← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

وكان نقش خاتمه: على المتوكل على ربه. وكان له من الولد محمد وجعفر وعبد الصمد وموسى وعبد الله وهارون والفضل وعيسى والعباس وعبد الملك. وفي أيامه فتحت انطاكية وكان فيها من أسارى المسلمين بشر كثير وجم غفير، ولما حضرته الوفاة سأل عن أخيه أبى الفضل جعفر بن المعتضد وقد صح عنده أنه بالغ، فأحضره في يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي القعدة منها وأحضر القضاة وأشهدهم على نفسه بأنه قد فوض أمر الخلافة إليه من بعده، ولقبه بالمقتدر بالله. وتوفى بعد ثلاثة أيام وقيل في آخر يوم السبت بعد المغرب، وقيل بين الظهر والعصر، لاثنتي عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، ودفن في دار محمد بن عبد الله بن طاهر، عن ثنتين وقيل ثلاث وثلاثين سنة، وكانت خلافته ست سنين وستة أشهر وتسعة عشر يوما. وأوصى بصدقة من خالص ماله ستمائة ألف دينار، وكان قد جمعها وهو صغير، وكان مرضه بداء الخنازير ﵀. خلافة المقتدر بالله أمير المؤمنين أبى الفضل جعفر بن المعتضد جددت له البيعة بعد موت أخيه وقت السحر لأربع عشرة ليلة خلت من ذي القعدة من هذه السنة - أعنى سنة خمس وتسعين ومائتين - وعمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة وشهر واحد وإحدى وعشرون يوما، ولم يل الخلافة أحد قبله أصغر منه، ولما جلس في منصب الخلافة صلى أربع ركعات ثم سلم ورفع صوته بالدعاء والاستخارة، ثم بايعه الناس بيعة العامة، وكتب اسمه على الرقوم وغيرها: المقتدر بالله، وكان في بيت مال الخاصة خمسة عشر ألف ألف دينار، وفي بيت مال العامة ستمائة ألف دينار ونيف، وكانت الجواهر الثمينة في الحواصل من لدن بنى أمية وأيام بني العباس، قد تناهى جمعها، فما زال يفرقها في حظاياه وأصحابه حتى أنفدها، وهذا حال الصبيان وسفهاء الولاة، وقد استوزر جماعة من الكتاب يكثر تعدادهم، منهم أبو الحسن على بن محمد بن الفرات، ولاه ثم عزله بغيره، ثم أعاده ثم عزله ثم قتله، وقد استقصى ذكرهم ابن الجوزي. وكان له من الخدم والحشمة التامة والحجاب شيء كثير جدا، وكان كريما وفيه عبادة مع هذا كله كان كثير الصلاة كثير الصيام تطوعا، وفي يوم عرفة في أول ولايته فرق من الأغنام والأبقار ثلاثين ألف رأس، ومن الإبل ألفى بعير، ورد الرسوم والأرزاق والكلف إلى ما كانت عليه في زمن الأوائل من بنى العباس، وأطلق أهل الحبوس الذين يجوز إطلاقهم، فوكل أمر ذلك إلى القاضي أبى عمر محمد بن يوسف، وكان قد بنيت له أبنية في الرحبة صرف عليها في كل شهر ألف دينار، فأمر بهدمها ليوسع على المسلمين الطرقات، وسيأتي ذكر شيء من أيامه في ترجمته. وفيها توفى من الأعيان أبو إسحاق المزكي إبراهيم بن محمد بن يحيى بن سختويه بن عبد الله أبو إسحاق المزكي الحافظ الزاهد، إمام أهل

стр. 3642

عصره بنيسابور، في معرفة الحديث والرجال والعلل، وقد سمع خلقا من المشايخ الكبار ودخل على الامام أحمد وذاكره، وكان مجلسه مهيبا، ويقال إنه كان مجاب الدعوة، وكان لا يملك إلا داره التي يسكنها وحانوتا يستغله كل شهر سبعة عشر درهما ينفقها على نفسه وعياله، وكان لا يقبل من أحد شيئا، وكان يطبخ له الجزر بالخل فيأتدم به طول الشتاء، وقد قال أبو على الحسين بن على الحافظ: لم تر عيناي مثله. أبو الحسين النوري أحد أئمة الصوفية اسمه أحمد بن محمد، ويقال محمد بن محمد والأول أصح ويعرف بابن البغوي، أصله من خراسان وحدث عن سرى السقطي ثم صار هو من أكابر أئمة القوم، قال أبو أحمد المغازلي: ما رأيت أحدا قط أعبد من أبى الحسين النوري، قيل له: ولا الجنيد؟ قال: ولا الجنيد ولا غيره. وقال غيره: صام عشرين سنة لا يعلم به أحد لا من أهله ولا من غيره. وتوفى في مسجد وهو مقنع فلم يعلم به أحد إلا بعد أربعة أيام. إسماعيل بن أحمد بن سامان أحد ملوك خراسان وهو الّذي قتل عمرو بن الليث الصفار الخارجي، وكتب بذلك إلى المعتضد فولاه خراسان ثم ولاه المكتفي الري وما وراء النهر وبلاد الترك، وقد غزا بلادهم وأوقع بهم بأسا شديدا، وبنى الربط في الطرقات يسع الرباط منها ألف فارس، وأوقف عليهم أوقافا جزيلة، وقد أهدى إليه طاهر بن محمد بن عمرو بن الليث هدايا جزيلة منها ثلاث عشرة جوهرة زنة كل جوهرة منها ما بين السبع مثاقيل إلى العشرة، وبعضها أحمر وبعضها أزرق قيمتها مائة ألف دينار، فبعث بها إلى الخليفة المعتضد وشفع في طاهر فشفعه فيه. ولما مات إسماعيل بن أحمد وبلغ المكتفي موته تمثل بقول أبى نواس: لن يخلف الدهر مثلهم أبدا … هيهات هيهات شأنه عجب المعمري الحافظ صاحب عمل اليوم والليلة وهو الحسن بن على بن شبيب أبو على المعمري الحافظ، رحل وسمع من الشيوخ وأدرك خلقا منهم على بن المديني ويحيى بن معين، وعنه ابن صاعد والنجاد والجلدى، وكان من بحور العلم وحفاظ الحديث، وصدوقا ثبتا، وقد كان يشبك أسنانه بالذهب من الكبر، لأنه جاوز [الثمانين، وكان يكنى أولا بأبي القاسم، ثم بأبي على، وقد ولى القضاء للبرتى على القصر وأعمالها] (١) وإنما قيل له المعمري بأمه أم الحسن بنت أبى سفيان صاحب معمر بن راشد. وقد صنف المعمري كتابا جيدا في عمل يوم وليلة، واسمه الحسن بن على بن شبيب أبو على المعمري، توفى ليلة الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من المحرم.

стр. 3643

عبد الله بن الحسن بن أحمد بن أبى شعيب واسم أبى شعيب عبد الله بن مسلم أبو شعيب الأموي الحراني المؤدب المحدث ابن المحدث. ولد سنة ست وثمانين ومائتين، سمع أباه وجده وعفان بن مسلم وأبا خيثمة، كان صدوقا ثقة مأمونا. توفى في ذي الحجة منها على بن أحمد المكتفي بالله تقدم ذكره. أبو جعفر الترمذي محمد بن محمد بن نصر أبو جعفر الترمذي الفقيه الشافعيّ، كان من أهل العلم والزهد، ووثقه الدار قطنى، كان مأمونا ناسكا، وقال القاضي أحمد ابن كامل: لم يكن لأصحاب الشافعيّ بالعراق أرأس منه، ولا أورع: كان متقللا في المطعم على حالة عظيمة فقرا وورعا وصبرا، وكان ينفق في كل شهر أربعة دراهم، وكان لا يسأل أحدا شيئا، وكان قد اختلط في آخر عمره. توفى المحرم منها. ثم دخلت سنة ست وتسعين ومائتين في ربيع الأول منها اجتمع جماعة من القواد والجند والأمراء على خلع المقتدر وتولية عبد الله ابن المعتز الخلافة، فأجابهم على أنه لا يسفك بسببه دم، وكان المقتدر قد خرج يلعب بالصولجان فقصد إليه الحسن بن حمدان يريد أن يفتك به، فلما سمع المقتدر الصيحة بادر إلى دار الخلافة فأغلقها دون الجيش، واجتمع الأمراء والأعيان والقضاة في دار المخرمي فبايعوا عبد الله بن المعتز وخوطب بالخلافة، ولقب بالمرتضى بالله. وقال الصولي: إنما لقبوه المنتصف بالله، واستوزر أبا عبيد الله محمد بن داود وبعث إلى المقتدر يأمره بالتحول من دار الخلافة إلى دار ابن طاهر لينتقل إليها، فأجابه بالسمع والطاعة، فركب الحسن بن حمدان من الغد إلى دار الخلافة ليتسلمها فقاتله الخدم ومن فيها، ولم يسلموها إليه، وهزموه فلم يقدر على تخليص أهله وماله إلا بالجهد. ثم ارتحل من فوره إلى الموصل وتفرق نظام ابن المعتز وجماعته، فأراد ابن المعتز أن يتحول إلى سامرا لينزلها فلم يتبعه أحد من الأمراء، فدخل دار ابن الجصاص فاستجار به فأجاره، ووقع النهب في البلد واختبط الناس وبعث المقتدر إلى أصحاب ابن المعتز فقبض عليهم وقتل أكثرهم وأعاد ابن الفرات إلى الوزارة فجدد البيعة إلى المقتدر وأرسل إلى دار ابن الجصاص فتسلمها وأحضر ابن المعتز وابن الجصاص فصادر ابن الجصاص بمال جزيل جدا، نحو ستة عشر ألف ألف درهم، ثم أطلقه واعتقل ابن المعتز، فلما دخل في ربيع الآخر ليلتان ظهر للناس موته وأخرجت جثته فسلمت إلى أهله فدفن، وصفح المقتدر عن بقية من سعى في هذه الفتنة حتى لا تفسد نيات الناس. قال ابن الجوزي: ولا يعرف خليفة خلع ثم أعيد إلا الأمين والمقتدر. وفي يوم السبت لأربع بقين من ربيع الأول سقط ببغداد ثلج عظيم حتى اجتمع على الأسطحة منه نحو من أربعة أصابع وهذا غريب في بغداد جدا، ولم تخرج السنة، حتى خرج الناس يستسقون لأجل تأخر المطر عن إبانه.

стр. 3644

وفي شعبان منها خلع على يونس الخادم وأمر بالمسير الى طرسوس لأجل غزو الروم. وفيها أمر المقتدر بأن لا يستخدم أحد من اليهود والنصارى في الدواوين، وألزموا بلزومهم بيوتهم، وأن يلبسوا المساحي ويضعوا بين أكتافهم رقاعا ليعرفوا بها، وألزموا بالذل حيث كانوا. وحج بالناس فيها الفضل ابن عبد الملك الهاشمي، ورجع كثير من الناس من قلة الماء بالطريق وفيها توفى من الأعيان أحمد بن محمد بن زكريا بن أبى عتاب أبو بكر البغدادي الحافظ، ويعرف بأخي ميمون. روى عن نصر بن على الجهضمي وغيره، وروى عنه الطبراني، وكان يمتنع من أن يحدث وإنما يسمع منه في المذاكرة. توفى في شوال منها. أبو بكر الأثرم أحمد بن محمد بن هاني الطائي الأثرم تلميذ الامام احمد، سمع عفان وأبا الوليد والقعنبي وأبا نعيم وخلقا كثيرا، وكان حافظا صادقا قوى الذاكرة، كان ابن معين يقول عنه: كان أحد أبويه جنيا لسرعة فهمه وحفظه، وله كتب مصنفة في العلل والناسخ والمنسوخ، وكان من بحور العلم خلف بن عمرو بن عبد الرحمن بن عيسى أبو محمد العكبريّ، سمع الحديث وكان ظريفا وكان له ثلاثون خاتما وثلاثون عكازا، يلبس في كل يوم من الشهر خاتما ويأخذ في يده عكازا، ثم يستأنف ذلك في الشهر الثاني، وكان له سوط معلق في منزله، فإذا سئل عن ذلك قال: ليرهب العيال منه ابن المعتز الشاعر الّذي بويع بالخلافة عبد الله بن المعتز بالله محمد بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم بالله محمد بن الرشيد يكنى أبو العباس الهاشمي العباسي، كان شاعرا مطيقا فصيحا بليغا مطبقا، وقريش قادة الناس في الخير ودفع الشر. وقد سمع المبرد وثعلبا، وقد روى عنه من الحكم والآداب شيء كثير، فمن ذلك قوله: أنفاس الحي خطايا. أهل الدنيا ركب يسار بهم وهم نيام، ربما أورد الطمع ولم يصدر، ربما شرق شارب الماء قبل ريه، من تجاوز الكفاف لم يغنه الإكثار، كلما عظم قدر المتنافس فيه عظمت الفجيعة به، من ارتحله الحرص أضناه الطلب. وروى انضاه الطلب أي أضعفه، والأول معناه أمرضه. الحرص نقص من قدر الإنسان ولا يزيد في حظه شيئا، أشقى الناس أقربهم من السلطان، كما أن أقرب الأشياء إلى النار أقربها حريفا. من شارك السلطان في عز الدنيا شاركه في ذل الآخرة، يكفيك من الحاسد أنه يغتم وقت سرورك. الفرصة سريعة الفوت بعيدة العود، الأسرار إذا كثرت خزانها ازدادت ضياعا، العزل نصحك من تيه الولاة. الجزع أتعب من الصبر، لا تشن وجه العفو بالتقريع، تركة الميت عز للورثة وذل له. إلى غير ذلك من كلامه وحكمه. ومن شعره مما يناسب المعنى قوله: -

стр. 3645

بادر إلى مالك ورّثه … ما المرء في الدنيا بلباث كم جامع يخنق أكياسه … قد صار في ميزان ميراث وله أيضا يا ذا الغنى والسطوة القاهرة … والدولة الناهية الآمرة ويا شياطين بنى آدم … ويا عبيد الشهوة الفاجرة انتظروا الدنيا وقد أدبرت … وعن قليل تلد الآخرة وله أيضا ابك يا نفس وهاتي … توبة قبل الممات قبل أن يفجعنا الدهر … ببين وشتات لا تخونينى إذا مت … وقامت بى نعاتى إنما الوفي بعهدي … من وفى بعد وفاتي قال الصولي: نظر ابن المعتز في حياة أبيه الخليفة إلى جارية فأعجبته فمرض من حبها، فدخل أبوه عليه عائدا فقال له: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول: أيها العاذلون لا تعذلوني … وانظروا حسن وجهها تعذرونى وانظروا هل ترون أحسن منها … إن رأيتم شبيهها فاعذلونى قال: ففحص الخليفة عن القصة واستعلم خبر الجارية ثم بعث إلى سيدها فاشتراها منه بسبعة آلاف دينار، وبعث بها إلى ولده. وقد تقدم أن في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع الأمراء والقضاة على خلع المقتدر وتولية عبد الله بن المعتز هذا ولقب بالمرتضى والمنتصف بالله، فما مكث بالخلافة إلا يوما أو بعض يوم، ثم انتصر المقتدر وقتل غالب من خرج عليه واعتقل ابن المعتز عنده في الدار، ووكل به يونس الخادم فقتل في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه، ويقال إنه أنشد في آخر يوم من حياته وهو معتل: يا نفس صبرا لعل الخير عقباك … خانتك من بعد طول الأمن دنياك مرت بنا سحرا طير فقلت لها … طوباك يا ليتني إياك طوباك إن كان قصدك شرقا فالسلام على … شاطئ الصراة بلغى إن كان مسراك من موثق بالمنايا لا فكاك له … يبكى الدماء على إلف له باكي فرب آمنة جاءت منيتها … ورب مفلتة من بين أشراك أظنه آخر الأيام من عمري … وأوشك اليوم أن يبكى لي الباكي ولما قدم ليقتل أنشأ يقول: فقل للشامتين بنا رويدا … أمامكم المصائب والخطوب

стр. 3646

هو الدهر لا بد من أن … يكون إليكم منه ذنوب ثم كان ظهور قتله لليلتين من ربيع الآخر منها. وقد ذكر له ابن خلكان مصنفات كثيرة، منها طبقات الشعراء وكتاب أشعار الملوك، وكتاب الآداب وكتاب البديع، وكتاب في الغناء وغير ذلك. وذكر أن طائفة من الأمراء خلعوا المقتدر وبايعوه بالخلافة يوما وليلة، ثم تمزق شمله واختفى في بيت ابن الجصاص الجوهري ثم ظهر عليه فقتل وصودر ابن الجصاص بألفي دينار، وبقي معه ستمائة ألف دينار. وكان ابن المعتز أسمر اللون مدور الوجه يخضب بالسواد، عاش خمسين سنة، وذكر شيئا من كلامه وأشعاره ﵀. محمد بن الحسين بن حبيب أبو حصين الوادعي القاضي، صاحب المسند، من أهالي الكوفة، قدم بغداد وحدث بها عن أحمد بن يونس اليربوعي ويحيى بن عبد الحميد، وجندل بن والق، وعنه ابن صاعد والنجاد والمحاملي، قال الدار قطنى: كان ثقة، توفى بالكوفة. محمد بن داود بن الجراح أبو عبد الله الكاتب عم الوزير على بن عيسى، كان من أعلم الناس بالأخبار وأيام الخلفاء، له مصنفات في ذلك روى عن عمر بن شيبة وغيره، كانت وفاته في ربيع الأول منها عن ثلاث وخمسين سنة. ثم دخلت سنة سبع وتسعين ومائتين فيها غزا القاسم بن سيما الصائفة، وفادى يونس الخادم الأسارى الذين بأيدي الروم، وحكى ابن الجوزي عن ثابت بن سنان أنه رأى في أيام المقتدر ببغداد امرأة بلا ذراعين ولا عضدين، وإنما كفّاها ملصقان بكتفيها، لا تستطيع أن تعمل بهما شيئا، وإنما كانت تعمل برجليها ما تعمله النساء بأيديهن: الغزل والفتل ومشط الرأس وغير ذلك. وفيها تأخرت الأمطار عن بغداد وارتفعت الأسعار بها، وجاءت الأخبار بأن مكة جاءها سيل عظيم غرق أركان البيت، وفاضت زمزم، ولم ير ذلك قبل هذه السنة. وحج بالناس الفضل الهاشمي. وفيها توفى من الأعيان محمد بن داود بن على أبو بكر الفقيه ابن الفقيه الظاهري، كان عالما بارعا أديبا شاعرا فقيها ماهرا، له كتاب الزهرة اشتغل على أبيه وتبعه في مذهبه ومسلكه وما اختاره من الطرائق وارتضاه، وكان أبوه يحبه ويقر به ويدنيه. قال رويم بن محمد: كنا يوما عند داود إذ جاء ابنه هذا باكيا فقال: مالك؟ فقال: إن الصبيان يلقبوننى عصفور الشوك. فضحك أبوه فاشتد غضب الصبى وقال لأبيه: أنت أضر على منهم، فضمه أبوه إليه وقال: لا إله إلا الله، ما الألقاب إلا من السماء ما أنت يا بنى إلا عصفور الشوك. ولما توفى أبوه أجلس في مكانه في الحلقة فاستصغره الناس عن ذلك، فسأله سائل يوما عن حد السكر

стр. 3647

فقال: إذا غربت عنه الفهوم وباح بسره المكتوم. فاستحسن الحاضرون منه ذلك وعظم في أعين الناس. قال ابن الجوزي في المنتظم: وقد ابتلى بحب صبي اسمه محمد بن جامع ويقال محمد بن زخرف فاستعمل العفاف والدين في حبه، ولم يزل ذلك دأبه فيه حتى كان سبب وفاته في ذلك. قلت: فدخل في الحديث المروي عن ابن عباس موقوفا عليه ومرفوعا عنه: «من عشق فكتم فعف فمات مات شهيدا». وقد قيل عنه إنه كان يبيح العشق بشرط العفاف. وحكى هو عن نفسه أنه لم يزل يتعشق منذ كان في الكتّاب وأنه صنف كتاب الزهرة في ذلك من صغره، ورد ما وقف أبوه داود على بعض ذلك، وكان يتناظر هو وأبو العباس بن شريح كثيرا بحضرة القاضي أبى عمر محمد بن يوسف فيعجب الناس من مناظرتهما وحسنها، وقد قال له ابن شريح يوما في مناظرته: أنت بكتاب الزهرة أشهر منك بهذا. فقال له: تعيرني بكتاب الزهرة وأنت لا تحسن تشتم قراءته، وهو كتاب جمعناه هزلا فاجمع أنت مثله جدا. وقال القاضي أبو عمر: كنت يوما أنا وأبو بكر بن داود راكبين فإذا جارية تغني بشيء من شعره: أشكو إليك فؤادا أنت متلفه … شكوى عليل إلى إلف يعلله سقمي تزيد على الأيام كثرته … وأنت في عظم ما ألقى تقلله الله حرم قتلى في الهوى أسفا … وأنت يا قاتلي ظلما تحلله فقال أبو بكر: كيف السبيل إلى استرجاع هذا؟ فقلت: هيهات سار به الركبان. كانت وفاة محمد بن داود ﵀ في رمضان من هذه السنة، وجلس ابن شريح لعزاه وقال: ما أثنى إلا على التراب الّذي أكل لسان محمد بن داود ﵀. محمد بن عثمان بن أبى شيبة أبو جعفر، حدث عن يحيى بن معين وعلى بن المديني وخلق، وعنه ابن صاعد والخلدى والباغندي وغيرهم، وله كتاب في التاريخ وغيره من المصنفات، وقد وثقه صالح بن محمد جزرة وغيره، وكذبه عبد الله بن الامام أحمد وقال: هو كذاب بيّن الأمر، وتعجب ممن يروى عنه. توفى في ربيع الأول منها. محمد بن طاهر بن عبد الله بن الحسن بن مصعب من بيت الامارة والحشمة، باشر نيابة العراق مدة ثم خراسان ثم ظفر به يعقوب بن الليث في سنة ثمان وخمسين فأسره وبقي معه يطوف به الآفاق أربع سنين، ثم تخلص منه في بعض الوقعات ونجا بنفسه، ولم يزل مقيما ببغداد إلى أن توفى في هذه السنة. موسى بن إسحاق ابن موسى بن عبد الله أبو بكر الأنصاري الخطميّ، مولده سنة عشر ومائتين، سمع أباه وأحمد ابن حنبل وعلى بن الجعد وغيرهم، وحدث عنه الناس وهو شاب وقرءوا عليه القرآن، وكان ينتحل

стр. 3648

مذهب الشافعيّ، وولى قضاء الأهواز، وكان ثقة فاضلا عفيفا فصيحا كثير الحديث. توفى في المحرم منها. يوسف بن يعقوب ابن إسماعيل بن حماد بن زيد والد القاضي أبى عمر، وهو الّذي قتل الحلاج، كان يوسف هذا من أكابر العلماء وأعيانهم، ولد سنة ثمان ومائتين، وسمع سليمان بن حرب وعمرو بن مرزوق وهدبة ومسددا، وكان ثقة، ولى قضاء البصرة وواسط والجانب الشرقي من بغداد، وكان عفيفا شديد الحرمة نزها، جاءه يوما بعض خدم الخليفة المعتضد فترفع في المجلس على خصمه فأمره حاجب القاضي أن يساوى خصمه فامتنع إدلالا بجاهه عند الخليفة، فزبره القاضي وقال: ائتوني بدلال النخس حتى أبيع هذا العبد وأبعث بثمنه إلى الخليفة، وجاء حاجب القاضي فأخذه بيده وأجلسه مع خصمه، فلما انقضت الحكومة رجع الخادم إلى المعتضد فبكى بين يديه فقال له: مالك؟ فأخبره بالخبر، وما أراد القاضي من بيعه، فقال: والله لو باعك لأجزت بيعه ولما استرجعتك أبدا، فليس خصوصيتك عندي تزيل مرتبة الشرع فإنه عمود السلطان وقوام الأديان، كانت وفاته في رمضان منها. ثم دخلت سنة ثمان وتسعين ومائتين فيها قدم القاسم بن سيما من بلاد الروم فدخل بغداد ومعه الأسارى والعلوج بأيديهم أعلام عليها صلبان من الذهب، وخلق من الأسارى. وفيها قدمت هدايا نائب خراسان أحمد بن إسماعيل ابن أحمد الساماني، من ذلك مائة وعشرون غلاما بحرابهم وأسلحتهم وما يحتاجون إليه، وخمسون بازا وخمسون جملا تحمل من مرتفع الثياب، وخمسون رطلا من مسك وغير ذلك. وفيها فلج القاضي عبد الله بن على بن محمد بن عبد الملك بن أبى الشوارب، فقلد مكانه على الجانب الشرقي والكرخ ابنه محمد. وفيها في شعبان أخذ رجلان يقال لأحدهما: أبو كبيرة والآخر يعرف بالسمري. فذكروا أنهما من أصحاب رجل يقال له محمد بن بشر، وأنه يدعى الربوبية. وفيها وردت الأخبار بأن الروم قصدت اللاذقية. وفيها وردت الأخبار بأن ريحا صفراء هبت بمدينة الموصل فمات من حرها بشر كثير. وفيها حج بالناس الفضل الهاشمي. وفيها توفى من الأعيان. ابن الراونديّ أحد مشاهير الزنادقة، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام، ويقال إنه حرّف التوراة كما عادى ابنه القرآن بالقرآن وألحد فيه، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه الدامغ. وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه الزمردة. وكتابا يقال له التاج في معنى ذلك، وله كتاب الفريد وكتاب إمامة المفضول الفاضل. وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم الشيخ أبو على محمد بن عبد الوهاب الجبائي شيخ المعتزلة في زمانه، وقد أجاد في ذلك. وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام

стр. 3649

ابن أبى على، قال الشيخ أبو على: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراونديّ فلم أجد فيه إلا السفه والكذب والافتراء، قال: وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفى الصانع وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله ﷺ في سبعة عشر موضعا، ونسبه إلى الكذب - يعنى النبي ﷺ وطعن على القرآن، ووضع كتابا لليهود والنصارى وفضل دينهم على المسلمين والإسلام، ويحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد ﷺ ، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الإسلام. نقل ذلك ابن الجوزي عنه. وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته وطعنه على الآيات والشريعة. ورد عليه في ذلك، وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وتمويهه. وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر، منها ما هو صحيح عنه ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثله، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر في المسخرة، يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة، وهذا كثير موجود فيمن يدعى الإسلام وهو منافق، يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه، وهؤلاء ممن قال الله تعالى فيهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّما كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، قُلْ أَبِاللهِ وَآياتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِؤُنَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ﴾ الآية. وقد كان أبو عيسى الوراق مصاحبا لابن الراونديّ قبحهما الله، فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات. وأما ابن الراونديّ فهرب فلجأ إلى ابن لاوى اليهودي، وصنف له في مدة مقامه عنده كتابه الّذي سماه «الدامغ للقرآن» فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله. ويقال: إنه أخذ وصلب. قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي في هذا العمر القصير لعنه الله وقبحه ولا رحم عظامه. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وقلس عليه ولم يخرجه بشيء، ولا كأن الكلب أكل له عجينا، على عادته في العلماء والشعراء، فالشعراء يطيل تراجمهم، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم. وأرخ ابن خلكان تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد وهم وهما فاحشا، والصحيح أنه توفى في هذه السنة كما أرخه ابن الجوزي وغيره. وفيها توفى. الجنيد بن محمد بن الجنيد أبو القاسم الخزاز، ويقال له القواريري، أصله من نهاوند، ولد ببغداد ونشأ بها. وسمع الحديث من الحسين بن عرفة. وتفقه بأبي ثور إبراهيم بن خالد الكلبي، وكان يفتى بحضرته وعمره عشرون سنة، وقد ذكرناه في طبقات الشافعية، واشتهر بصحبة الحارث المحاسبي، وخاله سرى السقطي،

стр. 3650

ولازم التعبد، ففتح الله عليه بسبب ذلك علوما كثيرة، وتكلم على طريقة الصوفية. وكان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة. ومكث أربعين سنة لا يأوى إلى فراش، ففتح عليه من العلم النافع والعمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، وكان يعرف سائر فنون العلم، وإذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة ولا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، وكذلك في التصوف وغيره. ولما حضرته الوفاة جعل يصلى ويتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال؟ فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك منى الآن، وهذا أوان طى صحيفتي. قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبى ثور ويقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، وكان ابن سريح يصحبه ويلازمه، [وربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، ويقال: إنه سأله مرة عن مسألة، فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم ألم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها على. فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: والله ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده. فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله عليّ حتى أكتبه. فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن الله هو الّذي يجرى ذلك على قلبي وينطق به لساني، وليس هذا مستفاد من كتب ولا من تعلم، وإنما هذا من فضل الله يلهمنيه ويجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي الله أربعين سنة. والصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري وطريقه والله أعلم (١)]. وسئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرك وأنت ساكت. وقال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا وطريقتنا. ورأى بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى الله لا أفارقه. وقال له خاله السري: تكلم على الناس. فلم ير نفسه موضعا. فرأى في المنام رسول الله ﷺ فقال له: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له: لم تسمع منى حتى قال لك رسول الله ﷺ : فتكلم على الناس، فجاءه يوما شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى قول النبي ﷺ : «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله»؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه وقال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام. وقال الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعى بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة وهي تقول: إذا قلت: أهدى الهجرلى حلل البلى … تقولين: لولا الهجر لم يطب الحب وإن قلت: هذا القلب أحرقه الجوى … تقولين لي: إن الجوى شرف القلب

стр. 3651

وإن قلت: ما أذنبت، قالت مجيبة: … حياتك ذنب لا يقاس به ذنب قال: فصعقت وصحت، فخرج صاحب الدار فقال: يا سيدي مالك؟ قلت: مما سمعت. قال: هي هبة منى إليك. فقلت: قد قبلتها وهي حرة لوجه الله. ثم زوجتها لرجل، فأولدها ولدا صالحا حج على قدميه ثلاثين حجة. وفيها توفى: سعيد بن إسماعيل بن سعيد بن منصور أبو عثمان الواعظ ولد بالري، ونشأ بها، ثم انتقل إلى نيسابور فسكنها إلى أن مات بها، وقد دخل بغداد. وكان يقال إنه مجاب الدعوة. قال الخطيب: أخبرنا عبد الكريم بن هوازن قال سمعت أبا عثمان يقول: منذ أربعين سنة ما أقامنى الله في حالة فكرهتها، ولا نقلني إلى غيرها فسخطتها. وكان أبو عثمان ينشد: أسأت ولم أحسن، وجئتك هاربا … وأين لعبد عن مواليه مهرب؟ يؤمل غفرانا، فان خاب ظنه … فما أحد منه على الأرض أخيب وروى الخطيب أنه سئل: أي أعمالك أرجى عندك؟ فقال: إني لما ترعرعت وأنا بالري وكانوا يريدونني على التزويج فأمتنع، فجاءتني امرأة فقالت: يا أبا عثمان قد أحببتك حبا أذهب نومي وقرارى، وأنا أسألك بمقلب القلوب وأتوسل به إليك لما تزوجتنى. فقلت: ألك والد؟ فقالت: نعم. فأحضرته فاستدعى بالشهود فتزوجتها، فلما خلوت بها إذا هي عوراء عرجاء شوهاء مشوهة الخلق، فقلت: اللهمّ لك الحمد على ما قدرته لي، وكان أهل بيتي يلومونني على تزويجي بها، فكنت أريدها برا وإكراما، وربما احتبستنى عندها ومنعتني من الحضور إلى بعض المجالس، وكأنى كنت في بعض أوقاتي على الجمر وأنا لا أبدى لها من ذلك شيئا. فمكثت كذلك خمس عشرة سنة، فما شيء أرجى عندي من حفظي عليها ما كان في قلبها من جهتي. وفيها توفى: سمنون بن حمزة ويقال ابن عبد الله، أحد مشايخ الصوفية، كان ورده في كل يوم وليلة خمسمائة ركعة، وسمى نفسه سمنونا الكذاب لقوله: فليس لي في سواك حظ … فكيفما شئت فامتحنى فابتلى بعسر البول فكان يطوف على المكاتب ويقول للصبيان: ادعوا لعمكم الكذاب، وله كلام متين في المحبة، ووسوس في آخر عمره، وله كلام في المحبة مستقيم. وفيها توفى: صافى الحربي كان من أكابر أمراء الدولة العباسية. أوصى في مرضه أن ليس له عند غلامه القاسم شيء، فلما مات حمل غلامه القاسم إلى الوزير مائة ألف دينار وسبعمائة وعشرين منطقة من الذهب مكللة، فاستمروا به على أمرته ومنزلته.

стр. 3652

إسحاق بن حنين بن إسحاق أبو يعقوب العبادي - نسبة إلى قبائل الجزيرة - الطبيب بن الطبيب، له ولأبيه مصنفات كثيرة في هذا الفن، وكان أبوه يعرب كلام إرسططاليس وغيره من حكماء اليونان. توفى في هذه السنة. الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا أبو عبد الله الشيعي، الّذي أقام الدعوة للمهدي، وهو عبد الله بن ميمون الّذي يزعم أنه فاطمي وقد زعم غير واحد من أهل التاريخ أنه كان يهوديا صباغا بسلمية، والمقصود الآن: أن أبا عبد الله الشيعي دخل بلاد إفريقية وحده فقيرا لا مال له ولا رجال، فلم يزل يعمل الحيلة حتى انتزع الملك من يد أبى نصر زيادة الله، آخر ملوك بنى الأغلب على بلاد إفريقية، واستدعى حينئذ مخدومه المهدي من بلاد المشرق، فقدم فلم يخلص إليه إلا بعد شدائد طوال، وحبس في أثناء الطريق فاستنقذه هذا الشيعي وسلمه من الهلكة، فندمه أخوه أحمد وقال له: ماذا صنعت؟ وهلا كنت استبددت بالأمر دون هذا؟ فندم وشرع يعمل الحيلة في المهدي، فاستشعر المهدي بذلك فدس إليهما من قتلهما في هذه السنة بمدينة رقادة من بلاد القيروان، من إقليم إفريقية. هذا ملخص ما ذكره ابن خلكان. ثم دخلت سنة تسع وتسعين ومائتين قال ابن الجوزي: وفيها ظهرت ثلاث كواكب مذنبة. أحدها في رمضان، واثنان في ذي القعدة تبقى أياما ثم تضمحل. وفيها وقع طاعون بأرض فارس مات فيه سبعة آلاف إنسان. وفيها غضب الخليفة على الوزير على بن محمد بن الفرات وعزله عن الوزارة وأمر بنهب داره فنهبت أقبح نهب، واستوزر أبا على محمد بن عبد الله بن يحيى بن خاقان، وكان قد التزم لأم ولد المعتضد بمائة ألف دينار، حتى سعت في ولايته. وفيها وردت هدايا كثيرة من الأقاليم من ديار مصر وخراسان وغيرها، من ذلك خمسمائة ألف دينار من مصر استخرجت من كنز وجد هناك من غير موانع كما يدعيه كثير من جهلة العوام وغيرهم من ضعيفى الأحلام، مكرا وخديعة ليأكلوا أموال الطغام والعوام أهل الطمع والآثام، وقد وجد في هذا الكنز ضلع إنسان طوله أربعة أشبار (١) وعرضه شبر، وذكر أنه من قوم عاد فالله أعلم. وكان من جملة هدية مصر تيس له ضرع يحلب لبنا. ومن ذلك بساط أرسله ابن أبى الساج في جملة هداياه، طوله سبعون ذراعا وعرضه ستون ذراعا، عمل في عشر سنين لا قيمة له، وهدايا فاخرة أرسلها أحمد بن إسماعيل بن أحمد الساماني من بلاد خراسان كثيرة جدا. وحج بالناس فيها الفضل بن عبد الملك العباسي أمير الحجيج من مدة طويلة. وفيها توفى من الأعيان:

стр. 3653

أحمد بن نصر بن إبراهيم أبو عمر والخفاف الحافظ. كان يذاكر بمائة ألف حديث، سمع إسحاق بن راهويه وطبقته، وكان كثير الصيام سرده نيفا وثلاثين سنة، وكان كثير الصدقة، سأله سائل فأعطاه درهمين فحمد الله فجعلها خمسة، فحمد الله فجعلها عشرة، ثم ما زال يزيده ويحمد السائل الله حتى جعلها مائة. فقال: جعل الله عليك واقية باقية فقال للسائل: والله لو لزمت الحمد لأزيدنك ولو إلى عشرة آلاف درهم. البهلول بن إسحاق بن البهلول ابن حسان بن سنان أبو محمد التنوخي، سمع إسماعيل بن أبى أويس وسعيد بن منصور ومصعبا الزبيري وغيرهم، وعنه جماعة آخرهم أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني الحافظ، وكان ثقة حافظا ضابطا بليغا فصيحا في خطبه. توفى فيها عن خمس وتسعين سنة. الحسين بن عبد الله بن أحمد أبو على الخرقى صاحب المختصر في الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل. كان خليفة للمروذى. توفى يوم عيد الفطر ودفن عند قبر الإمام أحمد بن حنبل. محمد بن إسماعيل أبو عبد الله المغربي حج على قدميه سبعا وتسعين حجة، وكان يمشى في الليل المظلم حافيا كما يمشى الرجل في ضوء النهار، وكان المشاة يأتمون به فيرشدهم إلى الطريق، وقال: ما رأيت ظلمة منذ سنين كثيرة، وكانت قدماه مع كثرة مشيه كأنهما قدما عروس مترفة، وله كلام مليح نافع. ولما مات أوصى أن يدفن إلى جانب شيخه على بن رزين، فهما على جبل الطور. [قال أبو نعيم: كان أبو عبد الله المغربي من المعمرين، توفى عن مائة وعشرين سنة، وقبره يجبل طور سينا عند قبر أستاذه على بن رزين. قال أبو عبد الله: أفضل الأعمال عمارة الأوقاف. وقال: الفقير هو الّذي لا يرجع إلى مستند في الكون غير الالتجاء إلى من إليه فقره ليعينه بالاستعانة كما عزره بالافتقار إليه. وقال: أعظم الناس ذلا فقير داهن غنيا وتواضع له، وأعظم الناس عزا غنى تذلل لفقير أو حفظ حرمته.] (١) محمد بن أبى بكر بن أبى خثيمة أبو عبد الله الحافظ بن الحافظ كان أبوه يستعين به في جمع التاريخ، وكان فهما حاذقا حافظا، توفى في ذي العقدة منها. محمد بن أحمد بن كيسان النحويّ أحد حفاظه والمكثرين منه، كان يحفظ طريقة البصريين والكوفيين معا. قال ابن مجاهد: كان ابن كيسان أنحى من الشيخين المبرد وثعلب.

стр. 3654

محمد بن يحيى أبو سعيد، سكن دمشق، روى عن إبراهيم بن سعد الجوهري، وأحمد بن منيع، وابن أبى شيبة وغيرهم، روى عنه أبو بكر النقاش وغيره، وكان محمد بن يحيى هذا يدعى بحامل كفنه، وذلك ما ذكره الخطيب قال: بلغني أنه توفى فغسل وكفن وصلى عليه ودفن، فلما كان الليل جاء نباش ليسرق كفنه ففتح عليه قبره. فلما حل عنه كفنه استوى جالسا وفر النباش هاربا من الفزع، ونهض محمد بن يحيى هذا فأخذ كفنه معه وخرج من القبر وقصد منزله فوجد أهله يبكون عليه، فدق عليهم الباب فقالوا: من هذا؟ فقال: أنا فلان. فقالوا: يا هذا لا يحل لك أن تزيدنا حزنا إلى حزننا. فقال: افتحوا والله أنا فلان، فعرفوا صوته فلما رأوه فرحوا به فرحا شديدا وأبدل الله حزنهم سرورا. ثم ذكر لهم ما كان من أمره وأمر النباش. وكأنه قد أصابته سكتة ولم يكن قد مات حقيقة فقدر الله بحوله وقوته أن بعث له هذا النباش ففتح عليه قبره، فكان ذلك سبب حياته، فعاش بعد ذلك عدة سنين، ثم كانت وفاته في هذه السنة. فاطمة القهرمانة غضب عليها المقتدر مرة فصادرها، وكان في جملة ما أخذ منها مائتي ألف دينار ثم غرقت في طيارة لها في هذه السنة. ثم دخلت سنة ثلاثمائة من الهجرة النبويّة فيها كثر ماء دجلة وتراكمت الأمطار ببغداد، وتناثرت نجوم كثيرة في ليلة الأربعاء لسبع بقين من جمادى الآخرة. وفيها كثرت الأمراض ببغداد والأسقام وكلبت الكلاب حتى الذئاب بالبادية. وكانت تقصد الناس بالنهار فمن عضته أكلبته. وفيها انحسر جبل بالدينور يعرف بالتل فخرج من تحته ماء عظيم غرّق عدة من القرى. وفيها سقطت شرذمة - أي قطعة - من جبل لبنان إلى البحر. وفيها حملت بلغة ووضعت مهرة، وفيها صلب الحسين بن منصور الحلاج وهو حي أربعة أيام، يومين في الجانب الشرقي، ويومين في الجانب الغربي، وذلك في ربيع الأول منها. وحج بالناس أمير الحجيج المتقدم ذكره في السنين قبلها وهو الفضل بن عبد الملك الهاشمي العباسي أثابه الله وتقبل منه. وفيها توفى من الأعيان. الأحوص بن الفضل ابن معاوية بن خالد بن غسان أبو أمية الغلابي القاضي بالبصرة وغيرها، روى عن أبيه التاريخ، استتر مرة عنده ابن الفرات فلما أعيد إلى الوزارة ولاه قضاء البصرة والأهواز وواسط. وكان عفيفا نزها، فلما نكب ابن الفرات قبض عليه نائب البصرة فأودعه السجن فلم يزل به حتى مات فيه فيها. قال ابن الجوزي: ولا نعلم قاضيا مات في السجن سواه.

стр. 3655

عبيد الله بن عبد الله بن طاهر ابن الحسين بن مصعب أبو أحمد الخزاعي، ولى إمرة بغداد. وحدث عن الزبير بن بكار وعنه الصولي والطبراني، وكان أديبا فاضلا، ومن شعره: حق التنائي بين أهل الهوى … تكاتب يسخن عين النوى وفي التداني لا أنقضى عمره … تزاور يشفى غليل الجوى واتفق له مرة أن جارية له مرضت فاشتهت ثلجا، وكانت حظية عنده، فلم يوجد الثلج إلا عند رجل، فساومه وكيله على رطل منه فامتنع من بيعه إلا كل رطل بالعراقي بخمسة آلاف درهم - وذلك لعلم صاحب الثلج بحاجتهم إليه - فرجع الوكيل ليشاوره فقال: ويحك! اشتره ولو بما عساه أن يكون، فرجع إلى صاحب الثلج فقال: لا أبيعه إلا بعشرة آلاف. فاشتراه. بعشرة آلاف ثم اشتهت الجارية ثلجا أيضا - وذلك لموافقته لها - فرجع فاشترى منه رطلا آخر بعشرة آلاف. ثم آخر بعشرة آلاف وبقي عند صاحب الثلج رطلان فنطفت نفسه إلى أكل رطل منه ليقول: أكلت رطلا من الثلج بعشرة آلاف، فأكله وبقي عنده رطل فجاءه الوكيل فامتنع أن يبيعه الرطل إلا بثلاثين ألفا فاشتراه منه فشفيت الجارية وتصدقت بمال جزيل فاستدعى سيدها صاحب الثلج فأعطاه من تلك الصدقة مالا جزيلا فصار من أكثر الناس مالا بعد ذلك، واستخدمه ابن طاهر عنده والله أعلم] (١). [وممن توفى في حدود الثلاثمائة من الهجرة.] الصنوبري الشاعر وهو محمد بن أحمد بن محمد بن مراد أبو بكر الضبيّ الصنوبري الحنبلي. قال الحافظ ابن عساكر: كان شاعرا محسنا. وقد حكى عن على بن سليمان الأخفش، ثم ذكر أشياء من لطائف شعره فمن ذلك قوله: لا النوم أدرى به ولا الأرق … يدرى بهذين من به رمق إن دموعي من طول ما استبقت … كلّت فما تسطيع تستبق ولي ملك لم تبد صورته … مذ كان إلا صلّت له الحدق نويت تقبيل نار وجنته … وخفت أدنو منها فأحترق وله أيضا: شمس غدا يشبه شمسا غدت … وخدها في النور من خده تغيب في فيه ولكنها … من بعد ذا تطلع في خده

стр. 3656

وقد روى الحافظ البيهقي عن شيخه الحاكم عن أبى الفضل نصر بن محمد الطوسي قال: أنشدنا أبو بكر الصنوبري فقال: هدم الشيب ما بناه الشباب … والغواني ما عصين خضاب قلب الآبنوس عاجا … فللأعين منه والقلوب انقلاب وضلال في الرأى أن يشنأ … البازي على حسنه ويهوى الغراب وله أيضا وقد أورده ابن عساكر في ابن له فطم فجعل يبكى على ثديه: منعوه أحب شيء إليه … من جميع الورى ومن والديه منعوه غذاه ولقد كان … مباحا له وبين يديه عجبا له على صغر السن … هوى فاهتدى الفراق إليه إبراهيم بن أحمد بن محمد ابن المولد، أبو إسحاق الصوفي الواعظ الرقى أحد مشايخها، روى الحديث وصحب أبا عبد الله ابن الجلاء الدمشقيّ، والجنيد وغير واحد. وروى عنه تمام بن محمد وأبو عبد الرحمن السلمي. وقد أورد ابن عساكر من شعره قوله: لك منى على البعاد نصيب … لم ينله على الدنو حبيب وعلى الطرف من سواك حجاب … وعلى القلب من هواك رقيب زيّن في ناظري هواك وقلبي … والهوى فيه رائع ومشوب كيف يغنى قرب الطبيب عليلا … أنت أسقمته وأنت الطبيب وقوله: الصمت آمن من كل نازلة … من ناله نال أفضل الغنم ما نزلت بالرجال نازلة … أعظم ضرا من لفظة نعم عثرة هذا اللسان مهلكة … ليست لدينا كعثرة القدم احفظ لسانا يلقيك في تلف … فرب قول أذل ذا كرم] (١) ثم دخلت سنة إحدى وثلاثمائة فيها غزا الحسين بن حمدان الصائفة ففتح حصونا كثيرة من بلاد الروم وقتل منها أمما لا يحصون كثرة. وفيها عزل المقتدر محمد بن عبد الله عن وزارته وقلدها عيسى بن على وكان من خيار الوزراء وأقصدهم للعدل والإحسان، واتباع الحق. وفيها كثرت الأمراض الدموية ببغداد في تموز وآب، فمات من ذلك خلق كثير من أهلها. وفيها وصلت هدايا صاحب عمان ومن جملتها بغلة بيضاء

стр. 3657

وغزال أسود. وفي شعبان منها ركب المقتدر إلى باب الشماسية على الخليل ثم انحدر إلى داره في دجلة - وكانت أول ركبة ركبها جهرة للعامة - وفيها استأذن الوزير على بن عيسى الخليفة المقتدر في مكاتبة رأس القرامطة أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي فأذن له، فكتب كتابا طويلا يدعوه فيه إلى السمع والطاعة، ويوبخه على ما يتعاطاه من ترك الصلاة والزكاة وارتكاب المنكرات، وإنكارهم على من يذكر الله ويسبحه ويحمده، واستهزائهم بالدين واسترقاقهم الحرائر، ثم توعده بالحرب وتهدده بالقتل، فلما سار بالكتاب نحوه قتل أبو سعيد قبل أن يصله، قتله بعض خدمه، وعهد بالأمر من بعده لولده سعيد، فغلبه على ذلك أخوه أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد، فلما قرأ كتاب الوزير أجابه بما حاصله: إن هذا الّذي تنسب إلينا مما ذكرتم لم يثبت عندكم إلا من طريق من يشنع علينا، وإذا كان الخليفة ينسبنا إلى الكفر بالله فكيف يدعونا إلى السمع والطاعة له؟ وفيها جيء بالحسين بن منصور الحلاج إلى بغداد وهو مشهور على جمل وغلام له راكب جملا آخر، ينادى عليه: أحد دعاة القرامطة فاعرفوه، ثم حبس ثم جيء به إلى مجلس الوزير فناظره فإذا هو لا يقرأ القرآن ولا يعرف في الحديث ولا الفقه شيئا، ولا في اللغة ولا في الأخبار ولا في الشعر شيئا، وكان الّذي نقم عليه: أنه وجدت له رقاع يدعو فيها الناس إلى الضلالة والجهالة بأنواع من الرموز، يقول في مكاتباته كثيرا: تبارك ذو النور الشعشعاني. فقال له الوزير: تعلمك الطهور والفروض أجدى عليك من رسائل لا تدري ما تقول فيها، وما أحوجك إلى الأدب. ثم أمر به فصلب حيا صلب الاشتهار لا القتل، ثم أنزل فأجلس في دار الخلافة، فجعل يظهر لهم أنه على السنة، وأنه زاهد، حتى اغتر به كثير من الخدام وغيرهم من أهل دار الخلافة من الجهلة، حتى صاروا يتبركون به ويتمسحون بثيابه. وسيأتي ما صار إليه أمره حين قتل بإجماع الفقهاء وأكثر الصوفية. ووقع في هذه السنة في آخرها ببغداد وباء شديد جدا مات بسببه بشر كثير، ولا سيما بالحربية غلقت عامة دورها. وحج بالناس فيها الأمير المتقدم ذكره. وفيها توفى من الأعيان. إبراهيم بن خالد الشافعيّ جمع العلم والزهد، وهو من تلاميذ أبى بكر الإسماعيلي. جعفر بن محمد ابن الحسين بن المستفاض أبو بكر الفريابي قاضى الدينور، طاف البلاد في طلب العلم، وسمع الكثير من المشايخ الكثيرين، مثل قتيبة وأبى كريب وعلى بن المديني، وعنه أبو الحسين بن المنادي والنجاد وأبو بكر الشافعيّ وخلق، واستوطن بغداد وكان ثقة حافظا حجة، وكان عدة من يحضر مجلسه نحوا من ثلاثين ألفا، والمستملون عليه منهم فوق الثلاثمائة، وأصحاب المحابر نحوا من عشرة آلاف. توفى في المحرم منها عن أربع وتسعين سنة، وكان قد حفر لنفسه قبرا قبل وفاته

стр. 3658

بخمس سنين، وكان يأتيه فيقف عنده. ثم لم يقض له الدفن فيه بل دفن بمكان آخر. ﵀ حيث كان. أبو سعيد الجنابي القرمطى وهو الحسن بن بهرام قبحه الله رأس القرامطة، والّذي يعول عليه في بلاد البحرين وما والاها على بن أحمد الراسبي كان يلي بلاد واسط إلى شهرزور وغير ذلك، وقد خلف من الأموال شيئا كثيرا، فمن ذلك ألف ألف دينار، ومن آنية الذهب والفضة نحو مائة ألف دينار، ومن البقر ألف ثور، ومن الخيل والبغال والجمال ألف رأس. محمد بن عبد الله بن على بن محمد بن أبى الشوارب يعرف بالأحنف. كان قد ولى قضاء مدينة المنصور نيابة عن أبيه حين فلج، مات في جمادى الأولى منها. وتوفى أبوه في رجب منها، بينهما ثلاثة وسبعون يوما، ودفنا في موضع واحد. وأبو بكر محمد بن هارون البردعي الحافظ بن ناجية والله أعلم. ثم دخلت سنة ثنتين وثلاثمائة فيها ورد كتاب مؤنس الخادم بأنه قد أوقع بالروم بأسا شديدا، وقد أسر منهم مائة وخمسين بطريقا - أي أميرا - ففرح المسلمون بذلك. وفيها ختن المقتدر خمسة من أولاده فغرم على ختانهم ستمائة ألف دينار، وقد ختن قبلهم ومعهم خلقا من اليتامى وأحسن إليهم بالمال والكساوى، وهذا صنيع حسن إن شاء الله. وفيها صادر المقتدر أبا على بن الجصاص بستة عشر ألف ألف دينار غير الآنية والثياب الثمينة. وفيها أدخل الخليفة أولاده إلى المكتب وكان يوما مشهودا. وفيها بنى الوزير المارستان بالحربية من بغداد، وأنفق عليه أموالا جزيلة، جزاه الله خيرا. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي. وقطعت الأعراب وطائفة من القرامطة الطريقين على الراجعين من الحجيج، وأخذوا منهم أموالا كثيرة، وقتلوا منهم خلقا وأسروا أكثر من مائتي امرأة حرة، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها توفى من الأعيان. بشر بن نصر بن منصور أبو القاسم الفقيه الشافعيّ، من أهل مصر يعرف بغلام عرق، وعرق خادم من خدام السلطان كان يلي البريد، فقدم معه بهذا الرجل مصر فأقام بها حتى مات بها. بدعة جارية غريب المغنية، بذل لسيدتها فيها مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار من بعض من رغب فيها من الخلفاء فعرض ذلك عليها فكرهت مفارقة سيدتها، فأعتقتها سيدتها في موتها، وتأخرت وفاتها إلى هذه السنة، وقد تركت من المال العين والأملاك ما لم يملكه رجل. القاضي أبو زرعة محمد بن عثمان الشافعيّ قاضى مصر ثم دمشق، وهو أول من حكم بمذهب الشافعيّ بالشام وأشاعه بها، وقد كان أهل

стр. 3659

الشام على مذهب الأوزاعي من حين مات إلى هذه السنة. وثبت على مذهب الأوزاعي بقايا كثيرون لم يفارقوه، وكان ثقة عدلا من سادات القضاة، وكان أصله من أهل الكتاب من اليهود، ثم أسلم وصار إلى ما صار إليه. وقد ذكرنا ترجمته في طبقات الشافعية. ثم دخلت سنة ثلاث وثلاثمائة فيها وقف المقتدر بالله أموالا جزيلة وضياعا على الحرمين الشريفين، واستدعى بالقضاة والأعيان، وأشهدهم على نفسه بما وقفه من ذلك. وفيها قدم إليه بجماعة من الأسارى من الأعراب الذين كانوا قد اعتدوا على الحجيج، فلم يتمالك العامة أن اعتدوا عليهم فقتلوهم، فأخذ بعضهم فعوقب لكونه افتات على السلطان. وفيها وقع حريق شديد في سوق النجارين ببغداد فأحرق السوق بكماله، وفي ذي الحجة منها مرض المقتدر ثلاثة عشر يوما، ولم يمرض في خلافته مع طولها إلا هذه المرضة. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي، ولما خاف الوزير على الحجاج القرامطة كتب إليهم رسالة ليشغلهم بها، فاتهمه بعض الكتاب بمراسلته القرامطة، فلما انكشف أمره وما قصده حظي بذلك عند الناس جدا. وممن توفى من الأعيان. النسائي أحمد بن على ابن شعيب بن على بن سنان بن بحر بن دينار، أبو عبد الرحمن النسائي صاحب السنن، الامام في عصره والمقدم على أضرابه وأشكاله وفضلاء دهره، رحل إلى الآفاق، واشتغل بسماع الحديث والاجتماع بالأئمة الحذاق، ومشايخه الذين روى عنهم مشافهة. قد ذكرناهم في كتابنا التكميل وترجمناه أيضا هنالك، وروى عنه خلق كثير، وقد جمع السنن الكبير، وانتخب منه ما هو أقل حجما منه بمرات. وقد وقع لي سماعهما. وقد أبان في تصنيفه عن حفظ وإتقان وصدق وإيمان وعلم وعرفان. قال الحاكم عن الدار قطنى: أبو عبد الرحمن النسائي مقدم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره، وكان يسمى كتابه الصحيح. وقال أبو على الحافظ: للنسائى شرط في الرجال أشد من شرط مسلم بن الحجاج، وكان من أئمة المسلمين. وقال أيضا: هو الامام في الحديث بلا مدافعة. وقال أبو الحسين محمد بن مظفر الحافظ. سمعت مشايخنا بمصر يعترفون له بالتقدم والإمامة، ويصفون من اجتهاده في العبادة بالليل والنهار ومواظبته على الحج والجهاد. وقال غيره: كان يصوم يوما ويفطر يوما، وكان له أربع زوجات وسريتان، وكان كثير الجماع، حسن الوجه مشرق اللون. قالوا: وكان يقسم للإماء كما يقسم للحرائر. وقال الدار قطنى: كان أبو بكر بن الحداد كثير الحديث ولم يرو عن أحد سوى النسائي وقال: رضيت به حجة فيما بيني وبين الله . وقال ابن يونس: كان النسائي إماما في الحديث ثقة ثبتا حافظا، كان خروجه من مصر في سنة ثنتين وثلاثمائة. وقال ابن عدي: سمعت منصورا الفقيه وأحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي يقولان: أبو عبد الرحمن النسائي إمام من أئمة المسلمين، وكذلك

стр. 3660

أثنى عليه غير واحد من الأئمة وشهدوا له بالفضل والتقدم في هذا الشأن. وقد ولى الحكم بمدينة حمص. سمعته من شيخنا المزي عن رواية الطبراني في معجمه الأوسط حيث قال: حدثنا أحمد بن شعيب الحاكم بحمص. وذكروا أنه كان له من النساء أربع نسوة، وكان في غاية الحسن، وجهه كأنه قنديل، وكان يأكل في كل يوم ديكا ويشرب عليه نقيع الزبيب الحلال، وقد قيل عنه: إنه كان ينسب إليه شيء من التشيع. قالوا: ودخل إلى دمشق فسأله أهلها أن يحدثهم بشيء من فضائل معاوية فقال: أما يكفى معاوية أن يذهب رأسا برأس حتى يروى له فضائل؟ فقاموا إليه فجعلوا يطعنون في خصيتيه حتى أخرج من المسجد الجامع، فسار من عندهم إلى مكة فمات بها في هذه السنة، وقبره بها هكذا حكاه الحاكم عن محمد بن إسحاق الأصبهاني عن مشايخه. وقال الدار قطنى: كان أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح من السقيم من الآثار، وأعرفهم بالرجال، فلما بلغ هذا المبلغ حسدوه فخرج إلى الرملة، فسئل عن فضائل معاوية فأمسك عنه فضربوه في الجامع، فقال: أخرجونى إلى مكة، فأخرجوه وهو عليل، فتوفى بمكة مقتولا شهيدا، مع ما رزق من الفضائل رزق الشهادة في آخر عمره، مات بمكة سنة ثلاث وثلاثمائة. قال الحافظ أبو بكر محمد بن عبد الغنى بن نقطة في تقييده ومن خطه نقلت ومن خط أبى عامر محمد بن سعدون العبدري الحافظ: مات أبو عبد الرحمن النسائي بالرملة مدينة فلسطين يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من صفر سنة ثلاث وثلاثمائة، ودفن ببيت المقدس. وحكى ابن خلكان أنه توفى في شعبان من هذه السنة، وأنه إنما صنف الخصائص في فضل على وأهل البيت، لأنه رأى أهل دمشق حين قدمها في سنة ثنتين وثلاثمائة عندهم نفرة من على، وسألوه عن معاوية فقال ما قال، فدققوه في خصيتيه فمات. وهكذا ذكر ابن يونس وأبو جعفر الطحاوي: إنه توفى بفلسطين في صفر من هذه السنة، وكان مولده في سنة خمس عشرة أو أربع عشرة ومائتين تقريبا عن قوله، فكان عمره ثمانيا وثمانين سنة. الحسن بن سفيان ابن عامر بن عبد العزيز بن النعمان بن عطاء، أبو العباس الشيباني النسوي، محدث خراسان، وقد كان يضرب إليه آباط الإبل في معرفة الحديث والفقه. رحل إلى الآفاق وتفقه على أبى ثور، وكان يفتى بمذهبه، وأخذ الأدب عن أصحاب النضر بن شميل، وكانت إليه الرحلة بخراسان. ومن غريب ما اتفق له: أنه كان هو وجماعة من أصحابه بمصر في رحلتهم إلى الحديث، فضاق عليهم الحال حتى مكثوا ثلاثة أيام لا يأكلون فيها شيئا، ولا يجدون ما يبيعونه للقوت، واضطرهم الحال إلى تجشم السؤال، وأنفت أنفسهم من ذلك وعزت عليهم وامتنعت كل الامتناع، والحاجة تضطرهم إلى تعاطى ذلك، فاقترعوا فيما بينهم أيهم يقوم بأعباء هذا الأمر، فوقعت القرعة على الحسن بن سفيان هذا،

стр. 3661

فقام عنهم فاختلى في زاوية المسجد الّذي هم فيه فصلى ركعتين أطال فيهما واستغاث بالله ، وسأله بأسمائه العظام، فما انصرف من الصلاة حتى دخل عليهم المسجد شاب حسن الهيئة مليح الوجه فقال: أين الحسن بن سفيان؟ فقلت: أنا. فقال: الأمير طولون يقرأ عليكم السلام ويعتذر إليكم في تقصيره عنكم، وهذه مائة دينار لكل واحد منكم. فقلنا له: ما الحامل له على ذلك؟ فقال: إنه أحب أن يختلى اليوم بنفسه، فبينما هو الآن نائم إذ جاءه فارس في الهواء بيده رمح فدخل عليه منزله ووضع عقب الرمح في خاصرته فوكزه وقال: قم فأدرك الحسن بن سفيان وأصحابه، قم فأدركهم، قم فأدركهم، فإنهم منذ ثلاث جماع في المسجد الفلاني. فقال له: من أنت؟ فقال أنا رضوان خازن الجنة. فاستيقظ الأمير وخاصرته تؤلمه ألما شديدا، فبعث بالنفقة في الحال إليكم. ثم جاء لزيارتهم واشترى ما حول ذلك المجلس ووقفه على الواردين عليه من أهل الحديث، جزاه الله خيرا. وقد كان الحسن بن سفيان ﵀ من أئمة هذا الشأن وفرسانه وحفاظه، وقد اجتمع عنده جماعة من الحفاظ منهم ابن جرير الطبري وغيره، فقرءوا عليه شيئا من الحديث وجعلوا يقلبون الأسانيد ليستعلموا ما عنده من العلم فما قلبوا شيئا من الاسناد إلا ردهم فيه إلى الصواب، وعمره إذ ذاك سبعون سنة، وهو في هذا السن حافظ ضابط لا يشذ عنه شيء من حديثه. ومن فوائده: العبسيّ كوفى، والعيشى بصرى، والعنسيّ مصرى. رويم بن أحمد ويقال ابن محمد بن رويم بن يزيد، أبو الحسن، ويقال أبو محمد، أحد أئمة الصوفية، كان عالما بالقرآن ومعانيه، وكان يتفقه على مذهب داود بن على الظاهري، قال بعضهم: كان رويم يكتم حب الدنيا أربعين سنة، ومعناه أنه تصوف أربعين سنة، ثم لما ولى إسماعيل بن إسحاق القضاء ببغداد جعله وكيلا في بابه، فترك التصوف ولبس الخز والقصب والديبقى وركب الخيل وأكل الطيبات وبنى الدور. زهير بن صالح بن الامام أحمد بن حنبل روى عن أبيه وعنه أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد، كان ثقة، مات وهو شاب، قاله الدار قطنى. أبو على الجبائي شيخ المعتزلة، واسمه محمد بن عبد الوهاب أبو على الجبائي شيخ طائفة الاعتزال في زمانه، وعليه اشتغل أبو الحسن الأشعري ثم رجع عنه. وللجبائى تفسير حافل مطول، له فيه اختيارات غريبة في التفسير، وقد رد عليه الأشعري فيه وقال: وكأن القرآن نزل في لغة أهل جبّاء. كان مولده في سنة خمس وثلاثين ومائتين، ومات في هذه السنة. أبو الحسن بن بسام الشاعر واسمه على بن أحمد بن منصور بن نصر بن بسام البسامي الشاعر المطبق للهجاء، فلم يترك أحدا حتى هجاه، حتى أباه وأمه أمامة بنت حمدون النديم. وقد أورد له ابن خلكان أشياء كثيرة من

стр. 3662

شعره، فمن ذلك قوله في تخريب المتوكل قبر الحسن بن على وأمره بأن يزرع ويمحى رسمه، وكان شديد التحامل على على وولده. فلما وقع ما ذكرناه في سنة ست وثلاثين ومائتين. قال ابن بسام هذا في ذلك: - تالله إن كانت أمية قد أتت … قتل ابن بنت نبيها مظلوما فلقد أتاه بنو أبيه بمثله … هذا لعمرك قبره مهدوما أسفوا على أن لا يكونوا شاركوا … في قتله فتتبعوه رميما ثم دخلت سنة أربع وثلاثمائة فيها عزل المقتدر وزيره أبا الحسن على بن عيسى بن الجراح، وذلك لأنه وقعت بينه وبين أم موسى القهرمانة نفرة شديدة، فسأل الوزير أن يعفى من الوزارة فعزل ولم يتعرضوا لشيء من أملاكه. وطلب أبو الحسن بن الفرات فأعيد إلى الوزارة بعد عزله عنها خمس سنين، وخلع عليه الخليفة يوم التروية سبع خلع، وأطلق إليه ثلاثمائة ألف درهم، وعشرة تخوت ثياب، ومن الخيل والبغال والجمال شيء كثير، وأقطع الدار التي بالحريم فسكنها، وعمل فيها ضيافة تلك الليلة فسقى فيها أربعين ألف رطل من الثلج، وفي نصف هذه السنة اشتهر ببغداد أن حيوانا يقال له الزرنب يطوف بالليل يأكل الأطفال من الأسرّة ويعدو على النيام فربما قطع يد الرجل وثدي المرأة وهو نائم. فجعل الناس يضربون على أسطحتهم على النحاس من الهواوين وغيرها ينفرونه عنهم، حتى كانت بغداد بالليل ترتج من شرقها وغربها، واصطنع الناس لأولادهم مكبات من السعف وغيرها، واغتنمت اللصوص هذه الشوشة فكثرت النقوب وأخذت الأموال، فأمر الخليفة بأن يؤخذ حيوان من كلاب الماء فيصلب على الجسر ليسكن الناس عن ذلك، ففعلوا فسكن الناس ورجعوا إلى أنفسهم، واستراح الناس من ذلك. وفيها قلد ثابت بن سنان الطبيب أمر المارستان ببغداد في هذه السنة، وكانت خمسا، وكان هذا الطبيب مؤرخا. وفيها ورد كتاب من خراسان بأنهم وجدوا قبور شهداء قد قتلوا في سنة سبعين من الهجرة مكتوبة أسماؤهم في رقاع مربوطة في آذانهم، وأجسادهم طرية كما هي، ﵃. وفيها توفى من الأعيان لبيد بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن صالح ابن عبد الله بن الحصين بن علقمة بن نعيم بن عطارد بن حاجب، أبو الحسن التميمي الملقب فروجة، قدم بغداد وحدث بها، وكان ثقة حافظا. يوسف بن الحسين بن على أبو يعقوب الرازيّ، سمع أحمد بن حنبل وصحب ذا النون، وكان قد بلغه أن ذا النون يحفظ

стр. 3663

اسم الله الأعظم فقصده ليعلمه إياه، قال: فلما وردت عليه استهان بى وكانت لي لحية طويلة ومعى ركوة طويلة. فجاء رجل يوما فناظر ذا النون فأسكت ذا النون، فقلت له: دع الشيخ وأقبل على. فأقبل فناظرته فأسكته، فقام ذو النون فجلس بين يدي وهو شيخ وأنا شاب، ثم اعتذر إلى. فخدمته سنة ثم سألته أن يعلمني الاسم الأعظم، فلم يبعد منى ووعدني، فمكثت عنده بعد ذلك ستة أشهر، ثم أخرج إلى طبقا عليه مكبة مستورا بمنديل، فقال لي: اذهب بهذا الطبق إلى صاحبنا فلان. قال: فجعلت أفكر في الطريق ما هذا الّذي أرسلنى به، فلما وصلت الجسر فتحته فإذا فأرة ففرت وذهبت، فاغتظت غيظا شديدا، وقلت: ذو النون سخر بي، فرجعت إليه وأنا حنق فقال لي: ويحك إنما اختبرتك، فإذا لم تكن أمينا على فأرة فأن لا تكون أمينا على الاسم الأعظم بطريق الأولى، اذهب عنى فلا أراك بعدها. وقد رئي أبو الحسين الرازيّ هذا في المنام بعد موته فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: غفر لى بقولي عند الموت: اللهمّ إني نصحت الناس قولا وخنت نفسي فعلا، فهب خيانة فعلى لنصح قولي. يموت بن المزرع بن يموت أبو بكر العبديّ من عبد القيس، وهو ثوري، وهو ابن أخت الجاحظ. قدم بغداد وحدث بها عن أبى عثمان المازني وأبى حاتم السجستاني، وأبى الفضل الرياشي، وكان صاحب أخبار وآداب وملح وقد غير اسمه بمحمد فلم يغلب عليه إلا الأول، وكان إذا ذهب يعود مريضا فدق الباب فقالوا: من؟ فيقول ابن المزرع ولا يذكر اسمه لئلا يتفاءلوا به. ثم دخلت سنة خمس وثلاثمائة فيها قدم رسول ملك الروم في طلب المفاداة والهدنة، وهو شاب حدث السن، ومعه شيخ منهم وعشرون غلاما، فلما قدم بغداد شاهد أمرا عظيما جدا، وذلك أن الخليفة أمر الجيش والناس بالاحتفال بذلك ليشاهد ما فيه إرهاب الأعداء، فركب الجيش بكماله وكان مائة ألف وستين ألفا، ما بين فارس وراجل، غير العساكر الخارجة في سائر البلاد مع نوابها، فركبوا في الأسلحة والعدد التامة، وغلمان الخليفة سبعة آلاف، وأربعة آلاف بيض، وثلاثة آلاف سود، وهم في غاية الملابس والعدد والحلي، والحجبة يومئذ سبعمائة حاجب، وأما الطيارات التي بدجلة والزيارب والسمريات فشيء كثير مزينة، فحين دخل الرسول دار الخلافة انبهر وشاهد أمرا أدهشه، ورأى من الحشمة والزينة والحرمة ما يبهر الأبصار، وحين اجتاز بالحاجب ظن أنه الخليفة فقيل له: هذا الحاجب، فمر بالوزير في أبهته فظنه الخليفة فقيل له: هذا الوزير. وقد زينت دار الخلافة بزينة لم يسمع بمثلها، كان فيها من الستور يومئذ ثمانية وثلاثون ألف ستر، منها عشرة آلاف وخمسمائة ستر مذهبة، وقد بسط فيها اثنان وعشرون ألف بساط لم ير مثلها، وفيها من الوحوش قطعان متآنسة بالناس، تأكل من أيديهم

стр. 3664

ومائة سبع مع السباعة، ثم أدخل إلى دار الشجرة، وهي عبارة عن بركة فيها ماء صاف وفي وسط ذلك الماء شجرة من ذهب وفضة لها ثمانية عشر غصنا أكثرها من ذهب، وفي الأغصان الشماريخ والأوراق الملونة من الذهب والفضة واللآلي واليواقيت، وهي تصوت بأنواع الأصوات من الماء المسلط عليها، والشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركات عجيبة تدهش من يراها، ثم أدخل إلى مكان يسمونه الفردوس، فيه من أنواع المفارش والآلات ما لا يحد ولا يوصف كثرة وحسنا. وفي دهاليزه ثمانية عشر ألف جوشن مذهبة. فما زال كلما مر على مكان أدهشه وأخذ ببصره حتى انتهى إلى المكان الّذي فيه الخليفة المقتدر بالله، وهو جالس على سرير من آبنوس، قد فرش بالديبقى المطرز بالذهب، وعن يمين السرير سبعة عشر عنقود معلقة، وعن يساره مثلها وهي جوهر من أفخر الجواهر، كل جوهرة يعلو ضوؤها على ضوء النهار، ليس لواحدة منها قيمة ولا يستطاع ثمنها، فأوقف الرسول والذين معه بين يدي الخليفة على نحو من مائة ذراع، والوزير على بن محمد بن الفرات واقف بين يدي الخليفة، والترجمان دون الوزير، والوزير يخاطب الترجمان والترجمان يخاطبهما، فلما فرغ منهما خلع عليهما وأطلق لهما خمسين سقرقا في كل سقرق خمسة آلاف درهم، وأخرجا من بين يديه وطيف بهما في بقية دار الخلافة، وعلى حافات دجلة الفيلة والزرافات والسباع والفهود وغير ذلك، ودجلة داخله في دار الخلافة، وهذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السنة. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي. وفيها توفى من الأعيان محمد بن أحمد أبو موسى النحويّ الكوفي المعروف بالجاحظ، صحب ثعلبا أربعين سنة وخلفه في حلقته، وصنف غريب الحديث، وخلق الإنسان، والوحوش والنبات، وكان دينا صالحا، روى عنه أبو عمر الزاهد. توفى ببغداد في ذي الحجة منها، ودفن بباب التين. وعبد الله بشرويه الحافظ، وعمران بن مجاشع، وأبو خليفة الفضل بن الحباب. وقاسم بن زكريا ابن يحيى المطرز المقري أحد الثقات الأثبات، سمع أبا كريب، وسويد بن سعيد، وعنه الخلدى وأبو الجعانى توفى ببغداد. ثم دخلت سنة ست وثلاثمائة في أول يوم من المحرم فتح المارستان الّذي بنته السيدة أم المقتدر وجلس فيه سنان بن ثابت ورتبت فيه الأطباء والخدم والقومة، وكانت نفقته في كل شهر ستمائة دينار، وأشار سنان على الخليفة ببناء مارستان، فقبل منه وبناه وسماه المقتدري. وفيها وردت الأخبار عن أمراء الصوائف بما فتح الله عليهم من الحصون في بلاد الروم. وفيها رجفت العامة وشنعوا بموت المقتدر، فركب في الجحافل حتى بلغ الثريا ورجع من باب العامة ووقف كثيرا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشماسية وانحدر إلى دار الخلافة في دجلة فسكنت الفتن. وفيها قلد المقتدر حامد بن العباس الوزارة وخلع عليه وخرج من

стр. 3665

عنده وخلفه أربعمائة غلام لنفسه، فمكث أياما ثم تبين عجزه عن القيام بالأمور فأضيف إليه على بن عيسى لينفذ الأمور وينظر معه في الأعمال، وكان أبو على بن مقلة ممن يكتب أيضا بحضرة حامد ابن العباس الوزير، ثم صارت المنزلة كلها لعلى بن عيسى، واستقل بالوزارة في السنة الآتية. وفيها أمرت السيدة أم المقتدر قهرمانة لها تعرف بتملى أن تجلس بالتربة التي بنتها بالرصافة في كل يوم جمعة وأن تنظر في المظالم التي ترفع إليها في القصص، ويحضر في مجلسها القضاة والفقهاء. وحج بالناس فيها الفضل الهاشمي. وفيها توفى. إبراهيم بن أحمد بن الحارث أبو القاسم الكلابي الشافعيّ، سمع الحارث بن مسكين وغيره، وكان رجلا صالحا، تفقه على مذهب الشافعيّ وكان يحب الخلوة والانقباض، توفى في شعبان منها. أحمد بن الحسن الصوفي أحد مشايخ الحديث المكثرين المعمرين. أحمد بن عمر بن سريج أبو العباس القاضي بشيراز، صنف نحو أربعمائة مصنف، وكان أحد أئمة الشافعية، ويلقب بالباز الأشهب، أخذ الفقه عن أبى قاسم الأنماطي وعن أصحاب الشافعيّ، كالمزنى وغيره، وعنه انتشر مذهب الشافعيّ في الآفاق، وقد ذكرنا ترجمته في الطبقات. توفى في جمادى الأولى منها عن سبع وخمسين سنة وستة أشهر. قال ابن خلكان: توفى يوم الاثنين الخامس والعشرين من ربيع الأول وعمره سبع وخمسون سنة وثلاثة أشهر، وقبره يزار. أحمد بن يحيى أبو عبد الله الجلاد بغدادي، سكن الشام وصحب أبا تراب النخشبى، وذا النون المصري، روى أبو نعيم بسنده عنه قال: قلت لأبوى وأنا شاب: إني أحب أن تهبانى لله . فقالا: قد وهبناك لله. فغبت عنهما مدة طويلة ثم رجعت إلى بلدنا عشاء في ليلة مطيرة، فانتهيت إلى الباب فدفعته فقالا: من هذا؟ فقلت: أنا ولد كما فلان، فقالا: إنه قد كان لنا ولد ووهبناه لله ، ونحن من العرب لا نرجع فيما وهبنا. ولم يفتحا لي الباب. الحسن بن يوسف بن إسماعيل بن حماد بن زيد القاضي أبو يعلى، وهو أخو القاضي أبى عمر محمد بن يوسف، كان إليه ولاية القضاء بالأردن. عبد الله بن أحمد بن موسى بن زياد أبو محمد الجواليقي القاضي، المعروف بعبدان، الأهوازي، ولد سنة ست عشرة ومائتين، كان أحد الحفاظ الأثبات، يحفظ مائة ألف حديث، جمع المشايخ والأبواب، روى عنه هدبة وكامل بن طلحة وغيرهم، وعنه ابن صاعد والمحاملي وغيرهم. محمد بن بابشاذ أبو عبيد الله البصري سكن بغداد وحدث بها عن عبيد الله بن معاذ العنبري وبشر بن معاذ العقدي وغيرهما، وفي حديثه غرائب ومناكير. توفى في شوال منها.

стр. 3666

محمد بن الحسين بن شهريار أبو بكر القطان البلخي الأصل، روى عن الفلاس وبشر بن معاذ. وعنه أبو بكر الشافعيّ ومحمد بن عمر بن الجعابيّ. كذبه ابن ناجية. وقال الدار قطنى: ليس به بأس. محمد بن خلف بن حيان بن صدقة بن زياد أبو بكر الضبيّ القاضي المعروف بوكيع، كان عالما فاضلا عارفا بأيام الناس، فقيها قارئا نحويا، له مصنفات منها كتاب عدد آي القرآن ولى القضاء بالأهواز. وحدث عن الحسن بن عرفة والزبير بن بكار وغيرهما، وعنه أحمد بن كامل وأبو على الصواف وغيرهما. ومن شعره الجيد: إذا ما غدت طلاّبة العلم تبتغي … من العلم يوما ما يخلد في الكتب غدوت بتشمير وجدّ عليهم … ومحبرتي أذنى ودفترها قلبي منصور بن إسماعيل بن عمر أبو الحسن الفقير، أحد أئمة الشافعية، وله مصنفات في المذهب، وله الشعر الحسن. قال ابن الجوزي: ويظهر في شعره التشيع، وكان جنديا ثم كف بصره وسكن الرملة، ثم قدم مصر ومات بها. أبو نصر المحب أحد مشايخ الصوفية، كان له كرم وسخاء ومروءة، ومر بسائل سأل وهو يقول: شفيعى إليكم رسول الله ﷺ ، فشق أبو نصر إزاره وأعطاه نصفه، ثم مشى خطوتين ثم رجع إليه فأعطاه النصف الآخر وقال: هذا نذالة. ثم دخلت سنة سبع وثلاثمائة في صفر منها وقع حريق بالكرخ في الباقلانتين، هلك فيه خلق كثير من الناس. وفي ربيع الآخر منها دخل بأسارى من الكرخ نحو مائة وخمسين أسيرا أنقذهم الأمير بدر الحماني. وفي ذي القعدة منها انقض كوكب عظيم غالب الضوء وتقطع ثلاث قطع، وسمع بعد انقضاضه صوت رعد شديد هائل من غير غيم. ذكره ابن الجوزي. وفيها دخلت القرامطة إلى البصرة فأكثروا فيها الفساد. وفيها عزل حامد بن العباس عن الوزارة وأعيد إليها أبو الحسن بن الفرات المرة الثالثة. وفيها كسرت العامة أبواب السجون فأخرجوا من كان بها وأدركت الشرطة من أخرجوا من السجن فلم يفتهم أحد منهم بل ردوا إلى السجون. وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو أم موسى القهرمانة وفيها توفى من الأعيان أحمد بن على بن المثنى أبو يعلى الموصلي صاحب المسند المشهور، سمع الامام أحمد بن حنبل وطبقته، وكان حافظا خيرا حسن التصنيف عدلا فيما يرويه، ضابطا لما يحدث به. إسحاق بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد الله بن سلمة أبو يعقوب البزار الكوفي، رحل إلى الشام ومصر، وكتب الكثير وصنف المسند، واستوطن بغداد، وكان من الثقات روى عنه

стр. 3667

ابن المظفر الحافظ، قدم بغداد وروى عنه الطبراني والأزدي وغيرهما من الحفاظ، وكان ثقة حافظا عارفا. توفى بحلب في هذه السنة. زكريا بن يحيى الساجي الفقيه المحدث شيخ أبى الحسن الأشعري في السنة والحديث. على بن سهل بن الأزهر أبو الحسن الأصبهاني، كان أولا مترفا ثم صار زاهدا عابدا يبقى الأيام لا يأكل فيها شيئا، وكان يقول: ألهانى الشوق إلى الله عن الطعام والشراب. وكان يقول: أنا لا أموت كما يموتون بالاعلال والأسقام، إنما هو دعاء وإجابة، أدعى فأجيب. فكان كما قال، بينهما هو جالس في جماعة إذ قال: لبيك ووقع ميتا. محمد بن هارون الروياني صاحب المسند. وابن دريج العكبريّ. والهيثم بن خلف. ثم دخلت سنة ثمان وثلاثمائة فيها غلت الأسعار في هذه السنة ببغداد فاضطربت العامة وقصدوا دار حامد بن العباس الّذي ضمن يرائى من الخليفة فغلت الأسعار بسبب ذلك، وعدوا في ذلك اليوم - وكان يوم الجمعة - على الخطيب، فمنعوه الخطبة وكسروا المنابر وقتلوا الشرط وحرقوا جسورا كثيرة، فأمر الخليفة بقتال العامة ثم نقض الضمان الّذي كان حامد بن العباس ضمنه فانحطت الأسعار، وبيع الكر بناقص خمسة دنانير، فطابت أنفس الناس بذلك وسكنوا. وفي تموز منها وقع برد شديد جدا حتى نزل الناس عن الأسطحة وتدثروا باللحف والأكسية، ووقع في شتاء هذه السنة بلغم عظيم، وكان فيها برد شديد جدا بحيث أضر ذلك ببعض النخيل. وحج بالناس فيها أحمد بن العباس أخو القهرمانة. وفيها توفى من الأعيان إبراهيم بن سفيان الفقيه راوي صحيح مسلم عنه. أحمد بن الصلت بن المغلس أبو العباس الحماني أحد الوضاعين للأحاديث، روى عن خاله جبارة بن المغلس وأبى نعيم ومسلم بن إبراهيم، وأبى بكر بن أبى شيبة، وأبى عبيد القاسم بن سلام وغيرهم: أحاديث كلها وضعها هو في مناقب أبى حنيفة وغير ذلك. وحكى عن يحيى بن معين وعلى ابن المديني وبشر بن الحارث أخبارا كلها كذب. قال أبو الفرج بن الجوزي: قال لي محمد بن أبى الفوارس: كان أحمد بن الصلت يضع الحديث. إسحاق بن أحمد الخزاعي. والمفضل الجندي. وعبد الله بن محمد بن وهب الدينَوَريّ. وعبد الله بن ثابت بن يعقوب أبو عبد الله المقري النحويّ التوزي، سكن بغداد، وروى عن عمرو بن شبة، وعنه أبو عمرو بن السماك. ومن شعره الجيد: إذا لم تكن حافظا واعيا … فعلمك في البيت لا ينفع وتحضر بالجهل في مجلس … وعلمك في الكتب مستودع

стр. 3668

ومن يك في دهره هكذا … يكن دهره القهقرى يرجع ثم دخلت سنة تسع وثلاثمائة فيها وقع حريق كثير في نواحي بغداد بسبب زنديق قتل فألقى من كان من جهته الحريق في أما كن كثيرة، فهلك بسبب ذلك خلق كثير من الناس. وفي جمادى الأولى منها قلد المقتدر مؤنس الخادم بلاد مصر والشام ولقبه المظفر. وأمر بكتب ذلك في المراسلات إلى الآفاق. وفي ذي القعدة منها أحضر أبو جعفر محمد بن جرير الطبري إلى دار الوزير عيسى بن على المناظرة الحنابلة في أشياء نقموها عليه، فلم يحضروا ولا واحد منهم. وفيها قدم الوزير حامد بن العباس للخليفة بستانا بناه وسماه الناعورة قيمته مائة ألف دينار، وفرش مساكنه بأنواع المفارش المفتخرة. وفيها كان مقتل الحسين بن منصور الحلاج، ولنذكر شيئا من ترجمته وسيرته، وكيفية قتله على وجه الإيجاز وبيان المقصود بطريق الإنصاف والعدل، من غير تحمل ولا هوى ولا جور. وهذه نبذة من سيرته وأحواله وكشف سريرته وأقواله ونحن نعوذ بالله أن نقول عليه ما لم يكن قاله، أو نتحمل عليه في أقواله وأفعاله، فنقول: هو الحسين ابن منصور بن محمى الحلاج أبو مغيث، ويقال أبو عبد الله، كان جده مجوسيا اسمه محمى من أهل فارس من بلدة يقال لها البيضاء، ونشأ بواسط، ويقال بتستر، ودخل بغداد وتردد إلى مكة وجاور بها في وسط المسجد في البرد والحر، مكث على ذلك سنوات متفرقة، وكان يصابر نفسه ويجاهدها، ولا يجلس إلا تحت السماء في وسط المسجد الحرام، ولا يأكل إلا بعض قرص ويشرب قليلا من الماء معه وقت الفطور مدة سنة كاملة، وكان يجلس على صخرة في شدة الحر في جبل أبى قبيس، وقد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفية، كالجنيد بن محمد، وعمرو بن عثمان المكيّ، وأبى الحسين النوري. قال الخطيب البغدادي. والصوفية مختلفون فيه، فأكثرهم نفى أن يكون الحلاج منهم، وأبى أن يعده فيهم، وقبله من متقدميهم أبو العباس بن عطاء البغدادي، ومحمد بن خفيف الشيرازي، وإبراهيم بن محمد النصرآباذيّ النيسابورىّ، وصححوا له حاله، ودونوا كلامه، حتى قال ابن خفيف: الحسين بن منصور عالم رباني. وقال أبو عبد الرحمن السلمي - واسمه محمد بن الحسين - سمعت إبراهيم ابن محمد النصرآباذيّ وعوتب في شيء حكى عن الحلاج في الروح فقال للذي عاتبه: إن كان بعد النبيين والصديقين موحد فهو الحلاج. قال أبو عبد الرحمن: وسمعت منصور بن عبد الله يقول سمعت الشبلي يقول: كنت أنا والحسين بن منصور شيئا واحدا، إلا أنه أظهر وكتمت. وقد روى عن الشبلي من وجه آخر أنه قال، وقد رأى الحلاج مصلوبا. ألم أنهك عن العالمين؟ قال الخطيب: والذين نفوه من الصوفية نسبوه إلى الشعبذة في فعله، وإلى الزندقة في عقيدته وعقده. قال: وله إلى

стр. 3669

الآن أصحاب ينسبون إليه ويغالون فيه ويغلون. وقد كان الحلاج في عبارته حلو المنطق، وله شعر على طريقة الصوفية. قلت: لم يزل الناس منذ قتل الحلاج مختلفين في أمره، فأما الفقهاء فحكى عن غير واحد من العلماء والأئمة إجماعهم على قتله، وأنه قتل كافرا، وكان كافرا ممخرقا مموها مشعبذا، وبهذا قال أكثر الصوفية فيه. ومنهم طائفة كما تقدم أجملوا القول فيه، وغرّهم ظاهره ولم يطلعوا على باطنه ولا باطن قوله، فإنه كان في ابتداء أمره فيه تعبد وتأله وسلوك، ولكن لم يمكن له علم ولا بنى أمره وحاله على تقوى من الله ورضوان. فلهذا كان ما يفسده أكثر مما يصلحه. وقال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى، ولهذا دخل على الحلاج الحلول والاتحاد، فصار من أهل الانحلال والانحراف. وقد روى من وجه أنه تقلبت به الأحوال وتردد إلى البلدان، وهو في ذلك كله يظهر للناس أنه من الدعاة إلى الله . وصح أنه دخل إلى الهند وتعلم بها السحر وقال: أدعو به إلى الله، وكان أهل الهند يكاتبونه بالمغيث - أي أنه من رجال الغيث - ويكاتبه أهل سركسان بالمقيت. ويكاتبه أهل خراسان بالمميز، وأهل فارس بأبي عبد الله الزاهد. وأهل خوزستان بأبي عبد الله الزاهد حلاج الأسرار. وكان بعض البغاددة حين كان عندهم يقولون له: المصطلم. وأهل البصرة يقولون له: المحير، ويقال إنما سماه الحلاج أهل الأهواز لأنه كان يكاشفهم عن ما في ضمائرهم، وقيل لأنه مرة قال لحلاج: اذهب لي في حاجة كذا وكذا، فقال: إني مشغول بالحلج، فقال: اذهب فأنا أحلج عنك، فذهب ورجع سريعا فإذا جميع ما في ذلك المخزن قد حلجه، يقال إنه أشار بالمرود فامتاز الحب عن القطن، وفي صحة هذا ونسبته إليه نظر، وإن كان قد جرى مثل هذا، فالشياطين تعين أصحابها ويستخدمونهم. وقيل لأن أباه كان حلاجا. ومما يدل على أنه كان ذا حلول في بدء أمره أشياء كثيرة، منها شعره في ذلك فمن ذلك قوله: جبلت وحك في روحي كما … يجبل العنبر بالمسك الفنق فإذا مسّك شيء مسنى … وإذا أنت أنا لا نفترق وقوله مزجت روحك في روحي كما … تمزج الخمرة بالماء الزلال فإذا مسّك شيء مسنى … فإذا أنت أنا في كل حال وقوله أيضا قد تحققتك في سرى … فخاطبك لساني فاجتمعنا لمعان … وافترقنا لمعان إن يكن غيبك التعظيم … عن لحظ العيان فلقد صيرك الوجد … من الأحشاء دان

стр. 3670

وقد أنشد لابن عطاء قول الحلاج. أريدك لا أريدك للثواب … ولكنى أريدك للعقاب وكل مآربى قد نلت منها … سوى ملذوذ وجدي بالعذاب فقال ابن عطاء: قال هذا ما تزايد به عذاب الشغف وهيام الكلف، واحتراق الأسف، فإذا صفا ووفى علا إلى مشرب عذب وهاطل من الحق دائم سكب. وقد أنشد لأبى عبد الله بن خفيف قول الحلاج: سبحان من أظهر ناسوته … سرّ سنا لاهوته الثاقب ثم بدا في خلقه ظاهرا … في صورة الآكل والشارب حتى قد عاينه خلقه … كلحظة الحاجب بالحاجب فقال ابن خفيف: علا من يقول هذا لعنه الله؟ فقيل له: إن هذا من شعر الحلاج، فقال: قد يكون مقولا عليه. وينسب إليه أيضا: أو شكت تسأل عنى كيف كنت … وما لاقيت بعدك من هم وحزن لا كنت إن كنت أدرى كيف كنت … ولا لا كنت أدرى كيف لم أكن قال ابن خلكان: ويروى لسمنون لا للحلاج. ومن شعره أيضا قوله: متى سهرت عيني لغيرك أو بكت … فلا أعطيت ما أملت وتمنت وإن أضمرت نفسي سواك فلا زكت … رياض المنى من وجنتيك وجنت ومن شعره أيضا: دنيا تغالطنى كأنني … لست أعرف حالها حظر المليك حرامها … وأنا احتميت حلالها فوجدتها محتاجة … فوهبت لذتها لها وقد كان الحلاج يتلوّن في ملابسه، فتارة يلبس لباس الصوفية وتارة بتجرد في ملابس زرية، وتارة يلبس لباس الأجناد ويعاشر أبناء الأغنياء والملوك والأجناد. وقد رآه بعض أصحابه في ثياب رثة وبيده ركوة وعكازة وهو سائح فقال له: ما هذه الحالة يا حلاج؟ فأنشأ يقول: لئن أمسيت في ثوبي عديم … لقد بليا على حرّ كريم فلا يغررك أن أبصرت حالا … مغيرة عن الحال القديم فلي نفس ستتلف أو سترقى … لعمرك بى إلى أمر جسيم ومن مستجاد كلامه وقد سأله رجل أن يوصيه بشيء ينفعه الله به. فقال: عليك نفسك إن لم تشغلها بالحق وإلا شغلتك عن الحق. وقال له رجل: عظني. فقال: كن مع الحق بحكم ما أوجب.

стр. 3671

وروى الخطيب بسنده إليه أنه قال: علم الأولين والآخرين مرجعه إلى أربع كلمات: حب الجليل وبغض القليل، واتباع التنزيل، وخوف التحويل. قلت: وقد أخطأ الحلاج في المقامين الأخيرين، فلم يتبع التنزيل ولم يبق على الاستقامة بل تحول عنها إلى الاعوجاج والبدعة والضلالة، نسأل الله العافية. وقال أبو عبد الرحمن السلمي عن عمرو بن عثمان المكيّ: أنه قال: كنت أماشى الحلاج في بعض أزقة مكة وكنت أقرأ القرآن فسمع قراءتي فقال: يمكنني أن أقول مثل هذا، ففارقته. قال الخطيب: وحدثني مسعود بن ناصر أنبأنا ابن باكوا الشيرازي سمعت أبا زرعة الطبري يقول: الناس فيه - يعنى حسين بن منصور الحلاج - بين قبول ورد ولكن سمعت محمد بن يحيى الرازيّ يقول سمعت عمرو بن عثمان يلعنه ويقول: لو قدرت عليه لقتلته بيدي. فقلت له: أيش الّذي وجد الشيخ عليه؟ قال قرأت آية من كتاب الله فقال: يمكنني أن أؤلف مثله وأتكلم به. قال أبو زرعة الطبري: وسمعت أبا يعقوب الأقطع يقول: زوجت ابنتي من الحسين الحلاج لما رأيت من حسن طريقته واجتهاده، فبان لي منه بعد مدة يسيرة أنه ساحر محتال، خبيث كافر. قلت: كان تزويجه إياها بمكة، وهي أم الحسين بنت أبى يعقوب الأقطع فأولدها ولده أحمد بن الحسين بن منصور، وقد ذكر سيرة أبيه كما ساقها من طريق الخطيب. وذكر أبو القاسم القشيري في رسالته في باب حفظ قلوب المشايخ: أن عمرو بن عثمان دخل على الحلاج وهو بمكة وهو يكتب شيئا في أوراق فقال له: ما هذا؟ فقال: هو ذا أعارض القرآن. قال: فدعا عليه فلم يفلح بعدها، وأنكر على أبى يعقوب الأقطع تزويجه إياه ابنته. وكتب عمرو بن عثمان إلى الآفاق كتبا كثيرة يلعنه فيها ويحذر الناس منه، فشرد الحلاج في البلاد فعاث يمينا وشمالا، وجعل يظهر أنه يدعو إلى الله ويستعين بأنواع من الحيل، ولم يزل ذلك دأبه وشأنه حتى أحل الله به بأسه الّذي لا يرد عن القوم المجرمين، فقتله بسيف الشرع الّذي لا يقع إلا بين كتفي زنديق، والله أعدل من أن يسلطه على صديق، كيف وقد تهجم على القرآن العظيم، وقد أراد معارضته في البلد الحرام حيث نزل به جبريل، وقد قال تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ﴾ ولا الحاد أعظم من هذا. وقد أشبه الحلاج كفار قريش في معاندتهم، كما قال تعالى عنهم ﴿وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا إِنْ هذا إِلاّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ذكر أشياء من حيل الحلاج روى الخطيب البغدادي أن الحلاج بعث رجلا من خاصة أصحابه وأمره أن يذهب بين يديه إلى بلد من بلاد الجبل، وأن يظهر لهم العبادة والصلاح والزهد، فإذا رآهم قد أقبلوا عليه وأحبوه واعتقدوه أظهر لهم أنه قد عمى، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد تكسح، فإذا سعوا في مداواته، قال لهم: يا جماعة

стр. 3672

الخير، إنه لا ينفنى شيء مما تفعلون، ثم يظهر لهم بعد أيام أنه قد رأى رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول له: إن شفاءك لا يكون إلا على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وصفته كذا وكذا. وقال له الحلاج: إني سأقدم عليك في ذلك الوقت. فذهب ذلك الرجل إلى تلك البلاد فأقام بها يتعبد ويظهر الصلاح والتنسك ويقرأ القرآن. فأقام مدة على ذلك فاعتقدوه وأحبوه، ثم أظهر لهم أنه قد عمى فمكث حينا على ذلك، ثم أظهر لهم أنه قد زمن، فسعوا بمداواته بكل ممكن فلم ينتج فيه شيء، فقال: لهم: يا جماعة الخير هذا الّذي تفعلونه معى لا ينتج شيئا وأنا قد رأيت رسول الله ﷺ في المنام وهو يقول لي: إن عافيتك وشفاءك إنما هو على يدي القطب، وإنه سيقدم عليك في اليوم الفلاني في الشهر الفلاني، وكانوا أو لا يقودونه إلى المسجد ثم صاروا يحملونه ويكرمونه كان في الوقت الّذي ذكر لهم، واتفق هو والحلاج عليه، أقبل الحلاج حتى دخل البلد مختفيا وعليه ثياب صوف بيض، فدخل المسجد ولزم سارية يتعبد فيه لا يلتفت إلى أحد، فعرفه الناس بالصفات التي وصف لهم ذلك العليل، فابتدروا إليه يسلمون عليه ويتمسحون به، ثم جاءوا إلى ذلك الزمن المتعافى فأخبره بخبره، فقال: صفوه لي، فوصفوه له فقال: هذا الّذي أخبرنى عنه رسول الله ﷺ في المنام، وأن شفائى على يديه، اذهبوا بى إليه. فحملوه حتى وضعوه بين يديه فكلمه فعرفه فقال: يا أبا عبد الله إني رأيت رسول الله ﷺ في المنام. ثم ذكر له رؤياه، فرفع الحلاج يديه فدعا له ثم تفل من ريقه في كفيه ثم مسح بهما على عينيه ففتحهما كأن لم يكن بهما داء قط فأبصر، ثم أخذ من ريقه فمسح على رجليه فقام من ساعته فمشى كأنه لم يكن به شيء والناس حضور، وأمراء تلك البلاد وكبراؤهم عنده، فضج الناس ضجة عظيمة وكبروا الله وسبحوه وعظموا الحلاج تعظيما زائدا على ما أظهر لهم من الباطل والزور. ثم أقام عندهم مدة يكرمونه ويعظمونه ويودون لو طلب منهم ما عساه أن يطلب من أموالهم. فلما أراد الخروج عنهم أرادوا أن يجمعوا له مالا كثيرا فقال: أما أنا فلا حاجة لي بالدنيا، وإنما وصلنا إلى ما وصلنا إليه بترك الدنيا، ولعل صاحبكم هذا أن يكون له إخوان وأصحاب من الأبدال الذين يجاهدون بثغر طرسوس، ويحجون ويتصدقون، محتاجين إلى ما يعينهم على ذلك. فقال ذلك الرجل المتزامن المتعافى: صدق الشيخ، قد رد الله على بصرى ومن الله على بالعافية، لأجعلن بقية عمري في الجهاد في سبيل الله، والحج إلى بيت الله مع إخواننا الأبدال والصالحين الذين نعرفهم، ثم حثهم على إعطائه من المال ما طابت به أنفسهم. ثم إن الحلاج خرج عنهم ومكث ذلك الرجل بين أظهرهم مدة إلى أن جمعوا له مالا كثيرا ألوفا من الذهب والفضة، فلما اجتمع له ما أراد ودعهم وخرج عنهم فذهب إلى الحلاج فاقتسما ذلك المال.

стр. 3673

وروى عن بعضهم قال: كنت أسمع أن الحلاج له أحوال وكرامات فأحببت أن أختبر ذلك فجئته فسلمت عليه فقال لي: تشتهي على الساعة شيئا؟ فقلت: أشتهى سمكا طريا. فدخل منزله فغاب ساعة ثم خرج على ومعه سمكة تضطرب ورجلاه عليهما الطين. فقال: دعوت الله فأمرنى أن آتى البطائح لآتيك بهذه السمكة، فخضت الأهواز وهذا الطين منها. فقلت: إن شئت أدخلتنى منزلك حتى انظر ليقوى يقيني بذلك، فان ظهرت على شيء وإلا آمنت بك. فقال: أدخل، فدخلت فأغلق على الباب وجلس يراني. قدرت البيت فلم أجد فيه منفذا إلى غيره، فتحيرت في أمره ثم نظرت فإذا أنا بتأزيرة - وكان مؤزرا بإزار ساج - فحركتها فانفلقت فإذا هي باب منفذ فدخلته فأفضى بى إلى بستان هائل، فيه من سائر التمار الجديدة والعتيقة، قد أحسن إبقاءها. وإذا أشياء كثيرة معدودة للأكل، وإذا هناك بركة كبيرة فيها سمك كثير صغار وكبار، فدخلتها فأخرجت منها واحدة فنال رجلي من الطين مثل الّذي نال رجليه، فجئت إلى الباب فقلت: افتح قد آمنت بك. فلما رآني على مثل حاله أسرع خلفي جريا يريد أن يقتلني. فضربته بالسمكة في وجهه وقلت: يا عدو الله أتعبتني في هذا اليوم. ولما خلصت منه لقيني بعد أيام فضاحكنى وقال: لا تفش ما رأيت لأحد وإلا بعثت إليك من يقتلك على فراشك. قال: فعرفت أنه يفعل إن أفشيت عليه فلم أحدث به أحدا حتى صلب. وقال الحلاج يوما لرجل: آمن بى حتى أبعث لك بعصفورة تأخذ من ذرقها وزن حبة فتضعه على كذا منا من نحاس فيصير ذهبا. فقال له الرجل: آمن أنت بى حتى أبعث إليك بفيل إذا استلقى على قفاه بلغت قوائمه إلى السماء، وإذا أردت أن تخفيه وضعته في إحدى عينيك. قال: فبهت وسكت. ولما ورد بغداد جعل يدعو إلى نفسه ويظهر أشياء من المخاريق والشعوذة وغيرها من الأحوال الشيطانية، وأكثر ما كان يروج على الرافضة لقلة عقولهم وضعف تمييزهم بين الحق والباطل. وقد استدعى يوما برئيس من الرافضة فدعاه إلى الايمان به فقال له الرافضيّ: إني رجل أحب النساء وإني أصلع الرأس، وقد شبت، فان أنت أذهبت عنى هذا وهذا آمنت بك وأنك الامام المعصوم، وإن شئت قلت إنك نبي، وإن شئت قلت إنك أنت الله. قال: فبهت الحلاج ولم يحر إليه جوابا. قال الشيخ أبو الفرج بن الجوزي: كان الحلاج متلونا تارة يلبس المسوح، وتارة يلبس الدراعة، وتارة يلبس القباء، وهو مع كل قوم على مذهبهم: إن كانوا أهل سنة أو رافضة أو معتزلة أو صوفية أو فساقا أو غيرهم، ولما أقام بالأهواز جعل ينفق من دراهم يخرجها يسميها دراهم القدرة، فسئل الشيخ أبو على الجبائي عن ذلك فقال: إن هذا كله مما يناله البشر بالحيلة، ولكن أدخلوه بيتا لا منفذ له ثم سلوه أن يخرج لكم جرزتين من شوك. فلما بلغ ذلك الحلاج تحول من الأهواز. قال

стр. 3674

الخطيب: أنبأ إبراهيم بن مخلد أبنأنا إسماعيل بن على الخطيب في تاريخه قال: وظهر أمر رجل يقال له الحلاج الحسين بن منصور، وكان في حبس السلطان بسعاية وقعت به، وذلك في وزارة على بن عيسى الأولى، وذكر عنه ضروب من الزندقة ووضع الحيل على تضليل الناس، من جهات تشبه الشعوذة والسحر، وادعاء النبوة، فكشفه على بن عيسى عند قبضه عليه وأنهى خبره إلى السلطان - يعنى الخليفة المقتدر بالله - فلم يقر بما رمى به من ذلك فعاقبه وصلبه حيا أياما متوالية في رحبة الجسر، في كل يوم غدوة، وينادى عليه بما ذكر عنه، ثم ينزل به ثم يحبس، فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس، خوفا من إضلاله أهل كل حبس إذا طالت مدته عندهم، إلى أن حبس آخر حبسة في دار السلطان، فاستغوى جماعة من غلمان السلطان وموّه عليهم واستمالهم بضروب من الجيل، حتى صاروا يحمونه ويدفعون عنه ويرفهونه بالمآكل المطيبة، ثم راسل جماعة من الكتاب وغيرهم ببغداد وغيرها، فاستجابوا له وترقى به الأمر إلى أن ادعى الربوبية، وسعى بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم ووجد عند بعضهم كتب تدل على تصديق ما ذكر عنه، وأقر بعضهم بذلك بلسانه، وانتشر خبره وتكلم الناس في قتله، فأمر الخليفة بتسليمه إلى حامد بن العباس، وأمره أن يكشفه بحضرة القضاة والعلماء ويجمع بينه وبين أصحابه، فجرى في ذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطان أمره ووقف على ما ذكر عنه، وثبت ذلك على يد القضاة وأفتى به العلماء فأمر بقتله وإحراقه بالنار، فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي في يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة تسع وثلاثمائة، فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط، ثم قطعت يداه ورجلاه، ثم ضربت عنقه، وأحرقت جثته بالنار، ونصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد وعلقت يداه ورجلاه. وقال أبو عبد الرحمن بن الحسن السلمي: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول قال أبو القاسم الرازيّ قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل ومعه مخلاة فما كان يفارقها ليلا ولا نهارا، فأنكروا ذلك من حاله ففتشوا مخلاته فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان. - يدعوه إلى الضلالة والايمان به - فبعث بالكتاب إلى بغداد فسئل الحلاج عن ذلك فأقر أنه كتبه فقالوا له: كنت تدعى النبوة فصرت تدعى الألوهية والربوبية؟ فقال: لا ولكن هذا عين الجمع عندنا. هل الكاتب إلا الله وأنا واليد آلة؟ فقيل له: معك على ذلك أحد؟ قال: نعم ابن عطاء وأبو محمد الحريري وأبو بكر الشبلي. فسئل الحريري عن ذلك فقال: من يقول بهذا كافر. وسئل الشبلي عن ذلك فقال: من يقول بهذا يمنع. وسئل ابن عطاء عن ذلك فقال: القول ما يقول الحلاج في ذلك. فعوقب حتى كان سبب هلاكه. ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمد بن عبد الرحمن الرازيّ أن الوزير حامد بن العباس لما أحضر الحلاج سأله عن اعتقاده فأقر به فكتبه، فسأل عن ذلك

стр. 3675

فقهاء بغداد فأنكروا ذلك وكفروا من أعتقده، فكتبه. فقال الوزير: إن أبا العباس بن عطاء يقول بهذا. فقالوا: من قال بهذا فهو كافر. ثم طلب الوزير ابن عطاء إلى منزله فجاء فجلس في صدر المجلس فسأله عن قول الحلاج فقال: من لا يقول بهذا القول فهو بلا اعتقاد. فقال الوزير لابن عطاء: ويحك تصوب مثل هذا القول وهذا الاعتقاد؟ فقال ابن عطاء: مالك ولهذا، عليك بما نصبت له من أخذ اموال الناس وظلمهم وقتلهم فما لك ولكلام هؤلاء السادة من الأولياء. فأمر الوزير عند ذلك بضرب شدقيه ونزع خفيه وأن يضرب بهما على رأسه، فما زال يفعل به ذلك حتى سال الدم من منخريه، وأمر بسجنه. فقالوا له: إن العامة تستوحش من هذا ولا يعجبها. فحمل إلى منزله، فقال ابن عطاء: اللهمّ اقتله واقطع يديه ورجليه. ثم مات ابن عطاء بعد سبعة أيام، ثم بعد مدة قتل الوزير شر قتلة، وقطعت يداه ورجلاه وأحرقت داره. [وكان العوام يرون ذلك بدعوة ابن عطاء على عادتهم في مرائيهم فيمن أوذى ممن لهم معه هوى. بل قد قال ذلك جماعة ممن ينسب إلى العلم فيمن يؤذى ابن عربي أو يحط على حسين الحلاج أو غيره. هذا بخطيئة فلان] (١) وقد اتفق علماء بغداد على كفر الحلاج وزندقته، وأجمعوا على قتله وصلبه، وكان علماء بغداد إذ ذاك هم الدنيا. قال أبو بكر محمد بن داود الظاهري حين أحضر الحلاج في المرة الأولى قبل وفاة أبى بكر هذا وسئل عنه فقال: إن كان ما أنزل الله على نبيه ﷺ حقا وما جاء به حقا فما يقوله الحلاج باطل. وكان شديدا عليه. وقال أبو بكر الصولي: قد رأيت الحلاج وخاطبته فرأيته جاهلا يتعاقل، وغبيا يتبالغ، وخبيثا مدعيا، وراغبا يتزهد، وفاجرا يتعبد. ولما صلب في أول مرة ونودي عليه أربعة أيام سمعه بعضهم وقد جيء به ليصلب وهو راكب على بقرة يقول: ما أنا بالحلاج، ولكن ألقى على شبهه وغاب عنكم فلما أدنى إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته وهو مصلوب يقول: يا معين الفنا على أعنى على الفنا. وقال بعضهم سمعته وهو مصلوب يقول: إلهي أصبحت في دار الرغائب، انظر إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك فكيف بمن يؤذى فيك. ذكر صفة مقتل الحلاج قال الخطيب البغدادي وغيره: كان الحلاج قد قدم آخر قدمة إلى بغداد فصحب الصوفية وانتسب إليهم، وكان الوزير إذ ذاك حامد بن العباس، فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقا من الحشم والحجاب في دار السلطان، ومن غلمان نصر القشوري الحاجب، وجعل لهم في جملة ما ادعاه أنه يحيى الموتى، وأن الجن يخدمونه ويحضرون له ما شاء ويختار ويشتهيه. وقال: إنه أحيا عدة من الطير. وذكر لعلى بن عيسى أن رجلا يقال له محمد بن على القنائي الكاتب يعبد الحلاج ويدعو الناس إلى

стр. 3676

طاعته فطلبه فكبس منزله فأخذه فأقر أنه من أصحاب الحلاج، ووجد في منزله أشياء بخط الحلاج مكتوبة بماء الذهب في ورق الحرير مجلدة بأفخر الجلود. ووجد عنده سفطا فيه من رجيع الحلاج وعذرته وبوله وأشياء من آثاره، وبقية خبز من زاده. فطلب الوزير من المقتدر أن يتكلم في أمر الحلاج ففوض أمره إليه، فاستدعى بجماعة من أصحاب الحلاج فتهددهم فاعترفوا له أنه قد صح عندهم أنه إله مع الله، وأنه يحيى الموتى، وأنهم كاشفوا الحلاج بذلك ورموه به في وجهه، فجحد ذلك وكذبهم وقال: أعوذ بالله أن أدعى الربوبية أو النبوة، وإنما أنا رجل أعبد الله وأكثر له الصوم والصلاة وفعل الخير، لا أعرف غير ذلك. وجعل لا يزيد على الشهادتين والتوحيد، ويكثر أن يقول: سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. وكانت عليه مدرعة سوداء وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا، والمدرعة واصلة إلى ركبتيه، والقيود واصلة إلى ركبتيه أيضا، وكان مع ذلك يصلى في كل يوم وليلة ألف ركعة. وكان قبل احتياط الوزير حامد بن العباس عليه في حجرة من دار نصر القشوري الحاجب، مأذونا لمن يدخل إليه، وكان يسمى نفسه تارة بالحسين بن منصور، وتارة محمد بن أحمد الفارسي، وكان نصر الحاجب هذا قد افتتن به وظن أنه رجل صالح، وكان قد أدخله على المقتدر بالله فرقاه من وجع حصل له فاتفق زواله عنه، وكذلك وقع لوالدة المقتدر السيدة رقاها فزالت عنها، فنفق سوقه وحظي في دار السلطان. فلما انتشر الكلام فيه سلم إلى الوزير حامد بن العباس فحبسه في قيود كثيرة في رجليه، وجمع له الفقهاء فأجمعوا على كفره وزندقته، وأنه ساحر ممخرق. ورجع عنه رجلان صالحان ممن كان اتبعه أحدهما أبو على هارون بن عبد العزيز الأوارجي، والآخر يقال له الدباس، فذكروا من فضائحه وما كان يدعو الناس إليه من الكذب والفجور والمخرقة والسحر شيئا كثيرا، وكذلك أحضرت زوجة ابنه سليمان فذكرت عنه فضائح كثيرة. من ذلك أنه أراد أن يغشاها وهي نائمة فانتبهت فقال: قومي إلى الصلاة، وإنما كان يريد أن يطأها. وأمر ابنتها بالسجود له فقالت: أو يسجد بشر لبشر؟ فقال: نعم إله في السماء وإله في الأرض. ثم أمرها أن تأخذ من تحت بارية هنالك ما أرادت، فوجدت تحتها دنانير كثيرة مبدورة. ولما كان معتقلا في دار حامد بن العباس الوزير دخل عليه بعض الغلمان ومعه طبق فيه طعام ليأكل منه، فوجده قد ملأ البيت من سقفه إلى أرضه، فذعر ذلك الغلام وفزع فزعا شديدا، وألقى ما كان في يده من ذلك الطبق والطعام، ورجع محموما فمرض عدة أيام. ولما كان آخر مجلس من مجالسه أحضر القاضي أبو عمر محمد بن يوسف وجيء بالحلاج وقد أحضر له كتاب من دور بعض أصحابه وفيه: من أراد الحج ولم يتيسر له فليبن في داره بيتا لا يناله شيء من

стр. 3677

النجاسة ولا يمكن أحدا من دخوله، فإذا كان في أيام الحج فليصم ثلاثة أيام وليطف به كما يطاف بالكعبة ثم يفعل في داره ما يفعله الحجيج بمكة، ثم يستدعى بثلاثين يتيما فيطعمهم من طعامه، ويتولى خدمتهم بنفسه، ثم يكسوهم قميصا قميصا، ويعطى كل واحد منهم سبعة دراهم - أو قال ثلاثة، دراهم - فإذا فعل ذلك قام له مقام الحج. وإن من صام ثلاثة أيام لا يفطر إلا في اليوم الرابع على ورقات هندبا أجزأه ذلك عن صيام رمضان. ومن صلى في ليلة ركعتين من أول الليل إلى آخره أجزأه ذلك عن الصلاة بعد ذلك. وأن من جاور بمقابر الشهداء وبمقابر قريش عشرة أيام يصلى ويدعو ويصوم ثم لا يفطر إلا على شيء من خبز الشعير والملح الجريش أغناه ذلك عن العبادة في بقية عمره. فقال له القاضي أبو عمر: من أين لك هذا؟ فقال: من كتاب الإخلاص للحسن البصري. فقال له: كذبت يا حلال الدم، وقد سمعنا كتاب الإخلاص للحسن بمكة ليس فيه شيء من هذا. فأقبل الوزير على القاضي فقال له: قد قلت يا حلال الدم فاكتب ذلك في هذه الورقة، وألح عليه وقدم له الدواة فكتب ذلك في تلك الورقة، وكتب من حضر خطوطهم فيها وأنفذها الوزير إلى المقتدر، وجعل الحلاج يقول لهم: ظهري حمى ودمي حرام، وما يحل لكم أن تتأولوا على ما يبيحه، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنة، وتفضيل أبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير وسعد وسعيد وعبد الرحمن ابن عوف وأبى عبيدة بن الجراح، ولى كتب في السنة موجودة في الوارقين فالله الله في دمي. فلا يلتفتون إليه ولا إلى شيء مما يقول. وجعل يكرر ذلك وهم يكتبون خطوطهم بما كان من الأمر، ورد الحلاج [إلى محبسه وتأخر جواب المقتدر ثلاثة أيام حتى ساء ظن الوزير حامد بن العباس، فكتب إلى الخليفة يقول له: إن أمر الحلاج] (١) قد اشتهر ولم يختلف فيه اثنان وقد افتتن كثير من الناس به. فجاء الجواب بأن يسلم إلى محمد بن عبد الصمد صاحب الشرطة. وليضر به ألف سوط، فان مات وإلا ضربت عنقه. ففرح الوزير بذلك وطلب صاحب الشرطة فسلمه إليه وبعث معه طائفة من غلمانه يصلونه معه إلى محل الشرطة من الجانب الغربي خوفا من أن يستنقذ من أيديهم. وذلك بعد عشاء الآخرة في ليلة الثلاثاء لست بقين من ذي القعدة من هذه السنة، وهو راكب على بغل عليه إكاف وحوله جماعة من أعوان السياسة. على مثل شكله، فاستقر منزله بدار الشرطة في هذه الليلة، فذكر أنه بات يصلى تلك الليلة ويدعو دعاء كثيرا. قال أبو عبد الرحمن السلمي: سمعت أبا بكر الشاشي يقول قال أبو الحديد - يعنى المصري -: لما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها الحلاج قام يصلى من الليل فصلى ما شاء الله، فلما كان آخر الليل قام قائما فتغطى بكسائه ومد يده نحو القبلة فتكلم بكلام جائز الحفظ، فكان مما حفظت منه قوله: نحن شواهدك فلو دلتنا عزتك لتبدّى ما شئت من شأنك

стр. 3678

ومشيئتك، وأنت الّذي في السماء إله وفي الأرض إله، تتجلى لما تشاء مثل تجليك في مشيئتك كأحسن الصورة، والصورة فيها الروح الناطقة بالعلم والبيان والقدرة، ثم إني أو عزت إلى شاهدك لأني في ذاتك الهوى كيف أنت إذا مثلت بذاتى عند حلول لذاتي، ودعوت إلى ذاتي بذاتى، وأبديت حقائق علومى ومعجزاتي، صاعدا في معارجي إلى عروش أزلياتى عند التولي عن برياتي، إني احتضرت وقتلت وصلبت وأحرقت واحتملت سافيات الذاريات. ولججت في الجاريات، وأن ذرة من ينجوج مكان هالوك متجلياتى، لأعظم من الراسيات. ثم أنشأ يقول: أنعى إليك نفوسا طاح شاهدها … فيما ورا الحيث بل في شاهد القدم أنعى إليك قلوبا طالما هطلت … سحائب الوحي فيها أبحر الحكم أنعى إليك لسان الحق منك ومن … أودى وتذكاره في الوهم كالعدم أنعى إليك بيانا يستكين له … أقوال كل فصيح مقول فهم أنعى إليك إشارات العقول معا … لم يبق منهن إلا دارس العلم أنعى وحبك أخلاقا لطائفة … كانت مطاياهم من مكمد الكظم مضى الجميع فلا عين ولا أثر … مضى عاد وفقدان الأولى إرم وخلفوا معشرا يحذون لبستهم … أعمى من البهم بل أعمى من النعم قالوا: ولما أخرج الحلاج من المنزل الّذي بات فيه ليذهب به إلى القتل أنشد: طلبت المستقر بكل أرض … فلم أر لي بأرض مستقرا وذقت من الزمان وذاق منى … وجدت مذاقه حلوا ومرا أطعت مطامعى فاستعبدتنى … ولو أنى قنعت لعشت حرا وقيل: إنه قالها حين قدم إلى الجذع ليصلب، والمشهور الأول. فلما أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر في مشيته وفي رجليه ثلاثة عشر قيدا وجعل ينشد ويتمايل: نديمى غير منسوب * إلى شيء من الحيف … سقاني مثل ما يشر * ب فعل الضيف بالضيف فلما دارت الكأس * دعا بالنطع والسيف … كذا من يشرب الراح * مع التنين في الصيف ثم قال: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِها وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْها وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ ثم لم ينطق بعد ذلك حتى فعل به ما فعل. قالوا: ثم قدم فضرب ألف سوط ثم قطعت يداه ورجلاه وهو في ذلك كله ساكت ما نطق بكلمة، ولم يتغير لونه، ويقال إنه جعل يقول مع كل سوط أحد أحد. قال أبو عبد الرحمن: سمعت عبد الله بن على يقول سمعت عيسى القصار يقول: آخر كلمة تكلم بها الحلاج حين قتل أن قال: حسب الواحد إفراد الواحد له. فما سمع بهذه الكلمة أحد من المشايخ إلا

стр. 3679

رق له، واستحسن هذا الكلام منه. وقال السلمي: سمعت أبا بكر المحاملي يقول سمعت أبا الفاتك البغدادي - وكان صاحب الحلاج - قال: رأيت في النوم بعد ثلاث من قتل الحلاج كأنى واقف بين يدي ربى وأنا أقول: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ فقال: كاشفته بمعنى فدعا الخلق إلى نفسه فأنزلت به ما رأيت. ومنهم من قال: بل جزع عند القتل جزعا شديدا وبكى بكاء كثيرا فالله أعلم. وقال الخطيب: ثنا عبد الله بن أحمد بن عثمان الصير في قال قال لنا أبو عمر بن حيويه: لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس، ولم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه فقال: لأصحابه: لا يهولنكم هذا الأمر، فانى عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. ثم قتل فما عاد. وذكر الخطيب أنه قال وهو يضرب لمحمد بن عبد الصمد والى الشرطة: أدع بى إليك فان عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية، فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، وليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ثم قطعت يداه ورجلاه وحز رأسه وأحرقت جثته وألقى رمادها في دجلة، ونصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان وطيف به في تلك النواحي، وجعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما. وزعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم وهو راكب على حمار في طريق النهروان فقال: لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أنى أنا هو المضروب المقتول، إني لست به، وإنما ألقى شبهي على رجل ففعل به ما رأيتم. وكانوا بجهلهم يقولون: إنما قتل عدو من أعداء الحلاج. فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان فقال: إن كان هذا الرأى صادقا فقد تبدي له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به. كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب. قال الخطيب: واتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة. فقال: إنما زادت لأن رماد جثة الحلاج خالطها. وللعوام في مثل هذا وأشباهه ضروب من الهذيانات قديما وحديثا. ونودي ببغداد أن لا تشترى كتب الحلاج ولا تباع. وكان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي العقدة من سنة تسع وثلاثمائة ببغداد. وقد ذكره ابن خلكان في الوفيات وحكى اختلاف الناس فيه، ونقل عن الغزالي أنه ذكره في مشكاة الأنوار وتأول كلامه وحمله على ما يليق. ثم نقل ابن خلكان عن إمام الحرمين أنه كان يذمه ويقول إنه اتفق هو والجنابي وابن المقفع على إفساد عقائد الناس، وتفرقوا في البلاد فكان الجنابي في هجر والبحرين، وابن المقفع ببلاد الترك، ودخل الحلاج العراق، فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل. قال ابن خلكان وهذا لا ينتظم فان ابن المقفع كان قبل الحلاج بدهر في أيام السفاح والمنصور، ومات سنة خمس وأربعين ومائتين أو قبلها. ولعل إمام الحرمين أراد ابن المقفع الخراساني الّذي ادعى الربوبية وأوتى العمر واسمه عطاء، وقد قتل

стр. 3680

نفسه بالسم في سنة ثلاث وستين ومائة، ولا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضا، وإن أردنا تصحيح كلام إمام الحرمين فنذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس وإفساد العقائد كما ذكر، فيكون المراد بذلك الحلاج وهو الحسين بن منصور الّذي ذكره، وابن السمعاني - يعنى أبا جعفر محمد ابن على - وأبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطى الّذي قتل الحجاج وأخذ الحجر الأسود وطم زمزم ونهب أستار الكعبة، فهولاء يمكن اجتماعهم في وقت واحد كما ذكرنا ذلك مبسوطا، وذكره ابن خلكان ملخصا. وفيها توفى من الأعيان. أبو العباس بن عطاء أحد أئمة الصوفية وهو أحمد بن محمد بن عطاء الأدمي. حدث عن يوسف بن موسى القطان، والمفضل بن زياد وغيرهما، وقد كان موافقا للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله، وكان أبو العباس هذا يقرأ في كل يوم ختمة، فإذا كان شهر رمضان قرأ في كل يوم وليلة ثلاث ختمات، وكان له ختمة يتدبرها ويتدبر معاني القرآن فيها. فمكث فيها سبعة عشرة سنة ومات ولم يختمها، وهذا الرجل ممن كان اشتبه عليه أمر الحلاج وأظهر موافقته فعاقبه الوزير حامد بن العباس بالضرب البليغ على شدقيه، وأمر بنزع خفيه وضربه بهما على رأسه حتى سال الدم من منخريه، ومات بعد سبعة أيام من ذلك، وكان قد دعا على الوزير بأن تقطع يداه ورجلاه ويقتل شر قتلة. فمات الوزير بعد مدة كذلك. وفيها توفى أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطبيب الحراني. وأبو محمد عبد الله بن حمدون النديم. ثم دخلت سنة عشر وثلاثمائة فيها أطلق يوسف بن أبى الساج من الضيق، وكان معتقلا، وردت إليه أمواله وأعيد إلى عمله وأضيف إليه بلدان أخرى، ووظف عليه في كل سنة خمسمائة ألف دينار يحملها إلى الحضرة فبعث حينئذ إلى مؤنس الخادم يطلب منه أبا بكر بن الأدمي القارئ، وكان قد قرأ بين يديه حين اعتقل في سنة إحدى وستين ومائتين ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ فخاف القارئ من سطوته واستعفى من مؤنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب وأنا شريكك في الجائزة. فلما دخل عليه قرأ بين يديه ﴿وَقالَ الْمَلِكُ اِئْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ فقال: بل أحب أن تقرأ ذلك العشر الّذي قرأته عند سجني وإشهاري ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ فان ذلك كان سبب توبتي ورجوعي إلى الله ، وكان ذلك على يديك. ثم أمر له بمال جزيل وأحسن إليه. وفيها مرض على بن عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعوده ويبلغه سلام أبيه عليه، فبسط له الطريق، فلما اقترب من داره تحامل وخرج إليه فبلغه سلام الخليفة، وجاء مؤنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عزم على عيادته فاستعفى من مؤنس الخادم، ثم ركب على جهد عظيم حتى سلم على الخليفة
следующие страницы →