← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

وعظمت المحنة بهم جدا واستفحل أمرهم، حتى أن رجلا منهم أسود كان مستضعفا نجم فيهم وكثر ماله حتى اشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها فأبت عليه فقال لها: ماذا تكرهين منى؟ قالت: أكرهك كلك. فقال: فما تحبين؟ فقالت تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي فأعتقها وأعطاها ألف دينار وأطلقها، فتعجب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وقوته. قال: وورد الخبر في المحرم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع. قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر الدقيق الحواري بمائة ونيف وسبعين دينارا. قال: وفيها اضمحل أمر عضد الدولة بن بويه وتفرق جنده عنه ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فأرسل إلى أبيه يشكو له ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه بختيار، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعد أن أخرج ابن عمه من السجن وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لضعف بختيار عن تدبير الأمور، واستمر ذاهبا إلى بلاده، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب غدره بابن عمه وتكرار مكاتباته فيه إليه. ولما سار ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد، ولما استقر عز الدولة بختيار ببغداد وملك العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما قال، ولا ما كان التزم، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على مشيه الّذي هو غير مستقيم، من الرفض وغيره. قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوج الخليفة الطائع شاه باز بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار، وفي سلخ ذي العقدة عزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان وقلده أبو محمد معروف. وإمام الحج فيها أصحاب الفاطمي، وخطب له بالحرمين دون الطائع والله سبحانه أعلم. ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين ذكر ابن الأثير في كامله أن الفتكين غلام معز الدولة الّذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدم، والتف عليه عساكر وجيوش من الديلم والترك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق، وكان عليها من جهة الفاطميين ريان الخادم، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراء أهلها وشيوخها فذكروا له ما هم فيه من الظلم والغشم ومخالفة الاعتقاد بسبب الفاطميين، وسألوه أن يصمم على أخذها ليستنقذها منهم، فعند ذلك صمم على أخذها ولم يزل حتى أخذها وأخرج منها ريان الخادم وكسر أهل الشر بها، ورفع أهل الخير، ووضع في أهلها العدل وقمع أهل اللعب واللهو، وكف أيدي الأعراب الذين كانوا قد عاثوا في الأرض فسادا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها. ولما استقامت الأمور على يديه وصلح أمر أهل الشام كتب إليه المعز الفاطمي يشكر سعيه ويطلبه إليه

стр. 3817

ليخلع عليه ويجعله نائبا من جهته، فلم يجبه إلى ذلك، بل قطع خطبته من الشام وخطب للطائع العباسي، ثم قصد صيدا وبها خلق من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن موهوب العقيلي الّذي كان نائبا على دمشق للمعز الفاطمي، فأساء بهم السيرة، فحاصرهم ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف من سراتهم، ثم قصد طبرية ففعل بأهلها مثل ذلك، فعند ذلك عزم المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له العساكر إذ توفى المعز في سنة خمس وستين كما سيأتي، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك الفتكين بالشام، واستفحل أمره وقويت شوكته، ثم اتفق أمر المصريين على أن يبعثوا جوهرا القائد لقتاله وأخذ الشام من يده، فعند ذلك حلف أهل الشام لأفتكين أنهم معه على الفاطميين، وأنهم ناصحون له غير تاركيه وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرا شديدا ورأى من شجاعة الفتكين ما بهره، فلما طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على الفتكين أن يكتب إلى الحسين بن أحمد بن القرمطى وهو بالحساء، ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فلما سمع به جوهر لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد وخارجها، وفارتحل قاصدا الرملة فتبعه الفتكين والقرمطى في نحو من خمسين ألفا، فتواقعوا عند نهر الطواحين على ثلاث فراسخ من الرملة، وحصروا جوهرا بالرملة فضاق حاله جدا من قلة الطعام والشراب، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك، فسأل من الفتكين على أن يجتمع هو وهو على ظهور الخيل، فأجابه إلى ذلك، فلم يزل يترفق له أن يطلقه حتى يذهب بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرا له مثنيا عليه الخير، ولا يسمع من القرمطى فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك فندّمه القرمطى وقال: الرأى أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم فإنه يذهب إلى أستاذه ثم يجمع العساكر ويأتينا، ولا طاقة لنا به. وكان الأمر كما قال، فإنه لما أطلقه الفتكين من الحصر لم يكن له دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى الفتكين بنفسه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، وفي كثرة من الرجال والعدد والأثقال والأموال، وعلى مقدمته جوهر القائد. وجميع الفتكين والقرمطى الجيوش والأعراب وساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع وستين، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة الفتكين ما بهره، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدم عساكره، وأن يحسن إليه غاية الإحسان. فترجل افتكين عن فرسه بين الصفين وقبل الأرض نحو العزيز، وأرسل إليه يقول: لو كان هذا القول سبق قبل هذا الحال لأمكننى وسارعت وأطعت، وأما الآن فلا. ثم ركب فرسه وحمل على ميسرة العزيز ففرق شملها وبدد خيلها ورجلها، فبرز عند ذلك العزيز من القلب وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة فانهزم القرمطى وتبعه بقية الشاميين وركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون ويأسرون من شاءوا، وتحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه، وأرسل السرايا وراءهم،

стр. 3818

وجعل لا يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به، وجعل لمن جاءه الفتكين مائة ألف دينار، فاتفق أن الفتكين عطش عطشا شديدا، فاجتاز بمفرج بن دغفل، وكان صاحبه، فاستسقاه فسقاه وأنزله عنده في بيوته، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن طلبته عنده، فليحمل المال إلى وليأخذ غريمه، فأرسل إليه بمائة ألف دينار وجاء من تسلمه منه، فلما أحيط بالفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عند العزيز أكرمه غاية الاكرام، ورد إليه حواصله وأمواله لم يفقد منها شيئا، وجعله من أخص أصحابه وأمرائه، وأنزله إلى جانب منزله، ورجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما، وأقطعه هنالك اقطاعات جزيلة، وأرسل إلى القرمطى أن يقدم عليه ويكرمه كما أكرم الفتكين، فامتنع عليه وخاف منه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار، وجعلها له عليه في كل سنة، يكف بها شره، ولم يزل الفتكين مكرما عند العزيز حتى وقع بينه وبين الوزير ابن كاس، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات، وحين علم العزيز بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعا وأربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار ثم رأى أن لا غنى به عنه فأعاده إلى الوزارة. وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير. وفيها توفى من الأعيان سبكتكين الحاجب التركي مولى المعز الديلميّ وحاجبه، وقد ترقى في المراتب حتى آل به الأمر إلى أن قلده الطائع الامارة وخلع عليه وأعطاه اللواء، ولقبه بنور الدولة، وكانت مدة أيامه في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يوما، ودفن ببغداد وداره هي دار الملك ببغداد، وهي دار عظيمة جدا، وقد اتفق له أنه سقط مرة عن فرسه فانكسر صلبه فداواه الطبيب حتى استقام ظهره وقدر على الصلاة إلا أنه لا يستطيع الركوع، فأعطاه شيئا كثيرا من الأموال، وكان يقول للطبيب: إذا ذكرت وجعي ومداواتك لي لا أقدر على مكافأتك، ولكن إذا تذكرت وضعك قدميك على ظهري اشتد غضبى منك. توفى ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرم منها، وقد ترك من الأموال شيئا كثيرا جدا، من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف درهم، وصندوقان من جوهر، وخمسة عشر صندوقا من البلور، وخمسة وأربعين صندوقا من آنية الذهب، ومائة وثلاثون كوكبا من ذهب، منها خمسون وزن كل واحد ألف دينار، وستمائة مركب من فضة وأربعة آلاف ثوب من ديباج، وعشرة آلاف ديبقي وعتابى، وثلاثمائة عدل معكومة من الفرش، وثلاثة آلاف فرس وألف جمل وثلاثمائة غلام وأربعون خادما وذلك غير ما أودع عند أبى بكر البزار. وكان صاحبه. ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة فيها قسم ركن الدولة بن بويه ممالكه بين أولاده عند ما كبرت سنه، فجعل لولده عضد الدولة بلاد فارس وكرمان وأرجان، ولولده مؤيد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همدان والدينور،

стр. 3819

وجعل ولده أبا العباس في كنف عضد الدولة وأوصاه به. وفيها جلس قاضى القضاة ببغداد أبو محمد ابن معروف في دار عز الدولة لفصل الحكومات عن أمره له بذلك، فحكم بين يديه بين الناس وفيها حج بالناس أمير المصريين من جهة العزيز الفاطمي بعد ما حاصر أهل مكة ولقوا شدة عظيمة، وغلت الأسعار بها جدا. وفيها ذكر ابن الأثير أن يوسف بلتكين نائب المعز الفاطمي على بلاد إفريقية ذهب إلى سبتة فأشرف عليها من جبل فطل عليها فجعل يتأمل من أين يحاصرها، فحاصرها نصف يوم فخافه أهلها خوفا شديدا، ثم انصرف عنها إلى مدينة هنالك يقال لها بصرة في المغرب، فأمر بهدمها ونهبها، ثم سار إلى مدينة برغواطة وبها رجل يقال له عيسى بن أم الأنصار، وهو ملكها، وقد اشتدت المحنة به لسحره وشعبذته وادعى أنه نبي فأطاعوه، ووضع لهم شريعة يقتدون بها، فقاتلهم بلتكين فهزمهم وقتل هذا الفاجر ونهب أموالهم وسبى ذراريهم فلم يرسبى أحسن أشكالا منهم فيما ذكره أهل تلك البلاد في ذلك الزمان. وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم أبو بكر الحنبلي، له مسند كبير، روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وأبى محمد الكجي وخلق، وروى عنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة وقد قارب التسعين. ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي المؤرخ فيما ذكره ابن الأثير في الكامل. الحسين بن محمد بن أحمد أبو على الماسرجسي الحافظ، رحل وسمع الكثير وصنف مسندا في ألف وثلاثمائة جزء، بطرقه وعلله، وله المغازي والقبائل، وخرج على الصحيح وغيره، قال ابن الجوزي: وفي بيته وسلفه تسعة عشر محدثا، توفى في رجب منها. أبو أحمد بن عدي الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن أبى أحمد الجرجاني - أبو أحمد بن عدي - الحافظ الكبير المفيد الامام العالم الجوال النقال الرحال، له كتاب الكامل في الجرح والتعديل، لم يسبق إلى مثله ولم يلحق في شكله. قال حمزة عن الدار قطنى: فيه كفاية لا يزاد عليه. ولد أبو أحمد بن عدي في سنة سبع وسبعين ومائتين وهي السنة التي توفى فيها أبو حاتم الرازيّ، وتوفى ابن عدي في جمادى الآخرة من هذه السنة. المعز الفاطمي باني القاهرة معد بن إسماعيل بن سعيد بن عبد الله أبو تميم المدعى أنه فاطمي، صاحب الديار المصرية، وهو أول من ملكها من الفاطميين، وكان أولا ملكا ببلاد إفريقية وما والاها من بلاد المغرب، فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، بعث بين يديه جوهرا القائد فأخذ له بلاد مصر من

стр. 3820

كافور الإخشيدي بعد حروب تقدم ذكرها، واستقرت أيدي الفاطميين عليها، فبنى بها القاهرة وبنى منزل الملك وهما القصران، ثم أقام جوهر الخطبة للمعز الفاطمي في سنة ثنتين وستين وثلاثمائة ثم قدم المعز بعد ذلك ومعه جحافل من الجيوش، وأمراء من المغاربة والأكابر، وحين نزل الاسكندرية تلقاه وجوه الناس فخطبهم بها خطبة بليغة ادعى فيها أنه ينصف المظلوم من الظالم، وافتخر فيها بنسبه وأن الله قد رحم الأمة بهم، وهو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرا وباطنا كما قاله القاضي الباقلاني إن مذهبهم الكفر المحض، واعتقادهم الرفض، وكذلك أهل دولته ومن أطاعه ونصره ووالاه، قبحهم الله وإياه. وقد أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقى أبو بكر النابلسي، فقال له المعز بلغني عنك أنك قلت لو أن معى عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين بسهم، فقال ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله فقال: كيف قلت؟ قال: قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر. قال: ولم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأ ثم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم. فأمر باشهاره في أول يوم ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات ﵀. فكان يقال له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، ولم تزل فيهم بقايا خير، وقد كان المعز قبحه الله فيه شهامة وقوة حزم وشدة عزم، وله سياسة، وكان يظهر أنه يعدل وينصر الحق ولكنه كان مع ذلك منجما يعتمد على حركات النجوم، قال له منجمه: إن عليك قطعا - أي خوفا - في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة. فعمل له سردابا وأحضر الأمراء وأوصاهم بولده نزار ولقبه العزيز وفوض إليه الأمر حتى يعود إليهم، فبايعوه على ذلك، ودخل المعز ذلك السرداب فتوارى فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا سحابا ترجل الفارس منهم له عن فرسه وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ ثم برز إليهم بعد سنة وجلس في مقام الملك وحكم على عادته أياما، ولم تطل مدته بل عاجله القضاء المحتوم، ونال رزقه المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة، وكانت أيامه في الملك قبل أن يملك مصر وبعد ما ملكها ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر والباقي ببلاد المغرب، وجملة عمره كلها خمسة وأربعون سنة وستة أشهر، لأنه ولد بإفريقية في عاشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة وكانت وفاته بمصر في اليوم السابع عشر من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة وهي هذه السنة. ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة فيها توفى ركن الدولة بن على بن بويه وقد جاوز التسعين سنة، وكانت أيام ولايته نيفا وأربعين

стр. 3821

سنة، وقبل موته بسنة قسم ملكه بين أولاده كما ذكرنا، وقد عمل ابن العميد مرة ضيافة في داره وكانت حافلة حضرها ركن الدولة وبنوه وأعيان الدولة، فعهد ركن الدولة في هذا اليوم إلى ابنه عضد الدولة وخلع عضد الدولة على إخوته وسائر الأمراء الأقبية والأكسية على عادة الديلم، وحفوه بالريحان على عادتهم أيضا، وكان يوما مشهودا. وقد كان ركن الدولة قد أسن وكبر وتوفى بعد هذه الوليمة بقليل في هذه السنة، وكان حليما وقورا كثير الصدقات محبا للعلماء فيه بر وكرم وإيثار، وحسن عشرة ورياسة، وحنو على الرعية وعلى أقاربه. وحين تمكن ابنه عضد الدولة قصد العراق ليأخذها من ابن عمه بختيار لسوء سيرته ورداءة سريرته، فالتقوا في هذه السنة بالأهواز فهزمه عضد الدولة وأخذ أثقاله وأمواله، وبعث إلى البصرة فأخذها وأصلح بين أهلها حييى ربيعة ومضر، وكان بينهما خلف متقادم من نحو مائة وعشرين سنة، وكانت مضر تميل إليه وربيعة عليه، ثم اتفق الحيان عليه وقويت شوكته، وأذل بختيار وقبض على وزيره ابن بقية لأنه استحوذ على الأمور دونه، وجبى الأموال إلى خزائنه، فاستظهر عضد الدولة بما وجده في الخزائن والحواصل لابن بقية ولم يبق له منها بقية. وكذلك أمر ركن الدولة بالقبض على وزير أبيه أبى الفتح بن العميد لموجدة تقدمت منه إليه، وقد سلف ذكرها. ولم يبق لابن العميد أيضا في الأرض بقية، وقد كانت الأكابر تتقيه. وقد كان ابن العميد من الفسوق والعصيان بأوفر مكان، فخانته المقادير ونزل به غضب السلطان، ونحن نعوذ بالله من غضب الرحمن. وفي منتصف شوال منها توفى الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب بلاد خراسان وبخارى وغيرها، وكانت ولايته خمس عشر سنة، وقام بالأمر من بعده ولده أبو القاسم نوح، وكان عمره إذ ذاك ثلاث عشرة سنة، ولقب بالمنصور. وفيها توفى الحاكم وهو المستنصر بالله بن الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي، وقد كان هذا من خيار الملوك وعلمائهم، وكان عالما بالفقه والخلاف والتواريخ محبا للعلماء محسنا إليهم. توفى وله من العمر ثلاث وستون سنة وسبعة أشهر، ومدة خلافته منها خمسة عشر سنة وخمسة أشهر، وقام بالأمر من بعده ولده هشام وله عشر سنين ولقب بالمؤيد بالله، وقد اختلف عليه في أيامه واضطربت الرعايا عليه وحبس مدة ثم أخرج وأعيد إلى الخلافة، وقام بأعباء أمره حاجبه المنصور أبو عامر محمد بن أبى عامر المعافري، وابناه المظفر والناصر، فساسوا الرعايا جيدا وعدلا فيهم وغزوا الأعداء واستمر لهم الحال كذلك نحوا من ست وعشرين سنة. وقد ساق ابن الأثير هنا قطعة من أخبارهم وأطال. وفيها رجع ملك حلب إلى أبى المعالي شريف بن سيف الدولة بن حمدان، وذلك أنه لما مات أبوه وقام هو من بعده تغلب قرعويه مولاهم واستولى عليهم سار إليه فأخرجه منها خائفا يترقب،

стр. 3822

ثم جاء فنزل حماه وكانت الروم قد خربت حمص فسعى في عمارتها وترميمها وسكنها، ثم لما اختلفت الأمور على قرعويه كتب أهل حلب إلى أبى المعالي هذا وهو بحمص أن يأتيهم، فسار إليهم فحاصر حلب أربعة أشهر فافتتحها وامتنعت منه القلعة وقد تحصن بها نكجور، ثم اصطلح مع أبى المعالي على أن يؤمنه على نفسه ويستنيبه بحمص، ثم انتقل إلى نيابة دمشق وإليه تنسب هذه المزرعة ظاهر دمشق التي تعرف بالقصر النكجورى. ذكر ابتداء ملك بنى سبكتكين والد محمود صاحب غزنة. وقد كان سبكتكين مولى الأمير أبى إسحاق بن البتكين صاحب جيش غزنة وأعمالها للسامانية، وليس هذا بحاجب معز الدولة، ذاك توفى قبل هذه السنة كما تقدم، وأما هذا فإنه لما مات مولاه لم يترك أحدا يصلح للملك من بعده لا من ولده ولا من قومه، فاصطلح الجيش على مبايعة سبكتكين هذا لصلاحه فيهم وخيره وحسن سيرته، وكمال عقله وشجاعته وديانته، فاستقر الملك في يده واستمر من بعده في ولده السعيد محمود بن سبكتكين، وقد غزا هذا بلاد الهند وفتح شيئا كثيرا من حصونهم، وغنم أموالا كثيرة، وكسر من أصنامهم ونذورهم أمرا هائلا، وباشر من معه من الجيوش حربا عظيمة هائلة، وقد قصده جيبال ملك الهند الأعظم بنفسه وجنوده التي تعم السهول والجبال، فكسره مرتين وردهم إلى بلادهم في أسوإ حال وأردإ بال. وذكر ابن الأثير في كامله أن سبكتكين لما التقى مع جيبال ملك الهند في بعض الغزوات كان بالقرب منهم عين في عقبة باغورك وكان من عادتهم أنها إذا وضعت فيها نجاسة أو قذرا كفهرت السماء وأرعدت وأبرقت وأمطرت، ولا تزال كذلك حتى تطهر تلك العين من ذلك الشيء الّذي ألقى فيها، فأمر سبكتكين بإلقاء نجاسة فيها - وكانت قريبة من نحو العدو - فلم يزالوا في رعود وبروق وأمطار وصواعق حتى ألجأهم ذلك إلى الهرب والرجوع إلى بلادهم خائبين هاربين، وأرسل ملك الهند يطلب من سبكتكين الصلح فأجابه بعد امتناع من ولده محمود، على مال جزيل يحمله إليه، وبلاد كثيرة يسلمها إليه، وخمسين فيلا ورهائن من رءوس قومه يتركها عنده حتى يقوم بما التزمه من ذلك. وفيها توفى أبو يعقوب بن سيف ابن الحسين الجنابي، صاحب هجر ومقدم القرامطة، وقام بالأمر من بعده ستة من قومه وكانوا يسمون بالسادة، وقد اتفقوا على تدبير الأمر من بعده ولم يختلفوا فمشى حالهم. وفيها كانت وفاة. الحسين بن أحمد ابن سعيد الجنابي أبو محمد القرمطى. قال ابن عساكر: واسم أبى سعيد الحسين بن بهرام، ويقال ابن أحمد، يقال أصلهم من الفرس، وقد تغلب هذا على الشام في سنة سبع وخمسين وثلاثمائة ثم عاد

стр. 3823

إلى الأحساء بعد سنة ثم عاد إلى دمشق في سنة ستين، وكسر جيش جعفر بن فلاح، أول من ناب بالشام عن المعز الفاطمي قتله، ثم توجه إلى مصر فحاصرها في مستهل ربيع الأول من سنة إحدى وستين، واستمر محاصرها شهورا، وقد كان استخلف على دمشق ظالم بن موهوب ثم عاد إلى الأحساء ثم رجع إلى الرملة فتوفى بها في هذه السنة، وقد جاوز التسعين، وهو يظهر طاعة عبد الكريم الطائع لله العباسي، وقد أورد له ابن عساكر أشعارا رائقة، من ذلك ما كتب به إلى جعفر بن فلاح قبل وقوع الحرب بينهما وهي من أفحل الشعر: الكتب معذرة والرسل مخبرة … والحق متبع والخير محمود والحرب ساكنة والخيل صافنة … والسلم مبتذل والظل ممدود فان أنبتم فمقبول إنابتكم … وإن أبيتم فهذا الكور مشدود على ظهور المنايا أو يردن بنا … دمشق والباب مسدود ومردود إني امرؤ ليس من شأنى ولا أربى … طبل يرن ولا نأى ولا عود ولا اعتكاف على خمر ومخمرة … وذات دل لها غنج وتفنيد ولا أبيت بطين البطن من شبع … ولى رفيق خميص البطن مجهود ولا تسامت بى الدنيا إلى طمع … يوما ولا غرني فيها المواعيد ومن شعره أيضا: يا ساكن البلد المنيف تعززا … بقلاعه وحصونه وكهوفه لا عز إلا للعزيز بنفسه … وبخيله وبرجله وسيوفه وبقبة بيضاء قد ضربت على … شرف الخيام بجاره وضيوفه قوم إذا اشتد الوغا أردى العدا … وشفى النفوس بضربه وزحوفه لم يجعل الشرف التليد لنفسه … حتى أفاد تليده بطريفه وفيها تملك قابوس بن وشمكير بلاد جرجان وطبرستان وتلك النواحي. وفيها دخل الخليفة الطائع بشاه بار بنت عز الدولة بن بويه، وكان عرسا حافلا. وفيها حجت جميلة بنت ناصر الدولة بن حمدان في تجمل عظيم، حتى كان يضرب المثل بحجها، وذلك أنها عملت أربعمائة محمل وكان لا يدرى في أيها هي، ولما وصلت إلى الكعبة نثرت عشرة آلاف دينار على الفقراء والمجاورين، وكست المجاورين بالحرمين كلهم، وأنفقت أموالا جزيلة في ذهابها وإيابها. وحج بالناس من العراق الشريف أحمد بن الحسين بن محمد العلويّ، وكذلك حج بالناس إلى سنة ثمانين وثلاثمائة، وكانت الخطبة بالحرمين في هذه السنة للفاطميين أصحاب مصر دون العباسيين.

стр. 3824

وممن توفى فيها من الأعيان إسماعيل بن نجيد ابن أحمد بن يوسف أبو عمرو السلمي، صحب الجنيد وغيره، وروى الحديث وكان ثقة، ومن جيد كلامه قوله: من لم تهدك رؤيته فليس بمهذب. وقد احتاج شيخه أبو عثمان مرة إلى شيء فسأل أصحابه فيه فجاءه ابن نجيد بكيس فيه ألفا درهم فقبضه منه وجعل يشكره إلى أصحابه، فقال له ابن نجيد بين أصحابه: يا سيدي إن المال الّذي دفعته إليك كان من مال أمى أخذته وهي كارهة فأنا أحب أن ترده إلى حتى أرده إليها. فأعطاه إياه، فلما كان الليل جاء به وقال أحب أن تصرفها في أمرك ولا تذكرها لأحد. فكان أبو عثمان يقول: أنا أجتني من همة أبى عمرو بن نجيد رحمهم الله تعالى. الحسن بن بويه أبو على ركن الدولة عرض له قولنج فمات في ليلة السبت الثامن والعشرين من المحرم منها، وكانت مدة ولايته أربعا وأربعين سنة وشهرا وتسعة أيام، ومدة عمره ثمان وسبعون سنة، وكان حليما كريما محمد بن إسحاق ابن إبراهيم بن أفلح بن رافع بن رافع بن إبراهيم بن أفلح بن عبد الرحمن بن رفاعة بن رافع أبو الحسن الأنصاري الزرقيّ، كان نقيب الأنصار، وقد سمع الحديث من أبى القاسم البغوي وغيره، وكان ثقة يعرف أيام الأنصار ومناقبهم، وكانت وفاته في جمادى الآخرة منها. محمد بن الحسن ابن أحمد بن إسماعيل أبو الحسن السراج، سمع يوسف بن يعقوب القاضي وغيره، وكان شديد الاجتهاد في العبادة. صلى حتى أقعد، وبكى حتى عمى، توفى يوم عاشوراء منها. القاضي منذر البلوطي ﵀ قاضى قضاة الأندلس، كان إماما عالما فصيحا خطيبا شاعرا أديبا، كثير الفضل، جامعا لصنوف من الخير والتقوى والزهد، وله مصنفات واختيارات، منها أن الجنة التي سكنها آدم وأهبط منها كانت في الأرض وليست بالجنة التي أعدها الله لعباده في الآخرة، وله في ذلك مصنف مفرد، له وقع في النفوس وعليه حلاوة وطلاوة، دخل يوما على الناصر لدين الله عبد الرحمن الأموي وقد فرغ من بناء المدينة الزهراء وقصورها، وقد بنى له فيها قصر عظيم منيف، وقد زخرف بأنواع الدهانات وكسى الستور، وجلس عنده رءوس دولته وأمراؤه، فجاءه القاضي فجلس إلى جانبه وجعل الحاضرون يثنون على ذلك البناء ويمدحونه، والقاضي ساكت لا يتكلم، فالتفت إليه الملك وقال. ما تقول أنت يا أبا الحكم؟ فبكى القاضي وانحدرت دموعه على لحيته وقال: ما كنت أظن أن الشيطان أخزاه الله يبلغ منك هذا المبلغ المفضح المهتك، المهلك لصاحبه في الدنيا والآخرة، ولا أنك تمكنه

стр. 3825

من قيادك مع ما آتاك الله وفضلك به على كثير من الناس، حتى أنزلك منازل الكافرين والفاسقين. قال الله تعالى ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً لَجَعَلْنا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِنْ فِضَّةٍ وَمَعارِجَ عَلَيْها يَظْهَرُونَ، * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْواباً وَسُرُراً عَلَيْها يَتَّكِؤُنَ * وَزُخْرُفاً﴾ الآية. قال: فوجم الملك عند ذلك وبكى وقال: جزاك الله خيرا، وأكثر في المسلمين مثلك. وقد قحط في بعض السنين فأمره الملك أن يستسقى للناس، فلما جاءته الرسالة مع البريد قال للرسول: كيف تركت الملك؟ فقال تركته أخشع ما يكون وأكثره دعاء وتضرعا. فقال القاضي: سقيتم والله، إذا خشع جبار الأرض رحم جبار السماء. ثم قال لغلامه: ناد في الناس الصلاة. فجاء الناس إلى محل الاستسقاء وجاء القاضي منذر فصعد المنبر والناس ينظرون إليه ويسمعون ما يقول، فلما أقبل عليهم كان أول ما خاطبهم به قال: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ثم أعادها مرارا فأخذ الناس في البكاء والنحيب والتوبة والانابة، فلم يزالوا كذلك حتى سقوا ورجعوا يخوضون الماء. أبو الحسن على بن أحمد ابن المرزبان الفقيه الشافعيّ، تفقه بأبي الحسين بن القطان وأخذ عنه الشيخ أبو حامد الأسفراييني. قال ابن خلكان: كان ورعا زاهدا ليس لأحد عنده مظلمة، وله في المذهب وجه، وكان له درس ببغداد. توفى في رجب منها. ثم دخلت سنة سبع وستين وثلاثمائة فيها دخل عضد الدولة إلى بغداد وخرج منها عز الدولة بختيار واتبعه عضد الدولة وأخذ معه الخليفة فاستعفاه فأعفاه، وسار عضد الدولة وراءه فأخذه أسيرا، ثم قتل سريعا وتصرمت دولته واستقر أمر عضد الدولة ببغداد، وخلع عليه الخليفة الخلع السنية والأسورة والطوق، وأعطاه لواءين أحدهما ذهب والآخر فضة، ولم يكن هذا لغيره إلا لأولياء العهد، وأرسل إليه الخليفة بتحف سنية، وبعث عضد الدولة إلى الخليفة أموالا جزيلة من الذهب والفضة واستقرت يده على بغداد وما والاها من البلاد، وزلزلت بغداد مرارا في هذه السنة، وزادت دجلة زيادة كثيرة غرق بسببها خلق كثير، وقيل لعضد الدولة إن أهل بغداد قد قلوا كثيرا بسبب الطاعون وما وقع بينهم من الفتن بسبب الرفض والسنة وأصابهم حريق وغرق، فقال: إنما يهيج الشر بين الناس هؤلاء القصاص والوعاظ، ثم رسم أن أحدا لا يقص ولا يعظ في سائر بغداد ولا يسأل سائل باسم أحد من الصحابة، وإنما يقرأ القرآن فمن أعطاه أخذ منه. فعمل بذلك في البلد، ثم بلغه أن أبا الحسين بن سمعون الواعظ - وكان من الصالحين - لم يترك الوعظ بل استمر على عادته، فأرسل إليه من جاء به،

стр. 3826

وتحول عضد الدولة من مجلسه وجلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون إليه بين الدولة كلام يكرهه، وقيل لابن سمعون إذا دخلت على الملك فتواضع في الخطاب وقبّل التراب. فلما دخل دار الملك وجده قد جلس وحده لئلا يبدر من ابن سمعون في حقه كلام بحضرة الناس يؤثر عنه. ودخل الحاجب بين يديه يستأذن له عليه ودخل ابن سمعون وراءه، ثم استفتح القراءة بقوله ﴿وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ﴾ الآية. ثم التفت بوجهه نحو دار عز الدولة ثم قرأ ﴿ثُمَّ جَعَلْناكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ ثم أخذ في مخاطبة الملك ووعظه فبكى عضد الدولة بكاء كثيرا، وجزاه خيرا. فلما خرج من عنده قال للحاجب: اذهب فخذ ثلاثة آلاف درهم وعشرة أثواب وادفعها له فان قبلها جئني برأسه، قال الحاجب: فجئته فقلت: هذا أرسل به الملك إليك. فقال: لا حاجة لي به، هذه ثيابي من عهد أبى منذ أربعين سنة كلما خرجت إلى الناس لبستها، فإذا رجعت طويتها، ولي دار آكل من أجرتها تركها لي أبى فانا في غنية عما أرسل به الملك. فقلت: فرقها في فقراء أهلك. فقال: فقراء أهله أحق بها من فقراء أهلي، وأفقر إليها منهم. فرجعت إلى الملك لأشاوره وأخبره بما قال، فسكت ساعة ثم قال: الحمد لله الّذي سلمه منا وسلمنا منه. ثم إن عضد الدولة أخذ ابن بقية الوزير لعز الدولة فأمر به فوضع بين قوائم الفيلة فتخبطته بأرجلها حتى هلك، ثم صلب على رأس الجسر في شوال منها، فرثاه أبو الحسين بن الأنباري بأبيات يقول فيها: علو في الحياة وفي الممات … بحق أنت إحدى المعجزات كأن الناس حولك حين قاموا … وفود نداك أيام الصلات كأنك واقف فيهم خطيبا … وكلهم وقوف للصلاة مددت يديك نحوهم احتفاء … كمدهما إليهم بالهبات وهي قصيدة طويلة أورد كثيرا منها ابن الأثير في كامله. صفة مقتل عز الدولة بختيار بن معز الدولة وأخذ الموصل وأعمالها لما دخل عضد الدولة بغداد وتسلمها خرج منها بختيار ذليلا طريدا في فل من الناس، ومن عزمه أن يذهب إلى الشام فيأخذها، وكان عضد الدولة قد حلفه أن لا يتعرض لأبى تغلب لمودة كانت بينهما ومراسلات، فحلف له على ذلك، وحين خرج من بغداد كان معه حمدان بن ناصر الدولة ابن حمدان فحسن لعز الدولة أخذ بلاد الموصل من أبى تغلب، لأنها أطيب وأكثر مالا من الشام وأقرب إليه، وكان عز الدولة ضعيف العقل قليل الدين، فلما بلغ ذلك أبا تغلب أرسل إلى عز الدولة يقول له: لئن أرسلت إلى ابن أخى حمدان بن ناصر الدولة أغنيتك بنفسي وجيشي حتى آخذ لك ملك بغداد من عضد الدولة، وأردك إليها. فعند ذلك أمسك حمدان وأرسله إلى عمه أبى تغلب

стр. 3827

فسجنه في بعض القلاع وبلغ ذلك عضد الدولة وأنهما قد اتفقا على حربه فركب إليهما بجيشه وأراد إخراج الخليفة الطائع معه فاستعفاه فأعفاه فذهب إليهما فالتقى معهما فكسرهما وهزمهما، وأخذ عز الدولة أسيرا وقتله من فوره، وأخذ الموصل ومعاملتها، وكان قد حمل معه ميرة كثيرة، وشرد أبا تغلب في البلاد وبعث وراءه السرايا في كل وجه، وأقام بالموصل إلى أواخر سنة ثمان وستين، وفتح ميافارقين وآمد وغيرهما من بلاد بكر وربيعة، وتسلم بلاد مضر من أيدي نواب أبى تغلب، وأخذ منهم الرحبة ورد بقيتها على صاحب حلب سعد الدولة بن سيف الدولة، وتسلط على سعد الدولة، وحين رجع من الموصل استناب عليها أبا ألوفا، وعاد إلى بغداد فتلقاه الخليفة ورءوس الناس إلى ظاهر البلد، وكان يوما مشهودا. ومما وقع من الحوادث فيها الوقعة التي كانت بين العزيز بن المعز الفاطمي وبين الفتكين غلام معز الدولة صاحب دمشق فهزمه وأسره وأخذه معه إلى الديار المصرية مكرما معظما كما تقدم، وتسلم العزيز دمشق وأعمالها، وقد تقدم بسط ذلك في سنة أربع وستين. وفيها خلع على القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي بقضاء قضاة الري وما تحت حكم مؤيد الدولة بن ركن الدولة، وله مصنفات حسنة، منها دلائل النبوة وعمد الأدلة وغيرها. وحج بالناس فيها نائب المصريين وهو الأمير باديس بن زيري أخو يوسف بن بلكين. ولما دخل مكة اجتمع إليه اللصوص وسألوا منه أن يضمّنهم الموسم هذا العام بما شاء من الأموال. فأظهر لهم الاجابة إلى ما سألوا وقال لهم: اجتمعوا كلكم حتى أضمنكم كلكم، فاجتمع عنده بضع وثلاثون حراميا، فقال: هل بقي منكم أحد؟ فحلفوا له إنه لم يبق منهم أحد. فأخذ عند ذلك بالقبض عليهم وبقطع أيديهم كلهم، ونعما ما فعل. وكانت الخطبة في الحجاز للفاطميين دون العباسيين. وممن توفى فيها من الأعيان الملك عز الدولة. بختيار بن بويه الديلميّ ملك بعد أبيه وعمره فوق العشرين سنة بقليل، وكان حسن الجسم شديد البطش قوى القلب، يقال إنه كان يأخذ بقوائم الثور الشديد فيلقيه في الأرض من غير أعوان، ويقصد الأسود في أماكنها، ولكنه كان كثير اللهو واللعب والإقبال على اللذات، ولما كسره ابن عمه ببلاد الأهواز كان في جملة ما أخذ منه أمرد كان يحبه حبا شديدا لا يهنأ بالعيش إلا معه، فبعث يترفق له في رده إليه، وأرسل إليه بتحف كثيرة وأموال جزيلة وجاريتين عوادتين لا قيمة لهما، فرد عليه الغلام المذكور فكثر تعنيف الناس له عند ذلك وسقط من أعين الملوك، فإنه كان يقول: ذهاب هذا الغلام منى أشد على من أخذ بغداد من يدي، بل وأرض العراق كلها. ثم كان من أمره بعد ذلك

стр. 3828

أن ابن عمه أسره كما ذكرنا وقتله سريعا، فكانت مدة حياته ستا وثلاثين سنة، ومدة دولته منها إحدى وعشرين سنة وشهور، وهو الّذي أظهر الرفض ببغداد وجرى بسبب ذلك شرور كما تقدم. محمد بن عبد الرحمن أبو بكر القاضي المعروف بابن قريعة، ولى القضاء بالسندية، وكان فصيحا يأتى بالكلام المسجوع من غير تكلف ولا تردد، وكان جميل المعاشرة ومن شعره: لي حيلة في من ينمم … وليس في الكذاب حيلة من كان يخلق ما يقول … فحيلتي فيه قليلة وكان يقول للرجل من أصحابه إذا تماشيا: إذا تقدمت بين يديك فانى حاجب وإن تأخرت فواجب. توفى يوم السبب لعشر بقين من جمادى الآخرة منها. ثم دخلت سنة ثمان وستين وثلاثمائة في شعبان منها أمر الطائع لله أن يدعى لعضد الدولة بعد الخليفة على المنابر ببغداد، وأن تضرب الدبادب على بابه وقت الفجر وبعد المغرب والعشاء. قال ابن الجوزي: وهذا شيء لم يتفق لغيره من بنى بويه، وقد كان معز الدولة سأل من الخليفة أن يضرب الدبادب على بابه فلم يأذن له، وقد افتتح عز الدولة في هذه السنة وهو مقيم بالموصل أكثر بلاد أبى تغلب بن حمدان، كآمد والرحبة وغيرهما، ثم دخل بغداد في سلخ ذي القعدة فتلقاه الخليفة والأعيان إلى أثناء الطريق. ذكر ملك قسام التراب لدمشق فيها لما ذهب الفتكين إلى ديار مصر نهض رجل من أهل دمشق يقال له قسام التراب، كان الفتكين يقربه ويدنيه، ويأمنه على أسراره، فاستحوذ على دمشق وطاوعه أهلها وقصدته عساكر العزيز من مصر فحاصروه فلم يتمكنوا منه، وجاء أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان فحاصره فلم يقدر أن يدخل دمشق، فانصرف عنه خائبا إلى طبرية، فوقع بينه وبين بنى عقيل وغيرهم من العرب حروب طويلة، آل الحال إلى أن قتل أبو تغلب وكانت معه أخته وجميلة امرأته وهي بنت سيف الدولة، فردتا إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، فأخذ أخته وبعث بجميلة إلى بغداد فحبست في دار وأخذ منها أموال جزيله. وأما قسام التراب هذا - وهو من بنى الحارث بن كعب من اليمن - فإنه أقام بالشام فسد خللها وقام بمصالحها مدة سنين عديدة، وكان مجلسه بالجامع يجتمع الناس إليه فيأمرهم وينهاهم فيمتثلون ما يأمر به. قال ابن عساكر: أصله من قرية تلفيتا، وكان ترابا. قلت والعامة يسمونه قسيم الزبال، وإنما هو قسام، ولم يكن زبالا بل ترابا من قرية تلفيتا بالقرب من قرية منين، وكان بدو أمره أنه انتمى إلى رجل من أحداث أهل دمشق يقال له أحمد بن المسطان، فكان من

стр. 3829

حزبه ثم استحوذ على الأمور وغلب على الولاة والأمراء إلى أن قدم بلكتكين التركي من مصرفى يوم الخميس السابع عشر من المحرم سنة ست وسبعين وثلاثمائة، فأخذها منه واختفى قسام التراب مدة ثم ظهر فأخذه أسيرا وأرسله مقيدا إلى الديار المصرية، فأطلق وأحسن إليه وأقام بها مكرما. وممن توفى فيها من الأعيان. العقيقي صاحب الحمام والدار المنسوبتين إليه بدمشق بمحلة باب البريد، واسمه أحمد بن الحسن العقيقي ابن جعفر بن عبد الله بن الحسين الأصغر بن على بن الحسن بن على بن أبى طالب، الشريف أبو القاسم الحسين العقيقي، قال ابن عساكر: كان من وجوه الأشراف بدمشق وإليه تنسب الدار والحمام بمحلة باب البريد. وذكر أنه توفى يوم الثلاثاء لأربع خلون من جمادى الأولى منها، وأنه دفن من الغد وأغلقت البلد لأجل جنازته، وحضرها نكجور وأصحابه - يعنى نائب دمشق - ودفن خارج باب الصغير. قلت: وقد اشترى الملك الظاهر بيبرس داره وبناها مدرسة ودار حديث وتربة وبها قبره، وذلك في حدود سنة سبعين وستمائة كما سيأتي بيانه. أحمد بن جعفر ابن مالك بن شبيب بن عبد الله أبو بكر بن مالك القطيعي - من قطيعة الدقيق ببغداد - راوي مسند أحمد عن ابنه عبد الله، وقد روى عنه غير ذلك من مصنفات أحمد، وحدث عن غيره من المشايخ، وكان ثقة كثير الحديث، حدث عنه الدار قطنى وابن شاهين والبرقاني وأبو نعيم والحاكم، ولم يمتنع أحد من الرواية عنه ولا التفتوا إلى ما طعن عليه بعضهم وتكلم فيه، بسبب غرق كتبه حين غرقت القطيعة بالماء الأسود، فاستحدث بعضها من نسخ أخرى، وهذا ليس بشيء، لأنها قد تكون معارضة على كتبه التي غرقت والله أعلم. ويقال إنه تغير في آخر عمره فكان لا يدرى ما جرى عليه، وقد جاوز التسعين. تميم بن المعز الفاطمي وبه كان يكنى، وقد كان من أكابر أمراء دولة أبيه وأخيه العزيز، وقد اتفقت له كائنة غريبة وهي أنه أرسل إلى بغداد فاشتريت له جارية مغنية بمبلغ جزيل، فلما حضرت عنده أضاف أصحابه ثم أمرها فغنت - وكانت تحب شخصا ببغداد -: وبدا له من بعد ما انتقل الهوى … برق تألق من هنا لمعانه يبدو لحاشية اللواء ودونه … صعب الذرى متمنع أركانه فبدا لينظر كيف لاح فلم يطق … نظرا إليه وشده أشجانه فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه … والماء ما سمحت به اجفانه ثم غنته أبياتا غيرها فاشتد طرب تميم هذا وقال لها: لا بد أن تسألينى حاجة، فقالت: عافيتك.

стр. 3830

فقال: ومع العافية. فقالت: تردني إلى بغداد حتى أغنى بهذه الأبيات، فوجم لذلك ثم لم يجد بدا من الوفاء لها بما سألت، فأرسلها مع بعض أصحابه فأحجبها ثم سار بها على طريق العراق، فلما أمسوا في الليلة التي يدخلون فيها بغداد من صبيحتها ذهبت في الليل فلم يدر أين ذهبت، فلما سمع تميم خبرها شق عليه ذلك وتألم ألما شديدا، وندم ندما شديدا حيث لا ينفعه الندم. أبو سعيد السيرافي النحويّ الحسن بن عبد الله بن المرزبان. القاضي، سكن بغداد وولى القضاء بها نيابة، وله شرح كتاب سيبويه، وطبقات النحاة. روى عن أبى بكر بن دريد وغيره، وكان أبوه مجوسيا، وكان أبو سعيد هذا عالما باللغة والنحو والقراءات والفرائض والحساب وغير ذلك من فنون العلم، وكان مع ذلك زاهدا لا يأكل إلا من عمل يده، كان ينسخ في كل يوم عشر ورقات بعشرة دراهم، تكون منها نفقته، وكان من أعلم الناس بنحو البصريين، وكان ينتحل مذهب أهل العراق في الفقه، وقرأ القراءات على ابن مجاهد، واللغة على ابن دريد، والنحو على ابن السراج وابن المرزبان، ونسبه بعضهم إلى الاعتزال وأنكره آخرون. توفى في رجب منها عن أربع وثمانين سنة، ودفن بمقبرة الخيزران. عبد الله بن إبراهيم ابن أبى القاسم الريحاني، ويعرف بالانبدرى، رحل في طلب الحديث إلى الآفاق ووافق ابن عدي في بعض ذلك، ثم سكن بغداد وحدث بها عن أبى يعلى والحسن بن سفيان وابن خزيمة وغيرهم، وكان ثقة ثبتا، له مصنفات، زاهدا روى عنه البرقاني وأثنى عليه خيرا، وذكر أن أكثر أدم أهله الخبز المأدوم بمرق الباقلاء، وذكر القفصي من تقلله وزهده وورعه. توفى عن خمس وتسعين سنة. عبد الله بن محمد بن ورقاء الأمير أبو أحمد الشيباني من أهل البيوتات والحشمة، بلغ التسعين سنة، روى عن ابن الأعرابي أنه أنشد في صفة النساء: هي الضلع العوجاء لست تقيمها … ألا إن تقويم الضلوع انكسارها أيجمعن ضعفا واقتدارا على الفتى … أليس عجيبا ضعفها واقتدارها؟ قلت: وهذا المعنى أخذه من الحديث الصحيح: «إن المرأة خلقت من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فان ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج». محمد بن عيسى ابن عمرويه الجلودي راوي صحيح مسلم عن إبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه عن مسلم بن الحجاج وكان من الزهاد، يأكل من كسب يده من النسخ وبلغ ثمانين سنة.

стр. 3831

ثم دخلت سنة تسع وستين وثلاثمائة في المحرم منها توفى الأمير عمر بن شاهين صاحب بلاد البطيحة منذ أربعين سنة، تغلب عليها وعجز عنه الأمراء والملوك والخلفاء، وبعثوا إليه الجنود والسرايا والجيوش غيره مرة، فكل ذلك يفلها ويكسرها، وكل ما له في تمكن وزيادة وقوة، ومكث كذلك هذه المدة، ومع هذا كله مات على فراشه حتف أنفه، فلا نامت أعين الجبناء. وقام بالأمر من بعده ولده الحسن فرام عضد الدولة أن ينتزع الملك من يده، فأرسل إليه سرية حافلة من الجنود فكسرهم الحسن بن عمر بن شاهين، وكاد أن يتلفهم بالكلية حتى أرسل إليه عضد الدولة فصالحه على مال يحمله إليه في كل سنة، وهذا من العجائب الغريبة. وفي صفر قبض على الشريف أبى أحمد الحسن بن موسى الموسوي نقيب الطالبيين، وقد كان أمير الحج مدة سنين، اتهم بأنه يفشي الأسرار وأن عز الدولة أودع عنده عقدا ثمينا، ووجدوا كتابا بخطه في إفشاء الأسرار فأنكر أنه خطه وكان مزورا عليه، واعترف بالعقد فأخذ منه وعزل عن النقابة وولوا غيره، وكان مظلوما. وفي هذا الشهر أيضا عزل عضد الدولة قاضى القضاة أبا محمد بن معروف، وولى غيره وفي شعبان منها ورد البريد من مصر إلى عضد الدولة بمراسلات كثيرة فرد الجواب بما مضمونه صدق النية وحسن الطوية ثم سأل عضد الدولة من الطائع أن يجدد عليه الخلع والجواهر، وأن يزيد في إنشائه تاج الدولة، فأجابه إلى ذلك، وخلع عليه من أنواع الملابس ما لم يتمكن معه من تقبيل الأرض بين يدي الخليفة، وفوض إليه ما وراء بابه من الأمور ومصالح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وحضر ذلك أعيان الناس، وكان يوما مشهودا. وأرسل في رمضان إلى الأعراب من بنى شيبان وغيرهم فعقرهم وكسرهم، وكان أميرهم منبه ابن محمد الأسدي متحصنا بعين التمر مدة نيف وثلاثين سنة، فأخذ ديارهم وأموالهم. وفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي القعدة تزوج الطائع لله بنت عضد الدولة الكبرى، وعقد العقد بحضرة الأعيان على صداق مبلغه مائة ألف دينار، وكان وكيل عضد الدولة الشيخ أبا على الحسين بن أحمد الفارسي النحويّ، صاحب الإيضاح والتكملة، وكان الّذي خطب خطبة العقد القاضي أبو على الحسن بن على التنوخي. قال ابن الأثير: وفيها جدد عضد الدولة عمارة بغداد ومحاسنها، وجدد المساجد والمشاهد، وأجرى على الفقهاء الأرزاق وعلى الأئمة من الفقهاء والمحدثين والأطباء والحساب وغيرهم، وأطلق الصلات لأرباب البيوتات والشرف، وألزم أصحاب الأملاك بعمارة بيوتهم ودورهم، ومهد الطرقات وأطلق المكوس وأصلح الطريق للحجاج من بغداد إلى مكة، وأرسل الصدقات للمجاورين بالحرمين. قال: وأذن لوزيره نصر بن هارون - وكان نصرانيا - بعمارة البيع والأديرة وأطلق الأموال لفقرائهم.

стр. 3832

وفيها توفى حسنويه بن حسين الكردي، وكان قد استحوذ على نواحي بلاد الدينور وهمدان ونهاوند مدة خمسين سنة، وكان حسن السيرة كثير الصدقة بالحرمين وغيرهما، فلما توفى اختلف أولاده من بعده وتمرق شملهم، وتمكن عضد الدولة من أكثر بلادهم، وقويت شوكته في تلك الأرض. وفيها ركب عضد الدولة في جنود كثيفة إلى بلاد أخيه فخر الدولة، وذلك لما بلغه من ممالأته لعز الدولة واتفاقهم عليه، فتسلم بلاد أخيه فخر الدولة وهمدان والري وما بينهما من البلاد، وسلم ذلك إلى مؤيد الدولة - وهو أخوه الآخر - ليكون نائبة عليها، ثم سار إلى بلاد حسنويه الكردي فتسلمها وأخذ حواصله وذخائره، وكانت كثيرة جدا، وحبس بعض أولاده وأسر بعضهم، وأرسل إلى الأكراد الهكارية فأخذ منهم بعض بلادهم، وعظم شأنه وارتفع صيته، إلا أنه أصابه في هذا السفر داء الصداع، وكان قد تقدم له بالموصل مثله، وكان يكتمه إلى أن غلب عليه كثرة النسيان فلا يذكر الشيء إلا بعد جهد جهيد، والدنيا لا تسر بقدر ما تضر: دار إذا ما أضحكت في يومها … أبكت غدا، بعدا لها من دار وفيها توفى من الأعيان أحمد بن زكريا أبو الحسن اللغوي صاحب كتاب المجمل في اللغة وغيره، ومن شعره قبل موته بيومين: يا رب إن ذنوبي قد أحطت بها … علما وبى وباعلانى وأسرارى أنا الموحد لكنى المقر بها … فهب ذنوبي لتوحيدى وإقراري ذكر ذلك ابن الأثير. أحمد بن عطاء بن أحمد أبو عبد الله الروذبارى - ابن أخت أبى على الروذبارى - أسند الحديث، وكان يتكلم على مذهب الصوفية، وكان قد انتقل من بغداد فأقام بصور وتوفى بها في هذه السنة. قال: رأيت في المنام كأن قائلا يقول: أي شيء أصح في الصلاة؟ فقلت صحة القصد، فسمعت قائلا يقول. رؤية المقصود بإسقاط رؤية القصد أتم. وقال: مجالسة الاضداد ذوبان الروح، ومجالسة الأشكال تلقيح العقول، وليس كل من يصلح للمجالسة يصلح للمؤانسة، ولا كل من يصلح للمؤانسة يؤمن على الأسرار، ولا يؤمن على الأسرار الا الأمناء فقط. وقال: الخشوع في الصلاة علامة الفلاح. قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ﴾ وترك الخشوع في الصلاة علامة النفاق وخراب القلب. قال تعالى ﴿إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ﴾. عبد الله بن إبراهيم ابن أيوب بن ماسي أبو محمد البزاز، أسند الكثير وبلغ خمسا وتسعين سنة، وكان ثقة ثبتا. توفى في رجب منها محمد بن صالح ابن على بن يحيى أبو الحسن الهاشمي، يعرف بابن أم شيبان، كان عالما فاضلا، له تصانيف، وقد

стр. 3833

ولى الحكم ببغداد قديما وكان جيد السيرة، توفى فيها وقد جاوز السبعين وقارب الثمانين. ثم دخلت سنة سبعين وثلاثمائة فيها ورد الصاحب بن عباد من جهة مؤيد الدولة إلى أخيه عضد الدولة فتلقاه عضد الدولة إلى ظاهر البلد وأكرمه وأمر الأعيان باحترامه، وخلع عليه وزاده في إقطاعه، ورد معه هدايا كثيرة. وفي جمادى الآخرة منها رجع عضد الدولة إلى بغداد فتلقاه الخليفة الطائع وضرب له القباب وزينت الأسواق. وفي هذا الشهر أيضا وصلت هدايا من صاحب اليمن إلى عضد الدولة، وكانت الخطبة بالحرمين لصاحب مصر، وهو العزيز بن المعز الفاطمي. وممن توفى فيها من الأعيان. أبو بكر الرازيّ الحنفي أحمد بن على أبو بكر الفقيه الحنفي الرازيّ أحد أئمة أصحاب أبى حنيفة، وله من المصنفات المفيدة كتاب أحكام القرآن، وهو تلميذ أبى الحسن الكرخي، وكان عابدا زاهدا ورعا، انتهت إليه رياسة الحنفية في وقته ورحل إليه الطلبة من الآفاق، وقد سمع الحديث من أبى العباس الأصم وأبى القاسم الطبراني، وقد أراده الطائع على أن يوليه القضاء فلم يقبل، توفى في ذي الحجة من هذا العام، وصلى عليه أبو بكر محمد بن موسى الخوارزمي. محمد بن جعفر ابن محمد بن زكريا أبو بكر الوراق، ويلقب بغندر، كان جوالا رحالا، سمع الكثير ببلاد فارس وخراسان، وسمع الباغندي وابن صاعد وابن دريد وغيرهم، وعنه الحافظ أبو نعيم الأصفهانيّ، وكان ثقة حافظا. ابن خالويه الحسين بن أحمد بن خالويه أبو عبد الله النحويّ اللغوي صاحب المصنفات، أصله من همذان، ثم دخل بغداد فأدرك بها مشايخ هذا الشأن. كابن دريد وابن مجاهد، وأبى عمر الزاهد، واشتغل على أبى سعيد السيرافي ثم صار إلى حلب فعظمت مكانته عند آل حمدان، وكان سيف الدولة يكرمه وهو أحد جلسائه، وله مع المتنبي مناظرات. وقد سرد له ابن خلكان مصنفات كثيرة منها كتاب ليس في كلام العرب - لأنه كان يكثر أن يقول ليس في كلام العرب كذا وكذا - وكتاب الآل تكلم فيه على أقسامه وترجم الأئمة الاثني عشر وأعرب ثلاثين سورة من القرآن، وشرح الدريدية وغير ذلك، وله شعر حسن، وكان به داء كانت به وفاته. ثم دخلت سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة في ربيع الأول منها وقع حريق عظيم بالكرخ، وفيها سرق شيء نفيس لعضد الدولة فتعجب الناس من جرأة من سرقه مع شدة هيبة عضد الدولة، ثم مع هذا اجتهدوا كل الاجتهاد فلم يعرفوا من

стр. 3834

أخذه. ويقال إن صاحب مصر بعث من فعل ذلك فالله أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان. الإسماعيلي أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبو بكر الإسماعيلي الجرجاني الحافظ الكبير الرحال الجوال، سمع الكثير وحدث وخرّج وصنف فأفاد وأجاد، وأحسن الانتقاد والاعتقاد، صنف كتابا على صحيح البخاري فيه فوائد كثيرة، وعلوم غزيرة. قال الدار قطنى: كنت عزمت غير مرة على الرحلة إليه فلم أرزق. وكانت وفاته يوم السبت عاشر رجب سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة، وهو ابن أربع وسبعين سنة ﵀. الحسن بن صالح أبو محمد السبيعي، سمع ابن جرير وقاسما المطرز وغيرهما، وعنه الدار قطنى والبرقاني، وكان ثقة حافظا مكثرا وكان عسر الرواية. الحسن بن على بن الحسن ابن الهيثم بن طهمان أبو عبد الله الشاهد، المعروف بالبادى، سمع الحديث وكان ثقة، عاش سبعا وتسعين سنة، منها خمس عشرة سنة مقيدا أعمى. عبد الله بن الحسين ابن إسماعيل بن محمد أبو بكر الضبيّ، ولى الحكم ببغداد، وكان عفيفا نزها دينا. عبد العزيز بن الحارث ابن أسد بن الليث أبو الحسن التميمي الفقيه الحنبلي. له كلام ومصنف في الخلاف، وسمع الحديث وروى عن غير واحد، وقد ذكر الخطيب البغدادي أنه وضع حديثا. وأنكر ذلك ابن الجوزي وقال: ما زال هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد بن حنبل. قال: وشيخ الخطيب الّذي حكى عنه هذا هو أبو القاسم عبد الواحد بن أسد العكبريّ لا يعتمد على قوله، فإنه كان معتزليا وليس من أهل الحديث، وكان يقول بأن الكفار لا يخلدون في النار. قلت: وهذا غريب فان المعتزلة يقولون بأن الكفار يخلدون في النار، بل يقولون بتخليد أصحاب الكبائر. قال: وعنه حكى الكلام عن ابن بطة أيضا على بن إبراهيم أبو الحسن الحصرى الصوفي الواعظ شيخ المتصوفة ببغداد، أصله من البصرة صحب الشبلي وغيره، وكان يعظ الناس بالجامع، ثم لما كبرت سنه بنى له الرباط المقابل لجامع المنصور، ثم عرف بصاحبه المروزي، وكان لا يخرج إلا من الجمعة إلى الجمعة، وله كلام جيد في التصوف على طريقتهم. ومما نقله ابن الجوزي عنه أنه قال: ما على منى؟ وأي شيء لي في؟ حتى أخاف وأرجو، إن رحم رحم ماله،

стр. 3835

وإن عذب عذب ماله. توفى في ذي الحجة وقد نيف على الثمانين، ودفن بمقبرة دار حرب من بغداد. على بن محمد الأحدب المزور كان قوى الخط، له ملكة على التزوير لا يشاء يكتب على أحد كتابة إلا فعل، فلا يشك ذلك المزور عليه أنه خطه، وحصل للناس به بلاء عظيم، وختم السلطان على يده مرارا فلم يقدر، وكان يزور ثم كانت وفاته في هذه السنة. الشيخ أبو زيد المروزي الشافعيّ محمد بن أحمد بن عبد الله بن محمد أبو زيد المروزي شيخ الشافعية في زمانه وإمام أهل عصره في الفقه والزهد والعبادة والورع، سمع الحديث ودخل بغداد وحدث بها فسمع منه الدار قطنى وغيره. قال أبو بكر البزار: عادلت الشيخ أبا زيد في طريق الحج فما أعلم أن الملائكة كتبت عليه خطيئة. وقد ذكرت ترجمته بكمالها في طبقات الشافعية. قال الشيخ أبو نعيم: توفى بمرو يوم الجمعة الثالث عشر من رجب من هذه السنة محمد بن خفيف أبو عبد الله الشيرازي أحد مشاهير الصوفية، صحب الجريريّ وابن عطاء وغيرهما. قال ابن الجوزي: وقد ذكرت في كتابي المسمى بتلبيس إبليس عنه حكايات تدل على أنه كان يذهب مذهب الاباحية ثم دخلت سنة ثنتين وسبعين وثلاثمائة قال ابن الجوزي: في المحرم منها جرى الماء الّذي ساقه عضد الدولة إلى داره وبستانه. وفي صفر فتح المارستان الّذي أنشأه عضد الدولة في الجانب الغربي من بغداد، وقد رتب فيه الأطباء والخدم، ونقل إليه من الأدوية والأشربة والعقاقير شيئا كثيرا. وقال: وفيها توفى عضد الدولة فكتم أصحابه وفاته حتى أحضروا ولده صمصامة فولوه الأمر وراسلوا الخليفة فبعث إليه بالخلع والولاية ذكر شيء من أخبار عضد الدولة أبو شجاع ابن ركن الدولة أبو على الحسين بن بويه الديلميّ، صاحب ملك بغداد وغيرها، وهو أول من تسمى شاهنشاه، ومعناه ملك الملوك. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «أوضع اسم - وفي رواية أخنع اسم - عند الله رجل تسمى ملك الملوك» وفي رواية «ملك الأملاك لا ملك إلا الله ». وهو أول من ضربت له الدبادب ببغداد، وأول من خطب له بها مع الخليفة. وذكر ابن خلكان أنه امتدحه الشعراء بمدائح هائلة منهم المتنبي وغيره، فمن ذلك قول أبى الحسن محمد بن عبد الله السلامي في قصيدة له: إليك طوى عرض البسيطة جاعل … قصارى المطايا أن يلوح لها القصر فكنت وعزمي في الظلام وصارمى … ثلاثة القفصي كما اجتمع النسر

стр. 3836

وبشرت آمالى بملك هو الورى … ودار هي الدنيا ويوم هو الدهر وقال المتنبي أيضا: هي الغرض الأقصى ورؤيتك المنى … ومنزلك الدنيا وأنت الخلائق قال وقال أبو بكر أحمد الأرجاني في قصيدة له بيتا فلم يلحق السلامي أيضا وهو قوله: لقيته فرأيت الناس في رجل … والدهر في ساعة والأرض في دار قال: وكتب إليه افتكين مولى أخيه يستمده بجيش إلى دمشق يقاتل به الفاطميين، فكتب إليه عضد الدولة «غرّك عزّك فصار قصاراك ذلك، فاخش فاحش فعلك، فعلك بهذا تهدأ». قال ابن خلكان: ولقد أبدع فيها كل الإبداع، وقد جرى له من التعظيم من الخليفة ما لم يقع لغيره قبله، وقد اجتهد في عمارة بغداد والطرقات، وأجرى النفقات على المساكين والمحاويج، وحفر الأنهار وبنى المارستان العضدي وأدار السور على مدينة الرسول، فعل ذلك مدة ملكه على العراق، وهي خمسة سنين، وقد كان عاقلا فاضلا حسن السياسة شديد الهيبة بعيد الهمة، إلا أنه كان يتجاوز في سياسة الأمور الشرعية، كان يحب جارية فألهته عن تدبير المملكة، فأمر بتغريقها. وبلغه أن غلاما له أخذ لرجل بطيخة فضربه بسيفه فقطعه نصفين، وهذه مبالغة. وكان سبب موته الصرع. وحين أخذ في علة موته لم يكن له كلام سوى تلاوة قوله تعالى ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ فكان هذا هجيراه حتى مات. وحكى ابن الجوزي أنه كان يحب العلم والفضيلة، وكان يقرأ عنده كتاب إقليدس وكتاب النحو لأبى على الفارسي، وهو الإيضاح والتكملة الّذي صنفه له. وقد خرج مرة إلى بستان له فقال أود لو جاء المطر، فنزل المطر فأنشأ يقول: ليس شرب الراح إلا في المطر … وغناء من جوار في السحر غانيات سالبات للنهى … ناعمات في تضاعيف الوتر راقصات زاهرات نجل … رافلات في أفانين الحبر مطربات غنجات لحن … رافضات الهم أمال الفكر مبرزات الكاس من مطلعها … مسقيات الخمر من فاق البشر عضد الدولة وابن ركنها … مالك الاملاك غلاب القدر (١) سهل الله إليه نصره … في ملوك الأرض ما دام القمر وأراه الخير في أولاده … ولباس الملك فيهم بالغرر قبحه الله وقبح شعره وقبح أولاده، فإنه قد اجترأ في أبياته هذه فلم يفلح بعدها، فيقال: إنه حين أنشد قوله غلاب القدر، أخذه الله فأهلكه، ويقال: إن هذه الأبيات إنما أنشدت بين يديه

стр. 3837

ثم هلك عقيبها. مات في شوال من هذه السنة عن سبع أو ثمان وأربعين سنة، وحمل إلى مشهد على فدفن فيه، وكان فيه رفض وتشيع، وقد كتب على قبره في تربته عند مشهد على: هذا قبر عضد الدولة، وتاج المملكة، أبى شجاع بن ركن الدولة، أحب مجاورة هذا الامام المتقى لطمعه في الخلاص ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها﴾ والحمد لله وصلواته على محمد وعترته الطاهرة. وقد تمثل عند موته بهذه الأبيات وهي للقاسم بن عبيد الله: قتلت صناديد الرجال فلم أدع … عدوا ولم أمهل على ظنه خلقا وأخليت در الملك من كان باذلا … فشردتهم غربا وشردتهم شرقا فلما بلغت النجم عزا ورفعة … وصارت رقاب الخلق اجمع لي رقا رماني الردى سهما فأخمد جمرتى … فها أنا ذا في حفرتي عاطلا ملقى فأذهبت دنياي وديني سفاهة … فمن ذا الّذي منى بمصرعه أشقى؟ ثم جعل يكرر هذه الأبيات وهذه الآية ﴿ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ * هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ﴾ إلى أن مات. وأجلس ابنه صمصامة على الأرض وعليه ثياب السواد، وجاءه الخليفة معزيا وناح النساء عليه في الأسواق حاسرات عن وجوههن أياما كثيرة، ولما انقضى العزاء ركب ابنه صمصامة إلى دار الخلافة فخلع عليه الخليفة سبع خلع وطوقه وسوره وألبسه التاج ولقبه شمس الدولة، وولاه ما كان يتولاه أبوه، وكان يوما مشهودا. محمد بن جعفر ابن أحمد بن جعفر بن الحسن بن وهب أبو بكر الجريريّ المعروف بزوج الحرة، سمع ابن جرير والبغوي وابن أبى داود وغيرهم، وعنه ابن رزقويه وابن شاهين والبرقاني، وكان أحد العدول الثقات جليل القدر. وذكر ابن الجوزي والخطيب سبب تسميته بزوج الحرة أنه كان يدخل إلى مطبخ أبيه بدار مولاته التي كانت زوجة المقتدر بالله، فلما توفى المقتدر وبقيت هذه المرأة سالمة من الكتاب والمصادرات وكانت كثيرة الأموال، وكان هذا غلاما شابا حدث السن يحمل شيئا من حوائج المطبخ على رأسه فيدخل به إلى مطبخها مع جملة الخدم، وكان شابا رشيقا حركا، فنفق على القهرمانة حتى جعلته كاتبا على المطبخ، ثم ترقى إلى أن صار وكيلا للست على ضياعها، ينظر فيها وفي أموالها، ثم آل به الحال حتى صارت الست تحدثه من وراء الحجاب، ثم علقت به وأحبته وسألته أن يتزوج بها فاستصغر نفسه وخاف من غائلة ذلك فشجعته هي وأعطته أموالا كثيرة ليظهر عليه الحشمة والسعادة مما يناسبها ليتأهل لذلك، ثم شرعت تهادى القضاة والأكابر، ثم عزمت على تزويجه ورضيت به عند حضور القضاة، واعترض أولياؤها عليها فغلبتهم بالمكارم والهدايا، ودخل عليها فمكثت معه دهرا طويلا ثم ماتت قبله فورث منها نحو ثلاثمائة ألف دينار، وطال عمره بعدها حتى كانت وفاته في هذه السنة

стр. 3838

والله أعلم ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة فيها غلت الأسعار ببغداد حتى بلغ الكر من الطعام إلى أربعة آلاف وثمانمائة، ومات كثير من الناس جوعا، وجافت الطرقات من الموتى من الجوع، ثم تساهل الحال في ذي الحجة منها، وجاء الخبر بموت مؤيد الدولة بن ركن الدولة، وأن أبا القاسم بن عباد الوزير بعث إلى أخيه فخر الدولة فولاه الملك مكانه، فاستوزر ابن عباد أيضا على ما كان عليه، ولما بلغ القرامطة موت عضد الدولة قصدوا البصرة فيأخذوها مع الكوفة فلم يتم لهم ذلك، ولكن صولحوا على مال كثير فأخذوه وانصرفوا. وممن توفى فيها من الأعيان بويه مؤيد الدولة بن ركن الدولة، وكان ملكا على بعض ما كان أبوه يملكه، وكان الصاحب أبو القاسم بن عباد وزيره، وقد تزوج مؤيد الدولة هذا ابنة عمه معز الدولة، فغرم على عرسه سبعمائة ألف دينار، وهذا سرف عظيم. بلكين بن زيري بن منادى الحمدى الصنهاجى، ويسمى أيضا يوسف، وكان من أكابر أمراء المعز الفاطمي، وقد استخلفه على بلاد إفريقية حين سار إلى القاهرة، وكان حسن السيرة، له أربعمائة حظية، وقد بشّر في ليلة واحدة بتسعة عشر ولدا، وهو جد باديس المغربي. سعيد بن سلام أبو عثمان المغربي، أصله من بلاد القيروان، ودخل الشام وصحب أبا الخير الأقطع، وجاور بمكة مدة سنين، وكان لا يظهر في المواسم، وكانت له كرامات، وقد أثنى عليه أبو سليمان الخطابي وغيره، وروى له أحوال صالحة رحمه الله تعالى. عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن عثمان بن المختار بن محمد المري الواسطي، يعرف بابن السقا، سمع عبدان وأبا يعلى الموصلي وابن أبى داود والبغوي، وكان فهما حافظا، دخل بغداد فحدث بها مجالس كثيرة من حفظه، وكان يحضره الدار قطنى وغيره من الحفاظ فلم ينكروا عليه شيئا، غير أنه حدث مرة عن أبى يعلى بحديث أنكروه عليه ثم وجدوه في أصله بخط الضبيّ، كما حدث به، فبرئ من عهدته. ثم دخلت سنة أربع وسبعين وثلاثمائة فيها جرى الصلح بين صمصامة وبين عمه فخر الدولة، فأرسل الخليفة لفخر الدولة خلعا وتحفا. قال ابن الجوزي: وفي رجب منها عمل عرس في درب رياح فسقطت الدار على من فيها فهلك أكثر النساء بها، ونبش من تحت الردم فكانت المصيبة عامة. وفيها كانت وفاة.

стр. 3839

الحافظ أبى الفتح محمد بن الحسن ابن أحمد بن الحسين الأزدي الموصلي المصنف في الجرح والتعديل، وقد سمع الحديث من أبى يعلى وطبقته، وضعفه كثير من الحفاظ من أهل زمانه، واتهمه بعضهم بوضع حديث رواه لابن بويه، حين قدم عليه بغداد، فساقه باسناد إلى النبي ﷺ «أن جبريل كان ينزل عليه في مثل صورة ذلك الأمير». فأجازه وأعطاه دراهم كثيرة. والعجب إن كان هذا صحيحا كيف راج على أحد ممن له أدنى فهم وعقل، وقد أرخ ابن الجوزي وفاته في هذه السنة، وقد قيل إنه توفى سنة تسع وستين. وفيها توفى الخطيب ابن نباتة الحذاء في بطن من قضاعة، وقيل إياد الفارقيّ خطيب حلب في أيام سيف الدولة بن حمدان، ولهذا أكثر ديوانه الخطب الجهادية، ولم يسبق إلى مثل ديوانه هذا، ولا يلحق إلا أن يشاء الله شيئا، لأنه كان فصيحا بليغا دينا ورعا، روى الشيخ تاج الدين الكندي عنه أنه خطب يوم جمعة بخطبة المنام ثم رأى ليلة السبت رسول الله ﷺ في جماعة من أصحابه بين المقابر، فلما أقبل عليه قال له: مرحبا بخطيب الخطباء، ثم أومأ إلى قبور هناك فقال لابن نباتة: كأنهم لم يكونوا للعيون قرة، ولم يعدوا في الأحياء مرّة، أبادهم الّذي خلقهم، وأسكنتهم الّذي أنطقهم، وسيجدّهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرقهم، فتم الكلام ابن نباتة حتى انتهى إلى قوله (يوم ﴿تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النّاسِ﴾ - وأشار إلى الصحابة الذين مع الرسول - ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً﴾ وأشار إلى رسول الله ﷺ . فقال: أحسنت أحسنت أدنه أدنه، فقبّل وجهه وتفل في فيه - وقال: وفقك الله. فاستيقظ وبه من السرور أمر كبير، وعلى وجهه بهاء ونور، ولم يعش بعد ذلك إلا سبعة عشر يوما لم يستطعم بطعام، وكان يوجد منه مثل رائحة المسك حتى مات ﵀. قال ابن الأزرق الفارقيّ: ولد ابن نباتة في سنة خمس وثلاثين وثلاثمائة، وتوفى في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة. حكاه ابن خلكان. ثم دخلت سنة خمس وسبعين وثلاثمائة فيها خلع الخليفة على صمصامة الدولة وسوره وطوقه وأركب على فرس بسرج ذهب، وبين يديه جنيب مثله، وفيها ورد الخبر بأن اثنين من سادة القرامطة وهما إسحاق وجعفر، دخلا الكوفة في حفل عظيم فانزعجت النفوس بسبب ذلك، وذلك لصرامتهما وشجاعتهما، ولأن عضد الدولة مع شجاعته كان يصانعهما، وأقطعهما أراضى من أراضى واسط، وكذلك عز الدولة من قبله أيضا. فجهز إليهما صمصامة جيشا فطردهما عن تلك النواحي التي قد أكثروا فيها الفساد، وبطل ما كان في نفوس الناس منهما. وفيها عزم صمصامة الدولة على أن يضع مكسا على الثياب الابريسميات، فاجتمع الناس بجامع المنصور وأرادوا تعطيل الجمعة وكادت الفتنة تقع بينهم فأعفوا من ذلك.

стр. 3840

وفي ذي الحجة ورد الخبر بموت مؤيد الدولة فجلس صمصامة للعزاء، وجاء إليه الخليفة معزيا له فقام إليه صمصامة وقبل الأرض بين يديه وتخاطبا في العزاء بألفاظ حسنة. وفيها توفى الشيخ. أبو على بن أبى هريرة واسمه الحسن بن الحسين، وهو أحد مشايخ الشافعية، وله اختيارات كثيرة غريبة في المذهب وقد ترجمناه في طبقات الشافعية. الحسين بن على ابن محمد بن يحيى أبو أحمد النيسابورىّ المعروف بحسنك، كانت تربيته عند ابن خزيمة وتلميذا له، وكان يقدمه على أولاده ويقر له ما لا يقر لغيره، وإذا تخلف ابن خزيمة عن مجالس السلطان بعث حسنك مكانه. ولما توفى ابن خزيمة كان عمر حسنك ثلاثا وعشرين سنة، ثم عمر بعده دهرا طويلا، وكان من أكثر الناس عبادة وقراءة للقرآن، لا يترك قيام الليل حضرا ولا سفرا، كثيرا الصدقات والصّلات، وكان يحكى وضوء ابن خزيمة وصلاته، ولم يكن في الأغنياء أحسن صلاة منه ﵀، وصلى عليه الحافظ أبو أحمد النيسابورىّ. أبو القاسم الداركى عبد العزيز بن عبد الله بن محمد أبو القاسم الداركى أحد أئمة الشافعية في زمانه، نزل نيسابور ثم سكن بغداد إلى أن مات بها، قال الشيخ أبو حامد الأسفراييني: ما رأيت أفقه منه. وحكى الخطيب عنه أنه كان يسأل عن الفتوى فيجيب بعد تفكر طويل، فربما كانت فتواه مخالفة لمذهب الشافعيّ وأبى حنيفة فيقال له في ذلك فيقول: ويلكم روى فلان عن فلان عن رسول الله ﷺ كذا وكذا، فالأخذ به أولى من الأخذ بمذهب الشافعيّ وأبى حنيفة، ومخالفتهما أسهل من مخالفة الحديث. قال ابن خلكان: وله في المذهب وجوه جيدة دالة على متانة علمه، وكان يتهم بالاعتزال، وكان قد أخذ العلم عن الشيخ أبى إسحاق المروزي، والحديث عن جده لأمه الحسن بن محمد الداركى، وهو أحد مشايخ أبى حامد الأسفراييني، وأخذ عنه عامة شيوخ بغداد وغيرهم من أهل الآفاق، وكانت وفاته في شوال، وقيل في ذي القعدة منها، وقد نيف على السبعين ﵀. محمد بن أحمد بن محمد بن حسنويه أبو سهل النيسابورىّ، ويعرف بالحسنوى، كان فقيها شافعيا أديبا محدثا مشتغلا بنفسه عمالا يعنيه محمد بن عبد الله بن محمد بن صالح أبو بكر الفقيه المالكي، سمع من ابن أبى عمرويه والباغندي وأبى بكر بن أبى داود وغيرهم، وعنه البرقاني، وله تصانيف في شرح مذهب مالك، وانتهت إليه رياسة مذهب مالك، وعرض عليه

стр. 3841

القضاء فأباه وأشار بأبي بكر الرازيّ الحنفي، فلم يقبل الآخر أيضا. توفى في شوال منها عن ست وثمانين سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة ست وسبعين وثلاثمائة قال ابن الجوزي: في محرمها كثرت الحيات في بغداد فهلك بسبب ذلك خلق كثير. ولسبع خلون من ربيع الأول - وكان يوم العشرين من تموز - وقع مطر كثير ببرق ورعد. وفي رجب غلت الأسعار جدا وورد الخبر فيه بأنه وقع بالموصل زلزلة عظيمة سقط بسببها عمران كثير، ومات من أهلها أمة عظيمة. وفيها وقع بين صمصام الدولة وبين أخيه شرف الدولة فاقتتلا فغلبه شرف الدولة ودخل بغداد فتلقاه الخليفة وهنأه بالسلامة، ثم استدعى شرف الدولة بفراش ليكحل صمصام الدولة فاتفق موته فأكحله بعد موته، وهذا من غريب ما وقع. وفي ذي الحجة منها قبل قاضى القضاة أبو محمد ابن معروف شهادة القاضي الحافظ أبى الحسن الدار قطنى، وأبى محمد بن عقبة، فذكر أن الدار قطنى ندم على ذلك وقال: كان ويقبل قولي على رسول الله ﷺ وحدي فصار لا يقبل قولي على نقلي إلا مع غيري. ثم دخلت سنة سبع وسبعين وثلاثمائة في صفرها عقد مجلس بحضرة الخليفة فيه القضاة وأعيان الدولة وجددت البيعة بين الطائع وبين شرف الدولة بن عضد الدولة وكان يوما مشهودا، ثم في ربيعها الأول ركب شرف الدولة من داره إلى دار الخليفة وزينت البلد وضربت البوقات والطبول والدبادب، فخلع عليه الخليفة وسوره وأعطاه لواءين معه، وعقد له على ما وراء داره، واستخلفه على ذلك، وكان في جملة من قدم مع شرف الدولة القاضي أبو محمد عبيد الله بن أحمد بن معروف، فلما رآه الخليفة قال: مرحبا بالأحبة القادمينا … أو حشونا وطال ما آنسونا فقبّل الأرض بين يدي الخليفة، ولما قضيت البيعة دخل شرف الدولة على أخته امرأة الخليفة فمكث عندها إلى العصر والناس ينتظرونه، ثم خرج وسار إلى داره للتهنئة. وفيها اشتد الغلاء جدا ثم لحقه فناء كثير. وفيها توفيت أم شرف الدولة - وكانت تركية أم ولد - فجاءه الخليفة فعزاه. وفيها ولد لشرف الدولة ابنان توأمان. وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن الحسين بن على أبو حامد المروزي، ويعرف بابن الطبري، كان حافظا للحديث مجتهدا في العبادة، متقنا بصيرا بالأثر، فقيها حنفيا درس على أبى الحسين الكرخي وصنف كتبا في الفقه والتاريخ، وولى قضاء القضاة بخراسان، ثم دخل بغداد وقد علت سنه، فحدث الناس وكتب الناس عنه، منهم الدار قطنى.

стр. 3842

إسحاق بن المقتدر بالله توفى ليلة الجمعة لسبع عشر من ذي الحجة عن ستين سنة، وصلى عليه ابنه القادر بالله وهو إذ ذاك أمير المؤمنين، ودفن في تربة جدته شغب أم المقتدر، وحضر جنازته الأمراء والأعيان من جهة الخليفة وشرف الدولة، وأرسل شرف الدولة من عزى الخليفة فيه، واعتذر من الحضور لوجع حصل له جعفر بن المكتفي بالله كان فاضلا توفى فيها أيضا. أبو على الفارسي النحويّ صاحب الإيضاح والمصنفات الكثيرة، ولد ببلده ثم دخل بغداد وخدم الملوك وحظي عند عضد الدولة بحيث إن عضد الدولة كان يقول أنا غلام أبى على في النحو، وحصلت له الأموال، وقد اتهمه قوم بالاعتزال وفضله قوم من أصحابه على المبرد، وممن أخذ عنه أبو عثمان بن جنى وغيره، توفى فيها عن بضع وتسعين سنة. ستيتة بنت القاضي أبى عبد الله الحسين بن إسماعيل المحاملي، وتكنى أم عبد الواحد، قرأت القرآن وحفظت الفقه والفرائض والحساب والدرر والنحو وغير ذلك، وكانت من أعلم الناس في وقتها بمذهب الشافعيّ، وكانت تفتي به مع الشيخ أبى على بن أبى هريرة، وكانت فاضلة في نفسها كثيرة الصدقة، مسارعة إلى فعل الخيرات، وقد سمعت الحديث أيضا، وكانت وفاتها في رجب عن بضع وتسعين سنة. ثم دخلت سنة ثمان وسبعين وثلاثمائة في محرمها كثر الغلاء والفناء ببغداد إلى شعبان كثرت الرياح والعواصف، بحيث هدمت كثيرا من الأبنية، وغرق شيء كثير من السفن، واحتملت بعض الزوارق فألقته بالأرض من ناحية جوخى، وهذا أمر هائل وخطب شامل. وفي هذا الوقت لحق أهل البصرة حر شديد بحيث سقط كثير من الناس في الطرقات وماتوا من شدته. وفيها توفى من الأعيان الحسن بن على بن ثابت أبو عبد الله المقري، ولد أعمى، وكان يحضر مجلس ابن الأنباري فيحفظ ما يقول وما يمليه كله، وكان ظريفا حسن الزي، وقد سبق الشاطبي إلى قصيدة عملها في القراءات السبع، وذلك في حياة النقاش، وكانت تعجبه جدا، وكذلك شيوخ ذلك الزمان أذعنوا اليها. الخليل بن أحمد القاضي شيخ الحنفية في زمانه، كان مقدما في الفقه والحديث، سمع ابن جرير والبغوي وابن صاعد وغيرهم، ولهذا سمى باسم النحويّ المتقدم.

стр. 3843

زياد بن محمد بن زياد بن الهيثم أبو العباس الخرخانى بخاءين معجمتين نسبة إلى قرية من قرى قومس، ولهم الجرجاني بجيمين، وهم جماعة، ولهم الخرجانى بخاء معجمة ثم جيم. وقد حرر هذه المواضع الشيخ ابن الجوزي في منتظمه ثم دخلت سنة تسع وسبعين وثلاثمائة فيها كانت وفاة شرف الدولة بن عضد الدولة بن بويه الديلميّ، وكان قد انتقل إلى قصر معز الدولة عن إشارة الأطباء لصحة الهواء، وذلك لشدة ما كان يجده من الداء، فلما كان في جمادى الأولى تزايد به ومات في هذا الشهر، وقد عهد إلى ابنه أبى نصر، وجاء الخليفة في طيارة لتعزيته في والده فتلقاه أبو نصر والترك بين يديه والديلم، فقبّل الأرض بين يدي الخليفة، وكذلك بقية العسكر والخليفة في الطيارة وهم يقبلون الأرض إلى ناحيته. وجاء الرئيس أبو الحسين على بن عبد العزيز من عند الخليفة إلى أبى نصر فبلغه تعزيته له في والده فقبّل الأرض أيضا ثانية، وعاد الرسول أيضا إلى الخليفة فبلغه شكر الأمير، ثم عاد من جهة الخليفة لتوديع أبى نصر فقبل الأرض ثالثا، ورجع الخليفة. فلما كان يوم السبت عاشر هذا الشهر ركب الأمير أبو نصر إلى حضرة الخليفة الطائع لله ومعه الأشراف والأعيان والقضاة والأمراء، وجلس الخليفة في الرواق، فلما وصل الأمير أبو نصر خلع عليه الخليفة سبع خلع أعلاهن السواد وعمامة سوداء وفي عنقه طوق وفي يده سواران ومشى الحجاب بين يديه بالسيوف والمناطق، فقبل الأرض ثانية ووضع له كرسي فجلس عليه وقرأ الرئيس أبو الحسن عهده، وقدم إلى الطائع لواء فعقده بيده ولقبه بهاء الدولة وضياء الملة، ثم خرج من بين يديه والعسكر معه حتى عاد إلى دار المملكة، وأقر الوزير أبا منصور بن صالح على الوزارة وخلع عليه. وفيها بنى جامع القطيعة - قطيعة أم جعفر - بالجانب الغربي من بغداد، وكان أصل بناء هذا المسجد أن امرأة رأت في منامها رسول الله ﷺ يصلى في مكانه، ووضع يده في جدار هناك، فلما أصبحت فذكرت ذلك فوجدوا أثر الكف في ذلك الموضع، فبنى مسجدا ثم توفيت تلك المرأة في ذلك اليوم، ثم إن الشريف أبا أحمد الموسوي جدده وجعله جامعا، وصلى الناس فيه في هذه السنة. وفيها توفى من الأعيان. شرف الدولة ابن عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه الديلميّ، تملك بغداد بعد أبيه، وكان يحب الخير ويبغض الشر، وأمر بترك المصادرات. وكان مرضه بالاستسقاء فتزايد به حتى كانت وفاته ليلة الجمعة الثاني من جمادى الآخرة عن ثمان وعشرين سنة وخمسة أشهر، وكانت مدة ملكه سنتين وثمانية أشهر، وحمل تابوته إلى تربة أبيه بمشهد على، وكلهم فيهم تشيع ورفض.

стр. 3844

محمد بن جعفر بن العباس أبو جعفر، وأبو بكر النجار، ويلقب غندر أيضا، روى عن أبى بكر النيسابورىّ وطبقته، وكان فهما يفهم القرآن فهما حسنا وهو من ثقات الناس. عبد الكريم بن عبد الكريم ابن بديل أبو الفضل الخزاعي الجرجاني قدم بغداد وحدث بها. قال الخطيب: كانت له عناية بالقراءات وصنف أسانيدها، ثم ذكر أنه كان يخلط ولم يكن مأمونا على ما يرويه، وأنه وضع كتابا في الحروف ونسبه إلى أبى حنيفة، فكتب الدار قطنى وجماعة أن هذا الكتاب موضوع لا أصل له، فافتضح وخرج من بغداد إلى الجبل فاشتهر أمره هناك وحبطت منزلته، وكان يسمى نفسه أولا جميلا، ثم غيره إلى محمد محمد بن المطرف ابن موسى بن عيسى بن محمد بن عبد الله بن سلمة بن إياس، أبو الحسين البزار الحافظ، ولد في محرم سنة ثلاثمائة، ورحل إلى بلاد شتى، وروى عن ابن جرير البغوي وخلق، وروى عنه جماعة من الحفاظ - منهم الدار قطنى - شيئا كثيرا، وكان يعظمه ويجله ولا يستند بحضرته، كان ثقة ثبتا، وكان قديما ينتقد على المشايخ، ثم كانت وفاته في هذه السنة ودفن يوم السبت لثلاث خلون من جمادى الأولى أو الأخرى منها. ثم دخلت سنة ثمانين وثلاثمائة من الهجرة فيها قلد الشريف أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي نقابة الأشراف الطالبيين والنظر في المظالم وإمرة الحاج، وكتب عهده بذلك واستخلف ولداه المرتضى أبو القاسم والرضى أبو الحسين على النقابة وخلع عليهما. وفيها تفاقم الأمر بالعيارين ببغداد وصار الناس أحزابا في كل محلة أمير مقدم، واقتتل الناس وأخذت الأموال واتصلت الكبسات وأحرقت دور كبار، ووقع حريق بالنهار في نهر الدجاج، فاحترق بسببه شيء كثير للناس والله أعلم. وفيها توفى من الأعيان يعقوب بن يوسف أبو الفتوح بن كلس، وزير العزيز صاحب مصر، وكان شهما فهما ذا همة وتدبير وكلمة نافذة عند مخدومه، وقد فوض إليه أموره في سائر مملكته، ولما مرض عاده العزيز ووصاه الوزير بأمر مملكته ولما مات دفنه في قصره وتولى دفنه بيده وحزن عليه كثيرا، وأغلق الديوان أياما من شدة حزنة عليه ثم دخلت سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة فيها كان القبض على الخليفة الطائع لله وخلافة والقادر بالله أبى العباس أحمد بن الأمير إسحاق ابن المقتدر بالله، وكان ذلك في يوم السبت التاسع عشر من شعبان منها، وذلك أنه جلس الخليفة على عادته في الرواق وقعد الملك بهاء الدولة على السرير، ثم أرسل من اجتذب الخليفة بحمائل سيفه

стр. 3845

عن السرير ولفوه في كساء وحملوه إلى الخزانة بدار المملكة، وتشاغل الناس بالنهب ولم يدر أكثر الناس ما الخطب وما الخبر، حتى أن كبير المملكة بهاء الدولة ظن الناس أنه هو الّذي مسك، فنهبت الخزائن والحواصل والقفصي من أثاث دار الخلافة، حتى أخذت ثياب الأعيان والقضاة والشهود وجرت كائنة عظيمة جدا، ورجع بهاء الدولة إلى داره وكتب على الطائع كتابا بالخلع من الخلافة، وأشهد عليه الأشراف وغيرهم أنه قد خلع نفسه من الخلافة وسلمها إلى القادر بالله، ونودي بذلك في الأسواق، وسبقت الديلم والأتراك وطالبوا برسم البيعة، وراسلوا بهاء الدولة في ذلك وتطاول الأمر في يوم الجمعة، ولم يمكنوا من الدعاء له على المنبر بصريح اسمه، بل قالوا اللهمّ أصلح عبدك وخليفتك القادر بالله، ثم أرضوا وجوههم وأكابرهم وأخذت البيعة له واتفقت الكلمة، وأمر بهاء الدولة بتحويل جميع ما في دار الخلافة من الأواني والإناث وغيره إلى داره، وأبيحت للعامة والخاصة، فقلعوا وشعثوا أبنيتها، هذا والخليفة القادر قد هرب إلى أرض البطيحة من الطائع حين كان يطلبه، ولما رجع إلى بغداد ما نعته الديلم من الدخول إليها حتى يعطيهم رسم البيعة، وجرت بينهم خطوب طويلة، ثم رضوا عنه ودخل بغداد، وكانت مدة هربه إلى أرض البطيحة ثلاث سنين. ولما دخل بغداد جلس في اليوم الثاني جلوسا عاما إلى التهنئة وسماع المدائح والقصائد فيه، وذلك في العشر الأخير من شوال، ثم خلع على بهاء الدولة وفوض إليه ما وراء بابه، وكان الخليفة القادر بالله من خيار الخلفاء وسادات العلماء في ذلك الزمان، وكان كثير الصدقة حسن الاعتقاد، وصنف قصيدة فيها فضائل الصحابة وغير ذلك، فكانت تقرأ في حلق أصحاب الحديث كل جمعة في جامع المهدي، وتجتمع الناس لسماعها مدة خلافته، وكان ينشد هذه الأبيات يترنم بها وهي لسابق البربري: سبق القضاء بكل ما هو كائن … والله يا هذا لرزقك ضامن تعنى بما تكفى وتترك ما به … تعنى كأنك للحوادث آمن أو ما ترى الدنيا ومصرع أهلها … فاعمل ليوم فراقها يا خائن واعلم بأنك لا أبا لك في الّذي … أصبحت تجمعه لغيرك خازن يا عامر الدنيا أتعمر منزلا … لم يبق فيه مع المنية ساكن الموت شيء أنت تعلم أنه … حق وأنت بذكره متهاون إن المنية لا تؤامر من أتت … في نفسه يوما ولا تستأذن وفي اليوم الثالث عشر من ذي الحجة - وهو يوم غدير خم - جرت فتنة بين الروافض والسنة واقتتلوا فقتل منهم خلق كثير، واستظهر أهل باب البصرة وحرقوا أعلام السلطان، فقتل جماعة اتهموا بفعل ذلك، وصلبوا على القناطر ليرتدع أمثالهم. وفيها ظهر أبو الفتوح الحسين بن جعفر

стр. 3846

العلويّ أمير مكة، وادعى أنه خليفة، وسمى نفسه الراشد بالله، فمالأه أهل مكة وحصل له أموال من رجل أوصى له بها، فانتظم أمره بها، وتقلد سيفا وزعم أنه ذو الفقار، وأخذ بيده قضيبا زعم أنه كان لرسول الله ﷺ ، ثم قصد بلاد الرملة ليستعين بعرب الشام، فتلقوه بالرحب وقبلوا له الأرض، وسلموا عليه بأمير المؤمنين، وأظهر الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر وإقامة الحدود. ثم إن الحاكم صاحب مصر - وكان قد قام بالأمر من بعد أبيه العزيز في هذه السنة - بعث إلى عرب الشام بملطفات ووعدهم من الذهب بألوف ومئات، وكذلك إلى عرب الحجاز، واستناب على مكة أميرا وبعث إليه بخمسين ألف دينار، فانتظم أمر الحاكم وتمزق أمر الراشد، وانسحب إلى بلاده كما بدأ منها، وعاد إليها كما خرج عنها، واضمحل حاله وانتقضت حباله، وتفرق عنه رجاله. وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن الحسن بن مهران أبو بكر المقري، توفى في شوال منها عن ست وثمانين سنة، واتفق له أنه مات في يوم وفاته أبو الحسن العامري الفيلسوف، فرأى بعض الصالحين أحمد بن الحسين بن مهران هذا في المنام فقيل له: ما فعل الله بك؟ فقال: أقام أبا الحسن العامري بجانبي، وقال هذا فداؤك من النار. عبد الله بن أحمد بن معروف أبو محمد قاضى قضاة بغداد، روى عن ابن صاعد وعنه الخلال والأزهري وغيرهما، وكان من العلماء الثقات العقلاء الفطناء، حسن الشكل جميل اللبس، عفيفا من الأموال، توفى عن خمس وسبعين سنة، وصلى عليه أبو أحمد الموسوي، فكبر عليه خمسا، ثم صلى عليه ابنه بجامع المنصور فكبر عليه أربعا، ثم دفن في داره سامحه الله. جوهر بن عبد الله القائد باني القاهرة، أصله أرمنى ويعرف بالكاتب، أخذ مصر بعد موت كافور الإخشيدي، أرسله مولاه العزيز الفاطمي إليها في ربيع الأول سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، فوصل إليها في شعبان منها في مائة ألف مقاتل، ومائتي صندوق لينفقه في عمارة القاهرة، فبرزوا لقتاله فكسرهم وجدد الأمان لأهلها، ودخلها يوم الثلاثاء لثمان عشرة خلت من شعبان، فشق مصر ونزل في مكان القاهرة اليوم، وأسس من ليلته القصرين وخطب يوم الجمعة الآتية لمولاه، وقطع خطبة بنى العباس، وذكر في خطبته الأئمة الاثني عشر، وأمر فأذن بحي على خير العمل، وكان يظهر الإحسان إلى الناس، ويجلس كل يوم سبت مع الوزير ابن الفرات والقاضي، واجتهد في تكميل القاهرة وفرغ من جامعها الأزهر سريعا، وخطب به في سنة إحدى وستين، وهو الّذي يقال له الجامع الأزهر، ثم أرسل جعفر بن فلاح إلى الشام فأخذها، ثم قدم مولاه المعز في سنة اثنتين وستين كما تقدم، فنزل بالقصرين

стр. 3847

ولم تزل منزلته عالية عنده إلى أن مات في هذه السنة، وقام مكانه الحسين الّذي كان يقال له قائد القواد، وهو أكبر أمراء الحاكم، ثم كان قتله على يديه في سنة إحدى وأربعمائة، وقتل معه صهره زوج أخته القاضي عبد العزيز بن النعمان، وأظن هذا القاضي هو الّذي صنف البلاغ الأكبر، والناموس الأعظم، الّذي فيه من الكفر ما لم يصل إبليس إلى مثله، وقد رد على هذا الكتاب أبو بكر الباقلاني ﵀. ثم دخلت سنة ثنتين وثمانين وثلاثمائة في عاشر محرمها أمر الوزير أبو الحسن على بن محمد الكوكبي - ويعرف بابن المعلم وكان قد استحوذ على السلطان - أهل الكرخ وباب الطاق من الرافضة بأن لا يفعلوا شيئا من تلك البدع التي كانوا يتعاطونها في عاشوراء: من تعليق المسوح وتغليق الأسواق والنياحة على الحسين، فلم يفعلوا شيئا من ذلك ولله الحمد. وقد كان هذا الرجل من أهل السنة إلا أنه كان طماعا، رسم أن لا يقبل أحدا من الشهود ممن أحدثت عدالته بعد ابن معروف، وكان كثيرا منهم قد بذل أموالا جزيلة في ذلك، فاحتاجوا إلى أن جمعوا له شيئا فوقّع لهم بالاستمرار، ولما كان في جمادى الآخرة سعت الديلم والترك على ابن المعلم هذا وخرجوا بخيامهم إلى باب الشماسية وراسلوا بهاء الدولة ليسلمه إليهم، لسوء معاملته لهم، فدافع عنه مدافعة عظيمة في أيام متعددة، ولم يزالوا يراسلونه في أمره حتى خنقه في حبل ومات ودفن بالمحرم. وفي رجب منها سلم الخليفة الطائع الّذي خلع إلى الخليفة القادر فأمر بوضعه في حجرة من دار الخلافة وأمر أن تجرى عليه الأرزاق والتحف والألطاف، مما يستعمله الخليفة القادر من مأكل وملبس وطيب وغيره ووكل به من يحفظه ويخدمه، وكان يتعنت على القادر في تقلله في المأكل والملبس، فرتب من يحضر له من سائر الأنواع، ولم يزالوا كذلك حتى توفى وهو في السجن. وفي شوال منها ولد للخليفة القادر ولد ذكر، وهو أبو الفضل محمد بن القادر بالله، وقد ولاه العهد من بعده وسماه الغالب بالله، فلم يتم له الأمر. وفي هذا الوقت غلت الأسعار ببغداد حتى بيع رطل الخبز بأربعين درهما، والجزر بدرهم. وفي ذي القعدة قام صاحب الصفراء الأعرابي والتزم بحراسة الحجاج في ذهابهم وإيابهم، وأن يخطب للقادر من اليمامة والبحرين إلى الكوفة، فأجيب إلى ذلك، وأطلقت له الخلع والأموال والأواني وغيرها. وممن توفى فيها من الأعيان محمد بن العباس ابن محمد بن محمد بن زكريا بن يحيى بن معاذ أبو عمر القزاز المعروف بابن حيوة، سمع البغوي والباغندي وابن صاعد وخلقا كثيرا، وانتقد عليه الدار قطنى وسمع منه الأعيان، وكان ثقة دينا متيقظا ذا مروءة، وكتب من الكتب الكبار كثيرا بيده، وكانت وفاته في ربيع الآخر منها وقد

стр. 3848

قارب التسعين أبو أحمد العسكري الحسن بن عبد الله بن سعيد أحد الائمة في اللغة والأدب والنحو والنوادر، وله في ذلك تصانيف مفيدة، منها التصحيف وغيره، وكان الصاحب بن عباد يوم الاجتماع به فسافر إلى عسكر خلفه حتى اجتمع به فأكرمه وراسله بالاشعار. توفى فيها وله تسعون سنة. كذا ذكره ابن خلكان. وذكره ابن الجوزي فيمن توفى في سنة سبع وثمانين كما سيأتي. ثم دخلت سنة ثلاث وثمانين وثلاثمائة فيها أمر القادر بالله بعمارة مسجد الحربية وكسوته، وأن يجرى مجرى الجوامع في الخطب وغيرها وذلك بعد أن استفتى العلماء في جواز ذلك. قال الخطيب البغدادي. أدركت الجمعة تقام ببغداد في مسجد المدينة، ومسجد الرصافة، ومسجد دار الخلافة، ومسجد براثا، ومسجد قطيعة أم جعفر، ومسجد الحربية. قال: ولم يزل الأمر على هذا إلى سنة إحدى وخمسين وأربعمائة، فتعطلت في مسجد براثا. وفي جمادى الأولى فرغ من الجسر الّذي بناه بهاء الدولة في مشرعة القطانين، واجتاز عليه هو بنفسه، وقد زين المكان. وفي جمادى الآخرة شعثت الديالم والأتراك في نواحي البلد لتأخر العطاء عنهم، وغلت الأسعار وراسلوا بهاء الدولة فأزيحت عللهم. وفي يوم الخميس الثاني من ذي القعدة تزوج الخليفة سكينة بنت بهاء الدولة على صداق مائة ألف دينار وكان وكيل بهاء الدولة الشريف أبو أحمد الموسوي، ثم توفيت هذه المرأة قبل دخول الخليفة بها. وفيها ابتاع الوزير أبو نصر سابور بن أزدشير دارا بالكرخ وجدد عمارتها، ونقل إليها كتبا كثيرة، ووقفها على الفقهاء، وسماها دار العلم. وأظن أن هذه أول مدرسة وقفت على الفقهاء، وكانت قبل النظامية بمدة طويلة. وفيها في أواخرها ارتفعت الأسعار وضاق الحال وجاع العيال. وفيها توفى من الأعيان أحمد بن إبراهيم بن الحسن بن شاذان بن حرب بن مهران، أبو بكر البزار، سمع الكثير من البغوي وابن صاعد وابن أبى داود وابن دريد، وعنه الدار قطنى والبرقاني والأزهري وغيرهم، وكان ثبتا صحيح السماع، كثير الحديث، متحريا ورعا. توفى عن خمس وثمانين سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة أربع وثمانين وثلاثمائة فيها عظم الخطب بأمر العيارين، عاثوا ببغداد فسادا وأخذوا الأموال والعملات الثقال ليلا ونهارا، وحرقوا مواضع كثيرة، وأخذوا من الأسواق الجبايات، وتطلبهم الشرط فلم يفد ذلك شيئا ولا فكروا في الدولة، بل استمروا على ما هم عليه من أخذ الأموال، وقتل الرجال، وإرعاب النساء والأطفال، في سائر المحال. فلما تفاقم الحال بهم تطلبهم السلطان بهاء الدولة وألح في طلبهم فهربوا

стр. 3849

بين يديه واستراح الناس من شرهم. وأظن هذه الحكايات التي يذكرها بعض الناس عن أحمد الدنف عنهم، أو كان منهم والله أعلم. وفي ذي القعدة عزل الشريف الموسوي وولداه عن نقابة الطالبيين. وفيها رجع ركب العراق من أثناء الطريق بعد ما فاتهم الحج، وذلك أن الاصيفر الأعرابي الّذي كان قد تكفل بحراستهم اعترض لهم في الطريق وذكر لهم أن الدنانير التي أقطعت له من دار الخلافة كانت دراهم مطلية، وأنه يريد من الحجيج بدلها وإلا لا يدعهم يتجاوزوا هذا المكان، فمانعوه وراجعوه، فحبسهم عن السير حتى ضاق الوقت ولم يبق فيه ما يدركوا فيه الحج فرجعوا إلى بلادهم، ولم يحج منهم أحد، وكذلك ركب الشام وأهل اليمن لم يحج منهم أحد، وإنما حج أهل مصر والمغرب خاصة. وفي يوم عرفة قلد الشريف أبو الحسين الزينبي محمد بن على بن أبى تمام الزينبي نقابة العباسيين، وقرئ عهده بين يدي الخليفة بحضرة القضاة والأعيان. وفيها توفى من الأعيان الصابئي الكاتب المشهور صاحب التصانيف، وهو: إبراهيم بن هلال ابن إبراهيم بن زهرون بن حبون أبو إسحاق الحراني كاتب الرسائل للخليفة ولمعز الدولة بن بويه، كان على دين الصابئة إلى أن مات عليه، وكان مع هذا يصوم رمضان ويقرأ القرآن من حفظه، وكان يحفظه حفظا حسنا، ويستعمل منه في الرسائل، وكانوا يحرضون عليه أن يسلم فلم يفعل، وله شعر جيد قوى. توفى في شوال منها وقد جاوز السبعين، وقد رثاه الشريف الرضى وقال: إنما رثيت فضائله، وليس له فضائل ولا هو أهل لها ولا كرامة. عبد الله بن محمد ابن نافع بن مكرّم أبو العباس البستي الزاهد، ورث من آبائه أموالا كثيرة فأنفقها كلها في وجوه الخير والقرب، وكان كثير العبادة، يقال إنه مكث سبعين سنة لم يستند إلى حائط ولا إلى شيء، ولا اتكأ على وسادة، وحج من نيسابور ماشيا حافيا، ودخل الشام وأقام ببيت المقدس شهورا، ثم دخل مصر وبلاد المغرب، وحج من هناك ثم رجع إلى بلاده بست، وكان له بها بقية أموال وأملاك فتصدق بها كلها، ولما حضرته الوفاة جعل يتألم ويتوجع، فقيل له في ذلك فقال: أرى بين يدي أمورا هائلة، ولا أدرى كيف أنجو منها. توفى في المحرم من هذه السنة عن خمس وثمانين سنة، وليلة موته رأت امرأة أمها بعد موتها وعليها ثياب حسان وزينة فقالت: يا أمه ما هذه الزينة؟ فقالت: نحن في عيد لأجل قدوم عبيد الله بن محمد الزاهد البستي علينا رحمه الله تعالى.

стр. 3850

على بن عيسى بن عبيد الله أبو الحسن النحويّ المعروف بالرماني، روى عن ابن دريد، وكانت له يد طولى في النحو واللغة والمنطق والكلام، وله تفسير كبير وشهد عند ابن معروف فقبله، وروى عنه التنوخي والجوهري، قال ابن خلكان: والرماني نسبة إلى بيع الرماني أو إلى قصر الرمان بواسط، توفى عن ثمان وثمانين سنة ودفن في الشونيزية عند قبر أبى على الفارسي. محمد بن العباس بن أحمد بن القزاز أبو الحسن الكاتب المحدث الثقة المأمون. قال الخطيب: كان ثقة، كتب الكثير وجمع ما لم يجمعه أحد في وقته، بلغني أنه كتب مائة تفسير ومائة تاريخ، وخلف ثمانية عشر صندقا مملوءة كتبا أكثرها بخطه سوى ما سرق له، وكان حفظه في غاية الصحة، ومع هذا كان له جارية تعارض معه - أي تقابل ما يكتبه - رحمه الله تعالى. محمد بن عمران بن موسى بن عبيد الله أبو عبد الله الكاتب المعروف بابن المرزبان، روى عن البغوي وابن دريد وغيرهما، وكان صاحب اختيار وآداب، وصنف كتبا كثيرة في فنون مستحسنة، وهو مصنف كتاب تفضيل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب، وكان مشايخه وغيرهم يحضرون عنده ويبيتون في داره على فرش وأطعمة وغير ذلك، وكان عضد الدولة إذا اجتاز بداره لا يجوز حتى يسلم عليه، وكان يقف حتى يخرج إليه، وكان أبو على الفارسي يقول عنه: هو من محاسن الدنيا. وقال العقيقي: كان ثقة. وقال الأزهري: ما كان ثقة. وقال ابن الجوزي: ما كان من الكذابين وإنما كان فيه تشيع واعتزال ويخلط السماع بالإجازة، وبلغ الثمانين سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة خمس وثمانين وثلاثمائة فيها استوزر ابن ركن الدولة بن بويه أبا العباس أحمد بن إبراهيم الضبيّ، الملقب بالكافي، وذلك بعد وفاة الصاحب إسماعيل بن عباد، وكان من مشاهير الوزراء. وفيها قبض بهاء الدولة على القاضي عبد الجبار وصادره بأموال جزيلة، فكان من جملة ما بيع له في المصادرة ألف طيلسان وألف ثوب معدني، ولم يحج في هذه السنة وما قبلها وما بعدها ركب العراق، والخطبة في الحرمين للفاطميين. وممن توفى فيها من الأعيان الصاحب بن عباد وهو إسماعيل بن عباد بن عباس بن عباد بن أحمد بن إدريس الطالقانيّ، أبو القاسم الوزير المشهور بكافي الكفاة، وزر لمؤيد الدولة بن ركن الدولة بن بويه، وقد كان من العلم والفضيلة والبراعة والكرم والإحسان إلى العلماء والفقراء على جانب عظيم، كان يبعث في كل سنة إلى بغداد

стр. 3851

بخمسة آلاف دينار لتصرف على أهل العلم، وله اليد الطولى في الأدب، وله مصنفات في فنون العلم واقتنى كتبا كثيرة، وكانت تحمل على أربعمائة بعير، ولم يكن في وزراء بنى بويه مثله ولا قريب منه في مجموع فضائله، وقد كانت دولة بنى بويه مائة وعشرين سنة وأشهرا، وفتح خمسين قلعة لمخدومه مؤيد الدولة، وابنه فخر الدولة، بصرامته وحسن تدبيره وجودة رأيه، وكان يحب العلوم الشرعية، ويبغض الفلسفة وما شابهها من علم الكلام والآراء البدعية، وقد مرض مرة بالاسهال فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشرة دنانير لئلا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون لو طالت علته، ولما عوفي أباح للفقراء نهب داره، وكان فيها ما يساوى نحوا من خمسين ألف دينار من الذهب، وقد سمع الحديث من المشايخ الجياد العوالي الاسناد، وعقد له في وقت مجلس للاملاء فاحتفل الناس لحضوره، وحضره وجوه الأمراء، فلما خرج إليه لبس زي الفقهاء وأشهد على نفسه بالتوبة والانابة مما يعانيه من أمور السلطان، وذكر للناس أنه كان يأكل من حين نشأ إلى يومه هذا من أموال أبيه وجده مما ورثه منهم، ولكن كان يخالط السلطان وهو تائب مما يمارسونه، واتخذ بناء في داره سماه بيت التوبة، ووضع العلماء خطوطهم بصحة توبته، وحين حدث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان في جملة من يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبار الهمدانيّ وأضرابه من رءوس الفضلاء وسادات الفقهاء والمحدثين، وقد بعث إليه قاضى قزوين بهدية كتب سنية، وكتب معها. العميدي عبد كافى الكفاة وأنه … اعقل في وجوه القضاة خدم المجلس الرفيع، بكتب … منعمات، من حسنها مترعات فلما وصلت إليه أخذ منها كتابا واحدا ورد باقيها وكتب تحت البيتين. قد قبلنا من الجميع كتابا … ورددنا لوقتها الباقيات لست أستغنم الكثير وطبعي … قول: خذ ليس مذهبي قول هات وجلس مرة في مجلس شراب فناوله الساقي كأسا، فلما أراد شربها قال له بعض خدمه: إن هذا الّذي في يدك مسموم. قال: وما الشاهد على صحة قولك؟ قال تجربه، قال: فيمن؟ قال في الساقي. قال ويحك لا أستحل ذلك، قال ففي دجاجة، قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، تم أمر بصب ما في ذلك القدح وقال للساقى: لا تدخل بعد اليوم داري، ولم يقطع عنه معلومه. وقد عمل عليه الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين حتى عزله عن وزارة مؤيد الدولة في وقت وباشرها عوضه واستمر فيها مدة، فبينما هو ذات ليلة قد اجتمع عنده أصحابه وهو في أتم السرور، قد هيئ له في مجلس حافل بأنواع اللذات، وقد نظم أبياتا والمغنون يغنونه بها وهو في غاية الطرب والسرور والفرح، وهي هذه الأبيات دعوت الهنا ودعوت العلا … فلما أجابا دعوت القدح وقلت لأيام شرخ الشباب … إلى. فهذا أوان الفرح

стр. 3852

إذا بلغ المرء آماله … فليس له بعدها منتزح ثم قال لأصحابه: باكروني غدا إلى الصبوح، ونهض إلى بيت منامه فما أصبح حتى قبض عليه مؤيد الدولة وأخذ جميع ما في داره من الحواصل والأموال، وجعله مثلة في العباد، وأعاد إلى وزارته ابن عباد. وقد ذكر ابن الجوزي أن ابن عباد هذا حين حضرته الوفاة جاءه الملك فخر الدولة بن مؤيد الدولة يغوده ليوصيه في أموره فقال له إني موصيك أن تستمر في الأمور على ما تركتها عليه، ولا تغيرها، فإنك إن استمريت بها نسبت إليك من أول الأمر إلى آخره، وإن غيرتها وسلكت غيرها نسب الخير المتقدم إليّ لا إليك، وأنا أحب أن تكون نسبة الخير إليك وإن كنت أنا المشير بها عليك. فأعجبه ذلك منه واستمر بما أوصاه به من الخير، وكانت وفاته في عشية يوم الجمعة لست بقين من صفر منها. قال ابن خلكان: وهو أول من تسمى من الوزراء بالصاحب، ثم استعمل بعده منهم، وإنما سمى بذلك لكثرة صحبته الوزير أبا الفضل بن العميد، ثم أطلق عليه أيام وزارته. وقال الصابئ في كتابه الناجي: إنما سماه الصاحب مؤيد الدولة لأنه كان صاحبه من الصغر، وكان إذ ذاك يسميه الصاحب، فلما ملك واستوزره سماه به واستمر فاشتهر به، وسمى به الوزراء بعده، ثم ذكر ابن خلكان قطعة صالحة من مكارمه وفضائله وثناء الناس عليه، وعدد له مصنفات كثيرة، منها كتابه المحيط في اللغة في سبع مجلدات، يحتوي على أكثر اللغة وأورد من شعره أشياء منها في الخمر: رق الزجاج وراقت الخمر … وتشابها فتشاكل الأمر فكأنما خمر ولا قدح … وكأنما قدح ولا خمر قال ابن خلكان: توفى بالري في هذه السنة وله نحو ستين سنة ونقل إلى أصبهان ﵀. الحسن بن حامد أبو محمد الأديب، كان شاعرا متجولا كثيرا المكارم، روى عن على بن محمد بن سعيد الموصلي وعنه الصوري، وكان صدوقا. وهو الّذي أنزل المتنبي داره حين قدم بغداد وأحسن إليه حتى قال له المتنبي: لو كنت مادحا تاجرا لمدحتك، وقد كان أبو محمد هذا شاعرا ماهرا، فمن شعره الجيد قوله: شربت المعالي غير منتظر بها … كسادا ولا سوقا يقام لها أحرى وما أنا من أهل المكاسب كلما … توفرت الأثمان كنت لها أشرى ابن شاهين الواعظ عمر بن أحمد بن عثمان بن محمد بن أيوب بن زذان، أبو حفص المشهور، سمع الكثير وحدث عن الباغندي وأبى بكر بن أبى داود والبغوي، وابن صاعد، وخلق. وكان ثقة أمينا، يسكن الجانب الشرقي من بغداد، وكانت له المصنفات العديدة. ذكر عنه أنه صنف ثلاثمائة وثلاثين مصنفا

стр. 3853

منها التفسير في ألف جزء، والمسند في ألف وخمسمائة جزء، والتاريخ في مائة وخمسين جزءا، والزهد في مائة جزء توفى في ذي الحجة منها وقد قارب التسعين ﵀. الحافظ الدار قطنى على بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد الله الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، وقبله بمدة وبعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير، وجمع وصنف وألف وأجاد وأفاد، وأحسن النظر والتعليل والانتقاد والاعتقاد، وكان فريد عصره، ونسيج وحده، وإمام دهره في أسماء الرجال وصناعة التعليل، والجرح والتعديل، وحسن التصنيف والتأليف، واتساع الرواية، والاطلاع التام في الدراية، له كتابه المشهور من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله ولا يلحق في شكله إلا من استمد من بحرة وعمل كعمله، وله كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، والمتصل من المرسل والمنقطع والمعضل، وكتاب الافراد الّذي لا يفهمه، فضلا عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفاظ الأفراد، والأئمة النقاد، والجهابذة الجياد، وله غير ذلك من المصنفات التي هي كالعقود في الأجياد، وكان من صغره موصوفا بالحفظ الباهر، والفهم الثاقب، والبحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار وهو يملى على الناس الأحاديث، والدار قطنى ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح وأنت تنسخ، فقال الدار قطنى: فهمي للاملاء أحسن من فهمك وأحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أنحفظ كم أملى حديثا؟ فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثا إلى الآن، والحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها وألفاظها لم يخرم منها شيئا، فتعجب الناس منه. وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري: لم ير الدار قطنى مثل نفسه. وقال ابن الجوزي: وقد اجتمع له مع معرفة الحديث والعلم بالقراءات والنحو والفقه والشعر مع الإمامة والعدالة، وصحة العقيدة، وقد كانت وفاته في يوم الثلاثاء السابع من ذي القعدة منها، وله من العمر سبع وسبعون سنة ويومان، ودفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي ﵀. قال ابن خلكان: وقد رحل إلى الديار المصرية فأكرمه الوزير أبو الفضل جعفر بن خنزابة وزير كافور الإخشيدي، وساعده هو الحافظ عبد الغنى على إكمال مسندة، وحصل قطنى منه مال جزيل. قال: والدار قطنى نسبة إلى دار القطن وهي محلة كبيرة ببغداد، وقال عبد الغنى بن سعيد الضرير: لم يتكلم على الأحاديث مثل على بن المديني في زمانه، وموسى بن هارون في زمانه، والدار قطنى في زمانه. وسئل الدار قطنى: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل منى، وأما فيما اجتمع لي من الفنون فلا. وقد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبى نصر هبة الله بن ماكولا قال: رأيت في المنام كأنى أسأل عن حال أبى الحسن الدار قطنى وما آل أمره إليه في

стр. 3854

الآخرة، فقيل لي ذاك يدعى في الجنة الامام. عباد بن عباس بن عباد أبو الحسن الطالقانيّ، والد الوزير إسماعيل بن عباد المتقدم ذكره، سمع أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديين والأصفهانيّين والرازيين وغيرهم، وحدث عنه ابنه الوزير أبو الفضل القاسم، وأبو بكر بن مردويه، ولعباد هذا كتاب في أحكام القرآن، وقد اتفق موته وموت ابنه في هذه السنة رحمهما الله. عقيل بن محمد بن عبد الواحد أبو الحسن الأحنف العكبريّ الشاعر المشهور، له ديوان مفرد، ومن مستجاد شعره ما ذكره ابن الجوزي في منتظمه قوله: أقضى على من الأجل … عذل العذول إذا عذل وأشد من عذل العذول … صدود إلف قد وصل وأشد من هذا وذا … طلب النوال من السفل وقوله من أراد العز والراحة * من هم طويل … فليكن فردا في الناس * ويرضى بالقليل ويرى أن سيرى * كافيا عما قليل … ويرى بالحزم أن الحزم * في ترك الفضول ويداوي مرض الوحدة * بالصبر الجميل … لا يمارى أحدا ما * عاش في قال وقيل يلزم الصمت فان الصمت * تهذيب العقول … يذر الكبر لأهل الكبر * ويرضى بالخمول أي عيش لامرئ * يصبح في حال ذليل … بين قصد من عدو * ومداراة جهول واعتلال من صديق * وتجنى من ملول … واحتراس من ظنون السوء * مع عذل العذول ومقاسات بغيض * ومداناة ثقيل … أف من معرفة الناس * على كل سبيل وتمام الأمر لا يعرف * سمحا من بخيل … فإذا أكمل هذا كان * في ظل ظليل محمد بن عبد الله بن سكرة أبو الحسين الهاشمي، من ولد على بن المهدي، كان شاعرا خليعا ظريفا، وكان ينوب في نقابة الهاشميين. فترافع إليه رجل اسمه على وامرأة اسمها عائشة يتحاكمان في جمل فقال هذه قضية لا أحكم فيها بشيء لئلا يعود الحال خدعة. ومن مستجاد شعره ولطيف قوله: في وجه إنسانة كلفت بها … أربعة ما اجتمعن في أحد الوجه بدر، والصدغ غالية … والريق خمر، والثغر من برد وله في قوله وقد دخل حماما فسرق نعليه فعاد إلى منزله حافيا فقال: إليك أذم حمام ابن موسى … وإن فاق المنى طيبا وحرا

стр. 3855

تكاثرت اللصوص عليه حتى … ليحفى من يطيف به ويعرى ولم أفقد به ثوبا ولكن … دخلت محمدا وخرجت بشرا يوسف بن عمر بن مسرور أبو الفتح القواس، سمع البغوي وابن أبى داود وابن صاعد وغيرهم، وعنه الخلال والعشاري والبغدادي والتنوخي وغيرهم، وكان ثقة ثبتا، يعد من الأبدال. قال الدار قطنى: كنا نتبرك به وهو صغير. توفى لثلاث بقين من ربيع الآخر عن خمس وثمانين سنة، ودفن بباب حرب. يوسف بن أبى سعيد السيرافي أبو محمد النحويّ، وهو الّذي تمم شرح أبيه لكتاب سيبويه، وكان يرجع إلى علم ودين وكانت وفاته في ربيع الأول منها عن خمس وخمسين سنة. ثم دخلت سنة ست وثمانين وثلاثمائة في محرمها كشف أهل البصرة عن قبر عتيق فإذا هم بميت طرى عليه ثيابه وسيفه، فظنوه الزبير ابن العوام، فأخرجوه وكفنوه ودفنوه واتخذوا عند قبره مسجدا، ووقف عليه أوقاف كثيرة، وجعل عنده خدام وقوام وفرش وتنوير. وفيها ملك الحاكم العبيدي بلاد مصر بعد أبيه العزيز بن المعز الفاطمي، وكان عمره إذ ذاك إحدى عشرة سنة وستة أشهر، وقام بتدبير المملكة أرجوان الخادم، وأمير الدولة الحسن بن عمارة، فلما تمكن الحاكم قتلهما وأقام غيرهما، ثم قتل خلقا حتى استقام له الأمر على ما سنذكره. وحج بالناس الأمير الّذي من جهة المصريين والخطبة لهم. وفيها توفى من الأعيان أحمد بن إبراهيم ابن محمد بن يحيى بن سحنويه أبو حامد بن إسحاق المزكي النيسابورىّ، سمع الأصم وطبقته وكان كثير العبادة من صغره إلى كبره، وصام في عمره سردا تسعا وعشرين سنة، وقال الحاكم: وعندي أن الملائكة لم تكتب عليه خطيئة، توفى في شعبان منها عن ثلاث وستين سنة. أبو طالب المكيّ صاحب قوت القلوب، محمد بن على بن عطية أبو طالب المكيّ الواعظ المذكر، الزاهد المتعبد، الرجل الصالح، سمع الحديث وروى عن غير واحد. قال العتيقي: كان رجلا صالحا مجتهدا في العبادة وصنف كتابا سماه قوت القلوب، وذكر فيه أحاديث لا أصل لها، وكان يعظ الناس في جامع بغداد، وحكى ابن الجوزي أن أصله من الجبل، وأنه نشأ بمكة، وأنه دخل البصرة بعد وفاة أبى الحسن بن سالم، فانتمى إلى مقالته، ودخل بغداد فاجتمع عليه الناس وعقد له مجلس الوعظ بها، فغلط في كلام وحفظ عنه أنه قال: ليس على المخلوقين أضر من الخالق، فبدعه الناس وهجروه، وامتنع من الكلام
следующие страницы →