فقال: على م انتصب رجلا؟ فقلت: لأنه معمول المصدر بمصابكم فأخذ اليزيدي يعارضه فعلاه المازني بالحجة فأطلق له الخليفة ألف دينار ورده إلى أهله مكرما. فعوضه الله عن المائة الدينار - لما تركها لله سبحانه ولم يمكن الّذي من قراءة الكتاب لأجل ما فيه من القرآن - ألف دينار عشرة أمثالها. روى المبرد عنه قال: أقرأت رجلا كتاب سيبويه إلى آخره، فلما انتهى إلى آخره قال لي: أما أنت أيها الشيخ فجزاك الله خيرا، وأما أنا فو الله ما فهمت منه حرفا. توفى المازني في هذه السنة وقيل في سنة ثمان وأربعين.
ثم دخلت سنة ثمان وأربعين ومائتين
فيها أغزى المنتصر وصيفا التركي الصائفة لقتال الروم، وذلك أن ملك الروم قصد بلاد الشام، فعند ذلك جهز المنتصر وصيفا وجهز معه نفقات وعددا كثيرة، وأمره إذا فرغ من قتال الروم أن يقيم بالثغر أربع سنين، وكتب له إلى محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق كتابا عظيما فيه آيات كثيرة في التحريض للناس على القتال والترغيب فيه. وفي ليلة السبت لسبع بقين من صفر خلع أبو عبد الله المعتز والمؤيد إبراهيم أنفسهما من الخلافة، وأشهدا عليهما بذلك، وأنهما عاجزان عن الخلافة، والمسلمين في حل من بيعتهما، وذلك بعد ما تهددهما أخوهما المنتصر وتوعدهما بالقتل إن لم يفعلا ذلك، ومقصودة تولية ابنه عبد الوهاب بإشارة أمراء الأتراك بذلك. وخطب بذلك على رءوس الأشهاد بحضرة القواد والقضاة وأعيان الناس والعوام، وكتب بذلك إلى الآفاق ليعلموا بذلك ويخطبوا له بذلك على المنابر، ويتوالى على محال الكتابة، والله غالب على أمره، فأراد أن يسلبهما الملك ويجعله في ولده، والأقدار تكذبه وتخالفه، وذلك أنه لم يستكمل بعد قتل أبيه سوى ستة أشهر، ففي أواخر صفر من هذه السنة عرضت له علة كان فيها حتفه، وقد كان المنتصر رأى في منامه كأنه يصعد سلما فبلغ إلى آخر خمس وعشرين درجة. فقصّها على بعض المعبرين فقال: تلى خمسا وعشرين سنة الخلافة، وإذا هي مدة عمره قد استكملها في هذه السنة. وقال بعضهم: دخلنا عليه يوما فإذا هو يبكى وينتحب شديدا، فسأله بعض أصحابه عن بكائه فقال: رأيت أبى المتوكل في منامي هذا وهو يقول: ويلك يا محمد قتلتني وظلمتني وغصبتني خلافتي، والله لا أمتعت بها بعدي إلا أياما يسيرة ثم مصيرك إلى النار. قال: فما أملك عيني ولا جزعي. فقال له أصحابه من الغرارين الذين يغزون الناس ويفتنونهم: هذه رؤيا وهي تصدق وتكذب، قم بنا إلى الشراب ليذهب همك وحزنك. فأمر بالشراب فأحضر وجاء ندماؤه فأخذه في الخمر وهو منكسر الهمة، وما زال كذلك مكسورا حتى مات.
وقد اختلفوا في علته التي كان فيها هلاكه، فقيل داء في رأسه فقطر في أذنه دهن فلما وصل
стр. 3537
إلى دماغه عوجل بالموت، وقيل بل ورمت معدته فانتهى الورم إلى قلبه فمات، وقيل بل أصابته ذبحة فاستمرت به عشرة أيام فمات، وقيل بل فصده الحجام بمفصد مسموم فمات من يومه. قال ابن جرير: أخبرنى بعض أصحابنا أن هذا الحجام رجع إلى منزله وهو محموم فدعا تلميذا له حتى يفصده فأخذ مبضع أستاذه ففصده به وهو لا يشعر وأنسى الله سبحانه الحجام فما ذكر حتى رآه قد فصده به وتحكم فيه السم، فأوصى عند ذلك ومات من يومه. وذكر ابن جرير أن أم الخليفة دخلت عليه وهو في مرضه الّذي مات فيه فقالت له: كيف حالك؟ فقال: ذهبت منى الدنيا والآخرة، ويقال إنه أنشد لما أحيط به وأيس من الحياة:
فما فرحت نفسي بدنيا أصبتها … ولكن إلى الحرب الكريم أصير
فمات يوم الأحد لخمس بقين من ربيع الآخر من هذه السنة، وقت صلاة العصر، عن خمس وعشرين سنة، قيل وستة أشهر. ولا خلاف أنه إنما مكث بالخلافة ستة أشهر لا أزيد منها. وذكر ابن جرير عن بعض أصحابه أنه لم يزل يسمع الناس يقولون - العامة وغيرهم حين ولى المنتصر - إنه لا يمكث في الخلافة سوى ستة أشهر، وذلك مدة خلافة من قتل أباه لأجلها، كما مكث شبرويه بن كسرى حين قتل أباه لأجل الملك. وكذلك وقع، وقد كان المنتصر أعين أقنى قصيرا مهيبا جيد البدن، وهو أول خليفة من بنى العباس أبرز قبره بإشارة أمه حبشية الروميّة.
ومن جيد كلامه قوله: والله ما عز ذو باطل قط، ولو طلع القمر من جبينه، ولا ذل ذو حق قط ولو أصفق العالم عليه.
***
بحمد الله تعالى قد تم طبع الجزء العاشر من البداية والنهاية ويليه الجزء الحادي عشر وأوله خلافة أحمد المستعين بالله. والله نسأل المعونة والتوفيق.
стр. 3538
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
خلافة المستعين بالله
وهو أبو العباس أحمد بن محمد المعتصم. بويع له بالخلافة يوم مات المنتصر، بايعه عموم الناس، ثم خرجت عليه شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور. فالتف عليهم خلق، وقام بنصر المستعين جمهور الجيش، فاقتتلوا قتالا شديدا أياما فقتل منهم خلق من الفريقين، وانتهبت أماكن كثيرة من بغداد، وجرت فتن منتشرة كثيرة جدا، ثم استقر الأمر للمستعين فعزل وولى وقطع ووصل، وأمر ونهى أياما ومدة غير طويلة. وفيها مات بغا الكبير في جمادى الآخرة منها، فولى الخليفة مكانه ولده موسى بن بغا. وقد كانت له همم عالية وآثار سامية، وغزوات في المشارق والمغارب متوالية وكان له من المتاع والضياع ما قيمته عشرة آلاف ألف دينار. وترك عشر حبات جوهر قيمتها ثلاثة آلاف ألف دينار، وثلاث جبات سلا ذهبا وورق وفيها عدا أهل حمص على عاملهم فأخرجوه من بين أظهرهم، فأخذ منهم المستعين مائة رجل من سراتهم وأمر بهدم سورهم. وفيها حج بالناس محمد بن سليمان الزينبي.
وفيها توفى من الأعيان
أحمد ابن صالح. والحسين بن على الكرابيسي. وعبد الجبار بن العلاء. وعبد الملك بن شعيب. وعيسى ابن حماد. ومحمد بن حميد الرازيّ. ومحمد بن زينور. ومحمد بن العلاء أبو كريب. ومحمد بن يزيد أبو هشام الرفاعيّ
وأبو حاتم السجستاني
واسمه سهل بن محمد بن عثمان بن يزيد الجشمي أبو حاتم النحويّ اللغوي صاحب المصنفات
стр. 3539
الكثيرة وكان بارعا في اللغة. اشتغل فيها على أبى عبيد والأصمعي، وأكثر الرواية عن أبى زيد الأنصاري. وأخذ عنه المبرّد وابن دريد وغيرهما. وكان صالحا كثير الصدقة والتلاوة، كان يتصدق كل يوم بدينار ويقرأ في كل أسبوع بختمة، وله شعر كثير منه قوله:
أبرزوا وجهه الجميل … ولاموا من افتتن
لو أرادوا صيانتى … ستروا وجهه الحسن
كانت وفاته في المحرم، وقيل في رجب من هذه السنة
ثم دخلت سنة تسع وأربعين ومائتين
في يوم الجمعة للنصف من رجب التقى جمع من المسلمين وخلق من الروم بالقرب من ملطية، فاقتتلوا قتالا شديدا، قتل من الفريقين خلق كثير، وقتل أمير المسلمين عمر بن عبد الله بن الأقطع، وقتل معه ألفا رجل من المسلمين، وكذلك قتل على بن يحيى الأرمني، وكان أميرا في طائفة من المسلمين أيضا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وقد كان هذان الأميران من أكبر أنصار الإسلام. ووقعت فتنة عظيمة ببغداد في أول يوم من صفر منها، وذلك أن العامة كرهوا جماعة من الأمراء الذين قد تغلبوا على أمر الخلافة وقتلوا المتوكل واستضعفوا المنتصر والمستعين بعده، فنهضوا إلى السجن فأخرجوا من كان فيه، وجاءوا إلى أحد الجسرين فقطعوه وضربوا الآخر بالنار، وأحرقوا ونادوا بالنفير فاجتمع خلق كثير وجم غفير، ونهبوا أماكن متعددة، وذلك بالجانب الشرقي من بغداد. ثم جمع أهل اليسار أموالا كثيرة من أهل بغداد لتصرف إلى من ينهض إلى ثغور المسلمين لقتال العدو عوضا عن من قتل من المسلمين هناك، فأقبل الناس من نواحي الجبال وأهواز وفارس وغيرها لغزو الروم، وذلك أن الخليفة والجيش لم ينهضوا إلى بلاد الروم وقتال أعداء الإسلام، وقد ضعف جانب الخلافة واشتغلوا بالقيان والملاهي، فعند ذلك غضبت العوام من ذلك وفعلوا ما ذكرنا. ولتسع بقين من ربيع الأول نهض عامة أهل سامرا إلى السجن فأخرجوا من فيه أيضا كما فعل أهل بغداد وجاءهم قوم من الجيش يقال لهم الزرافة فهزمتهم العامة، فعند ذلك ركب وصيف وبغا الصغير وعامة الأتراك فقتلوا من العامة خلقا كثيرا، وجرت فتن طويلة ثم سكنت.
وفي منتصف ربيع الآخر وقعت فتنة بين الأتراك وذلك أن المستعين قد فوض أمر الخلافة والتصرف في أموال بيت المال إلى ثلاثة وهم أتامش التركي، وكان أخص من عند الخليفة وهو بمنزلة الوزير، وفي حجره العباس بن المستعين يربيه ويعلمه الفروسية. وشاهك الخادم، وأم الخليفة.
وكان لا يمنعها شيئا تريده، وكان لها كاتب يقال له سلمة بن سعيد النصراني. فأقبل أتامش فأسرف في أخذ الأموال حتى لم يبق ببيت المال شيئا، فغضب الأتراك من ذلك وغاروا منه فاجتمعوا
стр. 3540
وركبوا عليه وأحاطوا بقصر الخلافة وهو عند المستعين، ولم يمكنه منعه منهم ولا دفعهم عنه، فأخذوه صاغرا فقتلوه وانتهبوا أمواله وحواصله ودوره، واستوزر الخليفة بعده أبا صالح عبد الله بن محمد ابن يزداد، وولى بغا الصغير فلسطين، وولى وصيفا الأهواز، وجرى خبط كثير وشر كثير، ووهن الخليفة وضعف. وتحركت المغاربة بسامراء في يوم الخميس لثلاث خلون من جمادى الآخرة، فكانوا يجتمعون فيركبون ثم يتفرقون. وفي يوم الجمعة لخمس بقين من جمادى الأولى، وهو اليوم السادس عشر من تموز، مطر أهل سامرا مطرا عظيما برعد شديد، وبرق متصل وغيم منعقد مطبق والمطر مستهل كثير من أول النهار إلى اصفرار الشمس، وفي ذي الحجة أصاب أهل الري زلزلة شديدة جدا، وتبعتها رجفة هائلة تهدمت منها الدور ومات منها خلق كثير، وخرج بقية أهلها إلى الصحراء. وفيها حج بالناس عبد الصمد بن موسى بن محمد بن إبراهيم الامام وهو والى مكة.
وفيها توفى من الأعيان
أيوب بن محمد الوزان. والحسن بن الصباح البزار صاحب كتاب السنن.
ورجاء بن مرجا الحافظ. وعبد بن حميد صاحب التفسير الحافل. وعمرو بن على الفلاس
وعلى بن الجهم
ابن بدر بن مسعود بن أسد القرشي السامي من ولد سامة بن لؤيّ الخراساني ثم البغدادي، أحد الشعراء المشهورين وأهل الديانة المعتبرين. وله ديوان شعر فيه أشعار حسنة، وكان فيه تحامل على على بن أبى طالب ﵁، وكان له خصوصية بالمتوكل ثم غضب عليه فنفاه إلى خراسان وأمر نائبة بها أن يضربه مجردا ففعل به ذلك، ومن مستجاد شعره:
بلاء ليس يعدله بلاء … عداوة غير ذي حسب ودين
يبيحك منه عرضا لم يصنه … ويرتع منك في عرض مصون
قال ذلك في مروان بن حفصة حين هجاء فقال في هجائه له:
لعمرك ما الجهم بن بدر بشاعر … وهذا على بعده يدعى الشعرا
ولكن أبى قد كان جارا لأمه … فلما ادعى الاشعار أو همني أمرا
كان على بن الجهم قد قدم الشام ثم عاد قاصدا العراق، فلما جاوز حلب ثار عليه أناس من بنى كلب فقاتلهم فجرح جرحا بليغا فكان فيه حتفه، فوجد في ثيابه رقعة مكتوب فيها:
يا رحمتا للغريب بالبلد … النازح ماذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا … بالعيش من بعده وما انتفعا
كانت وفاته بهذا السبب في هذه السنة
стр. 3541
ثم دخلت سنة خمسين ومائتين من الهجرة
فيها كان ظهور أبى الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب، وأمه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد الله بن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر ابن أبى طالب. وذلك أنه أصابته فاقة شديدة فدخل سامرا فسأل وصيفا أن يجرى عليه رزقا فأغلظ له القول. فرجع إلى أرض الكوفة فاجتمع عليه خلق من الأعراب، وخرج إليه خلق من أهل الكوفة، فنزل على الفلوجة وقد كثر الجمع معه، فكتب محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق إلى عامله بالكوفة - وهو أبو أيوب بن الحسين بن موسى بن جعفر بن سليمان - يأمره بقتاله. ودخل يحيى ابن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة فاحتوى على بيت مالها فلم يجد فيه سوى ألفى دينار وسبعين ألف درهم، وظهر أمره بالكوفة وفتح السجنين وأطلق من فيهما، وأخرج نواب الخليفة منها وأخذ أموالهم واستحوذ عليها، واستحكم أمره بها، والتف عليه خلق من الزيدية وغيرهم، ثم خرج من الكوفة إلى سوادها ثم كر راجعا إليها، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقب وجه الفلس، فقاتله قتالا شديدا فانهزم وجه الفلس ودخل يحيى بن عمر الكوفة ودعا إلى الرضى من آل محمد، وقوى أمره جدا، وصار إليه جماعة كثيرة من أهل الكوفة، وتولاه أهل بغداد من العامة وغيرهم ممن ينسب إلى التشيع، وأحبوه أكثر من كل من خرج قبله من أهل البيت، وشرع في تحصيل السلاح وإعداد آلات الحرب وجمع الرجال. وقد هرب نائب الكوفة منها إلى ظاهرها، واجتمع إليه أمداد كثيرة من جهة الخليفة مع محمد بن عبد الله بن طاهر، واستراحوا وجمعوا خيولهم، فلما كان اليوم الثاني عشر من رجب أشار من أشار على يحيى بن عمر ممن لا رأى له، أن يركب ويناجز الحسين ابن إسماعيل ويكبس جيشه، فركب في جيش كثير فيه خلق من الفرسان والمشاة أيضا من عامة أهل الكوفة بغير أسلحة، فساروا إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا في ظلمة آخر الليل، فما طلع الفجر إلا وقد انكشف أصحاب يحيى بن عمر، وقد تقنطر به فرسه ثم طعن في ظهره فخر أيضا، فأخذوه وحزوا رأسه وحملوه إلى الأمير فبعثوه إلى ابن طاهر فأرسله إلى الخليفة من الغد مع رجل يقال له عمر بن الخطاب، أخى عبد الرحمن بن الخطاب، فنصب بسامراء ساعة من النهار ثم بعث به إلى بغداد فنصب عند الجسر، ولم يمكن نصبه من كثرة العامة فجعل في خزائن السلاح. ولما جيء برأس يحيى بن عمر إلى محمد بن عبد الله بن طاهر دخل الناس يهنونه بالفتح والظفر، فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فقال له: أيها الأمير! إنك لتهنى بقتل رجل لو كان رسول الله ﷺ حيا لعزى به، فما رد عليه شيئا ثم خرج أبو هاشم الجعفري وهو يقول:
يا بنى طاهر كلوه وبيا … إن لحم النبي غير مري
стр. 3542
إن وترا يكون طالبه الله … لوتر تجاحه بالحرى
وكان الخليفة قد وجه أميرا إلى الحسين بن إسماعيل نائب الكوفة، فلما قتل يحيى بن عمر دخلوا الكوفة فأراد ذلك الأمير أن يضع في أهلها السيف فمنعه الحسين وأمن الأسود والأبيض، وأطفأ الله هذه الفتنة.
فلما كان رمضان من هذه السنة خرج الحسن بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسين بن زيد ابن الحسن بن على بن أبى طالب بناحية طبرستان، وكان سبب خروجه أنه لما قتل يحيى بن عمر أقطع المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر طائفة من أرض تلك الناحية، فبعث كاتبا له يقال له جابر ابن هارون، وكان نصرانيا، ليتسلم تلك الأراضي، فلما انتهى إليهم كرهوا ذلك جدا وأرسلوا إلى الحسن بن زيد هذا فجاء إليهم فبايعوه والتف عليه جملة الديلم وجماعة الأمراء في تلك النواحي، فركب فيهم ودخل آمل طبرستان وأخذها قهرا، وجبى خراجها، واستفحل أمره جدا، ثم خرج منها طالبا لقتال سليمان بن عبد الله أمير تلك الناحية، فالتقيا هنالك فكانت بينهما حروب ثم انهزم سليمان هزيمة منكرة، وترك أهله وماله ولم يرجع دون جرجان. فدخل الحسن بن زيد سارية فأخذ ما فيها من الأموال والحواصل، وسير أهل سليمان إليه مكرمين على مراكب، واجتمع للحسن بن زيد إمرة طبرستان بكمالها. ثم بعث إلى الري فأخذها أيضا وأخرج منها الطاهرية، وصار إلى جند همذان ولما بلغ خبره المستعين - وكان مدير ملكه يومئذ وصيف التركي - اغتم لذلك جدا واجتهد في بعث الجيوش والأمداد لقتال الحسن بن زيد هذا.
وفي يوم عرفة منها ظهر بالري أحمد بن عيسى بن حسين الصغير بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب، وإدريس بن موسى بن عبد الله بن موسى بن حسن بن حسن بن على بن أبى طالب فصلى بالناس يوم العيد أحمد بن عيسى هذا ودعا إلى الرضى من آل محمد، فحاربه محمد بن على بن طاهر فهزمه أحمد بن عيسى هذا واستفحل أمره. وفيها وثب أهل حمص على عاملهم الفضل بن قارن فقتلوه في رجب، فوجه المستعين إليهم موسى بن بغا الكبير فاقتتلوا بأرض الرستن فهزمهم وقتل جماعة من أهلها وأحرق أماكن كثيرة منها، وأسر أشراف أهلها. وفيها وثبت الشاكرية والجند في أرض فارس على عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم فهرب منهم فانتهبوا داره وقتلوا محمد بن الحسن بن قارن. وفيها غضب الخليفة على جعفر بن عبد الواحد ونفاه إلى البصرة. وفيها أسقطت مرتبة جماعة من الأمويين (١) في دار الخلافة. وفيها حج بالناس جعفر بن الفضل أمير مكة.
وفيها توفى من الأعيان أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن السرح. والبزي أحد القراء المشاهير.
стр. 3543
والحارث بن مسكين. وأبو حاتم السجستاني. وقد تقدم ذكره في التي قبلها. وعياد بن يعقوب الرواجى. وعمرو بن بحر الجاحظ صاحب الكلام والمصنفات. وكثير بن عبيد الحمصي. ونصر بن على الجهضمي.
ثم دخلت سنة إحدى وخمسين ومائتين
فيها اجتمع رأى المستعين وبغا الصغير ووصيف على قتل باغر التركي، وكان من قواد الأمراء الكبار الذين باشروا قتل المتوكل، وقد اتسع إقطاعه وكثرت عماله، فقتل ونهبت دار كاتبه دليل بن يعقوب النصراني، ونهبت أمواله وحواصله، وركب الخليفة في حراقة من سامرا إلى بغداد فاضطربت الأمور بسبب خروجه، وذلك في المحرم. فنزل دار محمد بن عبد الله بن طاهر. وفيها وقعت فتنة شنعاء بين جند بغداد وجند سامرا، ودعا أهل سامرا إلى بيعة المعتز، واستقر أمر أهل بغداد على المستعين، وأخرج المعتز وأخوه المؤيد من السجن فبايع أهل سامرا المعتز واستحوذ على حواصل بيت المال بها فإذا بها خمسمائة ألف دينار، وفي خزانة أم المستعين ألف ألف دينار، وفي حواصل العباس بن المستعين ستمائة ألف دينار، واستفحل أمر المعتز بسامراء. وأمر المستعين لمحمد بن عبد الله بن طاهر أن يحصن بغداد ويعمل في السورين والخندق، وغرم على ذلك ثلاثمائة ألف دينار، وثلاثين ألف دينار، ووكل بكل باب أميرا يحفظه، ونصب على السور خمسة مناجيق، منها واحد كبير جدا، يقال له الغضبان، وست عرادات وأعدوا آلات الحرب والحصار والعدد، وقطعت القناطر من كل ناحية لئلا يصل الجيش إليهم. وكتب المعتز إلى محمد بن عبد الله بن طاهر يدعوه إلى الدخول معه في أمره، ويذكره ما كان أخذه عليهم أبوه المتوكل من العهود والمواثيق، من أنه ولى العهد بعده، فلم يلتفت إليه بل رد عليه واحتج بحجج يطول ذكرها. وكتب كل واحد من المستعين والمعتز إلى موسى بن بغا الكبير وهو مقيم بأطراف الشام لحرب أهل حمص يدعوه إلى نفسه وبعث إليه بألوية يعقدها لمن اختار من أصحابه، وكتب إليه المستعين يأمره بالمسير إليه إلى بغداد ويأمره أن يستنيب في عمله، فركب مسرعا فسار إلى سامرا فكان مع المعتز على المستعين. وكذلك هرب عبد الله بن بغا الصغير من عند أبيه من بغداد إلى المعتز، وكذلك غيره من الأمراء والأتراك. وعقد المعتز لأخيه أبى أحمد بن المتوكل على حرب المستعين وجهز معه جيشا لذلك، فسار في خمسة آلاف من الأتراك وغيرهم نحو بغداد، وصلى بعكبرا يوم الجمعة، ودعا لأخيه المعتز. ثم وصل إلى بغداد ليلة الأحد لسبع خلون من صفر فاجتمعت العساكر هنالك، وقد قال رجل يقال له باذنجانة كان في عسكر أبى أحمد: -
يا بنى طاهر جنود الله … والموت بينها منثور
وجيوش أمامهن أبو أحمد … نعم المولى ونعم النصير
ثم جرت بينهما حروب طويلة وفتن مهولة جدا قد ذكرها ابن جرير مطولة، ثم بعث المعتز مع
стр. 3544
موسى بن ارشناس ثلاثة آلاف مددا لأخيه أبى أحمد فوصلوا لليلة بقيت من ربيع الأول فوقفوا في الجانب الغربي عند باب قطر بل، وأبو أحمد وأصحابه على باب الشماسية، والحرب مستعرة والقتال كثير جدا، والقتل واقع. قال ابن جرير: وذكر أن المعتز كتب إلى أخيه أبى أحمد يلومه على التقصير في قتال أهل بغداد فكتب إليه أبو أحمد:
لأمر المنايا علينا طريق … وللدهر فينا اتساع وضيق
وأيامنا عبر للأنام … فمنها البكور ومنها الطروق
ومنها هنات تشيب الوليد … ويخذل فيها الصديق الصديق
وسور عريض له ذروة … تفوت العيون وبحر عميق
قتال مبيد وسيف عتيد … وخوف شديد وحصن وثيق
وطول صياح لداعي الصباح … السلاح السلاح فما يستفيق
فهذا طريح وهذا جريح … وهذا حريق وهذا غريق
وهذا قتيل وهذا تليل … وآخر يشدخه المنجنيق
هناك اغتصاب وثم انتهاب … ودور خراب وكانت تروق
إذا ما سمونا إلى مسلك … وجدناه قد سد عنا الطريق
فبالله نبلغ ما نرتجيه … وبالله ندفع ما لا نطيق
قال ابن جرير: هذا الشعر ينشد لعلى بن أمية في فتنة المخلوع والمأمون، وقد استمرت الفتنة والقتال ببغداد بين أبى أحمد أخى المعتز وبين محمد بن عبد الله بن طاهر نائب المستعين. والبلد محصور وأهله في ضيق شديد جدا، بقية شهور هذه السنة، وقتل من الفريقين خلق كثير في وقعات متعددات، وأيام نحسات، فتارة يظهر أصحاب أبى أحمد ويأخذون بعض الأبواب فتحمل عليهم الطاهرية فيزيحونهم عنها، ويقتلون منهم خلقا ثم يتراجعون إلى مواقفهم ويصابرونهم مصابرة عظيمة.
لكن أهل بغداد كلما هم إلى ضعف بسبب قلة الميرة والجلب إلى داخل البلد، ثم شاع بين العامة أن محمد بن عبد الله بن طاهر يريد أن يخلع المستعين ويبايع للمعتز، وذلك في أواخر السنة، فتنصل من ذلك واعتذر إلى الخليفة وإلى العامة. وحلف بالأيمان الغليظة فلم تبرأ ساحته من ذلك حق البراءة عند العامة، واجتمعت العامة والغوغاء إلى دار ابن طاهر والخليفة نازل بها، فسألوا أن يبرز لهم الخليفة ليروه ويسألوه عن ابن طاهر أهو راض عنه أم لا. وما زالت الضجة والأصوات مرتفعة حتى برز لهم الخليفة من فوق المكان الّذي هم فيه وعليه السواد ومن فوقه البردة النبويّة وبيده القضيب، وقال لهم فيما خاطبهم به: أقسمت عليكم بحق صاحب هذه البردة والقضيب لما رجعتم إلى منازلكم
стр. 3545
ورضيتم عن ابن طاهر فإنه غير متهم لدى. فسكت الغوغاء ورجعوا إلى منازلهم، ثم انتقل الخليفة من دار ابن طاهر إلى دار رزق الخادم، وذلك في أوائل ذي الحجة، وصلى بهم العيد يوم الأضحى في الجزيرة التي بحذاء دار ابن طاهر، وبرز الخليفة يومئذ للناس وبين يديه الحربة وعليه البردة وبيده القضيب وكان يوما مشهودا ببغداد على ما بأهلها من الحصار والغلاء بالأسعار، وقد اجتمع على الناس الخوف والجوع المترجمان لباس الخوع والخوف (١) نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.
ولما تفاقم الأمر واشتد الحال وضاق المجال وجاع العيال وجهد الرجال، جعل ابن طاهر يظهر ما كان كامنا في نفسه من خلع المستعين، فجعل يعرض له في ذلك ولا يصرح، ثم كاشفه به وأظهره له وناظره فيه وقال له: إن المصلحة تقتضي أن تصالح عن الخلافة على مال تأخذه سلفا وتعجيلا، وأن يكون لك من الخراج في كل عام ما تختاره وتحتاجه، ولم يزل يقتل في الذروة والغارب حتى أجاب إلى ذلك وأناب. فكتب فيما اشترطه المستعين في خلعه نفسه من الخلافة كتابا، فلما كان يوم السبت لعشر بقين من ذي الحجة ركب محمد بن عبد الله بن طاهر إلى الرصافة وجمع القضاة والفقهاء وأدخلهم على المستعين فوجا فوجا يشهدون عليه أنه قد صير أمره إلى محمد بن عبد الله بن طاهر، وكذلك جماعة الحجاب والخدم، ثم تسلم منه جوهر الخلافة، وأقام عند المستعين إلى هوى من الليل. وأصبح الناس يذكرون ويتنوعون فيما يقولون من الأراجيف. وأما ابن طاهر فإنه أرسل بالكتاب مع جماعة من الأمراء إلى المعتز بسامراء، فلما قدموا عليه بذلك أكرمهم وخلع عليهم وأجازهم فأسنى جوائزهم.
وسيأتي ما كان من أمره أول السنة الداخلة.
وفيها كان ظهور رجل من أهل البيت أيضا بأرض قزوين وزنجان في ربيع الأول منها، وهو الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل الأرقط بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب ويعرف بالكوكبى. وسيأتي ما كان من أمره هناك. وفيها خرج إسماعيل بن يوسف العلويّ، وهو ابن أخت موسى بن عبيد الله الحسنى، وسيأتي ما كان من أمره أيضا. وفيها خرج بالكوفة أيضا رجل من الطالبيين وهو الحسين بن محمد بن حمزة بن عبد الله بن حسين بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب، فوجه إليه المستعين مزاحم بن خاقان فاقتتلا فهزم العلويّ وقتل من أصحابه بشر كثير. ولما دخل مزاحم الكوفة حرق بها ألف دار ونهب أموال الذين خرجوا معه، وباع بعض جواري الحسين بن محمد هذا، وكانت معتقة.
وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الله بن الحسن بن الحسين بن على بن أبى طالب بمكة فهرب منه نائبها جعفر بن الفضل بن عيسى بن موسى، فانتهب منزله ومنازل أصحابه وقتل جماعة من الجند وغيرهم من أهل مكة، وأخذ ما في الكعبة من الذهب والفضة والطيب وكسوة
стр. 3546
الكعبة، وأخذ من الناس نحوا من مائتي ألف دينار، ثم خرج إلى المدينة النبويّة فهرب منه نائبها أيضا على بن الحسين بن على بن إسماعيل، ثم رجع إسماعيل بن يوسف إلى مكة في رجب فحصر أهلها حتى هلكوا جوعا وعطشا فبيع الخبز ثلاث أواق بدرهم، واللحم الرطل بأربعة، وشربة الماء بثلاثة دراهم، ولقي منه أهل مكة كل بلاء، فترحل عنهم إلى جدة - بعد مقامه عليهم سبعة وخمسين يوما - فانتهب أموال التجار هنالك وأخذ المراكب وقطع الميرة عن أهل مكة ثم عاد إلى مكة لا جزاه الله خيرا عن المسلمين. فلما كان يوم عرفة لم يمكن الناس من الوقوف نهارا ولا ليلا، وقتل من الحجيج ألفا ومائة، وسلبهم أموالهم ولم يقف بعرفة عامئذ سواه ومن معه من الحرامية، لا تقبل الله منهم صرفا ولا عدلا. وفيها وهن أمر الخلافة جدا. وفيها توفى من الأعيان إسحاق بن منصور الكوننج وحميد بن زنجويه وعمرو بن عثمان بن كثير بن دينار الحمصي. وأبو البقى هشام بن عبد الملك اليزني
ثم دخلت سنة ثنتين وخمسين ومائتين
«ذكر خلافة المعتز بالله بن المتوكل على الله بعد خلع المستعين نفسه»
استهلت هذه السنة وقد استقرت الخلافة باسم أبى عبد الله محمد المعتز بن جعفر المتوكل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد، وقيل إن اسم المعتز أحمد، وقيل الزبير، وهو الّذي عول عليه ابن عساكر وترجمه في تاريخه. فلما خلع المستعين نفسه من الخلافة وبايع للمعتز دعا الخطباء يوم الجمعة رابع المحرم من هذه السنة بجوامع بغداد على المنابر للخليفة المعتز بالله، وانتقل المستعين من الرصافة إلى قصر الحسن بن سهل هو وعياله وولده وجواريه، ووكل بهم سعيد بن رجاء في جماعة معه، وأخذ من المستعين البردة والقضيب والخاتم، وبعث بذلك إلى المعتز ثم أرسل إليه المعتز يطلب منه خاتمين من جوهر ثمين عنده يقال لأحدهما برج وللآخر جبل. فأرسلهما. وطلب المستعين أن يسير إلى مكة فلم يمكن، فطلب البصرة فقيل له إنها وبيئة. فقال إن ترك الخلافة أو بأمنها. ثم أذن له في المسير إلى واسط فخرج ومعه حرس يوصلونه إليها نحو من أربعمائة. واستوزر المعتز أحمد بن أبى إسرائيل وخلع عليه وألبسه تاجا على رأسه. ولما تمهد أمر بغداد واستقرت البيعة للمعتز بها ودان له أهلها وقدمتها الميرة من كل جانب، واتسع الناس في الأرزاق والأطعمة، ركب أبو أحمد منها في يوم السبت لثنتى عشرة ليلة من المحرم إلى سامرا وشيعه ابن طاهر في وجوه الأمراء، فخلع أبو أحمد على ابن طاهر خمس خلع وسيفا ورده من الطريق إلى بغداد. وقد ذكر ابن جرير مدائح الشعراء في المعتز وتشفيهم بخلع المستعين، فأكثر من ذلك جدا، فمن ذلك قول محمد بن مروان بن أبى الجنوب ابن مروان في مدح المعتز وذم المستعين كما جرت به عادة الشعراء:
إن الأمور إلى المعتز قد رجعت … والمستعين إلى حالاته رجعا
стр. 3547
وكان يعلم أن الملك ليس له … وأنه لك لكن نفسه خدعا
ومالك الملك مؤتيه ونازعه … آتاك ملكا ومنه الملك قد نزعا
إن الخلافة كانت لا تلائمه … كانت كذات حليل زوجت متعا
ما كان أقبح عند الناس بيعته … وكان أحسن قول الناس قد خلعا
ليت السفين إلى قاف دفعن به … نفسي الفداء لملاح به دفعا
كم ساس قبلك أمر الناس من ملك … لو كان حمّل ما حملته ظلعا
أمسى بك الناس بعد الضيق في سعة … والله يجعل بعد الضيق متسعا
والله يدفع عنك السوء من ملك … فإنه بك عنا السوء قد دفعا
وكتب المعتز من سامرا إلى نائب بغداد محمد بن عبد الله بن طاهر أن يسقط اسم وصيف وبغا ومن كان في رسمهما في الدواوين وعزم على قتلهما، ثم استرضى عنهما فرضى عنهما. وفي رجب من هذه السنة خلع المعتز أخاه إبراهيم الملقب بالمؤيد من ولاية العهد وحبسه، وأخاه أبا أحمد، بعد ما ضرب المؤيد أربعين مقرعة. ولما كان يوم الجمعة خطب بخلعه وأمره أن يكتب كتابا على نفسه بذلك، وكانت وفاته بعد ذلك بخمسة عشر يوما، فقيل إنه أدرج في لحاف سمور وأمسك طرفاه حتى مات غما، وقيل بل ضرب بحجارة من ثلج حتى مات بردا وبعد ذلك أخرج من السجن ولا أثر به فأحضر القضاة والأعيان فشهدوا على موته من غير سبب ولا أثر، ثم حمل على حمار ومعه كفنه إلى أمه فدفنته.
ذكر مقتل المستعين
في شوال منها كتب المعتز إلى نائبة محمد بن عبد الله بن طاهر يأمره بتجهيز جيش نحو المستعين فجهز أحمد بن طولون التركي فوافاه فأخرجه لست بقين من رمضان فقدم به القاطول لثلاث مضين من شوال ثم قتل، فقيل ضرب حتى مات، وقيل بل غرق في دجيل، وقيل بل ضربت عنقه. وقد ذكر ابن جرير أن المستعين سأل من سعيد بن صالح التركي حين أراد قتله أن يمهله حتى يصلى ركعتين، فأمهله، فلما كان في السجدة الأخيرة قتله وهو ساجد، ودفن جثته في مكان صلاته، وخفي أثره وحمل رأسه إلى المعتز فدخل به عليه وهو يلعب بالشطرنج، فقيل هذا رأس المخلوع.
فقال: ضعوه حتى أفرغ من الدست. فلما فرغ نظر إليه وأمر بدفنه، ثم أمر لسعيد بن صالح الّذي قتله بخمسين ألف درهم، وولاه معونة البصرة. وفيها مات إسماعيل بن يوسف العلويّ الّذي فعل بمكة ما فعل كما تقدم من إلحاده في الحرم، فأهلكه الله في هذه السنة عاجلا ولم ينظره. وفيها مات أحمد بن محمد المعتصم وهو المستعين بالله كما تقدم. وإسحاق بن بهلول، وزياد بن أيوب ومحمد ابن بشار. وغندر. وموسى بن المثنى الزمن. ويعقوب بن إبراهيم الدورقي.
стр. 3548
ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين ومائتين
في رجب منها عقد المعتز لموسى بن بغا الكبير على جيش قريب من أربعة آلاف ليذهبوا إلى قتال عبد العزيز بن أبى دلف بناحية همذان، لأنه خرج عن الطاعة وهو في نحو من عشرين ألفا بناحية همذان، فهزموا عبد العزيز في أواخر هذه السنة هزيمة فظيعة، ثم كانت بينهما وقعة أخرى في رمضان عند الكرج فهزم عبد العزيز أيضا وقتل من أصحابه بشر كثير، وأسروا ذراري كثيرة حتى أسروا أم عبد العزيز أيضا، وبعثوا إلى المعتز سبعين حملا من الرءوس وأعلاما كثيرة، وأخذ من عبد العزيز ما كان استحوذ عليه من البلاد. وفي رمضان منها خلع على بغا الشرابي وألبسه التاج والوشاحين. وفي يوم عيد الفطر كانت وقعة هائلة عند مكان يقال له البوازيج، وذلك أن رجلا يقال له مساور بن عبد الحميد حكم فيها والتف عليه نحو من سبعمائة من الخوارج، فقصد له رجل يقال له بندار الطبري في ثلاثمائة من أصحابه، فالتقوا فاقتتلوا قتالا شديدا، فقتل من الخوارج نحو من خمسين، وقتل من أصحاب بندار مائتان وقيل وخمسون رجلا. وقتل بندار فيمن قتل ﵀. ثم صمد مساور إلى حلوان فقاتله أهلها وأعانهم حجاج أهل خراسان فقتل مساور منهم نحوا من أربعمائة قبحه الله. وقتل من جماعته كثيرون أيضا. ولثلاث بقين من شوال قتل وصيف التركي وأرادت العامة نهب داره في سامرا ودور أولاده فلم يمكنهم ذلك، وجعل الخليفة ما كان إليه إلى بغا الشرابي.
وفي ليلة أربع عشرة من ذي القعدة من هذه السنة خسف القمر حتى غاب أكثره وغرق نوره، وعند انتهاء خسوفه مات محمد بن عبد الله بن طاهر نائب العراق ببغداد. وكانت علته قروحا في رأسه وحلقه فذبحته، ولما أتى به ليصلي عليه اختلف أخوه عبيد الله وابنه طاهر وتنازعا الصلاة عليه حتى جذبت السيوف وترامى الناس بالحجارة، وصاحت الغوغاء يا طاهر يا منصور: فمال عبيد الله إلى الشرقية ومعه القواد وأكابر الناس، فدخل داره وصلى عليه ابنه وكان أبوه قد أوصى إليه.
وحين بلغ المعتز ما وقع بعث بالخلع والولاية إلى عبيد الله بن عبد الله بن طاهر فأطلق عبيد الله للذي قدم بالخلع خمسين ألف درهم. وفيها نفى المعتز أخاه أبا أحمد من سرمن رأى إلى واسط، ثم إلى البصرة. ثم رد إلى بغداد أيضا. وفي يوم الاثنين منها سلخ ذي القعدة التقى موسى بن بغا الكبير والحسين بن أحمد الكوكبي الطالبي الّذي خرج في سنة إحدى وخمسين عند قزوين فاقتتلا قتالا شديدا، ثم هزم الكوكبي وأخذ موسى قزوين وهرب الكوكبي إلى الديلم. وذكر ابن جرير عن بعض من حضر هذه الوقعة أن الكوكبي حين التقى أمر أصحابه أن يتترسوا بالحجف - وكانت السهم لا تعمل فيهم - فأمر موسى بن بغا أصحابه عند ذلك أن يطرحوا ما معهم من النفط ثم حاولوهم وأروهم أنهم قد انهزموا منهم، فتبعهم أصحاب الكوكبي، فلما توسطوا الأرض التي فيها النفط أمر عند ذلك
стр. 3549
بإلقاء النار فيه فجعل النفط يحرق أصحاب الكوكبي ففروا سراعا هاربين، وكر عليهم موسى وأصحابه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وهرب الكوكبي إلى الديلم، وتسلم موسى قزوين. وفيها حج بالناس عبد الله ابن محمد بن سليمان الزينبي.
وفيها توفى من الأعيان
أبو الأشعث. وأحمد بن سعيد الدارميّ.
و سرى السقطي
أحد كبار مشايخ الصوفية. تلميذ معروف الكرخي. حدث عن هشيم وأبى بكر بن عياش وعلى ابن عراب ويحيى بن يمان ويزيد بن هارون وغيرهم. وعنه ابن أخته الجنيد بن محمد. وأبو الحسن النوري ومحمد بن الفضل بن جابر السقطي وجماعة. وكانت له دكان يتجر فيها فمرت به جارية قد انكسر إناء كان معها تشترى فيه شيئا لسادتها، فجعلت تبكى فأعطاها سرى شيئا تشترى بدله، فنظر معروف إليه وما صنع بتلك الجارية فقال له: بغّض الله إليك الدنيا فوجد الزهد من يومه. وقال سرى: مررت في يوم عيد فإذا معروف ومعه صغير شعث الحال فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا كان واقفا عند صبيان يلعبون بالجوز وهو مفكر، فقلت له: مالك لا تلعب كما يلعبون؟ فقال: أنا يتيم ولا شيء معى أشترى به جوزا ألعب به. فأخذته لأجمع له نوى يشترى به جوزا يفرح به.
فقلت ألا أكسوه وأعطيه شيئا يشترى به جوزا؟ فقال أو تفعل؟ فقلت: نعم. فقال خذه أغنى الله قلبك. قال سرى: فصغرت عندي الدنيا حتى لهى أقل شيء. وكان عنده مرة لوز فساومه رجل على الكر بثلاثة وستين دينارا، ثم ذهب الرجل فإذا اللوز يساوى الكر تسعين دينارا فقال له:
إني أشترى منك الكر بتسعين دينارا. فقال له إني إنما ساومتك بثلاثة وستين دينارا وإني لا أبيعه إلا بذلك، فقال الرجل: أنا أشترى منك بتسعين دينارا. فقال لا أبيعك هو إلا بما ساومتك عليه.
فقال له الرجل: إن من النصح أن لا أشترى منك إلا بتسعين دينارا. وذهب فلم يشتر منه.
وجاءت امرأة يوما إلى سرى فقالت: إن ابني قد أخذه الحرسي وإني أحب أن تبعث إلى صاحب الشرطة لئلا يضرب، فقام فصلى فطول الصلاة وجعلت المرأة تحترق في نفسها، فلما انصرف من الصلاة قالت المرأة الله الله في ولدى. فقال لها: إني إنما كنت في حاجتك. فما رام مجلسه الّذي صلى فيه حتى جاءت امرأة إلى تلك المرأة فقالت لها: ابشرى فقد أطلق ولدك وها هو في المنزل. فانصرفت إليه. وقال سرى: أشتهى أن آكل أكلة ليس لله فيها على تبعة، ولا لأحد على فيها منة. فما أجد إلى ذلك سبيلا. وفي رواية عنه أنه قال: إني لأشتهي البقل من ثلاثين سنة فما أقدر عليه. وقال:
احترق سوقنا فقصدت المكان الّذي فيه دكاني فتلقاني رجل فقال: ابشر فان دكانك قد سلمت.
فقلت: الحمد لله. ثم ذكرت ذلك التحميد إذا حمدت الله على سلامة دنياي وإني لم أواس الناس فيما
стр. 3550
هم فيه، فأنا أستغفر الله منذ ثلاثين سنة. رواها الخطيب عنه. وقال: صليت وردى ذات ليلة ثم مددت رجلي في المحراب فنوديت: يا سرى هكذا تجالس الملوك؟ قال فضممت رجلي وقلت:
وعزتك لا مددت رجلي أبدا. وقال الجنيد: ما رأيت أعبد من سرى السقطي. أتت عليه ثمان وتسعون سنة ما رئي مضطجعا إلا في علة الموت. وروى الخطيب عن أبى نعيم عن جعفر الخلدى عن الجنيد قال: دخلت عليه أعوده فقلت: كيف تجدك؟ فقال:
كيف أشكو إلى طبيبي ما بى … والّذي أصابنى من طبيبي
قال: فأخذت المروحة لأروح عليه فقال: كيف يجد روح المروحة من جوفه يحترق من داخل؟ ثم أنشأ يقول:
القلب محترق والدمع مستبق … والكرب مجتمع والصبر مفترق
كيف القرار على من لا قرار له … مما جناه الهوى والشوق والقلق
يا رب إن كان شيء لي به فرج … فامنن على به ما دام بى رمق
قال فقلت له: أوصني، قال: لا تصحب الأشرار، ولا تشتغل عن الله بمجالسة الأبرار الأخيار.
وقد ذكر الخطيب وفاته يوم الثلاثاء لست خلون من رمضان سنة ثلاث وخمسين ومائتين بعد أذان الفجر، ودفن بعد العصر بمقبرة الشوينزى، وقبره ظاهر معروف، وإلى جنبه قبر الجنيد.
وروى عن أبى عبيدة بن حريوبة قال: رأيت سريا في المنام فقلت: ما فعل الله بك؟ فقال غفر لى ولكل من شهد جنازتي. قلت: فانى ممن حضر جنازتك وصلى عليك. قال: فأخرج درجا فنظر فيه فلم ير فيه اسمى، فقلت: بلى! قد حضرت فإذا اسمى في الحاشية. وحكى ابن خلكان قولا أن سريا توفى سنة إحدى وخمسين، وقيل سنة ست وخمسين فالله أعلم. قال ابن خلكان: وكان السري ينشد كثيرا:
ولما ادعيت الحب قالت كذبتني … فما لى أرى الأعضاء منك كواسيا
فلا حب حتى يلصق الجلد بالحشى … وتذهل حتى لا تجيب المناديا
ثم دخلت سنة أربع وخمسين ومائتين
فيها أمر الخليفة المعتز بقتل بغا الشرابي ونصب رأسه بسامراء ثم ببغداد وحرقت جثته وأخذت أمواله وحواصله. وفيها ولى الخليفة أحمد بن طولون الديار المصرية، وهو باني الجامع المشهور بها.
وحج بالناس فيها على بن الحسين بن إسماعيل بن العباس بن محمد.
وتوفى فيها من الأعيان
زياد بن أيوب الحسيانى. وعلى بن محمد بن موسى الرضى، يوم الاثنين لأربع بقين من جمادى الآخرة ببغداد. وصلى عليه أبو أحمد المتوكل في الشارع المنسوب إلى أبى أحمد. ودفن بداره ببغداد.
ومحمد بن عبد الله المخرمي. وموهل بن إهاب.
стр. 3551
وأما أبو الحسن على الهادي
[فهو] ابن محمد الجواد بن على الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن على زين العابدين بن الحسين الشهيد بن على بن أبى طالب أحد الأئمة الاثني عشرية، وهو والد الحسن ابن على العسكري المنتظر عند الفرقة الضالة الجاهلة الكاذبة الخاطئة. وقد كان عابدا زاهدا نقله المتوكل إلى سامرا فأقام بها أزيد من عشرين سنة بأشهر. ومات بها في هذه السنة. وقد ذكر للمتوكل أن بمنزله سلاحا وكتبا كثيرة من الناس، فبعث كبسة فوجدوه جالسا مستقبل القبلة وعليه مدرعة من صوف وهو على التراب ليس دونه حائل، فأخذوه كذلك
فحملوه إلى المتوكل وهو على شرابه، فلما مثل بين يديه أجله وأعظمه وأجلسه إلى جانبه وناوله الكأس الّذي في يده فقال:
يا أمير المؤمنين لم يدخل باطني ولم يخالط لحمى ودمي قط، فاعفنى منه. فأعفاه ثم قال له: أنشدنى شعرا فأنشده: -
باتوا على قلل الأجبال تحرسهم … غلب الرجال فما أغنتهم القلل
واستنزلوا بعد عز عن معاقلهم … فأودعوا حفرا يا بئس ما تزلوا
نادى بهم صارخ من بعد ما قبروا … أين الأسرّة والتيجان والحلل
أين الوجوه التي كانت منعمة … من دونها تضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم … تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
قد طال ما أكلوا دهرا وما لبسوا … فأصبحوا بعد طول الأكل قد أكلوا
قال: فبكى المتوكل حتى بل الثرى، وبكى من حوله بحضرته، وأمر برفع الشراب وأمر له بأربعة آلاف دينار، وتحلل منه ورده إلى منزله مكرما ﵀.
ثم دخلت سنة خمس وخمسين ومائتين
فيها كانت وقعة بين مفلح وبين الحسن بن زيد الطالبي فهزمه مفلح ودخل آمل طبرستان وحرق منازل الحسن بن زيد ثم سار وراءه إلى الديلم. وفيها كانت محاربة شديدة بين يعقوب بن الليث وبين على بن الحسين بن قريش بن شبل، فبعث على بن الحسين رجلا من جهته يقال له طوق بن المغلس، فصابره أكثر من شهر ثم ظفر يعقوب بطوق فأسره فأسر وجوه أصحابه، ثم سار إلى على ابن الحسين هذا فأسره وأخذ بلاده - وهي كرمان - فأضافها إلى ما بيده من مملكة خراسان سجستان: ثم بعث يعقوب بن الليث بهدية سنية إلى المعتز: دواب وبازات وثياب فاخرة. وفيها ولى الخليفة سليمان بن عبد الله بن طاهر نيابة بغداد والسواد في ربيع الأول منها. وفيها أخذ صالح ابن وصيف أحمد بن إسرائيل كاتب المعتز والحسن بن مخلد كاتب قبيحة أم المعتز وأبا نوح عيسى
стр. 3552
ابن إبراهيم، وكانوا قد تمالئوا على أكل بيت المال، وكانوا دوّاوين وغيرهم، فضربهم وأخذ خطوطهم بأموال جزيلة يحملونها، وذلك بغير رضى من المعتز في الباطن واحتيط على أموالهم وحواصلهم وضياعهم وسموا الكتاب الخونة وولى الخليفة عن قهر غيرهم.
وفي رجب منها ظهر عيسى بن جعفر وعلى بن زيد الحسنيان بالكوفة وقتلا بها عبد الله بن محمد بن داود بن عيسى واستفحل أمرهما بها.
موت الخليفة المعتز بن المتوكل
ولثلاث بقين من رجب من هذه السنة خلع الخليفة المعتز بالله، ولليلتين مضتا من شعبان أظهر موته. وكان سبب خلعه أن الجند اجتمعوا فطلبوا منه أرزاقهم فلم يكن عنده ما يعطيهم، فسأل من أن تقرضه مالا يدفعهم عنه به فلم تعطه. وأظهرت أنه لا شيء عندها، فاجتمع الأتراك على خلعه فأرسلوا إليه ليخرج إليهم فاعتذر بأنه قد شرب دواء وأن عنده ضعفا، ولكن ليدخل إلى بعضكم.
فدخل إليه بعض الأمراء فتناولوه بالدبابيس يضربونه وجروا برجله وأخرجوه وعليه قميص مخرق ملطخ بالدم، فأقاموه في وسط دار الخلافة في حر شديد حتى جعل يراوح بين رجليه من شدة الحر، وجعل بعضهم يلطمه وهو يبكى ويقول له الضارب اخلعها والناس مجتمعون ثم أدخلوه حجرة مضيقا عليه فيها. وما زالوا عليه بأنواع العذاب حتى خلع نفسه من الخلافة وولى بعده المهتدي بالله كما سيأتي. ثم سلموه إلى من يسومه سوء العذاب بأنواع المثلات، ومنع من الطعام والشراب ثلاثة أيام حتى جعل يطلب شربة من ماء البئر فلم يسق، ثم أدخلوه سربا فيه جص جير فدسوه فيه فأصبح ميتا، فاستلوه من الجص سليم الجسد وأشهدوا عليه جماعة من الأعيان أنه مات وليس به أثر، وكان ذلك في اليوم الثاني من شعبان من هذه السنة، وكان يوم السبت، وصلى عليه المهتدي بالله، ودفن مع أخيه المنتصر إلى جانب قصر الصوامع، عن أربع وعشرين سنة.
وكانت خلافته أربع سنين وستة أشهر وثلاثة وعشرين يوما وكان طويلا جسيما وسيما أقنى الأنف مدور الوجه حسن الضحك أبيض أسود الشعر مجعده، كثيف اللحية حسن العينين ضيق الحاجبين أحمر الوجه وقد أثنى عليه الامام أحمد في جودة ذهنه وحسن فهمه وأدبه حين دخل عليه في حياة أبيه المتوكل، كما قدمنا في ترجمة أحمد. وروى الخطيب عن على بن حرب قال: دخلت على المعتز فما رأيت خليفة أحسن وجها منه، فلما رأيته سجدت فقال: يا شيخ تسجد لغير الله؟ فقلت:
حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد النبيل ثنا بكار بن عبد العزيز بن أبى بكرة عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ كان إذا رأى ما يفرح به أو بشّر بما يسره سجد شكرا لله ». وقال الزبير ابن بكار: سرت إلى المعتز وهو أمير فلما سمع بقدومي خرج مستعجلا إلى فعثر فأنشأ يقول: -
стр. 3553
يموت الفتى من عثرة بلسانه … وليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمى برأسه … وعثرته في الرجل تبرأ على مهل
وذكر ابن عساكر أن المعتز لما حذق القرآن في حياة أبيه المتوكل اجتمع أبوه والأمراء لذلك وكذلك الكبراء والرؤساء بسر من رأى، واختلفوا لذلك أياما عديدة، وجرت أحوال عظيمة. ولما جلس وهو صبي على المنبر وسلم على أبيه بالخلافة، وخطب الناس نثرت الجواهر والذهب والدراهم على الخواص والعوام بدار الخلافة، وكان قيمة ما نثر من الجواهر يساوى مائة ألف دينار، ومثلها ذهبا، وألف ألف درهم غير ما كان من خلع وأسمطة وأقمشة مما يفوت الحصر، وكان وقتا مشهودا لم يكن سرورا بدار الخلافة أبهج منه ولا أحسن. وخلع الخليفة على أم ولده المعتز قبيحة خلعا سنية، وأعطاها وأجزل لها العطاء، وكذلك خلع على مؤدب ولده وهو محمد بن عمران، أعطاه من الجوهر والذهب والفضة والقماش شيئا كثيرا جدا والله أعلم.
ذكر خلافة المهتدي بالله
أبى محمد عبد الله محمد بن الواثق بن المعتصم بن هارون، كانت بيعته يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب من هذه السنة بعد خلع المعتز نفسه بين يديه وإشهاده عليه بأنه عاجز عن القيام بها، وأنه قد رغب إلى من يقوم بأعبائها. وهو محمد بن الواثق بالله، ثم مد يده فبايعه قبل الناس كلهم، ثم بايعه الخاصة ثم كانت بيعة العامة على المنبر، وكتب على المعتز كتابا أشهد فيه بالخلع والعجز والمبايعة للمهتدى. وفي آخر رجب وقعت في بغداد فتنة هائلة، وثبت فيها العامة على نائبها سليمان بن عبد الله ابن طاهر ودعوا إلى بيعة أحمد بن المتوكل أخى المعتز، وذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامراء من بيعة المهتدي، وقتل من أهل بغداد وغرق منهم خلق كثير، ثم لما بلغهم بيعة المهتدي سكنوا، - وإنما بلغتهم في سابع شعبان - فاستقرت الأمور واستقر المهتدي في الخلافة. وفي رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أم المعتز أموال عظيمة، وجواهر نفيسة. كان من جملة ذلك ما يقارب ألفى ألف دينار، ومن الزمرد الّذي لم ير مثله مقدار مكرك، ومن الحب الكبار مكوك، وكيلجة ياقوت أحمر مما لم ير مثله أيضا. وقد كان الأمراء طلبوا من ابنها المعتز خمسين ألف دينار تصرف في أرزاقهم وضمنوا له أن يقتلوا صالح بن وصيف فلم يكن عنده من ذلك شيء، فطلب من أمه قبيحة هذه قبحها الله فامتنعت أن تقرضه ذلك، فأظهرت الفقر والشح: وأنه لا شيء عندها. ثم لما قتل ابنها وكان ما كان، ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا. وكان عندها من الذهب والفضة والآنية شيء كثير، وقد كان لها من الغلات في كل سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار، وقد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف عدو ولدها، ثم تزوجت به وكانت تدعو عليه تقول: اللهمّ اخز صالح بن وصيف كما هتك سترى
стр. 3554
وقتل ولدى وبدد شملي وأخذ مالي وغربني عن بلدي وركب الفاحشة منى. ثم استقرت الخلافة باسم المهتدي بالله. وكانت بمحمد الله خلافة صالحة. قال يوما للأمراء: إني ليست لي أم لها من الغلات ما يقاوم عشرة آلاف ألف دينار، ولست أريد إلا القوت فقط لا أريد فضلا على ذلك إلا لإخوتي، فإنهم مستهم الحاجة.
وفي يوم الخميس لثلاث بقين من رمضان أمر صالح بن وصيف بضرب أحمد بن إسرائيل الّذي كان وزيرا، وأبى نوح عيسى بن إبراهيم الّذي كان نصرانيا فأظهر الإسلام، وكان كاتب قبيحة، فضرب كل واحد منهما خمسمائة سوط بعد استخلاص أموالهما ثم طيف بهما على بغلين منكسين فماتا وهما كذلك، ولم يكن ذلك عن رضى المهتدي ولكنه ضعيف لا يقدر على الإنكار على صالح بن وصيف في بادئ الأمر. وفي رمضان في هذه السنة وقعت فتنة ببغداد أيضا بين محمد بن أوس ومن تبعه من الشاكرية والجند وغيرهم، وبين العامة والرعاع، فاجتمع من العامة نحو من مائة ألف وكان بين الناس قتال بالنبال والرماح والسوط، فقتل خلق كثير ثم انهزم محمد بن أوس وأصحابه فنهبت العامة ما وجدوا من أمواله، وهو ما يعادل ألفى ألف أو نحو ذلك. ثم اتفق الحال على إخراج محمد بن أوس من بغداد إلى أين أراد. فخرج منها خائفا طريدا، وذلك لأنه لم يكن عند الناس مرضى السيرة بل كان جبارا عنيدا، وشيطانا مريدا، وفاسقا شديدا، وأمر الخليفة بان ينفى القيان والمغنون من سامرا، وأمر بقتل السباع والنمور التي في دار السلطان، وقتل الكلاب المعدة للصيد أيضا. وأمر بإبطال الملاهي ورد المظالم وأن يؤمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وجلس للعامة.
وكانت ولايته في الدنيا كلها من أرض الشام وغيرها مفترقة. ثم استدعى الخليفة موسى بن بغا الكبير إلى حضرته ليتقوى به على من عنده من الأتراك ولتجتمع كلمة الخلافة، فاعتذر إليه من استدعائه بما هو فيه من الجهاد في تلك البلاد.
ذكر خارجي آخر ادعى أنه من أهل البيت بالبصرة
في النصف من شوال ظهر رجل بظاهر البصرة زعم أنه على بن محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، ولم يكن صادقا وإنما كان عسيفا - يعنى أجيرا - من عبد القيس، واسمه على بن محمد بن عبد الرحيم، وأمه قرة بنت على بن رحيب من محمد بن حكيم من بنى أسد بن خزيمة، وأصله من قرية من قرى الري. قاله ابن جرير. قال: وقد خرج أيضا في سنة تسع وأربعين ومائتين بالنجدين فادعى أنه على بن محمد بن الفضل بن الحسين بن عبد الله بن عباس بن على بن أبى طالب، فدعا الناس بهجر إلى طاعته فاتبعه جماعة من أهل هجر، ووقع بسببه قتال كثير وفتن كبار، وحروب كثيرة، ولما خرج خرجته هذه الثانية بظاهر البصرة التف عليه
стр. 3555
خلق من الزنج الذين كانوا يكسحون السباخ، فعبر بهم دجلة فنزل الديناري، وكان يزعم لبعض من معه أنه يحيى بن عمر أبو الحسين المقتول بناحية الكوفة، وكان يدعى أنه يحفظ سورا من القرآن في ساعة واحدة جرى بها لسانه لا يحفظها غيره في مدة دهر طويل، وهن سبحان والكهف و ص و عم.
وزعم أنه فكّر يوما وهو في البادية إلى أي بلد يسير فخوطب من سحابة أن يقصد البصرة فقصدها، فلما اقترب منها وجد أهلها مفترقين على شعبتين، سعدية وبلالية، فطمع أن ينضم إلى إحداهما فيستعين بها على الأخرى فلم يقدر على ذلك، فارتحل إلى بغداد فأقام بها سنة وانتسب بها إلى محمد بن أحمد بن عيسى بن زيد، وكان يزعم بها أنه يعلم ما في ضمائر أصحابه، وأن الله يعلمه بذلك، فتبعه على ذلك جهلة من الطغام، وطائفة من الرعاع العوام. ثم عاد إلى أرض البصرة في رمضان فاجتمع معه بشر كثير ولكن لم يكن معهم عدد يقاتلون بها فأتاهم جيش من ناحية البصرة فاقتتلوا جميعا، ولم يكن في جيش هذا الخارجي سوى ثلاثة أسياف، وأولئك الجيش معهم عدد وعدد ولبوس، ومع هذا هزم أصحاب هذا الخارجي ذلك الجيش، وكانوا أربعة آلاف مقاتل، ثم مضى نحو البصرة بمن معه فأهدى له رجل من أهل جبى فرسا فلم يجد لها سرجا ولا لجاما، وإنما ألقى عليها حبلا وركبها وسنف حنكها بليف، ثم صادر رجلا وتهدده بالقتل فأخذ منه مائة وخمسين دينارا وألف درهم، وكان هذا أول مال نهبه من هذه البلاد، وأخذ من آخر ثلاثة براذين، ومن موضع آخر شيئا من الأسلحة والأمتعة، ثم سار في جيش قليل السلاح والخيول، ثم جرت بينه وبين نائب البصرة وقعات متعددة، يهزمهم فيها وكل ما لأمره يقوى وتزداد أصحابه ويعظم أمره ويكثر جيشه، وهو مع ذلك لا يتعرض لأموال الناس ولا يؤذى أحدا، وإنما يريد أخذ أموال السلطان. وقد انهزم أصحابه في بعض حر وبه هزيمة عظيمة ثم تراجعوا إليه واجتمعوا حوله، ثم كروا على أهل البصرة فهزموهم وقتلوا منهم خلقا وأسروا آخرين، وكان لا يؤتى بأسير إلا قتله ثم قوى أمره وخافه أهل البصرة، وبعث الخليفة إليها مددا ليقاتلوا هذا الخارجي وهو صاحب الزنج قبحه الله، ثم أشار عليه بعض أصحابه أن يهجم بمن معه على البصرة فيدخلونها عنوة فهجن آراءهم وقال: بل نكون منها قريبا حتى يكونوا هم الذين يطلبوننا إليها ويخطبوننا عليها. وسيأتي ما كان من أمره وأمر أهل البصرة في السنة المستقبلة إن شاء الله. وفيها حج بالناس على بن الحسين بن إسماعيل بن محمد بن عبد الله بن عباس.
وفيها توفى
الجاحظ المتكلم المعتزلي
وإليه تنسب الفرقة الجاحظية لجحوظ عينيه، ويقال له الحدقى وكان شنيع المنظر سيئ المخبر رديء الاعتقاد، ينسب إلى البدع والضلالات، وربما جاز به بعضهم إلى الانحلال حتى قيل في المثل يا ويح من كفره الجاحظ. وكان بارعا فاضلا قد أتقن علوما كثيرة وصنف كتبا جمة تدل على قوة
стр. 3556
ذهنه وجودة تصرفه. ومن أجل كتبه كتاب الحيوان، وكتاب البيان والتبيين. قال ابن خلكان:
وهما أحسن مصنفاته وقد أطال ترجمته بحكايات ذكرها عنه. وذكر أنه أصابه الفالج في آخر عمره، وحكى أنه قال: أنا من جانبي الأيسر مفلوج لو قرض بالمقاريض ما علمت، وجانبي الأيمن منضرس لو مرت به ذبابة لآلمتنى، وبى حصاة، وأشد ما على ست وتسعون سنة. وكان ينشد: -
أترجو أن تكون وأنت شيخ … كما قد كنت أيام الشباب
لقد كذبتك نفسك ليس ثوب … دريس كالجديد من الثياب
وفيها توفى عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد الدارميّ، وعبد الله بن هاشم الطوسي. والخليفة أبو عبد الله المعتز بن المتوكل. ومحمد بن عبد الرحيم الملقب صاعقة.
محمد بن كرّام
الّذي تنسب إليه الفرقة الكرّامية. وقد نسب إليه جواز وضع الأحاديث على الرسول وأصحابه وغيرهم وهو محمد بن كرام - بفتح الكاف وتشديد الراء، على وزن جمال - بن عراف بن حزامة بن البراء، أبو عبد الله السجستاني العابد، يقال إنه من بنى تراب، ومنهم من يقول محمد بن كرام بكسر الكاف وتشديد الراء وهو الّذي سكن بيت المقدس إلى أن مات، وجعل الآخر شيخا من أهل نيسابور. والصحيح الّذي يظهر من كلام أبى عبد الله الحاكم وابن عساكر أنهما واحد، وقد روى ابن كرام عن على بن حجرد وعلى بن إسحاق الحنظليّ السمرقندي، سمع منه التفسير عن محمد ابن مروان عن الكلبي، وإبراهيم بن يوسف الماكناني، وملك بن سليمان الهروي، وأحمد بن حرب، وعتيق بن محمد الجسرى، وأحمد بن الأزهر النيسابورىّ، وأحمد بن عبد الله الحوسارى، ومحمد بن تميم القارياني، وكانا كذابين وضاعين - وغيرهم. وعنه محمد بن إسماعيل بن إسحاق وأبو إسحاق بن سفيان وعبد الله بن محمد القيراطي، وإبراهيم بن الحجاج النيسابورىّ. وذكر الحاكم أنه حبس في حبس طاهر بن عبد الله فلما أطلقه ذهب إلى ثغور الشام ثم عاد إلى نيسابور فحبسه محمد بن طاهر بن عبد الله وأطال حبسه وكان يتأهب لصلاة الجمعة ويأتى إلى السجان فيقول:
دعني أخرج إلى الجمعة، فيمنعه السجان فيقول: اللهمّ إنك تعلم أن المنع من غيري. وقال غيره:
أقام ببيت المقدس أربع سنين، وكان يجلس للوعظ عند العمود الّذي عند مشهد عيسى ﵇ واجتمع عليه خلق كثير ثم تبين لهم أنه يقول: إن الأيمان قول بلا عمل فتركه أهلها ونفاه متوليها إلى غور زغر فمات بها، ونقل إلى بيت المقدس. مات في صفر من هذه السنة. وقال الحاكم: توفى ببيت المقدس ليلا ودفن بباب أريحا عند قبور الأنبياء ﵈، وله ببيت المقدس من الأصحاب نحو من عشرين ألفا والله أعلم.
стр. 3557
ثم دخلت سنة ست وخمسين ومائتين
في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من المحرم قدم موسى بن بغا الكبير إلى سامرا فدخلها في جيش هائل قد عباه ميمنة وميسرة وقلبا وجناحين، فأتوا دار الخلافة التي فيها المهتدي جالسا لكشف المظالم فاستأذنوا عليه فأبطأ الأذن ساعة، وتأخر عنهم فظنوا في أنفسهم أن الخليفة إنما طلبهم خديعة منه ليسلط عليهم صالح بن وصيف، فدخلوا عليه هجما فجعلوا يراطنونهم بالتركي ثم عزموا فأقاموه من مجلسه وانتهبوا ما كان فيه، ثم أخذوه مهانا إلى دار أخرى فجعل يقول لموسى بن بغا: مالك ويحك؟ إني إنما أرسلت إليك لأتقوى بك على صالح بن وصيف. فقال له موسى:
لا بأس عليك احلف لي أنك لا تريد بى خلاف ما أظهرت. فحلف له المهتدي فطابت الأنفس وبايعوه بيعة ثانية مشافهة وأخذوا عليه العهود والمواثيق أن لا يمالئ صالحا عليهم، واصطلحوا على ذلك. ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتز ومن قتله صالح بن وصيف من الكتاب وغيرهم، فوعدهم أن يأتيهم، ثم اجتمع بجماعة من الأمراء من أصحابه وأخذ يتأهب لجمع الجيوش عليهم، ثم اختفى من ليلته لا يدرى أحد أين ذهب في تلك الساعة، فبعثوا المنادية تنادى عليه في أرجاء البلد وتهددوا من أخفاه فلم يزل مختفيا إلى آخر صفر على ما سنذكر، ورد سليمان بن عبد الله بن طاهر إلى نيابة بغداد، وسلم الوزير عبد الله بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مخلد الّذي كان أراد صالح بن وصيف قتله مع ذينك الرجلين، فبقي في السجن حتى رجع إلى الوزارة.
ولما أبطأ خبر صالح بن وصيف على موسى بن بغا وأصحابه قال بعضهم لبعض: اخلعوا هذا الرجل - يعنى - الخليفة - فقال بعضهم: أتقتلون رجلا صوّاما قواما لا يشرب الخمر ولا يأتى الفواحش؟ والله إن هذا ليس كغيره من الخلفاء ولا تطاوعكم الناس عليه. وبلغ ذلك الخليفة فخرج إلى الناس وهو متقلد سيفا فجلس على السرير واستدعى بموسى بن بغا وأصحابه فقال: قد بلغني ما تمالأتم عليه من أمرى، وإني والله ما خرجت إليكم إلا وأنا متحنط وقد أوصيت أخى بولدي، وهذا سيفي، والله لأضربن به ما استمسك قائمة بيدي، والله لئن سقط من شعرى شعرة ليهلكن بدلها منكم، أو ليذهبن بها أكثركم، أما دين؟ أما حياء؟ أما تستحيون؟ كم يكون هذا الاقدام على الخلفاء والجرأة على الله وأنتم لا تبصرون؟ سواء عندكم من قصد الإبقاء عليكم والسيرة الصالحة فيكم، ومن كان يدعو بأرطال الشراب المسكر فيشربها بين أظهركم وأنتم لا تنكرون ذلك، ثم يستأثر بالأموال عنكم وعن الضعفاء، هذا منزلي فاذهبوا فانظروا فيه وفي منازل إخوتي ومن يتصل بى هل ترون فيها من آلات الخلافة شيئا، أو من فرشها أو غير ذلك؟ وإنما في بيوتنا ما في بيوت آحاد الناس، ويقولون إني أعلم علم صالح بن وصيف، وهل هو إلا واحد منكم؟ فاذهبوا فاعلموا
стр. 3558
علمه فابلغوا شفاء نفوسكم فيه وأما أنا فلست أعلم علمه. قالوا: فاحلف لنا على ذلك، قال أما اليمين فانى أبذلها لكم، ولكن أدخرها لكم حتى تكون بحضرة الهاشميين والقضاة والمعدلين وأصحاب المراتب في غد إذا صليت صلاة الجمعة قال: فكأنهم لانوا لذلك قليلا. فلما كان يوم الأحد لثمان بقين من صفر ظفروا بصالح بن وصيف فقتل وجيء برأسه إلى المهتدي بالله وقد انفتل من صلاة المغرب، فلم يزد على أن قال: واروه. ثم أخذ في تسبيحه وذكره. ولما أصبح الصباح من يوم الاثنين رفع الرأس على رمح ونودي عليه في أرجاء البلد: هذا جزاء من قتل مولاه. وما زال الأمر مضطربا متفاقما وعظم الخطب حتى أفضى إلى خلع الخليفة المهتدي وقتله ﵀.
ذكر خلع المهتدي بالله وولاية المعتمد أحمد بن المتوكل على الله وإيراد شيء من فضائل المهتدي
لما بلغ موسى بن بغا أن مساور الشاري قد عاث بتلك الناحية فسادا ركب إليه في جيش كثيف ومعه مفلح وبايكباك التركي فاقتتلوا هم ومساور الخارجي ولم يظفروا به بل هرب منهم وأعجزهم، وكان قد فعل قبل مجيئهم الأفاعيل المنكرة فرجعوا ولم يقدروا عليه. ثم إن الخليفة أراد أن يخالف بين كلمة الأتراك فكتب إلى بايكباك أن يتسلم الجيش من موسى بن بغا ويكون هو الأمير على الناس وأن يقبل بهم إلى سامرا فلما وصل إليه الكتاب أقرأه موسى بن بغا فاشتد غضبه على المهتدي واتفقا عليه وقصدا إليه إلى سامرا، وتركا ما كانا فيه. فلما بلغ المهتدي ذلك استخدم من فوره جندا من المغاربة والفراغنة والأشروسية والارزكشية والأتراك أيضا، وركب في جيش كثيف فلما سمعوا به رجع موسى بن بغا إلى طريق خراسان وأظهر بايكباك السمع والطاعة، فدخل في ثانى عشر رجب إلى الخليفة سامعا مطيعا، فلما أوقف بين يديه وحوله الأمراء والسادة من بنى هاشم شاورهم في قتله فقال له صالح بن على بن يعقوب بن أبى جعفر المنصور: يا أمير المؤمنين لم يبلغ أحد من الخلفاء في الشجاعة ما بلغت، وقد كان أبو مسلم الخراساني شرا من هذا وأكثر جندا، ولما قتله المنصور سكنت الفتنة وخمد صوت أصحابه. فأمر عند ذلك بضرب عنق بايكباك ثم ألقى رأسه إلى الأتراك، فلما رأوا ذلك أعظموه وأصبحوا من الغد مجتمعين على أخى بايكباك طغوتيا فخرج إليهم الخليفة فيمن معه فلما التقوا خامرت الأتراك الذين مع الخليفة إلى أصحابهم وصاروا إلبا واحدا على الخليفة، فحمل الخليفة فقتل منهم نحوا من أربعة آلاف ثم حملوا عليه فهزموه ومن معه فانهزم الخليفة وبيده السيف صلتا وهو ينادى: يا أيها الناس انصروا خليفتكم. فدخل دار أحمد بن جميل صاحب المعونة، فوضع فيها سلاحه ولبس البياض وأراد أن يذهب فيختفى، فعاجله أحمد بن خاقان منها فأخذه قبل أن يذهب، ورماه بسهم وطعن في خاصرته به وحمل على دابة وخلفه سائس وعليه قميص وسراويل حتى أدخلوه دار أحمد بن خاقان، فجعل من هناك يصفعونه ويبزقون في وجهه، وأخذ خطه بستمائة ألف دينار،
стр. 3559
وسلموه إلى رجل فلم يزل يجأ خصيتيه ويطؤهما حتى مات ﵀. وذلك يوم الخميس لثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب.
وكانت خلافته أقل من سنة بخمسة أيام، وكان مولده في سنة تسع عشرة، وقيل خمس عشرة ومائتين، وكان أسمر رقيقا أحنى حسن اللحية يكنى أبا عبد الله. وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد ودفن بمقبرة المنتصر بن المتوكل. قال الخطيب: وكان من أحسن الخلفاء مذهبا وأجودهم طريقة وأكثرهم ورعا وعبادة وزهادة. قال: وروى حديثا واحدا قال:
حدثني على بن هشام بن طراح عن محمد بن الحسن الفقيه عن ابن أبى ليلى - وهو داود بن على - عن أبيه عن ابن عباس قال قال العباس: يا رسول الله ما لنا في هذا الأمر؟ قال: «لي النبوة ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر وبكم يختم» وقال للعباس: «من أحبك نالته شفاعتي، ومن أبغضك لا نالته شفاعتي». وروى.
الخطيب أن رجلا استعان المهتدي على خصمه فحكم بينهما بالعدل فأنشأ الرجل يقول:
حكمتموه فقضى بينكم … أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه … ولا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن الله مقالتك، ولست أغتر بما قلت: وأما أنا فانى ما جلست مجلسى هذا حتى قرأت ﴿وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ﴾ قال: فبكى الناس حوله فما رئي أكثر باكيا من ذلك اليوم. وقال بعضهم: سرد المهتدي الصوم من حين تولى إلى حين قتل ﵀. وكان يحب الاقتداء بما سلكه عمر بن عبد العزيز الأموي في خلافته من الورع والتقشف وكثرة العبادة وشدة الاحتياط، ولو عاش ووجد ناصرا لسار سيرته ما أمكنه، وكان من عزمه أن يبيد الأتراك الذين أهانوا الخلفاء وأذلوهم، وانتهكوا منصب الخلافة. وقال أحمد بن سعيد الأموي: كنا جلوسا بمكة وعندي جماعة ونحن نبحث في النحو وأشعار العرب، إذ وقف علينا رجل نظنه مجنونا فأنشأ يقول:
أما تستحيون الله يا معدن النحو … شغلتم بذا والناس في أعظم الشغل
إمامكم أضحى قتيلا مجندلا … وقد أصبح الإسلام مفترق الشمل
وأنتم على الأشعار والنحو عكّفا … تصيحون بالأصوات في أحسن السبل
قال فنظر وأرخنا ذلك اليوم فإذا المهتدي بالله قد قتل في ذلك اليوم، وهو يوم الاثنين لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين.
خلافة المعتمد على الله
وهو أحمد بن المتوكل على الله ويعرف بابن فتيان، بويع بالخلافة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة
стр. 3560
خلت من رجب في هذه السنة في دار الأمير يارجوخ وذلك قبل خلع المهتدي بأيام، ثم كانت بيعة العامة يوم الاثنين لثمان مضت من رجب، قيل ولعشرين بقين من رجب دخل موسى بن بغا ومفلح إلى سرمن رأى فنزل موسى في داره وسكن وخمدت الفتنة هنالك، وأما صاحب الزنج المدعى أنه علوي فهو محاصر للبصرة والجيوش الخليفية في وجهه دونها، وهو في كل يوم يقهرهم ويغنم أموالهم وما يفد إليهم في المراكب من الأطعمة وغيرها، ثم استحوذ بعد ذلك على الأبلة وعبادان وغيرهما من البلاد وخاف منه أهل البصرة خوفا شديدا، وكلما لأمره في قوة وجيوشه في زيادة، ولم يزل ذلك دأبه إلى انسلاخ هذه السنة.
وفيها خرج رجل آخر في الكوفة يقال له على بن زيد الطالبي، وجاء جيش من جهة الخليفة فكسره الطالبي واستفحل أمره بالكوفة وقويت شوكته، وتفاقم أمره. وفيها وثب محمد بن واصل التميمي على نائب الأهواز الحارث بن سيما الشرابي فقتله واستحوذ على بلاد الأهواز. وفي رمضان منها تغلب الحسن بن زيد الطالبي على بلاد الري فتوجه إليه موسى بن بغا في شوال، وخرج الخليفة لتوديعه. وفيها كانت وقعة عظيمة على باب دمشق بين اماجور نائب دمشق - ولم يكن معه إلا قريب من أربعمائة فارس - وبين ابن عيسى بن الشيخ، وهو في قريب من عشرين ألفا، فهزمه اماجور وجاءت ولاية من الخليفة لابن الشيخ على بلاد ارمينية على أن يترك أهل الشام، فقبل ذلك وانصرف عنهم. وفيها حج بالناس محمد بن أحمد بن عيسى بن المنصور، وكان في جملة من حج أبو أحمد بن المتوكل. فتعجل وعجل السير إلى سامرا فدخلها ليلة الأربعاء لثلاث بقيت من ذي الحجة من هذه السنة.
وفيها توفى
المهتدي بالله الخليفة
كما تقدم رحمه الله تعالى.
والزبير بن بكار
ابن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الزبيري قاضى مكة.
قدم بغداد وحدث بها، وله كتاب أنساب قريش، وكان من أهل العلم بذلك، وكتابه في ذلك حافل جدا. وقد روى عنه ابن ماجة وغيره، ووثقه الدار قطنى والخطيب وأثنى عليه وعلى كتابه.
وتوفى بمكة عن أربع وثمانين سنة في ذي القعدة من هذه السنة.
محمد بن إسماعيل البخاري
صاحب الصحيح، وقد ذكرنا له ترجمة حافلة في أول شرحنا لصحيحه، ولنذكر ها هنا نبذة يسيرة من ذلك فنقول: هو محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بزدز به الجعفي مولاهم أبو عبد الله البخاري الحافظ، إمام أهل الحديث في زمانه، والمقتدى به في أوانه، والمقدم على سائر أضرابه وأقرانه، وكتابه الصحيح يستقى بقراءته الغمام، وأجمع العلماء على قبوله وصحة ما فيه، وكذلك
стр. 3561
سائر أهل الإسلام، ولد البخاري ﵀ في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع وتسعين ومائة، ومات أبوه وهو صغير فنشأ في حجر أمه فألهمه الله حفظ الحديث وهو في المكتب، وقرأ الكتب المشهورة وهو ابن ست عشرة سنة حتى قيل إنه كان يحفظ وهو صبي سبعين ألف حديث سردا، وحج وعمره ثماني عشرة سنة. فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ. وروى عنه خلائق وأمم. وقد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قال: سمع الصحيح من البخاري معى نحو من سبعين ألفا لم يبق منهم أحد غيري. وقد روى البخاري من طريق الفر بري كما هي رواية الناس اليوم من طريقه، وحماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل وطاهر بن مخلد وآخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن على البردي النسفي وقد توفى النسفي هذا في سنة تسع وعشرين وثلاثمائة. ووثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا. وممن روى عن البخاري مسلم في غير الصحيح، وكان مسلم يتلمذ له ويعظمه، وروى عنه الترمذي في جامعه، والنسائي في سننه في قول بعضهم. وقد دخل بغداد ثمان مرات، وفي كل منها يجتمع بالإمام أحمد فيحثه أحمد على المقام ببغداد ويلومه على الاقامة بخراسان، وقد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج ويكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى وأخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة. وقد كان أصيب بصره وهو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل ﵊ فقال يا هذه قد رد الله على ولدك بصره بكثرة دعائك، أو قال بكائك، فأصبح وهو بصير. وقال البخاري: فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت لي مصنفات نحوا من مائتي ألف حديث مسندة. وكان يحفظها كلها. ودخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فركبوا أسانيد وأدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، وخلطوا الرجال في الأسانيد وجعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرءوها على البخاري فرد كل حديث إلى إسناده، وقوّم تلك الأحاديث والأسانيد كلها، وما تعنتوا عليه فيها، ولم يقدروا أن يعلقوا عليه سقطة في إسناد ولا متن. وكذلك صنع في بغداد. وقد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة. والأخبار عنه في ذلك كثيرة. وقد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه وأقرانه. فقال الامام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله. وقال على بن المديني: لم ير البخاري مثل نفسه. وقال إسحاق بن راهويه: لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث ومعرفته وفقهه. وقال أبو بكر بن أبى شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير: ما رأينا مثله. وقال على بن حجر: لا أعلم مثله. وقال محمود بن النظر بن سهل الشافعيّ: دخلت البصرة والشام والحجاز والكوفة ورأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل
стр. 3562
البخاري فضلوه على أنفسهم. وقال أبو العباس الدغولي: كتب أهل بغداد إلى البخاري:
المسلمون بخير ما حبيت لهم … وليس بعدك خير حين تفتقد
وقال الفلاس: كل حديث لا يعرفه البخاري فليس بحديث. وقال أبو نعيم أحمد بن حماد: هو فقيه هذه الأمة. وكذا قال يعقوب بن إبراهيم الدورقي. ومنهم من فضله في الفقه والحديث على الامام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه وقال قتيبة بن سعيد: رحل إليّ من شرق الأرض وغربها خلق فما رحل إلى مثل محمد بن إسماعيل البخاري. وقال مرجّى بن رجاء: فضل البخاري على العلماء كفضل الرجال على النساء - يعنى في زمانه - وأما قبل زمانه مثل قرب الصحابة والتابعين فلا. وقال هو آية من آيات الله تمشى على الأرض. وقال أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ: محمد بن إسماعيل البخاري أفقهنا وأعلمنا وأغوصنا وأكثرنا طلبا. وقال إسحاق بن راهويه: هو أبصر منى.
وقال أبو حاتم الرازيّ: محمد بن إسماعيل أعلم من دخل العراق. وقال عبد الله العجليّ: رأيت أبا حاتم وأبا زرعة يجلسان إليه يسمعان ما يقول، ولم يكن مسلم يبلغه، وكان أعلم من محمد بن يحيى الذهلي بكذا وكذا، وكان حييا فاضلا يحسن كل شيء. وقال غيره: رأيت محمد بن يحيى الذهلي يسأل البخاري عن الأسامي والكنى والعلل، وهو يمر فيه كالسهم، كأنه يقرأ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾. وقال أحمد بن حمدون القصار: رأيت مسلم بن الحجاج جاء إلى البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين، وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، ثم سأله عن حديث كفارة المجلس فذكر له علته فلما فرغ قال مسلم لا يبغضك إلا حاسد، وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك. وقال الترمذي: لم أر بالعراق ولا في خراسان في معنى العلل والتاريخ ومعرفة الأسانيد أعلم من البخاري، وكنا يوما عند عبد الله بن منير فقال للبخاريّ: جعلك الله زين هذه الأمة. قال الترمذي: فاستجيب له فيه. وقال ابن خزيمة: ما رأيت تحت أديم السماء أعلم بحديث رسول الله ﷺ ولا أحفظ له من محمد ابن إسماعيل البخاري، ولو استقصينا ثناء العلماء عليه في حفظه وإتقانه وعلمه وفقهه وورعه وزهده وعبادته لطال علينا، ونحن على عجل من أجل الحوادث والله سبحانه المستعان. وقد كان البخاري ﵀ في غاية الحياء والشجاعة والسخاء والورع والزهد في الدنيا دار الفناء، والرغبة في الآخرة دار البقاء. وقال البخاري: إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني أنى اغتبته. فذكر له التاريخ وما ذكر فيه من الجرح والتعديل وغير ذلك. فقال: ليس هذا من هذا،
قال النبي ﷺ : «ائذنوا له فلبئس أخو العشيرة» ونحن إنما روينا ذلك رواية ولم نقله من عند أنفسنا. وقد كان ﵀ يصلى في كل ليلة ثلاث عشرة ركعة، وكان يختم القرآن في كل ليلة من رمضان ختمة، وكانت له جدة ومال جيد ينفق منه سرا وجهرا، وكان يكثر الصدقة بالليل والنهار، وكان مستجاب الدعوة مسدد
стр. 3563
الرمية شريف النفس، بعث إليه بعض السلاطين ليأتيه حتى يسمع أولاده عليه فأرسل إليه: في بيته العلم والحلم يؤتى - يعنى إن كنتم تريدون ذلك فهلموا إلى - وأبى أن يذهب إليهم. والسلطان خالد ابن أحمد الذهلي نائب الظاهرية ببخارى، فبقي في نفس الأمير من ذلك، فاتفق أن جاء كتاب من محمد بن يحيى الذهلي بأن البخاري يقول لفظه بالقرآن مخلوق - وكان قد وقع بين محمد بن يحيى الذهلي وبين البخاري في ذلك كلام وصنف البخاري في ذلك كتاب أفعال العباد - فأراد أن يصرف الناس عن السماع من البخاري، وقد كان الناس يعظمونه جدا، وحين رجع إليهم نثروا على رأسه الذهب والفضة يوم دخل بخارى عائدا إلى أهله، وكان له مجلس يجلس فيه للاملاء بجامعها فلم يقبلوا من الأمير، فأمر عند ذلك بنفيه من تلك البلاد، فخرج منها ودعا على خالد بن أحمد فلم يمض شهر حتى أمر ابن طاهر بأن ينادى على خالد بن أحمد على أتان، وزال ملكه وسجن في بغداد حتى مات، ولم يبق أحد يساعده على ذلك إلا ابتلى ببلاء شديد، فنزح البخاري من بلده إلى بلدة يقال لها خرتنك على فرسخين من سمرقند، فنزل عند أقارب له بها وجعل يدعو الله أن يقبضه إليه حين رأى الفتن في الدين، لما
جاء في الحديث: «وإذا أردت بقوم فتنة فتوفنا إليك غير مفتونين». ثم اتفق مرضه على إثر ذلك. فكانت وفاته ليلة عيد الفطر - وكان ليلة السبت - عند صلاة العشاء، وصلى عليه يوم العيد بعد الظهر من هذه السنة - أعنى سنة ست وخمسين ومائتين - وكفن في ثلاثة أثواب بيض ليس فيها قميص ولا عمامة، وفق ما أوصى به، وحين ما دفن فاحت من قبره رائحة غالية أطيب من ريح المسك ثم دام ذلك أياما ثم جعلت ترى سواري بيض بحذاء قبره. وكان عمره يوم مات ثنتين وستين سنة. وقد ترك ﵀ بعده علما نافعا لجميع المسلمين، فعلمه لم ينقطع بل هو موصول بما أسداه من الصالحات في الحياة،
وقد قال رسول الله ﷺ : «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، علم ينتفع به» الحديث رواه مسلم وشرطه في صحيحه هذا أعز من شرط كل كتاب صنف في الصحيح، لا يوازيه فيه غيره، لا صحيح مسلم ولا غيره. وما أحسن ما قال بعض الفصحاء من الشعراء.
صحيح البخاري لو انصفوه … لما خط إلا بماء الذهب
هو الفرق بين الهدى والعمى … هو السد بين الفتى والعطب
أسانيد مثل نجوم السماء … أمام متون لها كالشهب
بها قام ميزان دين الرسول … ودان به العجم بعد العرب
حجاب من النار لا شك فيه … يميز بين الرضى والغضب
وستر رقيق إلى المصطفى … ونص مبين لكشف الريب
стр. 3564
فيا عالما أجمع العالمون … على فضل رتبته في الرتب
سبقت الأئمة فيما جمعت … وفزت على زعمهم بالقصب
نفيت الضعيف من الناقلين … ومن كان متهما بالكذب
وأبرزت في حسن ترتيبه … وتبويبه عجبا للعجب
فأعطاك مولاك ما تشتهيه … وأجزل حظك فيما وهب
ثم دخلت سنة سبع وخمسين ومائتين
فيها ولى الخليفة المعتمد ليعقوب بن الليث بلخ وطخارستان وما يلي ذلك من كرمان وسجستان والسند وغيرها. وفي صفر منها عقد المعتمد لأخيه أبى أحمد على الكوفة وطريق مكة والحرمين واليمن وأضاف إليه في رمضان نيابة بغداد والسواد وواسط وكور دجلة والبصرة والأهواز، وفارس، وأذن له أن يستنيب في ذلك كله. وفيها تواقع سعيد الحاجب وصاحب الزنج في أراضى البصرة فهزمه سعيد الحاجب واستنقذ من يده خلقا من النساء والذرية، واسترجع منه أموالا جزيلة. وأهان الزنج غاية الإهانة. ثم إن الزنج بيتوا سعيدا وجيشه فقتلوا منهم خلقا كثيرا ويقال إن سعيد بن صالح قتل أيضا. ثم إن الزنج التقوا هم ومنصور بن جعفر الخياط في جيش كثيف فهزمهم صاحب الزنج المدعى أنه طالبي، وهو كاذب. قال ابن جرير: وفيها ظفر ببغداد بموضع يقال له بركة زلزل برجل خناق قد قتل خلقا من النساء كان يؤلف المرأة ثم يخنقها ويأخذ ما عليها، فحمل إلى المعتمد فضرب بين يديه بألفي سوط وأربعمائة، فلم يمت حتى ضربه الجلادون على أنثييه بخشب العقابين فمات، ورد إلى بغداد وصلب هناك، ثم أحرقت جثته. وفي ليلة الرابع عشر من شوال من هذه السنة كسف القمر وغاب أكثره. وفي صبيحة هذا اليوم دخل جيش الخبيث الزنجي إلى البصرة قهرا فقتل من أهلها خلقا وهرب نائبها بغراج ومن معه، وأحرقت الزنج جامع البصرة ودورا كثيرة، وانتهبوها ثم نادى فيهم إبراهيم بن المهلبي أحد أصحاب الزنجي الخارجي: من أراد الأمان فليحضر. فاجتمع عنده خلق كثير من أهل البصرة فرأى أنه قد أصاب فرصة فغدر بهم وأمر بقتلهم، فلم يفلت منهم إلا الشاذ:
كانت الزنج تحيط بجماعة من أهل البصرة ثم يقول بعضهم لبعض: كيلوا - وهي الإشارة بينهم إلى القتل - فيحملون عليهم بالسيوف فلا يسمع إلا قول أشهد أن لا إله إلا الله، من أولئك المقتولين وضجيجهم عند القتل - أي صراخ الزنج وضحكهم - ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وهكذا كانوا يفعلون في كل محال البصرة في عدة أيام نحسات، وهرب الناس منهم كل مهرب، وحرقوا الكلأ من الجبل إلى الجبل، فكانت النار تحرق ما وجدت من شيء من إنسان أو بهيمة أو آثار أو غير ذلك، وأحرقوا المسجد الجامع [وقد قتل هؤلاء جماعة كثيرة من الأعيان والأدباء والفضلا. والمحدثين
стр. 3565
والعلماء. ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ (١)]. وكان هذا الخبيث قد أوقع في أهل فارس وقعة عظيمة، ثم بلغه أن أهل البصرة قد جاءهم من الميرة شيء كثير وقد اتسعوا بعد الضيق فحسدهم على ذلك، فروى ابن جرير عن من سمعه يقول: دعوت الله على أهل البصرة فخوطبت فقيل: إنما أهل البصرة خبزة لك تأكلها من جوانبها، فإذا انكسر نصف الرغيف خربت البصرة فأولت الرغيف القمر وانكساره انكسافه، وقد كان هذا شائعا في أصحابه حتى وقع الأمر طبق ما أخبر به. ولا شك أن هذا كان معه شيطان يخاطبه، كما كان يأتى الشيطان مسيلمة وغيره. قال: ولما وقع ما وقع من الزنج بأهل البصرة قال هذا الخبيث لمن معه: إني صبيحة ذلك دعوت الله على أهل البصرة فرفعت لي البصرة بين السماء والأرض ورأيت أهلها يقتلون ورأيت الملائكة تقاتل مع أصحابى وإني لمنصور على الناس والملائكة تقاتل معى، وتثبت جيوشى، ويؤيدونى في حروبي. ولما صار إليه العلوية الذين كانوا بالبصرة انتسب هو حينئذ إلى يحيى بن زيد، وهو كاذب في ذلك بالإجماع، لابن يحيى ابن زيد لم يعقب إلا بنتا ماتت وهي ترضع، فقبح الله هذا اللعين ما أكذبه وأفجره وأغدره.
وفيها في مستهل ذي القعدة وجه الخليفة جيشا كثيفا مع الأمير محمد - المعروف بالمولد - لقتال صاحب الزنج، فقبض في طريقه على سعد بن أحمد الباهلي الّذي كان قد تغلب على أرض البطائح وأخاف السبيل. وفيها خالف محمد بن واصل الخليفة بأرض فارس وتغلب عليها. وفيها وثب رجل من الروم يقال له بسيل الصقلبى على ملك الروم ميخائيل بن توفيل فقتله واستحوذ على مملكة الروم، وقد كان لميخائيل في الملك على الروم أربع وعشرون سنة. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق العباسي.
وفيها توفى من الأعيان.
الحسن بن عرفة بن يزيد
صاحب الجزء المشهور المروي، وقد جاوز المائة بعشر سنين، وقيل بسبع، وكان له عشرة من الولد سماهم بأسماء العشرة. وقد وثقه يحيى بن معين وغيره، وكان يتردد إلى الامام أحمد بن حنبل ولد في سنة خمسين ومائة، وتوفى في هذه السنة عن مائة وسبع سنين وأبو سعيد الأشج. وبريد بن أخرم الطائي. والرواسي ذبحهما الزنج في جملة من ذبحوا من أهل البصرة. وعلى بن خشرم. أحد مشايخ مسلم الّذي يكثر عنهم الرواية.
والعباس بن الفرج
أبو الفضل الرياشي النحويّ اللغوي، كان عالما بأيام العرب والسير وكان كثير الاطلاع ثقة عالما، روى عن الأصمعي وأبى عبيدة وغيرهما، وعنه إبراهيم الحربي، وأبو بكر بن أبى الدنيا وغيرهما. قتل بالبصرة في هذه السنة، قتله الزنج. ذكره ابن خلكان في الوفيات وحكى عنه الأصمعي أنه قال:
стр. 3566
مر بنا أعرابى ينشد ابنه فقلنا له صفة لنا. فقال: كأنه دنينير. فقلنا: لم نره، فلم نلبث أن جاء يحمله على عنقه أسيود كأنه سفل قدر. فقلت: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، إنه منذ اليوم يلعب هاهنا مع الغلمان. ثم أنشد الأصمعي:
نعم ضجيع الفتى إذا برد … الليل سحرا وقرقف العرد
زينها الله في الفؤاد كما … زين في عين والد ولد
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومائتين
في يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الأول عقد الخليفة لأخيه أبى أحمد على ديار مصر وقنسرين والعواصم، وجلس يوم الخميس في مستهل ربيع الآخر فخلع على أخيه وعلى مفلح وركبا نحو البصرة في جيش كثيف في عدد وعدد، فاقتتلوا هم والزنج قتالا شديدا فقتل مفلح للنصف من جمادى الأولى، أصابه سهم بلا نصل في صدره فأصبح ميتا، وحملت جثته إلى سامرا فدفن بها. وفيها أسر يحيى بن محمد البحراني أحد أمراء صاحب الزنج الكبار، وحمل إلى سامرا فضرب بين يدي المعتمد مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه من خلاف، ثم أخذ بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق، وكان الذين أسروه جيش أبى أحمد في وقعة هائلة مع الزنج قبحهم الله. ولما بلغ خبره صاحب الزنج أسف على ذلك ثم قال: لقد خوطبت فيه فقيل لي: قتله كان خيرا لك. لأنه كان شرها يخفى من المغانم خيارها وقد كان صاحب الزنج يقول لأصحابه: لقد عرضت على النبوة فخفت أن لا أقوم بأعبائها فلم أقبلها.
وفي ربيع الآخر منها وصل سعيد بن أحمد الباهلي إلى باب الخليفة فضرب سبعمائة سوط حتى مات ثم صلب. وفيها قتل قاض وأربعة وعشرون رجلا من أصحاب صاحب الزنج عند باب العامة بسامراء. وفيها رجع محمد بن واصل إلى طاعة السلطان وحمل خراج فارس وتمهدت الأمور هناك.
وفيها في أواخر رجب كان بين أبى أحمد وبين الزنج وقعة هائلة فقتل منها خلق من الفريقين. ثم استوخم أبو أحمد منزله فانتقل إلى واسط فنزلها في أوائل شعبان، فلما نزلها وقعت هناك زلزلة شديدة وهدة عظيمة، تهدمت فيها بيوت ودور كثيرة، ومات من الناس نحو من عشرين ألفا. وفيها وقع في الناس وباء شديد وموت عريض ببغداد وسامرا وواسط وغيرها من البلاد، وحصل للناس ببغداد داء يقال له القفاع. وفي يوم الخميس لسبع خلون من رمضان، أخذ رجل من باب العامة بسامراء ذكر عنه أنه يسب السلف فضرب ألف سوط حتى مات. وفي يوم الجمعة ثامنه توفى الأمير يارجوخ فصلى عليه أخو الخليفة أبو عيسى وحضره جعفر بن المعتمد على الله. وفيها كانت وقعة هائلة بين موسى بن بغا وبين أصحاب الحسين بن زيد ببلاد خراسان فهزمهم موسى هزيمة فظيعة. وفيها كانت وقعة بين مسرور البلخي وبين مساور الخارجي فكسره مسرور وأسر من أصحابه جماعة
стр. 3567
كثيرة. وفيها حج بالناس الفضل بن إسحاق المتقدم ذكره. وفيها توفى من الأعيان أحمد بن بديل وأحمد بن حفص. وأحمد بن سنان القطان. ومحمد بن يحيى الذهلي: ويحيى بن معاذ الرازيّ.
ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومائتين
في يوم الجمعة لأربع بقين من ربيع الآخر رجع أبو أحمد بن المتوكل من واسط إلى سامرا وقد استخلف على حرب الزنج محمد الملقب بالمولد، وكان شجاعا شهما. وفيها بعث الخليفة إلى نائب الكوفة جماعة من القواد فذبحوه وأخذوا ما كان معه من المال فإذا هو أربعون ألف دينار. وفيها تغلب رجل جمال يقال له شركب الجمال على مدينة مرو فانتهبها وتفاقم أمره وأمر أتباعه هناك.
ولثلاث عشرة بقيت من ذي القعدة توجه موسى بن بغا إلى حرب الزنج، وخرج المعتمد لتوديعه وخلع عليه عند مفارقته له، وخرج عبد الرحمن بن مفلح إلى بلاد الأهواز نائبا عليها، وليكون عونا لموسى بن بغا على حرب صاحب الزنج الخبيث، فهزم عبد الرحمن بن مفلح جيش الخبيث وقتل من الزنج خلقا كثيرا وأسر طائفة كبيرة منهم وأرعبهم رعبا كثيرا بحيث لم يتجاسروا على مواقفته مرة ثانية، وقد حرضهم الخبيث كل التحريض فلم ينجع ذلك فيهم، ثم تواقع عبد الرحمن بن مفلح وعلى ابن أبان المهلبي وهو مقدم جيوش صاحب الزنج فجرت بينهما حروب يطول شرحها، ثم كانت الدائرة على الزنج ولله الحمد. فرجع على بن أبان إلى الخبيث مغلوبا مقهورا، وبعث عبد الرحمن بالأسارى إلى سامرا فبادر إليهم العامة فقتلوا أكثرهم وسلبوهم قبل أن يصلوا إلى الخليفة.
وفيها دنا ملك الروم لعنه الله إلى بلاد سميساط ثم إلى ملطية فقاتله أهلها فهزموه وقتلوا بطريق البطارقة من أصحابه، ورجع إلى بلاده خاسئا وهو حسير. وفيها دخل يعقوب بن الليث إلى نيسابور وظفر بالخارجي الّذي كان بهراة ينتحل الخلافة منذ ثلاثين سنة فقتله وحمل رأسه على رمح وطيف به في الآفاق. ومعه رقعة مكتوب فيها ذلك. وفيها حج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم ابن يعقوب بن سليمان بن إسحاق بن على بن عبد الله بن عباس.
وفيها توفى من الأعيان إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق أبو إسحاق الجوزجاني خطيب دمشق وإمامها وعالمها وله المصنفات المشهورة المفيدة، منها المترجم فيه علوم غزيرة وفوائدة كثيرة.
ثم دخلت سنة ستين ومائتين من الهجرة
فيها وقع غلاء شديد ببلاد الإسلام كلها حتى أجلى أكثر أهل البلدان منها إلى غيرها، ولم يبق بمكة أحد من المجاورين حتى ارتحلوا إلى المدينة وغيرها من البلاد، وخرج نائب مكة منها. وبلغ كرّ الشعير ببغداد مائة وعشرين دينارا، واستمر ذلك شهورا. وفيها قتل صاحب الزنج على بن زيد صاحب الكوفة، وفيها أخذ الروم من المسلمين حصن لؤلؤة. وفيها حج بالناس إبراهيم بن محمد بن إسماعيل المذكور قبلها.
стр. 3568
وفيها توفى من الأعيان الحسن بن محمد الزعفرانيّ، وعبد الرحمن بن شرف. ومالك بن طوق صاحب الرحبة التي تنسب إليه، وهو مالك بن طوق، ويقال للرحبة رحبة مالك بن طوق، وحنين ابن إسحاق العبادي الّذي عرّب كتاب أقليدس وحرره بعد ثابت بن قرة. وعرب حنين أيضا كتاب المجسطي وغير ذلك من كتب الطب من لغة اليونان إلى لغة العرب، وكان المأمون شديد الاعتناء بذلك جدا، وكذلك جعفر البرمكي قبله ولحنين مصنفات كثيرة في الطب، وإليه تنسب مسائل حنين، وكان بارعا في فنه جدا، توفى يوم الثلاثاء لست خلون من صفر من هذه السنة. قاله ابن خلكان.
ثم دخلت سنة إحدى وستين ومائتين
فيها انصرف الحسن بن زيد من بلاد الديلم إلى طبرستان وأحرق مدينة شالوس لممالأتهم يعقوب بن الليث عليه. وفيها قتل مساور الخارجي يحيى بن حفص الّذي كان يلي طريق خراسان في جمادى الآخرة فشخص إليه مسرور البلخي ثم تبعه أبو أحمد بن المتوكل فهرب مساور فلم يلحق. وفيها كانت وقعة بين ابن واصل الّذي تغلب على فارس وبين عبد الرحمن بن مفلح فكسره ابن واصل وأسره وقتل طاشتمر واصطلم الجيش الذين كانوا معه فلم يفلت منهم إلا اليسير، ثم سار ابن واصل إلى واسط يريد حرب موسى بن بغا فرجع موسى إلى نائب الخليفة وسأل أن يعفى من ولاية بلاد المشرق لما بها من الفتن، فعزل عنها وولاها الخليفة إلى أخيه أبى أحمد. وفيها سار أبو الساج إلى حرب الزنج فاقتتلوا قتالا شديدا وغلبتهم الزنج ودخلوا الأهواز فقتلوا خلقا من أهلها وأحرقوا منازل كثيرة، ثم صرف أبو الساج عن نيابة الأهواز وخربها الزنج وولى الخليفة ذلك إبراهيم بن سيما. وفيها تجهز مسرور البلخي في جيش لقتال الزنج. وفيها ولى الخليفة نصر بن أحمد ابن أسد الساماني ما وراء نهر بلخ وكتب إليه بذلك في شهر رمضان. وفي شوال قصد يعقوب بن الليث حرب ابن واصل فالتقيا في ذي القعدة فهزمه يعقوب وأخذ عسكره وأسر رجاله وطائفة من حرمه وأخذ من أمواله ما قيمته أربعون ألف ألف درهم. وقتل من كان يمالئه وينصره من أهل تلك البلاد. وأصلح الله به تلك الناحية.
ولا ثنتى عشرة ليلة خلت من شوال ولى المعتمد على الله ولده جعفرا العهد من بعده وسماه المفوض إلى الله وولاه المغرب وضم إليه موسى بن بغا وولاية إفريقية ومصر والشام والجزيرة والموصل وأرمينية وطريق خراسان وغير ذلك، وجعل الأمر من بعد ولده لأبى أحمد المتوكل ولقبه الموفق بالله وولاه المشرق وضم إليه مسرور البلخي وولاه بغداد والسواد والكوفة وطريق مكة والمدينة واليمن وكسكر وكور دجلة والأهواز وفارس وأصبهان والكرخ والدينور والري وزنجان والسند، وكتب بذلك مكاتبات وقرئت بالآفاق، وعلق منها نسخة بالكعبة. وفيها حج بالناس الفضل بن إسحاق.
стр. 3569
وفيها توفى من الأعيان أحمد بن سليمان الرهاوي. وأحمد بن عبد الله العجليّ. والحسن بن أبى الشوارب بمكة. وداود بن سليمان الجعفري. وشعيب بن أيوب. وعبد الله بن الواثق أخو المهتدي بالله. وأبو شعيب السوسي. وأبو يزيد البسطامي أحد أئمة الصوفية. وعلى بن إشكاب وأخوه أبو محمد ومسلم بن الحجاج صاحب الصحيح
وهذا ذكر شيء من ترجمته على سبيل الاختصار
هو مسلم أبو الحسين القشيري النيسابورىّ أحد الأئمة من حفاظ الحديث صاحب الصحيح الّذي هو تلو صحيح البخاري عند أكثر العلماء، وذهبت المغاربة وأبو على النيسابورىّ من المشارقة إلى تفضيل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فان أرادوا تقديمه عليه في كونه ليس فيه شيء من التعليقات إلا القليل، وأنه يسوق الأحاديث بتمامها في موضع واحد ولا يقطعها كتقطيع البخاري لها في الأبواب فهذا القدر لا يوازى قوة أسانيد البخاري واختياره في الصحيح لها ما أورده في جامعه معاصرة الراويّ لشيخه وسماعه منه وفي الجملة فان مسلما لم يشترط في كتابه الشرط الثاني كما هو مقرر في علوم الحديث، وقد بسطت ذلك في أول شرح البخاري. والمقصود أن مسلما دخل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وسمع من جماعة كثيرين قد ذكرهم شيخنا الحافظ المزي في تهذيبه مرتبين على حروف المعجم. وروى عنه جماعة كثيرون منهم الترمذي في جامعه حديثا واحدا وهو حديث
محمد بن عمرو عن أبى سلمة عن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أحصوا هلال شعبان لرمضان».
وصالح بن محمد حرره. وعبد الرحمن بن أبى حاتم. وابن خزيمة، وابن صاعد، وأبو عوانة الأسفراييني. وقال الخطيب: أخبرنى محمد بن أحمد بن يعقوب أخبرنا أحمد بن نعيم الضبيّ أخبرنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم سمعت أحمد بن سلمة يقول: رأيت أبا زرعة وأبا حاتم يقدمان مسلم بن الحجاج في معرفة الصحيح على مشايخ عصرهما. وأخبرنى ابن يعقوب أنا محمد بن نعيم سمعت الحسين بن محمد الماسرخسي يقول سمعت أبى يقول سمعت مسلما بن الحجاج يقول: صنفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وروى الخطيب قائلا: حدثني أبو القاسم عبيد الله بن أحمد بن على السودرجانى - بأصبهان - سمعت محمد بن إسحاق بن مندة سمعت أبا على الحسين بن على النيسابورىّ يقول: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم بن الحجاج في علم الحديث. وقد ذكر مسلم عند إسحاق بن راهويه فقال بالعجمية ما معناه: أي رجل كان هذا؟ وقال إسحاق بن منصور لمسلم: لن نعدم الخير ما أبقاك الله للمسلمين. وقد أثنى عليه جماعة من العلماء من أهل الحديث وغيرهم. وقال أبو عبد الله محمد بن يعقوب الأخرم: قلّ ما يفوت البخاري ومسلما ما يثبت في الحديث. وروى الخطيب عن أبى عمر ومحمد بن حمدان الحيريّ قال: سألت أبا العباس أحمد بن سعيد بن عقدة الحافظ
стр. 3570
عن البخاري ومسلم أيهما أعلم؟ فقال: كان البخاري عالما ومسلم عالما، فكررت ذلك عليه مرارا وهو يرد على هذا الجواب ثم قال: يا أبا عمرو قد يقع للبخاريّ الغلط في أهل الشام، وذلك أنه أخذ كتبهم فنظر فيها فربما ذكر الواحد منهم بكنيته ويذكره في موضع آخر باسمه ويتوهم أنهما اثنان، وأما مسلم فقل ما يقع له الغلط لأنه كتب المقاطيع والمراسيل. قال الخطيب: إنما قفا مسلم طريق البخاري ونظر في علمه وحذا حذوه. ولما ورد البخاري نيسابور في آخر أمره لازمه مسلم وأدام الاختلاف إليه. وقد حدثني عبيد الله بن أحمد بن عثمان الصير في قال سمعت أبا الحسن قطنى يقول:
لولا البخاري ما ذهب مسلم ولا جاء قال الخطيب: وأخبرنى أبو بكر المنكدر ثنا محمد بن عبد الله الحافظ حدثني أبو نصر بن محمد الزراد سمعت أبا حامد أحمد بن حمدان القصار سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبّل بين عينيه وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام ثنا مخلد بن يزيد الحراني حدثنا ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبى هريرة عن النبي ﷺ في كفارة المجلس فما علته؟ فقال البخاري: هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث، الا أنه معلول ثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله قوله قال البخاري: وهذا أولى فإنه لا يعرف لموسى بن عقبة سماع من سهيل. قلت: وقد أفردت لهذا الحديث جزءا على حدة وأوردت فيه طرقه وألفاظه ومتنه وعلله. قال الخطيب: وقد كان مسلم يناضل عن البخاري. ثم ذكر ما وقع بين البخاري ومحمد بن يحيى الذهلي في مسألة اللفظ بالقرآن في نيسابور، وكيف نودي على البخاري بسبب ذلك بنيسابور، وأن الذهلي قال يوما لأهل مجلسه وفيهم مسلم بن الحجاج: ألا من كان يقول بقول البخاري في مسألة اللفظ بالقرآن فليعتزل مجلسنا. فنهض مسلم من فوره إلى منزله، وجمع ما كان سمعه من الذهلي جميعه وأرسله إليه وترك الرواية عن الذهلي بالكلية فلم يرو عنه شيئا لا في صحيحه ولا في غيره، واستحكمت الوحشة بينهما. هذا ولم يترك البخاري محمد بن يحيى الذهلي بل روى عنه في صحيحه وغيره وعذره ﵀.
وقد ذكر الخطيب سبب موت مسلم ﵀ أنه عقد له مجلس للمذاكرة فسئل يوما عن حديث فلم يعرفه فانصرف إلى منزله فأوقد السراج وقال لأهله: لا يدخل أحد الليلة على، وقد أهديت له سلة من تمر فهي عنده يأكل تمرة ويكشف عن حديث ثم يأكل أخرى ويكشف عن آخر، فلم يزل ذلك دأبه حتى أصبح وقد أكل تلك السلة وهو لا يشعر. فحصل له بسبب ذلك ثقل ومرض من ذلك حتى كانت وفاته عشية يوم الأحد، ودفن يوم الاثنين لخمس بقين من رجب سنة إحدى وستين ومائتين بنيسابور، وكان مولده في السنة التي توفى فيها الشافعيّ، وهي سنة أربع ومائتين، فكان
стр. 3571
عمره سبعا وخمسين سنة رحمه الله تعالى.
أبو يزيد البسطامي
اسمه طيفور بن عيسى بن على، أحد مشايخ الصوفية، وكان جده مجوسيا فأسلم، وكان لأبى يزيد أخوات صالحات عابدات، وهو أجلهم، قيل لأبى يزيد: بأي شيء وصلت إلى المعرفة؟ فقال ببطن جائع وبدن عار. وكان يقول: دعوت نفسي إلى طاعة الله فلم تجبني فمنعتها الماء سنة، وقال إذا رأيتم الرجل قد أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تعتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهى وحفظ الحدود والوقوف عند الشريعة. قال ابن خلكان: وله مقامات ومجاهدات مشهورة وكرامات ظاهرة. توفى سنة إحدى وستين ومائتين. قلت: وقد حكى عنه شحطات ناقصات، وقد تأولها كثير من الفقهاء والصوفية وحملوها على محامل بعيدة، وقد قال بعضهم:
إنه قال ذلك في حال الاصطلام والغيبة. ومن العلماء من بدّعه وخطّأه وجعل ذلك من أكبر البدع وأنها تدل على اعتقاد فاسد كامن في القلب ظهر في أوقاته والله أعلم.
ثم دخلت سنة اثنتين وستين ومائتين
فيها قدم يعقوب بن الليث في جحافل فدخل واسط قهرا فخرج الخليفة المعتمد بنفسه من سامرا لقتاله فتوسط بين بغداد وواسط فانتدب له أبو أحمد الموفق بالله أخو الخليفة، في جيش عظيم على ميمنته موسى بن بغا، وعلى ميسرته مسرور البلخي، فاقتتلوا في رجب من هذه السنة أياما قتالا عظيما، ثم كانت العلبة على يعقوب وأصحابه، وذلك يوم عيد الشعانين. فقتل منهم خلق كثير وغنم منهم أبو أحمد شيئا كثيرا من الذهب والفضة والمسك والدواب. ويقال إنهم وجدوا في جيش يعقوب هذا رايات عليها صلبان ثم انصرف المعتمد إلى المدائن ورد محمد بن طاهر إلى نيابة بغداد وأمر له بخمسمائة ألف درهم. وفيها غلب يعقوب بن الليث على بلاد فارس وهرب ابن واصل منها. وفيها كانت حروب كثيرة بين صاحب الزنج وجيش الخليفة. وفيها ولى القضاء على بن محمد بن أبى الشوارب. وفيها جمع للقاضي إسماعيل بن إسحاق قضاء جانبي بغداد. وفيها حج بالناس الفضل ابن إسحاق العباسي. قال ابن جرير: وفيها وقع بين الخياطين والخرازين بمكة فاقتتلوا يوم التروية أو قبله بيوم. فقتل منهم سبعة عشر نفسا وخاف الناس أن يفوتهم الحج بسببهم، ثم توادعوا إلى ما بعد الحج. وفيها توفى من الأعيان صالح بن على بن يعقوب بن المنصور في ربيع الآخر منها.
وعمر بن شبة النميري. ومحمد بن عاصم. ويعقوب بن شيبة صاحب المسند الحافل المشهور والله أعلم.
ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومائتين
فيها جرت حروب كثيرة منتشرة في بلاد شتى فمن ذلك مقتلة عظيمة في الزنج لعنهم الله،
стр. 3572
حصرهم في بعض المواقف بعض الأمراء من جهة الخليفة فقتل الموجودين عنده عن آخرهم. وفيها سلمت الصقالبة حصن لؤلؤة إلى طاغية الروم. وفيها تغلب أخو شركب الجمال على نيسابور وأخرج منها عاملها الحسين بن طاهر وأخذ من أهلها ثلث أموالهم مصادرة قبحه الله. وحج بالناس فيها الفضل بن إسحاق العباسي.
وفيها توفى من الأعيان مساور بن عبد الحميد الشاري الخارجي، وقد كان من الأبطال والشجعان المشهورين، والتف عليه خلق من الأعراب وغيرهم، وطالت مدته حتى قصمه الله. ووزير الخلافة عبيد الله بن يحيى بن خاقان صدمه في الميدان خادم يقال له رشيق فسقط عن دابته على أم رأسه فخرج دماغه من أذنيه وأنفه فمات بعد ثلاث ساعات، وصلى عليه أبو أحمد الموفق بن المتوكل، ومشى في جنازته، وذلك يوم الجمعة لعشر خلون من ذي القعدة من هذه السنة، واستوزر من الغد الحسن بن مخلد، فلما قدم موسى بن بغا سامرا عزله واستوزر مكانه سليمان بن وهب، وسلمت دار عبد الله بن يحيى بن خاقان إلى الأمير المعروف بكيطلغ. وفيها توفى أحمد بن الأزهر. والحسن بن أبى الربيع. ومعاوية بن صالح الأشعري.
ثم دخلت سنة أربع وستين ومائتين
في المحرم منها عسكر أبو أحمد وموسى بن بغا بسامراء وخرجها منها لليلتين مضتا من صفر، وخرج المعتمد لتوديعهما، وسارا إلى بغداد. فلما وصلا إلى بغداد توفى الأمير موسى بن بغا وحمل إلى سامرا فدفن بها. وفيها ولى محمد بن المولد واسطا لمحاربة سليمان بن جامع نائبها من جهة صاحب الزنج، فهزمه ابن المولد بعد حروب طويلة. وفيها سار ابن الديراني إلى مدينة الدينور واجتمع عليه دلف بن عبد العزيز بن أبى دلف وابن عياض فهزماه ونهبا أمواله ورجع مغلولا. ولما توفى موسى بن بغا عزل الخليفة الوزير الّذي كان من جهته وهو سليمان بن حرب وحبسه مقيدا وأمر بنهب دوره ودور أقربائه ورد الحسن بن مخلد إلى الوزارة، فبلغ ذلك أبا أحمد وهو ببغداد فسار بمن معه إلى سامرا فتحصن منه أخوه المعتمد بجانبها الغربي، فلما كان يوم التروية عبر جيش أبى أحمد إلى الجانب الّذي فيه المعتمد فلم يكن بينهم قتال بل اصطلحوا على رد سليمان بن وهب إلى الوزارة وهرب الحسن بن خلد فنهبت أمواله وحواصله واختفى أبو عيسى بن المتوكل ثم ظهر، وهرب جماعة من الأمراء إلى الموصل خوفا من أبى أحمد، وفيها حج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى الهاشمي الكوفي.
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن عبد الرحمن بن وهب. وإسماعيل بن يحيى المزني أحد رواة الحديث عن الشافعيّ من أهل مصر وقد ترجمناه في طبقات الشافعيين.
стр. 3573
وأبو زرعة
عبيد الله بن عبد الكريم الرازيّ أحد الحفاظ المشهورين قيل إنه كان يحفظ سبعمائة ألف حديث وكان فقيها ورعا زاهدا عابدا متواضعا خاشعا أثنى عليه أهل زمانه بالحفظ والديانة، وشهدوا له بالتقدم على أقرانه، وكان في حال شبيبته إذا اجتمع بأحمد بن حنبل يقتصر أحمد على الصلوات المكتوبات ولا يفعل المندوبات اكتفاء بمذاكرته. توفى يوم الاثنين سلخ ذي الحجة من هذه السنة، وكان مولده سنة مائتين، وقيل سنة تسعين ومائة، وقد ذكرنا ترجمته مبسوطة في التكميل.
ومحمد بن إسماعيل بن علية قاضى دمشق. ويونس بن عبد الأعلى الصدفي المصري وهو ممن روى عن الشافعيّ. وقد ذكرناه في التكميل وفي الطبقات. وقبيحة أم المعتز إحدى حظايا المتوكل على الله، وقد جمعت من الجواهر واللآلئ والذهب والمصاغ ما لم يعهد لمثلها. ثم سلبت ذلك كله وقتل ولدها المعتز لأجل نفقات الجند، وشحت عليه، بخمسين ألف دينار تدارى بها عنه. كانت وفاتها في ربيع الأول من هذه السنة.
ثم دخلت سنة خمس وستين ومائتين
فيها كانت وقعة بين ابن ليثويه عامل أبى أحمد وبين سليمان بن جامع فظفر بها ابن ليثويه بابن جامع نائب صاحب الزنج، فقتل خلقا من أصحابه وأسر منهم سبعة وأربعين أسيرا، وحرق له مراكب كثيرة، وغنم منهم أموالا جزيلة. وفي المحرم من هذه السنة حاصر أحمد بن طولون نائب الديار المصرية مدينة انطاكية وفيها سيما الطويل فأخذها منه وجاءته هدايا ملك الروم، وفي جملتها أسارى من أسارى المسلمين، ومع كل أسير مصحف، منهم عبد الله بن رشيد بن كاوس الّذي كان عامل الثغور فاجتمع لأحمد بن طولون ملك الشام بكماله مع الديار المصرية، لأنه لما مات نائب دمشق اما خور ركب ابن طولون من مصر قتلقاه ابن اما خور إلى الرملة فأقره عليها، وسار إلى دمشق فدخلها ثم إلى حمص فتسلمها ثم إلى حلب فأخذها ثم ركب إلى أنطاكية فكان من أمره ما تقدم. وكان قد استخلف على مصر ابنه العباس فلما بلغه قدوم أبيه علية من الشام أخذ ما كان في بيت المال من الحواصل ووازره جماعة على ذلك، ثم ساروا إلى برقة خارجا عن طاعة أبيه، فبعث إليه من أخذه ذليلا حقيرا، وردوه إلى مصر فحبسه وقتل جماعة من أصحابه.
وفيها خرج رجل يقال له القاسم بن مهاة على دلف بن عبد العزيز بن أبى دلف العجليّ فقتله واستحوذ على أصبهان فانتصر أصحاب دلف له فقتلوا القاسم ورأسوا عليهم أحمد بن عبد العزيز.
وفيها لحق محمد المولد بيعقوب بن الليث فسار إليه في المحرم فأمر الخليفة بنهب حواصله وأمواله وأملاكه. وفيها دخل صاحب الزنج إلى النعمانية فقتل وحرق ثم سار إلى جرجرايا فانزعج الناس منه
стр. 3574
ودخل أهل السواد إلى بغداد. وفيها ولى أبو أحمد عمرو بن الليث خراسان وفارس وأصبهان وسجستان وكرمان والسند، ووجهه إليها بذلك وبالخلع والتحف. وفيها حاصرت الزنج تستر حتى كادوا يأخذونها فوافاهم تكين البخاري فلم يضع ثياب سفره حتى ناجز الزنج فقتل منهم خلقا وهزمهم هزيمة فظيعة جدا، وهرب أميرهم على بن أبان المهلبي مخذولا: قال ابن جرير: وهذه وقعة باب كودك المشهورة، ثم إن على بن أبان المهلبي أخذ في مكاتبة تكين واستمالته إليه وإلى صاحب الزنج فسارع تكين في إجابته إلى ذلك فبلغ خبره مسرورا البلخي فسار نحوه وأظهر له الأمان حتى أخذه فقيده وتفرق جيشه عنه ففرقة صارت إلى الزنج وفرقة إلى محمد بن عبيد الله الكردي. وفرقة انضافت إلى مسرور بعد إعطائه إياهم الأمان، وولى مكانه على عمالته أميرا آخر يقال له اغرتمش. وفيها حج بالناس هارون بن محمد بن إسحاق بن موسى العباسي.
وفيها توفى من الأعيان
أحمد بن منصور الرمادي راوية عبد الرزاق وقد صحب الامام أحمد وكان يعد من الابدال توفى عن ثلاث وستين سنة. وسعدان بن نصر. وعبد الله بن محمد المخزومي وعلى بن حرب الطائي الموصلي. وأبو حفص النيسابورىّ على بن موفق الزاهد. ومحمد بن سحنون قال ابن الأثير في كامله: وفيها قتل أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي صاحب أبى عبيدة والأصمعي قتلته الزنج بالبصرة.
يعقوب بن الليث الصفار
أحد الملوك العقلاء الأبطال. فتح بلادا كثيرة من ذلك بلد الرجح التي كان فيها ملك صاحب الزنج وكان يحمل في سرير من ذهب على رءوس اثنى عشر رجلا، وكان له بيت في رأس جبل عال سماه مكة، فما زال حتى قتل وأخذ بلده واستسلم أهلها فأسلموا على يديه، ولكن كان قد خرج عن طاعة الخليفة وقاتله أبو أحمد الموفق كما تقدم. ولما مات ولوا أخاه عمرو بن الليث ما كان يليه أخوه يعقوب مع شرطة بغداد وسامرا كما سيأتي.
ثم دخلت سنة ست وستين ومائتين
في صفر منها تغلب أساتكين على بلد الري وأخرج عاملها منها ثم مضى إلى قزوين فصالحه أهلها فدخلها وأخذ منها أموالا جزيلة، ثم عاد إلى الري فمانعه أهلها عن الدخول إليها فقهرهم ودخلها [وفيها غارت سرية من الروم على ناحية ديار ربيعة فقتلوا وسبوا ومثلوا وأخذوا نحوا من مائتين وخمسين أسيرا، فنفر إليهم أهل الصين وأهل الموصل فهربت منهم الروم ورجعوا إلى بلادهم] (١) وفيها ولى عمرو بن الليث شرطة بغداد وسامرا لعبيد الله بن طاهر، وبعث إليه أبو أحمد بالخلعة
стр. 3575
وخلع عليه عمرو بن الليث أيضا وأهدى إليه عمودين من ذهب، وذلك مضافا إلى ما كان يليه أخوه من البلدان. وفيها سار اغرتمش إلى قتال على بن أبان المهلبي بتستر فأخذ من كان في السجن من أصحاب على بن أبان المهلبي من الأمراء فقتلهم عن آخرهم، ثم سار إلى على بن أبان فاقتتلا قتالا شديدا في مرات عديدة، كان آخرها لعلى بن أبان المهلبي، قتل خلقا كثيرا من أصحاب اغرتمش وأسر بعضهم فقتلهم أيضا، وبعث برءوسهم إلى صاحب الزنج فنصبت رءوسهم على باب مدينته قبحه الله.
وفيها وثب أهل حمص على عاملهم عيسى الكرخي فقتلوه في شوال منها، وفيها دعا الحسن بن محمد ابن جعفر بن عبد الله بن حسين الأصغر العقيلي أهل طبرستان إلى نفسه وأظهر لهم أن الحسين بن زيد أسر ولم يبق من يقوم بهذا الأمر غيره، فبايعوه. فلما بلغ ذلك الحسين بن زيد قصده فقاتله فقتله ونهب أمواله وأموال من اتبعه وأحرق دورهم. وفيها وقعت فتنة بالمدينة ونواحيها بين الجعفرية والعلوية [وتغلب عليها رجل من أهل البيت من سلالة الحسن بن زيد الّذي تغلب على طبرستان، وجرت شرور كثيرة هنالك بسبب قتل الجعفرية والعلوية] (١) يطول ذكرها. وفيها وثبت طائفة من الأعراب على كسوة الكعبة فانتهبوها، وسار بعضهم إلى صاحب الزنج [وأصاب الحجيج منهم شدة وبلاء شديد وأمور كريهة. وفيها أغارت الروم أيضا على ديار ربيعة. وفيها دخل أصحاب صاحب الزنج إلى رامهرمز فافتتحوها بعد قتال طويل] (٢) وفيها دخل ابن أبى الساج مكة فقاتله المخزومي فقهره ابن أبى الساج وحرق داره واستباح ماله، وذلك يوم التروية في هذه السنة. ثم جعلت إمرة الحرمين إلى ابن أبى الساج من جهة الخليفة. وحج بالناس فيها هارون بن محمد المتقدم ذكره قبلها. وفيها عمل محمد بن عبد الرحمن الداخل إلى بلاد المغرب - وهو خليفة بلاد الأندلس وبلاد المغرب - مراكب في نهر قرطبة ليدخل بها إلى البحر المحيط ولتسير الجيوش في أطرافه إلى بعض البلاد ليقاتلوهم، فلما دخلت المراكب البحر المحيط تكسرت وتقطعت ولم ينج من أهلها إلا اليسير بل غرق أكثرهم. وفيها التقى أسطول المسلمين وأسطول الروم ببلاد صقلّيّة فاقتتلوا فقتل من المسلمين خلق كثير ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها حارب لؤلؤ غلام ابن طولون لموسى بن اتامش فكسره لؤلؤ وأسره وبعث به إلى مولاه أحمد بن طولون، وهو إذا ذاك نائب الشام ومصر وإفريقية من جهة الخليفة، ثم اقتتل لؤلؤ هذا وطائفة من الروم فقتل من الروم خلقا كثيرا. قال ابن الأثير:
وفيها اشتد الحال وضاق الناس ذرعا بكثرة الهياج والفتن وتغلب القواد والأجناد على كثير من البلاد بسبب ضعف منصب الخلافة واشتغال أخيه أبى أحمد بقتال الزنج. وفيها اشتد الحر في تشرين الثاني جدا ثم قوى به البرد حتى جمد الماء.