← История

История · id 23708

البداية والنهاية - ط السعادة

ابن كثير

Полный текст (4 918 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

ملطية مع سميساط من بعد كركر … وفي البحر أضعاف الفتوح التواخم وبالحدث الحمراء جالت عساكري … وكيسوم بعد الجعفري للمعالم وكم قد ذللنا من أعزة أهلها … فصاروا لنا من بين عبد وخادم وسد سروج إذ خربنا بجمعنا … لنا رتبة تعلو على كل قائم وأهل الرها لاذوا بنا وتحزبوا … بمنديل مولى علا عن وصف آدمي وصبح رأس العين منا بطارق … ببيض غزوناها بضرب الجماجم ودارا وميافارقين وأزرنا … أذقناهم بالخيل طعم العلاقم واقريطش قد جازت إليها مراكبى … على ظهر بحر مزبد متلاطم فحزمهم أسرى وسيقت نساؤهم … ذوات الشعور المسبلات النواعم هناك فتحنا عين زربة عنوة … نعم وأبدنا كل طاغ وظالم إلى حلب حتى استبحنا حريمها … وهدم منها سورها كل هادم أخذنا النسا ثم البنات نسوقهم … وصبيانهم مثل المماليك خادم وقد فر عنها سيف دولة دينكم … وناصركم منا على رغم راغم وملنا على طرسوس ميلة حازم … أذقنا لمن فيها لحز الحلاقم فكم ذات عز حرة علوية … منعمة الأطراف ريا المعاصم سبينا فسقنا خاضعات حواسرا … بغير مهور، لا ولا حكم حاكم وكم من قتيل قد تركنا مجندلا … يصب دما بين اللها واللهازم وكم وقعة في الدرب أفنت كماتكم … وسقناهم قسرا كسوق البهائم وملنا على أرياحكم وحريمها … مدوخة تحت العجاج السواهم فأهوت أعاليها وبدل رسمها … من الأنس وحشا بعد بيض نواعم إذا صاح فيها البوم جاوبه الصدى … وأتبعه في الربع نوح الحمائم وإنطاك لم تبعد على وإنني … سأفتحها يوما بهتك المحارم ومسكن آبائي دمشق فاننى … سأرجع فيها ملكنا تحت خاتمي ومصر سأفتحها بسيفي عنوة … وآخذ أموالا بها وبهائمى وأجزى كافورا بما يستحقه … بمشط ومقراض وقص محاجم ألا شمروا يا أهل حمدان شمروا … أتتكم جيوش الروم مثل الغمائم فان تهربوا تنجوا كراما وتسلموا … من الملك الصادي بقتل المسالم

стр. 3782

كذاك نصيبين وموصلها إلى … جزيرة آبائي وملك الأقادم سأفتح سامرا وكوثا وعكبرا … وتكريتها مع ماردين العواصم وأقتل أهليها الرجال بأسرها … وأغنم أموالا بها وحرائم ألا شمروا يا أهل بغداد ويلكم … فكلكم مستضعف غير رائم رضيتم بحكم الديلميّ ورفضه … فصرتم عبيدا للعبيد الديالم ويا قاطني الرملات ويلكم ارجعوا … إلى أرض صنعا راعيين البهائم وعودوا إلى أرض الحجاز أذلة … وخلوا بلاد الروم أهل المكارم سألقى جيوشا نحو بغداد سائرا … إلى باب طاق حيث دار القماقم وأحرق أعلاها وأهدم سورها … وأسبى ذراريها على رغم راغم وأحرز أموالا بها وأسرة … وأقتل من فيها بسيف النقائم وأسرى بجيشى نحو الأهواز مسرعا … لاحراز ديباج وخز السواسم وأشعلها نهبا وأهدم قصورها … وأسبى ذراريها كفعل الأقادم ومنها إلى شيراز والري فاعلموا … خراسان قصرى والجيوش بحارم إلى شاس بلخ بعدها وخواتها … وفرغانة مع مروها والمخازم وسابور أهدمها وأهدم حصونها … وأوردها يوما كيوم السمائم وكرمان لا أنسى سجستان كلها … وكابلها النائى وملك الأعاجم أسير بجندي نحو بصرتها التي … لها بحر عجاج رائع متلازم إلى واسط وسط العراق وكوفة … كما كان يوما جندنا ذو العزائم وأخرج منها نحو مكة مسرعا … أجر جيوشا كالليالى السواجم فأملكها دهرا عزيزا مسلما … أقيم بها للحق كرسي عالم وأحوى نجدا كلها وتهامها … وسرا واتهام مذحج وقحاطم وأغزو يمانا كلها وزبيدها … وصنعاءها مع صعدة والتهائم فأتركها أيضا خرابا بلاقعا … خلاء من الأهلين أهل نعائم واحوى أموال اليمانين كلها … وما جمع القرماط يوم محارم أعود إلى القدس التي شرفت بنا … بعزمكين ثابت الأصل قائم وأعلو سريري للسجود معظما … وتبقى ملوك الأرض مثل الخوادم هنالك تخلو الأرض من كل مسلم … لكل نقى الدين أغلف زاعم

стр. 3783

نصرنا عليكم حين جارت ولاتكم … وأعلنتموا بالمنكرات العظائم قضاتكم باعوا القضاء بدينهم … كبيع ابن يعقوب ببخس الدراهم عدو لكم بالزور يشهد ظاهرا … وبالإفك والبرطيل مع كل قائم سأفتح أرض الله شرقا ومغربا … وأنشر دينا للصليب بصارمى فعيسى علا فوق السموات عرشه … يفوز الّذي والاه يوم التخاصم وصاحبكم بالترب أودى به الثرى … فصار رفاتا بين تلك الرمائم تناولتم أصحابه بعد موته … بسب وقذف وانتهاك المحارم هذا آخرها لعن الله ناظمها وأسكنه النار، يوم لا تنفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار يوم يدعو ناظمها ثبورا ويصلى نارا سعيرا، يوم يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتا ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، لقد أضلنى عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا. إن كان مات كافرا وهذا جوابها لأبى محمد بن حزم الفقيه الظاهري الأندلسى قالها ارتجالا حين بلغته هذه الملعونة غضبا لله ولرسوله ولدينه كما ذكر ذلك من رآه، فرحمه الله وأكرم مثواه وغفر له خطاياه. من المحتمى لله رب العوالم … ودين رسول الله من آل هاشم محمد الهادي إلى الله بالتقى … وبالرشد والإسلام أفضل قائم عليه من الله السلام مرددا … إلى أن يوافي الحشر كل العوالم إلى قائل بالإفك جهلا وضلة … عن النقفور المفترى في الأعاجم دعوت إماما ليس من أمرائه … بكفيه إلا كالرسوم الطواسم دهته الدواهي في خلافته كما … دهت قبله الأملاك دهم الدواهم ولا عجب من نكبة أو ملمة … تصيب الكريم الجدود الأكارم ولو أنه في حال ماضى جدوده … لجرعتم منه سموم الاراقم عسى عطفة لله في أهل دينه … تجدد منه دارسات المعالم فخرتم بما لو كان فيكم حقيقة … لكان بفضل الله أحكم حاكم إذن لاعترتكم خجلة عند ذكره … وأخرس منكم كل فاه مخاصم سلبناكم كرا ففزتم بغرة … من الكر أفعال الضعاف العزائم فطرتم سرورا عند ذاك ونشوة … كفعل المهين الناقص المتعالم وما ذاك إلا في تضاعيف عقله … عريقا وصرف الدهر جم الملاحم

стр. 3784

ولما تنازعنا الأمور تخاذلا … ودانت لأهل الجهل دولة ظالم وقد شعلت فينا الخلائف فتنة … لعبدانهم مع تركهم والدلائم بكفر أياديهم وجحد حقوقهم … بمن رفعوه من حضيض البهائم وثبتم على أطرافنا عند ذاكم … وثوب لصوص عند غفلة نائم ألم تنتزع منكم بأعظم قوة … جميع بلاد الشام ضربة لازم ومصرا وأرض القيروان بأسرها … وأندلسا قسرا بضرب الجماجم ألم ننتزع منكم على ضعف حالنا … صقلّيّة في بحرها المتلاطم مشاهد تقديساتكم وبيوتها … لنا وبأيدينا على رغم راغم أما بيت لحم والقمامة بعدها … بأيدي رجال المسلمين الأعاظم وسركيسكم في أرض اسكندرية … وكرسيكم في القدس في أدرثاكم ضممناكم قسرا برغم انوفكم … وكرسي قسطنطينية في المعادم ولا بد من عود الجميع بأسره … إلينا بعز قاهر متعاظم أليس يزيد حل وسط دياركم … على باب قسطنطينية بالصوارم ومسلمة قد داسها بعد ذاكم … يجيش تهام قد دوى بالضراغم وأخدمكم بالذل مسجدنا الّذي … بنى فيكم في عصره المتقادم إلى جنب قصر الملك من دار ملككم … ألا هذه حق صرامة صارم وأدى لهارون الرشيد مليككم … رفادة مغلوب وجزية غارم سلبناكم مصرا شهود بقوة … حبانا بها الرحمن أرحم راحم إلى بيت يعقوب وأرباب دومة … إلى لجة البحر المحيط المحارم فهل سرتم في أرضنا قط جمعة … أبى لله ذاكم يا بقايا الهزائم فما لكم إلا الأماني وحدها … بضائع نوكى تلك أحلام نائم رويدا بعد نحو الخلافة نورها … وسفر مغير وجوه الهواشم وحينئذ تدرون كيف قراركم … إذا صدمتكم خيل جيش مصادم على سالف العادات منا ومنكم … ليالي بهم في عداد الغنائم سبيتم سبايا يحصر العد دونها … وسبيكم فينا كقطر الغمائم فلو رام بخلق عدها رام معجزا … وأنى بتعداد لرش الحمائم بأبنا بنى حمدان وكافور صلتم … أراذل أنجاس قصار المعاصم

стр. 3785

دعىّ وحجام سطوتم عليهما … وما قدر مصّاص دماء المحاجم فهلا على دميانة قبل ذاك أو … على محل أربا رماة الضراغم ليالي قادكم كما اقتادكم … أقيال جرجان بحز الحلاقم وساقوا على رسل بنات ملوككم … سبايا كما سيقت ظباء الصرائم ولكن سلوا عنا هرقلا ومن خلى … لكم من ملوك مكرمين قماقم يخبركم عنا التنوخ وقيصر … وكم قد سبينا من نساء كرائم وعما فتحنا من منيع بلادكم … وعما أقمنا فيكم من مآتم ودع كل نذل مفتر لا تعده … إماما ولا الدعوى له بالتقادم فهيهات سامرا وتكريت منكم … إلى جبل تلكم أمانى هائم منى يتمناها الضعيف ودونها … نظائرها … وحز الغلاصم تريدون بغداد سوقا جديدة … مسيرة شهر للفنيق القواصم محلة أهل الزهد والعلم والتقى … ومنزلة يختارها كل عالم دعوا الرملة الصهباء عنكم فدونها … من المسلمين الغر كل مقاوم ودون دمشق جمع جيش كأنه … سحائب طير ينتحى بالقوادم وضرب يلقى الكفر كل مذلة … كما ضرب السكى بيض الدراهم ومن دون أكناف الحجاز وجحافل … كقطر الغيوم الهلائلات السواحم بها من بنى عدنان كل سميدع … ومن حي قحطان كرام العمائم ولو قد لقيتم من قضاعة كبة … لقيتم ضراما في يبيس الهشائم إذا أصبحوكم ذكروكم بما خلى … لهم معكم من صادق متلاحم زمان يقودون الصوافن نحوكم … فجئتم ضمانا أنكم في الغنائم سيأتيكم منهم قريبا عصائب … تنسيكم تذكار أخذ العواصم وأموالكم حل لهم ودماؤكم … بها يشتفى حر الصدور الحوائم وأرضيكم حقا سيقتسمونها … كما فعلوا دهرا بعدل المقاسم ولو طرقتكم من خراسان عصبة … وشيراز والري الملاح القوائم لما كان منكم عند ذلك غير ما … عهدنا لكم: ذل وعض الاباهم فقد طالما زاروكم في دياركم … مسيرة عام بالخيول الصوادم فأما سجستان وكرمان بالأولى … وكابل حلوان بلاد المراهم

стр. 3786

وفي فارس والسوس جمع عرموم … وفي أصبهان كل أروع عارم فلو قد أتاكم جمعهم لغدوتم … فرائس كالآساد فوق البهائم وبالبصرة الغراء والكوفة التي … سمت وبآدى واسط بالعظائم جموع تسامى الرمل عدا وكثرة … فما أحد عادوه منه بسالم ومن دون بيت الله في مكة التي … حباها بمجد للبرايا مراحم محل جميع الأرض منها تيقنا … محلة سفل الخف من فص خاتم دفاع من الرحمن عنها بحقها … فما هو عنها رد طرف برائم بها وقع الأحبوش هلكى وفيلهم … بحصباء طير في ذرى الجو حائم وجمع كجمع البحر ماض عرمرم … حمى بنية البطحاء ذات المحارم ومن دون قبر المصطفى وسط طيبة … جموع كمسود من الليل فاحم يقودهم جيش الملائكة العلى … دفاعا ودفعا عن مصل وصائم فلو قد لقيناكم لعدتم رمائما … كما فرق الاعصار عظم البهائم وباليمن الممنوع فتيان غارة … إذا ما لقوكم كنتم كالمطاعم وفي جانبي أرض اليمامة عصبة … معاذر أمجاد طوال البراجم نستفينكم والقرمطيين دولة … تقووا بميمون النقيبة حازم خليفة حق ينصر الدين حكمه … ولا يتقى في الله لومة لائم إلى ولد العباس تنمى جدوده … بفخر عميم مزبد الموج فأعم ملوك جرى بالنصر طائر سعدهم … فأهلا بماضي منهم وبقادم محلهم في مسجد القدس أو لدى … منازل بغداد محل المكارم وإن كان من عليا عدي وتيمها … ومن أسد هذا الصلاح الحضارم فأهلا وسهلا ثم نعمى ومرحبا … بهم من خيار سالفين أقادم هم نصروا الإسلام نصرا مؤزرا … وهم فتحوا البلدان فتح المراغم رويدا فوعد الله بالصدق وارد … بتجريع أهل الكفر طعم العلاقم سنفتح قسطنطينية وذواتها … ونجعلكم فوق النسور القعاشم ونفتح أرض الصين والهند عنوة … بجيش لأرض الترك والخزر حاطم مواعيد للرحمن فينا صحيحة … وليست كآمال العقول السواقم وتملك أقصى أرضكم وبلادكم … ونلزمكم ذل الحر أو الغارم

стр. 3787

إلى أن ترى الإسلام قد عم حكمه … جميع الأراضي بالجيوش الصوارم أتقرن يا مخذول دينا مثلثا … بعيدا عن المعقول بادى المآثم تدين لمخلوق يدين لغيره … فيا لك سحقا ليس يخفى لعالم أناجيلكم مصنوعة قد تشابهت … كلام الأولى فيها أتوا بالعظائم وعود صليب ما تزالون سجدا … له يا عقول الهاملات السوائم تدينون تضلالا بصلب إلهكم … بأيدي يهود أرذلين لآثم إلى ملة الإسلام توحيد ربنا … فما دين ذي دين لها بمقاوم وصدق رسالات الّذي جاء بالهدى … محمد الآتي برفع المظالم وأذعنت الأملاك طوعا لدينه … ببرهان صدق طاهر في المواسم كما دان في صنعاء مالك دولة … وأهل عمان حيث رهط الجهاضم وسائر أملاك اليمانين أسلموا … ومن بلد البحرين قوم الهازم أجابوا لدين الله لا من مخافة … ولا رغبة يحظى بها كف عادم فحلوا عرى التيجان طوعا ورغبة … بحق يقين بالبراهين فاحم وحاباه بالنصر المكين إلهه … وصير من عاداه تحت المناسم فقير وحيد لم تعنه عشيرة … ولا دفعوا عنه شتيمة شاتم ولا عنده مال عتيد لناصر … ولا دفع مرهوب ولا لمسالم ولا وعد الأنصار مالا يخصهم … بلى كان معصوما لأقدر عاصم ولم تنهنهه قط قوة آسر … ولا مكنت من جسمه يد ظالم كما يفترى إفكا وزورا وضلة … على وجه عيسى منكم كل لاطم على أنكم قد قلتموا هو ربكم … فيا لضلال في القيامة عائم أبى لله أن يدعى له ابن وصاحب … ستلقى دعاة الكفر حالة نادم ولكنه عبد نبي رسول مكرم … من الناس مخلوق ولا قول زاعم أيلطم وجه الرب؟ تبا لدينكم … لقد فقتم في قولكم كل ظالم وكم آية أبدى النبي محمد … وكم علم أبداه للشرك حاطم تساوى جميع الناس في نصر حقه … بل لكل في إعطائه حال خادم فعرب وأحبوش وفرس وبربر … وكرديهم قد فاز قدح المراحم وقبط وأنباط وخزر وديلم … وروم رموكم دونه بالقواصم

стр. 3788

أبوا كفر أسلاف لهم فتمنعوا … فآبوا بحظ في السعادة لازم به دخلوا في ملة الحق كلهم … ودانوا لأحكام الا له اللوازم به صح تفسير المنام الّذي أتى … به دانيال قبله حتم حاتم وهند وسند أسلموا وتدينوا … بدين الهدى رفض لدين الأعاجم وشق له بدر السموات آية … وأشبع من صاع له كل طاعم وسالت عيون الماء في وسط كفه … فأروى به جيشا كثيرا هماهم وجاء بما تقضى العقول بصدقة … ولا كدعاء غير ذات قوائم عليه سلام الله ما ذر شارق … تعقبه ظلماء أسحم قاتم براهينه كالشمس لا مثل قولكم … وتخليطكم في جوهر وأقانم لنا كل علم من قديم ومحدث … وأنتم حمير داميات المحازم أتيتم بشعر بارد متخاذل … ضعيف معاني النظم جم البلاعم فدونكها كالعقد فيه زمرد … ودر وياقوت بأحكام حاكم وفيها عزل ابن أبى الشوارب عن القضاء ونقضت سجلاته وأبطلت أحكامه مدة أيامه، وولى القضاء عوضه أبو بشر عمر بن أكتم بن رزق، ورفع عنه ما كان يحمله ابن أبى الشوارب في كل سنة وفي ذي الحجة منها استسقى الناس لتأخر المطر - وذلك في كانون الثاني - فلم يسقوا. وحكى ابن الجوزي في المنتظم عن ثابت بن سنان المؤرخ قال: حدثني جماعة ممن أثق بهم أن بعض بطارقة الأرمن أنفذ في سنة ثنتين وخمسين وثلاثمائة إلى ناصر الدولة بن حمدان رجلين من الأرمن ملتصقين سنهما خمس وعشرون سنة، ملتحمين ومعهما أبوهما، ولهما سرتان وبطنان ومعدتان وجوعهما وريهما يختلفان، وكان أحدهما يميل إلى النساء والآخر يميل إلى الغلمان، وكان يقع بينهما خصومة وتشاجر، وربما يحلف الآخر لا يكلم الآخر فيمكث كذلك أياما ثم يصطلحان، وهبهما ناصر الدولة ألفى درهم وخلع عليهما ودعاهما إلى الإسلام فيقال إنهما أسلما. وأراد أن يبعثهما إلى بغداد ليراهما الناس ثم رجع عن ذلك، ثم إنهما رجعا إلى بلدهما مع أبيهما فاعتل أحدهما ومات وأنتن ريحه وبقي الآخر لا يمكنه التخلص منه، وقد كان اتصال ما بينهما من الخاصرتين، وقد كان ناصر الدولة أراد فصل أحدهما عن الآخر وجمع الأطباء لذلك فلم يمكن، فلما مات أحدهما حار أبوهما في فصله عن أخيه فاتفق اعتلال الآخر من غمه ونتن أخيه فمات غما فدفنا جميعا في قبر واحد. وممن توفى فيها من الأعيان عمر بن أكثم بن أحمد بن حيان بن بشر أبو بشر الأسدي، ولد سنة أربع وثمانين ومائتين، وولى القضاء في زمن المطيع نيابة عن أبى السائب عتبة بن عبيد الله،

стр. 3789

ثم ولى قضاء القضاة، وهو أول من ولى قضاء القضاة من الشافعية سوى أبى السائب، وكان جيد السيرة في القضاء. توفى في ربيع الأول منها. ثم دخلت سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم منها عملت الرافضة عزاء الحسين كما تقدم في السنة الماضية فاقتتل الروافض وأهل السنة في هذا اليوم قتالا شديدا، وانتهبت الأموال. وفيها عصى نجا غلام سيف الدولة عليه، وذلك أنه كان في العام الماضي قد صادر أهل حران وأخذ منهم أموالا جزيلة فتمرد بها وذهب إلى أذربيجان وأخذ طائفة منها من يد رجل من الأعراب يقال له أبو الورد، فقتله وأخذ من أمواله شيئا كثيرا، وقويت شوكته بسبب ذلك، فسار إليه سيف الدولة فأخذه وأمر بقتله فقتل بين يديه، وألقيت جثته في الأقذار. وفيها جاء الدمستق إلى المصيصة فحاصرها وثقب سورها فدافعه أهلها فأحرق رستاقها وقتل ممن حولها خمسة عشر الفا وعاثوا فسادا في بلاد أذنة وطرسوس، وكر راجعا إلى بلاده. وفيها قصد معز الدولة الموصل وجزيرة ابن عمر فأخذ الموصل، وأقام بها، فراسله في الصلح صاحبها فاصطلحا على أن يكون الحمل في كل سنة، وأن يكون أبو تغلب بن ناصر الدولة ولى عهد أبيه من بعده، فأجاب معز الدولة إلى ذلك، وكر راجعا إلى بغداد بعد ما جرت له خطوب كثيرة استقصاها ابن الأثير. وفيها ظهر رجل ببلاد الديلم وهو أبو عبد الله محمد بن الحسين من أولاد الحسين بن على، ويعرف بابن الراعي، فالتف عليه خلق كثير، ودعا إلى نفسه وتسمى بالمهديّ، وكان أصله من بغداد وعظم شأنه بتلك البلاد، وهرب منه ابن الناصر العلويّ. وفيها قصد ملك الروم وفي صحبته الدمستق ملك الأرمن بلاد طرسوس فحاصرها مدة ثم غلت عليهم الأسعار وأخذهم الوباء فمات كثير منهم فكروا راجعين، ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَكَفَى اللهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيزاً﴾ وكان من عزمهم يريدون أن يستحوذوا على البلاد الإسلامية كلها، وذلك لسوء حكامها وفساد عقائدهم في الصحابة فسلم الله ورجعوا خائبين. وفيها كانت وقعة المختار ببلاد صقلّيّة، وذلك أنه أقبل من الروم خلق كثير، ومن الفرنج ما يقارب مائة ألف، فبعث أهل صقلّيّة إلى المعز الفاطمي يستنجدونه، فبعث إليهم جيوشا كثيرة في الاسطول، وكانت بين المسلمين والمشركين وقعة عظيمة صبر فيها الفريقان من أول النهار إلى العصر، ثم قتل أمير الروم مويل، وفرت الروم وانهزموا هزيمة قبيحة فقتل المسلمون منهم خلقا كثيرا وسقط الفرنج في واد من الماء عميق فغرق أكثرهم وركب الباقون في المراكب، فبعث الأمير أحمد صاحب صقلّيّة في آثارهم مراكب أخر فقتلوا أكثرهم في البحر أيضا، وغنموا في هذه الغزوة كثيرا من الأموال والحيوانات والأمتعة والأسلحة، فكان في جملة ذلك سيف مكتوب عليه: هذا سيف هندي زنته مائة وسبعون مثقالا، طال لما قوتل به بين يدي

стр. 3790

رسول الله ﷺ ، فبعثوا به في جملة تحف إلى المعز الفاطمي إلى إفريقية. وفيها قصدت القرامطة مدينة طبرية ليأخذوها من يد الإخشيد صاحب مضر والشام، وطلبوا من سيف الدولة أن يمدهم بحديد يتخذون منه سلاحا، فقلع لهم أبواب الرقة - وكانت من حديد صامت - وأخذ لهم من حديد الناس حتى أخذ أواقي الباعة والأسواق، وأرسل بذلك كله إليهم، فأرسلوا إليه يقولون اكتفينا. وفيها طلب معز الدولة من الخليفة أن يأذن له في دخول دار الخلافة ليتفرج فيها فأذن له فدخلها، فبعث الخليفة خادمه وصاحبه معه فطافوا بها وهو مسرع خائف، ثم خرج منها وقد خاف من غائلة ذلك وخشي أن يقتل في دهاليزها، فتصدق بعشرة آلاف لما خرج شكرا لله على سلامته، وازداد حبا في الخليفة المطيع من يومئذ، وكان في جملة ما رأى فيها من العجائب صنم من نحاس على صورة امرأة حسناء جدا، وحولها أصنام صغار في هيئة الخدم لها كان قد أتى بها في زمن المقتدر فأقيمت هناك ليتفرج عليها الجواري والنساء، فهم معز الدولة أن يطلبه من الخليفة ثم ارتأى فترك ذلك. وفي ذي الحجة منها خرج رجل بالكوفة فادعى أنه علوي، وكان يتبرقع فسمى المتبرقع وغلظت فتنته وبعد صيته، وذلك في غيبة معز الدولة عن بغداد واشتغاله بأمر الموصل كما تقدم، فلما رجع إلى بغداد اختفى المتبرقع وذهب في البلاد فلم ينتج له أمر بعد ذلك. وممن توفى فيها من الأعيان بكار بن أحمد ابن بكار بن بيان بن بكار بن درستويه بن عيسى المقري، روى الحديث عن عبد الله بن أحمد وعنه أبو الحسن الحماني، وكان ثقة أقرأ القرآن أزيد من ستين سنة ﵀. توفى في ربيع الأول منها وقد جاوز السبعين وقارب الثمانين، ودفن بمقبرة الخيزران عند قبر أبى حنيفة. أبو إسحاق الجهمى ولد سنة خمسين ومائتين، وسمع الحديث وكان إذا سئل أن يحدث يقسم أن لا يحدث حتى يجاوز المائة فأبر الله قسمه وجاوزها فأسمع. توفى عن مائة سنة وثلاثين سنة ﵀. ثم دخلت سنة أربع وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم منها عملت الشيعة مأتمهم وبدعتهم على ما تقدم قبل، وغلقت الأسواق وعلقت المسوح، وخرجت النساء سافرات ناشرات شعورهن، ينحن ويلطمن وجوههن في الأسواق والأزقة على الحسين، وهذا تكلف لا حاجة إليه في الإسلام، ولو كان هذا أمرا محمودا لفعله خير القرون وصدر هذه الأمة وخيرتها وهم أولى به ﴿لَوْ كانَ خَيْراً ما سَبَقُونا إِلَيْهِ﴾ وأهل السنة يقتدون ولا يبتدعون، ثم تسلطت أهل السنة على الروافض فكبسوا مسجدهم مسجد براثا الّذي هو عش الروافض وقتلوا بعض من كان فيه من القومة. وفيها في رجب منها جاء ملك الروم بجيش كثيف إلى

стр. 3791

المصيصة فأخذها قسرا وقتل من أهلها خلقا، واستاق بقيتهم معه أسارى، وكانوا قريبا من مائتي ألف إنسان، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ثم جاء إلى طرسوس فسأل أهلها منه الأمان فأمنهم وأمرهم بالجلاء عنها والانتقال منها، واتخذ مسجدها الأعظم اسطبلا لخيوله وحرق المنبر ونقل قناديله إلى كنائس بلده، وتنصر بعض أهلها معه لعنه الله. وكان أهل طرسوس والمصيصة قد أصابهم قبل ذلك بلاء وغلاء عظيم، ووباء شديد، بحيث كان يموت منهم في اليوم الواحد ثمانمائة نفر، ثم دهمهم هذا الأمر الشديد فانتقلوا من شهادة إلى شهاد أعظم منها. وعزم ملك الروم على المقام بطرسوس ليكون أقرب إلى بلاد المسلمين، ثم عن له فسار إلى القسطنطينية وفي خدمته الدمستق ملك الأرمن لعنه الله. وفيها جعل أمر تسفير الحجيج إلى نقيب الطالبيين وهو أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي، وهو والد الرضى والمرتضى، وكتب له منشور بالنقابة والحجيج. وفيها توفيت أخت معز الدولة فركب الخليفة في طيارة وجاء لعزائه فقبّل معز الدولة الأرض بين يديه وشكر سعيه إليه، وصدقاته عليه. وفي ثانى عشر ذي الحجة منها عملت الروافض عيد غدير خم على العادة الجارية كما تقدم. وفيها تغلب على أنطاكية رجل يقال له رشيق النسيمى بمساعدة رجل يقال له ابن الأهوازي، وكان يضمن الطواحين، فأعطاه وأموالا عظيمة وأطمعه في أخذ انطاكية، وأخبره أن سيف الدولة قد اشتغل عنه بميّافارقين وعجز عن الرجوع إلى حلب، ثم تم لهما ما راماه من أخذ أنطاكية، ثم ركبا منها في جيوش إلى حلب فجرت بينهما وبين نائب سيف الدولة حروب عظيمة، ثم أخذ البلد وتحصن النائب بالقلعة وجاءته نجدة من سيف الدولة مع غلام له اسمه بشارة، فانهزم رشيق فسقط عن فرسه فابتدره بعض الأعراب فقتله وأخذ رأسه وجاء به إلى حلب، واستقل ابن الأهوازي سائرا إلى انطاكية، فأقام رجلا من الروم اسمه دزبر فسماه الأمير، وأقام آخر من العلويين ليجعله خليفة وسماه الأستاذ. فقصده نائب حلب وهو قرعويه فاقتتلا قتالا شديدا فهزمه ابن الأهوازي [واستقر بأنطاكية، فلما عاد سيف الدولة إلى حلب لم يبت بها إلا ليلة واحدة حتى سار إلى أنطاكية فالتقاه ابن الأهوازي فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم دزبر وابن الأهوازي] (١) وأسرا فقتلهما سيف الدولة. وفيها ثار رجل من القرامطة اسمه مروان كان يحفظ الطرقات لسيف الدولة، ثار بحمص فملكها وما حولها فقصده جيش من حلب مع الأمير بدر فاقتتلوا معه فرماه بدر بسهم مسموم فأصابه، واتفق أن أسر أصحاب مروان بدرا فقتله مروان بين يديه صبرا ومات مروان بعد أيام وتفرق عنه أصحابه. وفيها عصى أهل سجستان أميرهم خلف بن أحمد، وذلك أنه حج في سنة ثلاث وخمسين

стр. 3792

واستخلف عليهم طاهر بن الحسين، فطمع في الملك بعده واستمال أهل البلد، فلما رجع من الحج لم يسلمه البلد وعصى عليه، فذهب إلى بخارا إلى الأمير منصور بن نوح الساماني فاستنجده، فبعث معه جيشا فاستنقذ البلد من طاهر وسلمها إلى الأمير خلف بن أحمد - وقد كان خلف عالما محبا للعلماء - فذهب طاهر فجمع جموعا ثم جاء فحاصر خلفا وأخذ منه البلد. فرجع خلف إلى الأمير منصور الساماني فبعث معه من استرجع له البلد ثانية وسلمها إليه، فلما استقر خلف بها وتمكن منها منع ما كان يحمله من الهدايا والتحف والخلع إلى الأمير منصور الساماني ببخارا، فبعث إليه جيشا فتحصن خلف في حصن يقال له حصن إراك، فنازله الجيش فيه تسع سنين لم يقدروا عليه، وذلك لمناعة هذا الحصن وصعوبته وعمق خندقه وارتفاعه، وسيأتي ما آل إليه أمر خلف بعد ذلك. وفيها قصدت طائفة من الترك بلاد الخزر فاستنجد أهل الخزر بأهل خوارزم فقالوا لهم: لو أسلمتم لنصرناكم. فأسلموا الا ملكهم، فقاتلوا معهم الترك فأجلوهم عنها ثم أسلم الملك بعد ذلك ولله الحمد والمنة. وممن توفى فيها من الأعيان. المتنبي الشاعر المشهور أحمد بن الحسين بن عبد الصمد أبو الطيب الجعفي الشاعر المعروف بالمتنبي، كان أبوه يعرف بعيدان السقا وكان يسقى الماء لأهل الكوفة على بعير له، وكان شيخا كبيرا. وعيدان هذا قال ابن ماكولا والخطيب: هو بكسر العين المهملة وبعدها ياء مثناة من تحت، وقيل بفتح العين لا كسرها، فالله أعلم. كان مولد المتنبي بالكوفة سنة ست وثلاثمائة ونشأ بالشام بالبادية فطلب الأدب ففاق أهل زمانه فيه، ولزم جناب سيف الدولة بن حمدان وامتدحه وحظي عنده، ثم صار إلى مصر وامتدح الإخشيد ثم هجاء وهرب منه، وورد بغداد فامتدح بعض أهلها، وقدم الكوفة ومدح ابن العميد فوصله من جهته ثلاثون ألف دينار، ثم سار إلى فارس فامتدح عضد الدولة بن بويه فأطلق له أموالا جزيلة تقارب مائتي ألف درهم، وقيل بل حصل له منه نحو من ثلاثين ألف دينار، ثم دس إليه من يسأله أيما أحسن عطايا عضد الدولة بن بويه أو عطايا سيف الدولة بن حمدان؟ فقال: هذه أجزل وفيها تكلف، وتلك أقل ولكن عن طيب نفس من معطيها، لأنها عن طبيعة وهذه عن تكلف. فذكر ذلك لعضد الدولة فتغيظ عليه ودس عليه طائفة من الأعراب فوقفوا له في أثناء الطريق وهو راجع إلى بغداد، ويقال إنه كان قد هجى مقدمهم ابن فاتك الأسدي - وقد كانوا يقطعون الطريق - فلهذا أوعز إليهم عضد الدولة أن يتعرضوا له فيقتلوه ويأخذوا له ما معه من الأموال، فانتهوا إليه ستون راكبا في يوم الأربعاء وقد بقي من رمضان ثلاثة أيام، وقيل بل قتل في يوم الأربعاء لخمس بقين من رمضان، وقيل بل كان ذلك في شعبان، وقد نزل عند عين تحت شجرة إنجاص، وقد وضعت سفرته ليتغدى، ومعه ولده محسن وخمسة عشر غلاما له، فلما رآهم قال: هلموا يا وجوه العرب إلى الغداء، فلما لم يكلموه أحس بالشر فنهض إلى

стр. 3793

سلاحه وخيله فتواقفوا ساعة فقتل ابنه محسن وبعض غلمانه وأراد هو أن ينهزم. فقال له مولى له: أين تذهب وأنت القائل: فالخيل والليل والبيداء تعرفني … والطعن والضرب والقرطاس والقلم فقال له: ويحك قتلتني، ثم كر راجعا فطعنه زعيم القوم برمح في عنقه فقتله. ثم اجتمعوا عليه فطعنوه بالرماح حتى قتلوه وأخذوا جميع ما معه، وذلك بالقرب من النعمانية، وهو آئب إلى بغداد، ودفن هناك وله من العمر ثمان وأربعون سنة. وذكر ابن عساكر أنه لما نزل تلك المنزلة التي كانت قبل منزلته التي قتل بها، سأله بعض الأعراب أن يعطيهم خمسين درهما ويخفرونه، فمنعه الشح والكبر ودعوى الشجاعة من ذلك. وقد كان المتنبي جعفي النسب صلبيبة منهم، وقد ادعى حين كان مع بنى كلب بأرض السماوة قريبا من حمص أنه علوي، ثم ادعى أنه نبي يوحى إليه، فاتبعه جماعة من جهلتهم وسفلتهم، وزعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك قوله: «والنجم السيار، والفلك الدوار، والليل والنهار، إن الكافر لفي خسار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فان الله قامع بك من ألحد في دينه، وضل عن سبيله» وهذا من خذلانه وكثرة هذيانه وفشاره، ولو لزم قافية مدحه النافق بالنفاق، والهجاء بالكذب والشقاق، لكان أشعر الشعراء، وأفصح الفصحاء ولكن أراد بجهله وقلة عقله أن يقول ما يشبه كلام رب العالمين الّذي لو اجتمعت الجن والانس والخلائق أجمعون على أن يأتوا بسورة مثل سورة من أقصر سوره لما استطاعوا. ولما اشتهر خبره بأرض السماوة وأنه قد التف عليه جماعة من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بنى الإخشيد وهو الأمير لؤلؤ بيض الله وجهه، فقاتله وشرد شمله، وأسر مذموما مدحورا، وسجن دهرا طويلا، فمرض في السجن وأشرف على التلف، فاستحضره واستتابه وكتب عليه كتابا اعترف فيه ببطلان ما ادعاه من النبوة، وأنه قد تاب من ذلك ورجع إلى دين الإسلام، فأطلق الأمير سراحه فكان بعد ذلك إذا ذكر له هذا يجحده إن أمكنه وإلا اعتذر منه واستحيا، وقد اشتهر بلفظة تدل على كذبه فيما كان ادعاه من الافك والبهتان، وهي لفظة المتنبي، الدالة على الكذب ولله الحمد والمنة وقد قال بعضهم يهجوه: أي فضل لشاعر يطلب … الفضل من الناس بكرة وعشيا عاش حينا يبيع في الكوفة الماء … وحينا يبيع ماء المحيا وللمتنبي ديوان شعر مشهور، فيه أشعار رائقة ومعان ليست بمسبوقة، بل مبتكرة شائقة. وهو في الشعراء المحدثين كإمرئ القيس في المتقدمين، وهو عندي كما ذكر من له خبرة بهذه الأشياء مع تقدم أمره. وقد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في منتظمه قطعا رائقة استحسنها من شعره، وكذلك الحافظ

стр. 3794

ابن عساكر شيخ إقليمه، فما استحسنه ابن الجوزي قوله: عزيزا سبى من داؤه الحدق النجل … عياء به مات المحبون من قبل فمن شاء فلينظر إلى فمنظرى … نذير إلى من ظن أن الهوى سهل جرى حبها مجرى دمي في مفاصلي … فأصبح لي عن كل شغل بها شغل ومن جسدي لم يترك السقم شعرة … فما فوقها إلا وفى له فعل كأن رقيبا منك سد مسامعي … عن العذل حتى ليس يدخلها العذل كان سهاد الليل يعشق مقلتي … فبينهما في كل هجر لنا وصل ومن ذلك قوله: كشفت ثلاث ذوائب من شعرها … في ليلة فأرت ليالي أربعا واستقبلت قمر السماء بوجهها … فأرتنى القمرين في وقت معا ومن ذلك قوله: ما نال أهل الجاهلية كلهم … شعرى ولا سمعت بسحرى بابل وإذا أتتك مذمتى من ناقص … فهي الشهادة لي بأنى كامل من لي بفهم أهيل عصر يدعى … أن يحسب الهندي منهم باقل ومن ذلك قوله: ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى … عدوا له ما من صداقته بد وله وإذا كانت النفوس كبارا … تعبت في مرادها الأجسام وله ومن صحب الدنيا طويلا تقلبت … على عينيه يرى صدقها كذبا وله خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به … في طلعة الشمس ما يغنيك عن زحل وله في مدح بعض الملوك: تمضى الكواكب والأبصار شاخصة … منها إلى الملك الميمون طائره قد حزن في بشرفى، تاجه قمر … في درعه أسد تدمى أظافره حلو خلائقه شوس حقائقه … يحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره ومنها قوله: يا من ألوذ به فيما أؤمله … ومن أعوذ به مما أحاذره لا يجبر الناس عظما أنت كاسره … ولا يهيضون عظما أنت جابره وقد بلغني عن شيخنا العلامة شيخ الإسلام أحمد بن تيمية ﵀ أنه كان ينكر على المتنبي هذه المبالغة في مخلوق ويقول: إنما يصلح هذا لجناب الله . وأخبرنى العلامة شمس

стр. 3795

الدين بن القيم ﵀ أنه سمع الشيخ تقى الدين المذكور يقول: ربما قلت هذين البيتين في السجود أدعوا الله بما تضمناه من الذل والخضوع. ومما أورده ابن عساكر للمتنبي في ترجمته قوله: أبعين مفتقر إليك رأيتني … فأهنتنى وقذفتني من حالقى لست الملوم، أنا الملوم، لأننى … أنزلت آمالى بغير الخالق قال ابن خلكان: وهذان البيتان ليسافى ديوانه، وقد عزاهما الحافظ الكندي إليه بسند صحيح ومن ذلك قوله: إذا ما كنت في شرف مروم … فلا تقنع بما دون النجوم فطعم الموت في أمر حقير … كطعم الموت في أمر عظيم وله قوله: وما أنا بالباغي على الحب رشوة … قبيح هوى يرجى عليه ثواب إذا نلت منك الود فالكل هين … وكل الّذي فوق التراب تراب وقد تقدم أنه ولد بالكوفة سنة ست وثلاثمائة، وأنه قتل في رمضان سنة أربع وخمسين وثلاثمائة. قال ابن خلكان: وقد فارق سيف الدولة بن حمدان سنة أربع وخمسين لما كان من ابن خالويه إليه ما كان من ضربه إياه بمفتاح في وجهه فأدماه، فصار إلى مصر فامتدح كافور الإخشيد وأقام عنده أربع سنين، وكان المتنبي يركب في جماعة من مماليكه فتوهم منه كافور فجأة، فخاف المتنبي فهرب، فأرسل في طلبه فأعجزه، فقيل لكافور: ما هذا حتى تخافه؟ فقال: هذا رجل أراد أن يكون نبيا بعد محمد، أفلا يروم أن يكون ملكا بديار مصر؟ والملك أقل وأذل من النبوة. ثم صار المتنبي إلى عضد الدولة فامتدحه فأعطاه مالا كثيرا ثم رجع من عنده فعرض له فاتك ابن أبى الجهل الأسدي فقتله وابنه محسن وغلامه مفلح يوم الأربعاء لست بقين من رمضان وقيل للبلتين، بسواد بغداد، وقد رثاه الشعراء، وقد شرح ديوانه العلماء بالشعر واللغة نحوا من ستين شرحا وجيزا وبسيطا. وممن توفى فيها من الأعيان أبو حاتم البستي صاحب الصحيح. محمد بن حبان ابن أحمد بن حبان بن معاذ بن معبد أبو حاتم البستي صاحب الأنواع والتقاسيم، وأحدا الحفاظ الكبار المصنفين المجتهدين، رحل إلى البلدان وسمع الكثير من المشايخ، ثم ولى قضاء بلده ومات بها في هذه السنة وقد حاول بعضهم الكلام فيه من جهة معتقده ونسبه إلى القول بأن النبوة مكتسبة، وهي نزغة فلسفية والله أعلم بصحة عزوها إليه ونقلها عنه. وقد ذكرته في طبقات الشافعية محمد بن الحسن بن يعقوب ابن الحسن بن الحسين بن مقسم أبو بكر بن مقسم المقري، ولد سنة خمس ومائتين، وسمع

стр. 3796

الكثير من المشايخ، روى عنه الدار قطنى وغيره، وكان من أعرف الناس بالقراءات، وله كتاب في النحو على طريقة الكوفيين، سماه كتاب الأنوار. قال ابن الجوزي: ما رأيت مثله، وله تصانيف غيره، ولكن تكلم الناس فيه بسبب تفرده بقراءات لا تجوز عند الجميع، وكان يذهب إلى أن كل ما لا يخالف الرسم ويسوغ من حيث المعنى تجوز القراءة به كقوله تعالى ﴿فَلَمَّا اِسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ أي يتناجون. قال لو قرئ نجيبا من النجابة لكان قويا. وقد ادعى عليه وكتب عليه مكتوب أنه قد رجع عن مثل ذلك، ومع هذا لم ينته عما كان يذهب إليه حتى مات. قاله ابن الجوزي. محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبد ربه ابن موسى أبو بكر الشافعيّ، وله بجبلان سنة ستين ومائتين، وسمع الكثير، وسكن بغداد، وكان ثقة ثبتا كثير الرواية، سمع منه الدار قطنى وغيره من الحفاظ، وكان يحدث بفضائل الصحابة حين منعت الديالم من ذلك جهرا بالجامع بمدينة المنصور مخالفة لهم، وكذلك بمسجده بباب الشام. توفى في هذه السنة عن أربع وتسعين سنة رحمه الله تعالى. ثم دخلت سنة خمس وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم عملت الروافض بدعتهم الشنعاء وضلالتهم الصلعاء على عادتهم ببغداد. وفيها أجلى القرامطة الهجريين من عمان. وفيها قصدت الروم آمد فحاصروها فلم يقدروا عليها، ولكن قتلوا من أهلها ثلاثمائة وأسروا منهم أربعمائة، ثم ساروا إلى نصيبين، وفيها سيف الدولة فهم بالهرب مع العرب، ثم تأخر مجيء الروم فثبت مكانه وقد كادت تزلزل أركانه. وفيها وردت طائفة من جيش خراسان - وكانوا بضعة عشر ألفا - يظهرون أنهم يريدون غزو الروم، فأكرمهم ركن الدولة بن بويه وأمنوا إليهم فنهضوا إليهم وأخذوا الديلم على غرة فقاتلهم ركن الدولة فظفر بهم لأن البغي له مصرع وخيم وهرب أكثرهم. وفيها خرج معز الدولة من بغداد إلى واسط لقتال عمران بن شاهين حين تفاقم الحال بشأنه، واشتهر أمره في تلك النواحي، فقوى المرض بمعز الدولة فاستناب على الحرب ورجع إلى بغداد فكانت وفاته في السنة الآتية كما سنذكره - إلى حيث ألقت. وفيها قوى أمر أبى عبد الله ابن الداعي ببلاد الديلم وأظهر النسك والعبادة، ولبس الصوف وكتب إلى الآفاق حتى إلى بغداد يدعو إلى الجهاد في سبيل الله لمن سب أصحاب رسول الله ﷺ . وفي جمادى الآخرة نودي برفع المواريث الحشرية وأن ترد إلى ذوى الأرحام. وفيها وقع الفداء بين سيف الدولة وبين الروم فاستنقذ منهم أسارى كثيرة، منهم ابن عمه أبو فراس بن سعيد بن حمدان، وأبو الهيثم بن حصن القاضي، وذلك في رجب منها. وفيها ابتدأ معز الدولة بن بويه في بناء مارستان وأرصد له أوقافا جزيلة. وفيها قطعت بنو سليم السابلة على الحجيج من أهل الشام ومصر والمغرب، وأخذوا منهم

стр. 3797

عشرين ألف جمل بأحمالها، وكان عليها من الأموال والأمتعة ما لا يقدر كثرة، وكان لرجل يقال له ابن الخواتيميّ قاضى طرسوس مائة ألف دينار وعشرين ألف دينار عينا، وذلك أنه أراد التحول من بلاد الشام إلى العراق بعد الحج، وكذلك أراد كثير من الناس، وحين أخذوا جمالهم تركوهم على يرد الديار لا شيء لهم، فقل منهم من سلم والأكثر عطب، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وحج بالناس الشريف أبو أحمد نقيب الطالبيين من جهة العراق. وممن توفى فيها من الأعيان الحسن بن داود ابن على بن عيسى بن محمد بن القاسم بن الحسن بن زيد بن الحسين بن على بن أبى طالب أبو عبد الله العلويّ الحسنى. قال الحاكم: أبو عبد الله كان شيخ آل رسول الله ﷺ في عصره بخراسان وسيد العلوم في زمانه، وكان من أكثر الناس صلاة وصدقة ومحبة للصحابة، وصحبته مدة فما سمعته ذكر عثمان إلا قال: الشهيد، ويبكى. وما سمعته ذكر عائشة إلا قال: الصديقة بنت الصديق، حبيبة حبيب الله، ويبكى. وقد سمع الحديث من ابن خزيمة وطبقته، وكان آباؤه وبخراسان وفي سائر بلدانهم سادات نجباء حيث كانوا: من آل بيت رسول الله منهم … لهم دانت رقاب بنى معد محمد بن الحسين بن على بن الحسن ابن يحيى بن حسان بن الوضاح، أبو عبد الله الأنباري الشاعر المعروف بالوضاحى، كان يذكر أنه سمع الحديث من المحاملي وابن مخلد وأبى روق. روى عنه الحاكم شيئا من شعره كان أشعر من في وقته، ومن شعره: سقى الله باب الكرخ ربعا ومنزلا … ومن حله صوب السحاب المجلل فلو أن باكي دمنة الدار بالكوى … وجارتها أم الرباب بمأسل رأى عرصات الكرخ أو حل أرضها … لأمسك عن ذكر الدخول فحومل أبو بكر بن الجعابيّ محمد بن عمر بن سلم بن البراء بن سبرة بن سيار، أبو بكر الجعابيّ، قاضى الموصل، ولد في صفر سنة أربع وثمانين ومائتين، سمع الكثير وتخرج بأبي العباس بن عقدة، وأخذ عنه علم الحديث وشيئا من التشيع أيضا، وكان حافظا مكثرا، يقال إنه كان يحفظ أربعمائة ألف حديث بأسانيدها ومتونها، ويذاكر بستمائة ألف حديث ويحفظ من المراسيل والمقاطيع والحكايات قريبا من ذلك، ويحفظ أسماء الرجال وجرحهم وتعديلهم، وأوقات وفياتهم ومذاهبهم، حتى تقدم على أهل زمانه، وفاق سائر أقرانه. وكان يجلس للاملاء فيزد حم الناس عند منزله، وإنما كان يملى من حفظه إسناد

стр. 3798

الحديث ومتنه جيدا محررا صحيحا، وقد نسب إلى التشيع كاستاذه ابن عقدة، وكان يسكن بباب البصرة عندهم، وقد سئل عنه الدار قطنى فقال: خلط. وقال أبو بكر البرقاني: صاحب غرائب، ومذهبه معروف في التشيع، وقد حكى عنه قلة دين وشرب خمر فالله أعلم. ولما احتضر أوصى أن تحرق كتبه فحرقت، وقد أحرق معها كتب كثيرة كانت عنده للناس، فبئس ما عمل. ولما أخرجت جنازته كانت سكينة نائحة الرافضة تنوح عليه في جنازته. ثم دخلت سنة ست وخمسين وثلاثمائة استهلت هذه السنة والخليفة المطيع لله، والسلطان معز الدولة بن بويه الديلميّ. وفيها عملت الروافض في يوم عاشوراء عزاء الحسين على عادة ما ابتدعوه من النوح وغيره كما تقدم. وفاة معز الدولة بن بويه الّذي أظهر الرفض ونصر عليه ولما كان ثالث عشر ربيع الأول منها توفى أبو الحسن أحمد بن بويه الديلميّ الّذي أظهر الرفض ويقال له معز الدولة، بعلة الذرب، فصار لا يثبت في معدته شيء بالكلية، فلما أحس بالموت أظهر التوبة وأناب إلى الله ، ورد كثيرا من المظالم، وتصدق بكثير من ماله، وأعتق طائفة كثيرة من مماليكه، وعهد بالأمر إلى ولده بختيار عز الدولة، وقد اجتمع ببعض العلماء فكلمه في السنة وأخبره أن عليا زوج ابنته أم كلثوم من عمر بن الخطاب، فقال: والله ما سمعت بهذا قط، ورجع إلى السنة ومتابعتها، ولما حضر وقت الصلاة خرج عنه ذلك الرجل العالم فقال له معز الدولة: إلى أين تذهب؟ فقال: إلى الصلاة فقال له ألا تصلى هاهنا؟ قال: لا، قال: ولم؟ قال: لأن دارك مغصوبة. فاستحسن منه ذلك. وكان معز الدولة حليما كريما عاقلا، وكانت إحدى يديه مقطوعة، وهو أول من أجرى السعاة بين يديه ليبعث بأخباره إلى أخيه ركن الدولة سريعا إلى شيراز، وحظي عنده أهل هذه الصناعة وكان عنده في بغداد ساعيان ماهران، وهما فضل، وبرغوش، يتعصب لهذا عوام أهل السنة، ولهذا عوام أهل الشيعة، وجرت لهما مناصف ومواقف. ولما مات معز الدولة دفن بباب التبن في مقابر قريش، وجلس ابنه للعزاء. وأصاب الناس مطر ثلاثة أيام تباعا، وبعث عز الدولة إلى رءوس الأمراء في هذه الأيام بمال جزيل لئلا تجتمع الدولة على مخالفته قبل استحكام مبايعته، وهذا من دهائه، وكان عمر معز الدولة ثلاثا وخمسين سنة، ومدة ولايته إحدى وعشرين سنة وإحدى عشر شهرا ويومين، وقد كان نادى في أيامه برد المواريث إلى ذوى الأرحام قبل بيت المال وقد سمع بعض الناس ليلة توفى معز الدولة هاتفا يقول: لما بلغت أبا الحسين … مراد نفسك بالطلب وأمنت من حدث الليالي … واحتجبت عن النوب

стр. 3799

مدت إليك يد الردى … وأخذت من بين الرتب ولما مات قام بالأمر بعده ولده عز الدولة فأقبل على اللعب واللهو والاشتغال بأمر النساء فتفرق شمله واختلفت الكلمة عليه، وطمع الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان في ملك بنى بويه، وأرسل الجيوش الكثيرة صحبة وشمكير، فلما علم بذلك ركن الدولة بن بويه أرسل إلى ابنه عضد الدولة وابن أخيه عز الدولة يستنجدهما، فأرسلا إليه بجنود كثيرة، فركب فيها ركن الدولة وبعث إليه وشمكير يتهدده ويتوعده، ويقول لئن قدرت عليك لأفعلن بك ولأفعلن، فبعث إليه ركن الدولة يقول: لكنى إن قدرت عليك لأحسنن إليك ولأصفحن عنك. فكانت الغلبة لهذا، فدفع الله عنه شره، وذلك أن وشمكير ركب فرسا صعبا يتصيد عليها فحمل عليه خنزير فنفرت منه الفرس فألقته على الأرض فخرج الدم من أذنيه فمات من ساعته وتفرقت العساكر. وبعث ابن وشمكير يطلب الأمان من ركن الدولة فأرسل إليه بالمال والرجال، ووفى بما قال من الإحسان، وصرف الله عنه كيد السامانية، وذلك بصدق النية وحسن الطوية والله أعلم. وممن توفى فيها من الأعيان أبو الفرج الأصبهاني صاحب كتاب الأغاني. واسمه على بن الحسين بن محمد بن أحمد بن الهيثم بن عبد الرحمن بن مروان ابن محمد بن مروان بن الحكم الأموي، صاحب كتاب الأغاني وكتاب أيام العرب، ذكر فيه ألفا وسبعمائة يوم من أيامهم، وكان شاعرا أديبا كاتبا، عالما بأخبار الناس وأيامهم، وكان فيه تشيع. قال ابن الجوزي: ومثله لا يوثق به، فإنه يصرح في كتبه بما يوجب العشق ويهون شرب الخمر، وربما حكى ذلك عن نفسه، ومن تأمل كتاب الأغاني رأى فيه كل قبيح ومنكر، وقد روى الحديث عن محمد بن عبد الله بن بطين وخلق، وروى عنه الدار قطنى وغيره، توفى في ذي الحجة من هذه السنة، وكان مولده في سنة أربع وثمانين ومائتين، التي توفى فيها البحتري الشاعر، وقد ذكر له ابن خلكان مصنفات عديدة منها الأغاني والمزارات وأيام العرب. وفيها توفى. سيف الدولة أحد الأمراء الشجعان، والملوك الكثيري الإحسان، على ما كان فيه من تشيع، وقد ملك دمشق في بعض السنين، واتفق له القفصي غريبة، منها أن خطيبه كان مصنف الخطب النباتية أحد الفصحاء البلغاء. ومنها أن شاعره كان المتنبي، ومنها أن مطر به كان أبو نصر الفارابيّ. وكان سيف الدولة كريما جوادا معطيا للجزيل. ومن شعره في أخيه ناصر الدولة صاحب الموصل: رضيت لك العليا، وقد كنت أهلها … وقلت لهم: بيني وبين أخى فرق وما كان لي عنها نكول، وإنما … تجاوزت عن حقي فتم لك السبق

стр. 3800

أما كنت ترضى أن أكون مصليا … إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق وله قد جرى في دمعه دمه … قال لي كم أنت تظلمه رد عنه الطرف منك … فقد جرحته منك أسهمه كيف تستطيع التجلد … من خطرات الوهم تؤلمه وكان سبب موته الفالج، وقيل عسر البول. توفى بحلب وحمل تابوته إلى ميافارقين فدفن بها، وعمره ثلاث وخمسون سنة، ثم أقام في ملك حلب بعده ولده سيف الدولة أبو المعالي الشريف، ثم تغلب عليه مولى أبيه قرعويه فأخرجه من حلب إلى أمه بميافارقين، ثم عاد إليها كما سيأتي. وذكر ابن خلكان القفصي كثيرة مما قاله سيف الدولة، وقيل فيه، قال ولم يجتمع بباب أحد من الملوك بعد الخلفاء ما اجتمع ببابه من الشعراء، وقد أجاز لجماعة منهم، وقال: إنه ولد سنة ثلاث، وقيل إحدى وثلاثمائة وأنه ملك حلب بعد الثلاثين والثلاثمائة، وقبل ذلك ملك واسطا ونواحيها، ثم تقلبت به الأحوال حتى ملك حلب. انتزعها من يد أحمد بن سعيد الكلابي صاحب الإخشيد وقد قال يوما: أيكم يجيز قولي وما أظن أحدا منكم يجيز ذلك: لك جسمي تعله فدمى لم تحله؟. فقال أبو فراس أخوه بديهة: إن كنت مالكا الأمر كله. وقد كان هؤلاء الملوك رفضة وهذا من أقبح القول. وفيها توفى كافور الإخشيد مولى محمد بن طغج الإخشيدي، وقد قام بالأمر بعده مولاه لصغر ولده. تملك كافور مصر ودمشق وقاده لسيف الدولة وغيره. وقد كتب على قبره. انظر إلى غير الأيام ما صنعت … أفنت قرونا بها كانوا وما فنيت دنياهم ضحكت أيام دولتهم … حتى إذا فنيت ناحت لهم وبكت أبو على القالي صاحب الأمالي، إسماعيل بن القاسم بن عبدون بن هارون بن عيسى بن محمد بن سليمان، أبو على القاضي القالي اللغوي الأموي مولاهم، لأن سليمان هذا كان مولى لعبد الملك بن مروان، والقالي نسبة إلى قالي قلا. ويقال إنها أردن الروم فالله أعلم. وكان مولده بميافارقين، جزء من أرض الجزيرة من ديار بكر، وسمع الحديث من أبى يعلى الموصلي وغيره، وأخذ النحو واللغة عن ابن دريد وأبى بكر الأنباري ونفطويه وغيرهم، وصنف الأمالي وهو مشهور، وله كتاب التاريخ على حروف المعجم في خمسة آلاف ورقة، وغير ذلك من المصنفات في اللغة، ودخل بغداد وسمع بها ثم ارتحل إلى قرطبة فدخلها في سنة ثلاثين وثلاثمائة واستوطنها، وصنف بها كتبا كثيرة إلى أن

стр. 3801

توفى بها في هذه السنة عن ثمان وستين سنة قاله ابن خلكان. وفيها توفى أبو على محمد بن إلياس صاحب بلاد كرمان ومعاملاتها، فأخذ عضد الدولة بن ركن الدولة بلاد كرمان، من أولاد محمد بن إلياس - وهم ثلاثة - اليسع، وإلياس، وسليمان، والملك الكبير وشمكير، كما قدمنا. وفيها توفى من الملوك أيضا الحسن بن الفيرزان. فكانت هذه السنة محل موت الملوك مات فيها معز الدولة، وكافور، وسيف الدولة، قال ابن الأثير: وفيها هلك نقفور ملك الأرمن وبلاد الروم - يعنى الدمستق كما تقدم -. ثم دخلت سنة سبع وخمسين وثلاثمائة فيها شاع الخبر ببغداد وغيرها من البلاد أن رجلا ظهر يقال له محمد بن عبد الله وتلقب بالمهديّ وزعم أنه الموعود به، وأنه يدعو إلى الخير وينهى عن الشر، ودعا إليه ناس من الشيعة، وقالوا: هذا علوي من شيعتنا، وكان هذا الرجل إذ ذاك مقيما بمصر عند كافور الإخشيدي قبل أن يموت وكان يكرمه، وكان من جملة المستحسنين له سبكتكين الحاجب، وكان شيعيا فظنه علويا، وكتب إليه أن يقدم إلى بغداد ليأخذ له البلاد، فترحل عن مصر قاصد العراق فتلقاه سبكتكين الحاجب إلى قريب الأنبار، فلما رآه عرفه وإذا هو محمد بن المستكفي بالله العباسي، فلما تحقق أنه عباسي وليس بعلوي انثنى رأيه فيه، فتفرق شمله وتمزق أمره، وذهب أصحابه كل مذهب، وحمل إلى معز الدولة فأمنه وسلمه إلى المطيع لله فجدع أنفه واختفى أمره، فلم يظهر له خبر بالكلية بعد ذلك. وفيها وردت طائفة من الروم إلى بلاد أنطاكية فقتلوا خلقا من حواضرها وسبوا اثنى عشر ألفا من أهلها ورجعوا إلى بلادهم، ولم يعرض لهم أحد. وفيها عملت الروافض في يوم عاشوراء منها المأتم على الحسين، وفي يوم غدير خم الهناء والسرور. وفيها في تشرين عرض للناس داء الماشرى فمات به خلق كثير. وفيها مات أكثر جمال الحجيج في الطريق من العطش، ولم يصل منهم إلى مكة إلا القليل، بل مات أكثر من وصل منهم بعد الحج. وفيها اقتتل أبو المعالي شريف بن سيف الدولة هو وخاله وابن عم أبيه أبو فراس في المعركة. قال ابن الأثير: ولقد صدق من قال: إن الملك عقيم. وفيها توفى من الأعيان أيضا إبراهيم المتقى لله، وكان قد ولى الخلافة ثم ألجئ أن خلع من سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة إلى هذه السنة، وألزم بيته فمات في هذه السنة ودفن بداره عن ستين سنة. عمر بن جعفر بن عبد الله ابن أبى السري: أبو جعفر البصري الحافظ ولد سنة ثمانين ومائتين، حدث عن أبى الفضل ابن الحباب وغيره، وقد انتقد عليه مائة حديث وضعها. قال الدار قطنى فنظرت فيها فإذا الصواب

стр. 3802

مع عمر بن جعفر. محمد بن أحمد بن على بن مخلد أبو عبد الله الجوهري المحتسب، ويعرف بابن المخرم، كان أحد أصحاب ابن جرير الطبري، وقد روى عن الكديمي وغيره، وقد اتفق له أنه تزوج امرأة فلما دخلت عليه جلس يكتب الحديث فجاءت أمها فأخذت الدواة فرمت بها وقالت: هذه أضر على ابنتي من مائة ضرة. توفى في هذه السنة عن ثلاث وتسعين سنة، وكان يضعف في الحديث. كافور بن عبد الله الإخشيدي كان مولى السلطان محمد بن طغج، اشتراه من بعض أهل مصر بثمانية عشر دينارا، ثم قربه وأدناه، وخصه من بين الموالي واصطفاه، ثم جعله أتابكا حين ملك ولداه، ثم استقل بالأمور بعد موتهما في سنة خمس وخمسين، واستقرت المملكة باسمه فدعى له على المنابر بالديار المصرية والشامية والحجازية، وكان شهما شجاعا ذكيا جيد السيرة، مدحه الشعراء، منهم المتنبي، وحصل له منه مال، ثم غضب عليه فهجاه ورحل عنه إلى عضد الدولة، ودفن كافور بتربته المشهورة به، وقام في الملك بعده أبو الحسن على بن الإخشيد، ومنه أخذ الفاطميون الأدعياء بلاد مصر كما سيأتي. ملك كافور سنتين وثلاثة أشهر ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة في عاشوراء منها عملت الروافض بدعتهم وفي يوم خم عملوا الفرح والسرور المبتدع على عادتهم. وفيها حصل الغلاء العظيم حتى كاد أن يعدم الخبز بالكلية، وكاد الناس أن يهلكوا. وفيها عاث الروم في الأرض فسادا وحرقوا حمص وأفسدوا فيها فسادا عريضا، وسبوا من المسلمين نحوا من مائة ألف إنسان ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفيها دخل أبو الحسين جوهر القائد الرومي في جيش كثيف من جهة المعز الفاطمي إلى ديار مصر يوم الثلاثاء لثلاث عشرة بقيت من شعبان فلما كان يوم الجمعة خطبوا للمعز الفاطمي على منابر الديار المصرية وسائر أعمالها، وأمر جوهر المؤذنين بالجوامع أن يؤذنوا بحي على خير العمل، وأن يجهر الأئمة بالتسليمة الأولى، وذلك أنه لما مات كافور لم يبق بمصر من تجتمع القلوب عليه، وأصابهم غلاء شديد أضعفهم، فلما بلغ ذلك المعز بعث جوهرا هذا - وهو مولى أبيه المنصور - في جيش إلى مصر. فلما بلغ ذلك أصحاب كافور هربوا منها قبل دخول جوهر إليها، فدخلها بلا ضربة ولا طعنة ولا ممانعة، ففعل ما ذكرنا، واستقرت أيدي الفاطميين على تلك البلاد. وفيها شرع جوهر القائد في بناء القاهرة المعزية، وبناء القصرين عندها على ما نذكره. وفيها شرع في الامامات إلى مولاه المعز الفاطمي. وفيها أرسل جوهر جعفر بن فلاح في جيش كثيف إلى الشام فاقتتلوا قتالا شديدا، وكان بدمشق الشريف أبو القاسم بن يعلى الهاشمي، وكان مطاعا في أهل الشام فجاحف عن العباسيين مدة طويلة، ثم آل الحال إلى أن يخطبوا للمعز بدمشق، وحمل الشريف أبو

стр. 3803

القاسم هذا إلى الديار المصرية، وأسر الحسن بن طغج وجماعة من الأمراء وحملوا إلى الديار المصرية، فحملهم جوهر القائد إلى المعز بإفريقية، واستقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين كما سيأتي وأذن فيها وفي نواحيها يحى على خير العمل أكثر من مائة سنة، وكتب لعنة الشيخين على أبواب الجوامع بها، وأبواب المساجد، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. ولم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك والأكراد نور الدين الشهيد وصلاح الدين بن أيوب على ما سيأتي بيانه. وفيها دخلت الروم إلى حمص فوجدوا أكثر أهلها قد انجلوا عنها وذهبوا، فحرقوها وأسروا ممن بقي فيها ومن حولها نحوا من مائة ألف إنسان، ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وفي ذي الحجة منها نقل عز الدولة والده معز الدولة ابن بويه من داره إلى تربته بمقابر قريش. ثم دخلت سنة تسع وخمسين وثلاثمائة في عاشر المحرم منها عملت الرافضة بدعتهم الشنعاء فغلقت الأسواق وتعطلت المعايش ودارت النساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن على ويلطمن وجوههن، والمسوح معلقة في الأسواق والتبن مدرور فيها. وفيها دخلت الروم أنطاكية فقتلوا من أهلها الشيوخ والعجائز وسبوا الصبايا والأطفال نحوا من عشرين ألفا ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وذلك كله بتدبير ملك الأرمن نقفور لعنه الله وكل هذا في ذمة ملوك الأرض أهل الرفض الذين قد استحوذوا على البلاد وأظهروا فيها الفساد قبحهم الله. قال ابن الجوزي: وكان قد تمرد وطغا، وكان هذا الخبيث قد تزوج بامرأة الملك الّذي كان قبله، ولهذا الملك المتقدم ابنان، فأراد أن يخصيهما ويجعلهما في الكنيسة لئلا يصلحا بعد ذلك للملك، فلما فهمت ذلك أمهما عملت عليه وسلطت عليه الأمراء فقتلوه وهو نائم وملكوا عليهم أكبر ولديها. وفي ربيع الأول صرف عن القضاء أبو بكر أحمد بن سيار وأعيد إليه أبو محمد بن معروف. قال ابن الجوزي: وفيها نقصت دجلة حتى غارت الآبار. وحج بالناس الشريف أبو أحمد النقيب، وانقض كوكب في ذي الحجة فأضاءت له الأرض حتى بقي له شعاع كالشمس، ثم سمع له صوت كالرعد. قال ابن الأثير: وفي المحرم منها خطب للمعز الفاطمي بدمشق عن أمر جعفر بن فلاح الّذي أرسله جوهر القائد بعد أخذه مصر، فقاتله أبو محمد الحسن بن عبد الله ابن طغج بالرملة فغلبه ابن فلاح وأسره وأرسله إلى جوهر فأرسله إلى المعز وهو بإفريقية. وفيها وقعت المنافرة بين ناصر الدولة بن حمدان وبين ابنه أبى تغلب، وسببه أنه لما مات معز الدولة بن بويه عزم أبو تغلب ومن وافقه من أهل بيته على أخذ بغداد، فقال لهم أبوهم: إن معز الدولة قد ترك لولده عز الدولة أموالا جزيلة فلا تقدرون عليه ما دامت في يده، فاصبروا حتى ينفقها فإنه مبذر، فإذا أفلس فسيروا إليه فإنكم تغلبونه، فحقد عليه ولده أبو تغلب بسبب هذا القول ولم يزل بأبيه

стр. 3804

حتى سجنه بالقلعة، فاختلف أولاده بينهم وصاروا أحزابا، وضعفوا عما في أيديهم، فبعث أبو تغلب إلى عز الدولة يضمن منه بلاد الموصل بألف ألف كل سنة، واتفق موت أبيه ناصر الدولة في هذه السنة، واستقر أبو تغلب بالموصل وملكها، إلا أنهم فيما بينهم مختلفين متحاربين. وفيها دخل ملك الروم إلى طرابلس فأحرق كثيرا منها وقتل خلقا، وكان صاحب طرابلس قد أخرجه أهلها منها لشدة ظلمه، فأسرته الروم واستحوذوا على جميع أمواله وحواصله، وكانت كثيرة جدا، ثم مالوا على السواحل فملكوا ثمانية عشر بلدا سوى القرى، وتنصر خلق كثير على أيديهم ف ﴿إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾. وجاءوا إلى حمص فأحرقوا ونهبوا وسبوا، ومكث ملك الروم شهرين يأخذ ما أراد من البلاد ويأسر من قدر عليه، وصارت له مهابة في قلوب الناس، ثم عاد إلى بلده ومعه من السبي نحو من مائة ألف ما بين صبي وصبية، وكان سبب عوده إلى بلاده كثرة الأمراض في جيشه واشتياقهم إلى أولادهم، وبعث سرية إلى الجزيرة فنهبوا وسبوا، وكان قرعويه غلام سيف الدولة قد استحوذ على حلب وأخرج منها ابن أستاذه شريف، فسار إلى طرف وهي تحت حكمه فأبوا أن يمكنوه من الدخول إليهم، فذهب إلى أمه بميافارقين، وهي ابنة سعيد بن حمدان فمكث عندها حينا ثم سار إلى حماه فملكها، ثم عاد إلى حلب بعد سنتين كما سيأتي، ولما عاثت الروم في هذه السنة بالشام صانعهم قرعويه عن حلب، وبعث إليهم بأموال وتحف ثم عادوا إلى أنطاكية فملكوها وقتلوا خلقا كثيرا من أهلها، وسبوا عامة أهلها وركبوا إلى حلب وأبو المعالي شريف محاصر قرعويه بها، فخافهم فهرب عنها فحاصرها الروم فأخذوا البلد، وامتنعت القلعة عليهم ثم اصطلحوا مع قرعويه على هدية ومال يحمله إليهم كل سنة، وسلموا إليه البلد ورجعوا عنه. وفيها خرج على المعز الفاطمي وهو بإفريقية رجل يقال له أبو خزر فنهض إليه بنفسه وجنوده، وطرده ثم عاد فاستأمنه فقبل منه وصفح عنه وجاءه الرسول من جوهر يبشره بفتح مصر وإقامة الدعوة له بها، ويطلبه إليها، ففرح بذلك وامتدحه الشعراء من جملتهم شاعره محمد بن هانئ قصيدة له أولها: يقول بنو العباس قد فتحت مصر … فقل لبني العباس قد قضى الأمر وفيها رام عز الدولة صاحب بغداد محاصرة عمران بن شاهين الصياد فلم يقدر عليه، فصالحه ورجع إلى بغداد. وفيها اصطلح قرعويه وأبو المعالي شريف، فخطب له قرعويه بحلب وجميع معاملاتها تخطب للمعز الفاطمي، وكذلك حمص ودمشق، ويخطب بمكة للمطيع بالله وللقرامطة، وبالمدينة للمعز الفاطمي. وخطب أبو أحمد الموسوي بظاهرها للمطيع. وذكر ابن الأثير أن نقفور توفى في هذه السنة ثم صار ملك الروم إلى ابن الملك الّذي قبله، قال وكان يقال له الدمستق، وكان من أبناء المسلمين كان أبوه من أهل طرسوس من خيار المسلمين يعرف بابن الفقاس، فتنصر ولده هذا

стр. 3805

وحظي عند النصارى حتى صار من أمره ما صار، وقد كان من أشد الناس على المسلمين، أخذ منهم بلادا كثيرة عنوة، من ذلك طرسوس والاذنة وعين زربة والمصيصة وغير ذلك، وقتل من المسلمين خلقا لا يعلمهم إلا الله، وسبى منهم ما لا يعلم عدتهم إلا الله، وتنصروا أو غالبهم، وهو الّذي بعث تلك القصيدة إلى المطيع كما تقدم. وممن توفى فيها من الأعيان محمد بن أحمد بن الحسين ابن إسحاق بن إبراهيم بن عبد الله أبو على الصواف، روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وطبقته، وعنه خلق منهم الدار قطنى. وقال ما رأت عيناي مثله في تحريره ودينه، وقد بلغ تسعا وثمانين سنة ﵀. محارب بن محمد بن محارب أبو العلاء الفقيه الشافعيّ من ذرية محارب بن دثار، كان ثقة عالما، روى عن جعفر الفريابي وغيره. أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بابن القطان أحد أئمة الشافعية، تفقه على ابن سريج، ثم الشيخ أبى إسحاق الشيرازي وتفرد برياسة المذهب بعد موت أبى القاسم الدارانيّ، وصنف في أصول الفقه وفروعه، وكانت الرحلة إليه ببغداد، ودرس بها وكتب شيئا كثيرا. توفى في جمادى الأولى منها. ثم دخلت سنة ستين وثلاثمائة في عاشر محرمها عملت الرافضة بدعتهم المحرمة على عادتهم المتقدمة. وفي ذي القعدة منها أخذت القرامطة دمشق وقتلوا نائبها جعفر بن فلاح، وكان رئيس القرامطة وأميرهم الحسين بن أحمد بن بهرام وقد أمده عز الدولة من بغداد بسلاح وعدد كثيرة، ثم ساروا إلى الرملة فأخذوها وتحصن بها من كان بها من المغاربة نوابا. ثم إن القرامطة تركوا عليهم من يحاصرها ثم ساروا نحو القاهرة في جمع كثير من الأعراب والإخشيدية والكافورية، فوصلوا عين شمس فاقتتلوا هم وجنود جوهر القائد قتالا شديدا، والظفر للقرامطة وحصروا المغاربة حصرا عظيما. ثم حملت المغاربة في بعض الأيام على ميمنة القرامطة فهزمتها ورجعت القرامطة إلى الشام فجدوا في حصار باقي المغاربة فأرسل جوهر إلى أصحابه خمسة عشر مركبا ميرة لأصحابه، فأخذتها القرامطة سوى مركبين أخذتها الأفرنج. وجرت خطوب كثيرة. ومن شعر الحسين بن أحمد بن بهرام أمير القرامطة في ذلك: زعمت رجال الغرب أنى هبتها … فدمى إذن ما بينهم مطلول يا مصر إن لم أسق أرضك من دم … يروى تراك فلا سقاني النيل وفيها تزوج أبو تغلب بن حمدان بنت بختيار عز الدولة وعمرها ثلاث سنين على صداق مائة

стр. 3806

ألف دينار، ووقع العقد في صفر منها. وفيها استوزر مؤيد الدولة بن ركن الدولة الصاحب أبا القاسم ابن عباد فأصلح أموره وساس دولته جيدا. وفيها أذن بدمشق وسائر الشام بحي على خير العمل. قال ابن عساكر في ترجمة جعفر بن فلاح نائب دمشق: وهو أول من تأمر بها عن الفاطميين، أخبرنا أبو محمد الأكفاني قال قال أبو بكر أحمد بن محمد بن شرام: وفي يوم الخميس لخمس خلون من صفر من سنة ستين وثلاثمائة أعلن المؤذنون في الجامع بدمشق وسائر مآذن البلد، وسائر المساجد بحي على خير العمل بعد حي على الفلاح، أمرهم بذلك جعفر بن فلاح، ولم يقدروا على مخالفته، ولا وجدوا من المسارعة إلى طاعته بدا. وفي يوم الجمعة الثامن من جمادى الآخرة أمر المؤذنون أن يثنوا الأذان والتكبير في الاقامة مثنى مثنى. وأن يقولوا في الاقامة حي على خير العمل، فاستعظم الناس ذلك وصبروا على حكم الله تعالى. وفيها توفى من الأعيان سليمان بن أحمد بن أيوب أبو القاسم الطبراني الحافظ الكبير صاحب المعاجم الثلاثة: الكبير، والأوسط، والصغير. وله كتاب السنة وكتاب مسند الشاميين، وغير ذلك من المصنفات المفيدة، عمر مائة سنة. توفى بأصبهان ودفن على بابها عند قبر حممة الصحابي. قاله أبو الفرج ابن الجوزي. قال ابن خلكان: سمع من ألف شيخ، قال: وكانت وفاته في يوم السبت لليلتين بقيتا من ذي القعدة من هذه السنة وقيل في شوال منها، وكان مولده في سنة ستين ومائتين فمات وله من العمر مائة سنة. الرفّاء الشاعر أحمد بن السري أبو الحسن الكندي الرفّاء الشاعر الموصلي، أرخ وفاته ابن الأثير في هذه السنة، توفى في بغداد. وذكر بن الجوزي أنه توفى سنة ثنتين وستين وثلاثمائة كما سيأتي. محمد بن جعفر ابن محمد بن الهيثم بن عمران بن يزيد أبو بكر بن المنذر أصله أنبارى. سمع من أحمد بن الخليل ابن البرجلاني، ومحمد بن العوام الرياحي، وجعفر بن محمد الصائغ، وأبى إسماعيل الترمذي. قال ابن الجوزي وهو آخر من روى عنهم. قالوا: وكانت أصوله جيادا بخط أبيه، وسماعه صحيحا، وقد انتقى عنه أبو عمرو البصري. توفى فجأة يوم عاشوراء وقد جاوز التسعين. محمد بن الحسن بن عبد الله أبو بكر الآجري سمع جعفر الفريابي، وأبا شعيب الحراني، وأبا مسلم الكجي وخلقا، وكان ثقة صادقا دينا، وله مصنفات كثيرة مفيدة، منها الأربعون الآجرية، وقد حدث ببغداد قبل سنة ثلاثين وثلاثمائة، ثم انتقل إلى مكة فأقام بها حتى مات بعد إقامته بها ثلاثين سنة ﵀.

стр. 3807

محمد بن جعفر بن محمد أبو عمر والزاهد، سمع الكثير ورحل إلى الآفاق المتباعدة، وسمع منه الحفاظ الكبار، وكان فقيرا متقللا يضرب اللبن بقبور الفقراء، ويتقوت برغيف وجزرة أو بصلة، ويقوم الليل كله. توفى في جمادى الآخرة منها عن خمس وتسعين سنة. محمد بن داود أبو بكر الصوفي ويعرف بالدقى أصله من الدينور أقام ببغداد، ثم ارتحل وانتقل إلى دمشق، وقد قرأ على ابن مجاهد وسمع الحديث من محمد بن جعفر الخرائطى، صاحب ابن الجلاء، والدقاق. توفى في هذه السنة وقد جاوز المائة محمد بن الفرحانى ابن زروية المروزي الطبيب، دخل بغداد وحدث بها عن أبيه بأحاديث منكرة، روى عن الجنيد وابن مرزوق، قال ابن الجوزي: وكان فيه ظرف ولباقة، غير أنهم كانوا يتهمونه بوضع الحديث. أحمد بن الفتح ويقال ابن أبى الفتح الخاقانيّ، أبو العباس النجاد، إمام جامع دمشق. قال ابن عساكر: كان عابدا صالحا، وذكر أن جماعة جاءوا لزيارته فسمعوه يتأوه من وجع كان به، فأنكروا عليه ذلك، فلما خرج إليهم قال لهم: إن آه اسم من تستروح إليه الأعلى، قال فزاد في أعينهم وعظموه. قلت: لكن هذا الّذي قاله لا يؤخذ عنه مسلما إليه فيه، بل يحتاج إلى نقل صحيح عن المعصوم، فان أسماء الله تعالى توقيفية على الصحيح. ثم دخلت سنة إحدى وستين وثلاثمائة في عاشر المحرم منها عملت الروافض بدعتهم كما تقدم، وفي المحرم منها أغارت الروم على الجزيرة وديار بكر فقتلوا خلقا من أهل الرها، وساروا في البلاد كذلك يقتلون ويأسرون ويغنمون إلى أن وصلوا نصيبين ففعلوا ذلك، ولم يغن عن تلك النواحي أبو تغلب بن حمدان متوليها شيئا، ولا دافع عنهم ولا له قوة، فعند ذلك ذهب أهل الجزيرة إلى بغداد وأرادوا أن يدخلوا على الخليفة المطيع لله وغيره يستنصرونه ويستصرخون، فرثى لهم أهل بغداد وجاءوا معهم إلى الخليفة فلم يمكنهم ذلك، وكان بختيار بن معز الدولة مشغولا بالصيد فذهبت الرسل وراءه فبعث الحاجب سبكتكين يستنفر الناس، فتجهز خلق كثير من العامة، وكتب إلى تغلب أن يعد الميرة والاقامة، فأظهر السرور والفرح، ولما تجهزت العامة للغزاة وقعت بينهم فتنة شديدة بين الروافض وأهل السنة، وأحرق أهل السنة دور الروافض في الكرخ وقالوا: الشر كله منكم، وثار العيارون ببغداد يأخذون أموال الناس، وتناقض النقيب أبو أحمد الموسوي والوزير أبو الفضل الشيرازي، وأرسل بختيار بن معز الدولة

стр. 3808

إلى الخليفة يطلب منه أموالا يستعين بها على هذه الغزوة، فبعث إليه يقول: لو كان الخراج يجيئ إلى لدفعت منه ما يحتاج المسلمون إليه، ولكن أنت تصرف منه في وجوه ليس بالمسلمين إليها ضرورة وأما أنا فليس عندي شيء أرسله إليك. فترددت الرسل بينهم وأغلظ بختيار للخليفة في الكلام وتهدده فاحتاج الخليفة أن يحصل له شيئا فباع بعض ثياب بدنه وشيئا من أثاث بيته، ونقض بعض سقوف داره وحصل له أربعمائة ألف درهم فصرفها بختيار في مصالح نفسه وأبطل تلك الغزاة، فنقم الناس للخليفة وساءهم ما فعل به ابن بويه الرافضيّ من أخذه مال الخليفة وتركه الجهاد، فلا جزاه الله خيرا عن المسلمين. وفيها تسلم أبو تغلب بن حمدان قلعة ماردين فنقل حواصلها وما فيها إلى الموصل. وفيها اصطلح الأمير منصور بن نوح الساماني صاحب خراسان وركن الدولة بن بويه وابنه عضد الدولة على أن يحملا إليه في كل سنة مائة ألف دينار وخمسين ألف دينار، وتزوج بابنة ركن الدولة، فحمل إليه من الهدايا والتحف ما لا يعد ولا يحصى. وفي شوال منها خرج المعز الفاطمي بأهله وحاشيته وجنوده من المدينة المنصورة من بلاد المغرب قاصدا البلاد المصرية، بعد ما مهد له مولاه جوهر أمرها وبنى له بها القصرين، واستخلف المعز على بلاد المغرب ونواحيها وصقلّيّة وأعمالها نوابا من جهته وحزبه وأنصاره من أهل تلك البلاد، واستصحب معه شاعره محمد بن هانئ الأندلسى، فتوفى في أثناء الطريق، وكان قدوم المعز إلى القاهرة في رمضان من السنة الآتية على ما سيأتي. وفيها حج بالناس الشريف أبو أحمد الموسوي النقيب على الطالبيين كلهم. وفيها توفى من الأعيان سعيد بن أبى سعيد الجنابي أبو القاسم القرمطى الهجريّ، وقام بالأمر من بعده أخوه أبو يعقوب يوسف، ولم يبق من سلالة أبى سعيد سواه عثمان بن عمر بن خفيف أبو عمر المقري المعروف بالدراج، روى عن أبى بكر بن أبى داود وعنه ابن رزقويه، وكان من أهل القراءات والفقه والدراية والديانة والسيرة الجميلة، وكان يعد من الابدال. توفى يوم الجمعة في رمضان منها على بن إسحاق بن خلف أبو الحسين القطان الشاعر المعروف بالمراهى. ومن شعره: قم فهن عاشقين * أصبحا مصطحبين … جمعا بعد فراق * فجعا منه ببين ثم عادا في سرور * من صدود آمنين … بهما روح ولكن * ركبت في بدنين أحمد بن سهل ابن شداد أبو بكر المخرمي، سمع أبا خليفة وجعفر الفريابي، وابن أبى الفوارس وابن جرير وغيرهم، وعنه الدار قطنى وابن رزقويه وأبو نعيم. وقد ضعفه البرقاني وابن الجوزي وغيرهم.

стр. 3809

ثم دخلت سنة ثنتين وستين وثلاثمائة في عاشر محرمها عملت الروافض من النياحة وتعليق المسوح وغلق الأسواق ما تقدم قبلها. وفيها اجتمع الفقيه أبو بكر الرازيّ الحنفي وأبو الحسن على بن عيسى الرماني وابن الدقاق الحنبلي بعز الدولة بختيار بن بويه وحرضوه على غزو الروم فبعث جيشا لقتالهم فأظفره الله بهم، وقتلوا منهم خلقا كثيرا وبعثوا برءوسهم إلى بغداد فسكنت أنفس الناس. وفيها سارت الروم مع ملكهم لحصار آمد وعليها هزرمرد غلام أبى الهيجاء بن حمدان، فكتب إلى أبى تغلب يستنصره فبعث إليه أخاه أبا القاسم هبة الله ناصر الدولة بن حمدان، فاجتمعا لقتاله فلقياه في آخر يوم من رمضان في مكان ضيق لا مجال للخيل فيه، فاقتتلوا مع الروم قتالا شديدا فعزمت الروم على الفرار فلم يقدروا فاستحر فيهم القتل وأخذ الدمستق أسيرا فأودع السجن فلم يزل فيه حتى مرض ومات في السنة القابلة، وقد جمع أبو تغلب الأطباء له فلم ينفعه شيء. وفيها أحرق الكرخ ببغداد وكان سببه أن صاحب المعونة ضرب رجلا من العامة فمات فثارت عليه العامة وجماعة من الأتراك، فهرب منهم فدخل دارا فأخرجوه مسجونا وقتلوه وحرقوه، فركب الوزير أبو الفضل الشيرازي - وكان شديد التعصب للسنة - وبعث حاجبه إلى أهل الكرخ فألقى في دورهم النار فاحترقت طائفة كثيرة من الدور والأموال من ذلك ثلاثمائة دكان وثلاثة وثلاثون مسجدا، وسبعة عشر ألف إنسان. فعند ذلك عزله بختيار عن الوزارة وولاها محمد بن بقية، فتعجب الناس من ذلك، وذلك أن هذا الرجل كان وضيعا عند الناس لا حرمة له، كان أبوه فلاحا بقرية كوثا، وكان هو ممن يخدم عز الدولة، كان يقدم له الطعام ويحمل منديل الزفر على كتفه، إلى أن ولى الوزارة، ومع هذا كان أشد ظلما للرعية من الّذي قبله، وكثر في زمانه العيّارون ببغداد، وفسدت الأمور. وفيها وقع الخلاف بين عز الدولة وبين حاجبه سبكتكين ثم اصطلحا على دخن. وفيها كان دخول المعز الفاطمي الديار المصرية وصحبته توابيت آبائه، فوصل إلى اسكندرية في شعبان، وقد تلقاه أعيان مصر إليها، فخطب الناس هنالك خطبة بليغة ارتجالا، ذكر فيها فضلهم وشرفهم، وقد كذب فقال فيها: إن الله أغاث الرعايا بهم وبدولتهم. وحكى قاضى بلاد مصر وكان جالسا إلى جنبه فسأله: هل رأيت خليفة أفضل منى؟ فقال له لم أر أحدا من الخلفاء سوى أمير المؤمنين. فقال له: أحججت؟ قال نعم. قال: وزرت قبر الرسول؟ قال: نعم. قال: وقبر أبى بكر وعمر؟ قال فتحيرت ما أقول فإذا ابنه العزيز مع كبار الأمراء فقلت: شغلني عنهما رسول الله كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولى العهد من بعده، ونهضت إليه وسلمت عليه ورجعت فانفسح المجلس إلى غيره. ثم سار من الاسكندرية إلى مصر فدخلها في الخامس من رمضان من هذه السنة فنزل القصرين، فقيل إنه أول ما دخل إلى محل ملكه خر ساجدا شكرا لله

стр. 3810

، ثم كان أول حكومة انتهت إليه أن امرأة كافور الإخشيدي ذكرت أنها كانت أودعت رجلا من اليهود الصواغ قباء من لؤلؤ منسوج بالذهب، وأنه جحدها ذلك، فاستحضره وقرره فجحد ذلك وأنكره. فأمر أن تحفر داره ويستخرج منها ما فيها، فوجدوا القباء بعينه قد جعله في جرة ودفنه في بعض المواضع من داره، فسلمه المعز إليها ووفره عليها، ولم يتعرض إلى القباء فقدمته إليه فأبى أن يقبله منها فاستحسن الناس منه ذلك. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ «إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر». وفيها توفى من الأعيان السري بن أحمد بن أبى السري أبو الحسن الكندي الموصلي، الرفّاء الشاعر، له مدائح في سيف الدولة بن حمدان وغيره من الملوك والأمراء، وقد قدم بغداد فمات بها في هذه السنة، وقيل في سنة أربع وقيل خمس وقيل ست وأربعين. وقد كان بينه وبين محمد بن سعيد معاداة، وادعى عليه أنه سرق شعره، وكان مغنيا ينسج على ديوان كشاجم الشاعر، وربما زاد فيه من شعر الخالديين ليكثر حجمه. قال ابن خلكان: وللسرى الرفّاء هذا ديوان كبير جدا وأنشد من شعره. يلقى الندى برقيق وجه مسفر … فإذا التقى الجمعان عاد صفيقا رحب المنازل ما أقام، فان سرى … في جحفل ترك الفضاء مضيقا محمد بن هاني الأندلسى الشاعر استصحبه المعز الفاطمي من بلاد القيروان حين توجه إلى مصر، فمات ببعض الطريق، وجد مقتولا على حافة البحر في رجب منها، وقد كان قوى النظم إلا أنه كفره غير واحد من العلماء في مبالغته في مدحه الخلق، فمن ذلك قوله يمدح المعز: ما شئت لا ما شاءت الأقدار … فاحكم فأنت الواحد القهار وهذا من أكبر الكفر. وقال أيضا قبحه الله وأخزاه: ولطالما زاحمت تحت ركابه جبريلا ومن ذلك - قوله - قال ابن الأثير ولم أرها في شعره ولا في ديوانه -: جل بزيادة جل المسيح … بها وجل آدم ونوح جل بها الله ذو المعالي … فكل شيء سواه ريح وقد اعتذر عنه بعض المتعصبين له. قلت: هذا الكلام إن صح عنه فليس عنه اعتذار، لا في الدار الآخرة ولا في هذه الدار. وفيها توفى. إبراهيم بن محمد ابن شجنونة بن عبد الله المزكي أحد الحفاظ أنفق على الحديث وأهله أموالا جزيلة، وأسمع

стр. 3811

الناس بتخريجه، وعقد له مجلس للاملاء بنيسابور، ورحل وسمع من المشايخ غربا وشرقا، ومن مشايخه ابن جرير وابن أبى حاتم، وكان يحضر مجلسه خلق كثير من كبار المحدثين، منهم أبو العباس الأصم وأضرابه، توفى عن سبع وستين سنة. سعيد بن القاسم بن خالد أبو عمرو البردعي أحد الحفاظ، روى عنه الدار قطنى وغيره. محمد بن الحسن بن كوثر بن على أبو بحر البربهاري، روى عن إبراهيم الحربي وتمام والباغندي والكديمي وغيرهم، وقد روى عنه ابن رزقويه وأبو نعيم وانتخب عليه الدار قطنى، وقال: اقتصروا على ما خرجته له فقد اختلط صحيح سماعه بفاسده. وقد تكلم فيه غير واحد من حفاظ زمانه بسبب تخليطه وغفلته واتهمه بعضهم بالكذب أيضا. ثم دخلت سنة ثلاث وستين وثلاثمائة فيها في عاشوراء عملت البدعة الشنعاء على عادة الروافض، ووقعت فتنة عظيمة ببغداد بين أهل السنة والرافضة، وكلا الفريقين قليل عقل أو عديمه، بعيد عن السداد، وذلك أن جماعة من أهل السنة أركبوا امرأة وسموها عائشة، وتسمى بعضهم بطلحة، وبعضهم بالزبير، وقالوا: نقاتل أصحاب على، فقتل بسبب ذلك من الفريقين خلق كثير، وعاث العيارون في البلد فسادا، ونهبت الأموال، ثم أخذ جماعة منهم فقتلوا وصلبوا فسكنت الفتنة. وفيها أخذ بختيار بن معز الدولة الموصل، وزوج ابنته بابن أبى تغلب بن حمدان. وفيها وقعت الفتنة بالبصرة بين الديالم والأتراك، فقويت الديلم على الترك بسبب أن الملك فيهم فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وحبسوا رءوسهم ونهبوا كثيرا من أموالهم. وكتب عز الدولة إلى أهله إني سأكتب إليكم أنى قدمت فإذا وصل إليكم الكتاب فأظهروا النوح واجلسوا للعزاء، فإذا جاء سبكتكين للعزاء فاقبضوا عليه فإنه ركن الأتراك ورأسهم. فلما جاء الكتاب إلى بغداد بذلك أظهروا النوح وجلسوا للعزاء ففهم سبكتكين أن هذه مكيدة فلم يقربهم، وتحقق العداوة بينه وبين عز الدولة، وركب من فوره في الأتراك فحاصر دار عز الدولة يومين، ثم أنزل أهله منها ونهب ما فيها وأحدرهم إلى دجلة وإلى واسط منفيين، وكان قد عزم على إرسال الخليفة المطيع معهم، فتوسل إليه الخليفة فعفا عنه وأقره بداره، وقويت شوكة سبكتكين والأتراك ببغداد، ونهبت الأتراك دور الديلم، وخلع سبكتكين على رءوس العامة، لأنهم كانوا معه على الديلم، وقويت السنة على الشيعة وأحرقوا الكرخ - لأنه محل الرافضة - ثانيا، وظهرت السنة على يدي الأتراك، وخلع المطيع وولى ولده على ما سنذكر إن شاء الله تعالى.

стр. 3812

خلافة الطائع وخلع المطيع ذكر ابن الأثير أنه لما كان الثالث عشر من ذي القعدة، وقال ابن الجوزي: كان ذلك يوم الثلاثاء التاسع عشر من ذي القعدة من هذه السنة، خلع المطيع لله وذلك لفالج أصابه فثقل لسانه، فسأله سبكتكين أن يخلع نفسه ويولى من بعده ولده الطائع، فأجاب إلى ذلك فعقدت البيعة للطائع بدار الخلافة على يدي الحاجب سبكتكين، وخلع أبوه المطيع بعد تسع وعشرين سنة كانت له في الخلافة، ولكن تعوض بولاية ولده. واسم الطائع أبو بكر عبد الكريم بن المطيع أبى القاسم، ولم يل الخلافة من اسمه عبد الكريم سواه، ولا من أبوه حي سواه، ولا من كنيته أبو بكر سواه وسوى أبى بكر الصديق ﵁. ولم يل الخلافة من بنى العباس أسن منه، كان عمره لما تولى ثمانيا وأربعين سنة، وكانت أمه أم ولد اسمها غيث، تعيش يوم ولى. ولما بويع ركب وعليه البردة وبين يديه سبكتكين والجيش، ثم خلع من الغد على سبكتكين خلع الملوك ولقبه ناصر الدولة، وعقد له الامارة. ولما كان يوم الأضحى ركب الطائع وعليه السواد، فخطب الناس بعد الصلاة خطبة خفيفة حسنة. وحكى ابن الجوزي في منتظمه أن المطيع لله كان يسمى بعد خلعه بالشيخ الفاضل. ذكر الحرب بين المعز الفاطمي وبين الحسين بن أحمد القرمطى لما استقر المعز الفاطمي بالديار المصرية وابتنى فيها القاهرة والقصرين وتأكد ملكه، سار إليه الحسين بن أحمد القرمطى من الأحساء في جمع كثيف من أصحابه، والتف معه أمير العرب ببلاد الشام وهو حسان بن الجراح الطائي، في عرب الشام بكمالهم، فلما سمع بهم المعز الفاطمي أسقط في يده لكثرتهم، وكتب إلى القرمطى يستميله ويقول: إنما دعوة آبائك كانت إلى آبائي قديما، فدعوتنا واحدة، ويذكر فيه فضله وفضل آبائه، فرد عليه الجواب: وصل كتابك الّذي كثر تفضيله وقل تحصيله ونحن سائرون إليك على إثره والسلام. فلما انتهوا إلى ديار مصر عاثوا فيها قتلا ونهبا وفسادا وحار المعز فيما يصنع وضعف جيشه عن مقاومتهم، فعدل إلى المكيدة والخديعة، فراسل حسان بن الجراح أمير العرب ووعده بمائة ألف دينار إن هو خذل بين الناس، فبعث إليه حسان يقول أن ابعث إلى بما التزمت وتعال بمن معك، فإذا لقيتنا انهزمت بمن معى فلا يبقى للقرمطى قوة فتأخذه كيف شئت. فأرسل إليه بمائة ألف دينار في أكياسها، ولكن أكثرها زغل ضرب النحاس وألبسه ذهبا وجعله في أسفل الأكياس، وجعل في رءوسها الدنانير الخالصة، ولما بعثها إليه ركب في إثرها في جيشه فالتقى الناس فانهزم حسان بمن معه، فضعف جانب القرمطى وقوى عليه الفاطمي فكسره، وانهزمت القرامطة ورجعوا إلى أذرعات في أذل حال وأرذله، وبعث المعز في آثارهم القائد أبا محمود بن إبراهيم في عشرة آلاف فارس، ليحسم مادة القرامطة ويطفئ نارهم عنه.

стр. 3813

ذكر ملك المعز الفاطمي دمشق وانتزاعه إياها من القرامطة لما انهزم القرمطى بعث المعز سرية وأمر عليهم ظالم بن موهوب العقيلي، فجاءوا إلى دمشق فتسلمها من القرامطة بعد حصار شديد واعتقل متوليها أبا الهيجاء القرمطى وابنه، واعتقل رجلا يقال له أبو بكر من أهل نابلس، كان يتكلم في الفاطميين ويقول: لو كان معى عشرة أسهم لرميت الروم بواحد ورميت الفاطميين بتسعة. فأمر به فسلخ بين يدي المعز وحشي جلده تبنا وصلب بعد ذلك. ولما تفرغ أبو محمود القائد من قتال القرامطة أقبل نحو دمشق فخرج إليه ظالم بن موهوب فتلقاه إلى ظاهر البلد وأكرمه وأنزله ظاهر دمشق، فأفسد أصحابه في الغوطة ونهبوا الفلاحين وقطعوا الطرقات، فتحول أهل الغوطة إلى البلد من كثرة النهب، وجيء بجماعة من القتلى فالقوا فكثر الضجيج، وغلقت الأسواق، واجتمعت العامة للقتال، والتقوا مع المغاربة فقتل من الفريقين جماعة وانهزمت العامة غير مرة، وأحرقت المغاربة ناحية باب الفراديس، فاحترق شيء كثير من الأموال والدور، وطال القتال بينهم إلى سنة أربع وستين وأحرقت البلد مرة أخرى بعد عزل ظالم بن موهوب وتولية جيش بن صمصامة بن أخت أبى محمود قبحه الله، وقطعت القنوات وسائر المياه عن البلد، ومات كثير من الفقراء في الطرقات من الجوع والعطش، ولم يزل الحال كذلك حتى ولى عليهم الطواشى ريان الخادم من جهة المعز الفاطمي، فسكنت النفوس ولله الحمد. فصل ولما قويت الأتراك ببغداد تحير بختيار بن معز الدولة في أمره وهو مقيم بالأهواز لا يستطيع الدخول إلى بغداد، فأرسل إلى عمه ركن الدولة يستنجده فأرسل إليه بعسكر مع وزيره أبى الفتح بن العميد، وأرسل إلى ابن عمه عضد الدولة بن ركن الدولة فأبطأ عليه وأرسل إلى عمران بن شاهين فلم يجبه، وأرسل إلى أبى تغلب بن حمدان فأظهر نصره وإنما يريد في الباطن أخذ بغداد، وخرجت الأتراك من بغداد في جحفل عظيم ومعهم الخليفة المطيع وأبوه، فلما انتهوا إلى واسط توفى المطيع وبعد أيام توفى سبكتكين، فحملا إلى بغداد والتف الأتراك على أمير يقال له الفتكين، فاجتمع شملهم والتقوا مع بختيار فضعف أمره جدا وقوى عليه ابن عمه عضد الدولة فأخذ منه ملك العراق وتمزق شمله، وتفرق أمره. وفيها خطب للمعز الفاطمي بالحرمين مكة والمدينة النبويّة. وفيها خرج طائفة من بنى هلال وطائفة من العرب على الحجاج فقتلوا منهم خلقا كثيرا، وعطلوا على من بقي منهم الحج في هذا العام. وفيها انتهى تاريخ ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة وأوله من سنة خمس وتسعين ومائتين، وهي أول دولة المقتدر. وفيها كانت زلزلة شديدة بواسط، وحج بالناس فيها الشريف أبو أحمد الموسوي، ولم يحصل لأحد حج في هذه السنة سوى من كان معه على درب

стр. 3814

العراق، وقد أخذ بالناس على طريق المدينة فتم حجهم. وفيها توفى من الأعيان العباس بن الحسين أبو الفضل السراجى الوزير لعز الدولة بختيار بن معز الدولة بن بويه، وكان من الناصرين للسنة المتعصبين لها، عكس مخدومه، فعزله وولى محمد بن بقية البابا كما تقدم، وحبس هذا فقتل في محبسه في ربيع الآخر منها، عن تسع وخمسين سنة، وكان فيه ظلم وحيف فالله أعلم. وأبو بكر عبد العزيز بن جعفر الفقيه الحنبلي المعروف بغلام، أحد مشاهير الحنابلة الأعيان، وممن صنف وجمع وناظر، وسمع الحديث من أبى القاسم البغوي وطبقته، ومات وقد عدا الثمانين. قال ابن الجوزي: وله المقنع في مائة جزء، والشافي في ثمانين جزء، وزاد المسافر والخلاف مع الشافعيّ وكتاب القولين ومختصر السنة، وغير ذلك في التفسير والأصول. على بن محمد أبو الفتح البستي الشاعر المشهور، له ديوان جيد قوى، وله في المطابقة والمجانسة اليد الطولى، ومبتكرات أولى. وقد ذكر ابن الجوزي له في منتظمه من ذلك قطعة كبيرة مرتبة على حروف المعجم، من ذلك قوله: إذا قنعت بميسور من القوت … بقيت في الناس حرا غير ممقوت يا قوت يومى إذا ما در خلفك لي … فلست آسى على در وياقوت وقوله: يا أيها السائل عن مذهبي … ليقتدى فيه بمنهاجى منهاجي الحق وقمع الهوى … فهل لمنهاجى من هاجى وقوله: أفد طبعك المكدود بالجد راحة … تجم، وعلله بشيء من المزح ولكن إذا أعطيت ذلك فليكن … بمقدار ما تعطى الطعام من الملح أبو فراس بن حمدان الشاعر له ديوان مشهور. استنابه أخوه سيف الدولة على حران ومنبج، فقاتل مرة الروم فأسروه ثم استنقذه سيف الدولة، واتفق موته في هذه السنة عن ثمان وأربعين سنة، وله شعر رائق ومعاني حسنة، وقد رثاه أخوه سيف الدولة فقال: المرء رهن مصائب لا تنقضي … حتى يوارى جسمه في رمسه فمؤجل يلقى الردى في أهله … ومعجل يلقى الأذى في نفسه فلما قالهما كان عنده رجل من العرب فقال قل في معناهما فقال الأعرابي:

стр. 3815

من يتمنى العمر فليتخذ … صبرا على فقد أحبابه ومن يعمر يلق في نفسه … ما يتمناه لأعدائه كذا ذكر ابن الساعي هذين البيتين من شعر سيف الدولة في أخيه أبى فراس، وذكرها ابن الجوزي من شعر أبى فراس نفسه، وأن الأعرابي أجازهما بالبيتين المذكورين بعدهما. ومن شعر أبى فراس: سيفقدنى قومي إذا جد جدهم … وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر ولو سد غيري ما سددت اكتفوا … به وما فعل النسر الرفيق مع الصقر وقوله من قصيدة: إلى الله أشكو إننا بمنازل … تحكم في آسادهن كلاب فليتك تحلو والحياة مريرة … وليتك ترضى والأنام غضاب وليت الّذي بيني وبينك عامر … وبيني وبين العالمين خراب ثم دخلت سنة أربع وستين وثلاثمائة فيها جاء عضد الدولة بن ركن الدولة بن بويه إلى واسط ومعه وزير أبيه أبو الفتح بن العميد، فهرب منه الفتكين في الأتراك إلى بغداد، فسار خلفهم فنزل في الجانب الشرقي منها، وأمر بختيار أن ينزل على الجانب الغربي، وحصر الترك حصرا شديدا، وأمر أمراء الأعراب أن يغيروا على الأطراف ويقطعوا عن بغداد الميرة الواصلة إليها، فغلت الأسعار وامتنع الناس من المعاش من كثرة العيارين والنهوب، وكبس الفتكين البيوت لطلب الطعام واشتد الحال، ثم التقت الأتراك وعضد الدولة فكسرهم وهربوا إلى تكريت واستحوذ عضد الدولة على بغداد وما والاها من البلاد، وكانت الترك قد أخرجوا معهم الخليفة فرده عضد الدولة إلى دار الخلافة مكرما، ونزل هو بدار الملك وضعف أمر بختيار جدا، ولم يبق معه شيء بالكلية، فأغلق بابه وطرد الحجبة والكتاب عن بابه واستعفى عن الامارة، وكان ذلك بمشورة عضد الدولة، فاستعطفه عضد الدولة في الظاهر، وقد أشار عليه في الباطن أن لا يقبل فلم يقبل. وترددت الرسل بينهما فصمم بختيار على الامتناع ظاهرا، فألزم عضد الدولة بذلك وأظهر للناس أنه إنما يفعل هذا عجزا منه عن القيام بأعباء الملك فأمر بالقبض على بختيار وعلى أهله واخوته، ففرح بذلك الخليفة الطائع، وأظهر عضد الدولة من تعظيم الخلافة ما كان دارسا، وجدد دار الخلافة حتى صار كل محل منها آنسا، وأرسل إلى الخليفة بالأموال والأمتعة الحسنة العزيزة وقتل المفسدين من مردة الترك وشطار العيارين. قال ابن الجوزي: وفي هذه السنة عظم البلاء بالعيارين ببغداد، وأحرقوا سوق باب الشعير، وأخذوا أموالا كثيرة، وركبوا الخيول وتلقبوا بالقواد، وأخذوا الخفر من الأسواق والدروب،

стр. 3816

وعظمت المحنة بهم جدا واستفحل أمرهم، حتى أن رجلا منهم أسود كان مستضعفا نجم فيهم وكثر ماله حتى اشترى جارية بألف دينار، فلما حصلت عنده حاولها عن نفسها فأبت عليه فقال لها: ماذا تكرهين منى؟ قالت: أكرهك كلك. فقال: فما تحبين؟ فقالت تبيعني. فقال: أو خير من ذلك؟ فحملها إلى القاضي فأعتقها وأعطاها ألف دينار وأطلقها، فتعجب الناس من حلمه وكرمه مع فسقه وقوته. قال: وورد الخبر في المحرم بأنه خطب للمعز الفاطمي بمكة والمدينة في الموسم، ولم يخطب للطائع. قال: وفي رجب منها غلت الأسعار ببغداد حتى بيع الكر الدقيق الحواري بمائة ونيف وسبعين دينارا. قال: وفيها اضمحل أمر عضد الدولة بن بويه وتفرق جنده عنه ولم يبق معه سوى بغداد وحدها، فأرسل إلى أبيه يشكو له ذلك، فأرسل يلومه على الغدر بابن عمه بختيار، فلما بلغه ذلك خرج من بغداد إلى فارس بعد أن أخرج ابن عمه من السجن وخلع عليه وأعاده إلى ما كان عليه، وشرط عليه أن يكون نائبا له بالعراق يخطب له بها، وجعل معه أخاه أبا إسحاق أمير الجيوش لضعف بختيار عن تدبير الأمور، واستمر ذاهبا إلى بلاده، وذلك كله عن أمر أبيه له بذلك، وغضبه عليه بسبب غدره بابن عمه وتكرار مكاتباته فيه إليه. ولما سار ترك بعده وزير أبيه أبا الفتح بن العميد، ولما استقر عز الدولة بختيار ببغداد وملك العراق لم يف لابن عمه عضد الدولة بشيء مما قال، ولا ما كان التزم، بل تمادى على ضلاله القديم، واستمر على مشيه الّذي هو غير مستقيم، من الرفض وغيره. قال: وفي يوم الخميس لعشر خلون من ذي القعدة تزوج الخليفة الطائع شاه باز بنت عز الدولة على صداق مائة ألف دينار، وفي سلخ ذي العقدة عزل القاضي أبو الحسن محمد بن صالح بن أم شيبان وقلده أبو محمد معروف. وإمام الحج فيها أصحاب الفاطمي، وخطب له بالحرمين دون الطائع والله سبحانه أعلم. ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين ذكر ابن الأثير في كامله أن الفتكين غلام معز الدولة الّذي كان قد خرج عن طاعته كما تقدم، والتف عليه عساكر وجيوش من الديلم والترك والأعراب، نزل في هذه السنة على دمشق، وكان عليها من جهة الفاطميين ريان الخادم، فلما نزل بظاهرها خرج إليه كبراء أهلها وشيوخها فذكروا له ما هم فيه من الظلم والغشم ومخالفة الاعتقاد بسبب الفاطميين، وسألوه أن يصمم على أخذها ليستنقذها منهم، فعند ذلك صمم على أخذها ولم يزل حتى أخذها وأخرج منها ريان الخادم وكسر أهل الشر بها، ورفع أهل الخير، ووضع في أهلها العدل وقمع أهل اللعب واللهو، وكف أيدي الأعراب الذين كانوا قد عاثوا في الأرض فسادا، وأخذوا عامة المرج والغوطة، ونهبوا أهلها. ولما استقامت الأمور على يديه وصلح أمر أهل الشام كتب إليه المعز الفاطمي يشكر سعيه ويطلبه إليه

стр. 3817

ليخلع عليه ويجعله نائبا من جهته، فلم يجبه إلى ذلك، بل قطع خطبته من الشام وخطب للطائع العباسي، ثم قصد صيدا وبها خلق من المغاربة عليهم ابن الشيخ، وفيهم ظالم بن موهوب العقيلي الّذي كان نائبا على دمشق للمعز الفاطمي، فأساء بهم السيرة، فحاصرهم ولم يزل حتى أخذ البلد منهم، وقتل منهم نحوا من أربعة آلاف من سراتهم، ثم قصد طبرية ففعل بأهلها مثل ذلك، فعند ذلك عزم المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له العساكر إذ توفى المعز في سنة خمس وستين كما سيأتي، وقام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك الفتكين بالشام، واستفحل أمره وقويت شوكته، ثم اتفق أمر المصريين على أن يبعثوا جوهرا القائد لقتاله وأخذ الشام من يده، فعند ذلك حلف أهل الشام لأفتكين أنهم معه على الفاطميين، وأنهم ناصحون له غير تاركيه وجاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرا شديدا ورأى من شجاعة الفتكين ما بهره، فلما طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على الفتكين أن يكتب إلى الحسين بن أحمد بن القرمطى وهو بالحساء، ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فلما سمع به جوهر لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد وخارجها، وفارتحل قاصدا الرملة فتبعه الفتكين والقرمطى في نحو من خمسين ألفا، فتواقعوا عند نهر الطواحين على ثلاث فراسخ من الرملة، وحصروا جوهرا بالرملة فضاق حاله جدا من قلة الطعام والشراب، حتى أشرف هو ومن معه على الهلاك، فسأل من الفتكين على أن يجتمع هو وهو على ظهور الخيل، فأجابه إلى ذلك، فلم يزل يترفق له أن يطلقه حتى يذهب بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرا له مثنيا عليه الخير، ولا يسمع من القرمطى فيه - وكان جوهر داهية - فأجابه إلى ذلك فندّمه القرمطى وقال: الرأى أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم فإنه يذهب إلى أستاذه ثم يجمع العساكر ويأتينا، ولا طاقة لنا به. وكان الأمر كما قال، فإنه لما أطلقه الفتكين من الحصر لم يكن له دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى الفتكين بنفسه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، وفي كثرة من الرجال والعدد والأثقال والأموال، وعلى مقدمته جوهر القائد. وجميع الفتكين والقرمطى الجيوش والأعراب وساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع وستين، ولما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة الفتكين ما بهره، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه ورجع إليه أن يجعله مقدم عساكره، وأن يحسن إليه غاية الإحسان. فترجل افتكين عن فرسه بين الصفين وقبل الأرض نحو العزيز، وأرسل إليه يقول: لو كان هذا القول سبق قبل هذا الحال لأمكننى وسارعت وأطعت، وأما الآن فلا. ثم ركب فرسه وحمل على ميسرة العزيز ففرق شملها وبدد خيلها ورجلها، فبرز عند ذلك العزيز من القلب وأمر الميمنة فحملت حملة صادقة فانهزم القرمطى وتبعه بقية الشاميين وركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون ويأسرون من شاءوا، وتحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه، وأرسل السرايا وراءهم،

стр. 3818

وجعل لا يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به، وجعل لمن جاءه الفتكين مائة ألف دينار، فاتفق أن الفتكين عطش عطشا شديدا، فاجتاز بمفرج بن دغفل، وكان صاحبه، فاستسقاه فسقاه وأنزله عنده في بيوته، وأرسل إلى العزيز يخبره بأن طلبته عنده، فليحمل المال إلى وليأخذ غريمه، فأرسل إليه بمائة ألف دينار وجاء من تسلمه منه، فلما أحيط بالفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عند العزيز أكرمه غاية الاكرام، ورد إليه حواصله وأمواله لم يفقد منها شيئا، وجعله من أخص أصحابه وأمرائه، وأنزله إلى جانب منزله، ورجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما، وأقطعه هنالك اقطاعات جزيلة، وأرسل إلى القرمطى أن يقدم عليه ويكرمه كما أكرم الفتكين، فامتنع عليه وخاف منه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار، وجعلها له عليه في كل سنة، يكف بها شره، ولم يزل الفتكين مكرما عند العزيز حتى وقع بينه وبين الوزير ابن كاس، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات، وحين علم العزيز بذلك غضب على الوزير وحبسه بضعا وأربعين يوما، وأخذ منه خمسمائة ألف دينار ثم رأى أن لا غنى به عنه فأعاده إلى الوزارة. وهذا ملخص ما ذكره ابن الأثير. وفيها توفى من الأعيان سبكتكين الحاجب التركي مولى المعز الديلميّ وحاجبه، وقد ترقى في المراتب حتى آل به الأمر إلى أن قلده الطائع الامارة وخلع عليه وأعطاه اللواء، ولقبه بنور الدولة، وكانت مدة أيامه في هذا المقام شهرين وثلاثة عشر يوما، ودفن ببغداد وداره هي دار الملك ببغداد، وهي دار عظيمة جدا، وقد اتفق له أنه سقط مرة عن فرسه فانكسر صلبه فداواه الطبيب حتى استقام ظهره وقدر على الصلاة إلا أنه لا يستطيع الركوع، فأعطاه شيئا كثيرا من الأموال، وكان يقول للطبيب: إذا ذكرت وجعي ومداواتك لي لا أقدر على مكافأتك، ولكن إذا تذكرت وضعك قدميك على ظهري اشتد غضبى منك. توفى ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرم منها، وقد ترك من الأموال شيئا كثيرا جدا، من ذلك ألف ألف دينار وعشرة آلاف ألف درهم، وصندوقان من جوهر، وخمسة عشر صندوقا من البلور، وخمسة وأربعين صندوقا من آنية الذهب، ومائة وثلاثون كوكبا من ذهب، منها خمسون وزن كل واحد ألف دينار، وستمائة مركب من فضة وأربعة آلاف ثوب من ديباج، وعشرة آلاف ديبقي وعتابى، وثلاثمائة عدل معكومة من الفرش، وثلاثة آلاف فرس وألف جمل وثلاثمائة غلام وأربعون خادما وذلك غير ما أودع عند أبى بكر البزار. وكان صاحبه. ثم دخلت سنة خمس وستين وثلاثمائة فيها قسم ركن الدولة بن بويه ممالكه بين أولاده عند ما كبرت سنه، فجعل لولده عضد الدولة بلاد فارس وكرمان وأرجان، ولولده مؤيد الدولة الري وأصبهان، ولفخر الدولة همدان والدينور،

стр. 3819

وجعل ولده أبا العباس في كنف عضد الدولة وأوصاه به. وفيها جلس قاضى القضاة ببغداد أبو محمد ابن معروف في دار عز الدولة لفصل الحكومات عن أمره له بذلك، فحكم بين يديه بين الناس وفيها حج بالناس أمير المصريين من جهة العزيز الفاطمي بعد ما حاصر أهل مكة ولقوا شدة عظيمة، وغلت الأسعار بها جدا. وفيها ذكر ابن الأثير أن يوسف بلتكين نائب المعز الفاطمي على بلاد إفريقية ذهب إلى سبتة فأشرف عليها من جبل فطل عليها فجعل يتأمل من أين يحاصرها، فحاصرها نصف يوم فخافه أهلها خوفا شديدا، ثم انصرف عنها إلى مدينة هنالك يقال لها بصرة في المغرب، فأمر بهدمها ونهبها، ثم سار إلى مدينة برغواطة وبها رجل يقال له عيسى بن أم الأنصار، وهو ملكها، وقد اشتدت المحنة به لسحره وشعبذته وادعى أنه نبي فأطاعوه، ووضع لهم شريعة يقتدون بها، فقاتلهم بلتكين فهزمهم وقتل هذا الفاجر ونهب أموالهم وسبى ذراريهم فلم يرسبى أحسن أشكالا منهم فيما ذكره أهل تلك البلاد في ذلك الزمان. وممن توفى فيها من الأعيان أحمد بن جعفر بن محمد بن سلم أبو بكر الحنبلي، له مسند كبير، روى عن عبد الله بن أحمد بن حنبل وأبى محمد الكجي وخلق، وروى عنه الدار قطنى وغيره، وكان ثقة وقد قارب التسعين. ثابت بن سنان بن ثابت بن قرة الصابي المؤرخ فيما ذكره ابن الأثير في الكامل. الحسين بن محمد بن أحمد أبو على الماسرجسي الحافظ، رحل وسمع الكثير وصنف مسندا في ألف وثلاثمائة جزء، بطرقه وعلله، وله المغازي والقبائل، وخرج على الصحيح وغيره، قال ابن الجوزي: وفي بيته وسلفه تسعة عشر محدثا، توفى في رجب منها. أبو أحمد بن عدي الحافظ أبو عبد الله بن محمد بن أبى أحمد الجرجاني - أبو أحمد بن عدي - الحافظ الكبير المفيد الامام العالم الجوال النقال الرحال، له كتاب الكامل في الجرح والتعديل، لم يسبق إلى مثله ولم يلحق في شكله. قال حمزة عن الدار قطنى: فيه كفاية لا يزاد عليه. ولد أبو أحمد بن عدي في سنة سبع وسبعين ومائتين وهي السنة التي توفى فيها أبو حاتم الرازيّ، وتوفى ابن عدي في جمادى الآخرة من هذه السنة. المعز الفاطمي باني القاهرة معد بن إسماعيل بن سعيد بن عبد الله أبو تميم المدعى أنه فاطمي، صاحب الديار المصرية، وهو أول من ملكها من الفاطميين، وكان أولا ملكا ببلاد إفريقية وما والاها من بلاد المغرب، فلما كان في سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة، بعث بين يديه جوهرا القائد فأخذ له بلاد مصر من

стр. 3820

كافور الإخشيدي بعد حروب تقدم ذكرها، واستقرت أيدي الفاطميين عليها، فبنى بها القاهرة وبنى منزل الملك وهما القصران، ثم أقام جوهر الخطبة للمعز الفاطمي في سنة ثنتين وستين وثلاثمائة ثم قدم المعز بعد ذلك ومعه جحافل من الجيوش، وأمراء من المغاربة والأكابر، وحين نزل الاسكندرية تلقاه وجوه الناس فخطبهم بها خطبة بليغة ادعى فيها أنه ينصف المظلوم من الظالم، وافتخر فيها بنسبه وأن الله قد رحم الأمة بهم، وهو مع ذلك متلبس بالرفض ظاهرا وباطنا كما قاله القاضي الباقلاني إن مذهبهم الكفر المحض، واعتقادهم الرفض، وكذلك أهل دولته ومن أطاعه ونصره ووالاه، قبحهم الله وإياه. وقد أحضر إلى بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقى أبو بكر النابلسي، فقال له المعز بلغني عنك أنك قلت لو أن معى عشرة أسهم لرميت الروم بتسعة ورميت المصريين بسهم، فقال ما قلت هذا، فظن أنه رجع عن قوله فقال: كيف قلت؟ قال: قلت ينبغي أن نرميكم بتسعة ثم نرميهم بالعاشر. قال: ولم؟ قال: لأنكم غيرتم دين الأمة وقتلتم الصالحين وأطفأ ثم نور الإلهية، وادعيتم ما ليس لكم. فأمر باشهاره في أول يوم ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث، فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن قال اليهودي: فأخذتني رقة عليه، فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات ﵀. فكان يقال له الشهيد، وإليه ينسب بنو الشهيد من أهل نابلس إلى اليوم، ولم تزل فيهم بقايا خير، وقد كان المعز قبحه الله فيه شهامة وقوة حزم وشدة عزم، وله سياسة، وكان يظهر أنه يعدل وينصر الحق ولكنه كان مع ذلك منجما يعتمد على حركات النجوم، قال له منجمه: إن عليك قطعا - أي خوفا - في هذه السنة فتوار عن وجه الأرض حتى تنقضي هذه المدة. فعمل له سردابا وأحضر الأمراء وأوصاهم بولده نزار ولقبه العزيز وفوض إليه الأمر حتى يعود إليهم، فبايعوه على ذلك، ودخل المعز ذلك السرداب فتوارى فيه سنة فكانت المغاربة إذا رأوا سحابا ترجل الفارس منهم له عن فرسه وأومأ إليه بالسلام ظانين أن المعز في ذلك الغمام، ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ﴾ ثم برز إليهم بعد سنة وجلس في مقام الملك وحكم على عادته أياما، ولم تطل مدته بل عاجله القضاء المحتوم، ونال رزقه المقسوم، فكانت وفاته في هذه السنة، وكانت أيامه في الملك قبل أن يملك مصر وبعد ما ملكها ثلاثا وعشرين سنة وخمسة أشهر وعشرة أيام، منها بمصر سنتان وتسعة أشهر والباقي ببلاد المغرب، وجملة عمره كلها خمسة وأربعون سنة وستة أشهر، لأنه ولد بإفريقية في عاشر رمضان سنة تسع عشرة وثلاثمائة وكانت وفاته بمصر في اليوم السابع عشر من ربيع الآخر سنة خمس وستين وثلاثمائة وهي هذه السنة. ثم دخلت سنة ست وستين وثلاثمائة فيها توفى ركن الدولة بن على بن بويه وقد جاوز التسعين سنة، وكانت أيام ولايته نيفا وأربعين
следующие страницы →