وكان يدعو في السجود: اللهم من كان من هذه الأمة على غير الحق وهو يظن أنه على الحق فرده إلى الحق ليكون من أهل الحق. وكان يقول: اللهمّ إن قبلت عن عصاة أمة محمد ﷺ فداء فاجعلني فداء لهم. وقال صالح بن أحمد: كان أبى لا يدع أحدا يستقى له الماء للوضوء، بل كان يلي ذلك بنفسه، فإذا خرج الدلو ملآن قال: الحمد لله. فقلت: يا أبة ما الفائدة بذلك؟ فقال: يا بنى أما سمعت قول الله ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ﴾ والأخبار عنه في هذا الباب كثيرة جدا. وقد صنف أحمد في الزهد كتابا حافلا عظيما لم يسبق إلى مثله، ولم يلحقه أحد فيه. والمظنون بل المقطوع به أنه إنما كان يأخذ بما أمكنه منه ﵀. وقال إسماعيل بن إسحاق السراج: قال لي أحمد بن حنبل: هل تستطيع أن تريني الحارث المحاسبي إذا جاء منزلك؟ فقلت: نعم! وفرحت بذلك، ثم ذهبت إلى الحارث فقلت له: إني أحب أن تحضر الليلة عندي أنت وأصحابك. فقال: إنهم كثير فأحضر لهم التمر والكسب. فلما كان بين العشاءين جاءوا وكان الإمام أحمد قد سبقهم فجلس في غرفة بحيث يراهم ويسمع كلامهم ولا يرونه، فلما صلوا العشاء الآخرة لم يصلوا بعدها شيئا، بل جاءوا فجلسوا بين يدي الحارث سكوتا

стр. 3513

مطرقى الرءوس، كأنما على رءوسهم الطير، حتى إذا كان قريبا من نصف الليل سأله رجل مسألة فشرع الحارث يتكلم عليها وعلى ما يتعلق بها من الزهد والورع والوعظ، فجعل هذا يبكى وهذا يئن وهذا يزعق، قال: فصعدت إلى الإمام أحمد إلى الغرفة فإذا هو يبكى حتى كاد يغشى عليه، ثم لم يزالوا كذلك حتى الصباح، فلما أرادوا الانصراف قلت: كيف رأيت هؤلاء يا أبا عبد الله؟ فقال: ما رأيت أحدا يتكلم في الزهد مثل هذا الرجل، وما رأيت مثل هؤلاء، ومع هذا فلا أرى لك أن تجتمع بهم. قال البيهقي: يحتمل أنه كرّه له صحبتهم لأن الحارث بن أسد، وإن كان زاهدا، فإنه كان عنده شيء من علم الكلام، وكان أحمد يكره ذلك، أو كره له صحبتهم من أجل أنه لا يطيق سلوك طريقتهم وما هم عليه من الزهد والورع. قلت: بل إنما كره ذلك لأن في كلامهم من التقشف وشدة السلوك التي لم يرد بها الشرع والتدقيق والمحاسبة الدقيقة البليغة ما لم يأت بها أمر، ولهذا لما وقف أبو زرعة الرازيّ على كتاب الحارث المسمى بالرعاية قال: هذا بدعة. ثم قال للرجل الّذي جاء بالكتاب: عليك بما كان عليه مالك والثوري والأوزاعي والليث، ودع عنك هذا فإنه بدعة. وقال إبراهيم الحربي: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إن أحببت أن يدوم الله لك على ما تحب فدم له على ما يحب. وقال: الصبر على الفقر مرتبة لا ينالها إلا الأكابر. وقال: الفقر أشرف من الغنى، فان الصبر عليه مرارة وانزعاجه أعظم حالا من الشكر. وقال: لا أعدل بفضل الفقر شيئا. وكان يقول: على العبد أن يقبل الرزق بعد اليأس، ولا يقبله إذا تقدمه طمع أو استشراف. وكان يحب التقلل من الدنيا لأجل خفة الحساب. وقال إبراهيم قال رجل لأحمد: هذا العلم تعلمته لله؟ فقال له أحمد: هذا شرط شديد ولكن حبب إلى شيء فجمعته. وفي رواية أنه قال: أما لله فعزيز، ولكن حبب إلى شيء فجمعته. وروى البيهقي أن رجلا جاء إلى الإمام أحمد فقال: إن أمى زمنة مقعدة منذ عشرين سنة، وقد بعثتني إليك لتدعو لها، فكأنه غضب من ذلك وقال: نحن أحوج أن تدعو هي لنا من أن ندعو لها. ثم دعا الله لها. فرجع الرجل إلى أمه فدق الباب فخرجت إليه على رجليها وقالت: قد وهبنى الله العافية. وروى أن سائلا سأل فأعطاه الامام أحمد قطعة فقام رجل إلى السائل فقال: هبنى هذه القطعة حتى أعطيك عوضها، ما تساوى درهما. فأبى فرقاه إلى خمسين درهما وهو يأبى وقال: إني أرجو من بركتها ما ترجوه أنت من بركتها. ثم قال البيهقي ﵀: باب ذكر ما جاء في محنة أبى عبد الله أحمد بن حنبل في أيام المأمون ثم المعتصم ثم الواثق بسبب القرآن العظيم وما أصابه من الحبس الطويل والضرب الشديد والتهديد بالقتل بسوء العذاب وأليم العقاب، وقلة مبالاته بما كان منهم في ذلك إليه وصبره عليه وتمسكه بما كان عليه من الدين القويم والصراط المستقيم، وكان أحمد عالما بما ورد بمثل حاله من

стр. 3514

الآيات المتلوة، والأخبار المأثورة، وبلغه ما أوصى به في المنام واليقظة فرضى وسلم إيمانا واحتسابا، وفاز بخير الدنيا ونعيم الآخرة، وهيأه الله بما آتاه من ذلك ليلوغ أعلى منازل أهل البلاء في الله من أوليائه، وألحق به محبيه فيما نال من كرامة الله تعالى إن شاء الله من غير بلية وبالله التوفيق والعصمة. قال الله تعالى ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * الم * أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ﴾ وقال الله تعالى ﴿وَاِصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ في سواها في معنى ما كتبنا. وقد روى الامام أحمد الممتحن في مسندة قائلا فيه: حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة عن عاصم بن بهدلة سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد قال: سألت رسول الله ﷺ : أي الناس أشد بلاء؟ فقال: «الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الله الرجل على حسب دينه، فان كان رقيق الدين ابتلى على حسب ذلك، وإن كان صلب الدين ابتلى على حسب ذلك، وما يزال البلاء بالرجل حتى يمشى على الأرض وما عليه خطيئة». وقد روى مسلم في صحيحة قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أنس. قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاثة من كن فيه فقد وجد حلاوة الايمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع الى الكفر بعد إذ أنقذه الله منه». أخرجاه في الصحيحين. وقال أبو القاسم البغوي: حدثنا أحمد بن حنبل ثنا أبو المغيرة ثنا صفوان بن عمرو السكسكي ثنا عمرو بن قيس السكونيّ ثنا عاصم بن حميد قال: سمعت معاذ بن جبل يقول: «إنكم لم تروا إلا بلاء وفتنة، ولن يزداد الأمر إلا شدة، ولا الأنفس إلا شحا». وبه قال معاذ: «لن تروا من الأئمة إلا غلظة ولن تروا أمرا يهولكم ويشتد عليكم إلا حضر بعده ما هو أشد منه». قال البغوي: سمعت أحمد يقول: اللهمّ رضنا. وروى البيهقي عن الربيع قال بعثني الشافعيّ بكتاب من مصر إلى أحمد بن حنبل، فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب فقال: أقرأته؟ فقلت: لا! فأخذه فقرأه فدمعت عيناه، فقلت: يا أبا عبد الله وما فيه؟ فقال: يذكر أنه رأى رسول الله ﷺ في المنام فقال: اكتب إلى أبى عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه منى السلام وقل له: إنك ستمتحن وتدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم، يرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت حلاوة البشارة، فخلع قميصه الّذي يلي جلده فأعطانيه، فلما رجعت إلى الشافعيّ أخبرته فقال: إني لست أفجعلك فيه، ولكن بله بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به. ذكر ملخص الفتنة والمحنة مجموعا من كلام أئمة السنة أثابهم الله الجنة قد ذكرنا فيما تقدم أن المأمون كان قد استحوذ عليه جماعة من المعتزلة فأزاغوه عن طريق الحق

стр. 3515

إلى الباطل، وزينوا له القول بخلق القرآن ونفى الصفات عن الله . قال البيهقي: ولم يكن في الخلفاء قبله من بنى أمية وبنى العباس خليفة الأعلى مذهب السلف ومنهاجهم، فلما ولى هو الخلافة اجتمع به هؤلاء فحملوه على ذلك وزينوا له، واتفق خروجه إلى طرسوس لغزو الروم فكتب إلى نائبة ببغداد إسحاق بن إبراهيم بن مصعب يأمره أن يدعو الناس إلى القول بخلق القرآن، واتفق له ذلك آخر عمره قبل موته بشهور من سنة ثماني عشرة ومائتين. فلما وصل الكتاب كما ذكرنا استدعى جماعة من أئمة الحديث فدعاهم إلى ذلك فامتنعوا، فتهددهم بالضرب وقطع الأرزاق فأجاب أكثرهم مكرهين: واستمر على الامتناع من ذلك الامام أحمد بن حنبل، ومحمد بن نوح الجنديسابوري، فحملا على بعير وسيرا إلى الخليفة عن أمره بذلك، وهما مقيدان متعادلان في محمل على بعير واحد فلما كانا ببلاد الرحبة جاءهما رجل من الأعراب من عبادهم يقال له جابر بن عامر، فسلم على الامام أحمد وقال له: يا هذا إنك وافد الناس فلا تكن شؤما عليهم، وإنك رأس الناس اليوم فإياك أن تجيبهم إلى ما يدعونك إليه فيجيبوا، فتحمل أوزارهم يوم القيامة، وإن كنت تحب الله فاصبر على ما أنت فيه، فإنه ما بينك وبين الجنة إلا أن تقتل، وإنك إن لم تقتل تمت، وإن عشت عشت حميدا. قال: أحمد: وكان كلامه مما قوى عزمي على ما أنا فيه من الامتناع من ذلك الّذي يدعونني إليه. فلما اقتربا من جيش الخليفة ونزلوا دونه بمرحلة جاء خادم وهو يمسح دموعه بطرف ثوبه ويقول: يعز على يا أبا عبد الله إن المأمون قد سل سيفا لم يسله قبل ذلك، وأنه يقسم بقرابته من رسول الله ﷺ لئن لم تجبه إلى القول بخلق القرآن ليقتلنك بذلك السيف. قال: فجثى الامام أحمد على ركبتيه ورمق بطرفه إلى السماء وقال: سيدي غر حلمك هذا الفاجر حتى تجرأ على أوليائك بالضرب والقتل، اللهمّ فان يكن القرآن كلامك غير مخلوق فاكفنا مؤنته. قال: فجاءهم الصريخ بموت المأمون في الثلث الأخير من الليل. قال أحمد: ففرحنا، ثم جاء الخبر بأن المعتصم قد ولى الخلافة وقد انضم إليه أحمد بن أبى دؤاد، وأن الأمر شديد، فردونا إلى بغداد في سفينة مع بعض الأسارى، ونالني منهم أذى كثير، وكان في رجليه القيود، ومات صاحبه محمد بن نوح في الطريق وصلى عليه أحمد، فلما رجع أحمد إلى بغداد دخلها في رمضان، فأودع في السجن نحوا من ثمانية وعشرين شهرا، وقيل نيفا وثلاثين شهرا، ثم أخرج إلى الضرب بين يدي المعتصم. وقد كان أحمد وهو في السجن هو الّذي يصلى في أهل السجن والقيود في رجليه. ذكر ضربه ﵁ بين يدي المعتصم عليه من الله ما يستحقه لما أحضره المعتصم من السجن زاد في قيوده، قال أحمد: فلم أستطع أن أمشى بها فربطتها في

стр. 3516

التكة وحملتها بيدي، ثم جاءوني بدابة فحملت عليها فكدت أن أسقط على وجهي من ثقل القيود وليس معى أحد يمسكنى، فسلم الله حتى جئنا دار المعتصم، فأدخلت في بيت وأغلق عليّ وليس عندي سراج، فأردت الوضوء فمددت يدي فإذا إناء فيه ماء فتوضأت منه، ثم قمت ولا أعرف القبلة، فلما. صبحت إذا أنا على القبلة ولله الحمد. ثم دعيت فأدخلت على المعتصم، فلما نظر إليّ وعنده ابن أبى دؤاد قال: أليس قد زعمتم أنه حدث الحسن وهذا شيخ مكهل؟ فلما دنوت منه وسلمت قال لي: ادنه، فلم يزل يدنيني حتى قربت منه ثم قال: اجلس! فجلست وقد أثقلنى الحديد، فمكثت ساعة ثم قلت: يا أمير المؤمنين إلى م دعا إليه ابن عمك رسول الله ﷺ ؟ قال: إلى شهادة أن لا إله إلا الله. قلت: فانى أشهد أن لا إله إلا الله. قال: ثم ذكرت له حديث ابن عباس في وفد عبد القيس ثم قلت: فهذا الّذي دعا إليه رسول الله ﷺ . قال: ثم تكلم ابن أبى دؤاد بكلام لم أفهمه، وذلك أنى لم أتفقه كلامه، ثم قال المعتصم: لولا أنك كنت في يد من كان قبلي لم أتعرض إليك، ثم قال: يا عبد الرحمن ألم آمرك أن ترفع المحنة؟ قال أحمد: فقلت، الله أكبر، هذا فرج للمسلمين، ثم قال: ناظره يا عبد الرحمن، كلمه. فقال لي عبد الرحمن: ما تقول في القرآن؟ فلم أجبه، فقال المعتصم: أجبه فقلت: ما تقول في العلم؟ فسكت، فقلت. القرآن من علم الله، ومن زعم أن علم الله مخلوق فقد كفر بالله، فسكت فقالوا فيما بينهم: يا أمير المؤمنين كفرك وكفرنا، فلم يلتفت إلى ذلك، فقال عبد الرحمن: كان الله ولا قرآن، فقلت: كان الله ولا علم؟ فسكت. فجعلوا يتكلمون من هاهنا وهاهنا، فقلت: يا أمير المؤمنين اعطونى شيئا من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أقول به، فقال: ابن أبى دؤاد: وأنت لا تقول إلا بهذا وهذا؟ فقلت: وهل يقوم الإسلام إلا بهما. وجرت مناظرات طويلة، واحتجوا عليه بقوله ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ﴾ وبقوله ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وأجاب بما حاصله أنه عام مخصوص بقوله ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها﴾ فقال ابن أبى دؤاد: هو والله يا أمير المؤمنين ضال مضل مبتدع، وهنا قضاتك والفقهاء فسلهم، فقال لهم: ما تقولون؟ فأجابوا بمثل ما قال ابن أبى دؤاد، ثم أحضروه في اليوم الثاني وناظروه أيضا ثم في اليوم الثالث، وفي ذلك كله يعلو صوته عليهم وتغلب حجته حججهم. قال: فإذا سكتوا فتح الكلام عليهم ابن أبى دؤاد، وكان من أجهلهم بالعلم والكلام، وقد تنوعت بهم المسائل في المجادلة ولا علم لهم بالنقل، فجعلوا ينكرون الآثار ويردون الاحتجاج بها، وسمعت منهم مقالات لم أكن أظن أن أحدا يقولها، وقد تكلم معى ابن غوث (١) بكلام طويل ذكر فيه الجسم وغيره بما لا فائدة فيه، فقلت: لا أدرى ما تقول، إلا أنى أعلم أن الله أحد صمد، ليس كمثله شيء، فسكت عنى. وقد أوردت لهم حديث

стр. 3517

الرؤية في الدار الآخرة فحاولوا أن يضعفوا إسناده ويلفقوا عن بعض المحدثين كلاما يتسلقون به إلى الطعن فيه، وهيهات، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد؟ وفي غبون ذلك كله يتلطف به الخليفة ويقول: يا أحمد أجبنى إلى هذا حتى أجعلك من خاصتي وممن يطأ بساطي. فأقول: يا أمير المؤمنين يأتونى بآية من كتاب الله أو سنة عن رسول الله ﷺ حتى أجيبهم إليها. واحتج أحمد عليهم حين أنكروا الآثار بقوله تعالى ﴿يا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً﴾ وبقوله ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيماً﴾ وبقوله ﴿إِنَّنِي أَنَا اللهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾ وبقوله: ﴿إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ونحو ذلك من الآيات. فلما لم يقم لهم معه حجة عدلوا إلى استعمال جاه الخليفة، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا كافر ضال مضل. وقال له إسحاق بن إبراهيم نائب بغداد: يا أمير المؤمنين ليس من تدبير الخلافة أن تخلى سبيله ويغلب خليفتين، فعند ذلك حمى واشتد غضبه، وكان ألينهم عريكة، وهو يظن أنهم على شيء. قال أحمد فعند ذلك قال لي: لعنك الله، طمعت فيك أن تجيبني فلم تجبني، ثم قال: خذوه واخلعوه واسحبوه. قال أحمد: فأخذت وسحبت وخلعت وجيء بالعقابين والسياط وأنا انظر، وكان معى شعرات من شعر النبي ﷺ مصرورة في ثوبي، فجردونى منه وصرت بين العقابين، فقلت: يا أمير المؤمنين الله الله، إن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث» وتلوت الحديث، وأن رسول الله ﷺ قال: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم»: فبم تستحل دمي ولم آت شيئا من هذا؟ يا أمير المؤمنين اذكر وقوفك بين الله كوقوفى بين يديك، فكأنه أمسك. ثم لم يزالوا يقولون له: يا أمير المؤمنين إنه ضال مضل كافر، فأمر بى فقمت بين العقابين وجيء بكرسي فأقمت عليه وأمرنى بعضهم أن آخذ بيدي بأي الخشبتين فلم أفهم، فتخلعت يداي وجيء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربني سوطين ويقول له - يعنى المعتصم -: شد قطع الله يديك، ويجيء الآخر فيضربني سوطين ثم الآخر كذلك، فضربوني أسواطا فأغمى على وذهب عقلي مرارا، فإذا سكن الضرب يعود على عقلي، وقام المعتصم إلى يدعوني إلى قولهم فلم أجبه، وجعلوا يقولون: ويحك! الخليفة على رأسك، فلم أقبل وأعادوا الضرب ثم عاد إليّ فلم أجبه، فأعادوا الضرب ثم جاء إليّ الثالثة، فدعاني فلم أعقل ما قال من شدة الضرب، ثم أعادوا الضرب فذهب عقلي فلم أحس بالضرب وأرعبه ذلك من أمرى وأمر بى فأطلقت ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من بيت، وقد أطلقت الأقياد من رجلي، وكان ذلك في اليوم الخامس والعشرين من رمضان من سنة إحدى وعشرين ومائتين، ثم أمر الخليفة بإطلاقه إلى أهله، وكان جملة ما ضرب نيفا وثلاثين سوطا، وقيل ثمانين سوطا، لكن كان ضربا مبرحا

стр. 3518

شديدا جدا. وقد كان الامام أحمد رجلا طوالا رقيقا أسمر اللون كثير التواضع ﵀. ولما حمل من دار الخلافة إلى دار إسحاق بن إبراهيم وهو صائم، أتوه بسويق ليفطر من الضعف فامتنع من ذلك وأتم صومه، وحين حضرت صلاة الظهر صلى معهم فقال له ابن سماعة القاضي: وصليت في دمك! فقال له أحمد: قد صلى عمر وجرحه يثعب دما، فسكت. ويروى أنه لما أقيم ليضرب انقطعت تكة سراويله فخشي أن يسقط سراويله فتكشف عورته فحرك شفتيه فدعا الله فعاد سراويله كما كان، ويرويه أنه قال: يا غياث المستغيثين، يا إله العالمين، إن كنت تعلم أنى قائم لك بحق فلا تهتك لي عورة. ولما رجع إلى منزله جاءه الجرائحي فقطع لحما ميتا من جسده وجعل يداويه والنائب في كل وقت يسأل عنه، وذلك أن المعتصم ندم على ما كان منه إلى أحمد ندما كثيرا، وجعل يسأل النائب عنه والنائب يستعلم خبره، فلما عوفي فرح المعتصم والمسلمون بذلك، ولما شفاه الله بالعافية بقي مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد، وجعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدعة، وكان يتلو في ذلك قوله تعالى ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ الآية. ويقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك؟ وقد قال تعالى ﴿فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظّالِمِينَ﴾ وينادى المنادي يوم القيامة: «ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا» وفي صحيح مسلم عن أبى هريرة قال قال رسول الله ﷺ : «ثلاث أقسم عليهنّ: ما نقص مال من صدقة، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، ومن تواضع لله رفعه الله» وكان الذين ثبتوا على الفتنة فلم يجيبوا بالكلية أربعة (١): أحمد بن حنبل وهو رئيسهم، ومحمد بن نوح بن ميمون الجنديسابوري، ومات في الطريق. ونعيم بن حماد الخزاعي، وقد مات في السجن، وأبو يعقوب البويطي وقد مات في سجن الواثق على القول بخلق القرآن. وكان مثقلا بالحديد. وأحمد بن نصر الخزاعي وقد ذكرنا كيفية مقتله. ذكر ثناء الأئمة على الامام أحمد بن حنبل المعظم المبجل قال البخاري: لما ضرب أحمد بن حنبل كنا بالبصرة فسمعت أبا الوليد الطيالسي يقول: لو كان أحمد في بنى إسرائيل لكان أحدوثة. وقال إسماعيل بن الخليل: لو كان أحمد في بنى إسرائيل لكان نبيا. وقال المزني: أحمد بن حنبل يوم المحنة، وأبو بكر يوم الردة، وعمر يوم السقيفة، وعثمان يوم الدار، وعلى يوم الجمل وصفين. وقال حرملة: سمعت الشافعيّ يقول: خرجت من العراق فما تركت رجلا أفضل ولا أعلم ولا أورع ولا أتقى من أحمد بن حنبل. وقال شيخ أحمد يحيى بن سعيد القطان: ما قدم على بغداد أحد أحب إلى من أحمد بن حنبل. وقال قتيبة: مات سفيان الثوري ومات الورع، ومات الشافعيّ وماتت السنن، ويموت أحمد بن حنبل وتظهر البدع. وقال إن أحمد

стр. 3519

ابن حنبل قام في الأمة مقام النبوة. قال البيهقي - يعنى في صبره على ما أصابه من الأذى في ذات الله وقال أبو عمر بن النحاس - وذكر أحمد يوما - فقال ﵀: في الدين ما كان أبصره، وعن الدنيا ما كان أصبره، وفي الزهد ما كان أخبره، وبالصالحين ما كان ألحقه، وبالماضين ما كان أشبهه، عرضت عليه الدنيا فأباها، والبدع فنفاها. وقال بشر الحافى بعد ما ضرب أحمد بن حنبل: أدخل أحمد الكبير فخرج ذهبا أحمر. وقال الميموني قال لي على بن المديني بعد ما امتحن أحمد وقيل قبل أن يمتحن: يا ميمون ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. فعجبت من هذا عجبا شديدا وذهبت إلى أبى عبيد القاسم بن سلام فحكيت له مقالة على بن المديني فقال: صدق، إن أبا بكر وجد يوم الردة أنصارا وأعوانا، وإن أحمد بن حنبل لم يكن له أنصار ولا أعوان. ثم أخذ أبو عبيد يطري أحمد ويقول: لست أعلم في الإسلام مثله. وقال إسحاق بن راهويه: أحمد حجة بين الله وبين عبيدة في أرضه. وقال على بن المديني: إذا ابتليت بشيء فأفتانى أحمد بن حنبل لم أبال إذا لقيت ربى كيف كان. وقال أيضا: إني اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله ، ثم قال: ومن يقوى على ما يقوى عليه أبو عبد الله؟ وقال يحيى بن معين: كان في أحمد بن حنبل خصال ما رأيتها في عالم قط، كان محدّثا، وكان حافظا، وكان عالما، وكان ورعا، وكان زاهدا، وكان عاقلا. وقال يحيى بن معين أيضا: أراد الناس منا أن نكون مثل أحمد بن حنبل، والله ما نقوى أن نكون مثله ولا نطيق سلوك طريقه. وقال الذهلي: اتخذت أحمد حجة فيما بيني وبين الله. وقال هلال بن المعلى الرقى: منّ الله على هذه الأمة بأربعة: بالشافعي فهم الأحاديث وفسرها، وبين مجملها من مفصلها، والخاص والعام والناسخ والمنسوخ. وبأبي عبيد بين غريبها. وبيحيى بن معين نفى الكذب عن الأحاديث، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة لولا هؤلاء الأربعة لهلك الناس، وقال أبو بكر ابن أبى داود: أحمد بن حنبل مقدم على كل من يحمل بيده قلما ومحبرة - يعنى في عصره - وقال أبو بكر محمد بن محمد بن رجاء: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل ولا رأيت من رأى مثله. وقال أبو زرعة الرازيّ: ما أعرف في أصحابنا أسود الرأس أفقه منه. وروى البيهقي عن الحاكم عن يحيى بن محمد العنبري قال: أنشدنا أبو عبد الله البوسندى في أحمد بن حنبل ﵀: - إن ابن حنبل ان سألت إمامنا … وبه الأئمة في الأنام تمسكوا خلف النبي محمدا بعد الألى … خلفوا الخلائف بعده واستهلكوا حذو الشراك على الشراك وإنما … يحذو المثال مثاله المستمسك وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تزال طائفة من أمتى على الحق طاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتى أمر الله وهم على ذلك». وروى البيهقي عن

стр. 3520

أبى سعيد الماليني عن ابن عدي عن أبى القاسم البغوي عن أبى الربيع الزهراني عن حماد بن زيد عن بقية بن الوليد عن معاذ بن رفاعة عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي: وحدثني زياد بن أيوب حدثنا مبشر عن معاذ عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري ح. قال البغوي قال قال رسول الله ﷺ : «يحمل هذا العلم من كل خلف عدو له ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين». وهذا الحديث مرسل وإسناده فيه ضعف. والعجب أن ابن عبد البر صححه واحتج به على عدالة كل من حمل العلم، والامام أحمد من أئمة أهل العلم ﵀ وأكرم مثواه. ذكر ما كان من أمر الامام أحمد بعد المحنة حين خرج من دار الخلافة صار إلى منزله فدووي حتى برأ ولله الحمد، ولزم منزله فلا يخرج منه إلى جمعة ولا جماعة، وامتنع من التحديث، وكانت غلته من ملك له في كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على عياله ويتقنّع بذلك ﵀ صابرا محتسبا. ولم يزل كذلك مدة خلافة المعتصم، وكذلك في أيام ابنه محمد الواثق، فلما ولى المتوكل على الله الخلافة استبشر الناس بولايته، فإنه كان محبا للسنة وأهلها، ورفع المحنة عن الناس، وكتب إلى الآفاق لا يتكلم أحد في القول بخلق القرآن، ثم كتب إلى نائبة ببغداد - وهو إسحاق بن إبراهيم - أن يبعث بأحمد بن حنبل إليه، فاستدعى إسحاق بالإمام أحمد إليه فأكرمه وعظمه، لما يعلم من إعظام الخليفة له وإجلاله إياه، وسأله فيما بينه وبينه عن القرآن فقال له أحمد: سؤالك هذا سؤال تعنت أو استرشاد. فقال: بل سؤال استرشاد. فقال: هو كلام الله منزل غير مخلوق، فسكن إلى قوله في ذلك، ثم جهزه إلى الخليفة إلى سرمن رأى ثم سبقه إليه. وبلغه أن أحمد اجتاز بابنه محمد بن إسحاق فلم يأته ولم يسلم عليه، فغضب إسحاق بن إبراهيم من ذلك وشكاه إلى الخليفة فقال المتوكل: يرد وإن كان قد وطئ بساطي، فرجع الامام أحمد من الطريق إلى بغداد. وقد كان الامام أحمد كارها لمجيئه إليهم ولكن لم يهن ذلك على كثير من الناس وإنما كان رجوعه عن قول إسحاق بن إبراهيم الّذي كان هو السبب في ضربه. ثم إن رجلا من المبتدعة يقال له ابن البلخي وشى إلى الخليفة شيئا فقال: إن رجلا من العلويين قد أوى إلى منزل أحمد بن حنبل وهو يبايع له الناس في الباطن. فأمر الخليفة نائب بغداد أن يكبس منزل أحمد من الليل. فلم يشعروا إلا والمشاعل قد أحاطت بالدار من كل جانب حتى من فوق الأسطحة، فوجدوا الامام أحمد جالسا في داره مع عياله فسألوه عما ذكر عنه فقال: ليس عندي من هذا علم، وليس من هذا شيء ولا هذا من نيتي، وإني لأرى طاعة أمير المؤمنين في السر والعلانية، وفي عسري ويسرى ومنشطى ومكرهى، وأثره على، وإني لأدعو الله له بالتسديد والتوفيق، في الليل والنهار، في كلام كثير. ففتشوا منزله حتى مكان الكتب وبيوت النساء والأسطحة وغيرها فلم يروا شيئا. فلما بلغ

стр. 3521

المتوكل ذلك وعلم براءته مما نسب إليه علم أن يكذبون عليه كثيرا، فبعث إليه يعقوب بن إبراهيم المعروف بقوصرة - وهو أحد الحجبة - بعشرة آلاف درهم من الخليفة، وقال: هو يقرأ عليك السلام ويقول: استنفق هذه، فامتنع من قبولها. فقال: يا أبا عبد الله إني أخشى من ردك إياها أن يقع وحشة بينك وبينه، والمصلحة لكل قبولها، فوضعها عنده ثم ذهب فلما كان من آخر الليل استدعى أحمد أهله وبنى عمه وعياله وقال: لم أنم هذه الليلة من هذا المال، فجلسوا وكتبوا أسماء جماعة من المحتاجين من أهل الحديث وغيرهم من أهل بغداد والبصرة، ثم أصبح ففرقها في الناس ما بين الخمسين إلى المائة والمائتين، فلم يبق منها درهما، وأعطى منها لأبى أيوب وأبى سعيد الأشج، وتصدق بالكيس الّذي كانت فيه، ولم يعط منها لأهله شيئا وهم في غاية الفقر والجهد، وجاء بنو ابنه فقال: أعطني درهما. فنظر أحمد إلى ابنه صالح فتناول صالح قطعة فأعطاها الصبى فسكت أحمد. وبلغ الخليفة أنه تصدق بالجائزة كلها حتى كيسها، فقال على بن الجهم: يا أمير المؤمنين إنه قد قبلها منك وتصدق بها عنك، وماذا يصنع أحمد بالمال؟ إنما يكفيه رغيف. فقال: صدقت. فلما مات إسحاق بن إبراهيم وابنه محمد ولم يكن بينهما إلا القريب، وتولى نيابة بغداد عبد الله ابن إسحاق، كتب المتوكل إليه أن يحمل إليه الامام أحمد، فقال لأحمد في ذلك فقال: إني شيخ كبير وضعيف، فرد الجواب على الخليفة بذلك، فأرسل يعزم عليه لتأتينى، وكتب إلى أحمد: إني أحب أن آنس بقربك وبالنظر إليك، ويحصل لي بركة دعائك. فسار إليه الامام أحمد - وهو عليل - في بنيه وبعض أهله، فلما قارب العسكر تلقاه وصيف الخادم في موكب عظيم، فسلم وصيف على الامام أحمد فرد السلام وقال له وصيف: قد أمكنك الله من عدوك ابن أبى دؤاد. فلم يرد عليه جوابا، وجعل ابنه يدعو الله للخليفة ولوصيف. فلما وصلوا إلى العسكر بسر من رأى، أنزل أحمد في دار إيتاخ، فلما علم بذلك ارتحل منها وأمر أن يستكرى له دار غيرها. وكان رءوس الأمراء في كل يوم يحضرون عنده ويبلغونه عن الخليفة السلام، ولا يدخلون عليه حتى يقلعون ما عليهم من الزينة والسلاح. وبعث إليه الخليفة بالمفارش الوطيئة وغيرها من الآلات التي تليق بتلك الدار العظيمة، وأراد منه الخليفة أن يقيم هناك ليحدث الناس عوضا عما فاتهم منه في أيام المحنة وما بعدها من السنين المتطاولة، فاعتذر إليه بأنه عليل وأسنانه تتحرك وهو ضعيف. وكان الخليفة يبعث إليه في كل يوم مائدة فيها ألوان الأطعمة والفاكهة والثلج، مما يقاوم مائة وعشرين درهما في كل يوم، والخليفة يحسب أنه يأكل من ذلك، ولم يكن أحمد يأكل شيئا من ذلك بالكلية، بل كان صائما يطوى، فمكث ثمانية أيام لم يستطعم بطعام، ومع ذلك هو مريض، ثم أقسم عليه ولده حتى شرب قليلا من السويق بعد ثمانية أيام. وجاء عبيد الله بن يحيى بن خاقان بمال جزيل من الخليفة جائزة له فامتنع

стр. 3522

من قبوله، فألح عليه الأمير فلم يقبل. فأخذها الأمير ففرقها على بنيه وأهله، وقال: إنه لا يمكن ردها على الخليفة. وكتب الخليفة لأهله وأولاده في كل شهر بأربعة آلاف درهم، فمانع أبو عبد الله الخليفة، فقال الخليفة: لا بد من ذلك، وما هذا إلا لولدك. فأمسك أبو عبد الله عن مما نعته ثم أخذ يلوم أهله وعمه، وقال لهم: إنما بقي لنا أيام قلائل، وكأننا قد نزل بنا الموت، فاما إلى جنة وإما إلى نار، فنخرج من الدنيا وبطوننا قد أخذت من مال هؤلاء. في كلام طويل يعظهم به. فاحتجوا عليه بالحديث الصحيح «ما جاءك من هذا المال وأنت غير سائل ولا مستشرف فخذه». وأن ابن عمر وابن عباس قبلا جوائز السلطان. فقال: وما هذا وذاك سواء، ولو أعلم أن هذا المال أخذ من حقه وليس بظلم ولا جور لم أبال. ولما استمر ضعفه جعل المتوكل يبعث إليه بابن ماسويه المتطبب لينظر في مرضه، فرجع إليه فقال: يا أمير المؤمنين إن أحمد ليس به علة في بدنه، وإنما علته من قلة الطعام وكثرة الصيام والعبادة. فسكت المتوكل ثم سألت أم الخليفة منه أن ترى الامام أحمد، فبعث المتوكل إليه يسأله أن يجتمع بابنه المعتز ويدعو له، ولكن في حجره. فتمنع من ذلك ثم أجاب إليه رجاء أن يعجل برجوعه إلى أهله ببغداد. وبعث الخليفة إليه بخلعة سنية ومركوب من مراكبه، فامتنع من ركوبه لأنه عليه ميثرة نمور، فجيء ببغل لبعض التجار فركبه وجاء إلى مجلس المعتز، وقد جلس الخليفة وأمه في ناحية في ذلك المجلس، من وراء ستر رقيق. فلما جاء أحمد قال: سلام عليكم. وجلس ولم يسلم عليه بالإمرة، فقالت أم الخليفة: الله الله يا بنى في هذا الرجل ترده إلى أهله، فان هذا ليس ممن يريد ما أنتم فيه. وحين رأى المتوكل أحمد قال لأمه: يا أمه قد تأنست الدار. وجاء الخادم ومعه خلعة سنية مبطنة وثوب وقلنسوة وطيلسان، فألبسها أحمد بيده، وأحمد لا يتحرك بالكلية. قال الامام أحمد: ولما جلست إلى المعتز قال مؤدبه: أصلح الله الأمير هذا الّذي أمر الخليفة أن يكون مؤدبك. فقال: إن علمني شيئا تعلمته، قال أحمد: فتعجبت من ذكائه في صغره لأنه كان صغيرا جدا فخرج أحمد عنهم وهو يستغفر الله ويستعيذ بالله من مقته وغضبه. ثم بعد أيام أذن له الخليفة بالانصراف وهيأ له حراقة فلم يقبل أن ينحدر فيها، بل ركب في زورق فدخل بغداد مختفيا، وأمر أن تباع تلك الخلعة وأن يتصدق بثمنها على الفقراء والمساكين. وجعل أياما يتألم من اجتماعه بهم ويقول: سلمت منهم طول عمري ثم ابتليت بهم في آخره. وكان قد جاع عندهم جوعا عظيما كثيرا حتى كاد أن يقتله الجوع. وقد قال بعض الأمراء للمتوكل: إن أحمد لا يأكل لك طعاما، ولا يشرب لك شرابا، ولا يجلس على فرشك، ويحرم ما تشربه. فقال: والله لو نشر المعتصم وكلمني في أحمد ما قبلت منه. وجعلت رسل الخليفة تفد إليه في كل يوم تستعلم أخباره

стр. 3523

وكيف حاله. وجعل يستفتيه في أموال ابن أبى دؤاد فلا يجيب بشيء، ثم إن المتوكل أخرج ابن أبى دؤاد من سرمن رأى إلى بغداد بعد أن أشهد عليه نفسه ببيع ضياعه واملاكه وأخذ أمواله كلها. قال عبد الله بن أحمد: وحين رجع أبى من سامرا وجدنا عينيه قد دخلتا في موقيه، وما رجعت إليه نفسه إلا بعد ستة أشهر، وامتنع أن يدخل بيت قرابته أو يدخل بيتا هم فيه أو ينتفع بشيء مما هم فيه لأجل قبولهم أموال السلطان. وكان مسير أحمد إلى المتوكل في سنة سبع وثلاثين ومائتين، ثم مكث إلى سنة وفاته وكل يوم إلا ويسأل عنه المتوكل ويوفد إليه في أمور يشاوره فيها، ويستشيره في أشياء تقع له. ولما قدم المتوكل بغداد بعث إليه ابن خاقان ومعه ألف دينار ليفرقها على من يرى، فامتنع من قبولها وتفرقتها، وقال: إن أمير المؤمنين قد أعفانى مما أكره فردها. وكتب رجل رقعة إلى المتوكل يقول: يا أمير المؤمنين إن أحمد يشتم آباءك ويرميهم بالزندقة. فكتب فيها المتوكل: أما المأمون فإنه خلط فسلط الناس على نفسه، وأما أبى المعتصم فإنه كان رجل حرب ولم يكن له بصر بالكلام، وأما أخى الواثق فإنه استحق ما قيل فيه. ثم أمر أن يضرب الرجل الّذي رفع اليه الرقعة مائتي سوط، فأخذه عبد الله بن إسحاق ابن إبراهيم فضربه خمسمائة سوط. فقال له الخليفة: لم ضربته خمسمائة سوط؟ فقال: مائتين لطاعتك ومائتين لطاعة الله، ومائة لكونه قذف هذا الشيخ الرجل الصالح أحمد بن حنبل. وقد كتب الخليفة إلى أحمد يسأله عن القول في القرآن سؤال استرشاد واستفادة لا سؤال تعنت ولا امتحان ولا عناد. فكتب إليه أحمد ﵀ رسالة حسنة فيها آثار عن الصحابة وغيرهم، وأحاديث مرفوعة. وقد أوردها ابنه صالح في المحنة التي ساقها، وهي مروية عنه، وقد نقلها غير واحد من الحفاظ. ذكر وفاة الامام أحمد بن حنبل قال ابنه صالح: كان مرضه في أول شهر ربيع الأول من سنة إحدى وأربعين ومائتين، ودخلت عليه يوم الأربعاء ثانى ربيع الأول وهو محموم يتنفس الصعداء وهو ضعيف، فقلت: يا أبت ما كان غداؤك؟ فقال: ماء الباقلاء. ثم إن صالحا ذكر كثرة مجيء الناس من الأكابر وعموم الناس لعيادته وكثرة حرج الناس عليه، وكان معه خريقة فيها قطيعات ينفق على نفسه منها، وقد أمر ولده عبد الله أن يطالب سكان ملكه وأن يكفر عنه كفارة يمين، فأخذ شيئا من الأجرة فاشترى تمرا وكفر عن أبيه، وفضل من ذلك ثلاثة دراهم. وكتب الامام أحمد وصيته: (﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ﴾، هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل، أوصى أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون. وأوصى من أطاعه من أهله وقرابته أن يعبدوا الله في العابدين، وأن يحمدوه في

стр. 3524

الحامدين، وأن ينصحوا الجماعة المسلمين، وأوصى أنى قد رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، وأوصى لعبد الله بن محمد المعروف ببوران على نحو من خمسين دينارا وهو مصدق فيها فيقضى ماله على من غلة الدار إن شاء الله، فإذا استوفى أعطى ولد صالح كل ذكر وأنثى عشرة دراهم. ثم استدعى بالصبيان من ورثته فجعل يدعو لهم، وكان قد ولد له صبي قبل موته بخمسين يوما فسماه سعيدا، وكان له ولد آخر اسمه محمد قد مشى حين مرض فدعا، فالتزمه وقبله ثم قال: ما كنت أصنع بالولد على كبر السن؟ فقيل له: ذرية تكون بعدك يدعون لك. قال وذاك إن حصل. وجعل يحمد الله تعالى. وقد بلغه في مرضه عن طاوس أنه كان يكره أنين المريض فترك الأنين فلم يئن حتى كانت الليلة التي توفى في صبيحتها أنّ، وكانت ليلة الجمعة الثاني عشر من ربيع الأول من هذه السنة، فأنّ حين اشتد به الوجع. وقد روى عن ابنه عبد الله ويروى عن صالح أيضا أنه قال: حين احتضر أبى جعل يكثر أن يقول: لا بعد، لا بعد، فقلت: يا أبة ما هذه اللفظة التي تلهج بها في هذه الساعة؟ فقال: يا بنى إن إبليس واقف في زاوية البيت وهو عاض على إصبعه وهو يقول: فتنى يا أحمد؟ فأقول لا بعد لا بعد - يعنى لا يفوته حتى تخرج نفسه من جسده على التوحيد - كما جاء في بعض الأحاديث قال إبليس: يا رب وعزتك وجلالك ما أزال أغويهم ما دامت أرواحهم في أجسادهم. فقال الله: وعزتي وجلالي ولا أزال أغفر لهم ما استغفرونى. وأحسن ما كان من أمره أنه أشار إلى أهله أن يوضئوه فجعلوا يوضئونه وهو يشير إليهم أن خللوا أصابعى وهو يذكر الله في جميع ذلك، فلما أكملوا وضوءه توفى ﵀ ورضى عنه. وقد كانت وفاته يوم الجمعة حين مضى منه نحو من ساعتين، فاجتمع الناس في الشوارع وبعث محمد بن طاهر حاجبه ومعه غلمان ومعهم مناديل فيها أكفان، وأرسل يقول: هذا نيابة عن الخليفة، فإنه لو كان حاضرا لبعث بهذا. فأرسل أولاده يقولون: إن أمير المؤمنين كان قد أعفاه في حياته مما يكره وأبوا أن يكفنوه بتلك الأكفان، وأتى بثوب كان قد غزلته جاريته فكفنوه واشتروا معه عوز لفافة وحنوطا، واشتروا له راوية ماء وامتنعوا ان يغسلوه بماء بيوتهم، لأنه كان قد هجر بيوتهم فلا يأكل منها ولا يستعير من أمتعتهم شيئا، وكان لا يزال متغضبا عليهم لأنهم كانوا يتناولون ما رتب لهم على بيت المال، وهو في كل شهر أربعة آلاف درهم. وكان لهم عيال كثيرة وهم فقراء. وحضر غسله نحو من مائة من بيت الخلافة من بنى هاشم، فجعلوا يقبلون بين عينيه ويدعون له ويترحمون عليه ﵀. وخرج الناس بنعشه والخلائق حوله من الرجال والنساء ما لم يعلم عددهم إلا الله، ونائب البلد محمد بن عبد الله بن طاهر واقف في جملة الناس، ثم تقدم فعزى أولاد الامام أحمد فيه، وكان هو الّذي أم الناس في الصلاة عليه، وقد أعاد جماعة الصلاة عليه عند القبر وعلى القبر بعد أن دفن من أجل

стр. 3525

ذلك، ولم يستقر في قبره ﵀ إلا بعد صلاة العصر وذلك لكثرة الخلق. وقد روى البيهقي وغير واحد أن الأمير محمد بن طاهر أمر بحرز الناس فوجدوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وفي رواية وسبعمائة ألف سوى من كان في السفن. وقال ابن أبى حاتم: سمعت أبا زرعة يقول بلغني أن المتوكل أمر أن يمسح الموضع الّذي وقف الناس فيه حيث صلوا على الامام أحمد بن حنبل فبلغ مقاسه ألفى ألف وخمسمائة ألف. قال البيهقي عن الحاكم سمعت أبا بكر أحمد بن كامل القاضي يقول سمعت محمد بن يحيى الزنجاني سمعت عبد الوهاب الوراق يقول: ما بلغنا أن جمعا في الجاهلية ولا في الإسلام اجتمعوا في جنازة أكثر من الجمع الّذي اجتمع على جنازة أحمد بن حنبل. فقال عبد الرحمن بن أبى حاتم سمعت أبى يقول حدثني محمد بن العباس المكيّ سمعت الوركانى - جار أحمد ابن حنبل - قال: أسلم يوم مات أحمد عشرون ألفا من اليهود والنصارى والمجوس، وفي بعض النسخ أسلم عشرة آلاف بدل عشرين ألفا فالله أعلم. وقال الدار قطنى: سمعت أبا سهل بن زياد سمعت عبد الله بن أحمد يقول سمعت أبى يقول: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز حين تمر. وقد صدق الله قول أحمد في هذا، فإنه كان إمام السنة في زمانه، وعيون مخالفيه أحمد بن أبى دؤاد وهو قاضى قضاة الدنيا لم يحتفل أحد بموته، ولم يلتفت إليه. ولما مات ما شيعه إلا قليل من أعوان السلطان. وكذلك الحارث بن أسد المحاسبي مع زهده وورعه وتنقيره ومحاسبته نفسه في خطراته وحركاته، لم يصل عليه إلا ثلاثة أو أربعة من الناس. وكذلك بشر بن غياث المريسي لم يصل عليه إلا طائفة يسيرة جدا، فلله الأمر من قبل ومن بعد. وقد روى البيهقي عن حجاج بن محمد الشاعر أنه قال: ما كنت أحب أن أقتل في سبيل الله ولم أصلّ على الامام أحمد. وروى عن رجل من أهل العلم أنه قال يوم دفن أحمد: دفن اليوم سادس خمسة، وهم أبو بكر، وعمر، وعثمان وعلى وعمر بن عبد العزيز وأحمد. وكان عمره يوم مات سبعا وسبعين سنة وأياما أقل من شهر رحمه الله تعالى. ذكر ما رئي له من المنامات الصالحة وما رأى هو لنفسه وقد صح في الحديث: «لم يبق من النبوة إلا المبشرات». وفي رواية «إلا الرؤيا يا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له». وروى البيهقي عن الحاكم سمعت على بن محشاد سمعت جعفر بن محمد بن الحسين سمعت سلمة بن شبيب يقول: كنا عند أحمد بن حنبل وجاءه شيخ ومعه عكازة فسلم وجلس فقال: من منكم أحمد بن حنبل؟ فقال أحمد: أنا ما حاجتك؟ فقال ضربت إليك من أربعمائة فرسخ، أريت الخضر في المنام فقال لي: سر إلى أحمد بن حنبل وسل عنه وقل له: إن ساكن العرش والملائكة راضون بما صبرت نفسك لله . وعن أبى عبد الله محمد بن خزيمة الإسكندراني. قال: لما

стр. 3526

مات أحمد بن حنبل اغتممت غما شديدا فرأيته في المنام وهو يتبختر في مشيته فقلت له: يا أبا عبد الله أي مشية هذه؟ فقال: مشية الخدام في دار السلام. فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لي وتوجنى وألبسنى نعلين من ذهب، وقال لي: يا أحمد هذا بقولك القرآن كلامي، ثم قال لي: يا أحمد ادعني بتلك الدعوات التي بلغتك عن سفيان الثوري وكنت تدعو بهن في دار الدنيا، فقلت: يا رب كل شيء، بقدرتك على كل شيء اغفر لي كل شيء حتى لا تسألنى عن شيء. فقال لي: يا أحمد هذه الجنة قم فادخلها. فدخلت فإذا أنا بسفيان الثوري وله جناحان أخضر ان يطير بهما من نخلة إلى نخلة، ومن شجرة إلى شجرة، وهو يقول ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي﴾ … ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ﴾. قال فقلت له: ما فعل بشر الحافى؟ فقال بخ بخ، ومن مثل بشر؟ تركته بين يدي الجليل وبين يديه مائة من الطعام والجليل مقبل عليه وهو يقول: كل يا من لم يأكل، واشرب يا من لم يشرب، وأنعم يا من لم ينعم، أو كما قال. وقال أبو محمد بن أبى حاتم عن محمد بن مسلم ابن وارة قال: لما مات أبو زرعة رأيته في المنام فقلت له: ما فعل الله بك؟ فقال قال الجبار: ألحقوه بأبي عبد الله وأبى عبد الله وأبى عبد الله، مالك والشافعيّ وأحمد بن حنبل. وقال أحمد بن خرّزاد الأنطاكي: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت وقد بر الرب ﷻ ، لفصل القضاء، وكأن مناديا ينادى من تحت العرش: أدخلوا أبا عبد الله وأبا عبد الله وأبا عبد الله وأبا عبد الله الجنة. قال فقلت لملك إلى جنبي: من هؤلاء؟ فقال: مالك، والثوري، والشافعيّ وأحمد بن حنبل. وروى أبو بكر بن أبى خيثمة عن يحيى بن أيوب المقدسي قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم وهو نائم وعليه ثوب مغطى به وأحمد بن حنبل ويحيى بن معين يذبان عنه. وقد تقدم في ترجمة أحمد بن أبى دؤاد عن يحيى الجلاء أنه رأى كأن أحمد بن حنبل في حلقة بالمسجد الجامع وأحمد بن أبى دؤاد في حلقة أخرى وكأن رسول الله ﷺ واقف بين الحلقتين وهو يتلو هذه الآية ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ﴾ ويشير إلى حلقة ابن أبى دؤاد ﴿فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ﴾ ويشير إلى أحمد بن حنبل وأصحابه ثم دخلت سنة ثنتين وأربعين ومائتين فيها كانت زلازل هائلة في البلاد، فمنها ما كان بمدينة قومس، تهدمت منها دور كثيرة، ومات من أهلها نحو من خمسة وأربعين ألفا وستة وتسعين نفسا. وكانت باليمن وخراسان وفارس والشام وغيرها من البلاد زلازل منكرة. وفيها أغارت الروم على بلاد الجزيرة فانتهبوا شيئا كثيرا وأسروا نحوا من عشرة آلاف من الذراري. فانا لله وإنا إليه راجعون. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن إبراهيم الامام بن محمد بن على نائب مكة. وفيها توفى من الأعيان الحسن بن على بن الجعد قاضى مدينة المنصور.

стр. 3527

وأبو حسان الزيادي قاضى الشرقية، واسمه الحسن بن عثمان بن خماد بن حسان بن عبد الرحمن بن يزيد البغدادي، سمع الوليد بن مسلم، ووكيع بن الجراح، والواقدي، وخلقا سواهم. وعنه أبو بكر بن أبى الدنيا وعلى ابن عبد الله الفرغاني الحافظ المعروف بطفل، وجماعة. ترجمه ابن عساكر في تاريخه. قال: وليس هو من سلالة زياد بن أبيه، إنما تزوج بعض أجداده بأم ولد لزياد، فقيل له الزيادي. ثم أورد من حديثه بسنده عن جابر «الحلال بين والحرام بين». الحديث. وروى عن الخطيب أنه قال: كان من العلماء الأفاضل من أهل المعرفة والثقة والأمانة، ولى قضاء الشرقية في خلافة المتوكل، وله تاريخ على السنين، وله حديث كثير. وقال غيره: كان صالحا دينا قد عمل الكتب، وكانت له معرفة جيدة بأيام الناس، وله تاريخ حسن، وكان كريما مفضالا. وقد ذكر ابن عساكر عنه أشياء حسنة، منها أنه أنفذ إليه بعض أصحابه يذكر له أنه قد أصابته ضائقة في عيد من الأعياد، ولم يكن عنده غير مائة دينار، فأرسلها بصرتها إليه، ثم سأل ذلك الرجل صاحب له أيضا وشكا إليه مثلما شكا إلى الزيادي، فأرسل بها الآخر إلى ذلك الآخر. وكتب أبو حسان إلى ذلك الرجل الأخير الّذي وصلت إليه أخيرا يستقرض منه شيئا وهو لا يشعر بالأمر، فأرسل إليه بالمائة في صرتها، فلما رآها تعجب من أمرها وركب إليه يسأله عن ذلك فذكر أن فلانا أرسلها إليه، فاجتمعوا الثلاثة واقتسموا المائة الدينار ﵏ وجزاهم عن مروءتهم خيرا. وفيها توفى أبو مصعب الزهري أحد رواة الموطأ عن مالك، وعبد الله بن ذكوان أحد القراء المشاهير. ومحمد بن أسلم الطوسي. ومحمد بن رمح. ومحمد بن عبد الله بن عمار الموصلي أحد أئمة الجرح والتعديل. والقاضي يحيى بن أكثم. ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ومائتين في ذي القعدة منها توجه المتوكل على الله من العراق قاصدا مدينة دمشق ليجعلها له دار إقامة ومحلة إمامة فأدركه عيد الأضحى بها، وتأسف أهل العراق على ذهاب الخليفة من بين أظهرهم، فقال في ذلك يزيد بن محمد المهلبي: أظن الشام تشمت بالعراق … إذا عزم الامام على الطلاق فان يدع العراق وساكنيها … فقد تبلى المليحة بالطلاق وحج بالناس فيها الّذي حج بهم في التي قبلها وهو نائب مكة. وفيها توفى من الأعيان كما قال ابن جرير: إبراهيم بن العباس متولى ديوان الضياع. قلت: هو إبراهيم بن العباس بن محمد بن صول الصولي الشاعر الكاتب،

стр. 3528

وهو عم محمد بن يحيى الصولي، وكان جده صول بكر ملك جرجان وكان أصله منها، ثم تمجس ثم أسلم على يدي يزيد بن المهلب بن أبى صفرة، ولإبراهيم هذا ديوان شعر ذكره ابن خلكان واستجاد من شعره أشياء منها قوله: ولرب نازلة يضيق بها الفتى … ذرعا وعند الله منها مخرج ضاقت فلما استحكمت حلقاتها … فرجت وكنت أظنها لا تفرج ومنها قوله: كنت السواد لمقلتى … فبكى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت … فعليك كنت أحاذر ومن ذلك ما كتب به إلى وزير المعتصم محمد بن عبد الملك بن الزيات: وكنت أخى بإخاء الزمان … فلما ثنى صرت حربا عوانا وكنت أذم إليك الزمان … فأصبحت منك أذم الزمانا وكنت أعدك للنائبات … فها أنا أطلب منك الأمانا وله أيضا: لا يمنعك خفض العيش في دعة … نزوع نفس إلى أهل وأوطان تلقى بكل بلاد إن حللت بها … أهلا بأهل وأوطانا بأوطان كانت وفاته بمنتصف شعبان من هذه السنة. بسر من رأى. والحسن بن مخلد بن الجراح خليفة إبراهيم بن شعبان. قال: ومات هاشم بن فيجور في ذي الحجة. قلت: وفيها توفى أحمد بن سعيد الرباطي. والحارث بن أسد المحاسبي. أحد أئمة الصوفية. وحرملة ابن يحيى التجيبي صاحب الشافعيّ. وعبد الله بن معاوية الجمحيّ. ومحمد بن عمر العدني. وهارون ابن عبد الله الحماني. وهناد بن السري. ثم دخلت سنة أربع وأربعين ومائتين في صفر منها دخل الخليفة المتوكل إلى مدينة دمشق في أبهة الخلافة وكان يوما مشهودا، وكان عازما على الاقامة بها، وأمر بنقل دواوين الملك إليها، وأمر ببناء القصور بها فبنيت بطريق داريا، فأقام بها مدة، ثم إنه استوخمها ورأى أن هواءها بارد ندي وماءها ثقيل بالنسبة إلى هواء العراق ومائة، ورأى الهواء بها يتحرك من بعد الزوال في زمن الصيف، فلا يزال في اشتداد وغبار إلى قريب من ثلث الليل، ورأى كثرة البراغيث بها، ودخل عليه فصل الشتاء فرأى من كثرة الأمطار والثلوج أمرا عجيبا، وغلت الأسعار وهو بها لكثرة الخلق الذين معه، وانقطعت الأجلاب بسبب كثرة الأمطار والثلوج، فضجر منها ثم جهز بغا إلى بلاد الروم، ثم رجع من آخر السنة إلى سامرا بعد ما أقام بدمشق شهرين وعشرة أيام، ففرح به أهل بغداد فرحا شديدا. وفيها أتى المتوكل بالحربة

стр. 3529

التي كانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ ففرح بها فرحا شديدا، وقد كانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ يوم العيد وغيره، وقد كانت للنجاشي فوهبها للزبير بن العوام، فوهبها الزبير للنّبيّ ﷺ ، ثم إن المتوكل أمر صاحب الشرطة أن يحملها بين يديه كما كانت تحمل بين يدي رسول الله ﷺ . وفيها غضب المتوكل على الطبيب بختيشوع ونفاه وأخذ ماله. وحج بالناس فيها عبد الصمد المتقدم ذكره قبلها. واتفق في هذه السنة يوم عيد الأضحى وخميس فطر اليهود وشعانين النصارى وهذا عجيب غريب. وفيها توفى أحمد بن منيع. وإسحاق بن موسى الخطميّ. وحميد بن مسعدة. وعبد الحميد بن سنان. وعلى بن حجر. والوزير محمد بن عبد الملك الزيات. ويعقوب بن السكيت صاحب إصلاح المنطق. ثم دخلت سنة خمس وأربعين ومائتين فيها أمر المتوكل ببناء مدينة الماحوزة وحفر نهرها، فيقال إنه أنفق على بنائها وبناء قصر الخلافة بها الّذي يقال له «اللؤلؤة» ألفى ألف دينار. وفيها وقعت زلازل كثيرة في بلاد شتى، فمن ذلك بمدينة أنطاكية سقط فيها ألف وخمسمائة دار، وانهدم من سورها نيف وتسعون برجا، وسمعت من كوى دورها أصوات مزعجة جدا فخرجوا من منازلهم سراعا يهرعون، وسقط الجبل الّذي إلى جانبها الّذي يقال له الأقرع فساخ في البحر، فهاج البحر عند ذلك وارتفع دخان أسود مظلم منتن، وغار نهر على فرسخ منها فلا يدرى أين ذهب. ذكر أبو جعفر بن جرير قال: وسمع فيها أهل تنيس ضجة دائمة طويلة مات منها خلق كثير. قال: وزلزلت فيها الرها والرقة وحران ورأس العين وحمص ودمشق وطرسوس والمصيصة، وأذنه وسواحل الشام، ورجفت اللاذقية بأهلها فما بقي منها منزل إلا انهدم، وما بقي من أهلها إلا اليسير، وذهبت جبلة بأهلها. وفيها غارت مشاش - عين - مكة حتى بلغ ثمن القربة بمكة ثمانين درهما. ثم أرسل المتوكل فأنفق عليها مالا جزيلا حتى خرجت. وفيها مات إسحاق بن أبى إسرائيل وسوار بن عبد الله القاضي. وهلال الرازيّ. وفيها هلك نجاح بن سلمة وقد كان على ديوان التوقيع. وقد كان حظيا عند المتوكل، ثم جرت له حكاية أفضت به إلى أن أخذ المتوكل أمواله وأملاكه وحواصله، وقد أورد قصته ابن جرير مطولة. وفيها توفى أحمد بن عبدة الضبيّ، وأبو الحيس القواس مقرى مكة، وأحمد بن نصر النيسابورىّ. وإسحاق بن أبى إسرائيل، وإسماعيل بن موسى ابن بنت السدي. وذو النون المصري، وعبد الرحمن بن إبراهيم دحيم، ومحمد بن رافع، وهشام بن عمار، وأبو تراب النخشى. وابن الراونديّ الزنديق، وهو أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين بن الراونديّ، نسبة إلى قرية ببلاد قاشان

стр. 3530

ثم نشأ ببغداد، كان بها يصنف الكتب في الزندقة، وكانت لديه فضيلة، ولكنه استعملها فيما يضره ولا ينفعه في الدنيا ولا في الآخرة. وقد ذكرنا له ترجمة مطولة حسب ما ذكرها ابن الجوزي في سنة ثمان وتسعين ومائتين وإنما ذكرناه هاهنا لأن ابن خلكان ذكر أنه توفى في هذه السنة، وقد تلبس عليه ولم يجرحه بل مدحه فقال: هو أبو الحسين أحمد بن إسحاق الراونديّ العالم المشهور، له مقالة في علم الكلام، وكان من الفضلاء في عصره، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشرة كتابا، منها فضيحة المعتزلة، وكتاب التاج، وكتاب الزمردة، وكتاب القصب، وغير ذلك. وله محاسن ومحاضرات مع جماعة من علماء الكلام، وقد انفرد بمذاهب نقلها عنه أهل الكلام. توفى سنة خمس وأربعين ومائتين، برحبة مالك بن طوق التغلبي، وقيل ببغداد. نقلت ذلك عن ابن خلكان بحروفه وهو غلط. وإنما أرخ ابن الجوزي وفاته في سنة ثمان وتسعين ومائتين كما سيأتي له هناك ترجمة مطولة. ذو النون المصري ثوبان بن إبراهيم، وقيل ابن الفيض بن إبراهيم، أبو الفيض المصري أحد المشايخ المشهورين، وقد ترجمه ابن خلكان في الوفيات، وذكر شيئا من فضائله وأحواله، وأرخ وفاته في هذه السنة، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة ثمان وأربعين ومائتين فالله أعلم. وهو معدود في جملة من روى الموطأ عن مالك. وذكره ابن يونس في تاريخ مصر، قال: كان أبوه نوبيا، وقيل إنه كان من أهل اخميم، وكان حكيما فصيحا، قيل وسئل عن سبب توبته فذكر أنه رأى قبرة عمياء نزلت من وكرها فانشقت لها الأرض عن سكرجتين من ذهب وفضة في إحداهما سمسم وفي الأخرى ماء، فأكلت من هذه وشربت من هذه. وقد شكى عليه مرة إلى المتوكل فأحضره من مصر إلى العراق، فلما دخل عليه وعظه فأبكاه، فرده مكرما. فكان بعد ذلك إذا ذكر عند المتوكل يثنى عليه. ثم دخلت سنة ست وأربعين ومائتين في يوم عاشوراء منها دخل المتوكل الماحوزة فنزل بقصر الخلافة فيها، واستدعى بالقراء ثم بالمطر بين وأعطى وأطلق، وكان يوما مشهودا، وفي صفر منها وقع الفداء بين المسلمين والروم، ففدى من المسلمين نحو من أربعة آلاف أسير. وفي شعبان منها أمطرت بغداد مطرا عظيما استمر نحوا من أحد وعشرين يوما، ووقع بأرض بلخ مطر ماؤه دم عبيط. وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزنيبى، وحج فيها من الأعيان محمد بن عبد الله بن طاهر وولى أمر الموسم. وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن إبراهيم الدورقي. والحسين بن أبى الحسن المروزي. وأبو عمرو الدوري. أحد القراء المشاهير. ومحمد بن مصفى الحمصي.

стр. 3531

ودعبل بن على ابن رزين بن سليمان الخزاعي، مولاهم الشاعر الماجن البليغ في المدح، وفي الهجاء أكثر. حضر يوما عند سهل بن هارون الكاتب وكان بخيلا، فاستدعى بغدائه فإذا ديك في قصعة، وإذا هو قاس لا يقطعه سكين إلا بشدة، ولا يعمل فيه ضرس. فلما حضر بين يديه فقد رأسه فقال للطباخ ويلك، ماذا صنعت؟ أين رأسه، قال: ظننت أنك لا تأكله فألقيته، فقال: ويحك، والله إني لأعيب على من يلقى الرجلين فكيف بالرأس، وفيه الحواس الأربع، ومنه يصوت وبه، فضل عينيه وبهما يضرب المثل، وعرفه وبه يتبرك، وعظمه أهنى العظام، فان كنت رغبت عن أكله فأحضره. فقال: لا أدرى أين هو؟ فقال: بل أنا أدرى، هو في بطنك قاتلك الله. فهجاه بأبيات ذكر فيها بخلة ومسكه. أحمد بن أبى الحواري واسمه (١) عبد الله بن ميمون بن عياش بن الحارث أبو الحسن التغلبي الغطفانيّ، أحد العلماء الزهاد المشهورين، والعباد المذكورين، والأبرار المشكورين، ذوى الأحوال الصالحة، والكرامات الواضحة، أصله من الكوفة وسكن دمشق وتخرج بأبي سليمان الدارانيّ رحمهما الله. وروى الحديث عن سفيان بن عيينة ووكيع وأبى أسامة وخلق. وعنه أبو داود وابن ماجة وأبو حاتم وأبو زرعة الدمشقيّ، وأبو زرعة الرازيّ وخلق كثير. وقد ذكره أبو حاتم فأثنى عليه. وقال يحيى بن معين: إني لأظن أن الله يسقى أهل الشام به. وكان الجنيد بن محمد يقول: هو ريحانة الشام. وروى ابن عساكر أنه كان قد عاهد أبا سليمان الدارانيّ ألا يغضبه ولا يخالفه، فجاءه يوما وهو يحدث الناس فقال: يا سيدي هذا قد سجروا التنور فماذا تأمر؟ فلم يرد عليه أبو سليمان، لشغله بالناس، ثم أعادها أحمد ثانية، وقال له في الثالثة: اذهب فاقعد فيه. ثم اشتغل أبو سليمان في حديث الناس ثم استفاق فقال لمن حضره: إني قلت لأحمد: اذهب فاقعد في التنور، وإني أحسب أن يكون قد فعل ذلك، فقوموا بنا إليه. فذهبوا فوجدوه جالسا في التنور ولم يحترق منه شيء ولا شعرة واحدة. وروى أيضا أن أحمد بن أبى الحواري أصبح ذات يوم وقد ولد له ولد ولا يملك شيئا يصلح به الولد، فقال لخادمه: اذهب فاستدن لنا وزنة من دقيق، فبينما هو في ذلك إذ جاءه رجل بمائتي درهم فوضعها بين يديه، فدخل عليه رجل في تلك الساعة فقال: يا أحمد إنه قد ولد لي الليلة ولد ولا أملك شيئا، فرفع طرفه إلى السماء وقال: يا مولاي هكذا بالعجلة. ثم قال للرجل: خذ هذه الدراهم، فأعطاه إياها كلها، ولم يبق منها شيئا، واستدان لأهله دقيقا. وروى عنه خادمه أنه خرج للثغر لأجل الرباط فما زالت الهدايا تفد إليه من بكرة النهار إلى الزوال، ثم فرقها كلها إلى وقت

стр. 3532

الغروب ثم قال لي: كن هكذا لا ترد على الله شيئا، ولا تدخر عنه شيئا. ولما جاءت المحنة في زمن المأمون إلى دمشق بخلق القرآن عين فيها أحمد بن أبى الحواري وهشام ابن عمار، وسليمان بن عبد الرحمن، وعبد الله بن ذكوان، فكلهم أجابوا إلا ابن أبى الحواري فحبس بدار الحجارة، ثم هدد فأجاب تورية مكرها، ثم أطلق ﵀. وقد قام ليلة بالثغر يكرر هذه الآية ﴿إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ حتى أصبح. وقد ألقى كتبه في البحر وقال: نعم الدليل كنت لي على الله وإليه، ولكن الاشتغال بالدليل بعد معرفة المدلول عليه والوصول إليه محال. ومن كلامه لا دليل على الله سواه، وإنما يطلب العلم لآداب الخدمة. وقال: من عرف الدنيا زهد فيها، ومن عرف الآخرة رغب فيها، ومن عرف الله آثر رضاه. وقال: من نظر إلى الدنيا نظر إرادة وحب لها أخرج الله نور اليقين والزهد من قلبه. وقال: قلت لأبى سليمان في ابتداء أمرى: أوصني، فقال: أتستوص أنت؟ فقلت نعم إن شاء الله تعالى. فقال: خالف نفسك في كل مراداتها فإنها الأمارة بالسوء، وإياك أن تحقر إخوانك المسلمين، واجعل طاعة الله دثارا، والخوف منه شعارا، والإخلاص له زادا، والصدق حسنة، واقبل منى هذه الكلمة الواحدة ولا تفارقها ولا تغفل عنها: من استحيى من الله في كل أوقاته وأحواله وأفعاله، بلغه الله إلى مقام الأولياء من عباده. قال فجعلت هذه الكلمات أمامى في كل وقت أذكرها وأطالب نفسي بها. والصحيح أنه توفى في هذه السنة، وقيل في سنة ثلاثين ومائتين، وقيل غير ذلك فالله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وأربعين ومائتين في شوال منها كان مقتل الخليفة المتوكل على الله على يد ولده المنتصر، وكان سبب ذلك أنه أمر ابنه عبد الله المعتز الّذي هو ولى العهد من بعده أن يخطب بالناس في يوم جمعة، فأدّاها أداء عظيما بليغا، فبلغ ذلك من المنتصر كل مبلغ، وحنق على أبيه وأخيه، فأحضره أبوه وأهانه وأمر بضربه في رأسه وصفعه، وصرح بعزله عن ولاية العهد من بعد أخيه، فاشتد أيضا حنقه أكثر مما كان. فلما كان يوم عيد الفطر خطب المتوكل بالناس وعنده بعض ضعف من علة به، ثم عدل إلى خيام قد ضربت له أربعة أميال في مثلها، فنزل هناك ثم استدعى في يوم ثالث شوال بند مائه على عادته في سمره وحضرته، وشربه، ثم تمالأ ولده المنتصر وجماعة من الأمراء على الفتك به فدخلوا عليه ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال، ويقال من شعبان من هذه السنة، وهو على السماط فابتدروه بالسيوف فقتلوه ثم ولوا بعده ولده المنتصر. وهذه ترجمة المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن محمد المهدي بن المنصور العباسي، وأم المتوكل أم ولد يقال لها

стр. 3533

شجاع، وكانت من سروات النساء سنحا وحزما. كان مولده بفم الصلح سنة سبع ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أخيه الواثق في يوم الأربعاء لست بقين من ذي الحجة لسنة ثنتين وثلاثين ومائتين. وقد روى الخطيب من طريقه عن يحيى بن أكثم عن محمد بن عبد الوهاب عن سفيان عن الأعمش عن موسى بن عبد الله بن يزيد عن عبد الرحمن بن هلال عن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: «من حرم الرّفق حرم الخير». ثم أنشأ المتوكل يقول: الرّفق يمن والاناة سعادة … فاستأذن في رفق تلاق نجاحا لا خير في حزم بغير رويّة … والشك وهن إن أردت سراحا وقال ابن عساكر في تاريخه: وحدث عن أبيه المعتصم ويحيى بن أكثم القاضي. وروى عنه على ابن الجهم الشاعر، وهشام بن عمار الدمشقيّ، وقدم المتوكل دمشق في خلافته وبنى بها قصرا بأرض داريا. وقال يوما لبعضهم: إن الخلفاء تتغضب على الرعية لتطيعها، وإني ألين لهم ليحبوني ويطيعوني. وقال أحمد بن مروان المالكي: ثنا أحمد بن على البصري قال: وجه المتوكل إلى أحمد بن المعذل وغيره من العلماء فجمعهم في داره ثم خرج عليهم فقام الناس كلهم إليه إلا أحمد بن المعذل. فقال المتوكل لعبيد الله: إن هذا لا يرى بيعتنا؟ فقال: يا أمير المؤمنين بلى! ولكن في بصره سوء. فقال أحمد بن المعذل: يا أمير المؤمنين ما في بصرى سوء، ولكن نزهتك من عذاب الله. قال النبي ﷺ : «من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوَّأ مقعده من النار». فجاء المتوكل فجلس إلى جنبه. وروى الخطيب أن على بن الجهم دخل على المتوكل وفي يده درتان يقلبهما فأنشده قصيدته التي يقول فيها: - وإذا مررت ببئر عروة … فاستقى من مائها فأعطاه التي في يمينه وكانت تساوى مائة ألف. ثم أنشده: بسر من رأى أمير … تغرف من بحرة البحار يرجى ويخشى لكل خطب … كأنه جنة ونار الملك فيه وفي بنيه … ما اختلف الليل والنهار يداه في الجود ضرتان … عليه كلتاهما تغار لم تأت منه اليمين شيئا … إلا أتت مثله اليسار قال: فأعطاه التي في يساره أيضا. قال الخطيب: وقد رويت هذه الأبيات لعلى بن هارون البحتري في المتوكل. وروى ابن عساكر عن على بن الجهم قال: وقفت فتحية حظية المتوكل بين يديه وقد كتبت على خدها بالغالية جعفر فتأمل ذلك ثم أنشأ يقول:

стр. 3534

وكاتبه في الخد بالمسك جعفرا … بنفسي تحط المسك من حيث أثرا لئن أودعت سطرا من المسك خدها … لقد أودعت قلبي من الحب اسطرا فيا من مناها في السريرة جعفر … سقى الله من سقيا ثناياك جعفرا ويا من لمملوك بملك يمينه … مطيع له فيما اسر وأظهرا قال ثم أمر المتوكل عربا فغنت به. وقال الفتح بن خاقان: دخلت يوما على المتوكل فإذا هو مطرق مفكر فقلت: يا أمير المؤمنين مالك مفكر؟ فو الله ما على الأرض أطيب منك عيشا، ولا أنعم منك بالا. قال: بلى أطيب منى عيشا رجل له دار واسعة وزوجة صالحة ومعيشة حاضرة، لا يعرفنا فنؤذيه، ولا يحتاج إلينا فنزدريه. وكان المتوكل محببا إلى رعيته قائما في نصرة أهل السنة، وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتله أهل الردة، لأنه نصر الحق ورده عليهم حتى رجعوا إلى الدين. وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بنى أمية. وقد أظهر السنة بعد البدعة، وأخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه الله. وقد رآه بعضهم في المنام بعد موته وهو جالس في نور قال فقلت: المتوكل؟ قال: المتوكل. قلت: فما فعل بك ربك؟ قال: غفر لي. قلت: بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. وروى الخطيب عن صالح بن أحمد أنه رأى في منامه ليلة مات المتوكل كأن رجلا يصعد به إلى السماء وقائلا يقول: ملك يقاد إلى مليك عادل … متفضل في العفو ليس بجائر وروى عن عمرو بن شيبان الحلبي قال: رأيت ليلة المتوكل قائلا يقول: - يا نائم العين في أوطان جثمان … أفض دموعك يا عمرو بن شيبان أما ترى الفئة الأرجاس ما فعلوا … بالهاشميّ وبالفتح بن خاقان وافى إلى الله مظلوما فضج له … أهل السموات من مثنى ووحدان وسوف يأتيكم من بعده فتن … توقعوها لها شأن من الشان فابكوا على جعفر وابكوا خليفتكم … فقد بكاه جميع الأنس والجان قال: فلما أصبحت أخبرت الناس برؤياى فجاء نعى المتوكل أنه قد قتل في تلك الليلة، قال ثم رأيته بعد هذا بشهر وهو واقف بين يدي الله فقلت: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لي. قلت بماذا؟ قال: بقليل من السنة أحييتها. قلت فما تصنع هاهنا؟ قال: أنتظر ابني محمدا أخاصمه إلى الله الحليم العظيم الكريم. وذكرنا قريبا كيفية مقتله وأنه قتل في ليلة الأربعاء أول الليل لأربع خلت من شوال من هذه السنة - أعنى سنة سبع وأربعين ومائتين - بالمتوكلية وهي الماحوزية، وصلى عليه يوم الأربعاء،

стр. 3535

ودفن بالجعفرية وله من العمر أربعون سنة، وكانت مدة خلافته أربع عشرة سنة وعشرة أشهر وثلاثة أيام. وكان أسمر حسن العينين نحيف الجسم خفيف العارضين أقرب إلى القصر والله سبحانه اعلم. خلافة محمد المنتصر بن المتوكل قد تقدم أنه تمالأ هو وجماعة من الأمراء على قتل أبيه، وحين قتل بويع له بالخلافة في الليل، فلما كان الصباح من يوم الأربعاء رابع شوال أخذت له البيعة من العامة وبعث إلى أخيه المعتز فأحضره إليه فبايعه المعتز، وقد كان المعتز هو ولى العهد من بعد أبيه، ولكنه أكرهه وخاف فسلم وبايع. فلما أخذت البيعة له كان أول ما تكلم به أنه اتهم الفتح بن خاقان على قتل أبيه، وقتل الفتح أيضا، ثم بعث البيعة له إلى الآفاق. وفي ثانى يوم من خلافته ولى المظالم لأبى عمرة أحمد ابن سعيد مولى بنى هاشم فقال الشاعر: يا ضيعة الإسلام لما ولى … مظالم الناس أبو عمره صيّر مأمونا على أمة … وليس مأمونا على بعرة وكانت البيعة له بالمتوكلية، وهي الماحوزة، فأقام بها عشرة أيام ثم تحول هو وجميع قوّاده وحشمه منها إلى سامرا. وفيها في ذي الحجة أخرج المنتصر عمه على بن المعتصم من سامرا إلى بغداد ووكل به. وحج بالناس محمد بن سليمان الزينبي. وفيها توفى من الأعيان إبراهيم بن سعيد الجوهري. وسفيان بن وكيع بن الجراح، وسلمة بن شبيب. وأبو عثمان المازني النحويّ واسمه بكر بن محمد بن عثمان البصري شيخ النحاة في زمانه، أخذه عن أبى عبيدة والأصمعي وأبى زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه أبو العباس المبرد وأكثر عنه، وللمازنى مصنفات كثيرة في هذا الشأن. وكان شبيها بالفقهاء ورعا زاهدا ثقة مأمونا. روى عنه المبرد أن رجلا من أهل الذمة طلب منه أن يقرأ عليه كتاب سيبويه ويعطيه مائة دينار فامتنع من ذلك. فلامه بعض الناس في ذلك فقال: إنما تركت أخذ الأجرة عليه لما فيه من آيات الله تعالى. فاتفق بعد هذا أن جارية غنت بحضرة الواثق: أظلوم إن مصابكم رجلا … رد السلام تحية ظلم فاختلف من بحضرة الواثق في إعراب هذا البيت، وهل يكون رجلا مرفوعا أو منصوبا، وبم نصب؟ أهو اسم أو ماذا؟ وأصرت الجارية على أن المازني حفظها هذا هكذا. قال فأرسل الخليفة إليه، فلما مثل بين يديه قال له: أنت المازني؟ قال: نعم. قال من مازن تميم أم من مازن ربيعة أم مازن قيس؟ فقلت من مازن ربيعة. فأخذ يكلمني بلغني، فقال: باسمك؟ وهم يقلبون الباء ميما والميم باء، فكرهت أن أقول مكر فقلت: بكر، فأعجبه إعراضي عن المكر إلى البكر، وعرف ما أردت.

стр. 3536

فقال: على م انتصب رجلا؟ فقلت: لأنه معمول المصدر بمصابكم فأخذ اليزيدي يعارضه فعلاه المازني بالحجة فأطلق له الخليفة ألف دينار ورده إلى أهله مكرما. فعوضه الله عن المائة الدينار - لما تركها لله سبحانه ولم يمكن الّذي من قراءة الكتاب لأجل ما فيه من القرآن - ألف دينار عشرة أمثالها. روى المبرد عنه قال: أقرأت رجلا كتاب سيبويه إلى آخره، فلما انتهى إلى آخره قال لي: أما أنت أيها الشيخ فجزاك الله خيرا، وأما أنا فو الله ما فهمت منه حرفا. توفى المازني في هذه السنة وقيل في سنة ثمان وأربعين. ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين فيها أغزى المنتصر وصيفا التركي الصائفة لقتال الروم، وذلك أن ملك الروم قصد بلاد الشام، فعند ذلك جهز المنتصر وصيفا وجهز معه نفقات وعددا كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيم بالثغر أربع سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق كتابا عظيما فيه آيات كثيرة في التحريض للناس على القتال والترغيب فيه. وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر خلع أبو عبد الله المعتز والمؤيد إبراهيم أنفسهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنهما عاجزان عن الخلافة، والمسلمين في حل من بيعتهما، وذلك بعد ما تهددهما أخوهما المنتصر وتوعدهما بالقتل إن لم يفعلا ذلك، ومقصودة تولية ابنه عبد الوهاب بإشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطب بذلك على رءوس الأشهاد بحضرة القواد والقضاة وأعيان الناس والعوام، وكتب بذلك إلى الآفاق ليعلموا بذلك ويخطبوا له بذلك على المنابر، ويتوالى على محال الكتابة، والله غالب على أمره، فأراد أن يسلبهما الملك ويجعله في ولده، والأقدار تكذبه وتخالفه، وذلك أنه لم يستكمل بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر من هذه السنة عرضت له علة كان فيها حتفه، وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنه يصعد سلما فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصّها على بعض المعبرين فقال: تلى خمسا وعشرين سنة الخلافة، وإذا هي مدة عمره قد استكملها في هذه السنة. وقال بعضهم: دخلنا عليه يوما فإذا هو يبكى وينتحب شديدا، فسأله بعض أصحابه عن بكائه فقال: رأيت أبى المتوكل في منامي هذا وهو يقول: ويلك يا محمد قتلتني وظلمتني وغصبتني خلافتي، والله لا أمتعت بها بعدي إلا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار. قال: فما أملك عيني ولا جزعي. فقال له أصحابه من الغرارين الذين يغزون الناس ويفتنونهم: هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب، قم بنا إلى الشراب ليذهب همك وحزنك. فأمر بالشراب فأحضر وجاء ندماؤه فأخذه في الخمر وهو منكسر الهمة، وما زال كذلك مكسورا حتى مات. وقد اختلفوا في علته التي كان فيها هلاكه، فقيل داء في رأسه فقطر في أذنه دهن فلما وصل

стр. 3537

إلى دماغه عوجل بالموت، وقيل بل ورمت معدته فانتهى الورم إلى قلبه فمات، وقيل بل أصابته ذبحة فاستمرت به عشرة أيام فمات، وقيل بل فصده الحجام بمفصد مسموم فمات من يومه. قال ابن جرير: أخبرنى بعض أصحابنا أن هذا الحجام رجع إلى منزله وهو محموم فدعا تلميذا له حتى يفصده فأخذ مبضع أستاذه ففصده به وهو لا يشعر وأنسى الله سبحانه الحجام فما ذكر حتى رآه قد فصده به وتحكم فيه السم، فأوصى عند ذلك ومات من يومه. وذكر ابن جرير أن أم الخليفة دخلت عليه وهو في مرضه الّذي مات فيه فقالت له: كيف حالك؟ فقال: ذهبت منى الدنيا والآخرة، ويقال إنه أنشد لما أحيط به وأيس من الحياة: فما فرحت نفسي بدنيا أصبتها … ولكن إلى الحرب الكريم أصير فمات يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وقت صلاة العصر، عن خمس وعشرين سنة، قيل وستة أشهر. ولا خلاف أنه إنما مكث بالخلافة ستة أشهر لا أزيد منها. وذكر ابن جرير عن بعض أصحابه أنه لم يزل يسمع الناس يقولون - العامة وغيرهم حين ولى المنتصر - إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر، وذلك مدة خلافة من قتل أباه لأجلها، كما مكث شبرويه بن كسرى حين قتل أباه لأجل الملك. وكذلك وقع، وقد كان المنتصر أعين أقنى قصيرا مهيبا جيد البدن، وهو أول خليفة من بنى العباس أبرز قبره بإشارة أمه حبشية الروميّة. ومن جيد كلامه قوله: والله ما عز ذو باطل قط، ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل ذو حق قط ولو أصفق العالم عليه. *** بحمد الله تعالى قد تم طبع الجزء العاشر من البداية والنهاية ويليه الجزء الحادي عشر وأوله خلافة أحمد المستعين بالله. والله نسأل المعونة والتوفيق.

стр. 3538

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ خلافة المستعين بالله وهو أبو العباس أحمد بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة يوم مات المنتصر، بايعه عموم الناس، ثم خرجت عليه شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور. فالتف عليهم خلق، وقام بنصر المستعين جمهور الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما فقتل منهم خلق من الفريقين، وانتهبت أماكن كثيرة من بغداد، وجرت فتن منتشرة كثيرة جدا، ثم استقر الأمر للمستعين فعزل وولى وقطع ووصل، وأمر ونهى أياما ومدة غير طويلة. وفيها مات بغا الكبير في جمادى الآخرة منها، فولى الخليفة مكانه ولده موسى بن بغا. وقد كانت له همم عالية وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية وكان له من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار. وترك عشر حبات جوهر قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، وثلاث جبات سلا ذهبا وورق وفيها عدا أهل حمص على عاملهم فأخرجوه من بين أظهرهم، فأخذ منهم المستعين مائة رجل من سراتهم وأمر بهدم سورهم. وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبي. وفيها توفى من الأعيان أحمد ابن صالح. والحسين بن على الكرابيسي. وعبد الجبار بن العلاء. وعبد الملك بن شعيب. وعيسى ابن حماد. ومحمد بن حميد الرازيّ. ومحمد بن زينور. ومحمد بن العلاء أبو كريب. ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعيّ وأبو حاتم السجستاني واسمه سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي أبو حاتم النحويّ اللغوي صاحب المصنفات

стр. 3539

الكثيرة وكان بارعا في اللغة. اشتغل فيها على أبى عبيد والأصمعي، وأكثر الرواية عن أبى زيد الأنصاري. وأخذ عنه المبرّد وابن دريد وغيرهما. وكان صالحا كثير الصدقة والتلاوة، كان يتصدق كل يوم بدينار ويقرأ في كل أسبوع بختمة، وله شعر كثير منه قوله: أبرزوا وجهه الجميل … ولاموا من افتتن لو أرادوا صيانتى … ستروا وجهه الحسن كانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب من هذه السنة ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين في يوم الجمعة للنصف من رجب التقى جمع من المسلمين وخلق من الروم بالقرب من ملطية، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين خلق كثير، وقتل أمير المسلمين عمر بن عبد الله بن الأقطع، وقتل معه ألفا رجل من المسلمين، وكذلك قتل على بن يحيى الأرمني، وكان أميرا في طائفة من المسلمين أيضا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام. ووقعت فتنة عظيمة ببغداد في أول يوم من صفر منها، وذلك أن العامة كرهوا جماعة من الأمراء الذين قد تغلبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكل واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده، فنهضوا إلى السجن فأخرجوا من كان فيه، وجاءوا إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار، وأحرقوا ونادوا بالنفير فاجتمع خلق كثير وجم غفير، ونهبوا أماكن متعددة، وذلك بالجانب الشرقي من بغداد. ثم جمع أهل اليسار أموالا كثيرة من أهل بغداد لتصرف إلى من ينهض إلى ثغور المسلمين لقتال العدو عوضا عن من قتل من المسلمين هناك، فأقبل الناس من نواحي الجبال وأهواز وفارس وغيرها لغزو الروم، وذلك أن الخليفة والجيش لم ينهضوا إلى بلاد الروم وقتال أعداء الإسلام، وقد ضعف جانب الخلافة واشتغلوا بالقيان والملاهي، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك وفعلوا ما ذكرنا. ولتسع بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامرا إلى السجن فأخرجوا من فيه أيضا كما فعل أهل بغداد وجاءهم قوم من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فعند ذلك ركب وصيف وبغا الصغير وعامة الأتراك فقتلوا من العامة خلقا كثيرا، وجرت فتن طويلة ثم سكنت. وفي منتصف ربيع الآخر وقعت فتنة بين الأتراك وذلك أن المستعين قد فوض أمر الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة وهم أتامش التركي، وكان أخص من عند الخليفة وهو بمنزلة الوزير، وفي حجره العباس بن المستعين يربيه ويعلمه الفروسية. وشاهك الخادم، وأم الخليفة. وكان لا يمنعها شيئا تريده، وكان لها كاتب يقال له سلمة بن سعيد النصراني. فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يبق ببيت المال شيئا، فغضب الأتراك من ذلك وغاروا منه فاجتمعوا

стр. 3540

وركبوا عليه وأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، ولم يمكنه منعه منهم ولا دفعهم عنه، فأخذوه صاغرا فقتلوه وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره، واستوزر الخليفة بعده أبا صالح عبد الله بن محمد ابن يزداد، وولى بغا الصغير فلسطين، وولى وصيفا الأهواز، وجرى خبط كثير وشر كثير، ووهن الخليفة وضعف. وتحركت المغاربة بسامراء في يوم الخميس لثلاث خلون من جمادى الآخرة، فكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرقون. وفي يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تموز، مطر أهل سامرا مطرا عظيما برعد شديد، وبرق متصل وغيم منعقد مطبق والمطر مستهل كثير من أول النهار إلى اصفرار الشمس، وفي ذي الحجة أصاب أهل الري زلزلة شديدة جدا، وتبعتها رجفة هائلة تهدمت منها الدور ومات منها خلق كثير، وخرج بقية أهلها إلى الصحراء. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الامام وهو والى مكة. وفيها توفى من الأعيان أيوب بن محمد الوزان. والحسن بن الصباح البزار صاحب كتاب السنن. ورجاء بن مرجا الحافظ. وعبد بن حميد صاحب التفسير الحافل. وعمرو بن على الفلاس وعلى بن الجهم ابن بدر بن مسعود بن أسد القرشي السامي من ولد سامة بن لؤيّ الخراساني ثم البغدادي، أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين. وله ديوان شعر فيه أشعار حسنة، وكان فيه تحامل على على بن أبى طالب ﵁، وكان له خصوصية بالمتوكل ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان وأمر نائبة بها أن يضربه مجردا ففعل به ذلك، ومن مستجاد شعره: بلاء ليس يعدله بلاء … عداوة غير ذي حسب ودين يبيحك منه عرضا لم يصنه … ويرتع منك في عرض مصون قال ذلك في مروان بن حفصة حين هجاء فقال في هجائه له: لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر … وهذا على بعده يدعى الشعرا ولكن أبى قد كان جارا لأمه … فلما ادعى الاشعار أو همني أمرا كان على بن الجهم قد قدم الشام ثم عاد قاصدا العراق، فلما جاوز حلب ثار عليه أناس من بنى كلب فقاتلهم فجرح جرحا بليغا فكان فيه حتفه، فوجد في ثيابه رقعة مكتوب فيها: يا رحمتا للغريب بالبلد … النازح ماذا بنفسه صنعا فارق أحبابه فما انتفعوا … بالعيش من بعده وما انتفعا كانت وفاته بهذا السبب في هذه السنة
следующие страницы →