← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

الحارثي البصري. ولقب سيبويه لجماله وحمرة وجنتيه حتى كانتا كالتفاحتين. وسيبويه في لغة فارس رائحة التفاح. وهو الامام العلامة العلم، شيخ النحاة من لدن زمانه إلى زماننا هذا، والناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن. وقد شرح بشروح كثيرة وقل من يحيط علما به. أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد ولازمه، وكان إذا قدم يقول الخليل: مرحبا بزائر لا يمل. وأخذ أيضا عن عيسى بن عمر، ويونس بن حبيب وأبى زيد الأنصاري، وأبى الخطاب الأخفش الكبير وغيرهم، وقدم من البصرة إلى بغداد أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، فجمع بينهما فتناظرا في شيء من مسائل النحو فانتهى الكلام إلى أن قال الكسائي: تقول العرب: كنت أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها. فقال سيبويه: بيني وبين أعرابى لم يشبه شيء من الناس المولد، وكان الأمين يحب نصرة أستاذه فسأل رجلا من الأعراب فنطق بما قال سيبويه. فكره الأمين ذلك وقال له: إن الكسائي يقول خلافك. فقال. إن لساني لا يطاوعني على ما يقول فقال: أحب أن تحضر وأن تصوب كلام الكسائي، فطاوعه على ذلك وانفصل المجلس عن قول الأعرابي إذا الكسائي أصاب. فحمل سيبويه على نفسه وعرف أنهم تعصبوا عليه ورحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، وقيل إنه ولد بهذه وتوفى بمدينة سارة في هذه السنة، وقيل سنة سبع وسبعين، وقيل ثمان وثمانين، وقيل إحدى وتسعين وقيل أربع وتسعين ومائة فالله أعلم، وقد ينف على الأربعين، وقيل بل إنما عمر ثنتين وثلاثين سنة فالله أعلم. قرأ بعضهم على قبره هذا الأبيات: ذهب الأحبة بعد طول تزاور … ونأى المزار فأسلموك وأقشعوا تركوك أوحش ما تكون بقفرة … لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضى القضاء وصرت صاحب حفرة … عنك الأحبة أعرضوا وتصدعوا] (١) ثم دخلت سنة إحدى وثمانين ومائتين فيها دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا وسلموا. وفيها تكامل غور المياه ببلاد الري وطبرستان. وفيها غلت الأسعار جدا وجهد الناس حتى أكل بعضهم بعضا، فكان الرجل يأكل ابنه وابنته ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها حاصر المعتضد قلعة ماردين وكانت بيد حمدان بن حمدون ففتحها قسرا وأخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت. وفيها وصلت قطر الندى بنت خمارويه سلطان الديار المصرية إلى بغداد في تجمل عظيم ومعها من الجهاز شيء كثير حتى قيل إنه كان في الجهاز مائة هاون من ذهب غير الفضة وما يتبع ذلك من القماش وغير ذلك مما لا يحصى. ثم بعد كل حساب أرسل معها

стр. 3607

أبوها ألف دينار وخمسين ألف دينار لتشترى بها من العراق ما قد تحتاج إليه مما ليس بمصر مثله. وفيها خرج المعتضد إلى بلاد الجبل وولى ولده عليا المكتفي نيابة الري وقزوين وأذربيجان وهمدان والدينور، وجعل على كتابته أحمد بن الأصبغ، وولى عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف نيابة أصبهان ونهاوند والكرخ، ثم عاد راجعا إلى بغداد. وحج بالناس محمد بن هارون بن إسحاق، وأصاب الحجاج في الأجفر مطر عظيم فغرق كثير منهم، كان الرجل يغرق في الرمل فلا يقدر أحد على خلاصه منه. وفيها توفى من الأعيان إبراهيم بن الحسن بن ديزيل الحافظ صاحب كتاب المصنفات، منها في وقعة صفين مجلد كبير. وأحمد بن محمد الطائي بالكوفة في جمادى منها وإسحاق بن إبراهيم المعروف بابن الجيلي سمع الحديث وكان يفتى الناس بالحديث، وكان يوصف بالفهم والحفظ. وفيها توفى أبو بكر عبد الله بن أبى الدنيا القرشي مولى بنى أمية، وهو عبد الله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس أبو بكر بن أبى الدنيا الحافظ المصنف في كل فن، المشهور بالتصانيف الكثيرة النافعة الشائعة الذائعة في الرقاق وغيرها، وهي تزيد على مائة مصنف، وقيل إنها نحو الثلاثمائة مصنف، وقيل أكثر وقيل أقل، سمع ابن أبى الدنيا إبراهيم ابن المنذر الخزامي، وخالد بن خراش وعلى بن الجعد وخلقا، وكان مؤدب المعتضد وعلى بن المعتضد الملقب بالمكتفى بالله، وكان له عليه كل يوم خمسة عشر دينارا، وكان صدوقا حافظا ذا مروءة، لكن قال فيه صالح بن محمد حزرة: إلا أنه كان يروى عن رجل يقال له محمد بن إسحاق البلخي وكان هذا الرجل كذابا يضع للأعلام إسنادا، وللكلام إسنادا، ويروى أحاديث منكرة. ومن شعر ابن أبى الدنيا أنه جلس أصحاب له ينتظرونه ليخرج إليهم، فجاء المطر فحال بينه. فكتب إليهم رقعة فيها: أنا مشتاق إلى رؤيتكم … يا أخلاى وسمعي والبصر كيف أنساكم وقلبي عندكم … حال فيما بيننا هذا المطر توفى ببغداد في جمادى الأولى من هذه السنة عن سبعين سنة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي ودفن بالشونيزية ﵀. عبد الرحمن بن عمرو أبو زرعة البصري الدمشقيّ الحافظ الكبير المشهور بابن المواز الفقيه المالكي، له اختيارات في مذهب مالك، فمن ذلك وجوب الصلاة على رسول الله ﷺ في الصلاة. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين ومائتين في خامس ربيع الأول منها يوم الثلاثاء دخل المعتضد بزوجته قطر الندى ابنة خمارويه، قدمت

стр. 3608

بغداد صحبة عمها وصحبة ابن الجصاص، وكان الخليفة غائبا وكان دخولها إليه يوما مشهودا، امتنع الناس من المرور في الطرقات من كثرة الخلق. وفيها نهى المعتضد الناس أن يعملوا في يوم النيروز ما كانوا يتعاطونه من إيقاد النيران وصب الماء وغير ذلك من الأفعال المشابهة لأفعال المجوس، ومنع من حمل هدايا الفلاحين إلى المنقطعين في هذا اليوم وأمر بتأخير ذلك إلى الحادي عشر من حزيران وسمى النيروز المعتضدي، وكتب بذلك إلى الآفاق. وفيها في ذي الحجة قدم إبراهيم بن أحمد الماذرائي من دمشق على البريد فأخبر الخليفة بأن خمارويه وثبت عليه خدامه فذبحته على فراشه وولوا بعده ولده حنش ثم قتلوه ونهبوا داره ثم ولوا هارون بن خمارويه، وقد التزم في كل سنة أن يحمل إلى الخليفة ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار، فأقره المعتضد على ذلك، فلما كان المكتفي عزله وولى مكانه محمد بن سليمان الواثقى فاصطفى أموال الطولونيين، وكان ذلك آخر العهد منهم. وفيها أطلق لؤلؤ غلام أحمد بن طولون من الحبس فعاد إلى مصر في أذل حال بعد أن كان من أكثر الناس مالا وعزا وجاها. وفيها حج بالناس الأمير المتقدم ذكره. وفيها توفى من الأعيان أحمد بن داود أبو حنيفة الدينَوَريّ اللغوي صاحب كتاب النبات. وإسماعيل بن إسحاق ابن إسماعيل بن حماد بن زيد أبو إسحاق الأزدي القاضي، أصله من البصرة ونشأ ببغداد وسمع مسلم بن إبراهيم ومحمد بن عبد الله الأنصاري، والقعنبي وعلى بن المديني، وكان حافظا فقيها مالكيا جمع وصنف وشرح في المذهب عدة مصنفات في التفسير والحديث والفقه، وغير ذلك، ولى القضاء في أيام المتوكل بعد سوار بن عبد الله، ثم عزل ثم ولى وصار مقدم القضاة. كانت وفاته فجأة ليلة الأربعاء لثمان بقين من ذي الحجة منها، وقد جاوز الثمانين ﵀. الحارث بن محمد بن أبى أسامة صاحب المسند المشهور. خمارويه بن أحمد بن طولون صاحب الديار المصرية بعد أبيه سنة إحدى وسبعين ومائتين، وقد تقاتل هو والمعتضد بن الموفق في حياة أبيه الموفق في أرض الرملة، وقيل في أرض الصعيد. وقد تقدم ذلك في موضعه، ثم بعد ذلك لما آلت الخلافة إلى المعتضد تزوج بابنة خمارويه وتصافيا، فلما كان في ذي الحجة من هذه السنة عدا أحد الخدام من الخصيان على خمارويه فذبحه وهو على فراشه، وذلك أن خمارويه اتهمه بجارية له. مات عن ثنتين وثلاثين سنة، فقام بالأمر من بعده ولده هارون بن خمارويه، وهو آخر الطولونية. وذكر ابن الأثير أن عثمان بن سعيد بن خالد أبو سعيد الدارميّ توفى في هذه السنة، وكان شافعيا

стр. 3609

أخذ الفقه عن البويطي صاحب الشافعيّ فالله أعلم. وقد قدمنا وفاة الفضل بن يحيى بن محمد بن المسيب بن موسى بن زهير بن يزيد بن كيسان بن بادام ملك اليمن، أسلم بادام في حياة النبي ﷺ . أبو محمد الشعراني الأديب الفقيه العابد الحافظ الرحال تلميذ يحيى بن معين، روى عنه الفوائد في الجرح والتعديل وغير ذلك، وكذلك أخذ عن أحمد بن حنبل وعلى بن المديني وقرأ على خلف بن هشام البزار وتعلم اللغة من ابن الأعرابي، وكان ثقة كبيرا. محمد بن القاسم بن خلاد أبو العيناء البصري الضرير الشاعر الأديب البليغ اللغوي تلميذ الأصمعي، كنيته أبو عبد الله، وإنما لقب بأبي العيناء لأنه سئل عن تصغير عيناء فقال عييناه، له معرفة تامة بالأدب والحكايات والملح. أما الحديث فليس منه إلا القليل ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين ومائتين في المحرم منها خرج المعتضد من بغداد قاصدا بلاد الموصل لقتال هارون الشاري الخارجي فظفر به وهزم أصحابه وكتب بذلك إلى بغداد، فلما رجع الخليفة إلى بغداد أمر بصلب هارون الشاري وكان صفريا. فلما صلب قال: لا حكم إلا لله ولو كره المشركون. وقد قاتل الحسن بن حمدان الخوارج في هذه الغزوة قتالا شديدا مع الخليفة، فأطلق الخليفة أباه حمدان بن حمدون من القيود بعد ما كان قد سجنه حينا من وقت أخذ قلعة ماردين، فأطلقه وخلع عليه وأحسن إليه. وفيها كتب المعتضد إلى الآفاق برد ما فضل عن سهام ذوى الفرض إذا لم تكن عصبة إلى ذوى الأرحام وذلك بفتيا أبى حازم القاضي. وقد قال في فتياه، إن هذا اتفاق من الصحابة إلا زيد بن ثابت فإنه تفرد برد ما فضل والحالة هذه إلى بيت المال. ووافق على ذلك على بن محمد بن أبى الشوارب أبى حازم، وخالفهما القاضي يوسف بن يعقوب، وذهب إلى قول زيد فلم يلتفت إليه المعتضد ولا عدّ قوله شيئا، وأمضى فتيا أبى حازم، ومع هذا ولى القضاء يوسف بن يعقوب في الجانب الشرقي، وخلع عليه خلعة سنية، وقلد أبا حازم قضاء أماكن كثيرة وذلك لموافقته ابن أبى الشوارب وخلع عليه خلعا سنية أيضا. وفيها وقع الفداء بين المسلمين والروم فاستنقذ من أيديهم ألفا أسير وخمسمائة وأربعة أنفس. وفيها حاصرت الصقالبة الروم في القسطنطينية فاستعان ملك الروم بمن عنده من أسارى المسلمين وأعطاهم سلاحا كثيرا فخرجوا معهم فهزموا الصقالبة، ثم خاف ملك الروم من غائلة أولئك المسلمين ففرقهم في البلاد. وفيها خرج عمرو بن الليث من نيسابور لبعض أشغاله فخلفه فيها رافع بن هرثمة ودعا على منابرها لمحمد بن زيد المطلبي ولولده من بعده، فرجع إليه عمرو وحاصره فيها، ولم يزل به حتى أخرجه منها وقتله على بابها. وفيها بعث الخليفة وزيره عبيد الله بن سليمان

стр. 3610

لقتال عمر بن عبد العزيز بن أبى دلف، فلما وصل إليه طلب منه عمر الأمان فأمنه وأخذه معه إلى الخليفة فتلقاه الأمراء وخلع عليه الخليفة وأحسن إليه. وفيها توفى من الأعيان إبراهيم بن مهران أبو إسحاق الثقفي السراج النيسابورىّ، كان الامام أحمد يدخل إلى منزله - وكان بقطيعة الربيع في الجانب الغربي - وينبسط فيه ويفطر عنده، وكان من الثقات العباد العلماء، توفى في صفر منها. إسحاق بن إبراهيم بن محمد بن حازم أبو القاسم الجيلي، وليس هو بالذي تقدم ذكره في السنين المتقدمة. سمع داود بن عمرو وعلى بن الجعد وخلقا كثيرا. وقد ليّنه الدار قطنى فقال ليس بالقوى. توفى عن نحو من ثمانين سنة. سهل بن عبد الله بن يونس التستري أبو محمد أحد أئمة الصوفية، لقي ذا النون المصري. ومن كلامه الحسن قوله: أمس قد مات واليوم في النزع وغد لم يولد. وهذا كما قال بعض الشعراء: ما مضى فات والمؤمل غيب … ولك الساعة التي أنت فيها وقد تخرج سهل شيخا له محمد بن سوار، وقيل إن سهلا قد توفى سنة ثلاث وسبعين ومائتين فالله أعلم. وفيها توفى عبد الرحمن بن يوسف بن سعيد بن خراش وأبو محمد الحافظ المروزي أحد الجوالين الرحالين حفاظ الحديث والمتكلمين في الجرح والتعديل، وقد كان ينبذ بشيء من التشيع فالله أعلم. روى الخطيب عنه أنه قال: شربت بولي في هذا الشأن خمس مرات - يعنى أنه اضطر إلى ذلك في أسفاره في الحديث من العطش - على بن محمد بن أبى الشوارب. عبد الملك الأموي البصري قاضى سامرا. وقد ولى في بعض الأحيان قضاء القضاة، وكان من الثقات، سمع أبا الوليد وأبا عمرو الحوضيّ وعنه النجاد وابن صاعد وابن قانع، وحمل الناس عنه علما كثيرا. ابن الرومي الشاعر صاحب الديوان في الشعر على بن العباس بن جريج أبو الحسن المعروف بابن الرومي وهو مولى عبد الله بن جعفر وكان شاعرا مشهورا مطيقا فمن ذلك قوله: إذا ما مدحت الباخلين فإنما … تذكرهم ما في سواهم من الفضل وتهدى لهم غما طويلا وحسرة … فان منعوا منك النوال فبالعدل وقال إذا ما كساك الدهر سربال صحة … ولم تخل من قوت يلذ ويعذب فلا تغبطن المترفين فإنه … على قدر ما يكسوهم الدهر يسلب وقال أيضا عدوك من صديقك مستفاد … فلا تستكثرن من الصحاب فان الداء أكثر ما تراه … يكون من الطعام أو الشراب إذا انقلب الصديق غدا عدوا … مبينا والأمور إلى انقلاب

стр. 3611

ولو كان الكثير يطيب كانت … مصاحبة الكثير من الصواب ولكن قل ما استكثرت إلا … وقعت على ذئاب في ثياب فدع عنك الكثير فكم كثير … يعاف وكم قليل مستطاب وما اللجج العظام بمزريات … ويكفى الرّيّ في النطف العذاب وقال أيضا وما لحسب الموروث إلا دردره … بمحتسب إلا بآخر مكتسب فلا تتكل إلا على ما فعلته … ولا تحسبن المجد يورث كالنسب فليس يسود المرء إلا بفعله … وإن عد آباء كراما ذوى حسب إذا العود لم يثمر وان كان أصله … من المثمرات اعتده الناس في الحطب وللمجد قوم شيّدوه بأنفس … كرام ولم يعنوا بأمّ ولا أب وقال أيضا وهو من لطيف شعره: قلبي من الطرف السقيم سقيم … لو ان من أشكو إليه رحيم في وجهها أبدا نهار واضح … من شعرها عليه ليل بهيم إن أقبلت فالبدر لاح وإن … مشت فالغصن راح وان رنت فالريم نعمت بها عيني فطال عذابها … ولكم عذاب قد جناه نعيم نظرت فاقصدت الفؤاد بسهمها … ثم انثنت نحوي فكدت أهيم ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضت … وقع السهام ووقعهن أليم يا مستحل دمي محرم رحمتي … ما أنصف التحليل والتحريم وله أيضا وكان يزعم أنه ما سبق إليه: آراؤكم ووجوهكم وسيوفكم … في الحادثات إذا زجرن نجوم منها معالم للهدى ومصابح … تجلوا الدجى والأخريات رجوم وذكر أنه ولد سنة إحدى وعشرين ومائتين. ومات في هذه السنة، وقيل في التي بعدها، وقيل في سنة ست وسبعين ومائتين، وذكر أن سبب وفاته أن وزير المعتضد القاسم بن عبد الله كان يخاف من هجوه ولسانه فدس عليه من أطعمه وهو بحضرته خشتنانكة مسمومة، فلما أحس السم قام فقال له الوزير: إلى أين؟ قال: إلى المكان الّذي بعثتني إليه. قال: سلم على والدي. فقال: لست أجتاز على النار. ومحمد بن سليمان بن الحرب أبو بكر الباغندي الواسطي، كان من الحفاظ، وكان أبو داود يسأله عن الحديث، ومع هذا تكلموا فيه وضعفوه. محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر الضبيّ المعروف بتنهام

стр. 3612

سمع سفيان وقبيصة والقعنبي، وكان من الثقات. قال الدارقطنيّ: وربما أخطأ. توفى في رمضان عن تسعين سنة البحتري الشاعر صاحب الديوان المشهور، اسمه الوليد بن عبادة، ويقال ابن عبيد بن يحيى أبو عباد الطائي البحتري الشاعر، أصله من منبج وقدم بغداد ومدح المتوكل والرؤساء، وكان شعره في المدح خيرا منه في المراثي فقيل له في ذلك فقال: المديح للرجاء والمراثي للوفاء وبينهما بعد. وقد روى شعره المبرد وابن درستويه وابن المرزبان وقيل له: إنهم يقولون إنك أشعر من أبى تمام. فقال: لولا أبو تمام ما أكلت الخبز، كان أبو تمام أستاذنا. وقد كان البحتري شاعرا مطيقا فصيحا بليغا رجع إلى بلده فمات بها في هذه السنة، وقيل في التي بعدها عن ثمانين سنة. ثم دخلت سنة أربع وثمانين ومائتين في المحرم منها دخل رأس رافع بن هرثمة إلى بغداد فأمر الخليفة بنصبه في الجانب الشرقي إلى الظهر، ثم بالجانب الغربي إلى الليل. وفي ربيع الأول منها خلع على محمد بن يوسف بن يعقوب بالقضاء بمدينة أبى جعفر المنصور عوضا عن ابن أبى الشوارب بعد موته بخمسة أشهر وأيام، وقد كانت شاغرة تلك المدة. وفي ربيع الآخر منها ظهرت بمصر ظلمة شديدة وحمرة في الأفق حتى كان الرجل ينظر إلى وجه صاحبه فيراه أحمر اللون جدا، وكذلك الجدران، فمكثوا كذلك من العصر إلى الليل ثم خرجوا إلى الصحراء يدعون الله ويتضرعون حتى كشف عنهم. وفيها عزم المعتضد على لعن معاوية بن أبى سفيان على المنابر فحذّره ذلك وزيره عبد الله بن وهب، وقال له: إن العامة تنكر قلوبهم ذلك وهم يترحمون عليه ويترضون عنه في أسواقهم وجوامعهم، فلم يلتفت إليه بل أمر بذلك وأمضاه وكتب به نسخا إلى الخطباء بلعن معاوية وذكر فيها ذمة وذم ابنه يزيد بن معاوية وجماعة من بنى أمية، وأورد فيها أحاديث باطلة في زم معاوية وقرئت في الجانبين من بغداد، ونهيت العامة عن الترحم على معاوية والترضى عنه، فلم يزل به الوزير حتى قال له فيما قال: يا أمير المؤمنين إن هذا الصنيع لم يسبقك أحد من الخلفاء إليه، وهو مما يرغب العامة في الطالبيين وقبول الدعوة إليهم، فوجم المعتضد عند ذلك لذلك تخوفا على الملك، وقدر الله تعالى أن هذا الوزير كان ناصبيا يكفر عليا فكان هذا من هفوات المعتضد. وفيها نودي في البلاد لا يجتمع العامة على قاص ولا منجم ولا جدلى ولا غير ذلك، وأمرهم أن لا يهتموا لأمر النوروز، ثم أطلق لهم النوروز فكانوا يصبون المياه على المراة وتوسعوا في ذلك وغلوا فيه حتى جعلوا يصبون الماء على الجند والشرط وغيرهم، وهذا أيضا من هفواته. قال ابن الجوزي: وفيها وعد المنجمون الناس أن أكثر الأقاليم ستغرق في زمن الشتاء من كثرة الأمطار

стр. 3613

والسيول وزيادة الأنهار، وأجمعوا على هذا الأمر فأخذ الناس كهوفا في الجبال خوفا من ذلك، فأكذب الله تعالى المنجمين في قولهم فلم يكن عام أقل مطرا منه، وقلّت العيون جدا وقحط الناس في كل بقعة حتى استسقى الناس ببغداد وغيرها من البلاد مرارا كثيرة. قال: وفيها كان يتبدى في دار الخلافة شخص بيده سيف مسلول في الليل فإذا أرادوا أخذه انهزم فدخل في بعض الأماكن والزروع والأشجار والعطفات التي بدار الخلافة فلا يطلع له على خبر، فقلق من ذلك المعتضد قلقا شديدا وأمر بتجديد سور دار الخلافة والاحتفاظ به، وأمر الحرس من كل جانب بشدة الاحتراس فلم يفد ذلك شيئا، ثم استدعى بالمغرمين ومن يعاني علم السحر وأمر المنجمين فعزّموا واجتهدوا فلم يفد ذلك شيئا فأعياهم أمره، فلما كان بعد مدة اطلع على جلية الأمر وحقيقة الخبر فوجده خادما خصيا من الخدام كان يتعشق بعض الجواري من حظايا المعتضد التي لا يصل إليها مثله ولا النظر إليها من بعيد، فاتخذ لحا مختلفة الألوان يلبس كل ليلة واحدة، واتخذ لباسا مزعجا فكان يلبس ذلك ويتبدى في الليل في شكل مزعج فيفزع الجواري وينزعجن وكذلك الخدم فيثورون إليه من كل جانب فإذا قصدوه دخل في بعض العطفات ثم يلقى ما عليه أو يجعله في كمه أو في مكان قد أعده لذلك. ثم يظهر أنه من جملة الخدم المتطلبين لكشف هذا الأمر، ويسأل هذا وهذا ما الخبر؟ والسيف في يده صفة من يرى أنه قد رهب من هذا الأمر، وإذا اجتمع الحظايا تمكن من النظر إلى تلك المعشوقة ولاحظها وأشار إليها بما يريده منها وأشارت إليه، فلم يزل هذا دأبه إلى زمن المقتدر فبعثه في سرية إلى طرسوس فنمت عليه تلك الجارية وانكشف أمره وحاله وأهلكه الله. وفيها اضطرب الجيش المصري على هارون بن خمارويه فأقاموا له بعض أمراء أبيه يدير الأمور ويصلح الأحوال، وهو أبو جعفر بن أبان، فبعث إلى دمشق - وكانت قد منعت البيعة تسعة أشهر بعد أبيه، واضطربت أحوالها - فبعث إليهم جيشا كثيفا مع بدر الحمامي والحسن بن أحمد الماذرائي فأصلحا أمرها واستعملا على نيابتها طفح بن خف ورجعا إلى الديار المصرية والأمور مختلفة جدا. وفيها توفى من الأعيان. أحمد بن المبارك أبو عمرو المستملي الزاهد النيسابورىّ يلقب بحكمويه العابد، سمع قتيبة وأحمد وإسحاق وغيرهم، واستملى على المشايخ ستا وخمسين سنة، وكان فقيرا رث الهيئة زاهدا، دخل يوما على أبى عثمان سعيد بن إسماعيل وهو في مجلس التذكير، فبكى أبو عثمان وقال للناس: إنما أبكانى رثاثة ثياب رجل كبير من أهل العلم أنا أجله عن أن أسميه في هذا المجلس، فجعل الناس يلقون الخواتم والثياب والدراهم حتى اجتمع من ذلك شيء كثير بين يدي الشيخ أبى عثمان، فنهض عند ذلك أبو عمرو المستملي فقال:

стр. 3614

أيها الناس أنا الّذي قصدني الشيخ بكلامه، ولولا أنى كرهت أن يتهم بإثم لسترت ما ستره. فتعجب الشيخ من إخلاصه ثم أخذ أبو عمرو ذلك المجتمع من المال فما خرج من باب المسجد حتى تصدق بجميعه على الفقراء والمحاويج. كانت وفاته في جمادى الآخرة من هذه السنة. إسحاق بن الحسن ابن ميمون بن سعد أبو يعقوب الحربي، سمع عفان وأبا نعيم وغيرهما. وكان أسن من إبراهيم الحربي بثلاث سنين، ولما توفى إسحاق نودي له بالبلد فقصد الناس داره للصلاة عليه، واعتقد بعض العامة أنه إبراهيم الحربي فجعلوا يقصدون داره فيقول إبراهيم: ليس إلى هذا الموضع قصدكم، وعن قريب تأتونه، فما عمر بعده إلا دون السنة. إسحاق بن محمد بن يعقوب الزهري عمّر تسعين سنة وكان ثقة صالحا. إسحاق بن موسى بن عمران الفقيه أبو يعقوب الأسفراييني الشافعيّ. عبد الله بن على بن الحسن بن إسماعيل أبو العباس الهاشمي، كانت إليه الحسبة ببغداد وإمامة جامع الرصافة. عبد العزيز بن معاوية العتابى من ولد عتاب ابن أسيد بصرى، قدم بغداد وحدث عن أزهر السمان وأبى عاصم النبيل. يزيد بن الهيثم بن طهمان أبو خالد الدقاق ويعرف بالباد. قال ابن الجوزي: والصواب أن يقال: البادي لأنه ولد توأما وكان هو الأول في الميلاد. روى عن يحيى بن معين وغيره وكان ثقة صالحا. ثم دخلت سنة خمس وثمانين ومائتين فيها وثب صالح بن مدرك الطائي على الحجاج بالأجفر فأخذ أموالهم ونساءهم، يقال: إنه أخذ منهم ما قيمته ألف ألف دينار. وفي ربيع الأول منها يوم الأحد لعشر بقين منه ارتفعت بنواحي الكوفة ظلمة شديدة جدا ثم سقطت أمطار برعود وبروق لم ير مثلها، وسقط في بعض القرى مع المطر حجارة بيض، وسود، وسقط برد كبار وزن البردة مائة وخمسون درهما، واقتلعت الرياح شيئا كثيرا من النخيل والأشجار مما حول دجلة، وزادت دجلة زيادة كثيرة حتى خيف على بغداد من الغرق. وفيها غزا راغب الخادم مولى الموفق بلاد الروم ففتح حصونا كثيرة وأسر ذراري كثيرة جدا، وقتل من أسارى الرجال الذين معه ثلاثة آلاف أسير، ثم عاد سالما مؤيدا منصورا [وحج بالناس فيها محمد بن عبد الله بن داود الهاشمي] (١) وفيها توفى أحمد بن عيسى بن الشيخ صاحب آمد فقام بأمرها من بعده ولده محمد، فقصده المعتضد ومعه ابنه أبو محمد المكتفي بالله فحاصره بها فخرج إليه سامعا مطيعا فتسلمها منه وخلع عليه وأكرم أهلها، واستخلف عليها ولده المكتفي، ثم سار إلى قنسرين والعواصم فتسلمها عن كتاب هارون

стр. 3615

ابن خمارويه، وإذنه له في ذلك ومصالحته له فيها. وفيها غزا ابن الإخشيد بأهل طرسوس بلاد الروم ففتح الله على يديه حصونا كثيرة ولله الحمد وفيها توفى من الأعيان. إبراهيم بن إسحاق ابن بشير بن عبد الله بن رستم أبو إسحاق الحربي، أحد الأئمة في الفقه والحديث وغير ذلك، وكان زاهدا عابدا تخرج بأحمد بن حنبل، وروى عنه كثيرا. قال الدار قطنى: إبراهيم الحربي إمام مصنف عالم بكل شيء بارع في كل علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده وورعه وعلمه، ومن كلامه أجمع عقلاء كل أمة أن من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه. وكان يقول: الرجل كل الرجل الّذي يدخل غمه على نفسه ولا يدخله على عياله، وقد كانت بى شقيقة منذ أربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولى عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحدا قط، وذكر أنه مكث نيفا وسبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غداء ولا عشاء، بل إن جاءه شيء أكله وإلا طوى إلى الليلة القابلة. وذكر أنه أنفق في بعض الرمضانات على نفسه وعياله درهما واحدا وأربعة دوانيق ونصف، وما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئا إنما هو باذنجان مشوى أو باقة فجل أو نحو هذا، وقد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها وردها، فرجع الرسول وقال يقول لك الخليفة: فرقها على من تعرف من فقراء جيرانك. فقال: هذا شيء لم نجمعه ولا نسأل عن جمعه، فلا نسأل عن تفريقه، قل لأمير المؤمنين إما يتركنا وإما نتحول من بلده. ولما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصحابه يعوده فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد وأنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح، وربما عدموا الملح في بعض الأحيان. فقال لها إبراهيم: يا بنية تخافين الفقر؟ انظري الى تلك الزاوية فيها اثنى عشر ألف جزء قد كتبتها، ففي كل يوم تبيعي منها جزء بدرهم فمن عنده اثنى عشر ألف درهم فليس بفقير. ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجة وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار، وكان الجمع كثيرا جدا. المبرد النحويّ محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس الأزدي الثمالي المعروف بالمبرد النحويّ البصري إمام في اللغة والعربية، أخذ ذلك عن المازني وأبى حاتم السجستاني، وكان ثقة ثبتا فيما ينقله وكان مناوئا لثعلب وله كتاب الكامل في الأدب، وإنما سمى بالمبرد لأنه اختبأ من الوالي عند أبى حاتم تحت المزبلة. قال المبرد: دخلنا يوما على المجانين تزورهم أنا وأصحاب معى بالرقة فإذا فيهم شاب قريب العهد بالمكان عليه ثياب ناعمة فلما بصر بنا قال حياكم الله ممن أنتم؟ قلنا من أهل العراق. فقال: بأبي العراق وأهلها أنشدونى أو أنشدكم؟ قال: المبرد: بل أنشدنا أنت فأنشأ يقول:

стр. 3616

الله يعلم أننى كمد … لا أستطيع بث ما أجد روحان لي روح تضمنها … بلد وأخزى حازها بلد وأرى المقيمة ليس ينفعها … صبر ولا يقوى لها جلد وأظن غائبتى كحاضرتى … بمكانها تجد الّذي أجد قال المبرد فقلت: والله إن هذا طريف فزدنا منه فأنشأ يقول: لما أناخوا قبيل الصبح غيرهم … وحملوها فثارت بالهوى الإبل وأبرزت من خلال السجف ناظرها … ترنو إلى ودمع العين ينهمل وودعت ببنان عقدها عنم … ناديت لا حملت رجلاك بأجمل ويلي من البين ماذا حل بى وبهم … من نازل البين حان البين وارتحلوا يا راحل العيش عجل كي أودعهم … يا راحل العيس في ترحالك الأجل إني على العهد لم أنقض مودتهم … فليت شعرى لطول العهد ما فعلوا فقال رجل من البغضاء الذين معى: ماتوا. فقال الشاب: إذا أموت، فقال إن شئت. فتمطى واستند إلى سارية عنده ومات وما برحنا حتى دفناه ﵀. ومات المبرد وقد جاوز السبعين. ثم دخلت سنة ست وثمانين ومائتين فيها وقع تسلم آمد من ابن الشيخ في ربيع الآخر ووصل كتاب هارون بن أحمد بن طولون من مصر إلى المعتضد وهو مخيم بآمد أن يسلم إليه قنسرين والعواصم على أن يقره على إمارة الديار المصرية، فأجابه إلى ذلك، ثم ترحل عن آمد قاصد العراق وأمر بهدم سور آمد فهدم البعض ولم يقدر على ذلك، فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمد أسلم أمير المؤمنين ودم … في غبطة وليهنك النصر فلرب حادثة نهضت لها … متقدما فتأخر الدهر ليث فرائسه الليوث … فما بيض من دمها له ظفر ولما رجع الخليفة إلى بغداد جاءته هدية عمرو بن الليث من نيسابور فكان وصولها بغداد يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، وكان مبلغها ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم خارجا عن الدواب وسروج وسلاح وغير ذلك. وفيها نحارب إسماعيل بن أحمد الساماني وعمرو بن الليث، وذلك أن عمرو بن الليث لما قتل رافع بن هرثمة وبعث برأسه إلى الخليفة سأل منه أن يعطيه ما وراء النهر مضافا إلى ما بيده من ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك فانزعج لذلك إسماعيل بن أحمد الساماني نائب ما وراء النهر، وكتب إليه: إنك قد وليت دنيا عريضة فاقتنع بها عن ما في يدي من هذه

стр. 3617

البلاد. فلم يقبل فأقبل إليه إسماعيل في جيوش عظيمة، جدا فالتقيا عند بلخ فهزم أصحاب عمرو، وأسر عمرو، فلما جيء به إلى إسماعيل بن أحمد قام إليه وقبل بين عينيه وغسل وجهه وخلع عليه وأمنه وكتب إلى الخليفة في أمره، ويذكر أن أهل تلك البلاد قد ملوا وضجروا من ولايته عليهم، فجاء كتاب الخليفة بأن يتسلم حواصله وأمواله فسلبه إياها، فآل به الحال بعد أن كان مطبخه يحمل على ستمائة جمل إلى القيد والسجن. [ومن العجائب أن عمرا كان معه خمسون ألف مقاتل لم يصب أحد منهم ولا أسر سواه وحده، وهذا جزاء من غلب عليه الطمع، وقاده الحرص حتى أوقعه في ذل الفقر، وهذه سنة الله في كل طامع فيما ليس له، وفي كل طالب للزيادة في الدنيا] (١) ظهور أبى سعيد الجنابي رأس القرامطة قبحهم الله ولعنهم «وهذا أخبث من الزنج وأشد فسادا» كان ظهوره في جمادى الآخرة من هذه السنة بنواحي البصرة، فالتف عليه من الأعراب وغيرهم بشر كثير، وقويت شوكته جدا، وقتل من حوله من أهل القرى، ثم صار إلى القطيف قريبا من البصرة، ورام دخولها فكتب الخليفة المعتضد إلى نائبها يأمره بتحصين سورها، فعمروه وجدوا معالمه بنحو من أربعة آلاف دينار، فامتنعت من القرامطة بسبب ذلك. وتغلب أبو سعيد الجنابي ومن معه من القرامطة على هجر وما حولها من البلاد، وأكثروا في الأرض الفساد. وكان أصل أبى سعيد الجنابي هذا أنه كان سمسارا في الطعام يبيعه ويحسب للناس الأثمان، فقدم رجل به يقال له يحيى بن المهدي في سنة إحدى وثمانين ومائتين فدعا أهل القطيف إلى بيعة المهدي، فاستجاب له رجل يقال له على بن العلاء بن حمدان الزيادي، وساعده في الدعوة إلى المهدي، وجمع الشيعة الذين كانوا بالقطيف فاستجابوا له، وكان في جملة من استجاب أبو سعيد الجنابي هذا قبحه الله، ثم تغلب على أمرهم وأظهر فيهم القرمطة فاستجابوا له والتفوا عليه، فتأمر عليهم وصار هو المشار إليه فيهم. وأصله من بلدة هناك يقال لها جنابة، وسيأتي ما يكون من أمره وأمر أصحابه. قال في المنتظم: ومن عجائب ما وقع من الحوادث في هذه السنة. ثم روى بسنده أن امرأة تقدمت إلى قاضى الري فادعت على زوجها بصداقها خمسمائة دينار فأنكره فجاءت ببينة تشهد لها به، فقالوا: نريد أن تسفر لنا عن وجهها حتى نعلم أنها الزوجة أم لا، فلما صمموا على ذلك قال الزوج: لا تفعلوا هي صادقة فيما تدعيه، فأقر بما ادعت ليصون زوجته عن النظر إلى وجهها. فقالت المرأة حين عرفت ذلك منه وأنه إنما أقر ليصون وجهها عن النظر: هو في حل من صداقي عليه في الدنيا والآخرة وممن توفى فيها من الأعيان المشاهير أحمد بن عيسى أبو سعيد الخراز فيما ذكره شيخنا الذهبي.

стр. 3618

وقد أرخه ابن الجوزي في سنة سبع وسبعين ومائتين فالله أعلم. إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان أبو يعقوب النخعي الأحمر، وإليه تنسب الطائفة الاسحاقية من الشيعة. وقد ذكر ابن النوبختيّ والخطيب وابن الجوزي أن هذا الرجل كان يعتقد إلهية على بن أبى طالب، وأنه انتقل إلى الحسن ثم الحسين، وأنه كان يظهر في كل وقت، وقد اتبعه على هذا الكفر خلق من الحمر قبحهم الله وقبحه. وإنما قيل له الأحمر لأنه كان أبرص، وكان يطلى برصه بما يغير لونه، وقد أورد له النوبختيّ أقوالا عظيمة في الكفر. لعنه الله. وقد روى شيئا من الحكايات والملح عن المازني وطبقته، ومثل هذا أقل وأذل من أن يروى عنه أو يذكر إلا بذمة بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الرحمن الأندلسى الحافظ أحد علماء الغرب، له التفسير والمسند والسنن والآثار التي فضلها ابن حزم على تفسير ابن جرير ومسند أحمد ومصنف ابن أبى شيبة، وفيما زعم ابن حزم نظر. وقد ترجمه الحافظ ابن عساكر في تاريخه فأثنى عليه خيرا، ووصفه بالحفظ والإتقان، وأنه كان مجاب الدعوة ﵀. وأرخ وفاته بهذه السنة عن خمس وسبعين سنة. الحسن بن بشار أبو على الخياط روى عن أبى بلال الأشعري، وعنه أبو بكر الشافعيّ وكان ثقة، رأى في منامه - وقد كانت به علة - قائلا يقول له: كل لا، وادهن بلا. ففسره بقوله تعالى ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ﴾ فأكل زيتونا وشرب زيتا فبرأ من علته تلك. محمد بن إبراهيم أبو جعفر الأنماطي المعروف بمربع تلميذ يحيى بن معين، كان ثقة حافظا. عبد الرحيم الرقى. ومحمد بن وضاح المصنف. وعلى بن عبد العزيز البغوي صاحب المسند ومحمد بن يونس ابن موسى بن سليمان بن عبيد بن ربيعة بن كديم أبو العباس القرشي البصري الكديمي، وهو ابن امرأة نوح بن عبادة، ولد سنة ثلاث وثمانين ومائة، وسمع عبد الله بن داود الخريبى، ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وأبا داود الطيالسي، والأصمعي وخلقا. وعنه ابن السماك والنجاد. وآخر من حدث عنه أبو بكر بن مالك القطيفي، وقد كان حافظا مكثرا مغربا، وقد تكلم فيه الناس لأجل غرائبه في الروايات. وقد ذكرنا ترجمته في التكميل. توفى يوم الجمعة قبل الصلاة للنصف من جمادى الآخرة منها، وقد جاوز المائة، وصلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي. يعقوب بن إسحاق بن نخبة أبو يوسف الواسطي، سمع من يزيد بن هارون وقدم بغداد وحدث بها أربعة أحاديث، ووعد الناس أن يحدثهم من الغد فمات من ليلته عن مائة واثنى

стр. 3619

عشر سنة. الوليد أبو عبادة البحتري فيما ذكر الذهبي، وقد تقدم ذكره في سنة ثلاث وثمانين كما ذكره ابن الجوزي فالله أعلم. ثم دخلت سنة سبع وثمانين ومائتين في ربيع الأول منها تفاقم أمر القرامطة صحبة أبى سعيد الجنابي فقتلوا وسبوا وأفسدوا في بلاد هجر، فجهز الخليفة إليهم جيشا كثيفا وأمر عليهم العباس بن عمرو الغنوي، وأمره على اليمامة والبحرين ليحارب أبا سعيد هذا، فالتقوا هنالك وكان العباس في عشرة آلاف مقاتل، فأسرهم أبو سعيد كلهم ولم ينج منهم إلا الأمير وحده، وقتل الباقون عن آخرهم صبرا بين يديه قبحه الله. وهذا عجيب جدا، وهو عكس واقعة عمرو بن الليث فإنه أسر من بين أصحابه وحده ونجوا كلهم وكانوا خمسين ألفا. ويقال إن العباس لما قتل أبو سعيد أصحابه صبرا بين يديه وهو ينظر، وكان في جملة من أسر أقام عند أبى سعيد أياما ثم أطلقه وحمله على رواحل وقال: ارجع إلى صاحبك وأخبره بما رأيت. وقد كانت هذه الواقعة في أواخر شعبان منها، فلما وقع هذا الأمر الفظيع انزعج الناس لذلك انزعاجا عظيما جدا، وهمّ أهل البصرة بالخروج منها فمنعهم من ذلك نائبها أحمد الواثقى. وفيها أغارت الروم على بلاد طرسوس وكان نائبها ابن الإخشيد قد توفى في العام الماضي واستخلف على الثغر أبا ثابت، فطمعت الروم في تلك الناحية وحشدوا عساكرهم، فالتقى بهم أبو ثابت فلم يقدر على مقاومتهم، فقتلوا من أصحابه جماعة وأسروه فيمن أسروا، فاجتمع أهل الثغر على ابن الأعرابي فولوه أمرهم. وذلك في ربيع الآخر. وفيها قتل محمد بن زيد العلويّ أمير طبرستان والديلم. وكان سبب ذلك أن إسماعيل الساماني لما ظفر بعمرو بن الليث ظن محمد أن إسماعيل لا يجاوز عمله، وأن خراسان قد خلت له، فارتحل من بلده يريد خراسان، وسبقه إسماعيل إليها، وكتب إليه أن الزم عملك ولا تتجاوزه إلى غيره فلم يقبل، فبعث إليه جيشا مع محمد بن هارون الّذي كان ينوب عن رافع بن هرثمة، فلما التقيا هرب منه محمد بن هارون خديعة، فسار الجيش وراءه في الطلب فكر عليهم راجعا فانهزموا منه فأخذ ما في معسكرهم وجرح محمد بن زيد جراحات شديدة فمات بسببها بعد أيام، وأسر ولده زيد فبعث به إلى إسماعيل بن أحمد فأكرمه وأمر له بجائزة. وقد كان محمد بن زيد هذا فاضلا دينا حسن السيرة فيما وليه من تلك البلاد، وكان فيه تشيع. تقدم إليه يوما خصمان اسم أحدهما معاوية واسم الآخر على، فقال محمد بن زيد. إن الحكم بينكما ظاهر، فقال معاوية: أيها الأمير لا تغترن بنا، فان أبى كان من كبار الشيعة، وإنما سماني معاوية مداراة لمن

стр. 3620

ببلدنا من أهل السنة. وهذا كان أبوه من كبار النواصب فسماه عليا تقاة لكم، فتبسم محمد بن زيد وأحسن إليهما. قال ابن الأثير في كامله: وممن توفى فيها إسحاق بن يعقوب بن عمر بن الخطاب العدوي - عدي ربيعة. وكان أميرا على ديار ربيعة بالجزيرة، فولى مكانه عبد الله بن الهيثم بن عبد الله بن المعتمر. وعلى بن عبد العزيز البغوي صاحب أبى عبيد القاسم بن سلام. ومهدي بن أحمد بن مهدي الأزدي الموصلي - وكان من الأعيان - وذكر هو وأبو الفرج بن الجوزي أن قطر الندى بنت خمارويه ابن أحمد بن طولون امرأة المعتضد توفيت في هذه السنة. قال ابن الجوزي: لسبع خلون من رجب منها، ودفنت داخل القصر بالرصافة. يعقوب بن يوسف بن أيوب أبو بكر المطوعي، سمع أحمد بن حنبل وعلى بن المديني، وعنه النجاد والخلدى، وكان ورده في كل يوم قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ إحدى وثلاثين ألف مرة، أو إحدى وأربعين ألف مرة. قلت: وممن توفى فيها أبو بكر بن أبى عاصم صاحب السنة والمصنفات وهو: أحمد بن عمرو بن أبى عاصم الضحاك ابن النبيل، له مصنفات في الحديث كثيرة، منها كتاب السنة في أحاديث الصفات على طريق السلف، وكان حافظا، قد ولى قضاء أصبهان بعد صالح بن أحمد، وقد طاف البلاد قبل ذلك في طلب الحديث، وصحب أبا تراب النخشبى وغيره من مشايخ الصوفية، وقد اتفق له مرة كرامة هائلة كان هو واثنان من كبار الصالحين في سفر فنزلوا على رمل أبيض، فجعل أبو بكر هذا يقبله بيده ويقول: اللهمّ ارزقنا خبيصا يكون غداء على لون هذا الرمل. فلم يكن بأسرع من أن أقبل أعرابى وبيده قصعة فيها خبيص بلون ذلك الرمل وفي بياضه، فأكلوا منه. وكان يقول: لا أحب أن يحضر مجلسى مبتدع ولا مدع ولا طعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذيء، ولا منحرف عن الشافعيّ وأصحاب الحديث. توفى في هذه السنة بأصبهان. وقد رآه بعضهم بعد وفاته وهو يصلى فلما انصرف قال: ما فعل بك؟ فقال: يؤنسني ربى ثم دخلت سنة ثمان وثمانين ومائتين اتفق في هذه السنة آفات ومصائب عديدة منها أن الروم قصدوا بلاد الرقة في جحافل عظيمة وعساكر من البحر والبر، فقتلوا خلقا وأسروا نحوا من خمسة عشر ألفا من الذرية. ومنها أن بلاد أذربيجان أصاب أهلها وباء شديد حتى لم يبق أحد يقدر على دفن الموتى، فتركوا في الطرق لا يوارون. ومنها أن بلاد أردبيل أصابها ريح شديدة من بعد العصر إلى ثلث الليل ثم زلزلوا زلزالا شديدا، واستمر ذلك عليهم أياما فتهدمت الدور والمساكن، وخسف بآخرين منهم، وكان جملة من مات تحت الهدم مائة ألف وخمسين ألفا، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها اقترب القرامطة من البصرة

стр. 3621

فخاف أهلها منهم خوفا شديدا، وهموا بالرحيل منها فمنعهم نائبها. وفيها توفى من الأعيان. بشر بن موسى بن صالح أبو على الأسدي ولد سنة تسعين ومائة، وسمع من روح بن عبادة حديثا واحدا، وسمع الكثير من هودة بن خليفة والحسن بن موسى الأشيب وأبى نعيم وعلى بن الجعد والأصمعي وغيرهم، وعنه ابن المنادي وابن مخلد وابن صاعد والنجاد وأبو عمرو الزاهد والخلدى والسلمي وأبو بكر الشافعيّ وابن الصواف وغيرهم. وكان ثقة أمينا حافظا، وكان من البيوتات وكان الامام أحمد يكرمه. ومن شعره ضعفت ومن جاز الثمانين يضعف … وينكر منه كل ما كان يعرف ويمشى رويدا كالأسير مقيدا … يدانى خطاه في الحديد ويرسف ثابت بن قرة بن هارون ويقال ابن زهرون بن ثابت بن كدام بن إبراهيم الصابئي الفيلسوف الحراني صاحب التصانيف، من جملتها أنه حرر كتاب إقليدس الّذي عربه حنين بن إسحاق العبادي. وكان أصله صوفيا فترك ذلك واشتغل بعلم الأوائل، فنال منه رتبة سامية عند أهله، ثم صار إلى بغداد فمعظم شأنه بها، وكان يدخل مع المنجمين على الخليفة وهو باقي على دين الصابئة، وحفيده ثابت بن سنان له تاريخ أجاد فيه وأحسن، وكان بليغا ماهرا حاذقا بالغا. وعمه إبراهيم بن ثابت بن قرة كان طبيبا عارفا أيضا. وقد سردهم كلهم في هذه الترجمة القاضي ابن خلكان. الحسن بن عمرو بن الجهم أبو الحسن الشيعي - من شيعة المنصور لا من الروافض - حدث عن على بن المديني، وحكى عن بشر الحافى. وعنه أبو عمرو بن السماك. عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد، كان حظيا عنده، وقد عز عليه موته وتألم لفقده وأهمه من يجعله في مكانه بعده، فعقد لولده القاسم بن عبيد الله على الوزارة من بعد أبيه جبرا لمصابه به. وأبو القاسم عثمان بن سعيد بن بشار المعروف بالأنماطى أحد كبار الشافعية. وقد ذكرناه في طبقاتهم. وهارون بن محمد بن إسحاق بن موسى بن عيسى أبو موسى الهاشمي إمام الناس في الحج عدة سنين متوالية، وقد سمع وحدث وتوفى بمصر في رمضان من هذه السنة ثم دخلت سنة تسع وثمانين ومائتين فيها عاثت القرامطة بسواد الكوفة فظفر بعض العمال بطائفة منهم فبعث برئيسهم إلى المعتضد وهو أبو الفوارس، فنال من العباس بين يدي الخليفة فأمر به فقلعت أضراسه وخلعت يداه ثم قطعتا مع رجليه، ثم قتل وصلب ببغداد. وفيها قصدت القرامطة دمشق في جحفل عظيم فقاتلهم نائبها طغج بن جف من جهة هارون بن خمارويه، فهزموه مرات متعددة، وتفاقم الحال بهم، وكان ذلك بسفارة يحيى بن زكرويه بن بهرويه الّذي ادعى عند القرامطة أنه محمد بن عبد الله بن إسماعيل ابن جعفر بن محمد بن على بن الحسين بن على بن أبى طالب، وقد كذب في ذلك، وزعم لهم أنه

стр. 3622

قد اتبعه على أمره مائة ألف، وأن ناقته مأمورة حيث ما توجهت به نصر على أهل تلك الجهة. فراج ذلك عندهم ولقبوه الشيخ، واتبعه طائفة من بنى الأصبغ، وسموا بالفاطميين. وقد بعث إليهم الخليفة جيشا كثيفا فهزموه، ثم اجتازوا بالرصافة فأحرقوا جامعها، ولم يجتازوا بقرية إلا نهبوها ولم يزل ذلك دأبهم حتى وصلوا إلى دمشق فقاتلهم نائبها فهزموه مرات وقتلوا من أهلها خلقا كثيرا، وانتهبوا من أموالها شيئا كثيرا. ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ،﴾ وفي هذه الحالة الشديدة اتفق موت الخليفة المعتضد بالله في ربيع الأول منها وهذه ترجمة المعتضد هو أحمد بن الأمير أبى أحمد الموفق الملقب بناصر دين الله، واسم أبى أحمد محمد، وقيل طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن هارون الرشيد، أبو العباس المعتضد بالله. ولد في سنة ثنتين وقيل ثلاث وأربعين ومائتين، وأمه أم ولد. وكان أسمر نحيف الجسم معتدل القامة، قد وخطه الشيب، في مقدم لحيته طول، وفي رأسه شامة بيضاء. بويع له بالخلافة صبيحة يوم الاثنين إحدى عشرة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين، واستوزر عبد الله بن وهب بن سليمان، وولى القضاء إسماعيل بن إسحاق، ويوسف بن يعقوب، وابن أبى الشوارب. وكان أمر الخلافة قد ضعف في أيام عمه المعتمد، فلما ولى المعتضد أقام شعارها ورفع منارها. وكان شجاعا فاضلا من رجالات قريش حزما وجرأة وإقداما وحزمة. وكذلك كان أبوه، وقد أورد ابن الجوزي باسناده أن المعتضد اجتاز في بعض أسفاره بقرية فيها مقثاة فوقف صاحبها صائحا مستصرخا بالخليفة، فاستدعى به فسأله عن أمره فقال: إن بعض الجيش أخذوا لي شيئا من القثاء وهم من غلمانك. فقال: أتعرفهم؟ فقال نعم: فعرضهم عليه فعرف منهم ثلاثة فأمر الخليفة بتقييدهم وحبسهم، فلما كان الصباح نظر الناس ثلاثة أنفس مصلوبين على جادة الطريق، فاستعظم الناس ذلك واستنكروه وعابوا ذلك على الخليفة وقالوا: قتل ثلاثة بسبب قثاء أخذوه؟ فلما كان بعد قليل أمر الخواص - وهو مسامره - أن ينكر عليه ذلك ويتلطف في مخاطبته في ذلك والأمراء حضور، فدخل عليه ليلة وقد عزم على ذلك ففهم الخليفة ما في نفسه من كلام يريد أن يبديه، فقال له: إني أعرف أن في نفسك كلاما فما هو؟ فقال: يا أمير المؤمنين وأنا آمن؟ قال: نعم. قلت له: فان الناس ينكرون عليك تسرعك في سفك الدماء. فقال. والله ما سفكت دما حراما منذ وليت الخلافة إلا بحقه. فقلت له: فعلام قتلت أحمد بن الطيب وقد كان خادمك ولم يظهر له خيانة؟ فقال: ويحك إنه دعاني إلى الآحاد والكفر بالله فيما بيني وبينه، فلما دعاني إلى ذلك قلت له: يا هذا أنا ابن عم صاحب الشريعة، وأنا منتصب في منصبه فأكفر حتى أكون من غير قبيلته. فقتلته على الكفر والزندقة. فقلت له: فما بال الثلاثة الذين

стр. 3623

قتلتهم على القثاء؟ فقال: والله ما كان هؤلاء الذين أخذوا القثاء، وإنما كانوا لصوصا قد قتلوا وأخذوا المال فوجب قتلهم، فبعثت فجئت بهم من السجن فقتلتهم وأريت الناس أنهم الذين أخذوا القثاء، وأردت بذلك أن أرهب الجيش لئلا يفسدوا في الأرض ويتعدوا على الناس ويكفوا عن الأذى. ثم أمر بإخراج أولئك الذين أخذوا القثاء فأطلقهم بعد ما استتابهم وخلع عليهم وردهم إلى أرزاقهم. قال ابن الجوزي: وخرج المعتضد يوما فعسكر بباب الشماسية ونهى أن يأخذ أحد من بستان أحد شيئا، فأتى بأسود قد أخذ عذقا من بسر فتأمله طويلا ثم أمر بضرب عنقه، ثم التفت إلى الأمراء فقال: العامة ينكرون هذا ويقولون إن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع في ثمر ولا كثر». ولم يكفه أن يقطع يده حتى قتله، وإني لم أقتل هذا على سرقته، وإنما هذا الأسود رجل من الزنج كان قد استأمن في حياة أبى، وإنه تقاول هو ورجل من المسلمين فضرب المسلم فقطع يده فمات المسلم، فأهدر أبى دم الرجل المقتول تأليفا للزنج، فآليت على نفسي لئن أنا قدرت عليه لأقتلنه، فما قدرت عليه إلا هذه الساعة فقتلته بذلك الرجل. وقال أبو بكر الخطيب: أخبرنا محمد بن أحمد بن يعقوب حدثنا محمد بن نعيم الضبيّ سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول سمعت أبا العباس بن سريج يقول سمعت إسماعيل بن إسحاق القاضي يقول: دخلت على المعتضد وعلى رأسه أحداث روم صباح الوجوه، فنظرت إليهم فرآني المعتضد وأنا أتأملهم، فلما أردت القيام أشار إلى فجلست ساعة فلما خلا قال لي: أيها القاضي والله ما حللت سراويلي على حرام قط. وروى البيهقي عن الحاكم عن حسان بن محمد عن ابن سريج القاضي إسماعيل بن إسحاق قال: دخلت يوما على المعتضد فدفع إلى كتابا فقرأته فإذا فيه الرخص من زلل العلماء قد جمعها له بعض الناس - فقلت: يا أمير المؤمنين إنما جمع هذا زنديق. فقال: كيف؟ فقلت: إن من أباح المتعة لم يبيح الغناء، ومن أباح الغناء لم يبح إضافته إلى آلات اللهو، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ بها ذهب دينه. فأمر بتحريق ذلك الكتاب. وروى الخطيب بسنده عن صافى الجرمي الخادم قال: انتهى المعتضد وأنا بين يديه إلى منزل شعث وابنه المقتدر جعفر جالس فيه وحوله نحو من عشرة من الوصائف، والصبيان من أصحابه في سنة عنده، وبين يديه طبق من فضة فيه عنقود عنب، وكان العنب إذ ذاك عزيزا، وهو يأكل عنبة واحدة ثم يفرق على أصحابه من الصبيان كل واحد عنبة، فتركه المعتضد وجلس ناحية في بيت مهموما. فقلت له: مالك يا أمير المؤمنين؟ فقال: ويحك والله لولا النار والعار لأقتلن هذا الغلام، فان في قتله صلاحا للأمة. فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ذلك. فقال: ويحك يا صافى هذا الغلام في غاية السخاء لما أراه يفعل مع الصبيان، فان طباع الصبيان تأبى الكرم، وهذا في غاية الكرم، وإن الناس من بعدي لا يولون عليهم إلا من

стр. 3624

هو من ولدى، فسيلى عليهم المكتفي ثم لا تطول أيامه لعلته التي به - وهي داء الخنازير - ثم يموت فيلي الناس جعفر هذا الغلام، فيذهب جميع أموال بيت المال إلى الحظايا لشغفه بهن، وقرب عهده من تشببه بهن، فتضيع أمور المسلمين وتعطل الثغور وتكثر الفتن والهرج والخوارج والشرور. قال صافى: والله لقد شاهدت ما قاله سواء بسواء. وروى ابن الجوزي عن بعض خدم المعتضد قال: كان المعتضد يوما نائما وقت القائلة ونحن حول سريره فاستيقظ مذعورا ثم صرح بنا فجئنا إليه فقال: ويحكم اذهبوا إلى دجلة فأول سفينة تجدوها فارغة منحدرة فأتونى بملاحها واحتفظوا بالسفينة. فذهبنا سراعا فوجدنا ملاحا في سميرية فارغة منحدرا فأتينا به الخليفة فلما رأى الملاح الخليفة كاد أن يتلف، فصاح به الخليفة صيحة عظيمة فكادت روح الملاح تخرج فقال له الخليفة: ويحك يا ملعون، اصدقنى عن قصتك مع المرأة التي قتلتها اليوم وإلا ضربت عنقك قال فتلعثم ثم قال: نعم يا أمير المؤمنين كنت اليوم سحرا في مشرعتى الفلانية، فنزلت امرأة لم أر مثلها وعليها ثياب فاخرة وحلى كثير وجوهر، فطمعت فيها واحتلت عليها فشددت فاها وغرقتها وأخذت جميع ما كان عليها من الحلي والقماش، وخشيت أن أرجع به إلى منزلي فيشتهر خبرها، فأردت الذهاب به إلى واسط فلقيني هؤلاء الخدم فأخذونى. فقال: وأين حليها؟ فقال: في صدر السفينة تحت البواري. فأمر الخليفة عند ذلك بإحضار الحلي فجيء به فإذا هو حلى كثير يساوى أموالا كثيرة، فأمر الخليفة بتغريق الملاح في المكان الّذي غرق فيه المرأة، وأمر أن ينادى على أهل المرأة ليحضروا حتى يتسلموا مال المرأة. فنادى بذلك ثلاثة أيام في أسواق بغداد وأزقتها فحضروا بعد ثلاثة أيام فدفع إليهم ما كان من الحلي وغيره مما كان للمرأة، ولم يذهب منه شيء. فقال له خدمه: يا أمير المؤمنين من أين علمت هذا؟ قال: رأيت في نومي تلك الساعة شيخا أبيض الرأس واللحية والثياب وهو ينادى: يا أحمد يا أحمد، خذ أول ملاح ينحدر الساعة فاقبض عليه وقرره عن خبر المرأة التي قتلها اليوم وسلبها، فأقم عليه الحد. وكان ما شاهدتم. وقال جعيف السمرقندي الحاجب: كنت مع مولاي المعتضد في بعض متصيداته وقد انقطع عن العسكر وليس معه غيري، إذ خرج علينا أسد فقصد قصدنا فقال لي المعتضد: يا جعيف أفيك خير اليوم؟ قلت: لا والله. قال: ولا أن تمسك فرسي وأنزل أنا؟ فقلت: بلى. قال: فنزل عن فرسه وغرز أطراف ثيابه في منطقته واستل سيفه ورمى بقرابه إلى ثم تقدم إلى الأسد فوثب الأسد عليه فضربه بالسيف فأطار يده فاشتغل الأسد بيده فضربه ثانية على هامته ففلقها، فخر الأسد صريعا فدنا منه فمسح سيفه في صوفه ثم أقبل إلى فأغمد سيفه في قرابه، ثم ركب فرسه فذهبنا إلى العسكر. قال وصحبته إلى أن مات فما سمعته ذكر ذلك لأحد، فما أدرى من أي شيء أعجب؟ من

стр. 3625

شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لأحد؟ أم من عدم عتبة على حيث ضننت بنفسي عنه؟ والله ما عاتبني في ذلك قط. وروى ابن عساكر عن أبى الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح، فقال: ما هذا؟ ولمن هذا؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد. فصعد أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنا واحدا تركه، واستغاث الملاح فجاءت الشرطة فأخذوا أبا الحسين فأوقفوه بين يدي المعتضد فقال له: ما أنت؟ فقال أنا المحتسب. فقال: ومن ولاك الحسبة؟ فقال: الّذي ولاك الخلافة يا أمير المؤمنين. فأطرق رأسه ثم رفعها فقال: ما الّذي حملك على ما فعلت؟ فقال: شفقة عليك لدفع الضرر عنك. فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: ولأى شيء تركت منها دنا واحدا لم تكسره؟ فقال: لأني إنما أقدمت عليها فكسرتها إجلالا لله تعالى، فلم أبال أحدا حتى انتهيت إلى هذا الدن دخل نفسي إعجاب من قبيل أنى قد أقدمت على مثلك فتركته، فقال له المعتضد: اذهب فقد أطلقت يدك فغير ما أحببت أن تغيره من المنكر. فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير، فقال: ولم؟ فقال: لأني كنت أغير عن الله، وأنا الآن أغير عن شرطي. فقال: سل حاجتك. فقال: أحب أن تخرجني من بين يديك سالما. فأمر به فأخرج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيا خشية أن يشق عليه أحد في حاجة عند المعتضد. فلما توفى المعتضد رجع إلى بغداد وذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي عن شيخ من التجار قال: كان لي على بعض الأمراء مال كثير فماطلني ومنعني حقي، وجعل كلما جئت أطالبه حجبنى عنه ويأمر غلمانه يؤذوننى، فاشتكيت عليه إلى الوزير فلم يفد ذلك شيئا، وإلى أولياء الأمر من الدولة فلم يقطعوا منه شيئا، وما زاده ذلك إلا منعا وجحودا، فأيست من المال الّذي عليه ودخلني هم من جهته، فبينما أنا كذلك وأنا حائر إلى من أشتكى، إذ قال لي رجل: ألا تأتى فلانا الخياط - إمام مسجد هناك -[فقلت وما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم. وأعيان الدولة لم يقطعوا فيه؟ فقال لي: هو أقطع وأخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده فرجا. قال فقصدته غير محتفل في أمره، فذكرت له حاجتي ومالي وما لقيت من هذا الظالم، فقام معى فحين عاينه الأمير قام إليه وأكرمه واحترمه وبادر إلى قضاء حقي الّذي عليه فأعطانيه كاملا من غير أن يكون منه إلى الأمير كبير أمر، غير أنه قال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه وإلا أذنت. فتغير لون الأمير ودفع إلى حقي] (١). قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط مع رثاثة حاله وضعف بنيته كيف انطاع ذلك الأمير له، ثم إني عرضت عليه شيئا من المال فلم يقبل منى شيئا، وقال: لو أردت هذا لكان لي من الأموال مالا

стр. 3626

يحصى. فسألته عن خبره وذكرت له تعجبي منه وألححت عليه فقال: إن سبب ذلك أنه كان عندنا في جوارنا أمير تركي من أعالى الدولة، وهو شاب حسن، فمر به ذات يوم امرأة حسناء قد خرجت من الحمام وعليها ثياب مرتفعة ذات قيمة، فقام إليها وهو سكران فتعلق بها يريدها على نفسها ليدخلها منزله، وهي تأبى عليه وتصيح بأعلى صوتها: يا مسلمين أنا امرأة ذات زوج، وهذا رجل يريدني على نفسي ويدخلني منزله، وقد حلف زوجي بالطلاق أن لا أبيت في غير منزله، ومتى بت هاهنا طلقت منه ولحقني بسبب ذلك عار لا تدحضه الأيام ولا تغسله المدامع. قال الخياط: فقمت إليه فأنكرت عليه وأردت خلاص المرأة من يديه فضربني بدبوس في يده فشج رأسي، وغلب المرأة على نفسها وأدخلها منزله قهرا، فرجعت أنا فغسلت الدم عنى وعصبت رأسي وصليت بالناس العشاء ثم قلت للجماعة: إن هذا قد فعل ما قد علمتم فقوموا معى إليه لننكر عليه وتخلص المرأة منه، فقام الناس معى فهجمنا عليه داره فثار إلينا في جماعة من غلمانه بأيديهم العصي والدبابيس يضربون الناس، وقصدني هو من بينهم فضربني ضربا شديدا مبرحا حتى أدمانى، وأخرجنا من منزله ونحن في غاية الإهانة، فرجعت إلى منزلي وأنا لا أهتدى إلى الطريق من شدة الوجع وكثرة الدماء، فنمت على فراشي فلم يأخذنى نوم، وتحيرت ماذا أصنع حتى أنقذ المرأة من يده في الليل لترجع فتبيت في منزلها حتى لا يقع على زوجها الطلاق، فألهمت أن أؤذن الصبح في أثناء الليل لكي يظن أن الصبح قد طلع فيخرجها من منزله فتذهب إلى منزل زوجها، فصعدت المنارة وجعلت انظر إلى باب داره وأنا أتكلم على عادتي قبل الأذان هل أرى المرأة قد خرجت ثم أذنت فلم تخرج، ثم صممت على أنه إن لم تخرج أقمت الصلاة حتى يتحقق الصباح، فبينا أنا انظر هل تخرج المرأة أم لا، إذ امتلأت الطريق فرسانا ورجالة وهم يقولون: أين الّذي أذن هذه الساعة؟ فقلت: ها أنا ذا، وأنا أريد أن يعينوني عليه، فقالوا: انزل، فنزلت فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأخذونى وذهبوا بى لا أملك من نفسي شيئا، حتى أدخلونى عليه، فلما رأيته جالسا في مقام الخلافة ارتعدت من الخوف وفزعت فزعا شديدا، فقال: ادن، فدنوت فقال لي: ليسكن روعك وليهدأ قلبك. وما زال يلاطفني حتى اطمأننت وذهب خوفي، فقال: أنت الّذي أذنت هذه الساعة؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال: ما حملك على أن أذنت هذه الساعة، وقد بقي من الليل أكثر مما مضى منه؟ فتغر بذلك الصائم والمسافر والمصلى وغيرهم. فقلت: يؤمنني أمير المؤمنين حتى أقص عليه خبري؟ فقال: أنت آمن. فذكرت له القصة. قال: فغضب غضبا شديدا، وأمر بإحضار ذلك الأمير والمرأة من ساعته على أي حالة كانا فاحضرا سريعا فبعث بالمرأة إلى زوجها مع نسوة من جهته ثقات ومعهن ثقة من جهته أيضا، وأمره أن يأمر زوجها بالعفو والصفح عنها والإحسان إليها، فإنها مكرهة ومعذورة. ثم أقبل على ذلك الشاب

стр. 3627

الأمير فقال له: كم لك من الرزق؟ وكم عندك من المال؟ وكم عندك من الجوار والزوجات؟ فذكر له شيئا كثيرا. فقال له: ويحك أما كفاك ما أنعم الله به عليك حتى انتهكت حرمة الله وتعديت حدوده وتجرأت على السلطان، وما كفاك ذلك أيضا حتى عمدت إلى رجل أمرك بالمعروف ونهاك عن المنكر فضربته وأهنته وأدميته؟ فلم يكن له جواب. فأمر به فجعل في رجله قيد وفي عنقه غل ثم أمر به فأدخل في جوالق ثم أمر به فضرب بالدبابيس ضربا شديدا حتى خفت، ثم أمر به فألقى في دجلة فكان ذلك آخر العهد به. ثم أمر بدرا صاحب الشرطة أن يحتاط على ما في داره من الحواصل والأموال التي كان يتناولها من بيت المال، ثم قال لذلك الرجل الصالح الخياط: كلما رأيت منكرا صغيرا كان أو كبيرا ولو على هذا - وأشار إلى صاحب الشرطة - فأعلمني، فان اتفق اجتماعك بى وإلا فعلى ما بيني وبينك الأذان، فأذن في أي وقت كان أو في مثل وقتك هذا. قال: فلهذا لا آمر أحدا من هؤلاء الدولة بشيء إلا امتثلوه، ولا أنهاهم عن شيء إلا تركوه خوفا من المعتضد. وما احتجت أن أؤذن في مثل تلك الساعة إلى الآن. وذكر الوزير عبيد الله بن سليمان بن وهب قال: كنت يوما عند المعتضد وخادم واقف على رأسه يذب عنه بمذبة في يده إذ حركها فجاءت في قلنسوة الخليفة فسقطت عن رأسه، فأعظمت أنا ذلك جدا وخفت من هول ما وقع، ولم يكترث الخليفة لذلك، بل أخذ قلنسوته فوضعها على رأسه ثم قال لبعض الخدم: مر هذا البائس ليذهب لراحته فإنه قد نعس، وزيدوا في عدة من يذب بالنوبة قال الوزير: فأخذنا في الثناء على الخليفة والشكر له على حلمه، فقال: إن هذا البائس لم يتعمد ما وقع منه وإنما نعس، وليس العتاب والمعاتبة إلا على المتعمد لا على المخطئ والساهي. وقال جعيف السمرقندي الحاجب: لما جاء الخبر إلى المعتضد بموت وزيره عبيد الله بن سليمان خر ساجدا طويلا، فقيل له: يا أمير المؤمنين: لقد كان عبيد الله يخدمك وينصح لك. فقال: إنما سجدت شكرا لله أنى لم أعز له ولم أوذه. وقد كان ابن سليمان حازم الرأى قويا، وأراد أن يولى مكانه أحمد بن محمد بن الفرات فعدل به بدر صاحب الشرطة عنه وأشار عليه بالقاسم بن عبيد الله فسفّه رأيه فألح عليه فولاه وبعث إليه يعزيه في أبيه ويهنيه بالوزارة، فما لبث القاسم بن عبيد الله حتى ولى المكتفي الخلافة من بعد أبيه المعتضد وحتى قتل بدرا. وكان المعتضد ينظر إلى ما بينهما من العداوة من وراء ستر رقيق، وهذه فراسة عظيمة وتوسم قوى. ورفع يوما إلى المعتضد قوما يجتمعون على المعصية فاستشار وزيره في أمرهم فقال: ينبغي أن يصلب بعضهم ويحرق بعضهم. فقال: ويحك لقد بردت لهب غضبى عليهم بقسوتك، أما علمت أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأنه سائله عنها؟ ولم يقابلهم بما قال الوزير. ولهذه النية لما ولى الخلافة كان بيت المال صفرا من المال وكانت الأحوال فاسدة، والعرب تعيث في الأرض

стр. 3628

فسادا في كل جهة، فلم يزل برأيه وتسديده حتى كثرت الأموال وصلحت الأحوال في سائر الأقاليم والآفاق. ومن شعره في جارية له توفيت فوجد عليها: يا حبيبا لم يكن يعد … له عندي حبيب أنت عن عيني بعيد … ومن القلب قريب ليس لي بعدك في شيء … من اللهو نصيب لك من قلبي على قلبي … وإن غبت رقيب وحياتي منك مذ غبت … حياة لا تطيب لو تراني كيف لي … بعدك عول ونحيب وفؤادي حشوه من … حرق الحزن لهيب ما أرى نفسي وإن … طييتها عنك تطيب ليس دمع لي يعصيني … وصبري ما بجيب وقال فيها: لم أبك للدار ولكن لمن … قد كان فيها مرة ساكنا فخانني الدهر بفقدانه … وكنت من قبل له آمنا ودعت صبري عنه توديعه … وبان قلبي معه ظاعنا وكتب إليه ابن المعتز يعزيه ويسليه عن مصيبته فيها: يا إمام الهدى حياتك طالت (١) … وعشت أنت سليما أنت علمتنا على النعم الشكر … وعند المصائب التسليما فتسلى عن ما مضى وكان التي … كانت سرورا صارت ثوابا عظيما قد رضينا بأن نموت وتحيى … إن عندي في ذاك حظا جسيما من يمت طائعا لمولاه فقد … أعطى فوزا ومات موتا كريما (٢) وقد رثى أبو العباس عبد الله بن المعتز العباسي بن عمر المعتضد بمرثاة حسنة يقول فيها: يا دهر ويحك ما أبقيت لي أحدا … وأنت والد سوء تأكل الولدا أستغفر الله بل ذا كله قدر … رضيت بالله ربا واحدا صمدا يا ساكن القبر في غبراء مظلمة … بالظاهرية مقصى الدار منفردا أين الجيوش التي قد كنت تشحنها … أين الكنوز التي لم تحصها عددا

стр. 3629

أين السرير الّذي قد كنت تملؤه … مهابة من رأته عينه ارتعدا أين القصور التي شيدتها فعلت … ولاح فيها سنا الإبريز فانقدا قد أتعبوا كل مر قال مذكرة … وجناء تنثر من أشداقها الزبدا أين الأعادي الألى ذللت صعبهم … أين الليوث التي صيرتها نقدا أين الوفود على الأبواب عاكفة … ورد القطا صفر ما جال واطردا أين الرجال قياما في مراتبهم … من راح منهم ولم يطمر فقد سعدا أين الجياد التي حجلتها بدم … وكن يحملن منك الضيغم الأسدا أين الرماح التي غذيتها مهجا … مذ مت ما وردت قلبا ولا كبدا أين السيوف وأين النبل مرسلة … يصبن من شئت من قرب وإن بعدا أين المجانيق أمثال السيول إذا … رمين حائط حصن قائم قعدا أين الفعال التي قد كنت تبدعها … ولا ترى أن عفوا نافعا أبدا أين الجنان التي تجرى جداولها … ويستجيب إليها الطائر الغردا أين الوصائف كالغزلان رائحة … يسحبن من حلل موشية جددا أين الملاهي وأين الراح تحسبها … ياقوتة كسيت من فضة زردا أين الوثوب إلى الأعداء مبتغيا … صلاح ملك بنى العباس إذ فسدا ما زلت تقسر منهم كل قسورة … وتحطم العاتي الجبّار معتمدا ثم انقضيت فلا عين ولا أثر … حتى كأنك يوما لم تكن أحدا لا شيء يبقى سوى خير تقدمه … ما دام ملك لأنسان ولا خلدا ذكرها ابن عساكر في تاريخه. واجتمع ليلة عند المعتضد ندماؤه فلما انقضى السمر وصار إلى حظاياه ونام القوم السمار نبههم من نومهم خادم وقال: يقول لكم أمير المؤمنين إنه أصابه أرق بعدكم، وقد عمل بيتا أعياه ثانية فمن عمل ثانيه فله جائزة وهو هذا البيت: ولما انتبهنا للخيال الّذي سرى … إذا الدار قفر والمزار بعيد قال فجلس القوم من فرشهم يفكرون في ثانيه فبدر واحد منهم فقال: فقلت لعيني عاودي النوم واهجعى … لعل خيالا طارقا سيعود قال فلما رجع الخادم به إلى المعتضد وقع منه موقعا جيدا وأمر له بجائزة سنية، واستعظم المعتضد يوما من بعض الشعراء قول الحسن بن منير المازني البصري: لهفي على من أطار النوم فامتنعا … وزاد قلبي على أوجاعه وجعا

стр. 3630

كأنما الشمس من أعطافه طلعت … حسنا أو البدر من أردانه لمعا في وجهه شافع يمحو إساءته … من القلوب وجيها أين ما شفعا ولما كان في ربيع الأول من هذه السنة اشتد وجع المعتضد فاجتمع رءوس الأمراء مثل يونس الخادم وغيره إلى الوزير القاسم بن عبيد الله فأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفى بالله على بن المعتضد بالله، ففعل ذلك وتأكدت البيعة وكان في ذلك خير كثير. وحين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه: تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى … وخذ صفوها ما إن صفت ودع الرنقا ولا تأمنن الدهر إني ائتمنته … فلم يبق لي حالا ولم يرع لي حقا قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوا ولم أمهل على خلق خلقا وأخليت دار الملك من كل نازع … فشردتهم غربا ومزقتهم شرقا فلما بلغت النجم عزا ورفعة … وصارت رقاب الخلق لي أجمع رقا رماني الردى سهما فأخمد جمرتى … فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى ولم يغن عنى ما جمعت ولم أجد … لدى ملك إلا حباني حبها رفقا وأفسدت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الّذي مثلي بمصرعه أشقا فيا ليت شعرى بعد موتى هل أصر … إلى رحمة الله أم في ناره ألقى وكانت وفاته ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الأول من هذه السنة. ولم يبلغ الخمسين. وكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر وثلاثة عشر يوما. وخلف من الأولاد الذكور. عليا المكتفي، وجعفر المقتدر، وهارون. ومن البنات إحدى عشرة بنتا. ويقال سبع عشرة بنتا. وترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار. وكان يمسك عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخله، ومن الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث، حديث جابر بن سمرة فالله أعلم. خلافة المكتفي بالله أبى محمد على بن المعتضد بالله أمير المؤمنين، بويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الأول من هذه السنة، وليس في الخلفاء من اسمه على سوى هذا وعلى بن أبى طالب. وليس فيهم من يكنى بأبي محمد إلا هو والحسن بن على بن أبى طالب والهادي، والمستضيء بالله. وحين ولى المكتفي كثرت الفتن وانتشرت في البلاد. وفي رجب منها زلزلت الأرض زلزلة عظيمة جدا، وفي رمضان منها تساقط وقت السحر من السماء نجوم كثيرة ولم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس. ولما أفضت الخلافة إليه كان بالرقة، فكتب إليه الوزير وأعيان الأمراء فركب فدخل بغداد في يوم مشهود، وذلك يوم

стр. 3631

الاثنين لثمان خلون من جمادى منها. وفي هذا اليوم أمر بقتل عمرو بن الليث الصفار - وكان معتقلا في سجن أبيه - وأمر بتخريب المطامير التي كان اتخذها أبوه للمسجونين وأمر ببناء جامع مكانها وخلع في هذا اليوم على الوزير القاسم بن عبيد الله بن سليمان ست خلع وقلده سيفا، وكان عمره يوم ولى الخلافة خمسا وعشرين سنة وبعض أشهر. وفيها انتشرت القرامطة في الآفاق وقطعوا الطريق على الحجيج، وتسمى بعضهم بأمير المؤمنين. فبعث المكتفي إليهم جيشا كثيرا وأنفق فيهم أموالا جزيلة، فأطفأ الله بعض شرهم. وفيها خرج محمد ابن هارون عن طاعة إسماعيل بن أحمد الساماني، وكاتب أهل الري بعد قتله محمد بن زيد الطالبي، فصار إليهم فسلموا البلد إليه فاستحوذ عليها، فقصده إسماعيل بن أحمد الساماني بالجيوش فقهره وأخرجه منها مذموما مدحورا. قال ابن الجوزي في المنتظم: وفي يوم التاسع من ذي الحجة منها صلى الناس العصر في زمن الصيف وعليهم ثياب الصيف، فهبت ريح باردة جدا حتى احتاج الناس إلى الاصطلاء بالنار، ولبسوا الفرا والمحشوات وجمد الماء كفصل الشتاء. قال ابن الأثير: ووقع بمدينة حمص مثل ذلك، وهب ريح عاصف بالبصرة فاقتلعت شيئا كثيرا من نخيلها، وخسف بموضع فيها فمات تحته سبعة آلاف نسمة. قال ابن الجوزى. وابن الأثير: وزلزلت بغداد في رجب منها مرات متعددة ثم سكنت. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك. وفيها توفى من الأعيان إبراهيم بن محمد بن إبراهيم أحد الصوفية الكبار. قال ابن الأثير: وهو من أقران السري السقطي. قال: لأن ترد إلى الله ذرة من همك خير لك مما طلعت عليه الشمس. أحمد بن محمد المعتضد بالله غلب عليه سوء المزاج والجفاف من كثرة الجماع، وكان الأطباء يصفون له ما يرطب بدنه به فيستعمل ضد ذلك حتى سقطت قوته. بدر غلام المعتضد رأس الجيش كان القاسم الوزير قد عزم على أن يصرف الخلافة عن أولاد المعتضد وفاوض بذلك بدرا هذا فامتنع عليه وأبى، فلما ولى المكتفي بن المعتضد خلف الوزير غائلة ذلك فحسن الوزير للمكتفى قبل بدر هذا، فبعث المكتفي فاحتاط على حواصله وأمواله وهو بواسط، وبعث الوزير إليه بالأمان، فلما قدم بدر بعث إليه من قتله يوم الجمعة لست خلون من رمضان من هذه السنة، ثم قطع رأسه وبقيت جثته أخذها أهله فبعثوا بها إلى مكة في تابوت فدفن بها، لأنه أوصى بذلك وكان قد أعتق كل مملوك له قبل وفاته. وحين أرادوا قتله صلى ركعتين ﵀. الحسين بن محمد بن عبد الرحمن بن الفهم بن محرز ابن إبراهيم الحافظ البغدادي، سمع خلف ابن هشام ويحيى بن معين ومحمد بن سعد وغيرهم، وعنه الحنطبى والطومارى، وكان عسرا في

стр. 3632

التحديث إلا لمن لازمه، وكانت له معرفة جيدة بالأخبار والنسب والشعر وأسماء الرجال، يميل إلى مذهب العراقيين في الفقه، قال عنه الدار قطنى: ليس بالقوى. عمارة ابن وثيمة بن موسى أبو رفاعة الفارسي صاحب التاريخ على السنن، ولد بمصر وحدث عن أبى صالح كاتب الليث وغيره. هارون بن الليث الصفار أحد الأمراء الكبار، قتل في السجن أول ما قدم المكتفي بغداد. سنة تسعين ومائتين فيها أقبل يحيى بن زكرويه بن مهرويه أبو قاسم القرمطى المعروف بالشيخ في جحافله فعاث بناحية الرقة فسادا فجهز إليه الخليفة جيشا نحو عشرة آلاف فارس. وفيها ركب الخليفة من بغداد إلى سامرا يريد الاقامة بها فثنى رأيه عن ذلك الوزير فرجع إلى بغداد. وفيها قتل يحيى بن زكرويه على باب دمشق زرقه رجل من المغاربة بمزراق نار فقتله، ففرح الناس بقتله، وتمكن منه المزراق فأحرقه، وكان هذا المغربي من جملة جيش المصريين، فقام بأمر القرامطة من بعده أخوه الحسين وتسمى بأحمد وتكنى بأبي العباس وتلقب بأمير المؤمنين، وأطاعه القرامطة، فحاصر دمشق فصالحه أهلها على مال، ثم سار إلى حمص فافتتحها وخطب له على منابرها، ثم سار إلى حماه ومعرة النعمان فقهر أهل تلك النواحي واستباح أموالهم وحريمهم، وكان يقتل الدواب والصبيان في المكاتب، ويبيح لمن معه وطء النساء، فربما وطئ الواحدة الجماعة الكثيرة من الرجال، فإذا ولدت ولدا هنأ به كل واحد منهم الآخر، فكتب أهل الشام إلى الخليفة ما يلقون من هذا اللعين، فجهز إليهم جيوشا كثيفة، وأنفق فيهم أموالا جزيلة وركب في رمضان فنزل الرقة وبث الجيوش في كل جانب لقتال القرامطة وكان القرمطى هذا يكتب إلى أصحابه: «من عبد الله المهدي أحمد بن عبد الله المهدي المنصور الناصر لدين الله القائم بأمر الله الحاكم بحكم الله، الداعي إلى كتاب الله، الذاب عن حريم الله، المختار من ولد رسول الله» وكان يدعى أنه من سلالة على بن أبى طالب من فاطمة، وهو كاذب أفاك أثيم قبحه الله، فإنه كان من أشد الناس عداوة لقريش، ثم لبني هاشم، دخل سلمية فلم يدع بها أحدا من بنى هاشم حتى قتلهم وقتل أولادهم واستباح حريمهم. وفيها تولى ثغر طرسوس أبو عامر أحمد بن نصر عوضا عن مظفر بن جناح لشكوى أهل الثغر منه. وحج بالناس الفضل بن محمد العباسي. وفيها توفى من الأعيان. عبد الله بن الامام أحمد بن حنبل أبو عبد الرحمن الشيباني. كان إماما ثقة حافظا ثبتا مكثرا عن أبيه وغيره. قال ابن المنادي: لم يكن أحد أروى عن أبيه منه. روى عنه المسند ثلاثين ألفا، والتفسير مائة ألف حديث وعشرون ألفا، من ذلك سماع ومن ذلك إجازة، ومن ذلك الناسخ والمنسوخ، والمقدم

стр. 3633

والمؤخر، في كتاب الله والتاريخ، وحديث سبعة وكرامات القراء، والمناسك الكبير، والصغير. وغير ذلك من التصانيف، وحديث الشيوخ. قال: وما زلنا نرى أكابر شيوخنا يشهدون له بمعرفة الرجال وعلل الحديث والأسماء والكنى والمواظبة على طلب الحديث في العراق وغيرها، ويذكرون عن أسلافهم الإقرار له بذلك، حتى أن بعضهم أسرف في تقريظه له بالمعرفة وزيادة السماع للحديث عن أبيه. ولما مرض قيل له أين تدفن؟ فقال: صح عندي أن بالقطيعة نبيا مدفونا، ولأن أكون بجوار نبي أحب إلى من أن أكون في جوار أبى. مات في جمادى الآخرة منها عن سبع وسبعين سنة، كما مات لها أبوه، واجتماع في جنازته خلق كثير من الناس، وصلى عليه زهير ابن أخيه، ودفن في مقابر باب التين رحمه الله تعالى. عبد الله بن أحمد بن سعيد أبو بحر الرباطي المروزي، صحب أبا تراب النخشبي، وكان الجنيد يمدحه ويثنى عليه. عمر بن إبراهيم أبو بكر الحافظ المعروف بأبي الأذان، كان ثقة ثبتا. محمد بن الحسين بن الفرج أبو ميسرة الهمدانيّ، صاحب المسند، كان أحد الثقات المشهورين والمصنفين. محمد بن عبد الله أبو بكر الدقاق أحد أئمة الصوفية وعبّادهم، روى عن الجنيد أنه قال: رأيت إبليس في المنام وكأنه عريان فقلت: ألا تستحي من الناس؟ فقال: - وهو لا يظنهم ناسا - لو كانوا ناسا ما كنت ألعب بهم كما يلعب الصبيان بالكرة، إنما الناس جماعة غير هؤلاء. فقلت: أين هم؟ فقال: في مسجد الشونيزى قد أضنوا قلبي وأتعبوا جسدي، كلما هممت بهم أشاروا إلى الله فأكاد أحترق. قال: فلما انتبهت لبست ثيابي ورحت إلى المسجد الّذي ذكر فإذا فيه ثلاثة جلوس ورءوسهم في مرقعاتهم، فرفع أحدهم رأسه إلى وقال: يا أبا القاسم لا تغتر بحديث الخبيث، وأنت كلما قيل لك شيء تقبل؟ فإذا هم أبو بكر الدقاق وأبو الحسين النوري وأبو حمزة محمد بن على بن علوية بن عبد الله الجرجاني الفقيه الشافعيّ تلميذ المزني. ذكره ابن الأثير. ثم دخلت سنة إحدى وتسعين ومائتين فيها جرت وقعة عظيمة بين القرامطة وجند الخليفة فهزموا القرامطة وأسروا رئيسهم الحسن بن زكرويه، ذا الشامة، فلما أسر حمل إلى الخليفة في جماعة كثيرة من أصحابه من رءوسهم، وأدخل بغداد على فيل مشهور، وأمر الخليفة بعمل دفة مرتفعة فأجلس عليها وجيء بأصحابه فجعل يضرب أعناقهم بين يديه وهو ينظر، وقد جعل في فمه خشبة معترضة مشدودة إلى قفاه، ثم أنزل فضرب مائتي سوط ثم قطعت يداه ورجلاه، وكوى، ثم أحرق وحمل رأسه على خشبة وطيف به في أرجاء بغداد، وذلك في ربيع الأول منها.

стр. 3634

وفيها قصدت الأتراك بلاد ما وراء النهر في جحافل عظيمة، فبيتهم المسلمون فقتلوا منهم خلقا كثيرا وسبوا منهم ما لا يحصون ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً﴾. وفيها بعث ملك الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف، فغاروا على أطراف البلاد وقتلوا خلقا وسبوا نساء وذرية. وفيها دخل نائب طرسوس بلاد الروم ففتح مدينة انطاكية - وهي مدينة عظيمة على ساحل البحر تعادل عندهم القسطنطينية - وخلص من أسارى المسلمين خمسة آلاف أسير، وأخذ للروم ستين مركبا وغنم شيئا كثيرا، فبلغ نصيب كل واحد من الغزاة ألف دينار. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وفيها توفى من الأعيان. أحمد بن يحيى بن زيد بن سيار أبو العباس الشيباني مولاهم، الملقب بثعلب إمام الكوفيين في النحو واللغة، مولده في سنة مائتين، سمع محمد بن زياد الأعرابي والزبير بن بكار والقواريري وغيرهم، وعنه ابن الأنباري وابن عرفة وأبو عمر والزاهد، وكان ثقة حجة دينا صالحا مشهورا بالصدق والحفظ، وذكر أنه سمع من القواريري مائة ألف حديث. توفى يوم السبت لثلاث عشرة بقيت من جمادى الأولى منها، عن إحدى وتسعين سنة. قال ابن خلكان: وكان سبب موته أنه خرج من الجامع وفي يده كتاب ينظر فيه وكان قد أصابه صمم شديد فصدمته فرس فألقته في هوة فاضطرب دماغه فمات في اليوم الثاني ﵀ وهو مصنف كتاب الفصيح، وهو صغير الحجم كثير الفائدة، وله كتاب المصون، واختلاف النحويين ومعاني القرآن وكتاب القراءات ومعاني الشعر وما يلحن فيه العامة وغير ذلك. وقد نسب إليه من الشعر قوله. إذا كنت قوت النفس ثم هجرتها … فكم تلبث النفس التي أنت قوتها سيبقى بقاء النبت في الماء أو كما … أقام لدى ديمومة الماء صوتها أغرك أنى قد تصبرت جاهدا … وفي النفس منى منك ما سيميتها فلو كان ما بى بالصخور لهدّها … وبالريح ما هبت وطال حفوفها فصبرا لعل الله يجمع بيننا … فأشكو هموما منك فيك لقيتها وفيها توفى القاسم بن عبيد الله بن سليمان بن وهب الوزير، تولى بعد أبيه الوزارة في آخر أيام المعتضد، ثم تولى لولده المكتفي، فلما كان رمضان من هذه السنة مرض فبعث إلى السجون فأطلق من فيها من المطلبيين، ثم توفى في ذي القعدة منها، وقد قارب ثلاثا وثلاثين سنة، وقد كان حظيا عند الخليفة، وخلف من الأموال ما يعدل سبعمائة ألف دينار. ومحمد بن محمد بن إسماعيل بن شداد أبو عبد الله البصري القاضي بواسط، المعروف بالجبروعى،

стр. 3635

حدث عن مسدد وعن على بن المديني وابن نمير وغيرهم، وكان من الثقات والقضاة الأجواد العدول الأمناء. ومحمد بن إبراهيم البوشنجي. ومحمد بن على الصايغ. وقنبل أحد مشاهير القراء. وأئمة العلماء. ثم دخلت سنة ثنتين وتسعين ومائتين [فيها دخل محمد بن سليمان في نحو عشرة آلاف مقاتل من جهة الخليفة المكتفي إلى الديار المصرية لقتال هارون بن خمارويه، فبرز إليه هارون فاقتتلا فقهره محمد بن سليمان وجمع آل طولون وكانوا سبعة عشر رجلا فقتلهم واستحوذ على أموالهم وأملاكهم، وانقضت دولة الطولونية على الديار المصرية وكتب بالفتح إلى المكتفي. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي القائم بأمر الحجاج في السنين المتقدمة. وممن توفى فيها من الأعيان. إبراهيم بن عبد الله بن مسلم الكجي أحد المشايخ المعمرين، كان يحضر مجلسه خمسون ألفا ممن معه محبرة، سوى النظارة، ويستملى عليه سبعة مستملين كلّ يبلّغ صاحبه، ويكتب بعض الناس وهم قيام وكان كلما حدث بعشرة آلاف حديث تصدق بصدقة. ولما فرغ من قراءة السنن عليه عمل مأدبة غرم عليها ألف دينار، وقال: شهدت اليوم على رسول الله ﷺ فقبلت شهادتي وحدي، أفلا أعمل شكرا لله ؟. وروى ابن الجوزي والخطيب عن أبى مسلم الكجي قال: خرجت ذات ليلة من المنزل فمررت بحمام وعلى جنابة فدخلته فقلت للحمامي: أدخل حمامك أحد بعد؟ فقال: لا، فدخلت فلما فتحت باب الحمام الداخل إذا قائل يقول: أبا مسلم أسلم تسلم. ثم أنشأ يقول: لك الحمد إما على نعمة … وإما على نقمة تدفع تشاء فتفعل ما شئته … وتسمع من حيث لا يسمع قال: فبادرت فخرجت فقلت للحمامي: أنت زعمت أنه لم يدخل حمامك أحد. فقال: نعم! وما ذاك؟ فقلت: إني سمعت قائلا يقول كذا وكذا. قال: وسمعته؟ قلت: نعم. فقال: يا سيدي هذا رجل من الجان يتبدى لنا في بعض الأحيان فينشد الأشعار ويتكلم بكلام حسن فيه مواعظ. فقلت: هل حفظت من شعره شيئا؟ فقال: نعم. ثم أنشدنى من شعره فقال هذه الأبيات: أيها المذنب المفرط مهلا … كم تمادى تكسب الذنب جهلا كم وكم تسخط الجليل بفعل … سمج وهو يحسن الصنع فعلا كيف تهدأ جفون من ليس يدرى … أرضى عنه من على العرش أم لا عبد الحميد بن عبد العزيز أبو حاتم القاضي الحنفي، كان من خيار القضاة وأعيان الفقهاء ومن أئمة العلماء، ورعا نزها كثير الصيانة والديانة والأمانة. وقد ذكر له ابن الجوزي في المنتظم

стр. 3636

آثارا حسنة وأفعالا جميلة، ﵀.] (١) ثم دخلت سنة ثلاث وتسعين ومائتين فيها التفت على أخى الحسين القرمطى المعروف بذي الشامة الّذي قتل في التي قبلها خلائق من القرامطة بطريق الفرات، فعاث بهم في الأرض فسادا، ثم قصد طبرية فامتنعوا منه فدخلها قهرا فقتل بها خلقا كثيرا من الرجال، وأخذ شيئا كثيرا من الأموال، ثم كر راجعا إلى البادية، ودخلت فرقة أخرى منهم إلى هيت فقتلوا أهلها إلا القليل، وأخذوا منها أموالا جزيلة حملوها على ثلاثة آلاف بعير، فبعث إليهم المكتفي جيشا فقاتلوهم وأخذوا رئيسهم فضربت عنقه. ونبغ رجل من القرامطة يقال له الداعية باليمن فحاصر صنعاء فدخلها قهرا وقتل خلقا من أهلها، ثم سار إلى بقية مدن اليمن فأكثر الفساد وقتل خلقا من العباد، ثم قاتله أهل صنعاء فظفروا به وهزموه، فأغار على بعض مدنها، وبعث الخليفة إليها مظفر بن حجاج نائبا، فسار إليها فلم يزل بها حتى مات. وفي يوم عيد الأضحى دخلت طائفة من القرامطة إلى الكوفة فنادوا: يا ثارات الحسين - يعنون المصلوب في التي قبلها ببغداد - وشعارهم: يا أحمد يا محمد - يعنون الذين قتلوا معه - فبادر الناس الدخول من المصلى إلى الكوفة فدخلوا خلفهم فرمتهم العامة بالحجارة فقتلوا منهم نحو العشرين رجلا، ورجع الباقون خاسئين. وفيها ظهر رجل بمصر يقال له الخليجي فخلع الطاعة واجتمع إليه طائفة من الجند فأمر الخليفة أحمد بن كنغلغ نائب دمشق وأعمالها فركب إليه فاقتتلا بظاهر مصر فهزمه الخليجي هزيمة منكرة، فبعث إليه الخليفة جيشا آخر فهزموا الخليجي وأخذوه فسلم إلى الأمير الخليفة وانطفأ خبره واشتغل الجيش بأمر الديار المصرية، فبعث القرامطة جيشا إلى بصرى صحبة رجل يقال له عبد الله بن سعيد كان يعلم الصبيان، فقصد بصرى وأذرعات والبثنية فحاربه أهلها ثم أمّنهم فلما أن تمكن منهم قتل المقاتلة وسبى الذرية، ورام الدخول إلى دمشق فحاربه نائب دمشق أحمد بن كنغلغ، وهو صالح بن الفضل، فهزمه القرمطى وقتل صالح فيمن قتل وحاصر دمشق فلم يمكنه فتحها، فانصرف إلى طبرية فقتلوا أكثر أهلها ونهبوا منها شيئا كثيرا كما ذكرنا، ثم ساروا إلى هيت ففعلوا بها ذلك كما تقدم، ثم ساروا إلى الكوفة في يوم عيد الأضحى كما ذكرنا. كل ذلك بإشارة زكرويه بن مهرويه وهو مختف في بلده بين ظهراني قوم من القرامطة، فإذا جاءه الطلب نزل بئرا قد اتخذها ليختفى فيها وعلى بابه تنور فتقوم امرأة فتسجره وتخبز فيه فلا يشعر به أصلا، ولا يدرى أحد أين هو، فبعث الخليفة إليه جيشا فقاتلهم زكرويه بنفسه ومن أطاعه فهزم جيش الخليفة وغنم من أموالهم شيئا كثيرا جدا فتقوى به واشتد أمره، فندب الخليفة إليه جيشا آخر كثيفا فكان من أمره

стр. 3637

وأمرهم ما سنذكره. وفيها خرب إسماعيل بن أحمد الساماني نائب خراسان وما وراء النهر طائفة كبيرة من بلاد الأتراك. وفيها أغارت الروم على بعض أعمال حلب فقتلوا ونهبوا وسبوا. وفيها حج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وفيها توفى من الأعيان أبو العباس الناشي الشاعر واسمه عبد الله بن محمد أبو العباس المعتزلي، أصله من الأنبار وأقام ببغداد مدة، ثم انتقل إلى مصر فمات بها، وكان جيد الذهن يعاكس الشعراء ويرد على المنطقيين والفروضيين، وكان شاعرا مطيقا إلا أنه كان فيه هوس وله قصيدة حسنة في نسب رسول الله ﷺ قد ذكرناها في السيرة. قال ابن خلكان: كان عالما في عدة علوم من جملتها علم المنطق، وله قصيدة في فنون من العلم على روى واحد تبلغ أربعة آلاف بيت، وله عدة تصانيف وأشعار كثيرة. عبيد بن محمد بن خلف أبو محمد البزار أحد الفقهاء من أصحاب أبى ثور، وكان عنده فقه أبى ثور، وكان من الثقات النبلاء. نصر بن أحمد بن عبد العزيز أبو محمد الكندي الحافظ المعروف بنصرك، كان أحد حفاظ الحديث المشهورين، وكان الأمير خالد بن أحمد الذهلي نائب بخارى قد ضمه إليه وصنف له المسند. توفى ببخارى في هذه السنة. ثم دخلت سنة أربع وتسعين ومائتين في المحرم من هذه السنة اعترض زكرويه في أصحابه إلى الحجاج من أهل خراسان وهم قافلون من مكة فقتلهم عن آخرهم وأخذ أموالهم وسبى نساءهم فكان قيمة ما أخذه منهم ألفى ألف دينار، وعدة من قتل عشرين ألف إنسان، وكانت نساء القرامطة يطفن بين القتلى من الحجاج وفي أيديهم الآنية من الماء يزعمن أنهن يسقين الجريح العطشان، فمن كلمهن من الجرحى قتلنه وأجهزن عليه، لعنهن الله ولعن أزواجهن. ذكر مقتل زكرويه لعنه الله لما بلغ الخليفة خبر الحجيج وما أوقع بهم الخبيث جهز إليه جيشا كثيفا فالتقوا معه فاقتتلوا قتالا شديدا جدا، قتل من القرامطة خلق كثير ولم يبق منهم إلا القليل، وذلك في أول ربيع الأول منها. وضرب رجل زكرويه بالسيف في رأسه فوصلت الضربة إلى دماغه، وأخذ أسيرا فمات بعد خمسة أيام، فشقوا بطنه وصبروه وحملوه في جماعة من رءوس أصحابه إلى بغداد، واحتوى عسكر الخليفة على ما كان بأيدي القرامطة من الأموال والحواصل، وأمر الخليفة بقتل أصحاب القرمطى، وأن يطاف برأسه في سائر بلاد خراسان، لئلا يمتنع الناس عن الحج. وأطلق من كان بأيدي القرامطة من النساء والصبيان الذين أسروهم. وفيها غزا أحمد بن كنغلغ نائب دمشق بلاد الروم من ناحية طرسوس فقتل منهم نحوا من أربعة

стр. 3638

آلاف وأسر من ذراريهم نحوا من خمسين ألفا، وأسلم بعض البطارقة وصحبته نحو من مائتي أسير كانوا في حبسه من المسلمين، فأرسل ملك الروم جيشا في طلب ذلك البطريق، فركب في جماعة من المسلمين فكبس جيش الروم فقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم منهم غنيمة كثيرة جدا، ولما قدم على الخليفة أكرمه وأحسن إليه وأعطاه ما تمناه عليه. وفيها ظهر بالشام رجل فادعى أنه السفياني فأخذ وبعث به إلى بغداد فادعى أنه موسوس فترك. وحج بالناس الفضل بن عبد الملك الهاشمي. وفيها توفى من الأعيان الحسين بن محمد بن حاتم بن يزيد بن على بن مروان أبو على المعروف بعبيد العجليّ، كان حافظا مكثرا متقنا مقدما في حفظ المسندات، توفى في صفر منها. صالح بن محمد بن عمرو بن حبيب أبو على الأسدي - أسد خزيمة - المعروف بحرزة لأنه قرأ على بعض المشايخ كانت له خرزة يرقأ بها المريض فقرأها هو حرزة تصحيفا منه فغلب عليه ذلك فلقب به، وقد كان حافظا مكثرا جوالا رحالا، طاف الشام ومصر وخراسان، وسكن بغداد ثم انتقل منها إلى بخارى فسكنها، وكان ثقة صدوقا أمينا، وله رواية كثيرة عن يحيى بن معين، وسؤالات كثيرة كان مولده بالرقة سنة عشر ومائتين. وتوفى في هذه السنة محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن على بن عبد الله بن عباس المعروف بالبياضي لأنه حضر مجلس الخليفة وعليه ثياب البياض، فقال الخليفة: من ذاك البياضي؟ فعرف به. وكان ثقة، روى عن ابن الأنباري وابن مقسم. قتلته القرامطة في هذه السنة. محمد بن الامام إسحاق بن راهويه، سمع أباه وأحمد بن حنبل وغيرهما، وكان عالما بالفقه والحديث، جميل الطريقة حميد السيرة قتلته القرامطة في هذه السنة في جملة من قتلوا من الحجيج. محمد بن نصر أبو عبد الله المروزي أحد أئمة الفقهاء ولد ببغداد ونشأ بنيسابور واستوطن سمرقند، وكان من أعلم الناس باختلاف الصحابة والتابعين فمن بعدهم من أئمة الإسلام، وكان عالما بالأحكام، وقد رحل إلى الآفاق وسمع من المشايخ الكثير النافع وصنف الكتب المفيدة الحافلة النافعة، وكان من أحسن الناس صلاة وأكثرهم خشوعا فيها، وقد صنف كتابا عظيما في الصلاة. وقد روى الخطيب عنه أنه قال: خرجت من مصر قاصدا مكة فركبت البحر ومعى جارية فغرقت السفينة فذهب لي في الماء ألفا جزء وسلمت أنا والجارية فلجأنا إلى جزيرة فطلبنا بها ماء فلم نجد، فوضعت رأسي على فخذ الجارية ويئست من الحياة، فبينا أنا كذلك إذا رجل قد أقبل وفي يده كوز فقال: هاه، فأخذته فشربت منه وسقيت الجارية ثم ذهب فلم أدر من أين أقبل ولا إلى أين ذهب. ثم إن الله سبحانه أغاثنا فنجانا من ذلك الغم. وقد كان من أكرم الناس وأسخاهم نفسا. وكان إسماعيل بن أحمد يصله في كل سنة بأربعة آلاف، ويصله أخوه إسحاق بن

стр. 3639

أحمد بأربعة آلاف، ويصله أهل سمرقند بأربعة آلاف فينفق ذلك كله، فقيل له: لو ادخرت شيئا لنائبة، فقال: سبحان الله أنا كنت بمصر أنفق فيها في كل سنة عشرين درهما فرأيت إذا لم يحصل لي شيء من هذا المال لا يتهيأ لي في السنة عشرون درهما. وكان محمد بن نصر المروزي إذا دخل على إسماعيل بن أحمد الساماني ينهض له ويكرمه، فعاتبه يوما أخوه إسحاق، فقال له: تقوم لرجل في مجلس حكمك وأنت ملك خراسان؟ قال إسماعيل: فبت تلك الليلة وأنا مشتت القلب من قول أخى - وكانوا هم ملوك خراسان وما وراء النهر - قال: فرأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول: «يا إسماعيل ثبت ملكك وملك بنيك بتعظيمك محمد بن نصر، وذهب ملك أخيك باستخفافه بمحمد ابن نصر». وقد اجتمع بالديار المصرية محمد بن نصر. ومحمد بن جرير الطبري. ومحمد بن المنذر، فجلسوا في بيت يكتبون الحديث ولم يكن عندهم في ذلك اليوم شيء يقتاتونه، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يخرج يسعى لهم في شيء يأكلونه، فوقعت القرعة على محمد بن نصر هذا فقام إلى الصلاة فجعل يصلى ويدعو الله ، وذلك وقت القائلة، فرأى نائب مصر - وهو طولون وقيل أحمد بن طولون - في منامه في ذلك الوقت رسول الله ﷺ وهو يقول له: «أدرك المحدثين فإنهم ليس عندهم ما يقتاتونه». فانتبه من ساعته فسأل: من هاهنا من المحدثين؟ فذكر له هؤلاء الثلاثة، فأرسل إليهم في الساعة الراهنة بألف دينار، فدخل الرسول بها عليهم وأزال الله ضررهم ويسر أمرهم. واشترى طولون تلك الدار وبناها مسجدا وجعلها على أهل الحديث وأوقف عليها أوقافا جزيلة. وقد بلغ محمد بن نصر سنا عالية وكان يسأل الله ولدا فأتاه يوما إنسان فبشّره بولد ذكر، فرفع يديه فحمد الله وأثنى عليه وقال: الحمد لله الّذي وهب لي على الكبر إسماعيل، فاستفاد الحاضرون من ذلك عدة فوائد: منها أنه قد ولد له على الكبر ولد ذكر بعد ما كان يسأل الله ، ومنها أنه سمى يوم مولده كما سمى رسول الله ﷺ ولده إبراهيم يوم مولده قبل السابع، ومنها اقتداؤه بالخليل أول ولد له بإسماعيل. موسى بن هارون بن عبد الله أبو عمران المعروف والده بالحمال، ولد سنة أربع عشرة ومائتين وسمع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما، وكان إمام عصره في حفظ الحديث ومعرفة الرجال، وكان ثقة متقنا شديد الورع عظيم الهيبة، قال عبد الغنى بن سعيد الحافظ المصري: كان أحسن الناس كلاما على الحديث، أثنى عليه على بن المديني ثم موسى بن هارون ثم الدار قطنى. ثم دخلت سنة خمس وتسعين ومائتين فيها كانت المفاداة بين المسلمين والروم، وكان من جملة من استنقذ من أيدي الروم من نساء ورجال نحوا من ثلاثة آلاف نسمة، وفي المنتصف من صفر منها كانت وفاة إسماعيل بن أحمد

стр. 3640

الساماني أمير خراسان وما وراء النهر، وقد كان عاقلا عادلا حسن السيرة في رعيته حليما كريما، وهو الّذي كان يحسن إلى محمد بن نصر المروزي ويعظمه ويكرمه ويحترمه ويقوم له في مجلس ملكه، فلما مات تولى بعده ولده أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني وبعث إليه الخليفة تشريفة. وقد ذكر الناس يوما عند إسماعيل بن أحمد هذا الفخر بالأنساب فقال: إنما الفخر بالأعمال وينبغي أن يكون الإنسان عصاميا لا عظاميا - أي ينبغي أن يفتخر بنفسه لا بنسبه وبلده وجده - كما قال بعضهم: * ويجدي سموت لا يجدوى * وقال آخر: حسبي فخارا وشيمتي أدبى … ولست من هاشم ولا العرب إن الفتى من يقول ها أنا ذا … وليس الفتى من يقول كان أبى وفي ذي القعدة منها كانت. وفاة الخليفة المكتفي بالله (أبو محمد بن المعتضد وهذه ترجمته وذكر وفاته) وهو أمير المؤمنين المكتفي بالله بن المعتضد بن الأمير أبى أحمد الموفق بن المتوكل على الله، وقد ذكرنا أنه ليس من الخلفاء من اسمه على سواه بعد على بن أبى طالب، وليس من الخلفاء من يكنى بأبي محمد سوى الحسن بن على بن أبى طالب وهو، وكان مولده في رجب سنة أربع وستين ومائتين، وبويع له بالخلافة بعد أبيه وفي حياته يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من ربيع الآخر سنة تسع وثمانين ومائتين، وعمره نحوا من خمس وعشرين سنة، وكان ربعة من الرجال جميلا رقيق الوجه حسن الشعر، وافر اللحية عريضها. ولما مات أبوه المعتضد وولى هو الخلافة دخل عليه بعض الشعراء فأنشده: أجل الرزايا أن يموت إمام … وأسنى العطايا أن يقوم إمام فأسقى الّذي مات الغمام وجوده … ودامت تحيات له وسلام وأبقى الّذي قام الآله وزاده … مواهب لا يفنى لهن دوام وتمت له الآمال واتصلت بها … فوائد موصول بهن تمام هو المكتفي بالله يكفيه كلما … عناه بركن منه ليس يرام فأمر له بجائزة سنية [وقد كان يقول الشعر، فمن ذلك قوله: من لي بأن أعلم ما ألقى … فتعرف منى الصبابة والعشقا ما زال لي عبدا وحبي له … صيرني عبدا له رقا العتق من شأنى ولكنني … من حبه لا أملك العتقا] (١)

стр. 3641

وكان نقش خاتمه: على المتوكل على ربه. وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك. وفي أيامه فتحت انطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبى الفضل جعفر بن المعتضد وقد صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله. وتوفى بعد ثلاثة أيام وقيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما. وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير ﵀. خلافة المقتدر بالله أمير المؤمنين أبى الفضل جعفر بن المعتضد جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة - أعنى سنة خمس وتسعين ومائتين - وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، ولما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله، وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكانت الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بنى أمية وأيام بني العباس، قد تناهى جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفدها، وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن على بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، وقد استقصى ذكرهم ابن الجوزي. وكان له من الخدم والحشمة التامة والحجاب شيء كثير جدا، وكان كريما وفيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، وفي يوم عرفة في أول ولايته فرق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفى بعير، ورد الرسوم والأرزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بنى العباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبى عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، وسيأتي ذكر شيء من أيامه في ترجمته. وفيها توفى من الأعيان أبو إسحاق المزكي إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكي الحافظ الزاهد، إمام أهل

стр. 3642

عصره بنيسابور، في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار ودخل على الامام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبا، ويقال إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إلا داره التي يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيأتدم به طول الشتاء، وقد قال أبو على الحسين بن على الحافظ: لم تر عيناي مثله. أبو الحسين النوري أحد أئمة الصوفية اسمه أحمد بن محمد، ويقال محمد بن محمد والأول أصح ويعرف بابن البغوي، أصله من خراسان وحدث عن سرى السقطي ثم صار هو من أكابر أئمة القوم، قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبى الحسين النوري، قيل له: ولا الجنيد؟ قال: ولا الجنيد ولا غيره. وقال غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيره. وتوفى في مسجد وهو مقنع فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام. إسماعيل بن أحمد بن سامان أحد ملوك خراسان وهو الّذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي، وكتب بذلك إلى المعتضد فولاه خراسان ثم ولاه المكتفي الري وما وراء النهر وبلاد الترك، وقد غزا بلادهم وأوقع بهم بأسا شديدا، وبنى الربط في الطرقات يسع الرباط منها ألف فارس، وأوقف عليهم أوقافا جزيلة، وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا جزيلة منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبع مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه. ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثل بقول أبى نواس: لن يخلف الدهر مثلهم أبدا … هيهات هيهات شأنه عجب المعمري الحافظ صاحب عمل اليوم والليلة وهو الحسن بن على بن شبيب أبو على المعمري الحافظ، رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا منهم على بن المديني ويحيى بن معين، وعنه ابن صاعد والنجاد والجلدى، وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، وصدوقا ثبتا، وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر، لأنه جاوز [الثمانين، وكان يكنى أولا بأبي القاسم، ثم بأبي على، وقد ولى القضاء للبرتى على القصر وأعمالها] (١) وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبى سفيان صاحب معمر بن راشد. وقد صنف المعمري كتابا جيدا في عمل يوم وليلة، واسمه الحسن بن على بن شبيب أبو على المعمري، توفى ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم.

стр. 3643

عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب واسم أبى شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الأموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث. ولد سنة ست وثمانين ومائتين، سمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا. توفى في ذي الحجة منها على بن أحمد المكتفي بالله تقدم ذكره. أبو جعفر الترمذي محمد بن محمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعيّ، كان من أهل العلم والزهد، ووثقه الدار قطنى، كان مأمونا ناسكا، وقال القاضي أحمد ابن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعيّ بالعراق أرأس منه، ولا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا، وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان قد اختلط في آخر عمره. توفى المحرم منها. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القواد والجند والأمراء على خلع المقتدر وتولية عبد الله ابن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يسفك بسببه دم، وكان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسن بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، واجتمع الأمراء والأعيان والقضاة في دار المخرمي فبايعوا عبد الله بن المعتز وخوطب بالخلافة، ولقب بالمرتضى بالله. وقال الصولي: إنما لقبوه المنتصف بالله، واستوزر أبا عبيد الله محمد بن داود وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع والطاعة، فركب الحسن بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها فقاتله الخدم ومن فيها، ولم يسلموها إليه، وهزموه فلم يقدر على تخليص أهله وماله إلا بالجهد. ثم ارتحل من فوره إلى الموصل وتفرق نظام ابن المعتز وجماعته، فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، ووقع النهب في البلد واختبط الناس وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم وقتل أكثرهم وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة فجدد البيعة إلى المقتدر وأرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها وأحضر ابن المعتز وابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته وأخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس. قال ابن الجوزي: ولا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الأمين والمقتدر. وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربعة أصابع وهذا غريب في بغداد جدا، ولم تخرج السنة، حتى خرج الناس يستسقون لأجل تأخر المطر عن إبانه.

стр. 3644

وفي شعبان منها خلع على يونس الخادم وأمر بالمسير الى طرسوس لأجل غزو الروم. وفيها أمر المقتدر بأن لا يستخدم أحد من اليهود والنصارى في الدواوين، وألزموا بلزومهم بيوتهم، وأن يلبسوا المساحي ويضعوا بين أكتافهم رقاعا ليعرفوا بها، وألزموا بالذل حيث كانوا. وحج بالناس فيها الفضل ابن عبد الملك الهاشمي، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق وفيها توفى من الأعيان أحمد بن محمد بن زكريا بن أبى عتاب أبو بكر البغدادي الحافظ، ويعرف بأخي ميمون. روى عن نصر بن على الجهضمي وغيره، وروى عنه الطبراني، وكان يمتنع من أن يحدث وإنما يسمع منه في المذاكرة. توفى في شوال منها. أبو بكر الأثرم أحمد بن محمد بن هاني الطائي الأثرم تلميذ الامام احمد، سمع عفان وأبا الوليد والقعنبي وأبا نعيم وخلقا كثيرا، وكان حافظا صادقا قوى الذاكرة، كان ابن معين يقول عنه: كان أحد أبويه جنيا لسرعة فهمه وحفظه، وله كتب مصنفة في العلل والناسخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى أبو محمد العكبريّ، سمع الحديث وكان ظريفا وكان له ثلاثون خاتما وثلاثون عكازا، يلبس في كل يوم من الشهر خاتما ويأخذ في يده عكازا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلق في منزله، فإذا سئل عن ذلك قال: ليرهب العيال منه ابن المعتز الشاعر الّذي بويع بالخلافة عبد الله بن المعتز بالله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد يكنى أبو العباس الهاشمي العباسي، كان شاعرا مطيقا فصيحا بليغا مطبقا، وقريش قادة الناس في الخير ودفع الشر. وقد سمع المبرد وثعلبا، وقد روى عنه من الحكم والآداب شيء كثير، فمن ذلك قوله: أنفاس الحي خطايا. أهل الدنيا ركب يسار بهم وهم نيام، ربما أورد الطمع ولم يصدر، ربما شرق شارب الماء قبل ريه، من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار، كلما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به، من ارتحله الحرص أضناه الطلب. وروى انضاه الطلب أي أضعفه، والأول معناه أمرضه. الحرص نقص من قدر الإنسان ولا يزيد في حظه شيئا، أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أقربها حريفا. من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك. الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود، الأسرار إذا كثرت خزانها ازدادت ضياعا، العزل نصحك من تيه الولاة. الجزع أتعب من الصبر، لا تشن وجه العفو بالتقريع، تركة الميت عز للورثة وذل له. إلى غير ذلك من كلامه وحكمه. ومن شعره مما يناسب المعنى قوله: -

стр. 3645

بادر إلى مالك ورّثه … ما المرء في الدنيا بلباث كم جامع يخنق أكياسه … قد صار في ميزان ميراث وله أيضا يا ذا الغنى والسطوة القاهرة … والدولة الناهية الآمرة ويا شياطين بنى آدم … ويا عبيد الشهوة الفاجرة انتظروا الدنيا وقد أدبرت … وعن قليل تلد الآخرة وله أيضا ابك يا نفس وهاتي … توبة قبل الممات قبل أن يفجعنا الدهر … ببين وشتات لا تخونينى إذا مت … وقامت بى نعاتى إنما الوفي بعهدي … من وفى بعد وفاتي قال الصولي: نظر ابن المعتز في حياة أبيه الخليفة إلى جارية فأعجبته فمرض من حبها، فدخل أبوه عليه عائدا فقال له: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول: أيها العاذلون لا تعذلوني … وانظروا حسن وجهها تعذرونى وانظروا هل ترون أحسن منها … إن رأيتم شبيهها فاعذلونى قال: ففحص الخليفة عن القصة واستعلم خبر الجارية ثم بعث إلى سيدها فاشتراها منه بسبعة آلاف دينار، وبعث بها إلى ولده. وقد تقدم أن في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع الأمراء والقضاة على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز هذا ولقب بالمرتضى والمنتصف بالله، فما مكث بالخلافة إلا يوما أو بعض يوم، ثم انتصر المقتدر وقتل غالب من خرج عليه واعتقل ابن المعتز عنده في الدار، ووكل به يونس الخادم فقتل في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه، ويقال إنه أنشد في آخر يوم من حياته وهو معتل: يا نفس صبرا لعل الخير عقباك … خانتك من بعد طول الأمن دنياك مرت بنا سحرا طير فقلت لها … طوباك يا ليتني إياك طوباك إن كان قصدك شرقا فالسلام على … شاطئ الصراة بلغى إن كان مسراك من موثق بالمنايا لا فكاك له … يبكى الدماء على إلف له باكي فرب آمنة جاءت منيتها … ورب مفلتة من بين أشراك أظنه آخر الأيام من عمري … وأوشك اليوم أن يبكى لي الباكي ولما قدم ليقتل أنشأ يقول: فقل للشامتين بنا رويدا … أمامكم المصائب والخطوب
следующие страницы →